KitabAITafsir Al-Qur'an AI-Powered
Daftar surahSurah Al-Baqarah › Ayat 17

QS 2:17

Surah Al-Baqarah (البقرة) ayat 17

2:17
مَثَلُهُمۡ كَمَثَلِ ٱلَّذِي ٱسۡتَوۡقَدَ نَارٗا فَلَمَّآ أَضَآءَتۡ مَا حَوۡلَهُۥ ذَهَبَ ٱللَّهُ بِنُورِهِمۡ وَتَرَكَهُمۡ فِي ظُلُمَٰتٖ لَّا يُبۡصِرُونَ
Perumpamaan mereka seperti orang-orang yang menyalakan api, setelah menerangi sekelilingnya, Allah melenyapkan cahaya (yang menyinari) mereka dan membiarkan mereka dalam kegelapan, tidak dapat melihat
Tanya tentang ayat ini
← Ayat 16Ayat 18 →

Kata per kata

Lafadz, lema, dan akar tiap kata. Klik sebuah kata untuk melihat seluruh ayat yang memakai akar yang sama.

مَثَلُهُمْ
مَثَل
مثل
كَمَثَلِ
مَثَل
مثل
ٱلَّذِى
ٱلَّذِى
kata sambung penghubung
ٱسْتَوْقَدَ
ٱسْتَوْقَدَ
وقد
نَارًا
نَار
نور
فَلَمَّآ
لَمَّا
keterangan waktu
أَضَآءَتْ
أَضَآءَ
ضوا
مَا
مَا
kata sambung penghubung
حَوْلَهُۥ
حَوْل
حول
ذَهَبَ
ذَهَبَ
ذهب
ٱللَّهُ
ٱللَّه
اله
بِنُورِهِمْ
نُور
نور
وَتَرَكَهُمْ
تَرَكَ
ترك
فِى
فِى
preposisi
ظُلُمَٰتٍ
ظُلُمَٰت
ظلم
لَّا
لَا
partikel nafi
يُبْصِرُونَ
أَبْصَرَ
بصر

Konsep

Munafik المنافقون Ibnu Abbas ابن عباس Ibnu Jarir ابن جرير Qatadah قتادة Al-Suddi السدي As-Suddi السدى Isnad الإسناد Abdurrahman bin Zaid bin Aslam عبد الرحمن بن زيد بن أسلم Abu Al-A'aliyah أبو العالية Abu al-A'liyah أبو العالية Abu Ja'far ar-Razi أبو جعفر الرازي Abu Malik أبو مالك Abu Salih أبي صالح Ad-Dahhak الضحاك Al-Hasan الحسن Al-Hasan al-Basri الحسن البصري Ali bin Abi Talhah على بن أبي طلحة ar-Rabi' bin Anas الربيع بن أنس Ata' al-Khorasani عَطَاءُ الخُرَاسَانِي Ata' al-Khurasani عطاء الخرساني Fakhr al-Din al-Razi فخر الدين الرازي Hari akhir & hisab Ibn Abbas ابن عباس Ibnu Abi Hatim ابن أبي حاتم

Tafsir dalam korpus (91 potongan)

