Atau seperti (orang yang ditimpa) hujan lebat dari langit, yang disertai kegelapan, petir dan kilat. Mereka menyumbat telinga dengan jari-jarinya, (menghindari) suara petir itu karena takut mati. Allah meliputi orang-orang yang kafir
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى ذكرُه: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ﴾.
قال أبو جعفرٍ: والصيِّبُ الفَيْعِلُ، من قولِك: صاب المطرُ يصوبُ صَوْبًا. إذا انحدَر ونزَل، كما قال الشاعرُ:
فَلسْتَ لإِنْسِيٍّ ولكنْ لمَلْأكٍ … تَنَزَّلَ من جوِّ السماءِ يَصوبُ
وكما قال علقمةُ بنُ عَبَدةَ:
كأنَّهُمُ صابتْ عليهم سَحَابةٌ … صواعِقُها لطَيْرِهنَّ دَبيبُ
فلا تَعْدِلي بَيْني وبينَ مُغَمَّرٍ … سُقِيتِ رَوَايا المُزْنِ حينَ تَصوبُ
يعني: حينَ تنحدِرُ.
وهو في الأصلِ صَيْوِبٌ، ولكنَّ الواوَ لمّا سبَقتها ياءٌ ساكنةٌ، صُيِّرتا جميعًا ياءً مشددةً، كما قيل: سيِّدٌ، من سادَ يسودُ، وجيِّدٌ، من جاد يجودُ.
.
وهو في الأصلِ صَيْوِبٌ، ولكنَّ الواوَ لمّا سبَقتها ياءٌ ساكنةٌ، صُيِّرتا جميعًا ياءً مشددةً، كما قيل: سيِّدٌ، من سادَ يسودُ، وجيِّدٌ، من جاد يجودُ. وكذلك تفعَلُ العربُ بالواوِ إذا كانت متحرِّكةً وقبلَها ياءٌ ساكنةٌ، تصيِّرُهما جميعًا ياءً مشددةً.
وبما قلنا من القولِ في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ إسماعيلَ الأَحْمَسيُّ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عُبيدٍ، قال:
حدَّثنا هارونُ بنُ عنترةَ، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ في قوله: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ﴾ قال: القَطْرُ.
حدَّثني عباسُ بنُ محمدٍ، قال: حدَّثنا حجاجٌ، قال: قال ابنُ جُريج: قال لي عطاءٌ: الصيِّبُ المطرُ.
حدَّثني المُثَنَّى، قال: حدَّثنا أبو صالحٍ، قال: حدَّثني معاويةُ بنُ صالح، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ، قال: الصيِّبُ المطرُ.
ل لي عطاءٌ: الصيِّبُ المطرُ.
حدَّثني المُثَنَّى، قال: حدَّثنا أبو صالحٍ، قال: حدَّثني معاويةُ بنُ صالح، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ، قال: الصيِّبُ المطرُ.
حدَّثني موسى، قال: حدَّثنا عمرٌو، قال: حدَّثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ في خبرٍ ذكَره عن أبي مالكٍ، وعن أبي صالحٍ، عن ابنِ عباسٍ، وعن مُرَّةَ، عن ابنِ مسعودٍ، وعن ناسٍ من أصحابِ النبيِّ ﷺ: الصيِّبُ المطرُ.
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: حدَّثني أبي، قال: حدَّثني عمي، قال: حدثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ مثلَه.
حدَّثنا بشرٌ، قال: حدَّثنا يزيدُ، قال: حدَّثنا سعيدٌ، عن قتادَةَ: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ﴾.
، قال: حدَّثني عمي، قال: حدثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ مثلَه.
حدَّثنا بشرٌ، قال: حدَّثنا يزيدُ، قال: حدَّثنا سعيدٌ، عن قتادَةَ: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ﴾. يقولُ: المطرُ (٢).
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبَرنا عبدُ الرزَّاقِ، قال: أخْبرنا معمرٌ، عن قتادةَ مثلَه.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو الباهليُّ وعمرُو بنُ عليٍّ، قالا: حدَّثنا أبو عاصمٍ، قال: حدَّثنا عيسى بنُ ميمونٍ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: الصيِّبُ المطرُ.
حدَّثني المُثَنَّى قال: حدَّثنا أبو حُذيفةَ، قال: حدَّثنا شِبلٌ، عن ابنِ أبي نَجِيحٍ، عن مجاهدٍ: الصيِّبُ المطرُ.
حدَّثني المُثَنَّى، قال: حدَّثنا إسحاقُ، قال: حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرَّبيعِ بنِ أنسٍ: الصيِّبُ المطرُ.
حُدِّثت عن المِنْجابِ، قال: حدَّثنا بشرُ بنُ عُمارةَ، عن أبي رَوْقٍ، عن الضحَّاكِ، عن ابنِ عباسٍ، قال: الصيِّبُ المطرُ.
يعِ بنِ أنسٍ: الصيِّبُ المطرُ.
حُدِّثت عن المِنْجابِ، قال: حدَّثنا بشرُ بنُ عُمارةَ، عن أبي رَوْقٍ، عن الضحَّاكِ، عن ابنِ عباسٍ، قال: الصيِّبُ المطرُ.
حدَّثني يونسُ، قال: أخْبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال عبدُ الرحمنِ بنُ زيدٍ: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ﴾ قال: أو كغَيثٍ من السماءِ.
حدَّثنا سَوَّارُ بنُ عبدِ اللهِ العَنْبَرِيُّ، قال: قال سفيانُ: الصيِّبُ الذي فيه المطرُ.
حدَّثنا عمرُو بنُ عليٍّ، قال: حدَّثنا أبو معاويةَ، قال: حدَّثنا ابنُ جُريج، عن عطاءٍ في قولِه: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ﴾ قال: المطرُ.
قال أبو جعفرٍ: وتأويلُ ذلك: مثَلُ استضاءةِ المنافقين بضوءِ إقرارِهم بالإسلامِ، مع استسرارِهم الكفرَ، مثَلُ اسْتِضاءَةِ موقدِ نارٍ بضوءِ نارِه، على ما وصَف جلَّ ثناؤُه من صفتِه، أو كمثَلِ مطرٍ مُظلمٍ، وَدْقُه تَحَدَّرَ من السماءِ، تحمِلُه مُزنةٌ ظلماءُ، في ليلةٍ مُظلمةٍ، وذلك هو الظلُماتُ التي أخْبَر اللهُ جلَّ ثناؤُه أنها فيه.
و كمثَلِ مطرٍ مُظلمٍ، وَدْقُه تَحَدَّرَ من السماءِ، تحمِلُه مُزنةٌ ظلماءُ، في ليلةٍ مُظلمةٍ، وذلك هو الظلُماتُ التي أخْبَر اللهُ جلَّ ثناؤُه أنها فيه.
فإن قال لنا قائلٌ: أخْبِرْنا عن هذين المثَلين، أهما مثَلان للمنافقين، أو أحدُهما؟ فإن يكونا مثَلين للمنافقين، فكيف قيل: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ﴾ و"أو" تأتي بمعنى الشكِّ في الكلامِ، ولم يقلْ: وكصيِّبٍ. بالواوِ التي تُلحِقُ المثلَ الثانيَ بالمثلِ الأولِ؟ أو يكونَ مثلُ القومِ أحدَهما، فما وجهُ ذكرِ الآخرِ بـ ﴿أَوْ﴾ وقد علمتَ أن "أو" إذا كانت في الكلامِ، فإنما تدخُلُ فيه على وجهِ الشكِّ من المخبِرِ فيما أخْبَرَ عنه، كقولِ القائلِ: لقِيَني أخوك أو أبوك.
بـ ﴿أَوْ﴾ وقد علمتَ أن "أو" إذا كانت في الكلامِ، فإنما تدخُلُ فيه على وجهِ الشكِّ من المخبِرِ فيما أخْبَرَ عنه، كقولِ القائلِ: لقِيَني أخوك أو أبوك. وإنما لقِيَه أحدُهما، ولكنه جهِل عينَ الذي لقِيَه منهما، مع علمِه أن أحدَهما قد لقِيَه، وغيرُ جائزٍ في اللهِ جلَّ ثناؤُه أن يُضافَ إليه الشكُّ في شيْءٍ، أو عُزوبُ علمِ شيْءٍ عنه فيما أخْبَر أو ترَك الخبرَ عنه.
قيل له: إن الأمرَ في ذلك بخلافِ الذي ذهبتَ إليه، و"أو" وإن كانت في بعضِ الكلامِ تأتي بمعنى الشكِّ، فإنها قد تأتي دالَّةً على مثلِ ما تدلُّ عليه الواوُ، إما بسابقٍ من الكلامِ قبلَها، وإما بما يأتي بعدَها، كقولِ توبةَ بنِ
الحُمَيِّرِ:
وقد زعَمتْ ليلى بأنِّيَ فاجرٌ … لنفسي تُقَاها أو عليها فُجورُها
ومعلومٌ أن ذلك من توبةَ على غيرِ وجهِ الشكِّ فيما قال، ولكن لما كانت "أو" في هذا الموضعِ دالَّةً على مثلِ الذي كانت تدلُّ عليه الواوُ لو كانت مكانَها، وضَعها موضِعَها.
توبةَ على غيرِ وجهِ الشكِّ فيما قال، ولكن لما كانت "أو" في هذا الموضعِ دالَّةً على مثلِ الذي كانت تدلُّ عليه الواوُ لو كانت مكانَها، وضَعها موضِعَها. وكذلك قولُ جريرٍ:
نال الخِلافَة أو كانتْ له قَدَرًا … كما أتى ربَّه موسى على قَدَرِ
وكما قال الآخرُ:
فلو كان البكاءُ يردُّ شيئًا … بَكَيْتُ عَلَى بُجَيْرٍ أو عِفاقِ
[على المَرْأَيْن] إذْ مَضَيَا جَميعًا … لشأنِهما بحُزْنٍ واشْتِياقِ
فقد دلَّ بقولِه: على المَرْأَيْنِ. أن بكاءَه الذي أراد أن يَبكيَه لم يُرِدْ أن يقصِدَ به أحدَهما دونَ الآخرِ، بل أراد أن يَبكِيَهما جميعًا. فكذلك ذلك في قولِ اللهِ جلَّ ثناؤُه: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ﴾. لمّا كان معلومًا أن ﴿أَوْ﴾ دالَّةٌ [في ذلك على مثلِ الذي كانت تدلُّ عليه الواوُ لو] كانت مكانَها، كان سواءً نطق فيه بـ "أو" أو بالواوِ. وكذلك وجهُ حذفِ المثَلِ من قولِه: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ﴾ لمّا كان قولُه: ﴿كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾ دالًّا على أن معناه: كمثلِ صيِّبٍ.
