Tanya Kitab
Daftar surahSurah Al-Baqarah › Ayat 220

QS 2:220

Surah Al-Baqarah (البقرة) ayat 220

2:220
فِي ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةِۗ وَيَسۡـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلۡيَتَٰمَىٰۖ قُلۡ إِصۡلَاحٞ لَّهُمۡ خَيۡرٞۖ وَإِن تُخَالِطُوهُمۡ فَإِخۡوَٰنُكُمۡۚ وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ ٱلۡمُفۡسِدَ مِنَ ٱلۡمُصۡلِحِۚ وَلَوۡ شَآءَ ٱللَّهُ لَأَعۡنَتَكُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٞ
tentang dunia dan akhirat. Mereka menanyakan kepadamu (Muhammad) tentang anak-anak yatim. Katakanlah, "Memperbaiki keadaan mereka adalah baik!" Dan jika kamu mempergauli mereka, maka mereka adalah saudara-saudaramu. Allah mengetahui orang yang berbuat kerusakan dan yang berbuat kebaikan. Dan jika Allah menghendaki, niscaya Dia datangkan kesulitan kepadamu. Sungguh, Allah Mahaperkasa, Mahabijaksana
Tanya tentang ayat ini
← Ayat 219Ayat 221 →

Tafsir dalam korpus (134 potongan)

QS 2:220 (jilid 3 hlm. 698) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 3 · hlm. 698 · #53813
القولُ في تأويلِ قولِه عز ذكرُه: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾. اخْتَلف أهلُ التأويلِ فيما نزَلت هذه الآيةُ، فقال بعضُهم: نزَلت. حدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا يحيى بنُ آدمَ، عن إسرائيلَ، عن عطاءِ بنِ السائبِ، عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: لمَّا نزَلت: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [الأنعام: ١٥٢، الإسراء: ٣٤]. عزَلوا أموالَ اليتامى، فذكَروا ذلك لرسولِ اللهِ ﷺ، فنزَلت: ﴿وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شَاءَ اللهُ لَأَعْنَتَكُمْ﴾ فخالَطوهم.
QS 2:220 (jilid 3 hlm. 699) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 3 · hlm. 699 · #53814
اللهِ ﷺ، فنزَلت: ﴿وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شَاءَ اللهُ لَأَعْنَتَكُمْ﴾ فخالَطوهم. حدَّثنا سفيانُ بنُ وَكيعٍ، قال: ثنا جَرِيرٌ، عن عطاءِ بنِ السائبِ، عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: لمَّا نزَلت: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ و: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ [النساء: ١٠].
QS 2:220 (jilid 3 hlm. 699) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 3 · hlm. 699 · #53815
َنُ﴾ و: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ [النساء: ١٠]. انطَلق مَن كان عنده يتيمٌ فعزَل طعامَه مِن طعامِه، وشرابَه مِن شرابِه، فجعَل يَفْضُلُ الشئُ مِن طعامِه، فيُحْبَسُ له حتى يَأْكُلَه أو يَفْسُدَ، فاشتدَّ ذلك عليهم، فذكَروا ذلك لرسولِ اللهِ ﷺ، فأنْزَل اللهُ ﷿: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾ فخلَطوا طعامهم بطعامِهم، وشرابَهم بشرابِهم. حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا حكَّامٌ، عن عمرٍو، عن عطاءٍ، عن سعيدٍ، قال: لمَّا نزَلت: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾.
QS 2:220 (jilid 3 hlm. 699) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 3 · hlm. 699 · #53816
ثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا حكَّامٌ، عن عمرٍو، عن عطاءٍ، عن سعيدٍ، قال: لمَّا نزَلت: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾. قال: [كان يُصنَعُ] لليتيمِ طعامٌ فيَفْضُلُ منه الشئُ، فيَتْرُكُونه حتى يَفْسُدَ، فأنزَل اللهُ: ﴿وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾. حدَّثنا يحيى بنُ داودَ الواسطىُّ، قال: ثنا أبو أسامةَ، عن ابنِ أبى ليلَى، عن الحكمِ، قال: سُئِل عبدُ الرحمنِ بنُ أبى ليلى عن مالِ اليتيمِ، فقال: لمَّا نزَلت: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ اجْتُنِبتْ مُخَالطتُهم، واتَّقَوْا كلَّ شيءٍ، حتى اتَّقَوا المَاءَ، فلمَّا نزَلت: ﴿وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾. قال: فخالَطوهم. حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى﴾ الآية كلّها.
QS 2:220 (jilid 3 hlm. 700) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 3 · hlm. 700 · #53817
ْوَانُكُمْ﴾. قال: فخالَطوهم. حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى﴾ الآية كلّها. قال: كان اللهُ أنْزَل قبلَ ذلك في سورةِ "بنى إسرائيلَ": ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ فكبُرت عليهم، فكانوا لا يُخَالِطونهم في مَأْكَلٍ ولا في غيرِه، فاشتدَّ ذلك عليهم، فأنْزَل اللهُ الرُّخصةَ، فقال: ﴿وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾. حدّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ، قال: لمَّا نزَلت: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ اعْتَزل الناسُ اليتامى فلم يُخالِطوهم في مَأْكَلٍ ولا مَشْرَبٍ ولا مالٍ.
QS 2:220 (jilid 3 hlm. 700) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 3 · hlm. 700 · #53818
َا نزَلت: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ اعْتَزل الناسُ اليتامى فلم يُخالِطوهم في مَأْكَلٍ ولا مَشْرَبٍ ولا مالٍ. قال: فشقَّ ذلك على الناسِ، فسألُوا رسولَ اللهِ ﷺ، فأنْزَل اللهُ ﷿: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾. حُدِّثْتُ عن عمَّارٍ، قال: ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيع في قولِه: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾ الآية. قال: فذكِر لنا -واللهُ أعلمُ- أنه أنْزَل في بنى إسرائيلَ: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾ فكبُرت عليهم، فكانوا لا يُخالِطونهم في طعامٍ ولا شرابٍ ولا غيرِ ذلك، فاشتدَّ ذلك عليهم، فأنزَل اللهُ الرخصةَ فقال: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾.
QS 2:220 (jilid 3 hlm. 701) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 3 · hlm. 701 · #53819
فاشتدَّ ذلك عليهم، فأنزَل اللهُ الرخصةَ فقال: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾. يقولُ: مخالطتُهم في ركوبِ الدابَّةِ، وشُربِ اللبنِ، وخدمةِ الخادمِ. يقولُ للولىِّ الذى يَلى أمرَهم: فلا بأسَ عليه أن يَرْكَبَ الدابَّةَ، أو يَشْرَبَ اللبنَ، أو يَخْدُمَه الخادمُ. وقال آخَرون في ذلك بما حدَّثنى عَمرُو بنُ علىٍّ، قال: ثنا عمرانُ بنُ عُيَيْنَةَ، قال: ثنا عطاءُ بنُ السائبِ، عن سعيدِ بنِ جُبَيْرٍ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ﴾ الآية.
QS 2:220 (jilid 3 hlm. 701) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 3 · hlm. 701 · #53820
ن سعيدِ بنِ جُبَيْرٍ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ﴾ الآية. قال: كان يكونُ في حِجْرِ الرجلِ اليتيمُ، فيَعْزِلُ طعامَه وشرابَه وآنيتَه، فشقَّ ذلك على المسلمين، فأنزَل اللهُ: ﴿وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ﴾ فأحلَّ خلطَهم. حدَّثنى أبو السائبِ، قال: ثنا حفصُ بنُ غِياثٍ، قال: ثنا أشعثُ، عن الشَّعْبىِّ، قال: لمَّا نزَلت هذه الآيةُ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾. قال: فاجْتَنب الناسُ الأيتامَ، فجعَل الرجلُ يَعْزِلُ طعامَه مِن طعامِه، ومالَه مِن مالِه، وشرابَه مِن شرابِه.
QS 2:220 (jilid 3 hlm. 701) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 3 · hlm. 701 · #53821
نِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾. قال: فاجْتَنب الناسُ الأيتامَ، فجعَل الرجلُ يَعْزِلُ طعامَه مِن طعامِه، ومالَه مِن مالِه، وشرابَه مِن شرابِه. قال: فاشتدَّ ذلك على الناسِ، فنزَلت: ﴿وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ﴾ قال الشَّعْبىُّ: فمَن خالَط يتيمًا فَلْيتَوَسَّعْ عليه، ومَن خالَطَه لِيَأْكُلَ مِن مالِه فلا يَفْعَلْ. حدَّثنى علىُّ بنُ داودَ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن علىٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ﴾: وذلك أن اللهَ لمَّا أنْزَل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ كرِه المسلمون أن يَضُمُّوا اليتامى، وتحرَّجوا أن يُخالِطوهم في شيءٍ، فسألوا رسولَ اللهِ ﷺ، فأنْزَل اللهُ: ﴿قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾.
QS 2:220 (jilid 3 hlm. 702) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 3 · hlm. 702 · #53822
ا اليتامى، وتحرَّجوا أن يُخالِطوهم في شيءٍ، فسألوا رسولَ اللهِ ﷺ، فأنْزَل اللهُ: ﴿قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾. حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، قال: سألتُ عطاءَ بنَ أبى رَبَاحٍ عن قولِه: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾. قال: لمَّا نزَلت سورةُ "النساءِ" عزَل الناسُ طعامَهم فلم يُخالِطوهم. قال: ثم جاءوا إلى النبىِّ ﷺ فقالوا: إنَّا يَشُقُّ علينا أن نَعْزِلَ طعامَ اليتامى وهم يأكُلون معَنا. فنزَلت: ﴿وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾. قال ابنُ جُرَيْجٍ: وقال مجاهدٌ: عزَلوا طعامَهم عن طعامِهم، وألبانَهم عن ألبانِهم، وأُدْمَهم عن أُدْمِهم، فشقَّ ذلك عليهم، فنزَلت: ﴿وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾. قال: مخالطةُ اليتيمِ في المراعِى والأُدْمِ. قال ابنُ جُرَيْجٍ: وقال ابنُ عباسٍ: الألبانِ وخدمةِ الخادمِ وركوبِ الدابَّةِ.
QS 2:220 (jilid 3 hlm. 702) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 3 · hlm. 702 · #53823
لِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾. قال: مخالطةُ اليتيمِ في المراعِى والأُدْمِ. قال ابنُ جُرَيْجٍ: وقال ابنُ عباسٍ: الألبانِ وخدمةِ الخادمِ وركوبِ الدابَّةِ. قال ابنُ جُرَيْجٍ: وفى المساكنِ. قال: والمساكنُ يومئذٍ عزيزةٌ. حدَّثنا محمدُ بنُ سِنانٍ، قال: ثنا الحسينُ بنُ الحسنِ الأَشْقَرُ، قال: أخبَرَنا أبو كُدَيْنةَ، عن عطاءٍ، عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: لمَّا نزَلت: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ و: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا﴾.
QS 2:220 (jilid 3 hlm. 702) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 3 · hlm. 702 · #53824
قال: لمَّا نزَلت: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ و: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا﴾. قال: اجْتَنَب الناسُ مالَ اليتيمِ وطعامَه، حتى كان يَفْسُدُ إن كان لحمًا أو غيرَه، فشقَّ ذلك على الناسِ، فشكَوا ذلك إلى رسولِ اللهِ ﷺ، فأنزلَ اللهُ: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ﴾. حدَّثنا محمدُ بنُ عَمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن قيسِ بنِ سعدٍ، [أو عيسى، عن قيسِ بنِ سعدٍ] -شكَّ أبو عاصمٍ- عن مجاهدٍ: ﴿وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾.
QS 2:220 (jilid 3 hlm. 703) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 3 · hlm. 703 · #53825
قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن قيسِ بنِ سعدٍ، [أو عيسى، عن قيسِ بنِ سعدٍ] -شكَّ أبو عاصمٍ- عن مجاهدٍ: ﴿وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾. قال: مخالطةُ اليتيمِ في الرعىِ والأدْمِ. وقال آخَرون: بل كان اتِّقاءُ مالِ اليتيم واجتنابُه مِن أخلاقِ العربِ، فاستَفْتَوْا في ذلك لمشقَّتِه عليهم، فأُفْتُوا بما بيَّنه اللهُ في كتابِه. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنى موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عَمرُو بنُ حمَّادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّىِّ: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ﴾.
QS 2:220 (jilid 3 hlm. 703) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 3 · hlm. 703 · #53826
وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ﴾. قال: كانت العربُ يُشَدِّدون في اليتيمِ حتى لا يَأْكُلوا معَه في قَصْعَةٍ واحدةٍ، ولا يَرْكبوا له بعيرًا، ولا يَسْتَخْدِموا له خادمًا، فجاءوا إلى النبىِّ ﷺ فسألوه عنه، فقال: ﴿قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ﴾ يُصْلِحُ له مالَه وأمرَه له خيرٌ، وإن يُخَالِطْه فيَأْكُلْ معَه ويُطْعِمْه، ويَرْكَبْ راحلتَه ويَحْمِلْه، ويَسْتَخْدِمْ خادمَه ويَخْدُمْه، فهو أجودُ: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ﴾. حدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن
QS 2:220 (jilid 3 hlm. 703) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 3 · hlm. 703 · #53827
خادمَه ويَخْدُمْه، فهو أجودُ: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ﴾. حدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ﴾ إلى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾: وإن الناسَ كانوا إذا كان في حِجْرِ أحدِهم اليتيمُ جعَل طعامَه على ناحيةٍ، ولبنَه على ناحيةٍ، مخافةَ الوِزرِ، وإنه أصاب المؤمنين الجَهْدُ، فلم يكنْ عندَهم ما يَجْعَلون خَدَمًا لليتامى، فقال اللهُ: ﴿قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ﴾ إلى آخرِ الآيةِ.
QS 2:220 (jilid 3 hlm. 704) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 3 · hlm. 704 · #53828
صاب المؤمنين الجَهْدُ، فلم يكنْ عندَهم ما يَجْعَلون خَدَمًا لليتامى، فقال اللهُ: ﴿قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ﴾ إلى آخرِ الآيةِ. حُدِّثْتُ عن الحسينِ بنِ الفرجِ، قال: سمِعتُ أبا مُعاذٍ، قال: أخبَرَنا عُبَيْدُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعتُ الضحَّاكَ يقولُ في قولِه: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى﴾: كانوا في الجاهليةِ يُعَظِّمون شأنَ اليتيمِ، فلا يَمَسُّون مِن أموالِهم شيئًا، ولا يَرْكَبون لهم دابَّةً، ولا يَطْعَمون لهم طعامًا، فأصابهم في الإسلامِ جَهْدٌ شديدٌ، حتى احتاجوا إلى أموالِ اليتامى، فسألوا نبىَّ اللهِ ﷺ عن شأنِ اليتامى، وعن مُخالطتِهم، فأنْزَل اللهُ: ﴿وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾ يعنى بالمخالطةِ ركوبَ الدابَّةِ، وخدمةَ الخادمِ، وشربَ اللبنِ.
QS 2:220 (jilid 3 hlm. 704) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 3 · hlm. 704 · #53829
عن شأنِ اليتامى، وعن مُخالطتِهم، فأنْزَل اللهُ: ﴿وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾ يعنى بالمخالطةِ ركوبَ الدابَّةِ، وخدمةَ الخادمِ، وشربَ اللبنِ. فتأويلُ الآيةِ إذن: ويَسْألُك يا محمدُ أصحابُك عن مالِ اليتامى، وخَلْطِهم أموالَهم به في النفقةِ والمُطَاعَمةِ والمُشَارَبةِ والمُسَاكنةِ والخِدمةِ، فقل لهم: تَفَضُّلُكم عليهم -بإصلاحِكم أموالَهم مِن غيرِ مَرْزِئَةِ شيءٍ مِن أموالِهم، وغيرِ أخْذِ عِوَضٍ مِن أموالِهم على إصلاحِكم ذلك لهم- خيرٌ لكم عندَ اللهِ، وأعظمُ لكم أجرًا؛ لما لكم في ذلك مِن الأجرِ والثوابِ، وخيرٌ لهم في أموالِهم في عاجلِ دنياهم؛ لِما في ذلك مِن توفُّرِ أموالِهم عليهم، وإن تُخالِطوهم فتُشارِكوهم بأموالِكم أموالَهم في
QS 2:220 (jilid 3 hlm. 704) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 3 · hlm. 704 · #53830
ك مِن الأجرِ والثوابِ، وخيرٌ لهم في أموالِهم في عاجلِ دنياهم؛ لِما في ذلك مِن توفُّرِ أموالِهم عليهم، وإن تُخالِطوهم فتُشارِكوهم بأموالِكم أموالَهم في نفقاتِكم ومطاعمِكم ومشاربِكم ومساكِنكم، فتَضُمُّوا مِن أموالِهم عِوَضًا مِن قيامِكم بأمورِهم وأسبابِهم وإصلاحِ أموالِهم، فهم إخوانُكم، والإخوانُ يُعِينُ بعضُهم بعضًا، ويَكْنُفُ بعضُهم بعضًا؛ فذو المالِ يُعِينُ ذا الفاقَةِ، وذو القُوَّةِ في الجسمِ يُعِينُ ذا الضعفِ. يقولُ تعالى ذكرُه: فأنتم أيُّها المؤمنون وأيتامُكم كذلك إن خالَطْتُموهم بأموالِكم، فخَلَطتُم طعامَكم بطعامِهم، وشرابَكم بشرابِهم وسائرَ أموالِكم بأموالِهم، فأصَبتُم مِن أموالِهم فضلَ مَرْفِقٍ بما كان منكم مِن قيامِكم بأموالِهم ووَلائِهم، ومعاناةِ أسبابِهم على النظرِ منكم لهم نظرَ الأخِ الشفيقِ لأخيهِ العاملِ فيما بينَه وبينَه بما أوْجَب اللهُ عليه وألزمَه، فذلك لكم حلالٌ؛ لأنكم إخوانٌ بعضُكم لبعضٍ.
QS 2:220 (jilid 3 hlm. 705) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 3 · hlm. 705 · #53831
بِهم على النظرِ منكم لهم نظرَ الأخِ الشفيقِ لأخيهِ العاملِ فيما بينَه وبينَه بما أوْجَب اللهُ عليه وألزمَه، فذلك لكم حلالٌ؛ لأنكم إخوانٌ بعضُكم لبعضٍ. كما حدَّثنى يونسُ، قال: أخبَرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: ﴿وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾. قال: قد يُخالِطُ الرجلُ أخاه. حدَّثنى أحمدُ بنُ حازم، قال: ثنا أبو نُعَيْمٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن أبى مسكينٍ، عن إبراهيمَ، قال: إنى لأَكْرَهُ أن يكونَ مالُ اليتيمِ كالعُرَّةِ. حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن هشامٍ الدَّسْتُوَائىِّ، عن حمَّادٍ، عن إبراهيمَ، عن عائشةَ، قالت: إنى لأَكْرَهُ أن يكونَ مالُ اليتيمِ عندى عُرَّةً حتى أَخْلِطَ طعامَه بطعامى وشرابَه بشرابى. فإن قال لنا قائلٌ: وكيفَ قال: ﴿فَإِخْوَانُكُمْ﴾ فرفَع الإخوانَ، وقال في موضعٍ آخرَ: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ [البقرة: ٢٣٩]؟ قيل: لافتراقِ معنييْهما، وذلك أن أيتامَ المؤمنين إخوانُ المؤمنين، خالَطَهم المؤمنون بأموالِهم أو لم يُخالِطوهم.
QS 2:220 (jilid 3 hlm. 706) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 3 · hlm. 706 · #53832
َالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ [البقرة: ٢٣٩]؟ قيل: لافتراقِ معنييْهما، وذلك أن أيتامَ المؤمنين إخوانُ المؤمنين، خالَطَهم المؤمنون بأموالِهم أو لم يُخالِطوهم. فمعنى الكلامِ: وإن تُخالِطوهم فهم إخوانُكم، و"الإخوانُ" مرفوعون بالمعنى المتروكِ ذكرُه وهو "هم" لدلالةِ الكلامِ عليه، وأنه لم يُرِدْ بالإخوانِ الخبرَ عنهم أنهم كانوا إخوانًا مِن أجلِ مخالطةِ وُلاتِهم إيَّاهم، ولو كان ذلك المرادَ لكانت القراءةُ نصبًا، وكان معناه حينئذٍ: وإن تُخالِطوهم فخالِطوا إخوانَكم. ولكنه قُرِئ رفعًا لِمَا وصَفتُ مِن أنهم إخوانٌ للمؤمنين الذين يَلُونهم، خالَطوهم أو لم يُخالِطوهم. وأمَّا قولُه: ﴿فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ فنُصِب لأنهما حالانِ للفعلِ غيرُ ذاتِيَّين، ولا يَصْلُحُ معَهما "هو"، وذلك أنك لو أظْهَرت "هو" معَهما لاسْتَحال الكلامُ. ألا تَرَى أنه لو قال قائلٌ: إن خفتَ مِن عدوِّك أن تُصَلِّىَ قائمًا، فهو راجِلٌ أو راكبٌ. لبطَل المعنى المرادُ بالكلامِ.
QS 2:220 (jilid 3 hlm. 706) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 3 · hlm. 706 · #53833
هو" معَهما لاسْتَحال الكلامُ. ألا تَرَى أنه لو قال قائلٌ: إن خفتَ مِن عدوِّك أن تُصَلِّىَ قائمًا، فهو راجِلٌ أو راكبٌ. لبطَل المعنى المرادُ بالكلامِ. وذلك أن تأويلَ الكلامِ: فإن خِفتُم أن تُصَلُّوا قيامًا مِن عدوِّكم، فصلُّوا رِجالًا أو رُكبانًا، ولذلك نصبَه إجراءً على ما قبلَه مِن الكلامِ، كما تقولُ في نحوِه مِن الكلامِ: إن لبِستَ ثيابًا فالبياضَ. فتنصِبُه لأنك تُرِيدُ: إن لبِستَ ثيابًا فالْبَسِ البياضَ. ولستَ تُرِيدُ الخبرَ عن أن جميعَ ما يُلْبَسُ مِن الثيابِ فهو البياضُ، ولو أرَدْتَ الخبرَ عن ذلك لقلتَ: إن لبِستَ ثيابًا فالبياضُ. رفعًا، إذ كان مَخْرَجُ الكلامِ على وجهِ الخبرِ منك عن اللابسِ أن كلَّ ما يلْبَسُ مِن الثيابِ فبياضٌ؛ لأنك تُرِيدُ حينئذٍ: إن لبِستَ ثيابًا فهى بياضٌ. فإن قال: فهل يجوزُ النصبُ في قولِه: ﴿فَإِخْوَانُكُمْ﴾؟ قيل: جائزٌ في العربية فأمَّا في القراءةِ فإنما منَعْناه لإجماعِ القرأةِ على رفعِه.
QS 2:220 (jilid 3 hlm. 707) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 3 · hlm. 707 · #53834
فهى بياضٌ. فإن قال: فهل يجوزُ النصبُ في قولِه: ﴿فَإِخْوَانُكُمْ﴾؟ قيل: جائزٌ في العربية فأمَّا في القراءةِ فإنما منَعْناه لإجماعِ القرأةِ على رفعِه. وأمَّا في العربيةِ فإنما أجَزْناه؛ لأنه يَحْسُنُ معَه تكريرُ ما يُحْمَلُ في الذي قبلَه مِن الفعلِ فيهما: وإن تخالِطوهم فإخوانَكم تُخالِطون. فيكونُ ذلك جائزًا في كلامِ العربِ. (*)
QS 2:220 (jilid 3 hlm. 707) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 3 · hlm. 707 · #53835
القولُ في تأويلِ قولِه عزّ ذكرُه: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ﴾. يعنى تعالى ذكرُه بذلك: إن ربَّكم وإن أذِن لكم في مخالطتِكم اليتامى على ما أذِن لكم به، فاتقوا اللهَ في أنفسِكم أن تُخالِطوهم وأنتم تُرِيدون أكْلَ أموالِهم بالباطلِ، وتجعلون مخالطتَكم إيَّاهم ذريعةً لكم إلى إفسادِ أموالِهم، وأكلِها بغيرِ حقِّها، فتَسْتَوْجِبوا بذلك منه العقوبةَ التى لا قِبَلَ لكم بها، فإنه يَعْلَمُ مَن خالطَ منكم يتيمَه فشارَكَه في مَطْعَمِه ومَشْرَبهِ ومَسْكَنِه وخَدمِه ورُعَاتِه في حالِ مُخالطتِه إيَّاه، ما الذي يَقْصِدُ بمُخالطتِه إيَّاه؛ إفسادَ مالِه وأكلَه بالباطلِ، أم إصلاحَه وتثميرَه؛ [لأنه لا يَخْفَى] عليه منه شيءٌ، ويَعْلَمُ أيَّكم المُرِيدُ إصلاحَ مالِه مِن المُرِيدِ إفسادَه. كما حدَّثنى يونسُ، قال: أخبَرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِ اللهِ تعالى ذكرُه: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ﴾.
