القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾.
قال أبو جعفرٍ: وإذ كان تأويلُ قولِ اللهِ جلَّ ثناؤُه: ﴿ذَهَبَ اللهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ﴾ هو ما وصَفْنا من أن ذلك خبرٌ من اللهِ جلَّ ثناؤُه عمَّا هو فاعلٌ بالمنافقين في الآخرةِ، عندَ هَتْكِ أستارِهم، وإظهارِه فضائحَ أسرارِهم، وسلبِه ضياءَ أنوارِهم، من تركِهم في ظُلَمِ أهوالِ يومِ القيامةِ يتردَّدون، وفي حنادسِها لا يُبْصِرون، فبَيِّنٌ أن قولَه جلَّ ثناؤُه: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾ من المؤخَّرِ الذي معناه التقديمُ، وأن معنى الكلامِ: أولئك الذين اشترَوُا الضلالةَ بالهدَى، فما رَبِحت تجارتُهم وما كانوا مُهْتدين، صُمٌّ بُكْمٌ عميٌ فهم لا يَرْجِعون، مثَلُهم كمثَلِ الذي اسْتوقَد نارًا، فلما أضاءَت ما حَوْلَه ذهب اللهُ بنورِهم وترَكهم في ظُلُماتٍ لا يُبْصِرون، أوْ كمثَلِ صيِّبٍ من السماءِ.
وإذ كان ذلك معنى الكلامِ، فمعلومٌ أنَّ قولَه: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾ يأتِيه الرفعُ
رِهم وترَكهم في ظُلُماتٍ لا يُبْصِرون، أوْ كمثَلِ صيِّبٍ من السماءِ.
وإذ كان ذلك معنى الكلامِ، فمعلومٌ أنَّ قولَه: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾ يأتِيه الرفعُ
من وجهين، والنصبُ من وجهين: فأما أحدُ وجهي الرفعِ: فعلى الاستئنافِ لما فيه من الذمِّ، وقد تفعَلُ العربُ ذلك في المدحِ والذمِّ، فتنصِبُ وترفَعُ وإن كان خبرًا عن معرفةٍ، كما قال الشاعر:
لا يَبْعَدَنْ قَوْمِي الَّذين هُمُ … سَمُّ العُداةِ وآفةُ الجُزْرِ
النازِلينَ بكُلِّ مُعْتَرَكٍ … والطَّيبِين مَعاقِدَ الأُزْرِ
فيُرْوَى: "النازلون" و "النازِلين"، وكذلك "الطيِّبون" و "الطيِّبين"، على ما وصَفْتُ من المدحِ.
والوجهُ الآخرُ: على نيَّة التكريرِ من: ﴿أُولَئِكَ﴾.
رِ
فيُرْوَى: "النازلون" و "النازِلين"، وكذلك "الطيِّبون" و "الطيِّبين"، على ما وصَفْتُ من المدحِ.
والوجهُ الآخرُ: على نيَّة التكريرِ من: ﴿أُولَئِكَ﴾. فيكونُ المعنى حينَئذٍ: أولئك الذين اشْتَرُوا الضلالةَ بالهدَى، فما رَبِحت تجارتُهم وما كانوا مهتدين، أولئك صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فهم لا يرجِعون.
وأما أحدُ وجهي النصبِ: فأن يكون قطعَا مما في: ﴿مُهْتَدِينَ﴾ من ذكرِ ﴿أُولَئِكَ﴾، لأن الذي فيه من ذكرِهم معرفةٌ، والصمُّ نكرةٌ.
والآخرُ: أن يكونَ قطعًا من: ﴿الَّذِينَ﴾ لأنَّ ﴿الَّذِينَ﴾ معرفةٌ، والصمُّ نكرةٌ. وقد يجوزُ النصبُ فيه أيضًا على وجهِ الذمِّ، فيكونُ ذلك وجهًا من النصبِ ثالثًا.