ا﴾.
قال أبو جعفر: فأما الظلماتُ فجمعٌ، واحدُها ظلمةٌ.
وأما الرعدُ، فإن أهلَ العلمِ اختلَفوا فيه؛ فقال بعضُهم: هو ملَكٌ يزجُرُ السحابَ.
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثنا محمدُ بنُ المُثَنَّى، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: حدَّثنا شعبةُ، عن الحَكَمِ، عن مجاهدٍ، قال: الرعدُ ملَكٌ يزجُرُ السحابَ بصوتِه.
وحدَّثنا محمدُ بنُ المُثَنَّى، قال: حدَّثنا ابنُ أبي عديٍّ، عن شعبةَ، عن الحَكَمِ، عن مجاهدٍ مثلَه.
حدَّثني يحيى بنُ طلحةَ اليَرْبُوعيُّ، قال: حدَّثنا فُضيلُ بنُ عِياضٍ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
وحدَّثني يعقوبُ، قال: حدَّثنا هُشيمٌ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بنُ سالمٍ، عن أبي صالحٍ، قال: الرعدُ ملَكٌ مِن الملائكةِ يُسبِّحُ.
ليثٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
وحدَّثني يعقوبُ، قال: حدَّثنا هُشيمٌ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بنُ سالمٍ، عن أبي صالحٍ، قال: الرعدُ ملَكٌ مِن الملائكةِ يُسبِّحُ.
وحدَّثني نصرُ بنُ عبدِ الرحمنِ الأَوْديُّ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ يعلى، عن أبي الخطَّابِ البصريِّ، عن شهرِ بنِ حَوْشبٍ، قال: الرعدُ ملَكٌ مُوَكَّلٌ بالسحابِ، يسوقُه كما يسوقُ الحادِي الإبلَ، يسبِّحُ، كلَّما خالفت سحابةٌ سَحَابةً صاح بها، فإذا اشتدَّ غضَبُه طارت النارُ من فِيه، فهي الصواعقُ التي رأيتُم.
وحُدِّثت عن المِنْجابِ بنِ الحارثِ، قال: حدَّثنا بشرُ بنُ عُمارةَ، عن أبي رَوْقٍ،
عن الضّحّاكِ، عن ابنِ عباسٍ، قال: الرعدُ ملَكٌ من الملائكةِ اسمُه الرعدُ، وهو الذي تسمَعون صوتَه.
حدثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: حدَّثنا أبو أحمدَ، قال: حدَّثنا عبدُ الملكِ بنُ حُسينٍ، عن السُّدِّيِّ، عن أبي مالكٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: الرعدُ ملَكٌ يزجُرُ السحابَ بالتسبيحِ والتكبيرِ.
ثنا أبو أحمدَ، قال: حدَّثنا عبدُ الملكِ بنُ حُسينٍ، عن السُّدِّيِّ، عن أبي مالكٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: الرعدُ ملَكٌ يزجُرُ السحابَ بالتسبيحِ والتكبيرِ.
حدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ، قال: حدَّثنا عليُّ بنُ عاصمٍ، عن ابن جُريجٍ، عن مجاهدٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: الرعدُ اسمُ ملَكٍ، وصوتُه هذا تسبيحُه، فإدْا اشتدّ زجرُه السحابَ، اضطَرب السحابُ واحْتَكَّ، فتخرُجُ الصواعقُ مِن بيْنِه.
حدَّثنا الحسنُ، قال: حدَّثنا عفانُ، قال: حدَّثنا أبو عوانةَ، عن موسى البزازِ، عن شهرِ بنِ حوشبٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: الرعدُ ملَكٌ يسوقُ السحابَ
بالتسبيحِ، كما يسوقُ الحادِي الإبلَ بحُدائِه.
حدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ، قال: حدَّثنا يحيى بنُ عبَّادٍ وشَبَابةُ، قالا: حدَّثنا شعبةُ، عن الحَكَمِ، عن مجاهدٍ، قال: الرعدُ ملَكٌ يزجُرُ السحابَ.
حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: حدَّثنا أبو أحمدَ، قال: حدَّثنا عتَّابُ بنُ زيادٍ، عن عكرمةَ، قال: الرعدُ ملَكٌ في السماءِ يجمَعُ السحابَ كما يجمَعُ الراعي الإبلَ.
ُ بنُ إسحاقَ، قال: حدَّثنا أبو أحمدَ، قال: حدَّثنا عتَّابُ بنُ زيادٍ، عن عكرمةَ، قال: الرعدُ ملَكٌ في السماءِ يجمَعُ السحابَ كما يجمَعُ الراعي الإبلَ.
حدَّثنا بشرٌ، قال: حدَّثنا يزيدُ، قال: حدَّثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: الرعدُ خَلْقٌ من خَلْقِ اللهِ سامعٌ مُطيعٌ للهِ.
حدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا حسينٌ، قال: حدَّثني حجاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ، عن عكرمةَ، قال: الرعدُ ملَكٌ يُؤمَرُ بإزجاءِ السحابِ، ويؤلِّفُ بينَه، فذلك الصوتُ تسبيحُه.
حدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثني حجاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ، عن مجاهدٍ، قال: الرعدُ ملَكٌ.
حدَّثنا المُثَنَّى، قال: حدَّثنا الحجاجُ بنُ المِنْهالِ، قال: حدَّثنا حمادُ بنُ سَلَمةَ، عن المغيرةِ بنِ سالمٍ، عن أبيه اُو غيرِه، أن عليَّ بنَ أبي طالبٍ قال: الرعدُ ملَكٌ.
حدَّثنا المُثَنَّى، قال: حدَّثنا الحجاجُ، قال: حدَّثنا حمادٌ، قال: أخْبَرنا موسى ابنُ سالمٍ أبو جَهْضَمٍ مولى ابنِ عباسٍ، قال: كتَب ابنُ عباسٍ إلى أبي الجَلْدِ يَسألُه عن الرعدِ؟
ثنا الحجاجُ، قال: حدَّثنا حمادٌ، قال: أخْبَرنا موسى ابنُ سالمٍ أبو جَهْضَمٍ مولى ابنِ عباسٍ، قال: كتَب ابنُ عباسٍ إلى أبي الجَلْدِ يَسألُه عن الرعدِ؟ فقال: الرعدُ ملَكٌ.
حدَّثنا المُثَنَّى، فال: حدَّثنا مسلمُ بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا عمرُ بنُ الوليدِ الشَّنيُّ، عن عكرمةَ، قال: الرعدُ ملَكٌ يسوقُ السحابَ كما يسوقُ الراعِي الإبلَ.
حدَّثني سعدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ عبدِ الحَكَمِ، قال: حدَّثنا حفصُ بنُ عمرَ، قال: حدَّثنا الحَكمُ بنُ أبانٍ، عن عكرمةَ، قال: كان ابنُ عباسٍ إذا سمِع الرعدَ قال: سبحانَ الذي سبَّحتَ له.
بدِ الحَكَمِ، قال: حدَّثنا حفصُ بنُ عمرَ، قال: حدَّثنا الحَكمُ بنُ أبانٍ، عن عكرمةَ، قال: كان ابنُ عباسٍ إذا سمِع الرعدَ قال: سبحانَ الذي سبَّحتَ له. قال: وكان يقولُ: الرعدُ ملَكٌ ينعِقُ بالغيثِ، كما ينعِقُ الراعي بغنمِه.
وقال آخرون: الرعدُ ريحٌ تختَنقُ تحتَ السحابِ فتصّاعدُ، فيكونُ منه ذلك الصوتُ.
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: حدَّثنا أبو أحمدَ الزُّبيريُّ، قال: حدَّثنا بشيرٌ أبو إسماعيلَ، عن أبي كَثيرٍ، قال: كنتُ عندَ أبي الجَلْدِ، إذ جاءه رسولُ ابنِ عباسٍ بكتابٍ إليه، فكتَب إليه: كتبتَ إليّ تسألُني عن الرعدِ، فالرعدُ الريحُ.
حدَّثني إبراهيمُ بنُ عبدِ اللهِ، قال: حدَّثنا عمرانُ بنُ ميسرةَ، قال: حدَّثنا ابنُ إدريسَ، عن الحسنِ بنِ الفراتِ، عن أبيه، قال: كتَب ابنُ عباسٍ إلى أبي الجَلْدِ (٤) يسألُه عن الرعدِ، فقال: الرعدُ ريحٌ.
ُ بنُ ميسرةَ، قال: حدَّثنا ابنُ إدريسَ، عن الحسنِ بنِ الفراتِ، عن أبيه، قال: كتَب ابنُ عباسٍ إلى أبي الجَلْدِ (٤) يسألُه عن الرعدِ، فقال: الرعدُ ريحٌ.
قال أبو جعفرٍ: فإن كان الرعدُ ما ذكَره ابنُ عباسٍ ومجاهدٌ، فمعنَى الآية: أو كصيِّبٍ من السماءِ فيه ظلماتٌ وصوتُ رعدٍ؛ لأن الرعدَ إن كان ملَكًا يسوقُ السحابَ، فغيرُ كائنٍ في الصيِّبِ؛ لأن الصَّيِّبَ إنما هو ما تحدَّر من صَوْبِ السحابِ، والرعدُ إنما هو في جوِّ السماءِ يسوقُ السحابَ. على أنه لو كان فيه
ثَمَّ، لم يكنْ له صوتٌ مسموعٌ، لم يكنْ هنالك رعبٌ يُرْعَب به أحدٌ؛ لأنه قد قيل: إن مع كلِّ قطرةٍ من قَطْرِ المطرِ ملَكًا. فلا يَعْدُو الملَكُ الذي اسمُه الرعدُ لو كان مع الصيِّبِ، إذا لم يكنْ مسموعًا صوتُه - أن يكونَ كبعضِ تلك الملائكةِ التي تنزلُ مع القَطْرِ إلى الأرضِ، في ألا رُعبَ على أحدٍ بكونِه فيه. فقد عُلِم - إذ كان الأمرُ كما وصَفْنا من قولِ ابنِ عباسٍ - أن معنَى الآيةِ: أو كمثَلِ غيْثٍ تحدَّر من السماءِ فيه ظلماتٌ وصوتُ رعدٍ.