QS 2:220 (jilid 3 hlm. 707) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 3 · hlm. 707 · #53836
إفسادَه. كما حدَّثنى يونسُ، قال: أخبَرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِ اللهِ تعالى ذكرُه: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ﴾. قال: اللهُ يَعْلَمُ حينَ تَخْلِطُ مالَك بمالِه أتُرِيدُ أن تُصْلِحَ مالَه أو تُفْسِدَه فتأْكُلَه بغيرِ حقٍّ. حدَّثنى أبو السائبِ، [قال: ثنا حفصُ بنُ غِياثٍ]، قال: ثنا أشعثُ، عن الشَّعْبىِّ: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ﴾. قال الشعبىُّ: فمَن خالَط يتيمًا فَلْيَتَوَسَّعْ عليه، ومَن خالَطه ليَأْكُلَ مالَه فلا يَفْعَلْ.
QS 2:220 (jilid 3 hlm. 708) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 3 · hlm. 708 · #53837
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللهُ لَأَعْنَتَكُمْ﴾. يعنى تعالى ذكرُه بذلك: ولو شاء اللهُ لحرَّم ما أحلَّه لكم مِن مخالطةِ أيتامِكم بأموالِكم أموالَهم، فجهَدَكُم ذلك وشقَّ عليكم، ولم تَقْدِروا على القيامِ باللازمِ لكم مِن حقِّ اللهِ تعالى، والواجبِ عليكم في ذلك من فرضِه، ولكنه رخَّص لكم فيه، وسهَّله عليكم؛ رحمةً منه بكم ورأفةً. واختلف أهلُ التأويلِ في تأويلِ قولِه: ﴿لَأَعْنَتَكُمْ﴾؛ فقال بعضُهم بما حدَّثنى به محمدُ بنُ عَمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن قيسِ ابنِ سعدٍ -أو عيسى، عن قيسِ بنِ سعدٍ- عن مجاهدٍ -شكَّ أبو عاصمٍ- في قولِ اللهِ تعالى ذكرُه: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللهُ لَأَعْنَتَكُمْ﴾: لحرَّم عليكم المَرْعَى والأدْمَ. قال أبو جعفرٍ: يعنى بذلك مجاهدٌ رعىَ مواشى والى اليتيمِ مع مواشى اليتيمِ، والأكلَ مِن إدامِه؛ لأنه كان يتَأَوَّلُ في قولِه: ﴿وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾ أنه خُلْطَةُ الولىِّ اليتيمَ بالرعىِ والأُدْمِ.
QS 2:220 (jilid 3 hlm. 708) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 3 · hlm. 708 · #53838
اشى اليتيمِ، والأكلَ مِن إدامِه؛ لأنه كان يتَأَوَّلُ في قولِه: ﴿وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾ أنه خُلْطَةُ الولىِّ اليتيمَ بالرعىِ والأُدْمِ. حدَّثنى علىُّ بنُ داودَ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن علىِّ بنِ أبى طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللهُ لَأَعْنَتَكُمْ﴾. يقولُ: ولو شاء اللهُ لأحرَجَكم، فضيَّق عليكم، ولكنَّه وسَّع ويسَّر، فقال: ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ٦]. حدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللهُ لَأَعْنَتَكُمْ﴾.
QS 2:220 (jilid 3 hlm. 709) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 3 · hlm. 709 · #53839
ًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ٦]. حدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللهُ لَأَعْنَتَكُمْ﴾. يقولُ: لجهَدكم، فلم تقوموا بحقٍّ ولم تُؤَدُّوا فريضةً. حُدِّثْتُ عن عمَّارٍ، قال: ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ نحوَه، إلا أنه قال: فلم تَعْمَلوا بحقٍّ. حدَّثنى موسى، قال: ثنا عَمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّىِّ: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللهُ لَأَعْنَتَكُمْ﴾: لشدَّد عليكم. حدَّثنى يونسُ، قال: أخبَرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِ اللهِ: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللهُ لَأَعْنَتَكُمْ﴾ قال: لشقَّ عليكم في الأمرِ؛ ذلك العَنَتُ. حدَّثنا ابنُ حُمَيْدٍ، قال: ثنا جَرِيرٌ، عن منصورٍ، عن الحكمِ، عن مِقْسَمٍ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللهُ لَأَعْنَتَكُمْ﴾.
QS 2:220 (jilid 3 hlm. 709) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 3 · hlm. 709 · #53840
؛ ذلك العَنَتُ. حدَّثنا ابنُ حُمَيْدٍ، قال: ثنا جَرِيرٌ، عن منصورٍ، عن الحكمِ، عن مِقْسَمٍ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللهُ لَأَعْنَتَكُمْ﴾. قال: ولو شاء اللهُ لجعَل ما أصَبتم مِن أموالِ اليتامى موبِقًا. وهذه الأقوالُ التى ذكَرناها عمَّن ذُكِرت عنه، وإن اخْتَلفت ألفاظُ قائلِيها فيها، فإنها مُتقارباتُ المعانى؛ لأن مَن حرُم عليه شيءٌ فقد ضُيِّق عليه في ذلك الشئِ، ومَن ضُيِّق عليه في شيءٍ فقد أُحْرِجَ فيه، ومَن أُحْرِج في شيءٍ أو ضُيِّق عليه فيه فقد جُهِد. وكلُّ ذلك عائدٌ إلى المعنى الذي وصَفتُ مِن أن معناه الشدَّةُ والمشقَّةُ؛ ولذلك قيل: عَنِتَ فلانٌ، إذا شقَّ عليه وجهَده، فهو يَعْنَتُ عَنَتًا. كما قال تعالى ذكرُه: ﴿عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَاعَنِتُّمْ﴾ [التوبة: ١٢٨]. يعنى: ما شقَّ عليكم وآذاكم وجهَدكم، ومنه قولُه تعالى ذكرُه: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٥].
QS 2:220 (jilid 3 hlm. 710) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 3 · hlm. 710 · #53841
يْهِ مَاعَنِتُّمْ﴾ [التوبة: ١٢٨]. يعنى: ما شقَّ عليكم وآذاكم وجهَدكم، ومنه قولُه تعالى ذكرُه: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٥]. فهذا إذا عنِت العانتُ، فإن صيَّره غيرُه كذلك قيل: أعْنَته فلانٌ في كذا، إذا جهَده وألْزَمه أمرًا جهَده القيامُ به، يُعْنِتُه إعناتًا. فكذلك قولُه: ﴿لَأَعْنَتَكُمْ﴾. معناه: لأوْجَب لكم العَنَتَ بتحرِيمِه عليكم ما يجْهدُكم ويُحْرِجُكم، ممَّا لا تُطِيقون القيامَ باجتنابِه وأداءِ الواجبِ له عليكم فيه. وقال آخَرون: معنى ذلك: لأوْبَقكم وأهلَكَكم. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا طَلْقُ بنُ غَنَّامٍ، عن زائدةَ، عن منصورٍ، عن الحكمِ، عن مقْسَمٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: قرَأ علينا: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللهُ لَأَعْنَتَكُمْ﴾ قال ابنُ عباسٍ: ولو شاء اللهُ لجعَل ما أصبتم مِن أموالِ اليتامى مُوبِقًا.
QS 2:220 (jilid 3 hlm. 710) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 3 · hlm. 710 · #53842
مقْسَمٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: قرَأ علينا: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللهُ لَأَعْنَتَكُمْ﴾ قال ابنُ عباسٍ: ولو شاء اللهُ لجعَل ما أصبتم مِن أموالِ اليتامى مُوبِقًا. حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا يحيى بنُ آدمَ، عن فُضَيْلٍ وجريرٍ، عن منصورٍ، وحدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن الحكمِ، عن مِقْسَمٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللهُ لَأَعْنَتَكُمْ﴾. قال: لجعَل ما أصَبتم مُوبِقًا.
QS 2:220 (jilid 3 hlm. 710) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 3 · hlm. 710 · #53843
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٢٠)﴾. يعنى تعالى ذكرُه بذلك: إن اللهَ عزيزٌ في سلطانِه، لا يَمْنَعُه مانعٌ ممَّا أحلَّ بكم مِن عقوبةٍ، لو أعنَتكم بما يَجْهَدُكم القيامُ به مِن فرائضِه، فقصَّرتُم في القيامِ به، ولا يَقْدِرُ دافعٌ أن يَدْفَعَه عن ذلك ولا عن غيرِه ممَّا يَفْعَلُه بكم وبغيرِكم مِن ذلك، لو فعَله، [ولكنه] بفضلِ رحمتِه منَّ عليكم بتركِ تكليفِه إيَّاكم ذلك، وهو حكيمٌ في ذلك -لو فعَله بكم- وفى غيرِه مِن أحكامِه وتدبيرِه، لا يَدْخُلُ أفعالَه خَلَلٌ ولا نقصٌ ولا وَهْىٌ ولا عيْبٌ؛ لأنه فعلُ ذى الحكمةِ الذى لا يَجْهَلُ عواقبَ الأمورِ، فيَدْخُلُ تدبيرَه مَذَمَّةُ عاقبةٍ، كما يَدْخُلُ ذلك أفعالَ الخلقِ لجهلِهم بعواقبِ الأمورِ، لسوءِ اختيارهم فيها ابتداءً.
QS 2:220 (jilid 1 hlm. 581) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 1 · hlm. 581 · #82247
﴿فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لأَعْنَتَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٢٠)﴾ وقوله: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لأعْنَتَكُمْ) الآية: قال ابن جرير:
QS 2:220 (jilid 1 hlm. 581) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 1 · hlm. 581 · #82248
ْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لأعْنَتَكُمْ) الآية: قال ابن جرير: حدثنا سفيان بن وَكِيع، حدثنا جرير، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جُبَير، عن ابن عباس قال: لما نزلت: ﴿وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [الإسراء: ٣٤] و ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ [النساء: ١٠] انطلق من كان عنده يتيم فعزَل طعامه من طعامه، وشرابه من شرابه، فجعل يفضُل له الشيء من طعامه فيُحبَس له حتى يأكله أو يفسد، فاشتد ذلك عليهم، فذكروا ذلك لرسول الله ﷺ، فأنزل الله: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ) فخلطوا طعامهم بطعامهم وشرابهم بشرابهم. وهكذا رواه أبو داود، والنسائي، وابن أبي حاتم، وابن مَرْدويه، والحاكم في مستدركه من طرق، عن عطاء بن السائب، به.
QS 2:220 (jilid 1 hlm. 581) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 1 · hlm. 581 · #82249
فخلطوا طعامهم بطعامهم وشرابهم بشرابهم. وهكذا رواه أبو داود، والنسائي، وابن أبي حاتم، وابن مَرْدويه، والحاكم في مستدركه من طرق، عن عطاء بن السائب، به. وكذا رواه علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس. وكذا رواه السدي، عن أبي مالك وعن أبي صالح، عن ابن عباس -وعن مرة، عن ابن مسعود -بمثله. وهكذا ذكر غير واحد في سبب نزول هذه الآية كمجاهد، وعطاء، والشعبي، وابن أبي ليلى، وقتادة، وغير واحد من السلف والخلف. قال وَكِيع بن الجراح: حدثنا هشام الدَّسْتَوائي عن حماد، عن إبراهيم قال: قالت عائشة: إني لأكره أن يكون مال اليتيم عندي عُرّة حتى أخلط طعامه بطعامي وشرابه بشرابي. فقوله: (قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ) أي: على حدَة (وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ) أي: وإن خلطتم طعامكم بطعامهم وشرابكم بشرابهم، فلا بأس عليكم؛ لأنهم إخوانكم في الدين؛ ولهذا قال: (وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ) أي: يعلم مَنْ قَصْدُه ونيته الإفسادَ أو الإصلاح.
QS 2:220 (jilid 1 hlm. 582) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 1 · hlm. 582 · #82250
، فلا بأس عليكم؛ لأنهم إخوانكم في الدين؛ ولهذا قال: (وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ) أي: يعلم مَنْ قَصْدُه ونيته الإفسادَ أو الإصلاح. وقوله: (وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لأعْنَتَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) أي: ولو شاء لضيّق عليكم وأحرجَكم ولكنه وَسَّع عليكم، وخفَّف عنكم، وأباح لكم مخالطتهم بالتي هي أحسن، كما قال: ﴿وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [الأنعام: ١٥٢]،، بل قد جوز الأكل منه للفقير بالمعروف، إما بشرط ضمان البدل لمن أيسر، أو مجانًا كما سيأتي بيانه في سورة النساء، إن شاء الله، وبه الثقة.
QS 2:220 (jilid 2 hlm. 338) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 338 · #112048
[سُورَة الْبَقَرَة (٢) : آيَة ٢٢٠] فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْيَتامى قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخالِطُوهُمْ فَإِخْوانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٢٠) يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُما أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما. اسْتِئْنَافٌ لِإِبْطَالِ عَمَلَيْنِ غَالِبَيْنِ عَلَى النَّاسِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَهُمَا شُرْبُ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرُ وَهَذَا مِنْ عِدَادِ الْأَحْكَامِ الَّتِي بَيَّنَهَا فِي هَاتِهِ السُّورَةِ مِمَّا يَرْجِعُ إِلَى إِصْلَاحِ الْأَحْوَالِ الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا النَّاسُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَالْمَشْرُوعُ فِي بَيَانِهَا مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ فِي الْقَتْلى [الْبَقَرَة: ١٧٨] إِلَى آخِرِ السُّورَةِ، عَدَا مَا تَخَلَّلَ ذَلِكَ
QS 2:220 (jilid 2 hlm. 338) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 338 · #112049
َعَالَى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ فِي الْقَتْلى [الْبَقَرَة: ١٧٨] إِلَى آخِرِ السُّورَةِ، عَدَا مَا تَخَلَّلَ ذَلِكَ مِنَ الْآدَابِ وَالزَّوَاجِرِ وَالْبَشَائِرِ وَالْمَوَاعِظِ وَالْأَمْثَالِ وَالْقَصَصِ عَلَى عَادَةِ الْقُرْآنِ فِي تَفَنُّنِ أَسَالِيبِهِ تَنْشِيطًا لِلْمُخَاطَبِينَ وَالسَّامِعِينَ وَالْقَارِئِينَ وَمَنْ بُلِّغَ، وَقَدْ تَنَاسَقَتْ فِي هَذِهِ الْآيَةِ. وَالسَّائِلُونَ هُمُ الْمُسْلِمُونَ قَالَ الْوَاحِدِيُّ: نَزَلَتْ فِي عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ وَنَفَرٍ مِنَ الْأَنْصَارِ أَتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفْتِنَا فِي الْخَمْرِ فَإِنَّهَا مُذْهِبَةٌ لِلْعَقْلِ مُتْلِفَةٌ لِلْمَالِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ، قَالَ فِي «الْكَشَّافِ» : فَلَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ تَرَكَ الْخَمْرَ قَوْمٌ وَشَرِبَهَا آخَرُونَ ثُمَّ نَزَلَتْ بَعْدَهَا آيَةُ الْمَائِدَةِ [٩٠] : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا
QS 2:220 (jilid 2 hlm. 338) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 338 · #112050
َزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ تَرَكَ الْخَمْرَ قَوْمٌ وَشَرِبَهَا آخَرُونَ ثُمَّ نَزَلَتْ بَعْدَهَا آيَةُ الْمَائِدَةِ [٩٠] : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ. وَشُرْبُ الْخَمْرِ عَمَلٌ مُتَأَصِّلٌ فِي الْبَشَرِ قَدِيمًا لَمْ تُحَرِّمْهُ شَرِيعَةٌ مِنَ الشَّرَائِعِ لَا الْقَدْرَ الْمُسْكِرَ بَلَهُ مَا دُونَهُ، وَأَمَّا مَا يَذْكُرُهُ عُلَمَاءِ الْإِسْلَامِ إِنَّ الْإِسْكَارَ حَرَامٌ فِي الشَّرَائِعِ كُلِّهَا فَكَلَامٌ لَا شَاهِدَ لَهُمْ عَلَيْهِ بَلِ الشَّوَاهِدُ عَلَى ضِدِّهِ مُتَوَافِرَةٌ، وَإِنَّمَا جَرَّأَهُمْ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ مَا قَعَّدُوهُ فِي
QS 2:220 (jilid 2 hlm. 338) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 338 · #112051
ا فَكَلَامٌ لَا شَاهِدَ لَهُمْ عَلَيْهِ بَلِ الشَّوَاهِدُ عَلَى ضِدِّهِ مُتَوَافِرَةٌ، وَإِنَّمَا جَرَّأَهُمْ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ مَا قَعَّدُوهُ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ مِنْ أَنَّ الْكُلِّيَّاتِ التَّشْرِيعِيَّةَ وَهِيَ حَفِظُ الدِّينِ وَالنَّفْسِ وَالْعَقْلِ وَالنَّسَبِ وَالْمَالِ وَالْعِرْضِ هِيَ مِمَّا اتَّفَقَتْ عَلَيْهِ الشَّرَائِعُ، وَهَذَا الْقَوْلُ وَإِنْ كُنَّا نُسَاعِدُ عَلَيْهِ فَإِنَّ مَعْنَاهُ عِنْدِي أَنَّ الشَّرَائِعَ كُلَّهَا نَظَرَتْ إِلَى حِفْظِ هَاتِهِ الْأُمُورِ فِي تَشْرِيعَاتِهَا، وَأَمَّا أَنْ تَكُونَ مُرَاعَاةً بِاطِّرَادٍ فِي غَيْرِ شَرِيعَةِ الْإِسْلَامِ فَلَا أَحْسَبُ ذَلِكَ يَتِمُّ، عَلَى أَنَّ مُرَاعَاتِهَا دَرَجَاتٍ، وَلَا حَاجَةَ إِلَى الْبَحْثِ فِي هَذَا بَيْدَ أَنَّ كُتُبَ أَهْلِ الْكِتَابِ لَيْسَ فِيهَا تَحْرِيمُ الْخَمْرِ وَلَا التَّنْزِيهُ عَنْ شُرْبِهَا، وَفِي التَّوْرَاةِ الَّتِي بِيَدِ الْيَهُودِ أَنَّ نُوحًا شَرِبَ الْخَمْرَ حَتَّى سَكِرَ، وَأَنَّ
QS 2:220 (jilid 2 hlm. 339) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 339 · #112052
حْرِيمُ الْخَمْرِ وَلَا التَّنْزِيهُ عَنْ شُرْبِهَا، وَفِي التَّوْرَاةِ الَّتِي بِيَدِ الْيَهُودِ أَنَّ نُوحًا شَرِبَ الْخَمْرَ حَتَّى سَكِرَ، وَأَنَّ لُوطًا شَرِبَ الْخَمْرَ حَتَّى سَكِرَ سُكْرًا أَفْضَى بِزَعْمِهِمْ إِلَى أَمْرٍ شَنِيعٍ، وَالْأَخِيرُ مِنَ الأكاذيب لِأَن النبوءة تَسْتَلْزِمُ الْعِصْمَةَ، وَالشَّرَائِعُ وَإِنِ اخْتَلَفَتْ فِي إِبَاحَةِ أَشْيَاءَ فَهُنَالِكَ مَا يَسْتَحِيلُ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ مِمَّا يُؤَدِّي إِلَى نَقْصِهِمْ فِي أَنْظَارِ الْعُقَلَاءِ، وَالَّذِي يَجِبُ اعْتِقَادُهُ: أَنَّ شُرْبَ الْخَمْرِ لَا يَأْتِيهِ الْأَنْبِيَاءُ لَا يَشْرَبُهَا شَارِبُوهَا إِلَّا لِلطَّرَبِ وَاللَّهْوِ وَالسُّكْرِ، وَكُلُّ ذَلِكَ مِمَّا يَتَنَزَّهُ عَنهُ الْأَنْبِيَاء وَلِأَنَّهَا يَشْرَبُونَهَا لِقَصْدِ التَّقَوِّي لِقِلَّةِ هَذَا الْقَصْدِ مِنْ شُرْبِهَا.
QS 2:220 (jilid 2 hlm. 339) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 339 · #112053
كْرِ، وَكُلُّ ذَلِكَ مِمَّا يَتَنَزَّهُ عَنهُ الْأَنْبِيَاء وَلِأَنَّهَا يَشْرَبُونَهَا لِقَصْدِ التَّقَوِّي لِقِلَّةِ هَذَا الْقَصْدِ مِنْ شُرْبِهَا. وَفِي سِفْرِ اللَّاوِيِّينَ مِنَ التَّوْرَاةِ «وَكَلَّمَ اللَّهُ هَارُونَ قَائِلًا: خَمْرًا وَمُسْكِرًا لَا تَشْرَبْ أَنْتَ وَبُنُوكَ مَعَكَ عِنْدَ دُخُولِكُمْ إِلَى خَيْمَةِ الِاجْتِمَاعِ لِكَيْ لَا تَمُوتُوا. فَرْضًا دَهْرِيًّا فِي أَجْيَالِكُمْ وَلِلتَّمْيِيزِ بَيْنَ الْمُقَدَّسِ وَالْمُحَلَّلِ وَبَيْنَ النَّجِسِ وَالطَّاهِرِ» . وَشُيُوعُ شُرْبِ الْخَمْرِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مَعْلُومٌ لِمَنْ عَلِمَ أَدَبَهُمْ وَتَارِيخَهُمْ فَقَدْ كَانَتِ الْخَمْرُ قِوَامَ أَوَدِ حَيَاتِهِمْ، وَقُصَارَى لَذَّاتِهِمْ وَمَسَرَّةَ زَمَانِهِمْ وَمَلْهَى أَوْقَاتِهِمْ، قَالَ طَرَفَةُ: وَلَوْلَا ثَلَاثٌ هُنَّ مِنْ عِيشَةِ الْفَتَى ... وَجِدِّكَ لَمْ أَحْفِلْ مَتَى قَامَ عُوَّدِي فَمِنْهُنَّ سَبْقِي الْعَاذِلَاتِ بِشَرْبَةٍ ...
QS 2:220 (jilid 2 hlm. 339) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 339 · #112054
فَةُ: وَلَوْلَا ثَلَاثٌ هُنَّ مِنْ عِيشَةِ الْفَتَى ... وَجِدِّكَ لَمْ أَحْفِلْ مَتَى قَامَ عُوَّدِي فَمِنْهُنَّ سَبْقِي الْعَاذِلَاتِ بِشَرْبَةٍ ... كُمَيْتٍ مَتَى مَا تُعْلَ بِالْمَاءِ تُزْبِدِ وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: «حُرِّمَتِ الْخَمْرُ وَلَمْ يَكُنْ يَوْمَئِذٍ لِلْعَرَبِ عَيْشٌ أَعْجَبُ مِنْهَا، وَمَا حُرِّمَ عَلَيْهِمْ شَيْءٌ أَشَدُّ عَلَيْهِمْ مِنَ الْخَمْرِ» . فَلَا جَرَمَ أَنْ جَاءَ الْإِسْلَامُ فِي تَحْرِيمِهَا بِطَرِيقَةِ التَّدْرِيجِ فَأَقَرَّ حِقْبَةً إِبَاحَةَ شُرْبِهَا وَحَسْبُكُمْ فِي هَذَا الِامْتِنَانِ بِذَلِكَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَمِنْ ثَمَراتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً وَرِزْقاً حَسَناً [النَّحْل: ٦٧] عَلَى تَفْسِيرِ مَنْ فَسَّرَ السَّكَرَ بِالْخَمْرِ. وَقِيلَ السَّكَرُ: هُوَ النَّبِيذُ غَيْرُ الْمُسْكِرِ، وَالْأَظْهَرُ التَّفْسِيرُ الْأَوَّلُ.
