KitabAITafsir Al-Qur'an AI-Powered
Daftar surahSurah Al-Baqarah › Ayat 48

QS 2:48

Surah Al-Baqarah (البقرة) ayat 48

2:48
وَٱتَّقُواْ يَوۡمٗا لَّا تَجۡزِي نَفۡسٌ عَن نَّفۡسٖ شَيۡـٔٗا وَلَا يُقۡبَلُ مِنۡهَا شَفَٰعَةٞ وَلَا يُؤۡخَذُ مِنۡهَا عَدۡلٞ وَلَا هُمۡ يُنصَرُونَ
Dan takutlah kamu pada hari, (ketika) tidak seorang pun dapat membela orang lain sedikit pun. Sedangkan syafaat24) dan tebusan apa pun darinya tidak diterima dan mereka tidak akan ditolong
Tanya tentang ayat ini
← Ayat 47Ayat 49 →

Kata per kata

Lafadz, lema, dan akar tiap kata. Klik sebuah kata untuk melihat seluruh ayat yang memakai akar yang sama.

وَٱتَّقُوا۟
ٱتَّقَىٰ
وقي
يَوْمًا
يَوْم
يوم
لَّا
لَا
partikel nafi
تَجْزِى
جَزَىٰ
جزي
نَفْسٌ
نَفْس
نفس
عَن
عَن
preposisi
نَّفْسٍ
نَفْس
نفس
شَيْـًٔا
شَىْء
شيا
وَلَا
لَا
partikel nafi
يُقْبَلُ
يَقْبَلُ
قبل
مِنْهَا
مِن
preposisi
شَفَٰعَةٌ
شَفَٰعَة
شفع
وَلَا
لَا
partikel nafi
يُؤْخَذُ
أَخَذَ
اخذ
مِنْهَا
مِن
preposisi
عَدْلٌ
عَدْل
عدل
وَلَا
لَا
partikel nafi
هُمْ
pronomina
يُنصَرُونَ
نَصَرَ
نصر

Tafsir dalam korpus (49 potongan)

QS 2:48 (jilid 1 hlm. 631) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 631 · #50881
القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤه: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾. وتأويلُ قولِه: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾: واتَّقوا يومًا لا تَجْزِى فيه نفسٌ عن نفسٍ شيئًا. وجائزٌ أيضًا أن يَكونَ تأويلُه: واتَّقُوا يومًا لا تَجْزِيه نفسٌ عن نفسٍ شيئًا، كما قال الراجز: قد صبَّحَتْ صبَّحَها السلامُ بكَبِدٍ خالَطَها سَنامُ في ساعةٍ يُحَبُّها الطَّعامُ وهو يعنى: يُحَبُّ فيها الطعامُ. فحُذِفَت الهاءُ الراجعةُ على "اليومِ"؛ إذ فيه اجتزاءٌ بما ظهَر مِن قولِه: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ﴾ الدالِّ على المحذوفِ منه - عما حُذِف، إذ كان معلومًا معناه. وقد زعَم قومٌ مِن أهلِ العربيةِ أنه لا يَجوزُ أن يَكونَ المحذوفُ في هذا الموضعِ إلا الهاءَ. وقال آخَرون: لا يجوزُ أن يكونَ المحذوفُ إلا "فيه". وقد دلَّلْنا فيما مضَى على جَوازِ حذفِ كلِّ ما دل الظاهرُ [من الكلام] عليه.
QS 2:48 (jilid 1 hlm. 631) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 631 · #50882
هذا الموضعِ إلا الهاءَ. وقال آخَرون: لا يجوزُ أن يكونَ المحذوفُ إلا "فيه". وقد دلَّلْنا فيما مضَى على جَوازِ حذفِ كلِّ ما دل الظاهرُ [من الكلام] عليه. وأما المعنى في قولِه: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾. فإنه تحذيزٌ مِن اللهِ تعالى ذكرُه عبادَه الذين خاطَبَهم بهذه الآيةِ، عقوبته أن تَحِلَّ بهم يومَ القيامةِ، وهو اليومُ الذى لا تَجْزِى فيه نفسٌ عن نفسٍ شيئًا، ولا يَجْزِى فيه والدٌ عن ولدِه، ولا مولودٌ هو جازٍ عن والدِه شيئًا. وأما تأويلُ قولِه ﴿لَا تَجْزِي نَفْسٌ﴾. فإنه يعنى: لا تُغْنى. كما حدَّثنى به موسى بنُ هارونَ، قال: حدَّثنا عمرٌو، قال: حدَّثنا أسْباطُ، عن السُّدِّىِّ: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾: أما ﴿تَجْزِي﴾ فتُغْنِى. وأصلُ الجزاءِ في كلامِ العربِ القَضاءُ والتَّعْويضُ، يقالُ: جزَيْتُه قَرْضَه ودَيْنَه، أَجْزِيه جَزاءً. بمعنى: قضَيْتُه دَيْنَه. ومِن ذلك قيل: جزَى اللهُ فلانًا عنى خيرًا أو شرًّا.
QS 2:48 (jilid 1 hlm. 632) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 632 · #50883
لقَضاءُ والتَّعْويضُ، يقالُ: جزَيْتُه قَرْضَه ودَيْنَه، أَجْزِيه جَزاءً. بمعنى: قضَيْتُه دَيْنَه. ومِن ذلك قيل: جزَى اللهُ فلانًا عنى خيرًا أو شرًّا. بمعنى: أثابه عنى، وقضاه عنى ما لزِمنى له بفعلِه الذى سلَف منه إلىَّ. وقد قال قومٌ مِن أهلِ العلمِ بلغةِ العربِ: يُقالُ: أجْزَيْتُ عنه كذا. إذا أعَنْتَه عليه، وجزَيْتُ عنك فلانًا. إذا كافَأْتَه. وقال آخَرون منهم: بل: جزَيْتُ عنك: قضَيْتُ عنك، وأجْزَيْتُ: كفَيْتُ. وقال آخَرون منهم: بل هما بمعنًى واحدٍ، يُقالُ: جزَتْ عنك شاةٌ وأجْزَتْ، وجزَى عنك درهمٌ وأجْزَى، ولا تَجْزِى عنك شاةٌ ولا تُجْزِى. بمعنًى واحدٍ. إلا أنهم ذكَروا أنَّ: جزَت عنك، ولا تُجْزِى عنك، مِن لغةِ أهلِ الحجازِ، وأن: أجْزَأ وتُجْزِئُ، مِن لغةِ غيرِهم.
QS 2:48 (jilid 1 hlm. 632) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 632 · #50884
ى عنك شاةٌ ولا تُجْزِى. بمعنًى واحدٍ. إلا أنهم ذكَروا أنَّ: جزَت عنك، ولا تُجْزِى عنك، مِن لغةِ أهلِ الحجازِ، وأن: أجْزَأ وتُجْزِئُ، مِن لغةِ غيرِهم. وزعَموا أن تميمًا خاصَّةً مِن بينِ قبائلِ العربِ تقولُ: أجْزَأَتْ عنك شاةٌ، وهى تُجْزِئُ عنك. وزعَم آخَرون أن "جَزَى" بلا همزٍ: قضَى، و"أجْزَأ" بالهمزِ: كافَأ. فمعنى الكلامِ إذن: واتَّقُوا يومًا لا تَقْضِى نفسٌ عن نفسٍ شيئًا، ولا تُغْنى عنها غِنًى. فإن قال قائلٌ: وما معنى: لا تَقْضِى نفسٌ عن نفسٍ شيئًا، ولا تُغْنى عنها غِنًى؟ قيل: هو أن أحدَنا اليومَ ربما قضَى عن ولدِه أو والدِه أو ذى الصَّداقةِ والقَرابةِ دَيْنَه، وأما في الآخرةِ -فإنه فيما أتَتْنا به الأخبارُ، عنها- يَسُرُّ الرجلَ أن يَبْرُدَ له على ولدِه أو والدِه حقٌّ، وذلك أن قضاءَ الحقوقِ في القيامةِ مِن الحسناتِ والسيئاتِ.
QS 2:48 (jilid 1 hlm. 633) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 633 · #50885
فإنه فيما أتَتْنا به الأخبارُ، عنها- يَسُرُّ الرجلَ أن يَبْرُدَ له على ولدِه أو والدِه حقٌّ، وذلك أن قضاءَ الحقوقِ في القيامةِ مِن الحسناتِ والسيئاتِ. كما حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ ونصرُ بنُ عبدِ الرحمنِ الأَوْدىُّ، قالا: حدَّثنا المُحاربيُّ، عن أبى خالدٍ الدالانىِّ يزيدَ بنِ عبدِ الرحمنِ، عن زيدِ بنِ أبى أُنَيْسةَ، عن سعيدِ بنِ أبى سعيدٍ المَقْبُرىِّ، عن أبى هريرةَ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ: "رَحِمَ اللهُ عَبْدًا كانت عندَه لأَخيه مَظْلِمَةٌ فِى عِرْضٍ -قال أبو كُرَيْبٍ في حديثِه: أو مَالٍ- جاءَه فاسْتَحَلَّهُ قبلَ أَن يُؤْخَذَ منه وليس ثَمَّ دِينَارٌ وَلا دِرْهَمٌ، فإِن كانت له حَسَنَاتٌ أَخَذُوا مِن حَسَنَاتِه، وإن لم تكنْ لَه حَسَنَاتٌ حَمَلُوا عليه من سَيِّئَاتِهم". وحدَّثنى أبو عثمانَ المُقَدَّمىُّ، قال: حدَّثنا الفَرَوىُّ، قال: حدَّثنا مالكٌ، عن المَقْبُرىِّ، عن أبيه، عن أبى هريرةَ، عن النبىِّ ﷺ بنحوِه.