أحدٍ بكونِه فيه. فقد عُلِم - إذ كان الأمرُ كما وصَفْنا من قولِ ابنِ عباسٍ - أن معنَى الآيةِ: أو كمثَلِ غيْثٍ تحدَّر من السماءِ فيه ظلماتٌ وصوتُ رعدٍ. إن كان الرعدُ هو ما قاله ابنُ عباسٍ، وأنه اسْتَغْنَى بدَلالةِ ذكرِ الرعدِ باسمِه على المرادِ في الكلامِ من ذكرِ صوتِه، وإن كان الرعدُ ما قاله أبو الجلدِ، فلا شيْءَ في قولِه: ﴿فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ﴾. متروكٌ؛ لأن معنى الكلامِ حينَئذٍ: فيه ظلماتٌ ورعدٌ، الذي هو ما وصَفْنا صفتَه.
وأما البرقُ، فإن أهلَ العلمِ اخْتَلفوا فيه؛ فقال بعضُهم بما حدَّثنا مطرُ بنُ محمدٍ الضبِّيُّ، قال: حدَّثنا أبو عاصمٍ، وحدَّثنا محمدُ بنُ بشّارٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الرحمنِ ابنُ مهديٍّ، وحدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ الأهْوازيُّ، قال: حدَّثني أبو أحمدَ الزُّبيريُّ، قالوا جميعًا: حدَّثنا سفيانُ الثوريُّ، عن سَلَمةَ بنِ كُهيلٍ، عن سعيدِ بنِ أشْوعَ، عن ربيعةَ بنِ الأَبْيَضِ، عن عليٍّ، قال: البرقُ مخاريقُ الملائكةِ.
قالوا جميعًا: حدَّثنا سفيانُ الثوريُّ، عن سَلَمةَ بنِ كُهيلٍ، عن سعيدِ بنِ أشْوعَ، عن ربيعةَ بنِ الأَبْيَضِ، عن عليٍّ، قال: البرقُ مخاريقُ الملائكةِ.
حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: حدَّثنا أبو أحمدَ، قال: حدَّثنا عبدُ الملكِ بنُ حسينٍ، عن السُّديِّ، عن أبي مالكٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: البرقُ مخاريقُ بأيدي الملائكةِ يزْجُرون بها السحابَ.
حدَّثني المُثَنَّى، قال: حدَّثنا الحجاجُ، قال: حدَّثنا حمادٌ، عن المغيرةِ بنِ سالمٍ، عن أبيه أو غيرِه، أن عليَّ بنَ أبي طالبٍ قال: الرعدُ الملَكُ، والبرقُ ضربُه السحابَ بمِخْراقٍ من حديدٍ.
وقال آخرون: هو سَوُطٌ من نورٍ، يزجُرُ به الملكُ السحابَ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حُدِّثت عن المِنْجابِ بنِ الحارثِ، قال: حدَّثنا بشرُ بنُ عُمارةَ، عن أبي رَوْقٍ، عن الضحَّاكِ، عن ابنِ عباسٍ بذلك.
وقال آخرون: هو ماءٌ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: حدَّثنا أبو أحمدَ، قال: حدَّثنا بشيرٌ أبو إسماعيلَ، عن أبي كَثيرٍ، قال: كنتُ عند أبي الجَلْدِ، إذ جاءه رسولُ ابنِ
ل ذلك
حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: حدَّثنا أبو أحمدَ، قال: حدَّثنا بشيرٌ أبو إسماعيلَ، عن أبي كَثيرٍ، قال: كنتُ عند أبي الجَلْدِ، إذ جاءه رسولُ ابنِ
عباسٍ بكتابٍ إليه، [فكتَب إليه]: كَتَبْتَ إليّ تسألُني عن البرقِ، فالبرقُ الماءُ.
حدَّثنا إبراهيمُ بنُ عبدِ اللهِ، قال: حدَّثنا عِمرانُ بنُ ميْسرةَ، قال: حدَّثنا ابنُ إدريسَ، عن الحسنِ بنِ الفراتِ، عن أبيه، قال: كتَب ابنُ عباسٍ إلى أبي الجلدِ يسألُه عن البرقِ، فقال: البرقُ ماءٌ.
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: حدَّثنا جَريرٌ، عن عطاءٍ، عن رجلٍ من أهلِ البصرةِ من قُرَّائِهم، قال: كتَب ابنُ عباسٍ إلى أبي الجَلْدِ - رجلٍ مِن أهلِ هَجَرَ - يسألُه عن البرقِ، فكتَب إليه: كتَبتَ إليَّ تسألُني عن البرقِ، وإنه من الماءِ.
وقال آخرون: هو مَصْعُ ملَكٍ.
حدَّثنا محمدُ بنُ بشَّارٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الرحمنِ بنُ مهديٍّ، قال: حدَّثنا سفيانُ، عن عثمانَ بنِ الأسودِ، عن مجاهدٍ، قال: البرقُ مَصْعُ
ملَكٍ
لَكٍ.
حدَّثنا محمدُ بنُ بشَّارٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الرحمنِ بنُ مهديٍّ، قال: حدَّثنا سفيانُ، عن عثمانَ بنِ الأسودِ، عن مجاهدٍ، قال: البرقُ مَصْعُ
ملَكٍ
حدَّثني المُثَنَّى، قال: حدَّثنا إسحاقُ، قال: حدَّثنا هشامٌ، عن محمدِ بنِ مسلمٍ الطائفيِّ، قال: بلَغني أن البرقَ ملَكٌ له أربعةُ أوجهٍ، وجهُ إنسانٍ، ووجهُ ثَوْرٍ، ووجهُ نَسرٍ، ووجهُ أسدٍ، فإذا مصَع بأجنحتِه فذلك البرقُ.
حدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثني حجاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ، عن وهبِ بنِ سليمانَ، عن شُعيبٍ الجَبَائيِّ، قال: في كتابِ اللهِ؛ الملائكةُ حَملةُ العرشِ، لكل ملَكٍ منهم وجهُ إنسانٍ وثَورٍ وأسدٍ ونَسْرٍ، فإذا حرَّكوا أجنحتَهم، فهو البرقُ، وقال أميةُ بن أبي الصَّلْتِ:
رجُلٌ وثورٌ تحتَ رجْلِ يمينِه … والنَّسْرُ للأُخرى ولَيْثٌ مُرْصَدُ
حدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ، قال: حدَّثنا عليُّ بنُ عاصمٍ، عن ابنِ جُريجٍ، عن مجاهدٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: البرقُ ملَكٌ.
لنَّسْرُ للأُخرى ولَيْثٌ مُرْصَدُ
حدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ، قال: حدَّثنا عليُّ بنُ عاصمٍ، عن ابنِ جُريجٍ، عن مجاهدٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: البرقُ ملَكٌ.
حدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدثني حجاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ، قال: الصواعقُ ملَكٌ يَضْرِبُ السحابَ بالمطارقِ، فيُصيبُ به من يشاءُ.
قال أبو جعفرٍ: وقد يَحْتَمِلُ أن يكونَ ما قاله عليُّ بنُ أبي طالبٍ وابنُ عباسٍ ومجاهدٌ بمعنى واحدٍ؛ وذلك أن تكونَ المخاريقُ التي ذكَر عليٌّ، ﵁، أنها هي البرقُ، هي السِّياطُ التي هي من نورٍ، التي يُزْجِي بها الملَكُ السحابَ، كما قال ابنُ عباسٍ، ويكونُ إزجاءُ الملَكِ السحابَ مَصْعَه إيّاه بها.
أنها هي البرقُ، هي السِّياطُ التي هي من نورٍ، التي يُزْجِي بها الملَكُ السحابَ، كما قال ابنُ عباسٍ، ويكونُ إزجاءُ الملَكِ السحابَ مَصْعَه إيّاه بها. وذلك أن المِصاعَ عندَ العربِ أصلُه المجالدةُ بالسيوفِ، ثم تستعْمِلُه في كلِّ شيْءٍ جُولِد به، في حربٍ وغيرِ حربٍ، كما قال أعْشَى بني ثعلبةَ وهو يصفُ جَوارِيَ لَعِبْن بحَلْيِهن وتَجَالَدْن به:
إذا هُنَّ نازَلْنَ أقرانَهُنَّ … وكان المِصاعُ بما في الجُوَنْ
يقالُ منه: ماصَعه مِصاعًا، وكأنَّ مجاهدًا إنما قال: مَصْعُ ملَكٍ.
يِهن وتَجَالَدْن به:
إذا هُنَّ نازَلْنَ أقرانَهُنَّ … وكان المِصاعُ بما في الجُوَنْ
يقالُ منه: ماصَعه مِصاعًا، وكأنَّ مجاهدًا إنما قال: مَصْعُ ملَكٍ. إذ كان
السحابُ لا يُماصِعُ الملَكَ، وإنما الرعدُ هو الماصِعُ له، فجعَله مصدرًا من: مصَعَه يمصَعُه مَصْعًا.
وقد ذكَرنا في معنى الصاعقةِ ما قاله شهرُ بنُ حَوْشبٍ فيما مضَى.
وأما تأويلُ الآيةِ، فإن أهلَ التأويلِ مختلِفون فيه؛ فرُوِي عن ابنِ عباسٍ في ذلك أقوالٌ؛ أحدُهما: ما حدَّثنا به محمدُ بن حُميدٍ، قال: حدَّثنا سَلَمةُ بنُ الفضلِ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ إسحاقَ، عن محمدِ بنِ أبي محمدٍ مولى زيدِ بنِ ثابتٍ، عن عكرمةَ، أو عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ، عن ابن عباسٍ: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ﴾ أي: هم من ظلُمات ما هم فيه من الكفرِ والحذرِ من القتلِ على الذي هم عليه من الخلافِ والتخوُّفِ منكم - على مثلِ ما وَصَفَ من الذي هو في ظلمةِ الصيِّبِ،
أي: هم من ظلُمات ما هم فيه من الكفرِ والحذرِ من القتلِ على الذي هم عليه من الخلافِ والتخوُّفِ منكم - على مثلِ ما وَصَفَ من الذي هو في ظلمةِ الصيِّبِ، فجعَل أصابعَه في أُذُنيه مِن الصواعقِ حذَرَ الموتِ، ﴿يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ﴾ أي: لشدةِ ضوءِ الحقِّ، ﴿كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا﴾ أي: يعرِفون الحقَّ ويتكلَّمون به، فهم من قولِهم به على استقامةٍ، فإذا ارْتَكسوا منه إلى الكفرِ قامُوا متحيِّرين.