فأمَّا على تأويلِ ما رَوَينا عن ابنِ عباسٍ من غيرِ وجهِ روايةِ عليِّ بنِ أبي طلحةَ عنه، فإنه لا يجوزُ فيه الرفعُ إلا من وجهٍ واحدٍ، وهو الاستئنافُ. وأما النصبُ فقد
يجوزُ فيه من وجهين: أحدُهما، الذمُّ. والآخرُ، القطعُ من الهاءِ والميمِ اللتين في ﴿وَتَرَكَهُمْ﴾، أو من ذكرِهم في ﴿لَا يُبْصِرُونَ﴾.
. وأما النصبُ فقد
يجوزُ فيه من وجهين: أحدُهما، الذمُّ. والآخرُ، القطعُ من الهاءِ والميمِ اللتين في ﴿وَتَرَكَهُمْ﴾، أو من ذكرِهم في ﴿لَا يُبْصِرُونَ﴾. وقد بيَّنا القولَ الذي هو أوْلَى بالصوابِ في تأويلِ ذلك.
والقراءةُ التي هي القراءةُ، الرفعُ دونَ النصبِ؛ لأنه ليس لأحدٍ خلافُ رسومِ مصاحفِ المسلمين، وإذا قرِئ نصبًا كانت قراءةً مخالفةً رسمَ مصاحِفِهم.
قال أبو جعفرٍ: وهذا خبر من اللهِ جلَّ ثناؤُه عن المنافقين، أنهم باشترائِهم الضلالةَ بالهدى لم يكونوا للهدَى والحقِّ مُهْتدين، بل هم صُمٌّ عنهما فلا يسمَعونهما؛ لغلبةِ خِذلانِ اللهِ عليهم، بُكْمٌ عن القيلِ بهما، فلا ينطِقون بهما - والبُكْمُ الخُرْسُ، وهو جِماعُ أبكمَ - عُمْيٌ عن أن يُبْصِروهما فيعقِلوهما؛ لأنَّ اللهَ قد طبَع على قلوبِهم بنفاقِهم فلا يَهْتَدون.
وبمثلِ ما قلنا في ذلك قالت علماءُ أهلِ التأويل.
ذكرُ من قال ذلك
عن أن يُبْصِروهما فيعقِلوهما؛ لأنَّ اللهَ قد طبَع على قلوبِهم بنفاقِهم فلا يَهْتَدون.
وبمثلِ ما قلنا في ذلك قالت علماءُ أهلِ التأويل.
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثنا محمدُ بنُ حميدٍ، قال: حدَّثنا سَلمةُ، عن محمدِ بنِ إسحاقَ، عن محمدِ بنِ أبي محمدٍ مولى زيدِ بنِ ثابتٍ، عن عكرمةَ، أو عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾: عن الخيرِ.
حدَّثني المُثَنَّى، قال: حدَّثنا عبدُ اللهِ بن صالحٍ، قال: حدَّثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليِّ بنِ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾.
.
حدَّثني المُثَنَّى، قال: حدَّثنا عبدُ اللهِ بن صالحٍ، قال: حدَّثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليِّ بنِ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾. يقولُ: لا يسمَعون الهدى، ولا يُبْصِرونه، ولا يعقِلونه.
حدَّثني موسى، قال: حدَّثنا عمرٌو، قال: حدَّثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ في خبرٍ ذكَره عن أبي مالكٍ، وعن أبي صالحٍ، عن ابنِ عباسٍ، وعن مُرَّةَ، عن ابنِ مسعودٍ، وعن ناسٍ من أصحابِ النبيِّ ﷺ: ﴿بُكْمٌ﴾: هم الخُرْسُ.
حدَّثنا بشرٌ، قال: حدَّثنا يزيدُ، قال: حدَّثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾: صُمٌّ عن الحقِّ فلا يسمَعونه، عُمْيٌ عن الحقِّ فلا يُبصِرونه، بُكْمٌ عن الحقِّ فلا ينطِقون به.