QS 2:220 (jilid 2 hlm. 339) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 339 · #112055
٦٧] عَلَى تَفْسِيرِ مَنْ فَسَّرَ السَّكَرَ بِالْخَمْرِ. وَقِيلَ السَّكَرُ: هُوَ النَّبِيذُ غَيْرُ الْمُسْكِرِ، وَالْأَظْهَرُ التَّفْسِيرُ الْأَوَّلُ. وَآيَةُ سُورَةِ النَّحْلِ نَزَلَتْ بِمَكَّةَ، وَاتَّفَقَ أَهْلُ الْأَثَرِ عَلَى أَنَّ تَحْرِيمَ الْخَمْرِ وَقَعَ فِي الْمَدِينَةِ بَعْدَ غَزْوَةِ الْأَحْزَابِ بِأَيَّامٍ، أَيْ فِي آخِرِ سَنَةِ أَرْبَعٍ أَوْ سَنَةِ خَمْسٍ عَلَى الْخِلَافِ فِي عَامِ غَزْوَةِ الْأَحْزَابِ. وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ، فَقَدِ امْتَنَّ اللَّهُ عَلَى النَّاسِ بِأَنِ اتَّخَذُوا سَكَرًا مِنَ الثَّمَرَاتِ الَّتِي خَلَقَهَا لَهُمْ، ثُمَّ إِنِ اللَّهَ لَمْ يُهْمِلْ رَحْمَتَهُ بِالنَّاسِ حَتَّى فِي حَمْلِهِمْ عَلَى مَصَالِحِهِمْ فَجَاءَهُمْ فِي ذَلِكَ بِالتَّدْرِيجِ، فَقِيلَ: إِنَّ آيَةَ سُورَةِ الْبَقَرَةِ هَذِهِ هِيَ أَوَّلُ آيَةٍ آذَنَتْ بِمَا فِي الْخَمْرِ مِنْ عِلَّةِ التَّحْرِيمِ، وَأَنَّ سَبَبَ نُزُولِهَا مَا تَقَدَّمَ، فَيَكُونُ وَصْفُهَا بِمَا فِيهَا مِنَ
QS 2:220 (jilid 2 hlm. 340) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 340 · #112056
يَ أَوَّلُ آيَةٍ آذَنَتْ بِمَا فِي الْخَمْرِ مِنْ عِلَّةِ التَّحْرِيمِ، وَأَنَّ سَبَبَ نُزُولِهَا مَا تَقَدَّمَ، فَيَكُونُ وَصْفُهَا بِمَا فِيهَا مِنَ الْإِثْمِ وَالْمَنْفَعَةِ تَنْبِيهًا لَهُمْ، إِذْ كَانُوا لَا يَذْكُرُونَ إِلَّا مَحَاسِنَهَا فَيَكُونُ تَهْيِئَةً لَهُمْ إِلَى مَا سَيَرِدُ مِنَ التَّحْرِيمِ، قَالَ الْبَغَوِيُّ: إِنَّهُ لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ تَقَدَّمَ فِي تَحْرِيمِ الْخَمْرِ» أَيِ ابْتَدَأَ يُهَيِّئُ تَحْرِيمَهَا يُقَالُ: تَقَدَّمْتُ إِلَيْكَ فِي كَذَا أَيْ عَرَضْتُ عَلَيْكَ، وَفِي «تَفْسِيرِ ابْنِ كَثِيرٍ» : أَنَّهَا مُمَهِّدَةٌ لِتَحْرِيمِ الْخَمْرِ عَلَى الْبَتَاتِ وَلَمْ تَكُنْ مُصَرِّحَةً بَلْ مُعَرِّضَةٌ أَيْ مُعَرِّضَةٌ بِالْكَفِّ عَنْ شُرْبِهَا تَنَزُّهًا.
QS 2:220 (jilid 2 hlm. 340) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 340 · #112057
مُمَهِّدَةٌ لِتَحْرِيمِ الْخَمْرِ عَلَى الْبَتَاتِ وَلَمْ تَكُنْ مُصَرِّحَةً بَلْ مُعَرِّضَةٌ أَيْ مُعَرِّضَةٌ بِالْكَفِّ عَنْ شُرْبِهَا تَنَزُّهًا. وَجُمْهُورُ الْمُفَسِّرِينَ عَلَى أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ قَبْلَ آيَةِ سُورَةِ النِّسَاءِ وَقَبْلَ آيَةِ سُورَةِ الْمَائِدَةِ، وَهَذَا رَأْيُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ كَمَا رَوَى أَبُو دَاوُدَ، وَرُوِيَ أَيْضًا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ رَأَى أَنَّ آيَةَ الْمَائِدَةِ نَسَخَتْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى [النِّسَاء: ٤٣] ، وَنسخت آيَة يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ، وَنُسِبَ لِابْنِ عُمَرَ وَالشَّعْبِيِّ وَمُجَاهِدٍ وَقَتَادَةَ وَالرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ وَعَبْدِ الرَّحْمَن بن زين بْنِ أَسْلَمَ.
QS 2:220 (jilid 2 hlm. 340) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 340 · #112058
َمْرِ وَالْمَيْسِرِ، وَنُسِبَ لِابْنِ عُمَرَ وَالشَّعْبِيِّ وَمُجَاهِدٍ وَقَتَادَةَ وَالرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ وَعَبْدِ الرَّحْمَن بن زين بْنِ أَسْلَمَ. وَذَهَبَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ إِلَى أَنَّ آيَةَ الْبَقَرَةِ هَذِهِ ثَبَتَ بِهَا تَحْرِيمُ الْخَمْرِ فَتَكُونُ هَذِهِ الْآيَةُ عِنْدَهُمْ نَازِلَةً بَعْدَ آيَةِ سُورَةِ النِّسَاءِ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى وَإِذْ كَانَتْ سُورَةُ الْبَقَرَةِ قَدْ نَزَلَتْ قَبْلَ سُورَةِ النِّسَاءِ وَسُورَةِ الْمَائِدَةِ، فَيَجِيءُ عَلَى قَوْلِ هَؤُلَاءِ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ بَعْدَ نُزُولِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ وَأَنَّهَا وُضِعَتْ هُنَا إِلْحَاقًا بِالْقَضَايَا الَّتِي حَكَى سُؤَالَهُمْ عَنْهَا.
QS 2:220 (jilid 2 hlm. 340) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 340 · #112059
نَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ بَعْدَ نُزُولِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ وَأَنَّهَا وُضِعَتْ هُنَا إِلْحَاقًا بِالْقَضَايَا الَّتِي حَكَى سُؤَالَهُمْ عَنْهَا. وَأَنَّ مَعْنَى فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ فِي تَعَاطِيهِمَا بِشُرْبِ أَحَدِهِمَا وَاللَّعِبِ بِالْآخَرِ ذَنْبٌ عَظِيمٌ، وَهَذَا هُوَ الْأَظْهَرُ مِنَ الْآيَةِ إِذْ وَصَفَ الْإِثْمَ فِيهَا بِوَصْفٍ كَبِيرٍ فَلَا تَكُونُ آيَةُ سُورَةِ الْعُقُودِ إِلَّا مُؤَكِّدَةً لِلتَّحْرِيمِ وَنَصًّا عَلَيْهِ لِأَنَّ مَا فِي آيَتِنَا هَذِهِ مِنْ ذِكْرِ الْمَنَافِعِ مَا قَدْ يَتَأَوَّلُهُ الْمُتَأَوِّلُونَ بالعذر فِي شُرْبِهَا، وَقَدْ رُوِيَ فِي بَعْضِ الْآثَارِ أَنَّ نَاسًا شَرِبُوا الْخَمْرَ بَعْدَ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ فَصَلَّى رَجُلَانِ فَجَعَلَا يَهْجُرَانِ كَلَامًا لَا يُدْرَى مَا هُوَ، وَشَرِبَهَا رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَجَعَلَ يَنُوحُ عَلَى قَتْلَى بَدْرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيءَ ﷺ فَجَاءَهُ فَزِعًا وَرَفَعَ شَيْئًا كَانَ
QS 2:220 (jilid 2 hlm. 340) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 340 · #112060
ٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَجَعَلَ يَنُوحُ عَلَى قَتْلَى بَدْرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيءَ ﷺ فَجَاءَهُ فَزِعًا وَرَفَعَ شَيْئًا كَانَ بِيَدِهِ لِيَضْرِبَهُ فَقَالَ الرَّجُلُ: أُعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ غَضَبِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَآلَى: لَا أَطْعَمُهَا أَبَدًا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَحْرِيمَهَا بِآيَةِ سُورَةِ الْمَائِدَةِ. وَالْخَمْرُ اسْمٌ مُشْتَقٌّ مِنْ مَصْدَرِ خمر الشَّيْء يخمره مِنْ بَابِ نَصَرَ إِذَا سَتَرَهُ، سُمِّيَ بِهِ عَصِيرُ الْعِنَبِ إِذَا غَلَى وَاشْتَدَّ وَقَذَفَ بِالزَّبَدِ فَصَارَ مُسْكِرًا لِأَنَّهُ يَسْتُرُ الْعَقْلَ عَنْ تَصَرُّفِهِ الْخَلْقِيِّ تَسْمِيَةً مَجَازِيَّةً وَهِيَ إِمَّا تَسْمِيَةٌ بِالْمَصْدَرِ، أَوْ هُوَ اسْمٌ جَاءَ عَلَى زنة الْمصدر وَقيل:
QS 2:220 (jilid 2 hlm. 341) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 341 · #112061
الْعَقْلَ عَنْ تَصَرُّفِهِ الْخَلْقِيِّ تَسْمِيَةً مَجَازِيَّةً وَهِيَ إِمَّا تَسْمِيَةٌ بِالْمَصْدَرِ، أَوْ هُوَ اسْمٌ جَاءَ عَلَى زنة الْمصدر وَقيل: هُوَ اسْمٌ لِكُلِّ مَشْرُوبٍ مُسْكِرٍ سَوَاءٌ كَانَ عَصِيرَ عِنَبٍ أَوْ عَصِيرَ غَيْرِهِ أَوْ مَاءً نُبِذَ فِيهِ زَبِيبٌ أَوْ تَمْرٌ أَوْ غَيْرُهُمَا مِنَ الْأَنْبِذَةِ وَتُرِكَ حَتَّى يَخْتَمِرَ وَيُزْبِدَ، وَاسْتَظْهَرَهُ صَاحِبُ «الْقَامُوسِ» . وَالْحَقُّ أَنَّ الْخَمْرَ كُلُّ شَرَابٍ مُسْكِرٍ إِلَّا أَنَّهُ غَلَبَ عَلَى عَصِيرِ الْعِنَبِ الْمُسْكِرِ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَتَنَافَسُونَ فِيهِ، وَأَنَّ غَيْرَهُ يُطْلَقُ عَلَيْهِ خَمْرٌ وَنَبِيذٌ وَفَضِيخٌ، وَقَدْ وَرَدَتْ أَخْبَارٌ صَحِيحَةٌ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ مُعْظَمَ شَرَابِ الْعَرَبِ يَوْمَ تَحْرِيمِ الْخَمْرِ مِنْ فَضِيخِ التَّمْرِ، وَأَنَّ أَشْرِبَةَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ يَوْمَئِذٍ خَمْسَةٌ غَيْرُ عَصِيرِ الْعِنَبِ، وَهِيَ مِنَ التَّمْرِ وَالزَّبِيبِ وَالْعَسَلِ وَالذُّرَةِ
QS 2:220 (jilid 2 hlm. 341) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 341 · #112062
ّمْرِ، وَأَنَّ أَشْرِبَةَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ يَوْمَئِذٍ خَمْسَةٌ غَيْرُ عَصِيرِ الْعِنَبِ، وَهِيَ مِنَ التَّمْرِ وَالزَّبِيبِ وَالْعَسَلِ وَالذُّرَةِ وَالشَّعِيرِ وَبَعْضُهَا يُسَمَّى الْفَضِيخَ، وَالنَّقِيعَ، وَالسُّكُرْكَة، وَالْبِتْعَ. وَمَا وَرَدَ فِي بَعْضِ الْآثَارِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ: نَزَلَ تَحْرِيمُ الْخَمْرِ وَبِالْمَدِينَةِ خَمْسَةُ أَشْرِبَةٍ مَا فِيهَا شَرَابُ الْعِنَبِ، مَعْنَاهُ لَيْسَ مَعْدُودًا فِي الْخَمْسَةِ شَرَابُ الْعِنَبِ لقلَّة وجوده وليسر الْمُرَادُ أَنَّ شَرَابَ الْعِنَبِ لَا يُوجَدُ بِالْمَدِينَةِ.
QS 2:220 (jilid 2 hlm. 341) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 341 · #112063
نَبِ، مَعْنَاهُ لَيْسَ مَعْدُودًا فِي الْخَمْسَةِ شَرَابُ الْعِنَبِ لقلَّة وجوده وليسر الْمُرَادُ أَنَّ شَرَابَ الْعِنَبِ لَا يُوجَدُ بِالْمَدِينَةِ. وَقَدْ كَانَ شَرَابُ الْعِنَبِ يُجْلَبُ إِلَى الْحِجَازِ وَنَجْدٍ مِنَ الْيَمَنِ وَالطَّائِفِ وَالشَّامِ قَالَ عَمْرُو ابْن كُلْثُومٍ: وَلَا تبقي خمور الأندرين وَأَنْدَرِينُ بَلَدٌ مِنْ بِلَادِ الشَّامِ. وَقَدِ انْبَنَى عَلَى الْخِلَافِ فِي مُسَمَّى الْخَمْرِ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ خِلَافٌ فِي الْأَحْكَامِ، فَقَدْ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ كُلُّهُمْ عَلَى أَنَّ خَمْرَ الْعِنَبِ حَرَامٌ كَثِيرُهَا إِجْمَاعًا وَقَلِيلُهَا عِنْدَ مُعْظَمِ الْعُلَمَاءِ وَيُحَدُّ شَارِبُ الْكَثِيرِ مِنْهَا عِنْدَ الْجُمْهُورِ وَفِي الْقَلِيلِ خِلَافٌ كَمَا سَيَأْتِي فِي سُورَةِ الْمَائِدَةِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِيمَا عَدَاهَا فَقَالَ الْجُمْهُورُ: كُلُّ شَرَابٍ أَسْكَرَ كَثِيرُهُ فَقَلِيلُهُ حَرَامٌ وَحُكْمُهُ كَحُكْمِ الْخَمْرِ فِي كُلِّ
QS 2:220 (jilid 2 hlm. 341) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 341 · #112064
، ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِيمَا عَدَاهَا فَقَالَ الْجُمْهُورُ: كُلُّ شَرَابٍ أَسْكَرَ كَثِيرُهُ فَقَلِيلُهُ حَرَامٌ وَحُكْمُهُ كَحُكْمِ الْخَمْرِ فِي كُلِّ شَيْءٍ أَخْذًا بِمُسَمَّى الْخَمْرِ عِنْدَهُمْ، وَبِالْقِيَاسِ الْجَلِيِّ الْوَاضِحِ أَنَّ حِكْمَةَ التَّحْرِيمِ هِيَ الْإِسْكَارُ وَهُوَ ثَابِتٌ لِجَمِيعِهَا وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ: يُخْتَصُّ شَرَابُ الْعِنَبِ بِتِلْكَ الْأَحْكَامِ أَمَّا مَا عَدَاهُ فَلَا يُحَرَّمُ مِنْهُ إِلَّا الْقَدْرُ الْمُسْكِرُ، هَكَذَا يَنْقُلُ الْمُخَالِفُونَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ، وَكَانَ الْعُلَمَاءُ فِي الْقَدِيمِ يَنْقُلُونَ ذَلِكَ مُطْلَقًا حَتَّى رُبَّمَا أَوْهَمَ نَقْلُهُمْ أَنَّهُ لَا يَرَى عَلَى مَنْ سَكِرَ بِغَيْرِ الْخَمْرِ شَيْئًا، وَيَزِيدُ ذَلِكَ إِيهَامًا قَاعِدَةُ أَنَّ الْمَأْذُونَ فِيهِ شَرْعًا لَا يَتَقَيَّدُ بِالسَّلَامَةِ وَرُبَّمَا عَضَّدُوا ذَلِكَ بِمَنْقُولِ قَصَصٍ
QS 2:220 (jilid 2 hlm. 342) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 342 · #112065
ا، وَيَزِيدُ ذَلِكَ إِيهَامًا قَاعِدَةُ أَنَّ الْمَأْذُونَ فِيهِ شَرْعًا لَا يَتَقَيَّدُ بِالسَّلَامَةِ وَرُبَّمَا عَضَّدُوا ذَلِكَ بِمَنْقُولِ قَصَصٍ وَحَوَادِثَ كَقَوْلِ أَبِي نُوَاسٍ: أَبَاحَ الْعِرَاقِيُّ النَّبِيذَ وَشُرْبَهُ ... وَقَالَ حَرَامَانِ الْمُدَامَةُ وَالسُّكْرُ وَلَكِنَّ الَّذِي اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ الْحَنَفِيَّةُ هُوَ أَنَّ الْأَشْرِبَةَ الْمُسْكِرَةَ قِسْمَانِ، أَحَدُهُمَا مُحَرَّمٌ شُرْبُهُ وَهُوَ أَرْبَعَةٌ: (الْخمر) وَهُوَ النيء مِنْ عَصِيرِ الْعِنَبِ إِذَا غَلَى وَاشْتَدَّ وَقَذَفَ بِالزَّبَدِ، (وَالطِّلَاءُ) بِكَسْرِ الطَّاءِ وَبِالْمَدِّ وَهُوَ عَصِيرُ الْعِنَبِ إِذَا طُبِخَ حَتَّى ذَهَبَ أَقَلُّ مِنْ ثُلُثَيْهِ ثُمَّ تُرِكَ حَتَّى صَارَ مُسْكِرًا، (وَالسَّكَرُ) بِفَتْحِ السِّينِ وَالْكَاف وَهُوَ النيء مِنْ مَاءِ الرُّطَبِ أَيْ مِنَ الْمَاءِ الْحَارِّ الْمَصْبُوبِ عَلَى الرُّطَبِ ثُمَّ يَصِيرُ مُسْكِرًا، (والنقيع) وَهُوَ النيء مِنْ نَبِيذِ الزَّبِيبِ، وَهَذِهِ
QS 2:220 (jilid 2 hlm. 342) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 342 · #112066
الرُّطَبِ أَيْ مِنَ الْمَاءِ الْحَارِّ الْمَصْبُوبِ عَلَى الرُّطَبِ ثُمَّ يَصِيرُ مُسْكِرًا، (والنقيع) وَهُوَ النيء مِنْ نَبِيذِ الزَّبِيبِ، وَهَذِهِ الْأَرْبَعَةُ حَرَامٌ قَلِيلُهَا وَكَثِيرُهَا وَنَجِسَةُ الْعَيْنِ لَكِنَّ الْخَمْرَ يُكَفَّرُ مُسْتَحِلُّهَا وَيُحَدُّ شَارِبُ الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ مِنْهَا، وَأَمَّا الثَّلَاثَةُ الْبَاقِيَةُ فَلَا يُكَفَّرُ مُسْتَحِلُّهَا وَلَا يُحَدُّ شَارِبُهَا إِلَّا إِذَا سَكِرَ. الْقِسْمُ الثَّانِي الْأَشْرِبَةُ الْحَلَالُ شُرْبُهَا وَهِيَ نَبِيذُ التَّمْرِ وَالزَّبِيبِ إِذَا طُبِخَ وَلَوْ أَدْنَى طَبْخَةٍ، وَنَبِيذُ الْخَلِيطَيْنِ مِنْهُمَا إِذَا طُبِخَ أَدْنَى طَبْخَةٍ، وَنَبِيذُ الْعَسَلِ وَالتِّينِ وَالْبُرِّ وَالشَّعِيرِ وَالذُّرَةِ طُبِخَ أَمْ لَمْ يُطْبَخْ.
QS 2:220 (jilid 2 hlm. 342) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 342 · #112067
الْخَلِيطَيْنِ مِنْهُمَا إِذَا طُبِخَ أَدْنَى طَبْخَةٍ، وَنَبِيذُ الْعَسَلِ وَالتِّينِ وَالْبُرِّ وَالشَّعِيرِ وَالذُّرَةِ طُبِخَ أَمْ لَمْ يُطْبَخْ. وَالْمُثَلَّثُ وَهُوَ مَا طُبِخَ مِنْ مَاءِ الْعِنَبِ حَتَّى ذَهَبَ ثُلُثَاهُ وَبَقِيَ ثُلُثُهُ، فَهَذِهِ الْأَرْبَعَةُ يَحِلُّ شُرْبُهَا إِذَا لَمْ يُقْصَدْ بِهِ اللَّهْوُ وَالطَّرَبُ بَلِ التَّقَوِّي عَلَى الْعِبَادَةِ (كَذَا) أَوْ إِصْلَاحُ هَضْمِ الطَّعَامِ أَوِ التَّدَاوِي وَإِلَّا حُرِّمَتْ وَلَا يُحَدُّ شَارِبُهَا إِلَّا إِذَا سَكِرَ. وَهَذَا التَّفْصِيلُ دَلِيلُهُ الْقِيَاسُ، لِأَنَّ هَذِهِ الْأَشْرِبَةَ لَمْ يَبْقَ فِيهَا الْإِسْكَارُ الْمُعْتَادُ، وَأَمَّا
QS 2:220 (jilid 2 hlm. 342) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 342 · #112068
َا إِلَّا إِذَا سَكِرَ. وَهَذَا التَّفْصِيلُ دَلِيلُهُ الْقِيَاسُ، لِأَنَّ هَذِهِ الْأَشْرِبَةَ لَمْ يَبْقَ فِيهَا الْإِسْكَارُ الْمُعْتَادُ، وَأَمَّا الْحَدُّ فَلَا وَجْهَ لِلتَّفْصِيلِ فِيهِ لِأَنَّهُ إِنْ كَانَ عَلَى السُّكْرِ فَالْجَمِيعُ سَوَاءٌ فِي الْإِسْكَارِ، عَلَى أَنَّهُ يَلْزَمُ أَلَّا يَكُونَ الْحَدُّ إِلَّا عِنْدَ حُصُولِ السُّكْرِ وَلَيْسَ فِي الْآثَارِ مَا يَشْهَدُ لِغَيْرِ ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ الْحَدُّ لِسَدِّ الذَّرِيعَةِ فَلَا أَرَى أَنَّ قَاعِدَةَ سَدِّ الذَّرِيعَةِ تَبْلُغُ إِلَى حَدِّ مُرْتَكِبِ الذَّرِيعَةِ قَبْلَ حُصُولِ الْمُتَذَرَّعِ إِلَيْهِ.
QS 2:220 (jilid 2 hlm. 342) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 342 · #112069
َدِّ الذَّرِيعَةِ فَلَا أَرَى أَنَّ قَاعِدَةَ سَدِّ الذَّرِيعَةِ تَبْلُغُ إِلَى حَدِّ مُرْتَكِبِ الذَّرِيعَةِ قَبْلَ حُصُولِ الْمُتَذَرَّعِ إِلَيْهِ. وَتَمَسَّكَ الْحَنَفِيَّةُ لِهَذَا التَّفْصِيلِ بِأَنَّ الْأَنْبِذَةَ شَرِبَهَا الصَّحَابَةُ هُوَ تَمَسُّكٌ أَوْهَى مِمَّا قَبْلَهُ، إِذِ الصَّحَابَةُ يُحَاشُونَ عَنْ شُرْبِ الْمُسْكِرَاتِ وَإِنَّمَا شَرِبُوا الْأَنْبِذَةَ قَبْلَ اخْتِمَارِهَا، وَاسْمُ النَّبِيذِ يُطْلَقُ عَلَى الْحُلْوِ وَالْمُخْتَمِرِ فَصَارَ اللَّفْظُ غَيْرَ مُنْضَبِطٍ، وَقَدْ خَالَفَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ إِمَامَهُ فِي ذَلِكَ فَوَافَقَ الْجُمْهُورَ.
QS 2:220 (jilid 2 hlm. 342) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 342 · #112070
َى الْحُلْوِ وَالْمُخْتَمِرِ فَصَارَ اللَّفْظُ غَيْرَ مُنْضَبِطٍ، وَقَدْ خَالَفَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ إِمَامَهُ فِي ذَلِكَ فَوَافَقَ الْجُمْهُورَ. وَرُبَّمَا ذَكَرَ بَعْضُهُمْ فِي الِاسْتِدْلَالِ أَنَّ الْخَمْرَ حَقِيقَةٌ فِي شراب الْعِنَب النيء مَجَازٌ فِي غَيْرِهِ مِنَ الْأَنْبِذَةِ وَالشَّرَابِ الْمَطْبُوخِ، وَقَدْ جَاءَ فِي الْآيَةِ لَفَظُ الْخَمْرِ فَيُحْمَلُ عَلَى حَقِيقَتِهِ وَإِلْحَاقُ غَيْرِهِ بِهِ إِثْبَاتُ اللُّغَةِ بِالْقِيَاسِ، وَهَذَا بَاطِلٌ، لِأَنَّ الْخِلَافَ فِي كَوْنِ الْخَمْرِ حَقِيقَةً فِي شَرَابِ الْعِنَبِ أَوْ فِي الْأَعَمِّ خِلَافٌ فِي التَّسْمِيَةِ اللُّغَوِيَّةِ وَالْإِطْلَاقِ، فَبِقَطْعِ النَّظَرِ عَنْهُ كَيْفَ يَظُنُّ الْمُجْتَهِدُ بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُحَرِّمُ خُصُوصَ شَرَابِ الْعِنَبِ وَيَتْرُكُ غَيْرَهُ مِمَّا يُسَاوِيهِ فِي سَائِرِ الصِّفَاتِ الْمُؤَثِّرَةِ فِي الْأَحْكَامِ.