والآخرُ: ما حدَّثنا به موسى بنُ هارونَ، قال: حدَّثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: حدَّثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ في خبرٍ ذكَره عن أبي مالكٍ، وعن أبي صالحٍ، عن ابنِ عباسٍ، وعن مُرَّةَ، عن ابنِ مسعودٍ، وعن ناسٍ من أصحابِ النبيِّ ﷺ: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ﴾ إلى: ﴿إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾: أما الصيِّبُ [فالمطرُ.
ِ النبيِّ ﷺ: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ﴾ إلى: ﴿إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾: أما الصيِّبُ [فالمطرُ. كان] رجلان من المنافقين من أهلِ المدينةِ هرَبا من رسولِ اللهِ ﷺ إلى المشركين، فأصابَهما هذا المطرُ الذي ذكَر اللهُ، فيه رعدٌ شديدٌ وصواعقُ وبرقٌ، فجعَلا كلَّما أصابَهما الصواعقُ جعَلا أصابِعَهما في آذانِهما، من الفَرَقِ أن تدخُلَ الصواعقُ في مسامعِهما فتقتُلَهما، وإذا لَمع البرقُ مَشَوا في ضوئِه، وإذا لم يلمَعْ لم يُبْصِرا، قاما مكانَهما لا يمشيان، فجعَلا يقولان: ليتنا قد أصْبَحنا فنأتيَ محمدًا فنضعَ أيديَنا في يدِه.
مع البرقُ مَشَوا في ضوئِه، وإذا لم يلمَعْ لم يُبْصِرا، قاما مكانَهما لا يمشيان، فجعَلا يقولان: ليتنا قد أصْبَحنا فنأتيَ محمدًا فنضعَ أيديَنا في يدِه. فأصْبَحا، فأتَياه فأسْلَما، ووضَعا أيديَهما في يدِه، وحسُن إسلامُهما، فضرَب اللهُ شأنَ هذين المنافقَين الخارجَين مثَلًا للمنافقِين الذين بالمدينةِ، وكان المنافقون إذا حضَروا مجلسَ النبيِّ ﷺ جعَلوا أصابِعَهم في آذانِهم فرَقًا مِن كلامِ النبيِّ ﷺ أن يَنْزِلَ فيهم شيْءٌ، أو يُذْكَروا بشيْءٍ فيُقْتَلوا، كما كان ذانك المنافقان الخارجان يجعَلان أصابِعَهما في آذانِهما. ﴿كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ﴾، فإذا كَثُرت أموالُهم، ووُلِد لهم الغِلمانُ، [وأصابُوا] غنيمةً أو فتحًا، مشَوْا فيه، وقالوا: إن دينَ محمدٍ ﷺ دينُ
صدقٍ. فاستقامُوا عليه، كما كان ذانك المنافقان يَمْشِيَان، إذا أضاء لهما البرقُ مشَوْا فيه، ﴿وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا﴾. فكانوا إذا هلَكت أموالُهم، ووُلدِ لهم الجوارِي، وأصابهم البلاءُ، قالوا: هذا مِن أجلِ دينِ محمدٍ.
ُ مشَوْا فيه، ﴿وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا﴾. فكانوا إذا هلَكت أموالُهم، ووُلدِ لهم الجوارِي، وأصابهم البلاءُ، قالوا: هذا مِن أجلِ دينِ محمدٍ. فارْتَدُّوا كفارًا، كما قام ذانك المنافقان حينَ أظْلَم البرقُ عليهما.
والثالثُ: ما حدَّثَني به محمدُ بنُ سعدٍ، قال: حدَّثني أبي، قال: حدَّثني عمي، قال: حدَّثَني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ﴾:
كمطرٍ، ﴿فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ﴾ إلى آخرِ الآيةِ: هو مثَلُ المنافقِ في ضوء ما تكلَّم بما معه من كتابِ اللهِ، وعمِل مُراءاةً للناسِ، فإذا خلا وحدَه عمِل بغيرِه، فهو في ظلمةٍ ما أقام على ذلك، وأمّا الظلماتُ فالضلالةُ، وأما البرقُ فالإيمانُ، وهم أهلُ الكتابِ، ﴿وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ﴾ فهو رجلٌ يأخُذُ بطرَفِ الحقِّ لا يستطيعُ أن يُجاوزَه.
﴿وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا﴾ كقولِه: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ﴾ [الحج: ١١]. إلى آخرِ الآيةِ.
قال أبو جعفرٍ: ثم اخْتَلَف سائرُ أهلِ التأويلِ بعدُ في ذلك نظيرَ ما رُوي عن ابنِ عباسٍ مِن الاختلافِ فحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو الباهليُّ، قال: حدَّثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى بنِ ميمونٍ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: إضاءةُ البرقِ وإظلامُه على نحوِ ذلك المثَلِ.
حدَّثنا المُثَنَّى، قال: حدَّثنا أبو حُذيفةَ، قال: حدَّثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
حدَّثنا عمرُو بن عليٍّ، قال: حدَّثنا أبو عاصمٍ، قال: حدَّثنا عيسى، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
حدَّثنا عمرُو بن عليٍّ، قال: حدَّثنا أبو عاصمٍ، قال: حدَّثنا عيسى، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: حدَّثنا يزيدُ بنُ زُريعٍ، عن سعيدٍ، عن قتادةَ في قولِ اللهِ: ﴿فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ﴾ إلى قولِه: ﴿وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا﴾: فالمنافقُ إذا رأى في الإسلامِ رخاءً أو طمأنينةً أو سَلْوةً من عيشٍ، قال: أنا معكم وأنا منكم. وإذا أصابتْه شدَّةٌ حَقْحَق واللهِ عندَها، فانْقُطِع به، فلم يَصْبِرْ على بلائِها، ولم يَحتسِبْ أجرَها، ولم يرْجُ عاقبتَها.
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبَرنا عبدُ الرزَّاقِ، قال: أخْبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ: ﴿فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ﴾ يقولُ: أجبنُ قومٍ، لا يسمَعون شيئًا إلا ظنُّوا أنهم هالكون فيه؛ [حذَرًا من] الموتِ، ﴿وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ﴾ ثم ضرَب لهم مثَلًا آخرَ، فقال: ﴿يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ﴾.
﴿وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ﴾ ثم ضرَب لهم مثَلًا آخرَ، فقال: ﴿يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ﴾. يقولُ: هذا المنافقُ؛ إذا كثُر مالُه، وكثُرت ماشيتُه، وأصابَته عافيةٌ، قال: لم يُصِبْني مذُ دخلتُ في دينِي هذا إلا خيرٌ. ﴿وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا﴾ يقولُ: إذا ذهبَت أموالُهم، وهلَكت مواشِيهم، وأصابهم البلاءُ، قاموا متحيِّرين.
حدَّثني المُثَنَّى، قال: حدَّثنا إسحاقُ بنُ الحجاجِ، عن عبدِ اللهِ بنِ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرَّبيعِ بنِ أنسٍ: ﴿فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ﴾ قال: مثلُهم كمثلِ قومٍ ساروا في ليلةٍ مظلمةٍ، ولها مطرٌ ورعدٌ وبرقٌ على جادَّةٍ، فلما أبْرَقت أبْصَروا الجادَّةَ فمضَوْا فيها، فإذا ذهَب البرقُ تحيَّروا، وكذلك المنافقُ، كلَّما تكلَّم بكلمةِ الإخلاصِ أضاء له، فإذا شكَّ تحيَّر ووقَع في الظُّلْمةِ، فكذلك قولُه: ﴿كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا﴾.
مةِ الإخلاصِ أضاء له، فإذا شكَّ تحيَّر ووقَع في الظُّلْمةِ، فكذلك قولُه: ﴿كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا﴾. ثم قال في أسماعِهم وأبصارِهم التي عاشُوا بها في الناسِ: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ﴾.
حدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثنا أبو تميلةَ، عن عُبيدِ بنِ سليمانَ الباهليِّ، عن الضحَّاكِ بنِ مُزَاحمٍ: ﴿فِيهِ ظُلُمَاتٌ﴾ قال: أما الظلماتُ فالضلالةُ، والبرقُ الإيمانُ.
حدَّثني يونسُ بنُ عبدِ الأعْلى، قال: أخْبَرنا ابنُ وَهبٍ، قال: حدَّثني عبدُ الرحمنِ بنُ زيدٍ في قولِه: ﴿فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ﴾ [فقَرأ حتى بلَغْ]: ﴿إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ قال: هذا أيضًا مثَلٌ ضرَبه اللهُ للمنافقين، كانوا قد استنارُوا بالإسلامِ، كما استنَار هذا بنورِ هذا البرقِ.
: ﴿إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ قال: هذا أيضًا مثَلٌ ضرَبه اللهُ للمنافقين، كانوا قد استنارُوا بالإسلامِ، كما استنَار هذا بنورِ هذا البرقِ.
حدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثني حجَّاجٌ، قال: قال ابنُ جُريجٍ: ليس في الأرضِ شيْءٌ يسمعُه المنافقُ إلا ظنَّ أنه يُرادُ به، وأنه الموتُ، كراهيةً له، والمنافقُ أكرَهُ خلقِ اللهِ للموتِ، كما إذا كانوا بالبرارِيِّ في المطرِ، فرُّوا من الصواعقِ.
حدَّثنا عمرٌو بنُ عليٍّ، قال: حدَّثنا أبو معاويةَ، قال: حدَّثنا ابنُ جُريجٍ، عن عطاءٍ في قولِه: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ﴾ قال: مثَلٌ ضُرِب للكافرِين.
و معاويةَ، قال: حدَّثنا ابنُ جُريجٍ، عن عطاءٍ في قولِه: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ﴾ قال: مثَلٌ ضُرِب للكافرِين.
قال أبو جعفرٍ: وهذه الأخبارُ التي ذكَرْناها عمَّن رَوَيناها عنه، فإنها وإن اخْتَلفت فيها ألفاظُ قائليها متقارِباتُ المعاني؛ لأنها جميعًا تُنْبئُ عن أن اللهَ ضرَب الصَّيِّبَ لظاهرِ إيمانِ المنافقِ مثلًا، ومثَّل ما فيه من ظلماتٍ بضلالتِه، وما فيه من ضياءِ برقٍ بنورِ إيمانِه، واتِّقاءَه من الصواعقِ بتصييرِ أصابِعه في أُذُنَيه، لضعفِ جَنانِه، ونَخْبِ فؤادِه، من حُلولِ عقوبةِ اللهِ بساحتِه، ومشيَه في ضوءِ البرقِ باستقامتِه على نورِ إيمانِه، وقيامَه في الظلامِ بحيرتهِ في ضلالتِه وارتكاسِه في عَمَهِه.