QS 2:48 (jilid 1 hlm. 633) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 633 · #50886
َاتِهم". وحدَّثنى أبو عثمانَ المُقَدَّمىُّ، قال: حدَّثنا الفَرَوىُّ، قال: حدَّثنا مالكٌ، عن المَقْبُرىِّ، عن أبيه، عن أبى هريرةَ، عن النبىِّ ﷺ بنحوِه. حدَّثنا خَلَّادُ بنُ أسْلَمَ، قال: حدَّثنا أبو همامٍ الأهْوازىُّ، قال: أخْبَرَنا عبدُ اللهِ ابنُ سعيدٍ، عن سعيدٍ، عن أبى هريرةَ، عن النبىِّ ﷺ بنحوِه. حدَّثنى موسى بنُ سهلٍ الرَّمْلىُّ، قال: حدَّثنا نُعَيْمُ بنُ حمادٍ، قال: حدَّثنا عبدُ العزيزِ الدَّراوَرْدىُّ، عن عمرِو بنِ أبى عمرٍو، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ: "لا يَمُوتَنَّ أحدُكم وَعليه دَيْنٌ، فَإِنَّه ليس هناك دِينارٌ ولا دِرْهَمٌ؛ إِنَّما تَقْتَسِمُون هُناك الحَسَنَاتِ والسَّيِّئَاتِ".
QS 2:48 (jilid 1 hlm. 634) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 634 · #50887
ل رسولُ اللهِ ﷺ: "لا يَمُوتَنَّ أحدُكم وَعليه دَيْنٌ، فَإِنَّه ليس هناك دِينارٌ ولا دِرْهَمٌ؛ إِنَّما تَقْتَسِمُون هُناك الحَسَنَاتِ والسَّيِّئَاتِ". وأشار رسولُ اللهِ ﷺ بيدِه يمينًا وشمالًا. حدَّثنى محمدُ بنُ إسحاقَ، قال: حدَّثنا سلمُ بنُ قادمٍ، قال: حدَّثنا أبو مُعاويةَ هاشمُ بنُ عيسى، قال: أخْبَرَنى الحارثُ بنُ مُسلمٍ، عن الزهرىِّ، عن أنسِ بنِ مالكٍ، عن رسولِ اللهِ ﷺ بنحوِ حديثِ أبى هريرةَ. قال أبو جعفرٍ: فذلك معنى قولِه: ﴿لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾. يعنى أنها لا تَقْضِى عنها شيئًا لزِمها لغيرِها؛ لأن القَضاءَ هنالك مِن الحسناتِ والسيئاتِ على ما وصَفْنا.
QS 2:48 (jilid 1 hlm. 634) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 634 · #50888
: ﴿لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾. يعنى أنها لا تَقْضِى عنها شيئًا لزِمها لغيرِها؛ لأن القَضاءَ هنالك مِن الحسناتِ والسيئاتِ على ما وصَفْنا. وكيف يَقْضِى عن غيرِه غُرْمًا لزِمه مَن كان يَسُرُّه أن يَثْبُتَ له على ولدِه أو والدِه حقٌّ فيَأْخُذَه منه ولا يَتَجافَى له عنه؟ وقد زعَم بعضُ نحويِّى البصرةِ أن معنى قولِه: ﴿لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾: لا تَجْزِى منها أن تكونَ مكانَها. وهذا قولٌ يَشْهَدُ ظاهرُ القرآنِ على فَسادِه؛ وذلك أنه غيرُ معقولٍ في كلامِ العربِ أن يَقولَ القائلُ: ما أغْنَيْتَ عنى شيئًا. بمعنى: ما أغْنَيْتَ منى أن تكونَ مكانى. بل إذا أرادوا الخبرَ عن شيءٍ أنه لا يَجْزِى مِن شيءٍ، قالوا: لا يَجْزِى هذا مِن هذا. ولا يَسْتَجِيزون أن يَقولوا: لا يَجْزِى هذا مِن هذا شيئًا. فلو كان تأويلُ قولِه: ﴿لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾. ما قاله مَن حكَيْنا قولَه، لقال: واتَّقوا يومًا لا تَجْزِى نفسٌ عن نفسٍ. كما يقالُ: لا تجزِى نفسٌ مِن نفسٍ.
QS 2:48 (jilid 1 hlm. 635) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 635 · #50889
﴿لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾. ما قاله مَن حكَيْنا قولَه، لقال: واتَّقوا يومًا لا تَجْزِى نفسٌ عن نفسٍ. كما يقالُ: لا تجزِى نفسٌ مِن نفسٍ. ولم يَقُلْ: ﴿لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾. وفى صحةِ التنزيلِ بقولِه: ﴿لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾ أوضحُ الدَّلالةِ على صحةِ ما قلْنا، وفسادِ قولِ مَن ذكَرْنا قولَه في ذلك.
QS 2:48 (jilid 1 hlm. 635) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 635 · #50890
القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤه: ﴿وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ﴾. قال أبو جعفرٍ: و"الشَّفاعةُ" مصدرٌ مِن قولِ الرجلِ: شفَع لى فلانٌ إلى فلانٍ شَفاعةً. وهو طلَبُه إليه في قضاءِ حاجتِه، وإنما قيل للشفيعِ: شَفيعٌ وشافعٌ. لأنه ثنَّى المُسْتَشْفِعَ به، فصار له شَفْعًا، وكان ذو الحاجةِ قبلَ اسْتِشْفاعِه به في حاجتِه فَردًا، فصار صاحبُه له فيها شافعًا، وطلبه فيه وفى حاجتهِ شَفاعةً، ولذلك سُمِّى الشفيعُ في الدارِ والأرضِ شفيعًا؛ لمصيرِ البائعِ به شَفْعًا. فتأويلُ الآيةِ إذن: واتَّقوا يومًا لا تَقْضِى نفسٌ عن نفسٍ حقًّا لزِمها للهِ ﷿ ولا لغيرِه، ولا يَقْبَلُ اللهُ منها شفاعةَ شافعٍ، فيَتْرُكَ لها ما لزِمها مِن حقٍّ. وقيل: إن اللهَ جل ثناؤُه خاطَب أهلَ هذه الآيةِ بما خاطَبهم به فيها؛ لأنهم كانوا مِن يهودِ بنى إسرائيلَ، وكانوا يقولون: نحن أبناءُ اللهِ وأَحبَّاؤُه وأولادُ أنبيائِه، وسيَشْفَعُ لنا عندَه آباؤُنا.
QS 2:48 (jilid 1 hlm. 636) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 636 · #50891
بما خاطَبهم به فيها؛ لأنهم كانوا مِن يهودِ بنى إسرائيلَ، وكانوا يقولون: نحن أبناءُ اللهِ وأَحبَّاؤُه وأولادُ أنبيائِه، وسيَشْفَعُ لنا عندَه آباؤُنا. فأخْبَرَهم اللهُ تعالى ذكرُه أن نفسًا لا تَجْزِى عن نفسٍ شيئًا في القيامةِ، ولا يُقْبَلُ منها شفاعةُ أحدٍ فيها حتى يُسْتَوْفَى لكلِّ ذى حقٍّ منها حقُّه. كما حَدَّثَنِي عباسُ بنُ أبى طالبٍ، قال: حَدَّثَنَا حجاجُ بنُ نُصَيْرٍ، عن شعبةَ، عن العَوَّامِ بنِ مُزَاحِمٍ -رجلٌ مِن بنى قيسِ بنِ ثَعْلَبةَ- عن أبي عثمانَ النَّهْدىِّ، عن عثمانَ بنِ عفانَ، أن رسولَ اللهِ ﷺ قال: "إِنَّ الجَمَّاءَ لَتَقْتَصُّ مِن القرْنَاءِ يَوْمَ القِيَامَةِ". وكما قال اللهُ جلَّ ثناؤُه: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا﴾ [الأنبياء: ٤٧].