QS 2:220 (jilid 2 hlm. 343) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 343 · #112071
نَّ اللَّهَ تَعَالَى يُحَرِّمُ خُصُوصَ شَرَابِ الْعِنَبِ وَيَتْرُكُ غَيْرَهُ مِمَّا يُسَاوِيهِ فِي سَائِرِ الصِّفَاتِ الْمُؤَثِّرَةِ فِي الْأَحْكَامِ. فَإِنْ قَالُوا: إِنَّ الصِّفَةَ الَّتِي ذُكِرَتْ فِي الْقُرْآنِ قَدْ سَوَّيْنَا فِيهَا جَمِيعَ الْأَشْرِبَةِ وَذَلِكَ بِتَحْرِيمِ الْقَدْرِ الْمُسْكِرِ وَبَقِيَتْ لِلْخَمْرِ أَحْكَامٌ ثَبَتَتْ بِالسُّنَّةِ كَتَحْرِيمِ الْقَلِيلِ وَالْحَدِّ عَلَيْهِ أَوْ عَلَى السُّكْرِ فَتِلْكَ هِيَ مَحَلُّ النَّظَرِ، قُلْنَا: هَذَا مُصَادَرَةٌ لِأَنَّنَا اسْتَدْلَلْنَا عَلَيْهِمْ بِأَنَّهُ لَا يُظَنُّ بِالشَّارِعِ أَنْ يُفَرِّقَ فِي الْأَحْكَامِ بَيْنَ أَشْيَاءَ مُتَمَاثِلَةٍ فِي الصِّفَاتِ، عَلَى أَنَّهُ
QS 2:220 (jilid 2 hlm. 343) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 343 · #112072
تَدْلَلْنَا عَلَيْهِمْ بِأَنَّهُ لَا يُظَنُّ بِالشَّارِعِ أَنْ يُفَرِّقَ فِي الْأَحْكَامِ بَيْنَ أَشْيَاءَ مُتَمَاثِلَةٍ فِي الصِّفَاتِ، عَلَى أَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ فِي «الصَّحِيحِ» ثُبُوتًا لَا يَدَعُ لِلشَّكِّ فِي النُّفُوسِ مَجَالًا أَنَّ النَّبِيءَ ﷺ قَالَ: «إِنَّ الْخَمْرَ مِنَ الْعَصِيرِ وَالزَّبِيبِ وَالتَّمْرِ وَالْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ وَالذُّرَةِ» رَوَاهُ النُّعْمَانُ بْنُ بَشِيرٍ وَهُوَ فِي «سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ» وَقَالَ: «الْخَمْرُ مِنْ هَاتَيْنِ الشَّجَرَتَيْنِ النَّخْلَةِ وَالْعِنَبَةِ» رَوَاهُ أَبُو هُرَيْرَةَ وَهُوَ فِي «سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ» ، وَقَالَ: «كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ وَكُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ» رَوَاهُ ابْنُ عُمَرَ فِي «سُنَنِ التِّرْمِذِيِّ» ، وَقَالَ أَنَسٌ: لَقَدْ حُرِّمَتِ الْخَمْرُ وَمَا نَجِدُ شَرَابَ الْعِنَبِ إِلَّا قَلِيلًا، وَعَامَّةُ شَرَابِنَا فَضِيخُ التَّمْرِ.
QS 2:220 (jilid 2 hlm. 343) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 343 · #112073
التِّرْمِذِيِّ» ، وَقَالَ أَنَسٌ: لَقَدْ حُرِّمَتِ الْخَمْرُ وَمَا نَجِدُ شَرَابَ الْعِنَبِ إِلَّا قَلِيلًا، وَعَامَّةُ شَرَابِنَا فَضِيخُ التَّمْرِ. كَمَا فِي «سُنَنِ التِّرْمِذِيِّ» . وَأَمَّا التَّوَسُّعُ فِي الْخَمْرِ بَعْدَ الطَّبْخِ، فَهُوَ تَشْوِيهٌ لِلْفِقْهِ وَلَطْخٌ، وَمَاذَا يُفِيدُ الطَّبْخُ إِنْ كَانَ الْإِسْكَارُ لَمْ يَزَلْ مَوْجُودًا. وَصْفُ اللَّهِ الْخَمْرَ بِأَنَّ فِيهَا إِثْمًا كَبِيرًا وَمَنَافِعَ. وَالْإِثْمُ: مَعْصِيَةُ اللَّهِ بِفِعْلِ مَا فِيهِ فَسَادٌ وَلَا يُرْضِي اللَّهَ، وَأَشَارَ الرَّاغِبُ إِلَى أَنَّ فِي اشْتِقَاقِ الْإِثْمِ مَعْنَى الْإِبْطَاءِ عَنِ الْخَيْرِ، وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الْأَعْرَافِ: الْإِثْمُ عِبَارَةٌ عَنِ الذَّمِّ الْوَارِدِ فِي الْفِعْلِ، فَكَأَنَّهُ يُشِيرُ إِلَى أَنَّ الْإِثْمَ ضِدُّ الثَّوَابِ، وَظَاهِرُ اصْطِلَاحِ الشَّرِيعَةِ أَنَّ الْإِثْمَ هُوَ الْفِعْلُ الْمَذْمُومُ فِي
QS 2:220 (jilid 2 hlm. 343) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 343 · #112074
ْفِعْلِ، فَكَأَنَّهُ يُشِيرُ إِلَى أَنَّ الْإِثْمَ ضِدُّ الثَّوَابِ، وَظَاهِرُ اصْطِلَاحِ الشَّرِيعَةِ أَنَّ الْإِثْمَ هُوَ الْفِعْلُ الْمَذْمُومُ فِي الشَّرْعِ، فَهُوَ ضِدُّ الْقُرْبَةِ فَيَكُونُ مَعْنَى فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ أَنَّهُمَا يَتَسَبَّبُ مِنْهُمَا مَا هُوَ إِثْمٌ فِي حَالِ الْعَرْبَدَةِ وَحَالِ الرِّبْحِ وَالْخَسَارَةِ مِنَ التَّشَاجُرِ. وَإِطْلَاقُ الْكَبِيرِ عَلَى الْإِثْمِ مَجَازٌ، لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنَ الْأَجْسَامِ، فَالْمُرَادُ مِنَ الْكَبِيرِ: الشَّدِيدُ فِي نَوْعِهِ كَمَا تَقَدَّمَ آنِفًا. وَجِيءَ بِفِي الدَّالَّةِ عَلَى الظَّرْفِيَّةِ لِإِفَادَةِ شِدَّةِ تَعَلُّقِ الْإِثْمِ وَالْمَنْفَعَةِ بِهِمَا لِأَنَّ الظَّرْفِيَّةَ أَشَدُّ أَنْوَاعِ التَّعَلُّقِ، وَهِيَ هُنَا ظَرْفِيَّةٌ مَجَازِيَّةٌ شَائِعَةٌ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ، وَجُعِلَتِ الظَّرْفِيَّةُ مُتَعَلِّقَةً بِذَاتِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ لِلْمُبَالَغَةِ، وَالْمُرَادُ فِي اسْتِعْمَالِهِمَا الْمُعْتَادِ.
QS 2:220 (jilid 2 hlm. 344) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 344 · #112075
ِ الْعَرَبِ، وَجُعِلَتِ الظَّرْفِيَّةُ مُتَعَلِّقَةً بِذَاتِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ لِلْمُبَالَغَةِ، وَالْمُرَادُ فِي اسْتِعْمَالِهِمَا الْمُعْتَادِ. وَاخْتِيرَ التَّعْبِيرُ بِالْإِثْمِ لِلدَّلَالَةِ عَلَى أَنَّهُ يَعُودُ عَلَى مُتَعَاطِي شُرْبِهَا بِالْعُقُوبَةِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ. وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ إِثْمٌ كَبِيرٌ بِمُوَحَّدَةٍ بَعْدَ الْكَافِ وَقَرَأَهُ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ (كَثِيرٌ) بِالثَّاءِ الْمُثَلَّثَة، وَهُوَ مجَازًا اسْتُعِيرَ وَصْفُ الْكَثِيرِ لِلشَّدِيدِ تَشْبِيهًا لِقُوَّةِ الْكَيْفِيَّةِ بِوَفْرَةِ الْعَدَدِ. وَالْمَنَافِعُ: جُمَعُ مَنْفَعَةٍ، وَهِيَ اسْمٌ عَلَى وَزْنِ مَفْعَلَةٍ وَأَصْلُهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَصْدَرًا مِيمِيًّا قُصِدَ مِنْهُ قُوَّةُ النَّفْعِ، لِأَنَّ الْمَصْدَرَ الْمِيمِيَّ أَبْلَغُ مِنْ جِهَةِ زِيَادَةِ الْمَبْنِي.
QS 2:220 (jilid 2 hlm. 344) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 344 · #112076
حْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَصْدَرًا مِيمِيًّا قُصِدَ مِنْهُ قُوَّةُ النَّفْعِ، لِأَنَّ الْمَصْدَرَ الْمِيمِيَّ أَبْلَغُ مِنْ جِهَةِ زِيَادَةِ الْمَبْنِي. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ اسْمَ مَكَانٍ دَالًّا عَلَى كَثْرَةِ مَا فِيهِ كَقَوْلِهِمْ مَسْبَعَةٌ وَمَقْبَرَةٌ أَيْ يَكْثُرُ فِيهِمَا النَّفْعُ مِنْ قَبِيلِ قَوْلِهِمْ مَصْلَحَةٌ وَمَفْسَدَةٌ، فَالْمَنْفَعَةُ عَلَى كُلِّ حَالٍ أَبْلَغُ مِنَ النَّفْعِ. وَالْإِثْمُ الَّذِي فِي الْخَمْرِ نَشَأَ عَمَّا يَتَرَتَّبُ عَلَى شُرْبِهَا تَارَةً مِنَ الْإِفْرَاطِ فِيهِ وَالْعَرْبَدَةِ مِنْ تَشَاجُرٍ يَجُرُّ إِلَى الْبَغْضَاءِ وَالصَّدِّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ، وَفِيهَا ذَهَابُ الْعَقْلِ وَالتَّعَرُّضُ لِلسُّخْرِيَةِ، وَفِيهَا ذَهَابُ الْمَالِ فِي شُرْبِهَا، وَفِي الْإِنْفَاقِ عَلَى النَّدَامَى حَتَّى كَانُوا رُبَّمَا رَهَنُوا ثِيَابَهُمْ عِنْدَ الْخَمَّارِينَ قَالَ عُمَارَةُ بْنُ الْوَلِيدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ الْمَخْزُومِيُّ:
QS 2:220 (jilid 2 hlm. 344) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 344 · #112077
َلَى النَّدَامَى حَتَّى كَانُوا رُبَّمَا رَهَنُوا ثِيَابَهُمْ عِنْدَ الْخَمَّارِينَ قَالَ عُمَارَةُ بْنُ الْوَلِيدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ الْمَخْزُومِيُّ: وَلَسْنَا بِشَرْبٍ أُمَّ عَمْرٍو إِذَا انْتَشَوْا ... ثِيَابُ النَّدَامَى عِنْدَهُمْ كَالْمَغَانِمِ وَلَكِنَّنَا يَا أُمَّ عَمْرٍو نَدِيمُنَا ... بِمَنْزِلَةِ الرَّيَّانِ لَيْسَ بِعَائِمِ وَقَالَ عَنْتَرَةُ: وَإِذَا سَكِرْتُ فَإِنَّنِي مُسْتَهْلِكٌ ... مَالِي وَعِرْضِي وَافِرٌ لَمْ يُكْلَمِ وَكَانُوا يَشْتَرُونَ الْخَمْرَ بِأَثْمَانٍ غَالِيَةٍ وَيَعُدُّونَ الْمُمَاكَسَةَ فِي ثَمَنِهَا عَيْبًا، قَالَ لَبِيدٌ: أُغْلِي السِّبَاءَ بِكُلِّ أَدْكَنَ عَاتِقٍ ...
QS 2:220 (jilid 2 hlm. 344) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 344 · #112078
ونَ الْخَمْرَ بِأَثْمَانٍ غَالِيَةٍ وَيَعُدُّونَ الْمُمَاكَسَةَ فِي ثَمَنِهَا عَيْبًا، قَالَ لَبِيدٌ: أُغْلِي السِّبَاءَ بِكُلِّ أَدْكَنَ عَاتِقٍ ... أَوْ جَوْنَةٍ قُدِحَتْ وَفُضَّ خِتَامُهَا وَمِنْ آثَامِهَا مَا قَرَّرَهُ الْأَطِبَّاءُ الْمُتَأَخِّرُونَ أَنَّهَا تُورِثُ الْمُدْمِنِينَ عَلَيْهَا أَضْرَارًا فِي الْكَبِدِ وَالرِّئَتَيْنِ وَالْقَلْبِ وَضَعْفًا فِي النَّسْلِ، وَقَدِ انْفَرَدَ الْإِسْلَامُ عَنْ جَمِيعِ الشَّرَائِعِ بِتَحْرِيمِهَا، لأجل مَا فِيهَا مِنَ الْمَضَارِّ فِي الْمُرُوءَةِ حَرَّمَهَا بَعْضُ الْعَرَبِ عَلَى أَنْفُسِهِمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَمِمَّنْ حَرَّمَهَا عَلَى نَفْسِهِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ قَيْسُ بْنُ عَاصِمٍ الْمِنْقَرِيُّ بِسَبَبِ أَنَّهُ شَرِبَ يَوْمًا حَتَّى سَكِرَ فَجَذَبَ ابْنَتَهُ وَتَنَاوَلَ ثَوْبَهَا، وَرَأَى الْقَمَر فَتكلم مَعَه كَلَامًا، فَلَمَّا أُخْبِرَ بِذَلِكَ حِينَ صَحَا آلَى لَا يَذُوقُ خَمْرًا مَا عَاشَ وَقَالَ:
QS 2:220 (jilid 2 hlm. 344) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 344 · #112079
تَهُ وَتَنَاوَلَ ثَوْبَهَا، وَرَأَى الْقَمَر فَتكلم مَعَه كَلَامًا، فَلَمَّا أُخْبِرَ بِذَلِكَ حِينَ صَحَا آلَى لَا يَذُوقُ خَمْرًا مَا عَاشَ وَقَالَ: رَأَيْتُ الْخَمْرَ صَالِحَةً وَفِيهَا ... خِصَالٌ تُفْسِدُ الرَّجُلَ الْحَلِيمَا فَلَا وَاللَّهِ أَشْرَبُهَا صَحِيحًا ... وَلَا أُشْفَى بِهَا أَبَدًا سَقِيمًا وَلَا أُعْطِي بِهَا ثَمَنًا حَيَاتِي ... وَلَا أَدْعُو لَهَا أَبَدًا نَدِيمًا فَإِنَّ الْخَمْرَ تَفْضَحُ شَارِبِيهَا ... وَتُجْنِيهِمْ بِهَا الْأَمْرَ الْعَظِيمَا
QS 2:220 (jilid 2 hlm. 345) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 345 · #112080
ي بِهَا ثَمَنًا حَيَاتِي ... وَلَا أَدْعُو لَهَا أَبَدًا نَدِيمًا فَإِنَّ الْخَمْرَ تَفْضَحُ شَارِبِيهَا ... وَتُجْنِيهِمْ بِهَا الْأَمْرَ الْعَظِيمَا وَفِي «أَمَالِي الْقَالِي» نِسْبَةُ الْبَيْتَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ لِصَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ، وَمِنْهُمْ عَامِرُ بْنُ الظَّرِبِ الْعُدْوَانِيُّ، وَمِنْهُمْ عفيف بن معد يكرب الْكِنْدِيُّ عَمُّ الْأَشْعَثِ بْنِ قَيْسٍ، وَصَفْوَانُ بْنُ أُمَيَّةَ الْكِنَانِيُّ، وَأَسْلُومُ الْبَالِي، وَسُوَيْدُ بْنُ عَدِيٍّ الطَّائِيُّ، (وَأَدْرَكَ الْإِسْلَامَ) وَأَسَدُ بْنُ كُرَزٍ الْقَسْرِيُّ الْبَجَلِيُّ الَّذِي كَانَ يُلَقَّبُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ بِرَبِّ بَجِيلَةَ، وَعُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ، وَأَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ، وَعَبَّاسُ بْنُ مِرْدَاسٍ، وَعُثْمَانُ بْنُ مَظْعُونٍ، وَأُمِّيَّةُ بْنُ أَبِي الصَّلْتِ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ جُدْعَانَ.
QS 2:220 (jilid 2 hlm. 345) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 345 · #112081
وَأَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ، وَعَبَّاسُ بْنُ مِرْدَاسٍ، وَعُثْمَانُ بْنُ مَظْعُونٍ، وَأُمِّيَّةُ بْنُ أَبِي الصَّلْتِ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ جُدْعَانَ. وَأَمَّا الْمَنَافِعُ فَمِنْهَا مَنَافِعُ بَدَنِيَّةٌ وَهِيَ مَا تُكْسِبُهُ مِنْ قُوَّةِ بَدَنِ الضَّعِيفِ فِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ وَمَا فِيهَا مِنْ مَنَافِعِ التِّجَارَةِ فَقَدْ كَانَتْ تِجَارَةُ الطَّائِفِ وَالْيَمَنِ مِنَ الْخَمْرِ، وَفِيهَا مَنَافِعُ مِنَ اللَّذَّةِ وَالطَّرَبِ، قَالَ طَرَفَةُ: وَلَوْلَا ثَلَاثٌ هُنَّ مِنْ عِيشَةِ الْفَتَى ... وَجِدِّكَ لَمْ أَحْفِلْ مَتَى قَامَ عُوَّدِي فَمِنْهُنَّ سَبْقِي الْعَاذِلَاتِ بِشَرْبَةٍ ...
QS 2:220 (jilid 2 hlm. 345) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 345 · #112082
فَةُ: وَلَوْلَا ثَلَاثٌ هُنَّ مِنْ عِيشَةِ الْفَتَى ... وَجِدِّكَ لَمْ أَحْفِلْ مَتَى قَامَ عُوَّدِي فَمِنْهُنَّ سَبْقِي الْعَاذِلَاتِ بِشَرْبَةٍ ... كُمَيْتٍ مَتَى مَا تُعْلَ بِالْمَاءِ تُزْبَدِ وَذَهَبَ بَعْضُ عُلَمَائِنَا إِلَى أَنَّ الْمَنَافِعَ مَالِيَّةٌ فَقَطْ فِرَارًا مِنَ الِاعْتِرَافِ بِمَنَافِعَ بَدَنِيَّةٍ لِلْخَمْرِ وَهُوَ جُحُودٌ لِلْمَوْجُودِ وَمِنَ الْعَجِيبِ أَنَّ بَعْضَهُمْ زَعَمَ أَنَّ فِي الْخَمْرِ مَنَافِعَ بَدَنِيَّةً وَلَكِنَّهَا بِالتَّحْرِيمِ زَالَتْ. وَذُكِرَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْمَيْسِرُ عَطْفًا عَلَى الْخَمْرِ وَمُخْبِرًا عَنْهُمَا بِأَخْبَارٍ مُتَّحِدَةٍ فَمَا قِيلَ فِي مُقْتَضَى هَذِهِ الْآيَةِ مِنْ تَحْرِيمِ الْخَمْرِ أَوْ مِنَ التَّنْزِيهِ عَنْ شُرْبِهَا يُقَالُ مِثْلُهُ فِي الْمَيْسِرِ، وَقَدْ بَانَ أَنَّ الْمَيْسِرَ قَرِينُ الْخَمْرِ فِي التَّمَكُّنِ مِنْ نُفُوسِ الْعَرَبِ يَوْمَئِذٍ وَهُوَ أَكْبَرُ لَهْوٍ يَلْهُونَ بِهِ، وَكَثِيرًا
QS 2:220 (jilid 2 hlm. 345) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 345 · #112083
وَقَدْ بَانَ أَنَّ الْمَيْسِرَ قَرِينُ الْخَمْرِ فِي التَّمَكُّنِ مِنْ نُفُوسِ الْعَرَبِ يَوْمَئِذٍ وَهُوَ أَكْبَرُ لَهْوٍ يَلْهُونَ بِهِ، وَكَثِيرًا مَا يَأْتُونَهُ وَقْتَ الشَّرَابِ إِذَا أَعْوَزَهُمُ اللَّحْمُ لِلشِّوَاءِ عِنْدَ شُرْبِ الْخَمْرِ، فَهُمْ يَتَوَسَّلُونَ لِنَحْرِ الْجَزُورِ سَاعَتَئِذٍ بِوَسَائِلَ قَدْ تَبْلُغُ بِهِمْ إِلَى الِاعْتِدَاءِ عَلَى جُزُرِ النَّاسِ بِالنَّحْرِ كَمَا فِي قِصَّةِ حَمْزَةَ، إِذْ نَحَرَ شَارِفًا لِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ حِينَ كَانَ حَمْزَةُ مَعَ شَرْبٍ فَغَنَّتْهُ قَيْنَتُهُ مُغْرِيَةً إِيَّاهُ بِهَذَا الشَّارِفِ: أَلَا يَا حَمَزُ لِلشُّرُفِ النِّوَاءِ ... وَهُنَّ مُعَقَّلَاتٌ بِالْفِنَاءِ فَقَامَ إِلَيْهَا فَشَقَّ بَطْنَهَا وَأَخْرَجَ الْكَبِدَ فَشَوَاهُ فِي قِصَّةٍ شَهِيرَةٍ، وَقَالَ طَرَفَةُ يَذْكُرُ اعْتِدَاءَهُ عَلَى نَاقَةٍ مِنْ إِبِلِ أَبِيهِ فِي حَالِ سُكْرِهِ: فَمَرَّتْ كَهَاةٌ ذَاتُ خَيْفٍ جُلَالَةٌ ...
QS 2:220 (jilid 2 hlm. 345) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 345 · #112084
شَهِيرَةٍ، وَقَالَ طَرَفَةُ يَذْكُرُ اعْتِدَاءَهُ عَلَى نَاقَةٍ مِنْ إِبِلِ أَبِيهِ فِي حَالِ سُكْرِهِ: فَمَرَّتْ كَهَاةٌ ذَاتُ خَيْفٍ جُلَالَةٌ ... عَقِيلَةُ شَيْخٍ كَالْوَبِيلِ يَلَنْدَدِ يَقُولُ وَقَدْ تَرَ الْوَظِيفَ وَسَاقَهَا ... أَلَسْتَ تَرَى أَنْ قَدْ أَتَيْتَ بِمُؤْيِدِ وَقَالَ أَلَا مَاذَا تَرَوْنَ بِشَارِبٍ ... شَدِيدٍ عَلَيْنَا بَغْيُهُ مُتَعَمِّدِ فَلَا جَرَمَ أَنْ كَانَ الْمَيْسِرُ أَيْسَرَ عَلَيْهِمْ لِاقْتِنَاءِ اللَّحْمِ لِلشُّرْبِ وَلِذَلِكَ كَثُرَ فِي كَلَامِهِمْ قَرْنُهُ بِالشُّرْبِ، قَالَ سَبْرَةُ بْنُ عَمْرٍو الْفَقْعَسِيُّ يَذْكُرُ الْإِبِلَ: نُحَابِي بِهَا أَكْفَاءَنَا وَنُهِينُهَا ... وَنَشْرَبُ فِي أَثْمَانِهَا وَنُقَامِرُ وَذَكَرَ لَبِيدٌ الْخَمْرَ ثُمَّ ذَكَرَ الْمَيْسِرَ فِي مُعَلَّقَتِهِ فَقَالَ: أُغْلِي السِّبَاءَ بِكُلِّ أَدْكَنَ عَاتِقِ ... أَوْ جَوْنَةٍ قُدِحَتْ وَفُضَّ خِتَامُهَا ثُمَّ قَالَ: وَجَزُورِ أَيْسَارٍ دَعَوْتُ لِحَتْفِهَا ...
QS 2:220 (jilid 2 hlm. 346) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 346 · #112085
: أُغْلِي السِّبَاءَ بِكُلِّ أَدْكَنَ عَاتِقِ ... أَوْ جَوْنَةٍ قُدِحَتْ وَفُضَّ خِتَامُهَا ثُمَّ قَالَ: وَجَزُورِ أَيْسَارٍ دَعَوْتُ لِحَتْفِهَا ... بِمَغَالِقٍ مُتَشَابِهٍ أَجْسَامُهَا وَذَكَرَهُمَا عَنْتَرَةُ فِي بَيْتٍ وَاحِدٍ فَقَالَ يَذْكُرُ مَحَاسِنَ قِرْنِهِ الَّذِي صَرَعَهُ فِي الْحَرْبِ: رَبِذٍ يَدَاهُ بِالْقِدَاحِ إِذَا شَتَا ... هَتَّاكِ غَايَاتِ التِّجَارِ مُلَوَّمِ فَلِأَجْلِ هَذَا قُرِنَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ ذِكْرُ الْخَمْرِ بِذِكْرِ الْمَيْسِرِ، وَلِأَجْلِهِ اقْتَرَنَا فِي سُؤَالِ السَّائِلِينَ عَنْهُمَا إِنْ كَانَ ثَمَّةَ سُؤَالٌ.