فتأويلُ الآيةِ إذن - إذ كان الأمرُ على ما وصَفْنا -: أو مَثَلُ ما اسْتَضاء به المُنافِقون، مِن قيلِهم لرسولِ اللهِ ﷺ وللمؤمنين بألسنتِهم: آمنَّا باللهِ
وباليومِ الآخِرِ وبمحمدٍ وبما جاء به.
ا وصَفْنا -: أو مَثَلُ ما اسْتَضاء به المُنافِقون، مِن قيلِهم لرسولِ اللهِ ﷺ وللمؤمنين بألسنتِهم: آمنَّا باللهِ
وباليومِ الآخِرِ وبمحمدٍ وبما جاء به. حتى صار لهم بذلك في الدنيا أحكامُ المؤمنين، وهم - مع إظهارِهم بألسنتِهم ما يُظْهِرون - باللهِ وبرسولِه وما جاء به مِن عندِ اللهِ وباليومِ الآخرِ مُكَذِّبون، ولخلافِ ما يُظْهِرون بالألْسُنِ في قلوبهم مُعْتَقِدون، على عمًى منهم وجَهالةٍ بما هم عليه مِن الضَّلالةِ، لا يَدْرُون في أيِّ الأمْرَين اللذين قد شُرِعا لهم الهدايةُ، في الكفرِ الذي كانوا عليه قبلَ إرسالِ اللهِ محمدًا ﷺ بما أرْسَله به إليهم، أم في الذي أتاهم به محمدٌ ﷺ مِن عندِ ربِّهم؟
للذين قد شُرِعا لهم الهدايةُ، في الكفرِ الذي كانوا عليه قبلَ إرسالِ اللهِ محمدًا ﷺ بما أرْسَله به إليهم، أم في الذي أتاهم به محمدٌ ﷺ مِن عندِ ربِّهم؟ فهم مِن وَعيدِ اللهِ إياهم على لسانِ محمدٍ ﷺ وَجِلون، وهم مع وَجَلِهم مِن ذلك في حقيقتِه شاكُّون، في قلوبِهم مرضٌ فزادَهم اللهُ مرضًا -كمثل غَيْثٍ سرَى ليلًا في مُزْنةٍ ظَلْماءَ وليلةٍ مُظْلِمةٍ، يَحْدُوها رَعْدٌ، ويَسْتَطِيرُ في حافاتِها برقٌ، شديدٌ لَمَعانُه، كثيرٌ خَطَرانُه، يَكادُ سناه يَذْهَبُ بالأبصارِ، ويَخْتَطِفُها مِن شدَّةِ ضِيائِه ونورِ شُعاعِه، وتَهْبِطُ منها تاراتٍ صَواعِقُ، تَكادُ تَدَعُ النفوسَ مِن شدةِ أهْوالِها زَواهِقَ.
يَذْهَبُ بالأبصارِ، ويَخْتَطِفُها مِن شدَّةِ ضِيائِه ونورِ شُعاعِه، وتَهْبِطُ منها تاراتٍ صَواعِقُ، تَكادُ تَدَعُ النفوسَ مِن شدةِ أهْوالِها زَواهِقَ.
فالصَّيِّبُ مَثَلٌ لظاهرِ ما أظْهَر المُنافِقون بألسنتِهم مِن الإقْرارِ والتَّصْديقِ، والظلماتُ التي هي فيه لظُلُماتِ ما هم مُسْتَبِطنوه من الشكِّ والتَّكْذِيبِ ومرضِ القلوبِ، وأما الرعدُ والصَّواعقُ فلِما هم عليه مِن الوَجَلِ مِن وَعيدِ اللهِ إياهم على لسانِ رسولِه ﷺ في آيِ كتابِه، إمَّا في العاجلِ وإمَّا في الآجِلِ، أن يَحُلَّ بهم، مع شكِّهم في ذلك، هل هو كائنٌ أم غيرُ كائنٍ، وهل له حقيقةٌ أم ذلك كذبٌ
وباطلٌ؟ مَثَلٌ. فهم مِن وَجَلِهم أن يكونَ ذلك حقًّا، يتَّقُونه بالإقرارِ بما جاء به محمدٌ ﷺ بألسنتِهم، مخافةً على أنفسِهم مِن الهلاكِ ونزولِ النَّقِماتِ.
لٌ؟ مَثَلٌ. فهم مِن وَجَلِهم أن يكونَ ذلك حقًّا، يتَّقُونه بالإقرارِ بما جاء به محمدٌ ﷺ بألسنتِهم، مخافةً على أنفسِهم مِن الهلاكِ ونزولِ النَّقِماتِ. وذلك تأويلُ قولِه جلّ ثناؤُه: ﴿يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ﴾ يعْني بذلك: يَتَّقُون وَعيدَ اللهِ الذي أنْزَله في كتابِه على لسانِ رسولِه ﷺ بما يُبْدُونه بألسنتِهم مِن ظاهرِ الإقرارِ، كما يَتَّقِي الخائفُ أصواتَ الصَّواعقِ بتغطيةِ أُذُنيه، وتَصْييرِ أصابِعِه فيهما، حَذَرًا على نفسِه منها.
وقد ذكَرْنا الخبرَ الذي رُوِي عن ابنِ مسعودٍ وعن ابنِ عباسٍ أنهما كانا يَقُولان: إن المنافقين كانوا إذا حضَروا مجلسَ رسولِ اللهِ ﷺ أدْخَلوا أصابعَهم في آذانِهم فَرَقًا مِن كلامِ رسولِ اللهِ ﷺ، أن يَنْزِلَ فيهم شيْءٌ، أو يُذْكَروا بشيْءٍ فيُقْتَلوا. فإن كان ذلك صحيحًا - ولستُ أعْلَمُه صحيحًا، إذ كنتُ بإسنادِه مُرتابًا - فإن القولَ الذي رُوِي عنهما هو القولُ.
شيْءٌ، أو يُذْكَروا بشيْءٍ فيُقْتَلوا. فإن كان ذلك صحيحًا - ولستُ أعْلَمُه صحيحًا، إذ كنتُ بإسنادِه مُرتابًا - فإن القولَ الذي رُوِي عنهما هو القولُ. وإن يكنْ غيرَ صَحيحٍ، فأوْلَى بتأويل الآيةِ ما قُلْنا، لأنَّ اللهَ إنما قصَّ علينا مِن خبرِهم في أولِ مُبْتَدَأِ قَصَصِهم، أنهم يُخادِعون اللهَ ورسولَه والمؤمنين بقولِهم: آمَنَّا باللهِ وباليومِ الآخِرِ. مع شكِّ قلوبهم ومرضِ أفئدتِهم في حقيقةِ ما زعَموا أنهم به مُؤْمنون، مما جاءَهم به رسولُ اللهِ ﷺ مِن عندِ ربِّهم، وبذلك وصَفهم في جميعِ آيِ القرآنِ التي ذكَر فيها صفتَهم، فكذلك ذلك في هذه الآيةِ.
عَموا أنهم به مُؤْمنون، مما جاءَهم به رسولُ اللهِ ﷺ مِن عندِ ربِّهم، وبذلك وصَفهم في جميعِ آيِ القرآنِ التي ذكَر فيها صفتَهم، فكذلك ذلك في هذه الآيةِ.
وإنما جعَل اللهُ إدخالَهم أصابِعَهم في آذانِهم مَثَلًا لاتِّقائهم رسولَ اللهِ ﷺ والمؤمنين بما ذكَرْنا أنهم يتَّقُونهم به، كما يَتَّقِي سامعُ صوتِ الصاعقةِ بإدخالِ أصابعِه في أُذُنيه، وذلك مِن المثَلِ نظيرُ تَمثيلِ اللهِ ما أنْزَل فيهم مِن الوَعيدِ في آيِ كتابِه بأصواتِ الصَّواعقِ، وكذلك قولُه: ﴿حَذَرَ الْمَوْتِ﴾ جعَله جل ثناؤُه مَثَلًا لخوفِهم وإشفاقِهم مِن حُلولِ عاجلِ العِقابِ المُهْلِكِهم الذي تُوُعِّدوه بساحتِهم، كما يَجْعَلُ سامعُ أصواتِ الصَّواعِقِ أصابِعَه في أُذُنيه حَذَرَ العَطَبِ والموتِ على نفسِه أن تَزْهَقَ مِن شدتِها.
وإنما نصَب قولَه: ﴿حَذَرَ الْمَوْتِ﴾ على نحوِ ما تَنْصِبُ به التَّكْرِمةَ في قولِك: زُرْتُك تَكْرِمةً لك. تُرِيدُ بذلك: زُرْتُك مِن أجلِ تَكْرِمتِك.
وإنما نصَب قولَه: ﴿حَذَرَ الْمَوْتِ﴾ على نحوِ ما تَنْصِبُ به التَّكْرِمةَ في قولِك: زُرْتُك تَكْرِمةً لك. تُرِيدُ بذلك: زُرْتُك مِن أجلِ تَكْرِمتِك. وكما قال جلّ ثناؤُه: ﴿وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا﴾ [الأنبياء: ٩٠]. على التفسيرِ للفعلِ. وقد رُوي عن قتادةَ أنه كان يتأوَّلُ قولَه: ﴿حَذَرَ الْمَوْتِ﴾: حَذَرًا مِن الموتِ. حدَّثنا بذلك الحسنُ بنُ يحيى، قال: حدَّثنا عبدُ الرزَّاقِ، قال: حدَّثنا مَعْمَرٌ عنه.
وذلك مذهبٌ مِن التأويلِ ضعيفٌ؛ لأنَّ القومَ لم يَجْعَلوا أصابعَهم في آذانِهم حَذَرًا مِن الموتِ، فيكونَ معناه ما قال: إنه يرادُ به: حَذَرًا مِن الموتِ.
لك مذهبٌ مِن التأويلِ ضعيفٌ؛ لأنَّ القومَ لم يَجْعَلوا أصابعَهم في آذانِهم حَذَرًا مِن الموتِ، فيكونَ معناه ما قال: إنه يرادُ به: حَذَرًا مِن الموتِ. وإنما جعَلوها
مِن حِذارِ الموتِ في آذانِهم.
وكان قتادةُ وابنُ جُرَيْجٍ يَتَأوَّلان قولَه: ﴿يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ﴾ أن ذلك مِن اللهِ جل ثناؤُه صفةٌ للمنافِقِين بالهَلَعِ وضعفِ القلوبِ وكراهيةِ الموتِ ويَتَأوَّلان في ذلك قولَه: ﴿يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ﴾ [المنافقون:٤].