QS 2:48 (jilid 1 hlm. 636) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 636 · #50892
َوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا﴾ [الأنبياء: ٤٧]. فآيَسَهم اللهُ جل ذكرُه مما كانوا أطْمَعوا فيه أنفسَهم مِن النجاةِ مِن عذابِ اللهِ -مع تكذيبهم بما عرَفوا مِن الحقِّ، وخلافِهم أمرَ اللهِ تعالى ذكرُه في اتباعِ محمدٍ ﷺ، وما جاءهم به مِن عندِه- بشفاعةِ آبائِهم وغيرِهم مِن الناسِ كلِّهم، وأخْبَرَهم أنه غيرُ نافعِهم عندَه إلَّا التوبةُ إليه مِن كفرِهم، والإنابةُ مِن ضَلالِهم، وجعَل ما سنَّ فيهم مِن ذلك إمامًا لكلِّ مَن كان على مِثل منهاجِهم؛ لئلا يَطْمَعَ ذوو الإلحادِ في رحمةِ اللهِ. قال أبو جعفر: وهذه الآيةُ وإن كان مَخْرَجُها عامًّا في التِّلاوةِ، فإن المرادَ بها خاصٌّ في التأويلِ؛ لتَظاهُرِ الأخبارِ عن رسولِ اللهِ ﷺ أنه قال: "شَفَاعَتى لأَهْلِ الكَبَائِرِ مِن أُمَّتِى".
QS 2:48 (jilid 1 hlm. 637) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 637 · #50893
ا عامًّا في التِّلاوةِ، فإن المرادَ بها خاصٌّ في التأويلِ؛ لتَظاهُرِ الأخبارِ عن رسولِ اللهِ ﷺ أنه قال: "شَفَاعَتى لأَهْلِ الكَبَائِرِ مِن أُمَّتِى". وأنه قال: "ليس مِن نَبِيٍّ إِلَّا وقد أُعْطِىَ دَعْوَةً، وإنِّى اخْتَبَأْتُ دَعْوَتى شَفاعَةً لأُمَّتي، وهى نائِلَةٌ منهم من لا يُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئًا". فقد تبَيَّن بذلك أنَّ اللهَ جل ثناؤُه قد يَصْفَحُ لعبادِه المؤمنين بشفاعةِ نبيِّنا محمدٍ ﷺ لهم عن كثيرٍ مِن عُقوبةِ إجْرامِهم بينَهم وبينَه، وأن قولَه: ﴿وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ﴾. إنما هي لمن مات على كفرِه غيرَ تائبٍ إلى اللهِ ﷿. وليس هذا مِن مَواضِعِ الإطالةِ في القولِ في الشَّفاعةِ والوَعْدِ والوَعيدِ فَنَسْتَقْصِىَ الحِجاجَ في ذلك، وسنَأْتى على ما فيه الكفايةُ في مَواضِعِه إن شاء اللهُ تعالى.
QS 2:48 (jilid 1 hlm. 637) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 637 · #50894
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ وعزَّ: ﴿وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ﴾. قال أبو جعفرٍ: و"العَدْلُ" في كلامِ العربِ -بفتحِ العينِ- الفِدْيةُ. كما حدَّثني المثنى بنُ إبراهيمَ، قال: أنبأنا آدمُ، قال: حدَّثنا أبو جعفرٍ، عن الربيعِ، عن أبي العاليةِ: ﴿وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ﴾ قال: يعنى فِداءً. حدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: حدَّثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: حدَّثنا أسْباطُ، عن السُّدّىِّ: ﴿وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ﴾: أما ﴿عَدْلٌ﴾ فيَعْدِلُها، مِن العَدْلِ. يقولُ: لو جاءت بملْءِ الأرضِ ذهبًا تَفْتَدِى به ما تُقُبِّل منها. حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ﴾. قال: لو جاءت بكلِّ شيءٍ لَمْ يُقْبلْ منها. حدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثني حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، قال: قال مُجاهِدٌ: قال ابنُ عباسٍ: ﴿وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ﴾.
QS 2:48 (jilid 1 hlm. 638) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 638 · #50895
نها. حدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثني حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، قال: قال مُجاهِدٌ: قال ابنُ عباسٍ: ﴿وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ﴾. قال: بَدَلٌ، والبَدَلُ الفِدْيةُ. حدَّثني يونُسُ بنُ عبدِ الأعلي، قال: أخْبَرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: ﴿وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ﴾. قال: لو أن لها مِلْءَ الأرضِ ذهبًا لَمْ يُقْبَلْ منها؛ [لم يُؤْخَذْ منها] فِداءٌ. قال: ولو جاءَت بكلِّ شيءٍ لَمْ يُقْبَلْ منها. حدَّثنا نَجيحُ بنُ إبراهيمَ، قال: أخبرنا عليُّ بنُ حَكيمٍ، قال: أخبرنا حُميدُ بنُ عبدِ الرحمنِ، عن أبيه، عن عمرِو بنِ قيسٍ المُلَائيِّ، عن رجلٍ مِن بنى أُميةَ مِن أهلِ الشامِ، أحْسَن عليه الثناءَ، قال: قيل: يا رسولَ اللهِ، ما العَدْلُ؟
QS 2:48 (jilid 1 hlm. 639) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 639 · #50896
الرحمنِ، عن أبيه، عن عمرِو بنِ قيسٍ المُلَائيِّ، عن رجلٍ مِن بنى أُميةَ مِن أهلِ الشامِ، أحْسَن عليه الثناءَ، قال: قيل: يا رسولَ اللهِ، ما العَدْلُ؟ قال: "العَدْلُ الفِدْيَةُ". قال أبو جعفر: وإنما قيل للفِدْيةِ مِن الشئِ والبَدَلِ منه: عَدْلُه؛ لمُعادَلتِه إياه وهو مِن غيرِ جنسِه، ومَصِيرِه له مثلًا مِن وَجهِ الجَزاءِ، لا مِن وجهِ المُشابَهةِ في الصورةِ والخِلْقةِ، كما قال تعالى ذكره: ﴿وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لَا يُؤْخَذْ مِنْهَا﴾ [الأنعام: ٧٠]. بمعنى: وإن تَفْدِ كلَّ فِدْيةٍ لا يُؤْخَذْ منها. يقالُ منه: هذا عَدْلُه وعَدِيلُه. وأما العِدْلُ -بكسرِ العينِ- فهو مِثْلُ الحِمْلِ المَحْمولِ على الظهرِ، يقالُ مِن ذلك: عندى غلامٌ عِدْلُ غُلامِك، وشاةٌ عِدْلُ شاتِك. بكسرِ العينِ، إذا كان غلامًا يَعْدِلُ غلامًا، وشاةً تَعْدِلُ شاةً، وكذلك ذلك في كلِّ مثْلٍ للشيءِ مِن جنسِه، فإذا أُريد أن عندَه قيمتَه مِن غيرِ جنسِه نُصِبَت العينُ، فقيل: عندى عَدْلُ شاتِك مِن الدراهمِ.
QS 2:48 (jilid 1 hlm. 639) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 639 · #50897
ْدِلُ شاةً، وكذلك ذلك في كلِّ مثْلٍ للشيءِ مِن جنسِه، فإذا أُريد أن عندَه قيمتَه مِن غيرِ جنسِه نُصِبَت العينُ، فقيل: عندى عَدْلُ شاتِك مِن الدراهمِ. وقد ذُكِر عن بعضِ العربِ أنه يَكْسِرُ العينَ مِن العَدْلِ الذى هو بمعنى الفِديةِ [والمعادلةِ] ما عادلَتْه مِن جهةِ الجَزاءِ؛ وذلك لتَقارُبِ معنى العَدْلِ والعِدْلِ عندَهم. وأما واحدُ الأعْدالِ فلم يُسْمَعْ فيه إلَّا عِدْلٌ بكسرِ العينِ.
QS 2:48 (jilid 1 hlm. 639) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 639 · #50898
القولُ في تأويلِ قولِه جل وعز: ﴿وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (٤٨)﴾. وتأويلُ قولِه ﷻ: ﴿وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾. يعنى: إنهم يومَئذٍ لا يَنْصُرُهم ناصرٌ، كما لا يَشْفَعُ لهم شافعٌ، ولا يُقْبَلُ منهم عَدْلٌ ولا فِديةٌ، بَطَلَت هنالك المُحاباةُ، واضْمَحَلَّت الرِّشَا والشَّفاعاتُ، وارْتَفَع مِن القومِ التعاوُنُ والتَّناصُرُ، وصار الحُكمُ إلى العَدلِ الجَبَّارِ الذى لا يَنْفَعُ لديه الشُّفَعاءُ والنُّصَراءُ، فيَجْزِى بالسيئةِ مثلَها، وبالحسنةِ أضْعافَها، وذلك نظيرُ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ (٢٤) مَا لَكُمْ لَا تَنَاصَرُونَ (٢٥) بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ﴾ [الصافات: ٢٤ - ٢٦]. وكان ابنُ عباسٍ يقولُ فى معنى: ﴿لَا تَنَاصَرُونَ﴾.