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ (١٨)﴾.
قال أبو جعفرٍ: وقولُه: ﴿فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾. إخبارٌ من اللهِ جلَّ ثناؤُه عن هؤلاء المنافقين الذين نعَتهم اللهُ باشترائِهم الضلالةَ بالهدَى، وصَمَمِهم عن سماعِ الخيرِ والحقِّ، وبَكَمِهمْ عن القيلِ بهما، وعَماهم عن إبصارِهما - أنهم لا يَرْجِعون إلى
الإقلاعِ عن ضلالتِهم، ولا يثوبون إلى الإنابةِ من نفاقِهم، فآيَس المؤمنين من أن يُبْصِرَ هؤلاء رُشْدَا، ويقولوا حقًّا، أو يسمَعوا داعيًا إلى الهدَى، أو أن يذَّكَّروا فيتوبوا من ضلالتِهم، كما آيَس من توبةِ قادةِ كفارِ أهلِ الكتابِ والمشركين وأحبارِهم، الذين وصَفهم بأنه قد ختَم على قلوبهم وعلى سمِعهم، وغشَّى على أبصارِهم.
وبمثلِ الذي قلنا في تأويلِ ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: حدَّثنا يزيدُ، قال: حدَّثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾ أي: لا يتوبون ولا يذَّكَّرون.
أهلُ التأويلِ.
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: حدَّثنا يزيدُ، قال: حدَّثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾ أي: لا يتوبون ولا يذَّكَّرون.
حدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: حدَّثنا عمرُو بنُ حمّادٍ، قال: حدَّثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ في خبرٍ ذكَره عن أبي مالكٍ، وعن أبي صالحٍ، عن ابنِ عباسٍ، وعن مُرَّةَ، عن ابنِ مسعودٍ، وعن ناسٍ من أصحابِ النبيِّ ﷺ: ﴿فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾: إلى الإسلامِ.
وقد رُوِي عن ابنِ عباسٍ قولٌ يُخالِفُ معناه معنى هذا الخبرِ، وهو ما حدَّثنا به ابنُ حُميدٍ، قال: حدَّثنا سلمةُ، عن محمدِ بنِ إسحاقَ، عن محمدِ بنِ أبي محمدٍ
مولى زيدِ بنِ ثابتٍ، عن عكرمةَ، أو عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾ أي: فلا يَرْجِعونَ إلى الهدَى، ولا إلى خيرٍ، ولا يُصيبون نجاةً، ما كانوا على ما هم عليه.
عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾ أي: فلا يَرْجِعونَ إلى الهدَى، ولا إلى خيرٍ، ولا يُصيبون نجاةً، ما كانوا على ما هم عليه.
وهذا تأويلٌ ظاهرُ التلاوةِ بخلافِه، وذلك أن اللهَ جلَّ ثناؤُه أخْبَر عن القومِ أنهم لا يَرْجِعون عن اشترائِهم الضلالةَ بالهدى، إلى ابتغاءِ الهدى وإبصارِ الحقِّ، من غيرِ حصرٍ منه جلَّ ذكرُه ذلك من حالِهم على وقتٍ دونَ وقتٍ، وحالٍ دونَ حالٍ. وهذا الخبرُ الذي ذكَرناه عن ابنِ عباسٍ يُنبِئُ عن أن ذلك من صفتِهم محصورٌ على وقتٍ، وهو ما كانوا على أمرِهم مُقيمين، وأن لهم السبيلَ إلى الرجوعِ عنه، وذلك من التأويلِ دعوَى باطلةٌ لا دلالةَ عليها من ظاهرٍ، ولا من خبرٍ تقومُ بمثلِه الحجةُ فيُسَلَّم لها.
﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لا يُبْصِرُونَ (١٧) صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ (١٨)﴾
[يقال: مثل ومثل ومثيل -أيضا-والجمع أمثال، قال الله تعالى: ﴿وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلا الْعَالِمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٣].
وتقرير هذا المثل: أن الله سبحانه، شبَّههم في اشترائهم الضلالة بالهدى، وصيرورتهم بعد التبصرة إلى العمى، بمن استوقد نارًا، فلما أضاءت ما حوله وانتفع بها وأبصر بها ما عن يمينه وشماله، وتَأنَّس بها فبينا هو كذلك إذْ طفئت ناره، وصار في ظلام شديد، لا يبصر ولا يهتدي، وهو مع ذلك أصم لا يسمع، أبكم لا ينطق، أعمى لو كان ضياء لما أبصر؛ فلهذا لا يرجع إلى ما كان عليه قبل ذلك، فكذلك هؤلاء المنافقون في استبدالهم الضلالة عوضًا عن الهدى، واستحبابهم الغَيّ على الرّشَد.
و كان ضياء لما أبصر؛ فلهذا لا يرجع إلى ما كان عليه قبل ذلك، فكذلك هؤلاء المنافقون في استبدالهم الضلالة عوضًا عن الهدى، واستحبابهم الغَيّ على الرّشَد. وفي هذا المثل دلالة على أنهم آمنوا ثم كفروا، كما أخبر عنهم تعالى في غير هذا الموضع، والله أعلم.
وقد حكى هذا الذي قلناه فخر الدين الرازي في تفسيره عن السدي ثم قال: والتشبيه هاهنا في غاية الصحة؛ لأنهم بإيمانهم اكتسبوا أولا نورا ثم بنفاقهم ثانيًا أبطلوا ذلك النور فوقعوا في حيرة عظيمة فإنه لا حيرة أعظم من حيرة الدين.
وزعم ابن جرير أن المضروب لهم المثل هاهنا لم يؤمنوا في وقت من الأوقات، واحتج بقوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٨].
والصواب: أن هذا إخبار عنهم في حال نفاقهم وكفرهم، وهذا لا ينفي أنه كان حصل لهم إيمان قبل ذلك، ثم سُلبوه وطبع على قلوبهم، ولم يستحضر ابن جرير، ﵀، هذه الآية هاهنا وهي
ذا إخبار عنهم في حال نفاقهم وكفرهم، وهذا لا ينفي أنه كان حصل لهم إيمان قبل ذلك، ثم سُلبوه وطبع على قلوبهم، ولم يستحضر ابن جرير، ﵀، هذه الآية هاهنا وهي
قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ﴾ [المنافقون: ٣]؛ فلهذا وجه [ابن جرير] هذا المثل بأنهم استضاؤوا بما أظهروه من كلمة الإيمان، أي في الدنيا، ثم أعقبهم ظلمات يوم القيامة.
قال: وصح ضرب مثل الجماعة بالواحد، كما قال: ﴿رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ﴾ [الأحزاب: ١٩] أي: كدوران عيني الذي يغشى عليه من الموت، وقال تعالى: ﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ [لقمان: ٢٨] وقال تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾ [الجمعة: ٥]، وقال بعضهم: تقدير الكلام: مثل قصتهم كقصة الذي استوقد نارا. وقال بعضهم: المستوقد واحد لجماعة معه.
َمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾ [الجمعة: ٥]، وقال بعضهم: تقدير الكلام: مثل قصتهم كقصة الذي استوقد نارا. وقال بعضهم: المستوقد واحد لجماعة معه. وقال آخرون: الذي هاهنا بمعنى الذين كما قال الشاعر:
وإن الذي حانت بفلج دماؤهم … هم القوم كل القوم يا أم خالد
قلت: وقد التفت في أثناء المثل من الواحد إلى الجمع، في قوله تعالى: (فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لا يُبْصِرُونَ * صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ) وهذا أفصح في الكلام، وأبلغ في النظام، وقوله تعالى: (ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ) أي: ذهب عنهم ما ينفعهم، وهو النور، وأبقى لهم ما يضرهم، وهو الإحراق والدخان (وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ) وهو ما هم فيه من الشك والكفر والنفاق، (لا يُبْصِرُونَ) لا يهتدون إلى سبل خير ولا يعرفونها، وهم مع ذلك (صُمٌّ) لا يسمعون خيرا (بُكْمٌ) لا يتكلمون بما ينفعهم (عُمْيٌ) في ضلالة وعماية البصيرة، كما قال تعالى: ﴿فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ
، وهم مع ذلك (صُمٌّ) لا يسمعون خيرا (بُكْمٌ) لا يتكلمون بما ينفعهم (عُمْيٌ) في ضلالة وعماية البصيرة، كما قال تعالى: ﴿فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج: ٤٦] فلهذا لا يرجعون إلى ما كانوا عليه من الهداية التي باعوها بالضلالة.
ذكر أقوال المفسرين من السلف بنحو ما ذكرناه:
قال السدي في تفسيره، عن أبي مالك وعن أبي صالح، عن ابن عباس، وعن مرّة، عن ابن مسعود، وعن ناس من الصحابة، في قوله تعالى: (فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ) زعم أن ناسًا دخلوا في الإسلام مَقْدَم نبيّ الله ﷺ المدينة، ثم إنهم نافقوا، فكان مثلهم كمثل رجُل كان في ظلمة، فأوقد نارًا، فأضاءت ما حوله من قذى، أو أذى، فأبصره حتى عرف ما يتقي منه فبينا هو كذلك إذ طفئت ناره، فأقبل لا يدري ما يتقي من أذى، فكذلك المنافق: كان في ظلمة الشرك فأسلم، فعرف الحلال والحرام، و [عرف] الخير والشر، فبينا هو كذلك إذ كفر، فصار لا يعرف الحلال من
الحرام، ولا الخير من الشر.
لك المنافق: كان في ظلمة الشرك فأسلم، فعرف الحلال والحرام، و [عرف] الخير والشر، فبينا هو كذلك إذ كفر، فصار لا يعرف الحلال من
الحرام، ولا الخير من الشر.
وقال مجاهد: (فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ) أما إضاءة النار فإقبالهم إلى المؤمنين، والهدى.
وقال عطاء الخرساني في قوله: (مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا) قال: هذا مثل المنافق، يبصر أحيانًا ويعرف أحيانًا، ثم يدركه عمى القلب.
وقال ابن أبي حاتم: وروي عن عكرمة، والحسن والسدي، والرّبيع بن أنس نحو قول عطاء الخرساني.
وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، في قوله تعالى: (مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا) إلى آخر الآية، قال: هذه صفة المنافقين.
عطاء الخرساني.
وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، في قوله تعالى: (مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا) إلى آخر الآية، قال: هذه صفة المنافقين. كانوا قد آمنوا حتى أضاء الإيمان في قلوبهم، كما أضاءت النار لهؤلاء الذين استوقدوا ثم كفروا فذهب الله بنورهم فانتزعه، كما ذهب بضوء هذه النار فتركهم في ظلمات لا يبصرون.
وقال العوفي، عن ابن عباس، في هذه الآية، قال: أما النور: فهو إيمانهم الذي كانوا يتكلمون به، وأمَّا الظلمة: فهي ضلالتهم وكفرهم الذي كانوا يتكلمون به، وهم قوم كانوا على هدى، ثمّ نزع منهم، فعتوا بعد ذلك.
وأما قول ابن جرير فيشبه ما رواه علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله تعالى: (مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا) قال: هذا مثل ضربه الله للمنافقين أنهم كانوا يعتزون بالإسلام، فيناكحهم المسلمون ويوارثونهم ويقاسمونهم الفيء، فلما ماتوا سلبهم الله ذلك العِزّ، كما سُلِب صاحب النار ضَوءه.