وليس الأمرُ في ذلك عندي كالذي قالا، وذلك أنه قد كان فيهم مَن لا تُنْكرُ شجاعتُه، ولا تُدْفَعُ بَسالتُه، كقُزْمانَ الذي لم يَقُمْ مَقامَه أحدٌ مِن المؤمنين [يومَ أحُدٍ]، ودونَه، وإنما كانت كراهتُهم شُهودَ المشَاهِدِ مع رسولِ اللهِ ﷺ، وتَرْكُهم مُعاونتَه على أعدائِه؛ لأنهم لم يكونوا في أديانِهم مُسْتَبْصِرين، ولا برسولِ اللهِ ﷺ مُصَدِّقِين، فكانوا للحضورِ معه مَشاهدَه كارِهِين، إلا بالتَّخْذِيلِ عنه.
ه على أعدائِه؛ لأنهم لم يكونوا في أديانِهم مُسْتَبْصِرين، ولا برسولِ اللهِ ﷺ مُصَدِّقِين، فكانوا للحضورِ معه مَشاهدَه كارِهِين، إلا بالتَّخْذِيلِ عنه.
ولكنّ ذلك وصفٌ مِن اللهِ لهم بالإشْفاقِ مِن حُلولِ عقوبةِ اللهِ بهم على نفاقِهم، إما عاجلًا وإما آجِلاً.
ثم أخْبَر جلّ ثناؤُه أن المنافِقِين الذين نعَتَهم اللهُ النَّعْتَ الذي ذكَر، وضرَب لهم الأمثالَ التي وصَف، وإنِ اتَّقَوْا عقابَه، وأشْفَقُوا من عذابِه إشفاقَ الجاعلِ في أُذنيه أصابعَه حِذارَ حُلولِ الوَعيدِ الذي توَعَّدهم له في آيِ كتابِه - غيرُ مُنْجِيهم ذلك مِن نزولِه بعَقْوَتِهم، وحُلولِه بساحتِهم، إما عاجلًا في الدنيا، وإما آجِلًا في الآخِرةِ،
للذي في قلوبِهم مِن مرضِها، والشكِّ في اعتقادِها، فقال: ﴿وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ﴾ يَعْني: جامِعُهم، فمُحِلٌّ بهم عُقوبتَه.
ِلًا في الآخِرةِ،
للذي في قلوبِهم مِن مرضِها، والشكِّ في اعتقادِها، فقال: ﴿وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ﴾ يَعْني: جامِعُهم، فمُحِلٌّ بهم عُقوبتَه.
وكان مجاهدٌ يَتَأوَّلُ ذلك كما حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو الباهليُّ، قال: حدَّثنا أبو عاصمٍ، قال أخبرنا عيسى بنُ مَيمونٍ، عن عبدِ اللهِ بنِ أبي نَجيحٍ، عن مُجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ﴾ قال: جامِعُهم في جهنمَ.
حدَّثني القاسمُ، قال: حدَّثنا حسينٌ، قال: حدَّثنا حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، عن مُجاهدٍ في قولِه: ﴿وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ﴾ قال: جامِعُهم.
وأما ابنُ عباس فرُوِي عنه في ذلك ما حدَّثني به ابنُ حُمَيْدٍ، قال: حدَّثنا سلمةُ، عن ابنِ إسحاقَ، عن محمدِ بنِ أبي محمدٍ، عن عِكْرمةَ، أو عن سعيدِ بنِ جُبَيْرٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ﴾ يقولُ: اللهُ مُنْزِلٌ ذلك بهم مِن النِّقْمةِ.
بنِ أبي محمدٍ، عن عِكْرمةَ، أو عن سعيدِ بنِ جُبَيْرٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ﴾ يقولُ: اللهُ مُنْزِلٌ ذلك بهم مِن النِّقْمةِ.
ثم عاد جلّ ذكرُه إلى نعتِ إقرارِ المنافقين بألسنتِهم، والخبرِ [عنه و] عنهم وعن نفاقِهم، وإتمامِ المثلِ الذي ابْتَدَأ ضَرْبَه لهم ولشكِّهم ومَرَضِ قلوبِهم، فقال: ﴿يَكَادُ الْبَرْقُ﴾ يعْني بالبرقِ الإقرارَ الذي أظْهَروه بألسنتِهم باللهِ وبرسولِه وما جاء به
مِن عندِ ربِّهم. فجعَل البرقَ له مثلَا على ما قدَّمْنا صفتَه، ﴿يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ﴾ يعني: يَذْهَبُ بها ويَسْتَلِبُها ويَلْتَمِعُها مِن شدةِ ضِيائِه ونُورِ شُعاعِه.
كما حُدِّثْتُ عن المِنْجابِ بنِ الحارثِ، قال: حدَّثنا بشرُ بنُ عُمارةَ، عن أبي رَوْقٍ، عن الضحاكِ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ﴾.
قال: يَلْتَمِعُ أبْصارَهم ولمَّا يَفْعَلْ.
والخَطْفُ السَّلْبُ. ومنه الخبرُ الذي رُوِي عنِ النبيِّ ﷺ أنه نَهى عن الخَطْفةِ. يعني بها النُّهْبَةَ.
ْ﴾.
قال: يَلْتَمِعُ أبْصارَهم ولمَّا يَفْعَلْ.
والخَطْفُ السَّلْبُ. ومنه الخبرُ الذي رُوِي عنِ النبيِّ ﷺ أنه نَهى عن الخَطْفةِ. يعني بها النُّهْبَةَ. ومنه قيل للخُطَّافِ الذي يُخْرَجُ به الدَّلْوُ مِن البئرِ: خُطَّافٌ؛ لاخْتِطافِه واسْتِلابِه ما علِق به. ومنه قولُ نابغةِ بني ذُبْيانَ:
خَطاطِيفُ حُجْنٌ في حِبالٍ متينةٍ … تَمُدُّ بها أيدٍ إليك نَوازِعُ
فجعَل ضَوءَ البرقِ وشدةَ شُعاعِ نُورِه، لضَوْءِ إقرارِهم بألسنتِهم باللهِ وبرسولِه ﷺ وبما جاء به مِن عندِ اللهِ واليومِ الآخِرِ وشُعاعِ نورِه - مَثَلَاً.
ثم قال: ﴿كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ﴾ يعني أن البرقَ كلَّما أضاء لهم. وجعَل البرقَ لإيمانِهم مَثَلَاً. وإنما أراد بذلك أنهم كلما أضاء لهم الإيمانُ.
لَاً.
ثم قال: ﴿كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ﴾ يعني أن البرقَ كلَّما أضاء لهم. وجعَل البرقَ لإيمانِهم مَثَلَاً. وإنما أراد بذلك أنهم كلما أضاء لهم الإيمانُ. وإضاءتُه لهم أن يَرَوْا فيه ما يُعْجِبُهم في عاجلِ دُنْياهم مِن النُّصْرةِ على الأعداءِ، وإصابةِ الغَنائم في المَغازِي، وكثرةِ الفُتوحِ وتتابُعِها، والثُّراءِ في الأموالِ، والسلامةِ في الأَبدانِ والأهلِ والأولادِ - فذلك إضاءتُه لهم؛ لأنهم إنما يُظْهِرون بألسنتِهم ما يُظْهِرونه مِن الإقرارِ ابْتغاءَ ذلك، ومُدافَعةً عن أنفسِهم وأموالِهم وأهليهم وذَرارِيِّهم، فهم كما وصَفَهم جلّ ثناؤُه بقولِه: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ﴾ [الحج: ١١].
ويعني بقولِه: ﴿مَشَوْا فِيهِ﴾: مشَوْا في ضوءِ البرقِ. وإنما ذلك مَثَلٌ لإقرارِهم على ما وصَفْنا.
َتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ﴾ [الحج: ١١].
ويعني بقولِه: ﴿مَشَوْا فِيهِ﴾: مشَوْا في ضوءِ البرقِ. وإنما ذلك مَثَلٌ لإقرارِهم على ما وصَفْنا. فمعناه: كلما رأَوْا في الإيمانِ ما يُعْجِبُهم في عاجلِ دنياهم - على ما وصَفْنا - ثبتوا عليه، وأقاموا فيه، كما يَمْشِي السائرُ في ظُلمةِ الليلِ وظُلمةِ الصَّيِّبِ الذي وصَفه جلّ ذكرُه، إذا برَقَت فيها بارقةٌ [فأبصَر طريقَه بها].
﴿وَإِذَا أَظْلَمَ﴾ يعْني: ذهَب ضَوْءُ البرقِ عنهم. ويعني بقولِه: ﴿عَلَيْهِمْ﴾:
على السائرين في الصَّيِّبِ الذي وَصَف جلَّ ذكرُه، وذلك للمنافِقِين مَثَلٌ.
ِذَا أَظْلَمَ﴾ يعْني: ذهَب ضَوْءُ البرقِ عنهم. ويعني بقولِه: ﴿عَلَيْهِمْ﴾:
على السائرين في الصَّيِّبِ الذي وَصَف جلَّ ذكرُه، وذلك للمنافِقِين مَثَلٌ. ومعنى إظلامِ ذلك أن المنافقين كلما لم يَرَوْا في الإسلامِ ما يُعْجِبُهم في دنياهم - عندَ ابتلاءِ اللهِ مؤمِني عبادِه بالضَّرَّاءِ، وتَمْحيصِه إياهم بالشدائدِ والبلاءِ، مِن إخفاقِهم في مَغْزاهم، [أو إدالةِ] عدوِّهم منهم، أو إدبارٍ مِن دنياهم عنهم - أقاموا على نفاقِهم، وثبَتوا على ضَلالتِهم، كما قام السائرون في الصَّيِّبِ الذي وصَف جل ذكرُه إذا أظلَم وخبَتَ ضَوْءُ البرقِ، فحار في طريقِه فلم يَعْرِفْ مَنهجَه.
﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ (١٩) يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٠)﴾
وهذا مثل آخر ضربه الله تعالى لضرب آخر من المنافقين، وهم قوم يظهر لهم الحق تارة، ويشكّون تارة أخرى، فقلوبهم في حال شكهم وكفرهم وترددهم (كَصَيِّبٍ) والصيب: المطر، قاله ابن مسعود، وابن عباس، وناس من الصحابة، وأبو العالية، ومجاهد، وسعيد بن جبير، وعطاء،
والحسن البصري، وقتادة، وعطية العَوْفِي، وعطاء الخراساني، والسُّدي، والرّبيع بن أنس.