QS 2:48 (jilid 1 hlm. 640) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 640 · #50899
ونَ (٢٤) مَا لَكُمْ لَا تَنَاصَرُونَ (٢٥) بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ﴾ [الصافات: ٢٤ - ٢٦]. وكان ابنُ عباسٍ يقولُ فى معنى: ﴿لَا تَنَاصَرُونَ﴾. ما حُدِّثْتُ به عن المِنْجابِ، قال: حدَّثنا بشرُ بنُ عُمارةَ، عن أبي رَوْقٍ، عن الضَّحَّاكِ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿مَا لَكُمْ لَا تَنَاصَرُونَ﴾: ما لكم لا تَمانَعون منا، هَيْهاتَ، ليس ذلك لكم اليومَ. وقد قال بعضُهم في معنى قولِه: ﴿وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾: وليس لهم مِن اللهِ يومَئذٍ نَصيرٌ يَنْتَصِرُ لهم مِن اللهِ إذا عَاقَبَهم. وقد قيل: ﴿وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ بالطلبِ فيهم والشَّفاعةِ والفِدْيةِ. قال أبو جعفرٍ: والقولُ الأولُ أولى بتأويلِ الآيةِ؛ لما وصَفْنا مِن أن اللهَ جل ثناؤُه إنما أعْلَم المخاطَبِين بهذه الآيةِ أن يومَ القيامةِ يومٌ لا فِدْيةَ فيه لمن اسْتَحَقَّ مِن خلقِه عُقوبتَه، ولا شَفاعةَ فيه، ولا ناصرَ له، وذلك أن ذلك قد كان لهم في الدنيا، فأخْبَر أن ذلك يومَ القيامةِ مَعْدومٌ لا سبيلَ لهم إليه.
QS 2:48 (jilid 1 hlm. 256) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 1 · hlm. 256 · #81137
﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ (٤٨)﴾ لما ذكرهم [الله] تعالى بنعمه أولا عطف على ذلك التحذير من حُلُول نقمه بهم يوم القيامة فقال: (وَاتَّقُوا يَوْمًا) يعني: يوم القيامة (لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا) أي: لا يغني أحد عن أحد كما قال: ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤]، وقال: ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس: ٣٧]، وقال ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا﴾ [لقمان: ٣٣]، فهذه أبلغ المقامات: أن كلا من الوالد وولده لا يغني أحدهما عن الآخر شيئا، وقوله تعالى: (وَلا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ) يعني عن الكافرين، كما قال: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ [المدثر: ٤٨]، وكما قال عن أهل النار: ﴿فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ *
QS 2:48 (jilid 1 hlm. 256) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 1 · hlm. 256 · #81138
شَفَاعَةٌ) يعني عن الكافرين، كما قال: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ [المدثر: ٤٨]، وكما قال عن أهل النار: ﴿فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ * وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ﴾ [الشعراء: ١٠٠، ١٠١]، وقوله: (وَلا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ) أي: لا يقبل منها فداء، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَى بِهِ﴾ [آل عمران: ٩١] وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٦] وقال تعالى: ﴿وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لا يُؤْخَذْ مِنْهَا﴾ [الأنعام: ٧٠]، وقال: ﴿فَالْيَوْمَ لا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الآية [الحديد: ١٥]، فأخبر تعالى أنهم إن لم يؤمنوا برسوله ويتابعوه على ما بعثه به، ووافوا الله يوم القيامة على ما هم
QS 2:48 (jilid 1 hlm. 256) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 1 · hlm. 256 · #81139
يَةٌ وَلا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الآية [الحديد: ١٥]، فأخبر تعالى أنهم إن لم يؤمنوا برسوله ويتابعوه على ما بعثه به، ووافوا الله يوم القيامة على ما هم عليه، فإنه لا ينفعهم قرابة قريب ولا شفاعة ذي جاه، ولا يقبل منهم فداء، ولو بملء الأرض ذهبا، كما قال تعالى: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفَاعَةٌ﴾ [البقرة: ٢٥٤]، وقال ﴿لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خِلالٌ﴾ [إبراهيم: ٣١]. [وقال سنيد: حدثني حجاج، حدثني ابن جريج، قال: قال مجاهد: قال ابن عباس: (وَلا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ) قال: بدل، والبدل: الفدية، وقال السدي: أما عدل فيعدلها من العذاب يقول: لو جاءت بملء الأرض ذهبا تفتدي به ما تقبل منها، وكذا قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم،].
QS 2:48 (jilid 1 hlm. 256) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 1 · hlm. 256 · #81140
بدل، والبدل: الفدية، وقال السدي: أما عدل فيعدلها من العذاب يقول: لو جاءت بملء الأرض ذهبا تفتدي به ما تقبل منها، وكذا قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم،]. وقال أبو جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، في قوله: (وَلا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ) يعني: فداء. قال ابن أبي حاتم: وروي عن أبي مالك، والحسن، وسعيد بن جبير، وقتادة، والربيع بن أنس، نحو ذلك. وقال عبد الرزاق: أنبأنا الثوري، عن الأعمش، عن إبراهيم التيمي، عن أبيه عن علي، ﵁، في حديث طويل، قال: والصرف والعدل: التطوع والفريضة. وكذا قال الوليد بن مسلم، عن عثمان بن أبي العاتكة، عن عمير بن هانئ. وهذا القول غريب هنا، والقول الأول أظهر في تفسير هذه الآية، وقد ورد حديث يقويه، وهو ما قال ابن جرير: حدثني نَجِيح بن إبراهيم، حدثنا علي بن حكيم، حدثنا حميد بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن عَمْرو بن قيس الملائي، عن رجل من بني أمية -من أهل الشام أحسن عليه الثناء -قال: قيل: يا رسول الله، ما العدل؟
QS 2:48 (jilid 1 hlm. 257) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 1 · hlm. 257 · #81141
يم، حدثنا حميد بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن عَمْرو بن قيس الملائي، عن رجل من بني أمية -من أهل الشام أحسن عليه الثناء -قال: قيل: يا رسول الله، ما العدل؟ قال: "العدل الفدية". وقوله تعالى: (وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ) أي: ولا أحد يغضب لهم فينصرهم وينقذهم من عذاب الله، كما تقدم من أنه لا يعطف عليهم ذو قرابة ولا ذو جاه ولا يقبل منهم فداء. هذا كله من جانب التلطف، ولا لهم ناصر من أنفسهم، ولا من غيرهم، كما قال: ﴿فَمَا لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلا نَاصِرٍ﴾ [الطارق: ١٠] أي: إنه تعالى لا يقبل فيمن كفر به فِدْيَة ولا شفاعة، ولا ينقذ أحدا من عذابه منقذ، ولا يجيره منه أحد، كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجَارُ عَلَيْهِ﴾ [المؤمنون: ٨٨].
QS 2:48 (jilid 1 hlm. 257) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 1 · hlm. 257 · #81142
فيمن كفر به فِدْيَة ولا شفاعة، ولا ينقذ أحدا من عذابه منقذ، ولا يجيره منه أحد، كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجَارُ عَلَيْهِ﴾ [المؤمنون: ٨٨]. وقال ﴿فَيَوْمَئِذٍ لا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ * وَلا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ﴾ [الفجر: ٢٥، ٢٦]، وقال ﴿مَا لَكُمْ لا تَنَاصَرُونَ * بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ﴾ [الصافات: ٢٥، ٢٦]، وقال ﴿فَلَوْلا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ قُرْبَانًا آلِهَةً بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ﴾ الآية [الأحقاف: ٢٨]. وقال الضحاك عن ابن عباس في قوله: ﴿مَا لَكُمْ لا تَنَاصَرُونَ﴾ ما لكم اليوم لا تمانعون منا؟
QS 2:48 (jilid 1 hlm. 257) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 1 · hlm. 257 · #81143
بَانًا آلِهَةً بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ﴾ الآية [الأحقاف: ٢٨]. وقال الضحاك عن ابن عباس في قوله: ﴿مَا لَكُمْ لا تَنَاصَرُونَ﴾ ما لكم اليوم لا تمانعون منا؟ هيهات ليس ذلك لكم اليوم. قال ابن جرير: وتأويل قوله: (وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ) يعني: أنهم يومئذ لا ينصرهم ناصر، كما لا يشفع لهم شافع، ولا يقبل منهم عدل ولا فدية، بَطَلت هنالك المحاباة واضمحلت الرَّشى والشفاعات، وارتفع من القوم التعاون والتناصر، وصار الحكم إلى عدل الجبار الذي لا ينفع لديه الشفعاء والنصراء، فيجزي بالسيئة مثلها وبالحسنة أضعافها وذلك نظير قوله تعالى: ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ * مَا لَكُمْ لا تَنَاصَرُونَ * بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ﴾ [الصافات: ٢٤ - ٢٦]
QS 2:48 (jilid 1 hlm. 90) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 90 · #95986
قوله تعالى: ﴿وَلا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ﴾ الآية- ظاهر هذه الآية عدم قبول الشفاعة مطلقا يوم القيامة، ولكنه بين في مواضع أخر أن الشفاعة المنفية هي الشفاعة للكفار، والشفاعة لغيرهم بدون إذن رب السماوات والأرض. أما الشفاعة للمؤمنين بإذنه فهي ثابتة بالكتاب، والسنة، والإجماع، فنص على عدم الشفاعة للكفار بقوله: ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ وقد قال: ﴿وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْر﴾، وقال تعالى عنهم مقررا له: ﴿فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ (١٠٠)﴾ وقال: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ (٤٨)﴾ إلى غير ذلك من الآيات. وقال في الشفاعة بدون إذنه: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِه﴾ وقال: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى (٢٦)﴾. وقال: ﴿يَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلاً (١٠٩)﴾ إلى غير ذلك من الآيات.