QS 2:220 (jilid 2 hlm. 346) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 346 · #112086
ِنَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ ذِكْرُ الْخَمْرِ بِذِكْرِ الْمَيْسِرِ، وَلِأَجْلِهِ اقْتَرَنَا فِي سُؤَالِ السَّائِلِينَ عَنْهُمَا إِنْ كَانَ ثَمَّةَ سُؤَالٌ. وَالْمَيْسِرُ: اسْمُ جِنْسٍ عَلَى وَزْنِ مَفْعِلٍ مُشْتَقّ من الْيُسْر، وَهُوَ ضِدُّ الْعُسْرِ وَالشِّدَّةِ، أَوْ مِنَ الْيَسَارِ وَهُوَ ضِدُّ الْإِعْسَارِ، كَأَنَّهُمْ صَاغُوهُ عَلَى هَذَا الْوَزْنِ مُرَاعَاةً لِزِنَةِ اسْمِ الْمَكَانِ مِنْ يَسَرَ يَيْسِرُ وَهُوَ مَكَانٌ مَجَازِيٌّ جَعَلُوا ذَلِكَ التَّقَامُرَ بِمَنْزِلَةِ الظَّرْفِ الَّذِي فِيهِ الْيَسَارُ أَوِ الْيُسْرُ، لِأَنَّهُ يُفْضِي إِلَى رَفَاهَةِ الْعَيْشِ وَإِزَالَةِ صُعُوبَةِ زَمَنِ الْمَحَلِّ وَكَلَبِ الشِّتَاءِ، وَقَالَ صَاحِبُ
QS 2:220 (jilid 2 hlm. 346) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 346 · #112087
هِ الْيَسَارُ أَوِ الْيُسْرُ، لِأَنَّهُ يُفْضِي إِلَى رَفَاهَةِ الْعَيْشِ وَإِزَالَةِ صُعُوبَةِ زَمَنِ الْمَحَلِّ وَكَلَبِ الشِّتَاءِ، وَقَالَ صَاحِبُ «الْكَشَّافِ» : هُوَ مَصْدَرٌ كَالْمَوْعِدِ، وَفِيهِ أَنَّهُ لَوْ كَانَ مَصْدَرًا لَكَانَ مَفْتُوحَ السِّينِ إِذِ الْمَصْدَرُ الَّذِي عَلَى وَزْنِ الْمَفْعَلِ لَا يَكُونُ إِلَّا مَفْتُوحَ الْعَيْنِ مَا عَدَا مَا شَذَّ، وَلَمْ يَذْكُرُوا الْمَيْسِرَ فِي الشَّاذِّ، إِلَّا أَنْ يُجَابَ بِأَنَّ الْعَرَبَ وَضَعُوا هَذَا الِاسْمَ عَلَى وَزْنِ الْمَصْدَرِ الشَّاذِّ لِيُعْلَمَ أَنَّهُ الْآنَ لَيْسَ بِمَصْدَرٍ. وَالْمَيْسِرُ: قِمَارٌ كَانَ لِلْعَرَبِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَهُوَ مِنِ الْقِمَارِ الْقَدِيمِ الْمُتَوَغِّلِ فِي الْقِدَمِ كَانَ لِعَادٍ مِنْ قَبْلُ، وَأَوَّلُ مَنْ وَرَدَ ذِكْرُ لَعِبِ الْمَيْسِرِ عَنْهُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ هُوَ لُقْمَانُ بْنُ عَادٍ وَيُقَالُ
QS 2:220 (jilid 2 hlm. 346) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 346 · #112088
الْقِدَمِ كَانَ لِعَادٍ مِنْ قَبْلُ، وَأَوَّلُ مَنْ وَرَدَ ذِكْرُ لَعِبِ الْمَيْسِرِ عَنْهُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ هُوَ لُقْمَانُ بْنُ عَادٍ وَيُقَالُ لُقْمَانُ الْعَادِيُّ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ وَلَدُ عَادِ بْنِ عَوْصِ بْنِ إِرَمَ بْنِ سَامَ، وَهُوَ غَيْرُ لُقْمَانَ الْحَكِيمِ، وَالْعَرَبُ تَزْعُمُ أَنَّ لُقْمَانَ كَانَ أَكْثَرَ النَّاسِ لَعِبًا بِالْمَيْسِرِ حَتَّى قَالُوا فِي الْمَثَلِ «أَيْسَرُ مِنْ لُقْمَانَ» وَزَعَمُوا أَنَّهُ كَانَ لَهُ ثَمَانِيَةُ أَيْسَارٍ لَا يُفَارِقُونَهُ (١) هُمْ مِنْ سَادَةِ عَادٍ وَأَشْرَافِهِمْ، وَلِذَلِكَ يُشَبِّهُونَ أَهْلَ الْمَيْسِرِ إِذَا كَانُوا مِنْ أَشْرَافِ الْقَوْمِ بِأَيْسَارِ لُقْمَانَ قَالَ طَرَفَةُ بْنُ الْعَبْدِ: وَهُمْ أَيْسَارُ لُقْمَانَ إِذَا ...
QS 2:220 (jilid 2 hlm. 347) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 347 · #112089
َ أَهْلَ الْمَيْسِرِ إِذَا كَانُوا مِنْ أَشْرَافِ الْقَوْمِ بِأَيْسَارِ لُقْمَانَ قَالَ طَرَفَةُ بْنُ الْعَبْدِ: وَهُمْ أَيْسَارُ لُقْمَانَ إِذَا ... أَغْلَتِ الشَّتْوَةُ أَبْدَاءَ الْجُزُرْ أَرَادَ التَّشْبِيهَ الْبَلِيغَ. وَصِفَةُ الْمَيْسِرِ أَنَّهُمْ كَانُوا يَجْعَلُونَ عَشْرَةَ قِدَاحٍ جَمْعُ قِدْحٍ بِكَسْرِ الْقَافِ وَهُوَ السَّهْمُ الَّذِي هُوَ أَصْغَرُ مِنَ النِّبْلِ وَمِنَ السَّهْمِ فَهُوَ سَهْمٌ صَغِيرٌ مِثْلُ السِّهَامِ الَّتِي تَلْعَبُ بِهَا الصِّبْيَانُ وَلَيْسَ فِي رَأْسِهِ سِنَانٌ وَكَانُوا يسمونها الخطاء جَمْعُ حُظْوَةٍ وَهِيَ السَّهْمُ الصَّغِيرُ وَكُلُّهَا مِنْ قَصَبِ النَّبْعِ، وَهَذِهِ الْقِدَاحُ هِيَ: الْفَذُّ، وَالتَّوْأَمُ، وَالرَّقِيبُ، وَالْحِلْسُ، وَالنَّافِسُ، وَالْمُسْبِلُ، وَالْمُعَلَّى، وَالسَّفِيحُ، وَالْمَنِيحُ، وَالْوَغْدُ، وَقِيلَ النَّافِسُ هُوَ الرَّابِعُ وَالْحِلْسُ خَامِسٌ، فَالسَّبْعَةُ الْأُوَلُ لَهَا حُظُوظٌ مِنْ وَاحِدٍ إِلَى سَبْعَةٍ عَلَى
QS 2:220 (jilid 2 hlm. 347) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 347 · #112090
ْمَنِيحُ، وَالْوَغْدُ، وَقِيلَ النَّافِسُ هُوَ الرَّابِعُ وَالْحِلْسُ خَامِسٌ، فَالسَّبْعَةُ الْأُوَلُ لَهَا حُظُوظٌ مِنْ وَاحِدٍ إِلَى سَبْعَةٍ عَلَى تَرْتِيبِهَا، وَالثَّلَاثَةُ الْأَخِيرَةُ لَا حُظُوظَ لَهَا وَتُسَمَّى أَغْفَالًا جَمْعُ غُفْلٍ بِضَمِّ الْغَيْنِ وَسُكُونِ الْفَاءِ وَهُوَ الَّذِي أُغْفِلَ مِنَ الْعَلَامَةِ، وَهَذِهِ العلامات خطوط من وَاحِدٌ إِلَى سَبْعَةٍ (كَأَرْقَامِ الْحِسَابِ الرُّومَانِيِّ إِلَى الْأَرْبَعَةِ) ، وَقَدْ خَطُّوا الْعَلَامَاتِ عَلَى الْقِدَاحِ ذَاتِ الْعَلَامَاتِ بِالشَّلْطِ فِي الْقَصَبَةِ أَوْ بِالْحَرْقِ بِالنَّارِ فَتُسَمَّى الْعَلَامَةُ حِينَئِذٍ قَرْمَةً، وَهَذِهِ الْعَلَامَاتُ تُوضَعُ فِي أَسَافِلِ الْقِدَاحِ.
QS 2:220 (jilid 2 hlm. 347) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 347 · #112091
لْطِ فِي الْقَصَبَةِ أَوْ بِالْحَرْقِ بِالنَّارِ فَتُسَمَّى الْعَلَامَةُ حِينَئِذٍ قَرْمَةً، وَهَذِهِ الْعَلَامَاتُ تُوضَعُ فِي أَسَافِلِ الْقِدَاحِ. فَإِذَا أَرَادُوا التَّقَامُرَ اشْتَرَوْا جَزُورًا بِثَمَنٍ مُؤَجَّلٍ إِلَى مَا بَعْدَ التَّقَامُرِ وَقَسَّمُوهُ أَبِدَاءً أَيْ أَجْزَاءً إِلَى ثَمَانِيَةٍ وَعِشْرِينَ جُزْءًا أَوْ إِلَى عَشَرَةِ أَجْزَاءٍ عَلَى اخْتِلَافٍ بَيْنَ الْأَصْمَعِيِّ وَأَبِي عُبَيْدَةَ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ لِلْعَرَبِ فِي ذَلِكَ طَرِيقَتَيْنِ فَلِذَلِكَ اخْتَلَفَ الْأَصْمَعِيُّ وَأَبُو عُبَيْدَةَ، ثُمَّ يَضَعُونَ تِلْكَ الْقِدَاحَ فِي خَرِيطَةٍ مِنْ جِلْدٍ تُسَمَّى
QS 2:220 (jilid 2 hlm. 347) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 347 · #112092
فِي ذَلِكَ طَرِيقَتَيْنِ فَلِذَلِكَ اخْتَلَفَ الْأَصْمَعِيُّ وَأَبُو عُبَيْدَةَ، ثُمَّ يَضَعُونَ تِلْكَ الْقِدَاحَ فِي خَرِيطَةٍ مِنْ جِلْدٍ تُسَمَّى الرِّبَابَةَ بِكَسْرِ الرَّاءِ هِيَ مِثْلُ كِنَانَةِ النِّبَالِ وَهِيَ وَاسِعَةٌ لَهَا مَخْرَجٌ ضَيِّقٌ يَضِيقُ عَنْ أَنْ يَخْرُجَ مِنْهُ قِدْحَانِ أَوْ ثَلَاثَةٌ، وَوَكَّلُوا بِهَذِهِ الرِّبَابَةِ رَجُلًا يُدْعَى عِنْدَهُمُ الْحُرْضَةَ وَالضَّرِيبَ وَالْمُجِيلَ، وَكَانُوا يُغَشُّونَ عَيْنَيْهِ بِمَغْمَضَةٍ، وَيَجْعَلُونَ عَلَى يَدَيْهِ خِرْقَةً بَيْضَاءَ يُسَمُّونَهَا الْمِجْوَلَ يَعْصِبُونَهَا عَلَى يَدَيْهِ أَوْ جِلْدَةً رَقِيقَةً يُسَمُّونَهَا السُّلْفَةَ بِضَمِّ السِّينِ وَسُكُون اللَّام، ويلتحق هَذَا الْحُرْضَةُ بِثَوْبٍ يُخْرِجُ رَأْسَهُ مِنْهُ ثُمَّ يَجْثُو عَلَى رُكْبَتَيْهِ
QS 2:220 (jilid 2 hlm. 347) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 347 · #112093
سَمُّونَهَا السُّلْفَةَ بِضَمِّ السِّينِ وَسُكُون اللَّام، ويلتحق هَذَا الْحُرْضَةُ بِثَوْبٍ يُخْرِجُ رَأْسَهُ مِنْهُ ثُمَّ يَجْثُو عَلَى رُكْبَتَيْهِ وَيَضَعُ الرِّبَابَةَ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَيَقُومُ وَرَاءَهُ رَجُلٌ يُسَمَّى الرَّقِيبَ أَوِ الْوَكِيلَ هُوَ الْأَمِينُ عَلَى الْحُرْضَةِ وَعَلَى الْأَيْسَارِ كَيْ لَا يَحْتَالَ أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ وَهُوَ الَّذِي يَأْمُرُ الْحُرْضَةَ بِابْتِدَاءِ الْمَيْسِرِ، يَجْلِسُونَ وَالْأَيْسَارُ حَوْلَ الْحُرْضَةِ جِثِيًّا عَلَى رُكَبِهِمْ، قَالَ دُرَيْدُ بْنُ الصِّمَّةِ: دَفَعْتُ إِلَى الْمُجِيلِ وَقَدْ تَجَاثَوْا ...
QS 2:220 (jilid 2 hlm. 348) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 348 · #112094
ْلِسُونَ وَالْأَيْسَارُ حَوْلَ الْحُرْضَةِ جِثِيًّا عَلَى رُكَبِهِمْ، قَالَ دُرَيْدُ بْنُ الصِّمَّةِ: دَفَعْتُ إِلَى الْمُجِيلِ وَقَدْ تَجَاثَوْا ... عَلَى الرُّكْبَاتِ مَطْلَعَ كُلِّ شَمْسِ ثُمَّ يَقُولُ الرَّقِيبُ لِلْحُرْضَةِ جَلْجِلِ الْقِدَاحَ أَيْ حَرِّكْهَا فَيُخَضْخِضُهَا فِي الرِّبَابَةِ كَيْ تَخْتَلِطَ ثُمَّ يُفِيضُهَا أَيْ يَدْفَعُهَا إِلَى جِهَةِ مَخْرَجِ الْقِدَاحِ مِنَ الرِّبَابَةِ دَفْعَةً وَاحِدَةً عَلَى اسْمٍ وَاحِدٍ مِنَ الْأَيْسَارِ فَيَخْرُجُ قِدْحٌ فَيَتَقَدَّمُ الْوَكِيلُ فَيَأْخُذُهُ وَيَنْظُرُهُ فَإِنْ كَانَ مِنْ ذَوَاتِ الْأَنْصِبَاءِ دَفَعَهُ إِلَى صَاحِبِهِ وَقَالَ لَهُ قُمْ فَاعْتَزِلْ فَيَقُومُ وَيَعْتَزِلُ إِلَى جِهَةٍ ثُمَّ تُعَادُ الْجَلْجَلَةُ، وَقَدِ اغْتَفَرُوا إِذَا خَرَجَ أَوَّلُ الْقِدَاحِ غُفْلًا أَلَّا يُحْسَبَ فِي غُرْمٍ وَلَا فِي غُنْمٍ بَلْ يُرَدُّ إِلَى الرِّبَابَةِ وَتُعَادُ الْإِحَالَةُ وَهَكَذَا وَمَنْ خَرَجَتْ لَهُمُ الْقِدَاحُ
QS 2:220 (jilid 2 hlm. 348) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 348 · #112095
غُفْلًا أَلَّا يُحْسَبَ فِي غُرْمٍ وَلَا فِي غُنْمٍ بَلْ يُرَدُّ إِلَى الرِّبَابَةِ وَتُعَادُ الْإِحَالَةُ وَهَكَذَا وَمَنْ خَرَجَتْ لَهُمُ الْقِدَاحُ الْأَغْفَالُ يَدْفَعُونَ ثَمَنَ الْجَزُورَ. فَأَمَّا عَلَى الْوَصْفِ الَّذِي وَصَفَ الْأَصْمَعِيُّ أَنَّ الْجَزُورَ يُقَسَّمُ إِلَى ثَمَانِيَةٍ وَعِشْرِينَ جُزْءًا فَظَاهِرٌ أَنَّ لِجَمِيعِ أَهْلِ الْقِدْحِ الْقَامِرَةِ شَيْئًا مِنْ أَبْدَاءِ الْجَزُورِ لِأَنَّ مَجْمُوعَ مَا عَلَى الْقِدَاحِ الرَّابِحَةِ مِنَ الْعَلَامَاتِ ثَمَانِيَةٌ وَعِشْرُونَ، وَعَلَى أهل القداح الخاسرة غُرْمُ ثَمَنِهِ.
QS 2:220 (jilid 2 hlm. 348) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 348 · #112096
لْجَزُورِ لِأَنَّ مَجْمُوعَ مَا عَلَى الْقِدَاحِ الرَّابِحَةِ مِنَ الْعَلَامَاتِ ثَمَانِيَةٌ وَعِشْرُونَ، وَعَلَى أهل القداح الخاسرة غُرْمُ ثَمَنِهِ. وَأَمَّا عَلَى الْوَصْفِ الَّذِي وَصَفَ أَبُو عُبَيْدَةَ أَنَّ الْجَزُورَ يُقَسَّمُ إِلَى عَشَرَةِ أَبْدَاءٍ فَذَلِكَ يَقْتَضِي أَنْ لَيْسَ كُلُّ الْمُتَقَامِرِينَ بِرَابِحٍ، لِأَنَّ الرِّبْحَ يَكُونُ بِمِقْدَارِ عَشَرَةِ سِهَامٍ مِمَّا رُقِّمَتْ بِهِ الْقِدَاحُ وَحِينَئِذٍ إِذَا نَفِدَتِ الْأَجْزَاءُ انْقَطَعَتِ الْإِفَاضَةُ وَغَرِمَ أَهْلُ السِّهَامِ الْأَغْفَالِ ثَمَنَ الْجَزُورِ وَلَمْ يَكُنْ لِمَنْ خَرَجَتْ لَهُ سِهَامٌ ذَاتُ حُظُوظٍ بَعْدَ الَّذِينَ اسْتَوْفَوْا أَبْدَاءَ الْجَزُورِ شَيْءٌ إِذْ لَيْسَ فِي الْمَيْسِرِ أَكْثَرُ مِنْ جَزُورٍ وَاحِدٍ قَالَ لَبِيدٌ: وَجَزُورِ أَيْسَارٍ دَعَوْتُ لِحَتْفِهَا الْبَيْتَ وَإِذْ لَا غُنْمَ فِي الْمَيْسِرِ إِلَّا مِنَ اللَّحْمِ لَا مِنَ الدَّرَاهِمِ أَوْ غَيْرِهَا، وَلَعَلَّ كُلًّا مِنْ وَصْفَيِ
QS 2:220 (jilid 2 hlm. 348) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 348 · #112097
ْتُ لِحَتْفِهَا الْبَيْتَ وَإِذْ لَا غُنْمَ فِي الْمَيْسِرِ إِلَّا مِنَ اللَّحْمِ لَا مِنَ الدَّرَاهِمِ أَوْ غَيْرِهَا، وَلَعَلَّ كُلًّا مِنْ وَصْفَيِ الْأَصْمَعِيِّ وَأَبِي عُبَيْدَةَ كَانَ طَرِيقَةً لِلْعَرَبِ فِي الْمَيْسِرِ بِحَسَبِ مَا يَصْطَلِحُ عَلَيْهِ أَهْلُ الْمَيْسِرِ، وَإِذَا لَمْ يُجْمَعِ الْعَدَدُ الْكَافِي مِنَ الْمُتَيَاسِرِينَ أَخَذَ بَعْضُ مَنْ حَضَرَ سَهْمَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً فَكَثُرَ بِذَلِكَ رِبْحُهُ أَوْ غُرْمُهُ وَإِنَّمَا يَفْعَلُ هَذَا أَهْلُ الْكَرَمِ وَالْيَسَارِ لِأَنَّهُ مُعَرَّضٌ لخسارة عَظِيمَة، إِذْ لَمْ يَفُزْ قِدْحُهُ، وَيُقَالُ فِي هَذَا الَّذِي يَأْخُذُ أَكْثَرَ مِنْ سَهْمٍ مُتَمِّمُ الْأَيْسَارِ قَالَ النَّابِغَةُ: إِنِّي أُتَمِّمُ أَيَسَارِي وَأَمْنَحُهُمْ ...
QS 2:220 (jilid 2 hlm. 348) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 348 · #112098
، وَيُقَالُ فِي هَذَا الَّذِي يَأْخُذُ أَكْثَرَ مِنْ سَهْمٍ مُتَمِّمُ الْأَيْسَارِ قَالَ النَّابِغَةُ: إِنِّي أُتَمِّمُ أَيَسَارِي وَأَمْنَحُهُمْ ... مَثْنَى الْأَيَادِي وَأَكْسُو الْجَفْنَةَ الْأَدُمَا وَيُسَمُّونَ هَذَا الْإِتْمَامَ بِمَثْنَى الْأَيَادِي كَمَا قَالَ النَّابِغَةُ، لِأَنَّهُ يَقْصِدُ مِنْهُ تَكْرِيرَ الْمَعْرُوفِ عِنْدَ الرِّبْحِ فَالْأَيَادِي بِمَعْنَى النِّعَمِ، وَكَانُوا يُعْطُونَ أَجْرَ الرَّقِيبِ وَالْحُرْضَةِ وَالْجَزَّارِ مِنْ لَحْمِ الْجَزُورِ فَأَمَّا أَجْرُ الرَّقِيبِ فَيُعْطَاهُ مِنْ أَوَّلِ الْقِسْمَةِ وَأَفْضَلِ اللَّحْمِ وَيُسَمُّونَهُ بَدْءًا، وَأَمَّا الْحُرْضَةُ فَيُعْطَى لَحْمًا دُونَ ذَلِكَ وَأَمَّا الْجَزَّارُ فَيُعْطَى مِمَّا يَبْقَى بَعْدَ الْقَسْمِ مِنْ عَظْمٍ أَوْ نِصْفِ عَظْمٍ وَيُسَمُّونَهُ الرِّيمَ.
QS 2:220 (jilid 2 hlm. 349) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 349 · #112099
فَيُعْطَى لَحْمًا دُونَ ذَلِكَ وَأَمَّا الْجَزَّارُ فَيُعْطَى مِمَّا يَبْقَى بَعْدَ الْقَسْمِ مِنْ عَظْمٍ أَوْ نِصْفِ عَظْمٍ وَيُسَمُّونَهُ الرِّيمَ. وَمَنْ يَحْضُرُ الْمَيْسِرَ مِنْ غَيْرِ الْمُتَيَاسِرِينَ يُسَمَّوْنَ الْأَعْرَانَ جَمْعَ عَرِنٍ بِوَزْنِ كَتِفٍ وَهُمْ يَحْضُرُونَ طَمَعًا فِي اللَّحْمِ، وَالَّذِي لَا يُحِبُّ الْمَيْسِرَ وَلَا يَحْضُرُهُ لِفَقْرِهِ سُمِّيَ الْبَرِمَ بِالتَّحْرِيكِ. وَأَصْلُ الْمَقْصِدِ مِنَ الْمَيْسِرِ هُوَ الْمَقْصِدُ مِنِ الْقِمَارِ كُلِّهِ وَهُوَ الرِّبْحُ وَاللَّهْوُ يَدُلُّ لِذَلِكَ تَمَدُّحُهُمْ وَتُفَاخُرُهُمْ بِإِعْطَاءِ رِبْحِ الْمَيْسِرِ لِلْفُقَرَاءِ، لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ هَذَا الْإِعْطَاءُ مُطَّرِدًا لِكُلِّ مَنْ يَلْعَبُ الْمَيْسِرَ لَمَا كَانَ تَمَدُّحٌ بِهِ قَالَ الْأَعْشَى: الْمُطْعِمُو الضَّيْفِ إِذَا مَا شَتَوْا ...
QS 2:220 (jilid 2 hlm. 349) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 349 · #112100
ا الْإِعْطَاءُ مُطَّرِدًا لِكُلِّ مَنْ يَلْعَبُ الْمَيْسِرَ لَمَا كَانَ تَمَدُّحٌ بِهِ قَالَ الْأَعْشَى: الْمُطْعِمُو الضَّيْفِ إِذَا مَا شَتَوْا ... وَالْجَاعِلُو الْقُوتَ عَلَى الْيَاسِرِ ثُمَّ إِنَّ كِرَامَهُمْ أَرَادُوا أَنْ يُظْهِرُوا التَّرَفُّعَ عَنِ الطَّمَعِ فِي مَالِ الْقِمَارِ فَصَارُوا يَجْعَلُونَ الرِّبْحَ لِلْفُقَرَاءِ وَالْيَتَامَى وَمَنْ يُلِمُّ بِسَاحَتِهِمْ مِنْ أَضْيَافِهِمْ وَجِيرَتِهِمْ، قَالَ لَبِيدٌ: أَدْعُو بِهِنَّ لِعَاقِرٍ أَوْ مُطْفِلٍ ... بُذِلَتْ لِجِيرَانِ الْجَمِيعِ لِحَامُهَا فَالضَّيْفُ وَالْجَارُ الْجَنِيبُ كَأَنَّمَا ... هَبَطَا تَبَالَةَ مُخْصِبًا أَهْضَامُهَا فَصَارَ الْمَيْسِرُ عِنْدَهُمْ مِنْ شِعَارِ أَهْلِ الْجُودِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي أَبْيَاتِ لَبِيدٍ، وَقَالَ عَنْتَرَةُ كَمَا تَقَدَّمَ: رَبِذٍ يَدَاهُ بِالْقِدَاحِ إِذَا شَتَا ...