وقال الضحاك: هو السحاب.
والأشهر هو المطر نزل من السماء في حال ظلمات، وهي الشكوك والكفر والنفاق.
لعَوْفِي، وعطاء الخراساني، والسُّدي، والرّبيع بن أنس.
وقال الضحاك: هو السحاب.
والأشهر هو المطر نزل من السماء في حال ظلمات، وهي الشكوك والكفر والنفاق. (وَرَعْدٌ) وهو ما يزعج القلوب من الخوف، فإن من شأن المنافقين الخوف الشديد والفزع، كما قال تعالى: ﴿يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ [هُمُ الْعَدُوُّ]﴾ [المنافقون: ٤] وقال: ﴿وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَمَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ * لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أَوْ مَغَارَاتٍ أَوْ مُدَّخَلا لَوَلَّوْا إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ﴾ [التوبة: ٥٦، ٥٧].
مْ وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ * لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أَوْ مَغَارَاتٍ أَوْ مُدَّخَلا لَوَلَّوْا إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ﴾ [التوبة: ٥٦، ٥٧].
والبرق: هو ما يلمع في قلوب هؤلاء الضرب من المنافقين في بعض الأحيان، من نور الإيمان؛ ولهذا قال: (يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ) أي: ولا يُجْدي عنهم حذرهم شيئًا؛ لأن الله محيط [بهم] بقدرته، وهم تحت مشيئته وإرادته، كما قال: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ * فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ * بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ * وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ﴾ [البروج: ١٧ - ٢٠].
[والصواعق: جمع صاعقة، وهي نار تنزل من السماء وقت الرعد الشديد، وحكى الخليل بن أحمد عن بعضهم صاعقة، وحكى بعضهم صاعقة وصعقة وصاقعة، ونقل عن الحسن البصري أنه: قرأ "من الصواقع حذر الموت" بتقديم القاف وأنشدوا لأبي النجم:
يحكوك بالمثقولة القواطع … شفق البرق عن الصواقع
عقة وصعقة وصاقعة، ونقل عن الحسن البصري أنه: قرأ "من الصواقع حذر الموت" بتقديم القاف وأنشدوا لأبي النجم:
يحكوك بالمثقولة القواطع … شفق البرق عن الصواقع
قال النحاس: وهي لغة بني تميم وبعض بني ربيعة، حكى ذلك القرطبي في تفسيره].
ثم قال: (يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ) أي: لشدته وقوته في نفسه، وضعف بصائرهم، وعدم ثباتها للإيمان.
وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: (يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ) يقول: يكاد مُحْكَمُ القرآن يدل على عورات المنافقين.
وقال ابن إسحاق: حدثني محمد بن أبي محمد، عن عكرمة، أو سعيد بن جبير، عن ابن عباس: (يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ) أي لشدة ضوء الحق، (كلما أضاء لهم مشوا فيه وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا) أي كلما ظهر لهم من الإيمان شيء استأنسوا به واتبعوه، وتارة تعْرِض لهم الشكوك أظلمت قلوبَهم فوقفوا حائرين.
مشوا فيه وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا) أي كلما ظهر لهم من الإيمان شيء استأنسوا به واتبعوه، وتارة تعْرِض لهم الشكوك أظلمت قلوبَهم فوقفوا حائرين.
وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: (كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ) يقول: كلما أصاب المنافقين من عز الإسلام اطمأنوا إليه، وإن أصاب الإسلام نكبة قاموا ليرجعوا إلى الكفر، كقوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ [وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ]﴾ الآية [الحج: ١١].
وقال محمد بن إسحاق، عن محمد بن أبي محمد، عن عكرمة، أو سعيد بن جبير، عن ابن عباس: (كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا) أي: يعرفون الحق ويتكلمون به، فهم من قولهم به على استقامة فإذا ارتكسوا منه إلى الكفر (قَامُوا) أي: متحيرين.
وهكذا قال أبو العالية، والحسن البصري، وقتادة، والربيع بن أنس، والسدي بسنده، عن الصحابة وهو أصح وأظهر.
ذا ارتكسوا منه إلى الكفر (قَامُوا) أي: متحيرين.
وهكذا قال أبو العالية، والحسن البصري، وقتادة، والربيع بن أنس، والسدي بسنده، عن الصحابة وهو أصح وأظهر. والله أعلم.
وهكذا يكونون يوم القيامة عندما يعطى الناس النور بحسب إيمانهم، فمنهم من يعطى من النور ما يضيء له مسيرة فراسخ، وأكثر من ذلك وأقل من ذلك، ومنهم من يطْفَأ نوره تارة ويضيء له أخرى، فيمشي على الصراط تارة ويقف أخرى. ومنهم من يطفأ نوره بالكلية وهم الخُلَّص من المنافقين، الذين قال تعالى فيهم: ﴿يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا﴾ [الحديد: ١٣] وقال في حق المؤمنين: ﴿يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ﴾ الآية [الحديد: ١٢]، وقال تعالى: ﴿يَوْمَ لا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ
ْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ﴾ الآية [الحديد: ١٢]، وقال تعالى: ﴿يَوْمَ لا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [التحريم: ٨].
ذكر الحديث الوارد في ذلك:
قال سعيد بن أبي عَرُوبة، عن قتادة في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ الآية [الحديد: ١٢]، ذكر لنا أن النبي ﷺ كان يقول: "من المؤمنين من يضيء نوره من المدينة إلى عدن، أو بين صنعاء ودون ذلك، حتى إن من المؤمنين من لا يضيء نوره إلا موضع قدميه".
ذكر لنا أن النبي ﷺ كان يقول: "من المؤمنين من يضيء نوره من المدينة إلى عدن، أو بين صنعاء ودون ذلك، حتى إن من المؤمنين من لا يضيء نوره إلا موضع قدميه". رواه ابن جرير.
ورواه ابن أبي حاتم من حديث عمران بن دَاوَر القطان، عن قتادة، بنحوه.
وهذا كما قال المِنْهَال بن عمرو، عن قيس بن السكن، عن عبد الله بن مسعود، قال: يؤتون نورهم على قدر أعمالهم، فمنهم من يرى نوره كالنخلة، ومنهم من يرى نوره كالرجل القائم، وأدناهم نورًا على إبهامه يطفأ مرة ويَقِد مرة.
وهكذا رواه ابن جرير، عن ابن مُثَنَّى، عن ابن إدريس، عن أبيه، عن المنهال.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا علي بن محمد الطَّنَافسي حدثنا ابن إدريس، سمعت أبي يذكر عن المنهال بن عمرو، عن قيس بن السكن، عن عبد الله بن مسعود: ﴿نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾ [التحريم: ٨] قال: على قدر أعمالهم يمرون على الصراط، منهم من نوره مثل الجبل، ومنهم من نوره مثل النخلة، وأدناهم نورًا من نوره في إبهامه يتقد مرة ويطفأ أخرى.
حريم: ٨] قال: على قدر أعمالهم يمرون على الصراط، منهم من نوره مثل الجبل، ومنهم من نوره مثل النخلة، وأدناهم نورًا من نوره في إبهامه يتقد مرة ويطفأ أخرى.
وقال ابن أبي حاتم أيضًا: حدثنا محمد بن إسماعيل الأحمسي، حدثنا أبو يحيى الحِمَّاني، حدثنا عُتْبَةُ بن اليقظان، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: ليس أحد من أهل التوحيد إلا يعطى نورًا يوم القيامة، فأما المنافق فيطفأ نوره، فالمؤمن مشفق مما يرى من إطفاء نور المنافقين، فهم يقولون: ربنا أتمم لنا نورنا.
وقال الضحاك بن مزاحم: يعطى كل من كان يظهر الإيمان في الدنيا يوم القيامة نورًا؛ فإذا انتهى إلى الصراط طفئ نور المنافقين، فلما رأى ذلك المؤمنون أشفقوا، فقالوا: ﴿رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا﴾.
لإيمان في الدنيا يوم القيامة نورًا؛ فإذا انتهى إلى الصراط طفئ نور المنافقين، فلما رأى ذلك المؤمنون أشفقوا، فقالوا: ﴿رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا﴾.
فإذا تقرر هذا صار الناس أقسامًا: مؤمنون خُلّص، وهم الموصوفون بالآيات الأربع في أول البقرة، وكفار خلص، وهم الموصوفون بالآيتين بعدها، ومنافقون، وهم قسمان: خلص، وهم المضروب لهم المثل الناري، ومنافقون يترددون، تارة يظهر لهم لُمَعٌ من الإيمان وتارة يخبو وهم أصحاب المثل المائي، وهم أخف حالا من الذين قبلهم.
وهذا المقام يشبه من بعض الوجوه ما ذكر في سورة النور، من ضرب مثل المؤمن وما جعل الله في قلبه من الهدى والنور، بالمصباح في الزجاجة التي كأنها كوكب دُرّي، وهي قلب المؤمن المفطور على الإيمان واستمداده من الشريعة الخالصة الصافية الواصلة إليه من غير كدر ولا تخليط، كما سيأتي تقريره في موضعه إن شاء الله.
رّي، وهي قلب المؤمن المفطور على الإيمان واستمداده من الشريعة الخالصة الصافية الواصلة إليه من غير كدر ولا تخليط، كما سيأتي تقريره في موضعه إن شاء الله.
ثم ضرب مثل العُبّاد من الكفار، الذين يعتقدون أنهم على شيء، وليسوا على شيء، وهم أصحاب الجهل المركب، في قوله: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا﴾ الآية [النور: ٣٩].
ثم ضرب مثل الكفار الجُهَّال الجَهْلَ البسيط، وهم الذين قال [الله] فيهم: ﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ [النور: ٤٠] فقسم الكفار هاهنا إلى قسمين: داعية ومقلد، كما ذكرهما في أول سورة الحج: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ﴾
إلى قسمين: داعية ومقلد، كما ذكرهما في أول سورة الحج: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ﴾ [الحج: ٣]
وقال بعده: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدًى وَلا كِتَابٍ مُنِيرٍ﴾ [الحج: ٨] وقد قسم الله المؤمنين في أول الواقعة وآخرها وفي سورة الإنسان، إلى قسمين: سابقون وهم المقربون، وأصحاب يمين وهم الأبرار.
فتلخص من مجموع هذه الآيات الكريمات: أن المؤمنين صنفان: مقربون وأبرار، وأن الكافرين صنفان: دعاة ومقلدون، وأن المنافقين -أيضًا-صنفان: منافق خالص، ومنافق فيه شعبة من نفاق، كما جاء في الصحيحين، عن عبد الله بن عَمْرو، عن النبي ﷺ: "ثلاث من كن فيه كان منافقًا خالصًا، ومن كانت فيه واحدة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يَدَعها: من إذا حَدّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان".