QS 2:48 (jilid 1 hlm. 90) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 90 · #95987
ُ وَيَرْضَى (٢٦)﴾. وقال: ﴿يَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلاً (١٠٩)﴾ إلى غير ذلك من الآيات. وادعاء شفعاء عند الله للكفار أو بغير إذنه من أنواع الكفر به جل وعلا. كما صرح بذلك في قوله: ﴿وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (١٨)﴾. تنبيه: هذا الذي قررنا من أن الشفاعة للكفار مستحيلة شرعا مطلقا، يستثنى منه شفاعته ﷺ لعمه أبي طالب في نقله من محل من النار إلى محل آخر منها. كما ثبت عنه ﷺ في الصحيح فهذه الصورة التي ذكرنا من تخصيص الكتاب بالسنة. •
QS 2:48 (jilid 1 hlm. 484) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 484 · #109209
[سُورَة الْبَقَرَة (٢) : آيَة ٤٨] وَاتَّقُوا يَوْماً لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً وَلا يُقْبَلُ مِنْها شَفاعَةٌ وَلا يُؤْخَذُ مِنْها عَدْلٌ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ (٤٨) عَطَفَ التَّحْذِيرَ عَلَى التَّذْكِيرِ، فَإِنَّهُ لَمَّا ذَكَّرَهُمْ بِالنِّعْمَةِ وَخَاصَّةً تَفْضِيلُهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ فِي زَمَانِهِمْ وَكَانَ ذَلِكَ مَنْشَأَ غُرُورِهِمْ بِأَنَّهُ تَفْضِيلٌ ذَاتِيٌّ فَتَوَهَّمُوا أَنَّ التَّقْصِيرَ فِي الْعَمَلِ الصَّالِحِ لَا يَضُرُّهُمْ فَعَقَّبَ بِالتَّحْذِيرِ مِنْ ذَلِكَ. وَالْمُرَادُ بِالتَّقْوَى هُنَا مَعْنَاهَا الْمُتَعَارَفُ فِي اللُّغَةِ لَا الْمَعْنَى الشَّرْعِيُّ.
QS 2:48 (jilid 1 hlm. 484) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 484 · #109210
َضُرُّهُمْ فَعَقَّبَ بِالتَّحْذِيرِ مِنْ ذَلِكَ. وَالْمُرَادُ بِالتَّقْوَى هُنَا مَعْنَاهَا الْمُتَعَارَفُ فِي اللُّغَةِ لَا الْمَعْنَى الشَّرْعِيُّ. وَانْتِصَابُ يَوْماً عَلَى الْمَفْعُولِيَّةِ بِهِ وَلَيْسَ عَلَى الظَّرْفِيَّةِ وَلِذَلِكَ لَمْ يُقْرَأْ بِغَيْرِ التَّنْوِينِ. وَالْمُرَادُ بِاتِّقَائِهِ اتِّقَاؤُهُ مِنْ حَيْثُ مَا يَحْدُثُ فِيهِ مِنَ الْأَهْوَالِ وَالْعَذَابِ فَهُوَ مِنْ إِطْلَاقِ اسْمِ الزَّمَانِ عَلَى مَا يَقَعُ فِيهِ كَمَا تَقُولُ مَكَانٌ مَخُوفٌ. وتَجْزِي مُضَارِعُ جَزَى بِمَعْنَى قَضَى حَقًّا عَنْ غَيْرِهِ، وَهُوَ مُتَعَدٍّ بِعَنْ إِلَى أَحَدِ مَفْعُولَيْهِ فَيَكُونُ شَيْئاً مَفْعُولَهُ الْأَوَّلَ، وَيَجُوزُ أَيْضًا أَنْ يَكُونَ مَفْعُولًا مُطْلَقًا إِذَا أُرِيدَ شَيْئًا مِنَ الْجَزَاءِ وَيَكُونُ الْمَفْعُولُ مَحْذُوفًا.
QS 2:48 (jilid 1 hlm. 484) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 484 · #109211
ً مَفْعُولَهُ الْأَوَّلَ، وَيَجُوزُ أَيْضًا أَنْ يَكُونَ مَفْعُولًا مُطْلَقًا إِذَا أُرِيدَ شَيْئًا مِنَ الْجَزَاءِ وَيَكُونُ الْمَفْعُولُ مَحْذُوفًا. وَجُمْلَةُ: لَا تَجْزِي نَفْسٌ صِفَةٌ لِيَوْمًا وَكَانَ حَقُّ الْجُمْلَةِ إِذَا كَانَتْ خَبَرًا أَوْ صِفَةً أَوْ حَالًا أَوْ صِلَةً أَنْ تَشْتَمِلَ عَلَى ضَمِيرِ مَا أُجْرِيَتْ عَلَيْهِ، وَيَكْثُرُ حَذْفُهُ إِذَا كَانَ مَنْصُوبًا أَوْ ضَمِيرًا مَجْرُورًا فَيُحْذَفُ مَعَ جَارِّهِ وَلَا سِيَّمَا إِذَا كَانَ الْجَارُّ مَعْلُومًا لِكَوْنِ مُتَعَلِّقِهِ الَّذِي فِي الْجُمْلَةِ لَا يَتَعَدَّى إِلَّا بِجَارٍّ مُعَيَّنٍ كَمَا هُنَا تَقْدِيرُهُ فِيهِ وَإِنَّمَا جَازَ حَذْفُهُ لِأَنَّ الْمَحْذُوفَ فِيهِ مُتَعَيِّنٌ مِنَ الْكَلَامِ وَقَدْ يُحْذَفُ لِقَرِينَةٍ كَمَا فِي حَذْفِ ضَمِيرِ الْمَوْصُولِ إِذَا جُرَّ بِمَا جُرَّ بِهِ الْمَوْصُولُ.
QS 2:48 (jilid 1 hlm. 485) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 485 · #109212
ْذُوفَ فِيهِ مُتَعَيِّنٌ مِنَ الْكَلَامِ وَقَدْ يُحْذَفُ لِقَرِينَةٍ كَمَا فِي حَذْفِ ضَمِيرِ الْمَوْصُولِ إِذَا جُرَّ بِمَا جُرَّ بِهِ الْمَوْصُولُ. وَنَظِيرُ هَذَا الْحَذْفِ قَوْلُ الْعُرْيَانِ الْجَرْمِيِّ من جرم طَيء: فَقُلْتُ لَهَا لَا وَالَّذِي حَجَّ حَاتِمٌ ... أَخُونُكِ عَهْدًا إِنَّنِي غَيْرُ خَوَّانِ تَقْدِيرُهُ حَجَّ حَاتِمٌ إِلَيْهِ. وَتَنْكِيرُ النَّفْسِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ وَهُوَ فِي حَيِّزِ النَّفْيِ يُفِيدُ عُمُومَ النُّفُوسِ أَي لَا يُغني أحد كَائِنًا مَنْ كَانَ فَلَا تُغْنِي عَنِ الْكُفَّارِ آلِهَتُهُمْ وَلَا صُلَحَاؤُهُمْ عَلَى اخْتِلَافِ عَقَائِدِهِمْ فِي غَنَاءِ أُولَئِكَ عَنْهُمْ، فَالْمَقْصُودُ نَفْيُ غَنَائِهِمْ عَنْهُمْ بِأَنْ يَحُولُوا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ عِقَابِ اللَّهِ تَعَالَى، أَيْ نَفْيُ أَنْ يَجْزُوا عَنْهُمْ جَزَاءً يَمْنَعُ اللَّهَ عَنْ نَوَالِهِمْ بِسُوءٍ رَعْيًا لِأَوْلِيَائِهِمْ، فَالْمُرَادُ هُنَا الْغَنَاءُ بِحُرْمَةِ الشَّخْصِ وَتَوَقُّعُ غَضَبِهِ
QS 2:48 (jilid 1 hlm. 485) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 485 · #109213
ْ جَزَاءً يَمْنَعُ اللَّهَ عَنْ نَوَالِهِمْ بِسُوءٍ رَعْيًا لِأَوْلِيَائِهِمْ، فَالْمُرَادُ هُنَا الْغَنَاءُ بِحُرْمَةِ الشَّخْصِ وَتَوَقُّعُ غَضَبِهِ وَهُوَ غَنَاءُ كُفْءِ الْعَدُوِّ الَّذِي يَخَافُهُ الْعَدُوُّ عَلَى مَا هُوَ مَعْرُوفٌ عِنْدَ الْأُمَمِ يَوْمَئِذٍ مِنَ اتِّقَائِهِمْ بَطْشَ مَوْلَى أَعْدَائِهِمْ وَإِحْجَامِهِمْ عَمَّا يُوجِبُ غَضَبَهُ تَقِيَّةً مِنْ مَكْرِهِ أَوْ ضُرِّهِ أَوْ حِرْمَانِ نَفعه قَالَ السموأل: وَمَا ضَرَّنَا أَنَّا قَلِيلٌ وَجَارُنَا ... عَزِيزٌ وَجَارُ الْأَكْثَرِينَ ذَلِيلُ وَقَالَ الْعَنْبَرِيُّ: لَوْ كُنْتُ مِنْ مَازِنٍ لَمْ تَسْتَبِحْ إِبِلِي ...