لله للمنافقين أنهم كانوا يعتزون بالإسلام، فيناكحهم المسلمون ويوارثونهم ويقاسمونهم الفيء، فلما ماتوا سلبهم الله ذلك العِزّ، كما سُلِب صاحب النار ضَوءه.
وقال أبو جعفر الرازي، عن الرّبيع بن أنس، عن أبي العالية: (مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا) فإنما ضوء النار ما أوقدتها، فإذا خمدت ذهب نورها، وكذلك المنافق، كلما تكلم بكلمة الإخلاص، بلا إله إلا الله، أضاء له، فإذا شك وقع في الظلمة.
وقال الضحاك [في قوله] (ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ) أما نورهم فهو إيمانهم الذي تكلموا به.
وقال عبد الرزاق، عن مَعْمَر، عن قتادة: (مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ) فهي لا إله إلا الله؛ أضاءت لهم فأكلوا بها وشربوا وأمنوا في الدنيا، ونكحوا النساء، وحقنوا دماءهم، حتى إذا ماتوا ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات لا يبصرون.
لا إله إلا الله؛ أضاءت لهم فأكلوا بها وشربوا وأمنوا في الدنيا، ونكحوا النساء، وحقنوا دماءهم، حتى إذا ماتوا ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات لا يبصرون.
وقال سعيد، عن قتادة في هذه الآية: إن المعنى: أن المنافق تكلم بلا إله إلا الله فأضاءت له الدنيا، فناكح بها المسلمين، وغازاهم بها، ووارثهم بها، وحقن بها دمه وماله، فلما كان عند الموت،
سلبها المنافق؛ لأنه لم يكن لها أصل في قلبه، ولا حقيقة في عمله.
(وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ) قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: (وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ) يقول: في عذاب إذا ماتوا.
وقال محمد بن إسحاق، عن محمد بن أبي محمد، عن عِكْرِمة، أو سعيد بن جبير، عن ابن عباس: (وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ) أي يبصرون الحق ويقولون به، حتى إذا خرجوا من ظلمة الكفر أطفؤوه بكفرهم ونفاقهم فيه، فتركهم الله في ظلمات الكفر، فهم لا يبصرون هدى، ولا يستقيمون على حق.
وقال السدي في تفسيره بسنده: (وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ) فكانت الظلمة نفاقهم.
فيه، فتركهم الله في ظلمات الكفر، فهم لا يبصرون هدى، ولا يستقيمون على حق.
وقال السدي في تفسيره بسنده: (وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ) فكانت الظلمة نفاقهم.
وقال الحسن البصري: (وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لا يُبْصِرُونَ) فذلك حين يموت المنافق، فيظلم عليه عمله عمل السوء، فلا يجد له عملا من خير عمل به يصدق به قول: لا إله إلا الله.
(صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ) قال السدي بسنده: (صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ) فهم خرس عمي.
وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: (صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ) يقول: لا يسمعون الهدى ولا يبصرونه ولا يعقلونه، وكذا قال أبو العالية، وقتادة بن دعامة.
(فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ) قال ابن عباس: أي لا يرجعون إلى هدى، وكذلك قال الرّبيع بن أنس.
وقال السدي بسنده: (صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ) إلى الإسلام.
وقال قتادة: (فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ) أي لا يتوبون ولا هم يذكرون.
قوله تعالى: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾ الآية، ظاهر هذه الآية أن
المنافقين متصفون بالصمم، والبكم، والعمى، ولكنه تعالى بين في موضع آخر أن معنى صممهم، وبكمهم، وعماهم، هو عدم انتفاعهم بأسماعهم، وقلوبهم، وأبصارهم، وذلك في قوله جل وعلا: ﴿وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعاً وَأَبْصَاراً وَأَفْئِدَةً فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلا أَبْصَارُهُمْ وَلا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٢٦)﴾.
•