استدلوا به على أن الإنسان قد تكون فيه شعبة من إيمان، وشعبة من نفاق.
فيه خصلة من النفاق حتى يَدَعها: من إذا حَدّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان".
استدلوا به على أن الإنسان قد تكون فيه شعبة من إيمان، وشعبة من نفاق. إما عَمَلي لهذا الحديث، أو اعتقادي، كما دلت عليه الآية، كما ذهب إليه طائفة من السلف وبعض العلماء، كما تقدم، وكما سيأتي، إن شاء الله. قال الإمام أحمد: حدثنا أبو النضر، حدثنا أبو معاوية يعني شيبان، عن ليث، عن عمرو بن مرة، عن أبي البختري، عن أبي سعيد، قال: قال رسول الله ﷺ: "القلوب أربعة: قلب أجرد، فيه مثل السراج يُزْهر، وقلب أغلف مربوط على غلافه، وقلب منكوس، وقلب مُصَفَّح، فأما القلب الأجرد فقلب المؤمن، سراجه فيه نوره، وأما القلب الأغلف فقلب الكافر، وأما القلب المنكوس فقلب المنافق الخالص، عرف ثم أنكر، وأما القلب المصفح فقلب فيه إيمان ونفاق، ومَثَل الإيمان فيه كمثل البقلة، يمدها الماء الطيب، ومثل النفاق فيه كمثل القرحة يَمُدّها القيح والدم، فأي المدّتين غلبت على الأخرى غلبت عليه".
ونفاق، ومَثَل الإيمان فيه كمثل البقلة، يمدها الماء الطيب، ومثل النفاق فيه كمثل القرحة يَمُدّها القيح والدم، فأي المدّتين غلبت على الأخرى غلبت عليه". وهذا إسناد جيد حسن.
وقوله: (وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) قال محمد بن إسحاق: حدثني محمد بن أبي محمد عن عِكْرِمة، أو سعيد بن جبير، عن ابن عباس، في قوله تعالى: (وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ) قال: لِمَا تركوا من الحق بعد معرفته.
(إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) قال ابن عباس أي إنّ الله على كل ما أراد بعباده من نقمة، أو عفو، قدير.
وقال ابن جرير: إنما وصف الله تعالى نفسه بالقدرة على كل شيء في هذا الموضع؛ لأنه حذر المنافقين بأسه وسطوته وأخبرهم أنه بهم محيط، و [أنه] على إذهاب أسماعهم وأبصارهم قدير، ومعنى (قَدِيرٌ) قادر، كما أن معنى (عَلِيمٌ) عالم.
لموضع؛ لأنه حذر المنافقين بأسه وسطوته وأخبرهم أنه بهم محيط، و [أنه] على إذهاب أسماعهم وأبصارهم قدير، ومعنى (قَدِيرٌ) قادر، كما أن معنى (عَلِيمٌ) عالم.
[وذهب ابن جرير الطبري ومن تبعه من كثير من المفسرين أن هذين المثلين مضروبان لصنف واحد من المنافقين وتكون "أو" في قوله تعالى: (أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ) بمعنى الواو، كقوله تعالى: ﴿وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا﴾ [الإنسان: ٢٤]، أو تكون للتخبير، أي: اضرب لهم مثلا بهذا وإن شئت بهذا، قاله القرطبي.
نى الواو، كقوله تعالى: ﴿وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا﴾ [الإنسان: ٢٤]، أو تكون للتخبير، أي: اضرب لهم مثلا بهذا وإن شئت بهذا، قاله القرطبي. أو للتساوي مثل جالس الحسن أو ابن سيرين، على ما وجهه الزمخشري: أن كلا منهما مساو للآخر في إباحة الجلوس إليه، ويكون معناه على قوله: سواء ضربت لهم مثلا بهذا أو بهذا فهو مطابق لحالهم.
قلت: وهذا يكون باعتبار جنس المنافقين، فإنهم أصناف ولهم أحوال وصفات كما ذكرها الله تعالى في سورة براءة -ومنهم -ومنهم -ومنهم -يذكر أحوالهم وصفاتهم وما يعتمدونه من الأفعال والأقوال، فجعل هذين المثلين لصنفين منهم أشد مطابقة لأحوالهم وصفاتهم، والله أعلم، كما ضرب المثلين في سورة النور لصنفي الكفار الدعاة والمقلدين في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ﴾ إلى أن قال: ﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ﴾ الآية [النور: ٣٩، ٤٠]، فالأول للدعاة الذين هم في جهل مركب، والثاني لذوي الجهل البسيط من الأتباع المقلدين، والله أعلم
بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ﴾ الآية [النور: ٣٩، ٤٠]، فالأول للدعاة الذين هم في جهل مركب، والثاني لذوي الجهل البسيط من الأتباع المقلدين، والله أعلم بالصواب].
وقوله تعالى: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ﴾ الآية، الصيب: المطر، وقد ضرب الله في هذه الآية مثلا لما جاء به محمد ﷺ من الهدى والعلم بالمطر، لأن بالعلم والهدى حياة الأرواح، كما أن بالمطر حياة الأجسام.
وأشار إلى وجه ضرب هذا المثل بقوله جل وعلا: ﴿وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِداً﴾.
وقد أوضح ﷺ هذا المثل المشار إليه في الآيتين في حديث أبي موسى المتفق عليه، حيث قال ﷺ: "إن مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم، كمثل غيث أصاب أرضا، فكانت منها طائفة طيبة قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكانت منها أجادب أمسكت الماء فنفع الله بها الناس فشربوا منها، وسقوا وزرعوا، وأصاب منها طائفة أخرى، إنما هي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ. فذلك مثل من فقه في دين الله ونفعه الله بما بعثني به، فعلم وعلم، ومثل من لم يرفع بذلك رأسا، ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به".
•
وقوله تعالى: ﴿فِيهِ ظُلُمَاتٌ﴾ ضرب الله تعالى في هذه الآية
المثل لما يعتري الكفار والمنافقين من الشبه والشكوك في القرآن، بظلمات المطر المضروب مثلا للقرآن، ويبين بعض المواضع التي هي كالظلمة عليهم، لأنها تزيدهم عمى في آيات أخر لقوله: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ﴾، لأن نسخ القبلة يظن بسببه ضعاف اليقين أن النبي - ﷺ -، ليس على يقين من أمره حيث يستقبل يوما جهة، ويوما آخر جهة أخرى، كما قال تعالى: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا﴾، وصرح تعالى بأن نسخ القبلة كبير على غير من هداه الله وقوى يقينه، بقوله: ﴿وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ﴾.
عَلَيْهَا﴾، وصرح تعالى بأن نسخ القبلة كبير على غير من هداه الله وقوى يقينه، بقوله: ﴿وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ﴾.
وكقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ﴾ لأن ما رآه ليلة الإسراء والمعراج من الغرائب والعجائب كان سببا لاعتقاد الكفار أنه - ﷺ - كاذب، لزعمهم أن هذا الذي أخبر به لا يمكن وقوعه، فهو سبب لزيادة الضالين ضلالا.
وكذلك الشجرة الملعونة في القرآن التي هي شجرة الزقوم، فهي سبب أيضا لزيادة ضلال الضالين منهم؛ لأن النبي - ﷺ - لما قرأ ﴿إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ (٦٤)﴾ قالوا: ظهر كذبه، لأن الشجر لا ينبت في الأرض اليابسة فكيف ينبت في أصل النار؟
لنبي - ﷺ - لما قرأ ﴿إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ (٦٤)﴾ قالوا: ظهر كذبه، لأن الشجر لا ينبت في الأرض اليابسة فكيف ينبت في أصل النار؟
وكقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾، لأنه - ﷺ - لما قرأ قوله تعالى: ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ (٣٠)﴾ قال بعض رجال قريش: هذا عدد قليل، فنحن قادرون على قتلهم، واحتلال الجنة بالقوة، لقلة القائمين على النار التي يزعم محمد - ﷺ - أنا سندخلها. والله
تعالى إنما يفعل ذلك اختبارا وابتلاء، وله الحكمة البالغة في ذلك كله، سبحانه وتعالى عما يقولون علوا كبيرا.
•
قوله تعالى: ﴿وَرَعْدٌ﴾ ضرب الله المثل بالرعد لما في القرآن من الزواجر التي تقرع الآذان وتزعج القلوب. وذكر بعضا منها في آيات أخر كقوله: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً﴾ الآية -وكقوله ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهاً فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا﴾ الآية- وكقوله: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾. وقد ثبت في صحيح البخاري في تفسير سورة الطور من حديث جبير بن مطعم ﵁ أنه قال: سمعت رسول الله ﷺ، يقرأ في المغرب بالطور، فلما بلغ هذه الآية ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ (٣٥)﴾ إلى قوله- ﴿الْمُصَيْطِرُونَ (٣٧)﴾ كاد قلبي أن يطير، إلى غير ذلك من قوارع القرآن وزواجره، التي خوفت المنافقين حتى قال الله تعالى فيهم: ﴿يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوّ﴾ والآية التي نحن بصددها، وإن كانت في المنافقين، فالعبرة بعموم الألفاظ لا بخصوص الأسباب.
•
قوله تعالى: ﴿وَبَرْقٌ﴾ ضرب تعالى المثل بالبرق، لما في القرآن من نور الأدلة القاطعة والبراهين الساطعة. وقد صرح بأن القرآن نور يكشف الله به ظلمات الجهل والشك والشرك، كما تكشف بالنور الحسي ظلمات الدجى، كقوله: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُوراً مُبِيناً (١٧٤)﴾ وقوله ﴿وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا﴾ وقوله: ﴿وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ﴾.
•
قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ (١٩)﴾.
قال بعض العلماء: مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ: أي مهلكهم، ويشهد
لهذا القول قوله تعالى: ﴿لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ﴾ أي: تهلكوا عن آخركم: وقيل: تغلبوا. والمعنى متقارب، لأن الهالك لا يهلك حتى يحاط به من جميع الجوانب، ولم يبق له منفذ للسلامة ينفذ منه، وكذلك المغلوب. ومنه قول الشاعر:
أحطنا بهم حتى إذا ما تيقنوا ... بما قد رأوا مالوا جميعا إلى السلم
ومنه أيضا: بمعنى الهلاك: قوله تعالى: ﴿وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ﴾ الآية.
•