QS 2:48 (jilid 1 hlm. 485) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 485 · #109214
نَا أَنَّا قَلِيلٌ وَجَارُنَا ... عَزِيزٌ وَجَارُ الْأَكْثَرِينَ ذَلِيلُ وَقَالَ الْعَنْبَرِيُّ: لَوْ كُنْتُ مِنْ مَازِنٍ لَمْ تَسْتَبِحْ إِبِلِي ... بَنُو الشَّقِيقَةِ مِنْ ذهل بن شَيبَان وَبِهَذَا يَتَبَيَّنُ أَنَّ مَفَادَ قَوْلِهِ: لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً مُغَايِرٌ لِمَفَادِ مَا ذُكِرَ بَعْدَهُ بِقَوْلِهِ: وَلا يُقْبَلُ مِنْها شَفاعَةٌ إِلَخْ فَقَوْلُهُ: لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً، هُوَ بِمَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى: يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ [الانفطار: ١٩] .
QS 2:48 (jilid 1 hlm. 485) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 485 · #109215
ْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً، هُوَ بِمَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى: يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ [الانفطار: ١٩] . وَقَوْلُهُ: وَلا يُقْبَلُ مِنْها شَفاعَةٌ وَلا يُؤْخَذُ مِنْها عَدْلٌ الضَّمِيرَانِ عَائِدَانِ لِلنَّفْسِ الثَّانِيَةِ الْمَجْرُورَةِ بِعْنَ أَيْ لَا يُقْبَلُ مِنْ نَفْسٍ شَفَاعَةٌ تَأْتِي بِهَا وَلَا عَدْلٌ تَعْتَاضُ بِهِ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ الْأَصْلِيَّ إِبْطَالُ عَقِيدَةٍ تُنَصِّلُ الْمُجْرِمَ مِنْ عِقَابِ اللَّهِ مَا لَمْ يَشَأِ اللَّهُ لِيَكُونَ الضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ: وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ رَاجِعًا إِلَى مَرْجِعِ الضَّمِيرَيْنِ قَبْلِهِ. وَهَذَا التَّأْيِيسُ يَسْتَتْبِعُ تَحْقِيرَ مَنْ تَوَهَّمَهُمُ الْكَفَرَةُ شُفَعَاءَ وَإِبْطَالَ مَا زَعَمُوهُ مُغْنِيًا عَنْهُمْ مِنْ غَضَبِ اللَّهِ مِنْ قَرَابِينَ قَرَّبُوهَا وَمُجَادَلَاتٍ أَعَدُّوهَا وَقَالُوا: هؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ [يُونُس: ١٨] .
QS 2:48 (jilid 1 hlm. 486) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 486 · #109216
نِيًا عَنْهُمْ مِنْ غَضَبِ اللَّهِ مِنْ قَرَابِينَ قَرَّبُوهَا وَمُجَادَلَاتٍ أَعَدُّوهَا وَقَالُوا: هؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ [يُونُس: ١٨] . يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجادِلُ عَنْ نَفْسِها [النَّحْل: ١١١] . وَمِنَ الْمُفَسِّرِينَ مَنْ فَسَّرَ قَوْلَهُ: لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً بِمَا يَعُمُّ الْإِجْزَاءَ فَجَعَلَ مَا هُوَ مَذْكُورٌ بَعْدَهُ مِنْ عَطْفِ الْخَاص على الْعَالم وَلِذَلِكَ قَالَ الشَّيْخُ ابْنُ عَطِيَّةَ: «حَصَرَتْ هَذِهِ الْآيَةُ الْمَعَانِيَ الَّتِي اعْتَادَ بِهَا بَنُو آدَمَ فِي الدُّنْيَا فَإِنَّ الْوَاقِعَ فِي شِدَّةٍ لَا يَتَخَلَّصُ إِلَّا بِأَنْ يُشْفَعَ لَهُ أَوْ يُفْتَدَى أَوْ يُنْصَرَ» اهـ وَأَلْغَى جَمْعُهَا لِحَالَةِ أَنْ يَتَجَنَّبَ النَّاسُ إِيقَاعَهُ فِي شِدَّةٍ اتِّقَاءً لِمَوَالِيهِ، وَمَا فَسَّرْنَا بِهِ أَرْشَقُ.
QS 2:48 (jilid 1 hlm. 486) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 486 · #109217
يُنْصَرَ» اهـ وَأَلْغَى جَمْعُهَا لِحَالَةِ أَنْ يَتَجَنَّبَ النَّاسُ إِيقَاعَهُ فِي شِدَّةٍ اتِّقَاءً لِمَوَالِيهِ، وَمَا فَسَّرْنَا بِهِ أَرْشَقُ. وَقَدْ جُمِعَ كَلَامُ شُيُوخِ بَنِي أَسَدٍ مَعَ امْرِئِ الْقَيْسِ حِينَ كَلَّمُوهُ فِي دم أَبِيه حجر فَقَالُوا: فَأَحْمَدُ الْحَالَاتِ فِي ذَلِكَ أَنْ تَعْرِفَ الْوَاجِبَ عَلَيْكَ فِي إِحْدَى خِلَالٍ ثَلَاثٍ: إِمَّا إِنِ اخْتَرْتَ مِنْ بَنِي أَسَدٍ أَشْرَفَهَا بَيْتًا فَقُدْنَاهُ إِلَيْكَ بِنِسْعَةٍ تَذْهَبُ مَعَ شَفَرَاتِ حُسَامِكَ بِبَاقِي قَصْرَتِهِ، أَوْ فِدَاءً بِمَا يَرُوحُ عَلَى بَنِي أَسَدٍ مِنْ نِعَمِهَا فَهِيَ أُلُوفٌ، وَإِمَّا وَادَعْتَنَا إِلَى أَنْ تَضَعَ الْحَوَامِلُ فَتُسْدَلَ الْأُزُرُ وَتُعْقَدَ الْخُمُرُ فَوْقَ الرَّايَاتِ» اهـ.
QS 2:48 (jilid 1 hlm. 486) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 486 · #109218
مِنْ نِعَمِهَا فَهِيَ أُلُوفٌ، وَإِمَّا وَادَعْتَنَا إِلَى أَنْ تَضَعَ الْحَوَامِلُ فَتُسْدَلَ الْأُزُرُ وَتُعْقَدَ الْخُمُرُ فَوْقَ الرَّايَاتِ» اهـ. وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ (وَلَا يُقْبَلُ) بِيَاءٍ تَحْتِيَّةٍ يَاءُ الْمُضَارِعِ الْمُسْنَدِ إِلَى مُذَكَّرٍ لِمُنَاسَبَةِ قَوْلِهِ بَعْدَهُ: وَلا يُؤْخَذُ مِنْها عَدْلٌ، وَيَجُوزُ فِي كُلِّ مُؤَنَّثِ اللَّفْظِ غَيْرِ حَقِيقِيِّ التَّأْنِيثِ أَنْ يُعَامَلَ مُعَامَلَةَ الْمُذَكَّرِ لِأَنَّ صِيغَةَ التَّذْكِيرِ هِيَ الْأَصْلُ فِي الْكَلَامِ فَلَا تَحْتَاجُ إِلَى سَبَبٍ، وَقَرَأَهُ ابْنُ كَثِيرٍ وَأَبُو عَمْرٍو وَيَعْقُوبُ بِمُثَنَّاةٍ فَوْقِيَّةٍ رَعْيًا لِتَأْنِيثِ لَفْظِ (شَفَاعَةٍ) . وَالشَّفَاعَةُ: السَّعْيُ وَالْوَسَاطَةُ فِي حُصُولِ نَفْعٍ أَوْ دَفْعِ ضُرٍّ سَوَاءٌ كَانَتِ الْوَسَاطَةُ بِطَلَبٍ مِنَ الْمُنْتَفِعِ بِهَا أَمْ كَانَتْ بِمُجَرَّدِ سَعْيِ الْمُتَوَسِّطِ وَيُقَالُ لِطَالِبِ الشَّفَاعَةِ مُسْتَشْفِعٌ.