QS 2:220 (jilid 2 hlm. 349) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 349 · #112101
ْ مِنْ شِعَارِ أَهْلِ الْجُودِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي أَبْيَاتِ لَبِيدٍ، وَقَالَ عَنْتَرَةُ كَمَا تَقَدَّمَ: رَبِذٍ يَدَاهُ بِالْقِدَاحِ إِذَا شَتَا ... هَتَّاكِ غَايَاتِ التِّجَارِ مُلَوِّحِ أَيْ خَفِيفِ الْيَدِ فِي الْمَيْسِرِ لِكَثْرَةِ مَا لَعِبَ الْمَيْسِرَ فِي الشِّتَاءِ لِنَفْعِ الْفُقَرَاءِ، وَقَالَ عُمَيْرُ ابْن الْجَعْدِ: يَسِرٍ إِذَا كَانَ الشِّتَاءُ وَمُطْعِمٍ ... لِلَّحْمِ غَيْرِ كُبُنَّةٍ عُلْفُوفِ الْكُبُنَّةُ بِضَمَّتَيْنِ الْمُنْقَبِضُ الْقَلِيلُ الْمَعْرُوفِ وَالْعُلْفُوفُ كَعُصْفُورٍ الْجَافِي.
QS 2:220 (jilid 2 hlm. 349) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 349 · #112102
طْعِمٍ ... لِلَّحْمِ غَيْرِ كُبُنَّةٍ عُلْفُوفِ الْكُبُنَّةُ بِضَمَّتَيْنِ الْمُنْقَبِضُ الْقَلِيلُ الْمَعْرُوفِ وَالْعُلْفُوفُ كَعُصْفُورٍ الْجَافِي. فَالْمَنَافِعُ فِي الْمَيْسِرِ خَاصَّةٌ وَعَامَّةٌ وَهِيَ دُنْيَوِيَّةٌ كُلُّهَا، وَالْإِثْمُ الَّذِي فِيهِ هُوَ مَا يُوقِعُهُ مِنَ الْعَدَاوَةِ وَالْبَغْضَاءِ وَمِنْ إِضَاعَةِ الْوَقْتِ وَالِاعْتِيَادِ بِالْكَسَلِ وَالْبِطَالَةِ وَاللَّهْوِ وَالصَّدِّ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ وَعَنِ التَّفَقُّهِ فِي الدِّينِ وَعَنِ التِّجَارَةِ وَنَحْوِهَا مِمَّا بِهِ قِوَامُ الْمَدَنِيَّةِ وَتِلْكَ آثَامٌ لَهَا آثَارُهَا الضَّارَّةُ فِي الْآخِرَةِ، وَلِهَذِهِ الِاعْتِبَارَاتِ أَلْحَقَ الْفُقَهَاءُ بِالْمَيْسِرِ كُلَّ لَعِبٍ فِيهِ قِمَارٌ كَالنَّرْدِ، وَعَنِ النَّبِيءِ ﷺ «إِيَّاكُمْ وَهَاتَيْنِ الْكَعْبَتَيْنِ فَإِنَّهُمَا مِنْ مَيْسِرِ الْعَجَمِ» يُرِيدُ
QS 2:220 (jilid 2 hlm. 349) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 349 · #112103
سِرِ كُلَّ لَعِبٍ فِيهِ قِمَارٌ كَالنَّرْدِ، وَعَنِ النَّبِيءِ ﷺ «إِيَّاكُمْ وَهَاتَيْنِ الْكَعْبَتَيْنِ فَإِنَّهُمَا مِنْ مَيْسِرِ الْعَجَمِ» يُرِيدُ النَّرْدَ، وَعَنْ عَلِيٍّ: النَّرْدُ وَالشَّطْرَنْجُ مِنَ الْمَيْسِرِ، وَعَلَى هَذَا جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ وَمَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: إِذَا خَلَا الشطرنج عَن الرِّهَانِ وَاللِّسَانِ عَنِ الطُّغْيَانِ وَالصَّلَاةِ عَنِ النِّسْيَانِ لَمْ يَكُنْ حَرَامًا وَهُوَ خَارِجٌ عَنِ الْمَيْسِرِ لِأَنَّ الْمَيْسِرَ مَا يُوجِبُ دَفْعَ الْمَالِ وَأَخْذَهُ وَهَذَا لَيْسَ كَذَلِكَ وَهُوَ وَجِيهٌ وَالْمَسْأَلَةُ مَبْسُوطَةٌ فِي الْفِقْهِ.
QS 2:220 (jilid 2 hlm. 350) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 350 · #112104
ْمَيْسِرِ لِأَنَّ الْمَيْسِرَ مَا يُوجِبُ دَفْعَ الْمَالِ وَأَخْذَهُ وَهَذَا لَيْسَ كَذَلِكَ وَهُوَ وَجِيهٌ وَالْمَسْأَلَةُ مَبْسُوطَةٌ فِي الْفِقْهِ. وَالنَّاسُ مُرَادٌ بِهِ الْعُمُومُ لِاخْتِلَافِ الْمَنَافِعِ، وَلِأَنَّهُ لَمَّا وَقَعَ الْإِخْبَارُ بِوَاسِطَةِ (فِي) الْمُفِيدَةِ الظَّرْفِيَّةِ لَمْ يَكُنْ فِي الْكَلَامِ مَا يَقْتَضِي أَنَّ كُلَّ فَرْدٍ مِنْ أَفْرَاد النَّاس ينتقع بِالْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ، بَلِ الْكَلَامُ يَقْتَضِي أَنَّ هَاتِهِ الْمَنَافِعَ مَوْجُودَةٌ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ لِمَنْ شَاءَ أَنْ يَنْتَفِعَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: فِيهِ شِفاءٌ لِلنَّاسِ [النَّحْل: ٦٩] .
QS 2:220 (jilid 2 hlm. 350) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 350 · #112105
َاتِهِ الْمَنَافِعَ مَوْجُودَةٌ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ لِمَنْ شَاءَ أَنْ يَنْتَفِعَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: فِيهِ شِفاءٌ لِلنَّاسِ [النَّحْل: ٦٩] . وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِالنَّاسِ طَائِفَةً لِعَدَمِ صُلُوحِيَّةِ الْ هُنَا لِلْعَهْدِ وَلَوْ أُرِيدَ طَائِفَةٌ لَمَا صَحَّ إِلَّا أَنْ يُقَالَ وَمَنَافِعُ الشَّارِبِينَ وَالْيَاسِرِينَ كَمَا قَالَ: وَأَنْهارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ [مُحَمَّد: ١٥] . فَإِنْ قُلْتَ: مَا الْوَجْهُ فِي ذِكْرِ مَنَافِعِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ مَعَ أَنَّ سِيَاقَ التَّحْرِيمِ وَالتَّمْهِيدَ إِلَيْهِ يَقْتَضِي تَنَاسِيَ الْمَنَافِعِ، قُلْتُ إِنْ كَانَتِ الْآيَةُ نَازِلَةً لِتَحْرِيمِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ فَالْفَائِدَةُ فِي ذِكْرِ الْمَنَافِعِ هِيَ بَيَانُ حِكْمَةِ التَّشْرِيعِ لِيَعْتَادَ الْمُسْلِمُونَ مُرَاعَاةَ عِلَلِ الْأَشْيَاءِ، لِأَنَّ اللَّهَ جَعَلَ هَذَا الدِّينَ دِينًا دَائِمًا وَأَوْدَعَهُ أُمَّةً أَرَادَ أَنْ يَكُونَ مِنْهَا مُشَرِّعُونَ
QS 2:220 (jilid 2 hlm. 350) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 350 · #112106
َ مُرَاعَاةَ عِلَلِ الْأَشْيَاءِ، لِأَنَّ اللَّهَ جَعَلَ هَذَا الدِّينَ دِينًا دَائِمًا وَأَوْدَعَهُ أُمَّةً أَرَادَ أَنْ يَكُونَ مِنْهَا مُشَرِّعُونَ لِمُخْتَلِفِ وَمُتَجَدِّدِ الْحَوَادِثِ، فَلِذَلِكَ أَشَارَ لِعِلَلِ الْأَحْكَامِ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً [الحجرات: ١٢] وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَتَخْصِيصُ التَّنْصِيصِ عَلَى الْعِلَلِ بِبَعْضِ الْأَحْكَامِ فِي بَعْضِ الْآيَاتِ إِنَّمَا هُوَ فِي مَوَاضِعِ خَفَاءِ الْعِلَلِ، فَإِنَّ الْخَمْرَ قَدِ اشْتُهِرَ بَيْنَهُمْ نَفْعُهَا، وَالْمَيْسِرَ قَدِ اتَّخَذُوهُ ذَرِيعَةً لِنَفْعِ الْفُقَرَاءِ فَوَجَبَ بَيَانُ مَا فِيهِمَا مِنَ الْمَفَاسِدِ إِنْبَاءً بِحِكْمَةِ التَّحْرِيمِ، وَفَائِدَةٌ أُخْرَى وَهِيَ تَأْنِيسُ الْمُكَلَّفِينَ فِطَامِهِمْ عَنْ أَكْبَرِ لَذَائِذِهِمْ تَذْكِيرًا لَهُمْ بِأَنَّ رَبَّهُمْ لَا يُرِيدُ إِلَّا صَلَاحَهُمْ دُونَ نِكَايَتِهِمْ كَقَوْلِهِ: كُتِبَ
QS 2:220 (jilid 2 hlm. 350) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 350 · #112107
ِينَ فِطَامِهِمْ عَنْ أَكْبَرِ لَذَائِذِهِمْ تَذْكِيرًا لَهُمْ بِأَنَّ رَبَّهُمْ لَا يُرِيدُ إِلَّا صَلَاحَهُمْ دُونَ نِكَايَتِهِمْ كَقَوْلِهِ: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ [الْبَقَرَة: ٢١٦] وَقَوْلِهِ: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ [الْبَقَرَة: ١٨٣] . وَهُنَالِكَ أَيْضًا فَائِدَةٌ أُخْرَى وَهِيَ عُذْرُهُمْ عَمَّا سَلَفَ مِنْهُمْ حَتَّى لَا يَسْتَكِينُوا لِهَذَا التَّحْرِيمِ وَالتَّنْدِيدِ عَلَى الْمَفَاسِدِ كَقَوْلِهِ: عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتابَ عَلَيْكُمْ وَعَفا عَنْكُمْ [الْبَقَرَة: ١٨٧] .
QS 2:220 (jilid 2 hlm. 350) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 350 · #112108
ْدِيدِ عَلَى الْمَفَاسِدِ كَقَوْلِهِ: عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتابَ عَلَيْكُمْ وَعَفا عَنْكُمْ [الْبَقَرَة: ١٨٧] . وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ كَانَ سُؤَالُهُمْ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ حَاصِلًا مَعَ سُؤَالِهِمْ مَاذَا يُنْفِقُونَ، فَعُطِفَتِ الْآيَةُ الَّتِي فِيهَا جَوَابُ سُؤَالِهِمْ مَاذَا يُنْفِقُونَ عَلَى آيَةِ الْجَوَابِ عَنْ سُؤَالِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ، وَلِذَلِكَ خُولِفَ الْأُسْلُوبُ الَّذِي سَلَفَ فِي الْآيَاتِ الْمُخْتَلفَة بجمل يَسْئَلُونَكَ بِدُونِ عَطْفٍ فَجِيءَ بِهَذِهِ مَعْطُوفَةً بِالْوَاوِ عَلَى الَّتِي قَبْلَهَا.
QS 2:220 (jilid 2 hlm. 351) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 351 · #112109
ُسْلُوبُ الَّذِي سَلَفَ فِي الْآيَاتِ الْمُخْتَلفَة بجمل يَسْئَلُونَكَ بِدُونِ عَطْفٍ فَجِيءَ بِهَذِهِ مَعْطُوفَةً بِالْوَاوِ عَلَى الَّتِي قَبْلَهَا. وَمُنَاسَبَةُ التَّرْكِيبِ أَنَّ النَّهْيَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ يُتَوَقَّعُ مِنْهُ تَعَطُّلُ إِنْفَاقٍ عَظِيمٍ كَانَ يَنْتَفِعُ بِهِ الْمَحَاوِيجُ، فَبَيَّنَتْ لَهُمُ الْآيَةُ وَجْهَ الْإِنْفَاقِ الْحَقَّ. رَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ أَنَّ السَّائِلَ عَنْ هَذَا مُعَاذُ ابْن جَبَلٍ وَثَعْلَبَةُ بْنُ غَنَمَةَ، وَقِيلَ هُوَ رُجُوعٌ إِلَى الْجَوَابِ عَنْ سُؤَالِ عَمْرِو بْنِ الْجُمُوحِ الَّذِي قِيلَ إِنَّهُ الْمُجَابُ عَنْهُ بقوله تَعَالَى: يَسْئَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوالِدَيْنِ [الْبَقَرَة: ٢١٥] إِلَخْ، وَعَلَيْهِ فَالْجَوَابُ عَنْ سُؤَالِهِ مُوَزَّعٌ عَلَى الْمَوْضِعَيْنِ لِيَقَعَ الْجَوَابُ فِي كُلِّ مَكَانٍ بِمَا يُنَاسِبُهُ.
QS 2:220 (jilid 2 hlm. 351) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 351 · #112110
ْبَقَرَة: ٢١٥] إِلَخْ، وَعَلَيْهِ فَالْجَوَابُ عَنْ سُؤَالِهِ مُوَزَّعٌ عَلَى الْمَوْضِعَيْنِ لِيَقَعَ الْجَوَابُ فِي كُلِّ مَكَانٍ بِمَا يُنَاسِبُهُ. وَلِإِظْهَارِ مَا يَدْفَعُ تَوَقُّعَهُمْ تَعْطِيلَ نَفْعِ الْمَحَاوِيجِ وُصِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ بِالَّتِي قَبْلَهَا بِوَاوِ الْعَطْفِ. وَالْعَفْوُ: مَصْدَرُ عَفَا يَعْفُو إِذَا زَادَ وَنَمَى قَالَ تَعَالَى: ثُمَّ بَدَّلْنا مَكانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَوْا [الْأَعْرَاف: ٩٥] ، وَهُوَ هُنَا مَا زَادَ عَلَى حَاجَةِ الْمَرْءِ مِنَ الْمَالِ أَيْ فَضَلَ بَعْدَ نَفَقَتِهِ وَنَفَقَةِ عِيَالِهِ بِمُعْتَادِ أَمْثَالِهِ، فَالْمَعْنَى أَنَّ الْمَرْءَ لَيْسَ مُطَالَبًا بِارْتِكَابِ الْمَآثِمِ لِيُنْفِقَ عَلَى الْمَحَاوِيجِ، وَإِنَّمَا يُنْفِقُ عَلَيْهِمْ مِمَّا اسْتَفْضَلَهُ مِنْ مَالِهِ وَهَذَا أَمْرٌ بِإِنْفَاقٍ لَا يَشُقُّ عَلَيْهِمْ وَهَذَا أَفْضَلُ الْإِنْفَاقِ، لِأَنَّ مَقْصِدَ الشَّرِيعَةِ مِنَ الْإِنْفَاقِ إِقَامَةُ مَصَالِحِ
QS 2:220 (jilid 2 hlm. 351) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 351 · #112111
ِ وَهَذَا أَمْرٌ بِإِنْفَاقٍ لَا يَشُقُّ عَلَيْهِمْ وَهَذَا أَفْضَلُ الْإِنْفَاقِ، لِأَنَّ مَقْصِدَ الشَّرِيعَةِ مِنَ الْإِنْفَاقِ إِقَامَةُ مَصَالِحِ ضُعَفَاءِ الْمُسْلِمِينَ وَلَا يَحْصُلُ مِنْهُ مِقْدَارٌ لَهُ بَالٌ إِلَّا بِتَعْمِيمِهِ وَدَوَامِهِ لِتَسْتَمِرَّ مِنْهُ مَقَادِيرُ مُتَمَاثِلَةٌ فِي سَائِرِ الْأَوْقَاتِ وَإِنَّمَا يَحْصُلُ التَّعْمِيمُ وَالدَّوَامُ بِالْإِنْفَاقِ مِنَ الْفَاضِلِ عَنْ حَاجَاتِ الْمُنْفِقِينَ فَحِينَئِذٍ لَا يَشُقُّ عَلَيْهِمْ فَلَا يَتْرُكُهُ وَاحِدٌ مِنْهُمْ وَلَا يُخِلُّونَ بِهِ فِي وَقْتٍ مِنْ أَوْقَاتِهِمْ، وَهَذِهِ حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ وَأَصْلٌ اقْتِصَادِيٌّ عُمْرَانِيٌّ، وَفِي الْحَدِيثِ: «خَيْرُ الصَّدَقَةِ مَا كَانَ عَنْ ظَهْرِ غِنًى وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ» فَإِنَّ الْبَدَاءَةَ بِمَنْ يَعُولُ ضَرْبٌ مِنِ الْإِنْفَاقِ، لِأَنَّهُ إِنْ تَرَكَهُمْ فِي خَصَاصَةٍ احْتَاجُوا إِلَى الْأَخْذِ مِنْ أَمْوَالِ الْفُقَرَاءِ،
QS 2:220 (jilid 2 hlm. 351) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 351 · #112112
الْبَدَاءَةَ بِمَنْ يَعُولُ ضَرْبٌ مِنِ الْإِنْفَاقِ، لِأَنَّهُ إِنْ تَرَكَهُمْ فِي خَصَاصَةٍ احْتَاجُوا إِلَى الْأَخْذِ مِنْ أَمْوَالِ الْفُقَرَاءِ، وَفِي الْحَدِيثِ: «إِنَّكَ أَنْ تَدَعَ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَدَعَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ» أَيْ يَمُدُّونَ أَكُفَّهُمْ لِلسُّؤَالِ، فَتَبَيَّنَ أَنَّ الْمُنْفِقَ بِإِنْفَاقِهِ عَلَى مَنْ يُنْفِقُ عَلَيْهِ يُخَفِّفُ عَنِ الْفُقَرَاءِ بِتَقْلِيلِ عَدَدِ الدَّاخِلِينَ فِيهِمْ، وَلِذَلِكَ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ: «وَإِنَّكَ لَا تُنْفِقُ نَفَقَةً تَبْتَغِي بِهَا وَجْهَ اللَّهِ إِلَّا أُجِرْتَ عَلَيْهَا حَتَّى اللُّقْمَةَ تَجْعَلُهَا فِي فِي امْرَأَتِكَ» .
QS 2:220 (jilid 2 hlm. 352) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 352 · #112113
ِيثِ: «وَإِنَّكَ لَا تُنْفِقُ نَفَقَةً تَبْتَغِي بِهَا وَجْهَ اللَّهِ إِلَّا أُجِرْتَ عَلَيْهَا حَتَّى اللُّقْمَةَ تَجْعَلُهَا فِي فِي امْرَأَتِكَ» . وَلِهَذَا أَمَرَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ بِإِنْفَاقِ الْعَفْوِ، لِأَنَّهَا لِعُمُومِ الْمُنْفِقِينَ، فَلَا تَنَافِيَ أَنْ يُنْفِقَ أَحَدٌ مِنْ مَالِهِ الْمُحْتَاجِ هُوَ إِلَيْهِ أَوْ جَمِيعِ مَالِهِ إِذَا صَبَرَ عَلَى ذَلِكَ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ مَنْ تَجِبْ عَلَيْهِ هُوَ نَفَقَتُهُ. وَآل فِي الْعَفْوِ لِلْجِنْسِ الْمَعْرُوفِ لِلسَّامِعِينَ، وَالْعَفْوُ مَقُولٌ عَلَيْهِ بِالتَّشْكِيكِ لِأَنَّهُ يَتْبَعُ تَعْيِينَ مَا يَحْتَاجُهُ الْمُنْفِقُ وَالنَّاسُ فِي ذَلِكَ مُتَفَاوِتُونَ، وَجَعَلَ اللَّهُ الْعَفْوَ كُلَّهُ مُنْفَقًا تَرْغِيبًا فِي الْإِنْفَاقِ وَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ مِنَ الْإِنْفَاقِ هُنَا الْإِنْفَاقُ الْمُتَطَوَّعُ بِهِ، إِذْ قَدْ تَضَافَرَتْ أَدِلَّةُ الشَّرِيعَةِ وَانْعَقَدَ إِجْمَاعُ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّهُ لَا
QS 2:220 (jilid 2 hlm. 352) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 352 · #112114
الْإِنْفَاقِ هُنَا الْإِنْفَاقُ الْمُتَطَوَّعُ بِهِ، إِذْ قَدْ تَضَافَرَتْ أَدِلَّةُ الشَّرِيعَةِ وَانْعَقَدَ إِجْمَاعُ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَى الْمُسْلِمِ إِنْفَاقٌ إِلَّا النَّفَقَاتِ الْوَاجِبَةَ وَإِلَّا الزَّكَوَاتِ وَهِيَ قَدْ تَكُونُ مِنْ بَعْضِ مَا يَفْضُلُ مِنْ أَمْوَالِ أَهْلِ الثَّرْوَةِ إِلَّا مَا شَذَّ بِهِ أَبُو ذَرٍّ، إِذْ كَانَ يَرَى كَنْزَ الْمَالِ حَرَامًا وَيُنَادِي بِهِ فِي الشَّامِ فَشَكَاهُ مُعَاوِيَةُ لِعُثْمَانَ فَأَمَرَ عُثْمَانُ بِإِرْجَاعِهِ مِنَ الشَّامِ إِلَى الْمَدِينَةِ ثُمَّ إِسْكَانِهِ بِالرَّبَذَةِ بِطَلَبٍ مِنْهُ، وَقَدِ اجْتَهَدَ عُثْمَانُ لِيَسُدَّ بَابَ فِتْنَةٍ، وَعَنْ قَيْسِ بْنِ سَعْدٍ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ فِي الزَّكَاةِ الْمَفْرُوضَةِ، وَعَلَى قَوْلِهِ يَكُونُ (الْ) فِي الْعَفْوِ لِلْعَهْدِ الْخَارِجِيِّ وَهُوَ نَمَاءُ الْمَالِ الْمُقَدَّرِ بِالنِّصَابِ.
QS 2:220 (jilid 2 hlm. 352) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 352 · #112115
ِي الزَّكَاةِ الْمَفْرُوضَةِ، وَعَلَى قَوْلِهِ يَكُونُ (الْ) فِي الْعَفْوِ لِلْعَهْدِ الْخَارِجِيِّ وَهُوَ نَمَاءُ الْمَالِ الْمُقَدَّرِ بِالنِّصَابِ. وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ (قُلِ الْعَفْوَ) بِنَصْبِ الْعَفْوِ عَلَى تَقْدِيرِ كَوْنِهِ مَفْعُولًا لِفِعْلٍ دَلَّ عَلَيْهِ مَاذَا يُنْفِقُونَ، وَهَذِهِ الْقِرَاءَةُ مَبْنِيَّةٌ عَلَى اعْتِبَارِ ذَا بَعْدَ (مَا) الِاسْتِفْهَامِيَّةِ مُلْغَاةً فَتَكُونُ (مَا) الِاسْتِفْهَامِيَّةُ مَفْعُولا مقدما لينفقون فَنَاسَبَ أَنْ يَجِيءَ مُفَسِّرُ (مَا) فِي جَوَابِ السُّؤَالِ مَنْصُوبًا كَمُفَسَّرِهِ.
QS 2:220 (jilid 2 hlm. 352) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 352 · #112116
ً فَتَكُونُ (مَا) الِاسْتِفْهَامِيَّةُ مَفْعُولا مقدما لينفقون فَنَاسَبَ أَنْ يَجِيءَ مُفَسِّرُ (مَا) فِي جَوَابِ السُّؤَالِ مَنْصُوبًا كَمُفَسَّرِهِ. وَقَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ فِي إِحْدَى رِوَايَتَيْنِ عَنْهُ وَأَبُو عَمْرٍو وَيَعْقُوبُ بِالرَّفْعِ عَلَى أَنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ تَقْدِيرُهُ هُوَ الْعَفْوُ، وَهَذِهِ الْقِرَاءَةُ مَبْنِيَّةٌ عَلَى جَعْلِ ذَا بَعْدَ مَا مَوْصُولَةً أَيْ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الَّذِي يُنْفِقُونَهُ، لِأَنَّهَا إِذَا كَانَتْ مَوْصُولَةً كَانَتْ مُبْتَدَأً إِذْ لَا تَعْمَلُ فِيهَا صِلَتُهَا وَكَانَتْ مَا الِاسْتِفْهَامِيَّةُ خَبَرًا عَنْ مَا الْمَوْصُولَةِ، وَكَانَ مُفَسَّرُهَا فِي الْجَوَابِ وَهُوَ الْعَفْوُ فَنَاسَبَ أَنْ يُجَاءَ بِهِ مَرْفُوعًا كَمُفَسِّرِهِ لِيُطَابِقَ الْجَوَابُ السُّؤَالَ فِي الِاعْتِبَارَيْنِ وَكِلَا الْوَجْهَيْنِ اعْتِبَارٌ عَرَبِيٌّ فَصِيحٌ.