QS 2:48 (jilid 1 hlm. 486) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 486 · #109219
كَانَتِ الْوَسَاطَةُ بِطَلَبٍ مِنَ الْمُنْتَفِعِ بِهَا أَمْ كَانَتْ بِمُجَرَّدِ سَعْيِ الْمُتَوَسِّطِ وَيُقَالُ لِطَالِبِ الشَّفَاعَةِ مُسْتَشْفِعٌ. وَهِيَ مُشْتَقَّةٌ مِنَ الشَّفْعِ لِأَنَّ الطَّالِبَ أَوِ التَّائِبَ يَأْتِي وَحْدَهُ فَإِذَا لَمْ يَجِدْ قَبُولًا ذَهَبَ فَأَتَى بِمَنْ يَتَوَسَّلُ بِهِ فَصَارَ ذَلِكَ الثَّانِي شَافِعًا لِلْأَوَّلِ أَيْ مَصِيرُهُ شَفْعًا. وَالْعَدْلُ- بِفَتْحِ الْعَيْنِ- الْعِوَضُ وَالْفِدَاءُ، سُمِّيَ بِالْمَصْدَرِ لِأَنَّ الْفَادِيَ يَعْدِلُ الْمَفْدِيَّ بِمِثْلِهِ فِي الْقِيمَةِ أَوِ الْعَيْنِ وَيُسَوِّيهِ بِهِ، يُقَالُ عَدَلَ كَذَا بِكَذَا أَيْ سَوَّاهُ بِهِ. وَالنَّصْرُ هُوَ إِعَانَةُ الْخَصْمِ فِي الْحَرْبِ وَغَيْرِهِ بِقُوَّةِ النَّاصِرِ وَغَلَبَتِهِ.
QS 2:48 (jilid 1 hlm. 486) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 486 · #109220
هِ، يُقَالُ عَدَلَ كَذَا بِكَذَا أَيْ سَوَّاهُ بِهِ. وَالنَّصْرُ هُوَ إِعَانَةُ الْخَصْمِ فِي الْحَرْبِ وَغَيْرِهِ بِقُوَّةِ النَّاصِرِ وَغَلَبَتِهِ. وَإِنَّمَا قُدِّمَ الْمُسْنَدُ إِلَيْهِ لِزِيَادَةِ التَّأْكِيدِ الْمُفِيدِ أَنَّ انْتِفَاءَ نَصْرِهِمْ مُحَقَّقٌ زِيَادَةً عَلَى مَا اسْتُفِيدَ مِنْ نَفْيِ الْفِعْلِ مَعَ إِسْنَادِهِ لِلْمَجْهُولِ كَمَا أَشَرْنَا إِلَيْهِ آنِفًا. وَقَدْ كَانَتِ الْيَهُودُ تَتَوَهَّمُ أَوْ تَعْتَقِدُ أَنَّ نِسْبَتَهُمْ إِلَى الْأَنْبِيَاءِ وَكَرَامَةَ أَجْدَادِهِمْ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى مِمَّا يَجْعَلُهُمْ فِي أَمْنٍ مِنْ عِقَابِهِ عَلَى الْعِصْيَانِ وَالتَّمَرُّدِ كَمَا هُوَ شَأْنُ الْأُمَمِ فِي إِبَّانِ جَهَالَتِهَا وَانْحِطَاطِهَا وَقد أَشَارَ لذَلِك قَوْلُهُ تَعَالَى: وَقالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصارى نَحْنُ أَبْناءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ [الْمَائِدَة: ١٨] .
QS 2:48 (jilid 1 hlm. 487) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 487 · #109221
قَوْلُهُ تَعَالَى: وَقالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصارى نَحْنُ أَبْناءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ [الْمَائِدَة: ١٨] . وَقَدْ تَمَسَّكَ الْمُعْتَزِلَةُ بِهَذِهِ الْآيَةِ لِلِاحْتِجَاجِ لِقَوْلِهِمْ بِنَفْيِ الشَّفَاعَةِ فِي أَهْلِ الْكَبَائِرِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لِعُمُومِ (نَفْسٍ) فِي سِيَاقِ النَّفْيِ الْمُقْتَضِي أَنَّ كُلَّ نَفْسٍ لَا يقبل مِنْهَا شَفَاعَة وَهُوَ عُمُومٌ لَمْ يَرِدْ مَا يُخَصِّصُهُ عِنْدَهُمْ.
QS 2:48 (jilid 1 hlm. 487) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 487 · #109222
مُومِ (نَفْسٍ) فِي سِيَاقِ النَّفْيِ الْمُقْتَضِي أَنَّ كُلَّ نَفْسٍ لَا يقبل مِنْهَا شَفَاعَة وَهُوَ عُمُومٌ لَمْ يَرِدْ مَا يُخَصِّصُهُ عِنْدَهُمْ. وَالْمَسْأَلَةُ فِيهَا خِلَافٌ بَيْنَ الْمُعْتَزِلَةِ وَأَصْحَابِ الْأَشْعَرِيِّ. وَاتَّفَقَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى ثُبُوتِ الشَّفَاعَةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لِلطَّائِعِينَ وَالتَّائِبِينَ لِرَفْعِ الدَّرَجَاتِ، لم يَخْتَلِفْ فِي ذَلِكَ الْأَشَاعِرَةُ وَالْمُعْتَزِلَةُ فَهَذَا اتِّفَاقٌ عَلَى تَخْصِيصِ الْعُمُومِ ابْتِدَاءً، وَالْخِلَافُ فِي الشَّفَاعَةِ لِأَهْلِ الْكَبَائِرِ فَعِنْدَنَا تَقَعُ الشَّفَاعَةُ لَهُم فِي حط السَّيِّئَاتِ وَقْتَ الْحِسَابِ أَوْ بَعْدَ دُخُولِ جَهَنَّمَ لِمَا اشْتُهِرَ مِنَ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ فِي ذَلِك كَقَوْلِه ﷺ: «لكل نبيء دَعْوَةٌ مُسْتَجَابَةٌ وَقَدِ ادَّخَرْتُ دَعْوَتِي شَفَاعَةً لِأُمَّتِي» وَغَيْرَ ذَلِكَ.
QS 2:48 (jilid 1 hlm. 487) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 487 · #109223
الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ فِي ذَلِك كَقَوْلِه ﷺ: «لكل نبيء دَعْوَةٌ مُسْتَجَابَةٌ وَقَدِ ادَّخَرْتُ دَعْوَتِي شَفَاعَةً لِأُمَّتِي» وَغَيْرَ ذَلِكَ. قَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ الْبَاقِلَّانِيُّ: إِنَّ الْأَحَادِيثَ فِي ذَلِكَ بَلَغَتْ مَبْلَغَ التَّوَاتُرِ الْمَعْنَوِيِّ كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ الْقُرْطُبِيُّ فِي نَقْلِ كَلَامِهِ. وَعِنْدَ الْمُعْتَزِلَةِ لَا شَفَاعَةَ لِأَهْلِ الْكَبَائِرِ لِوُجُوهٍ مِنْهَا الْآيَاتُ الدَّالَّةُ عَلَى عَدَمِ نَفْعِ الشَّفَاعَةِ كَهَاتِهِ الْآيَةِ، وَقَوْلِهِ: فَما تَنْفَعُهُمْ شَفاعَةُ الشَّافِعِينَ [المدثر: ٤٨] . مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفاعَةٌ [الْبَقَرَة: ٢٥٤] مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ [غَافِر: ١٨] قَالُوا وَالْمَعْصِيَةُ ظُلْمٌ.
QS 2:48 (jilid 1 hlm. 487) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 487 · #109224
ا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفاعَةٌ [الْبَقَرَة: ٢٥٤] مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ [غَافِر: ١٨] قَالُوا وَالْمَعْصِيَةُ ظُلْمٌ. وَمِنْهَا قَوْلُهُ تَعَالَى: وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضى [الْأَنْبِيَاء: ٢٨] وَصَاحِبُ الْكَبِيرَةِ لَيْسَ بِمُرْتَضًى، وَمِنْهَا قَوْلُهُ: فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا [غَافِر: ٧] . وَالْجَوَابُ عَنِ الْجَمِيعِ أَنَّ مَحَلَّ ذَلِكَ كُلِّهِ فِي الْكَافِرِينَ جَمْعًا بَيْنَ الْأَدِلَّةِ وَأَنَّ قَوْلَهُ: لِمَنِ ارْتَضى يَدُلُّ عَلَى أَنَّ هُنَالِكَ إِذْنًا فِي الشَّفَاعَةِ كَمَا قَالَ: إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ [سبأ: ٢٣] وَإِلَّا لَكَانَ الْإِسْلَامُ مَعَ ارْتِكَابِ بَعْضِ الْمَعَاصِي مُسَاوِيًا لِلْكُفْرِ وَهَذَا لَا تَرْضَى بِهِ حِكْمَةُ اللَّهِ وَأَمَّا قَوْلُهُ: فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا فَدُعَاءٌ لَا شَفَاعَةٌ.
QS 2:48 (jilid 1 hlm. 487) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 487 · #109225
ضِ الْمَعَاصِي مُسَاوِيًا لِلْكُفْرِ وَهَذَا لَا تَرْضَى بِهِ حِكْمَةُ اللَّهِ وَأَمَّا قَوْلُهُ: فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا فَدُعَاءٌ لَا شَفَاعَةٌ. وَالظَّاهِرُ أَنِ الَّذِي دَعَا الْمُعْتَزِلَةَ إِلَى إِنْكَارِ الشَّفَاعَةِ مُنَافَاتُهَا لِخُلُودِ صَاحِبِ الْكَبِيرَةِ فِي الْعَذَابِ الَّذِي هُوَ مَذْهَبُ جُمْهُورِهِمُ الَّذِينَ فَسَّرُوا قَوْلَ وَاصِلِ بْنِ عَطَاءٍ بِالْمَنْزِلَةِ بَيْنَ الْمَنْزِلَتَيْنِ بِمَعْنَى إِعْطَاءِ الْعَاصِي حُكْمَ الْمُسْلِمِ فِي الدُّنْيَا وَحُكْمَ الْكَافِرِ فِي الْآخِرَةِ وَلَا شَكَّ أَنَّ الشَّفَاعَةَ تُنَافِي هَذَا الْأَصْلَ، فَمَا تَمَسَّكُوا مِنَ الْآيَاتِ إِنَّمَا هُوَ لِقَصْدِ التَّأْبِيدِ وَمُقَابَلَةِ أَدِلَّةِ أهل السّنة أَمْثَالهَا.
QS 2:48 (jilid 1 hlm. 487) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 487 · #109226
فَاعَةَ تُنَافِي هَذَا الْأَصْلَ، فَمَا تَمَسَّكُوا مِنَ الْآيَاتِ إِنَّمَا هُوَ لِقَصْدِ التَّأْبِيدِ وَمُقَابَلَةِ أَدِلَّةِ أهل السّنة أَمْثَالهَا. وَلَمْ نَرَ جَوَابَهُمْ عَنْ حَدِيثِ الشَّفَاعَةِ، وَأَحْسَبُ أَنَّهُمْ يُجِيبُونَ عَنْهُ بِأَنَّ أَخْبَارَ الْآحَادِ لَا تَنْقُضُ أُصُولَ الدِّينِ وَلِذَلِكَ احْتَاجَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ إِلَى الِاسْتِدْلَالِ بِالتَّوَاتُرِ الْمَعْنَوِيِّ. وَالْحَقُّ أَنَّ الْمَسْأَلَةَ أَعْلَقُ بِالْفُرُوعِ مِنْهَا بِالْأُصُولِ لِأَنَّهَا لَا تَتَعَلَّقُ بِذَاتِ اللَّهِ وَلَا بِصِفَاتِهِ وَلَوْ جَارَيْنَاهُمْ فِي الْقَوْلِ بِوُجُوبِ إِثَابَةِ الْمُطِيعِ وَتَعْذِيبِ الْعَاصِي، فَإِنَّ الْحِكْمَةَ تَظْهَرُ بِدُونِ الْخُلُودِ وَبِحُصُولِ الشَّفَاعَةِ بَعْدَ الْمُكْثِ فِي الْعَذَابِ، فَلَمَّا لَمْ نَجِدْ فِي إِثْبَاتِ الشَّفَاعَةِ مَا يَنْقُضُ أُصُولَهُمْ فَنَحْنُ نقُول لَهُم: لم يبْق إِلَّا أَنَّ هَذَا حُكْمٌ شَرْعِيٌّ فِي تَقْدِير تَعْذِيب صَاحِبِ
QS 2:48 (jilid 1 hlm. 488) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 488 · #109227
دْ فِي إِثْبَاتِ الشَّفَاعَةِ مَا يَنْقُضُ أُصُولَهُمْ فَنَحْنُ نقُول لَهُم: لم يبْق إِلَّا أَنَّ هَذَا حُكْمٌ شَرْعِيٌّ فِي تَقْدِير تَعْذِيب صَاحِبِ الْكَبِيرَةِ غَيْرِ التَّائِبِ وَهُوَ يَتَلَقَّى مِنْ قِبَلِ الشَّارِعِ وَعَلَيْهِ فَيَكُونُ تَحْدِيدُ الْعَذَابِ بِمُدَّةٍ مُعَيَّنَةٍ أَوْ إِلَى حُصُولِ عَفْوِ اللَّهِ أَوْ مَعَ الشَّفَاعَةِ، وَلَعَلَّ الشَّفَاعَةَ تَحْصُلُ عِنْدَ إِرَادَةِ اللَّهِ تَعَالَى إِنْهَاءَ مُدَّةِ التَّعْذِيبِ. وَبَعْدُ فَمِنْ حَقِّ الْحِكْمَةِ أَنْ لَا يَسْتَوِي الْكَافِرُونَ وَالْعُصَاةُ فِي مُدَّةِ الْعَذَابِ وَلَا فِي مِقْدَارِهِ، فَهَذِهِ قَوْلَةٌ ضَعِيفَةٌ مِنْ أَقْوَالِهِمْ حَتَّى عَلَى مُرَاعَاةِ أُصُولِهِمْ، وَقَدْ حَكَى الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ الْبَاقِلَّانِيُّ إِجْمَاعَ الْأُمَّةِ قَبْلَ حُدُوثِ الْبِدَعِ عَلَى ثُبُوتِ الشَّفَاعَةِ فِي الْآخِرَةِ، وَهُوَ حق فقد قَالَ سَوَادُ بْنُ قَارِبٍ يُخَاطِبُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ:
QS 2:48 (jilid 1 hlm. 488) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 488 · #109228
َ الْأُمَّةِ قَبْلَ حُدُوثِ الْبِدَعِ عَلَى ثُبُوتِ الشَّفَاعَةِ فِي الْآخِرَةِ، وَهُوَ حق فقد قَالَ سَوَادُ بْنُ قَارِبٍ يُخَاطِبُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ: فَكُنْ لِي شَفِيعًا يَوْمَ لَا ذُو شَفَاعَةٍ ... بِمُغْنٍ فَتِيلًا عَنْ سَوَادِ بْنِ قَارِبٍ وَأَمَّا الشَّفَاعَةُ الْكُبْرَى الْعَامَّةُ لِجَمِيعِ أَهْلِ مَوْقِفِ الْحِسَابِ الْوَارِدِ فِيهَا الْحَدِيثُ الصَّحِيحُ الْمَشْهُورُ فَإِنَّ أُصُولَ الْمُعْتَزِلَةِ لَا تَأْبَاهَا. وَقَوْلُهُ: وَلا يُؤْخَذُ مِنْها عَدْلٌ وَالْعَدْلُ- بِفَتْحِ الْعَيْنِ- يُطْلَقُ عَلَى الشَّيْءِ الْمُسَاوِي شَيْئًا وَالْمُمَاثِلِ لَهُ وَلِذَلِكَ جُعِلَ مَا يُفْتَدَى بِهِ عَنْ شَيْءٍ عَدْلًا وَهُوَ الْمُرَادُ هُنَا كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: أَوْ عَدْلُ ذلِكَ صِياماً [الْمَائِدَة: ٩٥] فَالْمَعْنَى: وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا مَا تَفْتَدِي بِهِ عِوَضًا عَنْ جُرْمِهَا.
QS 2:48 (jilid 1 hlm. 488) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 488 · #109229
مَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: أَوْ عَدْلُ ذلِكَ صِياماً [الْمَائِدَة: ٩٥] فَالْمَعْنَى: وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا مَا تَفْتَدِي بِهِ عِوَضًا عَنْ جُرْمِهَا. وَالنَّصْرُ هُوَ إِعَانَةُ الْعَدُوِّ عَلَى عَدُوِّهِ وَمُحَارِبِهِ إِمَّا بِالدِّفَاعِ مَعَهُ أَوِ الْهُجُومِ مَعَهُ فَهُوَ فِي الْعُرْفِ مُرَادٌ مِنْهُ الدِّفَاعُ بِالْقُوَّةِ الذَّاتِيَّةِ وَأَمَّا إِطْلَاقُهُ عَلَى الدِّفَاعِ بِالْحُجَّةِ نَحْوَ مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللَّهِ [آل عمرَان: ٥٢] وَعَلَى التَّشَيُّعِ وَالِاتِّبَاعِ نَحْوَ إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ [مُحَمَّد: ٧] فَهُوَ اسْتِعَارَة.

Ayat yang dirujuk di sini

Potongan tafsir di atas mengutip ayat-ayat berikut (dideteksi dengan aturan teks ﴿…﴾, bukan model bahasa).

QS 37:25QS 23:88QS 37:26QS 5:36QS 21:47QS 31:33QS 46:28QS 57:15