QS 2:220 (jilid 2 hlm. 352) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 352 · #112117
أَنْ يُجَاءَ بِهِ مَرْفُوعًا كَمُفَسِّرِهِ لِيُطَابِقَ الْجَوَابُ السُّؤَالَ فِي الِاعْتِبَارَيْنِ وَكِلَا الْوَجْهَيْنِ اعْتِبَارٌ عَرَبِيٌّ فَصِيحٌ. وَقَوْلُهُ: كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ، أَيْ كَذَلِكَ الْبَيَانُ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ، فَالْكَافُ لِلتَّشْبِيهِ وَاقِعَةٌ مَوْقِعَ الْمَفْعُولِ الْمُطْلَقِ الْمُبَيِّنِ لِنَوْعِ يُبَيِّنُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْقَوْلُ فِي وُجُوهِ هَذِهِ الْإِشَارَةِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً [الْبَقَرَة: ١٤٣] .
QS 2:220 (jilid 2 hlm. 353) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 353 · #112118
ُبَيِّنُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْقَوْلُ فِي وُجُوهِ هَذِهِ الْإِشَارَةِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً [الْبَقَرَة: ١٤٣] . أَوِ الْإِشَارَةُ رَاجِعَةٌ إِلَى الْبَيَانِ الْوَاقِعِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ إِلَى قَوْلِهِ الْعَفْوَ، وَقَرَنَ اسْمَ الْإِشَارَةِ بِعَلَامَةِ الْبُعْدِ تَعْظِيمًا لِشَأْنِ الْمُشَارِ إِلَيْهِ لِكَمَالِهِ فِي الْبَيَانِ، إِذْ هُوَ بَيَانٌ لِلْحُكْمِ مَعَ بَيَانِ عِلَّتِهِ حَتَّى تَتَلَقَّاهُ الْأُمَّةُ بِطِيبِ نَفْسٍ، وَحَتَّى يُلْحِقُوا بِهِ نَظَائِرَهُ، وَبَيَانٌ لِقَاعِدَةِ الْإِنْفَاقِ بِمَا لَا يَشِذُّ عَنْ أَحَدٍ مِنَ الْمُنْفِقِينَ، وَلِكَوْنِ الْكَافِ لَمْ يُقْصَدْ بِهَا الْخِطَابُ بَلْ مُجَرَّدُ الْبُعْدِ الِاعْتِبَارِيِّ لِلتَّعْظِيمِ لَمْ يُؤْتَ بِهَا عَلَى مُقْتَضَى الظَّاهِرِ مِنْ خِطَابِ الْجَمَاعَةِ فَلَمْ يَقُلْ كَذَلِكُمْ عَلَى نَحْوِ قَوْلِهِ: يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ.
QS 2:220 (jilid 2 hlm. 353) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 353 · #112119
ظِيمِ لَمْ يُؤْتَ بِهَا عَلَى مُقْتَضَى الظَّاهِرِ مِنْ خِطَابِ الْجَمَاعَةِ فَلَمْ يَقُلْ كَذَلِكُمْ عَلَى نَحْوِ قَوْلِهِ: يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ. وَاللَّامُ فِي لَكُمُ لِلتَّعْلِيلِ وَالْأَجَلِ وَهُوَ امْتِنَانٌ وَتَشْرِيفٌ بِهَذِهِ الْفَضِيلَةِ لِإِشْعَارِهِ بِأَنَّ الْبَيَانَ عَلَى هَذَا الْأُسْلُوبِ مِمَّا اخْتُصَّتْ بِهِ هَاتِهِ الْأُمَّةُ لِيَتَلَقَّوُا التَّكَالِيفَ عَلَى بَصِيرَةٍ بِمَنْزِلَةِ الْمَوْعِظَةِ الَّتِي تُلْقَى إِلَى كَامِلِ الْعَقْلِ مُوَضَّحَةً بِالْعَوَاقِبِ، لِأَنَّ اللَّهَ أَرَادَ لَهَاتِهِ الْأُمَّةِ أَنْ يَكُونَ عُلَمَاؤُهَا مُشَرِّعِينَ.
QS 2:220 (jilid 2 hlm. 353) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 353 · #112120
ّتِي تُلْقَى إِلَى كَامِلِ الْعَقْلِ مُوَضَّحَةً بِالْعَوَاقِبِ، لِأَنَّ اللَّهَ أَرَادَ لَهَاتِهِ الْأُمَّةِ أَنْ يَكُونَ عُلَمَاؤُهَا مُشَرِّعِينَ. وَبَيَّنَ فَائِدَةَ هَذَا الْبَيَانِ عَلَى هَذَا الْأُسْلُوبِ بِقَوْلِهِ: لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ أَيْ لِيَحْصُلَ لِلْأُمَّةِ تَفَكُّرٌ وَعِلْمٌ فِي أُمُورِ الدُّنْيَا وَأُمُورِ الْآخِرَةِ، لِأَنَّ التَّفَكُّرَ مَظْرُوفٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، فَتَقْدِيرُ الْمُضَافِ لَازِمٌ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ وَالْآخِرَةِ إِذْ لَا مَعْنَى لِوُقُوعِ التَّفَكُّرِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَلَوِ اقْتَصَرَ عَلَى بَيَانِ الْحَظْرِ وَالْوُجُوبِ وَالثَّوَابِ وَالْعِقَابِ لَكَانَ بَيَانًا لِلتَّفَكُّرِ فِي أُمُورِ الْآخِرَةِ خَاصَّةً وَلَوِ اقْتَصَرَ عَلَى بَيَانِ الْمَنَافِعِ وَالْمَضَارِّ بِأَنْ قِيلَ: قُلْ فِيهِمَا نَفْعٌ وَضُرٌّ لَكَانَ بَيَانًا لِلتَّفَكُّرِ فِي أُمُورِ الدُّنْيَا خَاصَّةً، وَلَكِنَّ ذِكْرَ الْمَصَالِحِ
QS 2:220 (jilid 2 hlm. 353) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 353 · #112121
وَالْمَضَارِّ بِأَنْ قِيلَ: قُلْ فِيهِمَا نَفْعٌ وَضُرٌّ لَكَانَ بَيَانًا لِلتَّفَكُّرِ فِي أُمُورِ الدُّنْيَا خَاصَّةً، وَلَكِنَّ ذِكْرَ الْمَصَالِحِ وَالْمَفَاسِدِ وَالثَّوَابِ وَالْعِقَابِ تَذْكِيرٌ بِمَصْلَحَتَيِ الدَّارَيْنِ، وَفِي هَذَا تَنْوِيهٌ بِشَأْنِ إِصْلَاحِ أُمُورِ الْأُمَّةِ فِي الدُّنْيَا، وَوَقَعَ فِي كَلَامٍ لِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَقَدْ ذَمَّ رَجُلٌ الدُّنْيَا عِنْده فَقَالَ لَهُ: «الدُّنْيَا دَارُ صِدْقٍ لِمَنْ صَدَقَهَا وَدَارُ نَجَاةٍ لِمَنْ فَهِمَ عَنْهَا وَدَارُ غِنًى لِمَنْ تَزَوُّدَ مِنْهَا وَمَهْبِطُ وَحْيِ اللَّهِ وَمُصَلَّى مَلَائِكَتِهِ وَمَسْجِدُ أَنْبِيَائِهِ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَذُمُّهَا وَقَدْ آذَنَتْ بِبَيْنِهَا إِلَخْ» .
QS 2:220 (jilid 2 hlm. 353) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 353 · #112122
ِنْهَا وَمَهْبِطُ وَحْيِ اللَّهِ وَمُصَلَّى مَلَائِكَتِهِ وَمَسْجِدُ أَنْبِيَائِهِ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَذُمُّهَا وَقَدْ آذَنَتْ بِبَيْنِهَا إِلَخْ» . وَلَا يَخْفَى أَنَّ الَّذِي يَصْلُحُ لِلتَّفَكُّرِ هُوَ الْحُكْمُ الْمَنُوطُ بِالْعِلَّةِ وَهُوَ حُكْمُ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ ثُمَّ مَا نَشَأَ عَنهُ قَوْله: وَيَسْئَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ. وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ كَذلِكَ لِكَوْنِ الْإِنْفَاقِ مِنَ الْعَفْوِ وَهُوَ ضَعِيفٌ، لِأَنَّ ذَلِكَ الْبَيَانَ لَا يَظْهَرُ فِيهِ كَمَالُ الِامْتِنَانِ حَتَّى يُجْعَلَ نَمُوذَجًا لِجَلِيلِ الْبَيَانَاتِ الْإِلَهِيَّةِ وَحَتَّى يَكُونَ
QS 2:220 (jilid 2 hlm. 353) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 353 · #112123
لِأَنَّ ذَلِكَ الْبَيَانَ لَا يَظْهَرُ فِيهِ كَمَالُ الِامْتِنَانِ حَتَّى يُجْعَلَ نَمُوذَجًا لِجَلِيلِ الْبَيَانَاتِ الْإِلَهِيَّةِ وَحَتَّى يَكُونَ مَحَلَّ كَمَالِ الِامْتِنَانِ وَحَتَّى تَكُونَ غَايَتُهُ التَّفَكُّرَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَلَا يُعْجِبُكُمْ كَوْنُهُ أَقْرَبَ لِاسْمِ الْإِشَارَة، لِأَن التَّعْلِيق بِمِثْلِ هَاتِهِ الْأُمُورِ اللَّفْظِيَّةِ فِي نُكَتِ الْإِعْجَازِ إِضَاعَةٌ لِلْأَلْبَابِ وَتَعَلُّقٌ بِالْقُشُورِ. وَقَوْلُهُ: لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ غَايَةُ هَذَا الْبَيَانِ وَحِكْمَتُهُ، وَالْقَوْلُ فِي لَعَلَّ تَقَدَّمَ. وَقَوْلُهُ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ يَتَعَلَّقُ بِتَتَفَكَّرُونَ لَا بِيُبَيِّنُ، لِأَنَّ الْبَيَانَ وَاقِعٌ فِي الدُّنْيَا فَقَطْ.
QS 2:220 (jilid 2 hlm. 354) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 354 · #112124
َلَّ تَقَدَّمَ. وَقَوْلُهُ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ يَتَعَلَّقُ بِتَتَفَكَّرُونَ لَا بِيُبَيِّنُ، لِأَنَّ الْبَيَانَ وَاقِعٌ فِي الدُّنْيَا فَقَطْ. وَالْمَعْنَى لِيَحْصُلَ لَكُمْ فِكْرٌ أَيْ علم فِي شؤون الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَمَا سِوَى هَذَا تكلّف. وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْيَتامى قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخالِطُوهُمْ فَإِخْوانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ عُطِفَ تَبْيِينُ مُعَامَلَةِ الْيَتَامَى عَلَى تَبْيِينِ الْإِنْفَاقِ لِتَعَلُّقِ الْأَمْرَيْنِ بِحُكْمِ تَحْرِيمِ الميسر أَو التَّنْزِيه عَنْهُ فَإِنَّ الْمَيْسِرَ كَانَ بَابًا وَاسِعًا لِلْإِنْفَاقِ عَلَى الْمَحَاوِيجِ وَعَلَى الْيَتَامَى، وَقَدْ ذَكَرَ لَبِيدٌ إِطْعَامَ الْيَتَامَى بَعْدَ ذِكْرِ إِطْعَامِ لُحُومِ جَزُورِ الْمَيْسِرِ فَقَالَ: وَيُكَلِّلُونَ إِذَا الرِّيَاحُ تَنَاوَحَتْ ...
QS 2:220 (jilid 2 hlm. 354) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 354 · #112125
َدْ ذَكَرَ لَبِيدٌ إِطْعَامَ الْيَتَامَى بَعْدَ ذِكْرِ إِطْعَامِ لُحُومِ جَزُورِ الْمَيْسِرِ فَقَالَ: وَيُكَلِّلُونَ إِذَا الرِّيَاحُ تَنَاوَحَتْ ... خُلُجًا تُمَدُّ شَوَارِعًا أَيْتَامُهَا أَيْ تَمُدُّ أَيْدِيًا كَالرِّمَاحِ الشَّوَارِعِ فِي الْيُبْسِ أَيْ قِلَّةِ اللَّحْمِ عَلَى عِظَامِ الْأَيْدِي فَكَانَ تَحْرِيمُ الْمَيْسِرِ مِمَّا يُثِيرُ سُؤَالًا عَنْ سَدِّ هَذَا الْبَابِ عَلَى الْيَتَامَى وَفِيهِ صَلَاحٌ عَظِيمٌ لَهُمْ وَكَانَ ذَلِكَ السُّؤَالُ مُنَاسَبَةً حَسَنَةً لِلتَّخَلُّصِ إِلَى الْوِصَايَةِ بِالْيَتَامَى وَذِكْرِ مُجْمَلِ أَحْوَالِهِمْ فِي جُمْلَةِ إِصْلَاحِ الْأَحْوَالِ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قَبْلَ الْإِسْلَامِ، فَكَانَ هَذَا وَجْهَ عَطْفِ هَذِهِ الْجُمْلَةِ عَلَى الَّتِي قَبْلَهَا بِوَاوِ الْعَطْفِ لِاتِّصَالِ بَعْضِ هَذِهِ الْأَسْئِلَةِ بِبَعْضٍ كَمَا تَقَدَّمَ فِي قَوْله: وَيَسْئَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ.
QS 2:220 (jilid 2 hlm. 354) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 354 · #112126
َهَا بِوَاوِ الْعَطْفِ لِاتِّصَالِ بَعْضِ هَذِهِ الْأَسْئِلَةِ بِبَعْضٍ كَمَا تَقَدَّمَ فِي قَوْله: وَيَسْئَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ. وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ السَّائِلَ عَنِ الْيَتَامَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ، وَأَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ لَمَّا نَزَلَ قَوْلُ اللَّهِ ﷿: وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [الْإِسْرَاء: ٣٤] إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً [النِّسَاء: ١٠] الْآيَاتِ انْطَلَقَ مَنْ كَانَ عِنْدَهُ يَتِيمٌ فَعَزَلَ طَعَامَهُ مِنْ طَعَامِهِ وَشَرَابَهُ مِنْ شَرَابِهِ، فَجَعَلَ يَفْضُلُ مِنْ طَعَامِهِ فَيُحْبَسُ لَهُ حَتَّى يَأْكُلَهُ أَوْ يَفْسُدَ فَاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ فَذُكِرَ
QS 2:220 (jilid 2 hlm. 354) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 354 · #112127
ِهِ وَشَرَابَهُ مِنْ شَرَابِهِ، فَجَعَلَ يَفْضُلُ مِنْ طَعَامِهِ فَيُحْبَسُ لَهُ حَتَّى يَأْكُلَهُ أَوْ يَفْسُدَ فَاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ فَذُكِرَ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ فَأنْزل الله وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْيَتامى الْآيَةَ مَعَ أَنَّ سُورَةَ النِّسَاءِ نَزَلَتْ بَعْدَ سُورَةِ الْبَقَرَةِ، فَلَعَلَّ ذِكْرَ آيَةِ النِّسَاءِ وَهْمٌ مِنَ الرَّاوِي وَإِنَّمَا أَرَادَ أَنَّهُ لَمَّا نَزَلَتِ الْآيَاتُ الْمُحَذِّرَةُ مِنْ مَالِ الْيَتِيمِ مِثْلُ آيَةِ سُورَةِ الْإِسْرَاءِ [٣٤] وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَفِي «تَفْسِير الطَّبَرِيّ» بِسَنَدِهِ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ: لَمَّا نَزَلَتْ: وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ عَزَلُوا أَمْوَالَ الْيَتَامَى فَذَكَرُوا ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ فَنَزَلَتْ وَإِنْ تُخالِطُوهُمْ أَوْ أَنَّ مُرَادَ الرَّاوِي لَمَّا سَمِعَ النَّاسُ آيَةَ سُورَةِ النِّسَاءِ تَجَنَّبُوا النَّظَرَ فِي الْيَتَامَى
QS 2:220 (jilid 2 hlm. 355) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 355 · #112128
ّهِ فَنَزَلَتْ وَإِنْ تُخالِطُوهُمْ أَوْ أَنَّ مُرَادَ الرَّاوِي لَمَّا سَمِعَ النَّاسُ آيَةَ سُورَةِ النِّسَاءِ تَجَنَّبُوا النَّظَرَ فِي الْيَتَامَى فَذُكِّرُوا بِآيَةِ الْبَقَرَةِ إِنْ كَانَ السَّائِلُ عَنْ آيَةِ الْبَقَرَةِ غَيْرَ الْمُتَجَنِّبِ حِينَ نُزُولِ آيَةِ النِّسَاءِ وَأَيًّا مَا كَانَ فَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ النَّظَرَ فِي مَصَالِحِ الْأَيْتَامِ مِنْ أَهَمِّ مَقَاصِدِ الشَّرِيعَةِ فِي حِفْظِ النِّظَامِ فَقَدْ كَانَ الْعَرَبُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ كَسَائِرِ الْأُمَمِ فِي حَالِ الْبَسَاطَةِ يَكُونُ الْمَالُ بِيَدِ كَبِيرِ الْعَائِلَةِ فَقَلَّمَا تَجِدُ لِصَغِيرٍ مَالًا، وَكَانَ جُمْهُورُ أَمْوَالِهِمْ حَاصِلًا مِنَ اكْتِسَابِهِمْ لِقِلَّةِ أَهْلِ الثَّرْوَةِ فِيهِمْ، فَكَانَ جُمْهُورُ الْعَرَبِ إِمَّا زَارِعًا أَوْ غَارِسًا أَوْ مُغِيرًا أَوْ صَائِدًا، وَكُلُّ هَذِهِ الْأَعْمَالِ تَنْقَطِعُ بِمَوْتِ مُبَاشِرِيهَا، فَإِذَا مَاتَ كَبِيرُ الْعَائِلَةِ وَتَرَكَ أَبْنَاءً صِغَارًا لَمْ
QS 2:220 (jilid 2 hlm. 355) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 355 · #112129
يرًا أَوْ صَائِدًا، وَكُلُّ هَذِهِ الْأَعْمَالِ تَنْقَطِعُ بِمَوْتِ مُبَاشِرِيهَا، فَإِذَا مَاتَ كَبِيرُ الْعَائِلَةِ وَتَرَكَ أَبْنَاءً صِغَارًا لَمْ يَسْتَطِيعُوا أَنْ يَكْتَسِبُوا كَمَا اكْتَسَبَ آبَاؤُهُمْ إِلَّا أَبْنَاءَ أَهْلِ الثَّرْوَةِ، وَالثَّرْوَةُ عِنْدَهُمْ هِيَ الْأَنْعَامُ وَالْحَوَائِطُ إِذْ لَمْ يَكُنِ الْعَرَبُ أَهْلَ ذَهَبٍ وَفِضَّةٍ وَأَنَّ الْأَنْعَامَ لَا تَصْلُحُ إِلَّا بِمَنْ يَرْعَاهَا فَإِنَّهَا عُرُوضٌ زَائِلَةٌ وَأَنَّ الْغُرُوسَ كَذَلِكَ وَلَمْ يَكُنْ فِي ثَرْوَةِ الْعَرَبِ مِلْكُ الْأَرْضِ إِذِ الْأَرْضُ لَمْ تَكُنْ مُفِيدَةً إِلَّا لِلْعَامِلِ فِيهَا، عَلَى أَنَّ مَنْ يَتَوَلَّى أَمْرَ الْيَتِيمِ يَسْتَضْعِفُهُ وَيَسْتَحِلُّ مَالَهُ فَيَنْتَفِعُ بِهِ لِنَفْسِهِ، وَكَرَمُ الْعَرَبِيِّ وَسَرَفُهُ وَشُرْبُهُ وَمَيْسِرُهُ لَا تُغَادِرُ لَهُ مَالًا وَإِنْ كَثُرَ.
QS 2:220 (jilid 2 hlm. 355) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 355 · #112130
وَيَسْتَحِلُّ مَالَهُ فَيَنْتَفِعُ بِهِ لِنَفْسِهِ، وَكَرَمُ الْعَرَبِيِّ وَسَرَفُهُ وَشُرْبُهُ وَمَيْسِرُهُ لَا تُغَادِرُ لَهُ مَالًا وَإِنْ كَثُرَ. وَتَغَلُّبُ ذَلِكَ عَلَى مِلَاكِ شَهَوَاتِ أَصْحَابِهِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ تَرْكَهُ يَدْفَعُهُمْ إِلَى تَطَلُّبِ إِرْضَاءِ نُهْمَتِهِمْ بِكُلِّ وَسِيلَةٍ فَلَا جَرَمَ أَنْ يُصْبِحَ الْيَتِيمُ بَيْنَهُمْ فَقِيرًا مَدْحُورًا، وَزِدْ إِلَى ذَلِكَ أَنَّ أَهْلَ الْجَاهِلِيَّةِ قَدْ تَأَصَّلَ فِيهِمُ الْكِبْرُ عَلَى الضَّعِيفِ وَتَوْقِيرُ الْقَوِيِّ فَلَمَّا عَدِمَ الْيَتِيمُ نَاصِرَهُ وَمن يذب عِنْد كَانَ بِحَيْثُ يُعَرَّضُ لِلْمَهَانَةِ وَالْإِضَاعَةِ وَيُتَّخَذُ كَالْعَبْدِ لِوَلِيِّهِ، مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كُلِّهِ صَارَ وَصْفُ الْيَتِيمِ عِنْدَهُمْ مُلَازِمًا لِمَعْنَى الْخَصَاصَةِ وَالْإِهْمَالِ وَالذُّلِّ، وَبِهِ يَظْهَرُ مَعْنَى امْتِنَانِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى نَبِيِّهِ أَنْ حَفِظَهُ فِي حَالِ الْيُتْمِ مِمَّا يَنَالُ الْيَتَامَى فِي
QS 2:220 (jilid 2 hlm. 355) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 355 · #112131
مَالِ وَالذُّلِّ، وَبِهِ يَظْهَرُ مَعْنَى امْتِنَانِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى نَبِيِّهِ أَنْ حَفِظَهُ فِي حَالِ الْيُتْمِ مِمَّا يَنَالُ الْيَتَامَى فِي قَوْلِهِ: أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوى [الضُّحَى: ٦] . فَلَمَّا جَاءَ الْإِسْلَامُ أَمَرَهُمْ بِإِصْلَاحِ حَالِ الْيَتَامَى فِي أَمْوَالِهِمْ وَسَائِرِ أَحْوَالِهِمْ حَتَّى قِيلَ إِنَّ أَوْلِيَاءَ الْيَتَامَى تَرَكُوا التَّصَرُّفَ فِي أَمْوَالِهِمْ وَاعْتَزَلُوا الْيَتَامَى وَمُخَالَطَتَهُمْ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ. وَالْإِصْلَاحُ جَعْلُ الشَّيْءِ صَالِحًا أَيْ ذَا صَلَاحٍ وَالصَّلَاحُ ضِدُّ الْفَسَادِ، وَهُوَ كَوْنُ شَيْءٍ بِحَيْثُ يَحْصُلُ بِهِ مُنْتَهَى مَا يُطْلَبُ لِأَجْلِهِ، فَصَلَاحُ الرَّجُلِ صُدُورُ الْأَفْعَالِ وَالْأَقْوَالِ الْحَسَنَةِ مِنْهُ،
QS 2:220 (jilid 2 hlm. 355) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 355 · #112132
وَ كَوْنُ شَيْءٍ بِحَيْثُ يَحْصُلُ بِهِ مُنْتَهَى مَا يُطْلَبُ لِأَجْلِهِ، فَصَلَاحُ الرَّجُلِ صُدُورُ الْأَفْعَالِ وَالْأَقْوَالِ الْحَسَنَةِ مِنْهُ، وَصَلَاحُ الثَّمَرَةِ كَوْنُهَا بِحَيْثُ يُنْتَفَعُ بِأَكْلِهَا دُونَ ضُرٍّ، وَصَلَاحُ الْمَالِ نَمَاؤُهُ الْمَقْصُودُ مِنْهُ، وَصَلَاحُ الْحَالِ كَوْنُهَا بِحَيْثُ تَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا الْآثَارُ الْحَسَنَةُ. وإِصْلاحٌ لَهُمْ مُبْتَدَأٌ وَوَصْفُهُ، وَاللَّامُ لِلتَّعْلِيلِ أَوِ الِاخْتِصَاصِ. وَوَصَفَ الْإِصْلَاحَ بِ لَهُمْ دُونَ الْإِضَافَةِ إِذْ لَمْ يَقُلْ إِصْلَاحُهُمْ لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ قَصْرُهُ عَلَى إِصْلَاحِ ذَوَاتِهِمْ لِأَنَّ أَصْلَ إِضَافَةِ الْمَصْدَرِ أَنْ تَكُونَ لِذَاتِ الْفَاعِلِ أَوْ ذَاتِ الْمَفْعُولِ فَلَا تَكُونُ عَلَى مَعْنَى الْحَرْفِ، وَلِأَنَّ الْإِضَافَةَ لَمَّا كَانَتْ مِنْ طُرُقِ التَّعْرِيفِ كَانَتْ ظَاهِرَةً فِي عَهْدِ الْمُضَافِ فَعَدَلَ عَنْهَا لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ أَنَّ الْمُرَادَ إِصْلَاحٌ مُعَيَّنٌ
QS 2:220 (jilid 2 hlm. 356) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 356 · #112133
ّا كَانَتْ مِنْ طُرُقِ التَّعْرِيفِ كَانَتْ ظَاهِرَةً فِي عَهْدِ الْمُضَافِ فَعَدَلَ عَنْهَا لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ أَنَّ الْمُرَادَ إِصْلَاحٌ مُعَيَّنٌ كَمَا عَدَلَ عَنْهَا فِي قَوْله: ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ [يُوسُف: ٥٩] وَلَمْ يَقُلْ بِأَخِيكُمْ لِيُوهِمَهُمْ أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ أَخًا مَعْهُودًا عِنْدَهُ، وَالْمَقْصُودُ هُنَا جَمِيعُ الْإِصْلَاحِ لَا خُصُوصَ إِصْلَاحِ ذَوَاتِهِمْ فَيَشْمَلُ إِصْلَاحَ ذَوَاتِهِمْ وَهُوَ فِي الدَّرَجَةِ الْأُولَى وَيَتَضَمَّنُ ذَلِكَ إِصْلَاحَ عَقَائِدِهِمْ وَأَخْلَاقِهِمْ بِالتَّعْلِيمِ الصَّحِيحِ وَالْآدَابِ الْإِسْلَامِيَّةِ وَمَعْرِفَةِ أَحْوَالِ الْعَالَمِ، وَيَتَضَمَّنُ إِصْلَاحَ أَمْزِجَتِهِمْ بِالْمُحَافَظَةِ عَلَيْهِمْ مِنَ الْمُهْلِكَاتِ وَالْأَخْطَارِ وَالْأَمْرَاضِ وَبِمُدَاوَاتِهِمْ، وَدَفْعِ الْأَضْرَارِ عَنْهُمْ بِكِفَايَةِ مُؤَنِهِمْ مِنَ الطَّعَامِ وَاللِّبَاسِ وَالْمَسْكَنِ بِحَسَبِ مُعْتَادِ أَمْثَالِهِمْ دُونَ تَقْتِيرٍ
QS 2:220 (jilid 2 hlm. 356) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 356 · #112134
ِمْ، وَدَفْعِ الْأَضْرَارِ عَنْهُمْ بِكِفَايَةِ مُؤَنِهِمْ مِنَ الطَّعَامِ وَاللِّبَاسِ وَالْمَسْكَنِ بِحَسَبِ مُعْتَادِ أَمْثَالِهِمْ دُونَ تَقْتِيرٍ وَلَا سَرَفٍ، وَيَشْمَلُ إِصْلَاحَ أَمْوَالِهِمْ بِتَنْمِيَتِهَا وَتَعَهُّدِهَا وَحِفْظِهَا. وَلَقَدْ أَبْدَعَ هَذَا التَّعْبِيرُ، فَإِنَّهُ لَوْ قِيلَ إِصْلَاحُهُمْ لَتُوُهِّمَ قَصْرُهُ عَلَى ذَوَاتِهِمْ فَيُحْتَاجُ فِي دَلَالَةِ الْآيَةِ عَلَى إِصْلَاحِ الْأَمْوَالِ إِلَى الْقِيَاسِ وَلَوْ قِيلَ قُلْ تَدْبِيرُهُمْ خَيْرٌ لَتَبَادَرَ إِلَى تَدْبِيرِ الْمَالِ فَاحْتِيجَ فِي دَلَالَتِهَا عَلَى إِصْلَاحِ ذَوَاتِهِمْ إِلَى فَحْوَى الْخِطَابِ. وخَيْرٌ فِي الْآيَةِ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ أَفْعَلَ تَفْضِيلٍ إِنْ كَانَ خِطَابًا لِلَّذِينَ حَمَلَهُمُ الْخَوْفُ مِنْ أَكْلِ أَمْوَالِ الْيَتَامَى عَلَى اعْتِزَالِ أُمُورِهِمْ وَتَرْكِ التَّصَرُّفِ فِي أَمْوَالِهِمْ بِعِلَّةِ الْخَوْفِ مِنْ سُوءِ التَّصَرُّفِ فِيهَا كَمَا يُقَالُ:
QS 2:220 (jilid 2 hlm. 356) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 356 · #112135
الِ الْيَتَامَى عَلَى اعْتِزَالِ أُمُورِهِمْ وَتَرْكِ التَّصَرُّفِ فِي أَمْوَالِهِمْ بِعِلَّةِ الْخَوْفِ مِنْ سُوءِ التَّصَرُّفِ فِيهَا كَمَا يُقَالُ: إِنَّ السَّلَامَةَ مِنْ سَلْمَى وَجَارَتِهَا ... أَنْ لَا تَحِلَّ عَلَى حَالٍ بِوَادِيهَا فَالْمَعْنَى إِصْلَاحُ أُمُورِهِمْ خَيْرٌ مِنْ إِهْمَالِهِمْ أَيْ أَفْضَلُ ثَوَابًا وَأَبْعَدُ عَنِ الْعِقَابِ، أَيْ خَيْرٌ فِي حُصُولِ غَرَضِكُمُ الْمَقْصُودِ مِنْ إِهْمَالِهِمْ فَإِنَّهُ يَنْجَرُّ مِنْهُ إِثْمُ الْإِضَاعَةِ وَلَا يَحْصُلُ فِيهِ ثَوَابُ السَّعْيِ وَالنَّصِيحَةِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ صِفَةً مُقَابِلَ الشَّرِّ إِنْ كَانَ خِطَابًا لِتَغْيِيرِ الْأَحْوَالِ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قَبْلَ الْإِسْلَامِ، فَالْمَعْنَى إِصْلَاحُهُمْ فِي أَمْوَالِهِمْ وَأَبْدَانِهِمْ وَتَرْكُ إِضَاعَتِهِمْ فِي الْأَمْرَيْنِ كَمَا تَقَدَّمَ خَيْرٌ، وَهُوَ تَعْرِيضٌ بِأَنَّ مَا كَانُوا عَلَيْهِ فِي مُعَامَلَتِهِمْ لَيْسَ بِخَيْرٍ بَلْ هُوَ شَرٌّ،
QS 2:220 (jilid 2 hlm. 356) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 356 · #112136
اعَتِهِمْ فِي الْأَمْرَيْنِ كَمَا تَقَدَّمَ خَيْرٌ، وَهُوَ تَعْرِيضٌ بِأَنَّ مَا كَانُوا عَلَيْهِ فِي مُعَامَلَتِهِمْ لَيْسَ بِخَيْرٍ بَلْ هُوَ شَرٌّ، فَيَكُونُ مُرَادًا مِنَ الْآيَةِ عَلَى هَذَا: التَّشْرِيعُ وَالتَّعْرِيضُ إِذِ التَّعْرِيضُ يُجَامِعُ الْمَعْنَى الْأَصْلِيَّ، لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ الْكِنَايَةِ وَالْكِنَايَةُ تَقَعُ مَعَ إِرَادَةِ الْمَعْنَى الْأَصْلِيِّ. وَجُمْلَةُ وَإِنْ تُخالِطُوهُمْ فَإِخْوانُكُمْ عَطْفٌ عَلَى جُمْلَةِ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَالْمُخَالَطَةُ مُفَاعَلَةٌ مِنَ الْخَلْطِ وَهُوَ جَمْعُ الْأَشْيَاءِ جَمْعًا يَتَعَذَّرُ مَعَهُ تَمْيِيزُ بَعْضِهَا عَنْ بَعْضٍ فِيمَا تُرَادُ لَهُ، فَمِنْهُ خَلْطُ الْمَاءِ بِالْمَاءِ والقمح وَالشعِير وَخَلْطُ النَّاسِ وَمِنْهُ اخْتَلَطَ الْحَابِلُ بِالنَّابِلِ، وَهُوَ هُنَا مَجَازٌ فِي شِدَّةِ الْمُلَابَسَةِ وَالْمُصَاحَبَةِ وَالْمُرَادُ بِذَلِكَ مَا زَادَ عَلَى إِصْلَاحِ الْمَالِ وَالتَّرْبِيَةِ عَنْ بُعْدٍ فَيَشْمَلُ
QS 2:220 (jilid 2 hlm. 357) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 357 · #112137
َا مَجَازٌ فِي شِدَّةِ الْمُلَابَسَةِ وَالْمُصَاحَبَةِ وَالْمُرَادُ بِذَلِكَ مَا زَادَ عَلَى إِصْلَاحِ الْمَالِ وَالتَّرْبِيَةِ عَنْ بُعْدٍ فَيَشْمَلُ الْمُصَاحَبَةَ وَالْمُشَارَكَةَ وَالْكَفَالَةَ وَالْمُصَاهَرَةَ إِذِ الْكُلُّ مِنْ أَنْوَاعِ الْمُخَالَطَةِ. وَقَوْلُهُ: فَإِخْوانُكُمْ جَوَابُ الشَّرْطِ وَلِذَلِكَ قُرِنَ بِالْفَاءِ لِأَنَّ الْجُمْلَةَ الِاسْمِيَّةَ غَيْرُ صَالِحَةٍ لِمُبَاشَرَةِ أَدَاةِ الشَّرْطِ وَلِذَلِكَ فَ (إِخْوَانُكُمْ) خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ فَهُمْ إِخْوَانُكُمْ، وَهُوَ عَلَى مَعْنَى التَّشْبِيهِ الْبَلِيغِ، وَالْمُرَادُ بِالْأُخُوَّةِ أُخُوَّةُ الْإِسْلَامِ الَّتِي تَقْتَضِي الْمُشَاوَرَةَ وَالرِّفْقَ وَالنُّصْحَ.
QS 2:220 (jilid 2 hlm. 357) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 357 · #112138
َ عَلَى مَعْنَى التَّشْبِيهِ الْبَلِيغِ، وَالْمُرَادُ بِالْأُخُوَّةِ أُخُوَّةُ الْإِسْلَامِ الَّتِي تَقْتَضِي الْمُشَاوَرَةَ وَالرِّفْقَ وَالنُّصْحَ. وَنَقَلَ الْفَخْرُ عَنِ الْفَرَّاءِ «لَوْ نَصَبْتَهُ كَانَ صَوَابًا بِتَقْدِيرِ فَإِخْوَانَكُمْ تُخَالِطُونَ» وَهُوَ تَقْدِيرٌ سَمِجٌ، وَوُجُودُ الْفَاءِ فِي الْجَوَابِ يُنَادِي عَلَى أَنَّ الْجَوَابَ جُمْلَةٌ اسْمِيَّةٌ مَحْضَةٌ، وَبَعْدُ فَمَحْمَلُ كَلَامِ الْفَرَّاءِ عَلَى إِرَادَةِ جَوَازِ تَرْكِيبِ مِثْلِهِ فِي الْكَلَامِ الْعَرَبِيِّ لَا عَلَى أَنْ يُقْرَأَ بِهِ، وَلَعَلَّ الْفَرَّاءُ كَانَ جَرِيئًا عَلَى إِسَاغَةِ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ بِمَا يُسَوَّغُ فِي الْكَلَامِ الْعَرَبِيِّ دُونَ اشْتِرَاطِ صِحَّةِ الرِّوَايَةِ.
QS 2:220 (jilid 2 hlm. 357) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 357 · #112139
لَّ الْفَرَّاءُ كَانَ جَرِيئًا عَلَى إِسَاغَةِ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ بِمَا يُسَوَّغُ فِي الْكَلَامِ الْعَرَبِيِّ دُونَ اشْتِرَاطِ صِحَّةِ الرِّوَايَةِ. وَالْمَقْصُودُ مِنْ هَذِهِ الْجُمْلَةِ الْحَثُّ عَلَى مُخَالَطَتِهِمْ لِأَنَّهُ لَمَّا جَعَلَهُمْ إِخْوَانًا كَانَ مِنَ الْمُتَأَكَّدِ مُخَالَطَتُهُمْ وَالْوِصَايَةُ بِهِمْ فِي هَاتِهِ الْمُخَالَطَةِ، لِأَنَّهُمْ لَمَّا كَانُوا إِخْوَانًا وَجَبَ بَذْلُ النُّصْحِ لَهُمْ كَمَا يُبْذَلُ لِلْأَخِ وَفِي الْحَدِيثِ «حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ» ، وَيُتَضَمَّنُ ذَلِكَ التَّعْرِيضَ بِإِبْطَالِ مَا كَانُوا عَلَيْهِ مِنِ احْتِقَارِ الْيَتَامَى وَالتَّرَفُّعِ عَنْ مُخَالَطَتِهِمْ وَمُصَاهَرَتِهِمْ. قَالَ تَعَالَى: وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ [النِّسَاء: ١٢٧] أَيْ عَنْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ لِأَنَّ الْأُخُوَّةَ تَتَضَمَّنُ مَعْنَى الْمُسَاوَاةِ فَيَبْطُلُ التَّرَفُّعُ.
QS 2:220 (jilid 2 hlm. 357) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 357 · #112140
ونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ [النِّسَاء: ١٢٧] أَيْ عَنْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ لِأَنَّ الْأُخُوَّةَ تَتَضَمَّنُ مَعْنَى الْمُسَاوَاةِ فَيَبْطُلُ التَّرَفُّعُ. وَقَوْلُهُ: وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَعْدٌ وَوَعِيدٌ، لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنِ الْإِخْبَارِ بِعِلْمِ اللَّهِ الْإِخْبَارُ بِتَرَتُّبِ آثَارِ الْعِلْمِ عَلَيْهِ، وَفِي هَذَا إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ مَا فَعَلَهُ بَعْضُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ تَجَنُّبِ التَّصَرُّفِ فِي أَمْوَالِ الْيَتَامَى تَنَزُّهٌ لَا طَائِلَ تَحْتَهُ لِأَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ الْمُتَصَرِّفَ بِصَلَاحٍ وَالْمُتَصَرِّفَ بِغَيْرِ صَلَاحٍ وَفِيهِ أَيْضًا تَرْضِيَةٌ لِوُلَاةِ الْأَيْتَامِ فِيمَا يَنَالُهُمْ مِنْ كَرَاهِيَةِ بَعْضِ مَحَاجِيرِهِمْ وَضَرْبِهِمْ عَلَى أَيْدِيهِمْ فِي التَّصَرُّفِ الْمَالِيِّ وَمَا يُلَاقُونَ فِي ذَلِكَ مِنَ الْخَصَاصَةِ، فَإِنَّ الْمَقْصِدَ الْأَعْظَمَ هُوَ إِرْضَاءُ اللَّهِ تَعَالَى لَا إِرْضَاءُ الْمَخْلُوقَاتِ، وَكَانَ
QS 2:220 (jilid 2 hlm. 357) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 357 · #112141
وَمَا يُلَاقُونَ فِي ذَلِكَ مِنَ الْخَصَاصَةِ، فَإِنَّ الْمَقْصِدَ الْأَعْظَمَ هُوَ إِرْضَاءُ اللَّهِ تَعَالَى لَا إِرْضَاءُ الْمَخْلُوقَاتِ، وَكَانَ الْمُسْلِمُونَ يَوْمَئِذٍ لَا يَهْتَمُّونَ إِلَّا بِمَرْضَاةِ اللَّهِ تَعَالَى وَكَانُوا يُحَاسِبُونَ أَنْفُسَهُمْ عَلَى مَقَاصِدِهِمْ، وَفِي هَذِهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُ لَيْسَ مِنَ الْمَصْلَحَةِ أَنْ يُعْرِضَ النَّاسُ عَنِ النَّظَرِ فِي أَمْوَالِ الْيَتَامَى اتِّقَاءً لِأَلْسِنَةِ السُّوءِ، وَتُهْمَةِ الظَّنِّ بِالْإِثْمِ فَلَوْ تَمَالَأَ النَّاسُ عَلَى ذَلِكَ وِقَايَةً لِأَعْرَاضِهِمْ لَضَاعَتِ الْيَتَامَى، وَلَيْسَ هَذَا مِنْ شَأْنِ الْمُسْلِمِينَ فَإِنَّ عَلَى الصَّلَاحِ وَالْفَسَادِ دَلَائِلَ وَوَرَاءَ الْمُتَصَرِّفِينَ عَدَالَةَ الْقُضَاةِ وَوُلَاةَ الْأُمُورِ يُجَازُونَ الْمُصْلِحَ بِالثَّنَاءِ وَالْحَمْدِ الْعَلَنِ وَيُجَازُونَ الْمُفْسِدَ بِالْبُعْدِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْيَتَامَى وبالتغريم بِمَا أَفَاتَهُ بِدُونِ نَظَرٍ.
QS 2:220 (jilid 2 hlm. 358) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 358 · #112142
صْلِحَ بِالثَّنَاءِ وَالْحَمْدِ الْعَلَنِ وَيُجَازُونَ الْمُفْسِدَ بِالْبُعْدِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْيَتَامَى وبالتغريم بِمَا أَفَاتَهُ بِدُونِ نَظَرٍ. وَ (مِنْ) فِي قَوْلِهِ: مِنَ الْمُصْلِحِ تُفِيدُ مَعْنَى الْفَصْلِ وَالتَّمْيِيزِ وَهُوَ مَعْنَى أَثْبَتَهُ لَهَا ابْنُ مَالِكٍ فِي «التَّسْهِيلِ» قَائِلًا «وَلِلْفَصْلِ» وَقَالَ فِي «الشَّرْحِ» : «وَأَشَرْتُ بِذِكْرِ الْفَصْلِ إِلَى دُخُولِهَا عَلَى ثَانِي الْمُتَضَادَّيْنِ نَحْوَ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وحَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ
QS 2:220 (jilid 2 hlm. 358) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 358 · #112143
صْلِ إِلَى دُخُولِهَا عَلَى ثَانِي الْمُتَضَادَّيْنِ نَحْوَ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وحَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ [آل عمرَان: ١٧٩] اهـ وَهُوَ مَعْنًى رَشِيقٌ لَا غِنَى عَنْ إِثْبَاتِهِ وَقَدْ أَشَارَ إِلَيْهِ فِي «الْكَشَّافِ» عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: أَتَأْتُونَ الذُّكْرانَ مِنَ الْعالَمِينَ فِي سُورَةِ الشُّعَرَاءِ وَجعله وَجها ثَانِيًا فَقَالَ: «أَوْ أَتَأْتُونَ أَنْتُمْ مِنْ بَيْنِ مَنْ عَدَاكُمْ مِنَ الْعَالَمِينَ الذُّكْرَانَ يَعْنِي أَنَّكُمْ يَا قَوْمَ لُوطٍ وَحْدَكُمْ مُخْتَصُّونَ بِهَذِهِ الْفَاحِشَةِ» اهـ فَجَعَلَ مَعْنَى (مِنْ) مَعْنَى مِنْ بَيْنَ، وَهُوَ لَا يَتَقَوَّمُ إِلَّا عَلَى إِثْبَاتِ مَعْنَى الْفَصْلِ، وَهُوَ مَعْنًى مُتَوَسِّطٌ بَيْنَ معنى من الِابْتِلَاء وَمعنى الْبَدَلِيَّةِ حِينَ لَا يَصْلُحُ مُتَعَلِّقُ الْمَجْرُورِ لِمَعْنَى الِابْتِدَائِيَّةِ الْمَحْضِ وَلَا لِمَعْنَى الْبَدَلِيَّةِ الْمَحْضِ فَحَدَثَ مَعْنًى وَسَطٌ،
QS 2:220 (jilid 2 hlm. 358) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 358 · #112144
ِ حِينَ لَا يَصْلُحُ مُتَعَلِّقُ الْمَجْرُورِ لِمَعْنَى الِابْتِدَائِيَّةِ الْمَحْضِ وَلَا لِمَعْنَى الْبَدَلِيَّةِ الْمَحْضِ فَحَدَثَ مَعْنًى وَسَطٌ، وَبَحَثَ فِيهِ ابْنُ هِشَامٍ فِي «مُغْنِي اللَّبِيبِ» أَنَّ الْفَصْلَ حَاصِلٌ مِنْ فِعْلِ يَمِيزَ وَمِنْ فِعْلِ يَعْلَمُ وَاسْتَظْهَرَ أَنَّ مَنْ لِلِابْتِدَاءِ أَوْ بِمَعْنَى عَنْ. وَقَوْلُهُ: وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ تَذْيِيلٌ لِمَا دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ عَلَى مَا تَقَدَّمَ.
QS 2:220 (jilid 2 hlm. 358) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 358 · #112145
َعْنَى عَنْ. وَقَوْلُهُ: وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ تَذْيِيلٌ لِمَا دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ عَلَى مَا تَقَدَّمَ. وَالْعَنَتُ: الْمَشَقَّةُ وَالصُّعُوبَةُ الشَّدِيدَةُ أَيْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَكَلَّفَكُمْ مَا فِيهِ الْعَنَتُ وَهُوَ أَنْ يُحَرِّمَ عَلَيْكُمْ مُخَالَطَةَ الْيَتَامَى فَتَجِدُوا ذَلِكَ شَاقًّا عَلَيْكُمْ وَعَنَتًا، لِأَنَّ تَجَنُّبَ الْمَرْءِ مُخَالَطَةَ أَقَارِبِهِ مِنْ إِخْوَةٍ وَأَبْنَاءِ عَمٍّ وَرُؤْيَتَهُ إِيَّاهُمْ مَضْيَعَةُ أُمُورِهِمْ لَا يَحْفُلُ بِهِمْ أَحَدٌ يَشُقُّ عَلَى النَّاسِ فِي الْجِبِلَّةِ وَهُمْ وَإِنْ فَعَلُوا ذَلِكَ حَذَرًا وَتَنَزُّهًا فَلَيْسَ كُلُّ مَا يَبْتَدِئُ الْمَرْءُ فِعْلَهُ يَسْتَطِيعُ الدَّوَامَ عَلَيْهِ. وَحَذْفُ مَفْعُولِ الْمَشِيئَةِ لِإِغْنَاءِ مَا بَعْدَهُ عَنْهُ، وَهَذَا حَذْفٌ شَائِعٌ فِي مَفْعُولِ الْمَشِيئَةِ فَلَا يَكَادُونَ يَذْكُرُونَهُ.
QS 2:220 (jilid 2 hlm. 358) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 358 · #112146
ِ. وَحَذْفُ مَفْعُولِ الْمَشِيئَةِ لِإِغْنَاءِ مَا بَعْدَهُ عَنْهُ، وَهَذَا حَذْفٌ شَائِعٌ فِي مَفْعُولِ الْمَشِيئَةِ فَلَا يَكَادُونَ يَذْكُرُونَهُ. وَقَدْ مَضَى الْقَوْلُ فِيهِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ [الْبَقَرَة: ٢٠] . وَقَوْلُهُ: إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ تَذْيِيلٌ لِمَا اقْتَضَاهُ شَرْطُ (لَوْ) مِنَ الْإِمْكَانِ وَامْتِنَاعِ الْوُقُوعِ أَيْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَالِبٌ قَادِرٌ فَلَوْ شَاءَ لَكَلَّفَكُمُ الْعَنَتَ، لَكِنَّهُ حَكِيمٌ يَضَعُ الْأَشْيَاءَ مَوَاضِعَهَا فَلِذَا لم يلكفكموه. وَفِي جَمْعِ الصِّفَتَيْنِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ تَصَرُّفَاتِ اللَّهِ تَعَالَى تَجْرِي عَلَى مَا تَقْتَضِيهِ صِفَاتُهُ كُلُّهَا وَبِذَلِكَ تَنْدَفِعُ إِشْكَالَاتٌ عَظِيمَةٌ فِيمَا يُعَبَّرُ عَنْهُ بِالْقضَاءِ وَالْقدر. [٢٢١]

Ayat yang dirujuk di sini

Potongan tafsir di atas mengutip ayat-ayat berikut (dideteksi dengan aturan teks ﴿…﴾, bukan model bahasa).

QS 6:152QS 17:34QS 4:10QS 4:25QS 2:209QS 8:10

Dirujuk oleh

Ayat ini dikutip di dalam tafsir ayat-ayat berikut.

QS 17:34QS 4:7-10QS 20:135