QS 2:17 (jilid 1 hlm. 332) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 332 · #50319
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللهُ بِنُورِهِمْ﴾. قال أبو جعفرٍ: إن قال لنا قائلٌ: وكيف قيل: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾. وقد علمتَ أن الهاءَ والميمَ من قولِه: ﴿مَثَلُهُمْ﴾ كنايةُ جماعٍ من الرجالِ، أو الرجالِ والنساءِ، و ﴿الَّذِي﴾ دلالةٌ على واحدٍ من الذكور، فكيف جعَل الخبرَ عن الواحدِ مثلًا لجماعةٍ؟ وهلَّا قيل: مثلُهم كمثلِ الذين اسْتَوقدوا نارًا؟ وإن جاز عندَك أن تُمثَّلَ الجماعةُ بالواحدِ، فتُجيزَ لقائلٍ رأَى جماعةً من الرجالِ فأعْجَبتْه صُوَرُهم وتمامُ خلقِهم وأجسامِهم أن يقولَ: كَأن هؤلاء، أو كأن أجسامَ هؤلاء نخلةٌ؟ قيل: أمّا في الموضعِ الذي مثَّل ربُّنا جلَّ ثناؤُه جماعةً من المنافقين بالواحدِ الذي جعَله لأفعالِهم مثلًا، فجائزٌ حسنٌ، وفي نظائرِه، كما قال جلَّ ثناؤُه في نظيرِ ذلك: ﴿تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ﴾ [الأحزاب: ١٩].
QS 2:17 (jilid 1 hlm. 333) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 333 · #50320
هم مثلًا، فجائزٌ حسنٌ، وفي نظائرِه، كما قال جلَّ ثناؤُه في نظيرِ ذلك: ﴿تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ﴾ [الأحزاب: ١٩]. يَعْني: [كدَوْرِ أعينِ الذين يُغْشَى عليهم] من الموتِ. وكقولِه: ﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ [لقمان: ٢٨]. بمعنى: إلا كبعثِ نفسٍ واحدةٍ. وأمّا في تمثيلِ أجسامِ الجماعةِ من الرجالِ في الطولِ وتمامِ الخلقِ بالواحدةِ من النخيلِ، فغيرُ جائزٍ، ولا في نظائرِه، لفرقٍ بينَهما. فأما تمثيلُ الجماعةِ من المنافقين بالمستوقِد الواحدِ، فإنما جاز لأن المرادَ من الخبرِ عن مَثَلِ المنافقين الخبرُ عن مثَلِ استِضاءتِهم بما أظهَروا بألسنتِهم من الإقرارِ وهم لغيرِه مستبطِنون، من اعتقاداتِهم الرديَّةِ، وخلطِهم نفاقَهم الباطنَ بالإقرارِ بالإيمانِ الظاهرِ.
QS 2:17 (jilid 1 hlm. 333) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 333 · #50321
لِ استِضاءتِهم بما أظهَروا بألسنتِهم من الإقرارِ وهم لغيرِه مستبطِنون، من اعتقاداتِهم الرديَّةِ، وخلطِهم نفاقَهم الباطنَ بالإقرارِ بالإيمانِ الظاهرِ. والاستضاءةُ - وإن اخْتَلفَت أشخاصُ أهلِها - معنًى واحدٌ لا معانٍ مختلفةٌ، فالمَثَلُ لها في معنى المثلِ للشخصِ الواحدِ من الأشياءِ المختلفةِ الأشخاصِ. وتأويلُ ذلك: مثَلُ استضاءةِ المنافقين بما أظْهَروا من الإقرارِ باللهِ ﷿ وبمحمدٍ ﷺ وبما جاء به، قولًا، وهم به مكذِّبون اعتقادًا، كمثَلِ استضاءة الموُقدِ نارًا. ثم أُسقِط ذكرُ الاستضاءةِ وأُضِيف المثلُ إليهم، كما قال نابغةُ بني جَعْدةَ: وكيف تواصِلُ من أصْبَحتْ … خِلالتُه كأبي مَرْحَبِ يريدُ: كخِلالةِ أبي مرحبٍ.
QS 2:17 (jilid 1 hlm. 334) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 334 · #50322
أُسقِط ذكرُ الاستضاءةِ وأُضِيف المثلُ إليهم، كما قال نابغةُ بني جَعْدةَ: وكيف تواصِلُ من أصْبَحتْ … خِلالتُه كأبي مَرْحَبِ يريدُ: كخِلالةِ أبي مرحبٍ. فأسْقَط "خِلالَةَ"؛ إذ كان فيما أظْهَر من الكلامِ دلالةٌ لسامعيه على ما حذَف منه. فكذلك القولُ في قولِه: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾ لما كان معلومًا عندَ سامعيه بما ظهَر من الكلامِ أن المثَلَ إنما ضُرِب لاستضاءةِ القومِ بالإقرارِ دونَ أعيانِ أجسامِهم، حسُن حذفُ ذكرِ الاستضاءةِ وإضافةُ المثلِ إلى أهلِه، والمقصودُ بالمثَل ما ذكَرنا. فلِما وصَفنا جاز وحسُن قولُه: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾. وتَشْبيهُ مثَلِ الجماعةِ في اللفظِ بالواحدِ، إذ كان المرادُ بالمثَلِ الواحدَ في المعنى.
QS 2:17 (jilid 1 hlm. 334) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 334 · #50323
حسُن قولُه: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾. وتَشْبيهُ مثَلِ الجماعةِ في اللفظِ بالواحدِ، إذ كان المرادُ بالمثَلِ الواحدَ في المعنى. وأما إذا أُريد تشبيهُ الجماعةِ من أعيانِ بني آدمَ، أو أعيانِ ذوي الصورِ والأجسامِ بشيْءٍ، فالصوابُ من الكلامِ تشبيهُ الجماعةِ بالجماعةِ، والواحدِ بالواحدِ؛ لأن عينَ كلِّ واحدٍ منهم غيرُ أعيانِ الآخرينَ، ولذلك من المعنى افْتَرَق القولُ في تشبيهِ الأفعالِ والأسماءِ، فجاز تشبيهُ أفعالِ الجماعةِ من الناسِ وغيرهم - [إذا كانت] بمعنًى واحدٍ - بفعلِ الواحدِ، ثم حذفُ أسماءِ الأفعالِ، وإضافةُ المثَلِ والتشبيهِ إلى الذين لهم الفعلُ، فيقالُ: ما أفعالُكم إلا كفعلِ الكلبِ. ثم يُحذفُ فيقالُ: ما أفعالُكم إلا كالكلبِ، أو كالكلابِ. وأنت تعني: إلّا كفعلِ الكلبِ، وإلّا كفعل الكلابِ. ولم يَجُزْ أن تقولَ: ما هم إلا نخلةٌ. وأنت تريدُ تشبيهَ أجسامِهم بالنخلِ في الطولِ والتمامِ. وأما قولُه: ﴿اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾.
QS 2:17 (jilid 1 hlm. 335) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 335 · #50324
ِ، وإلّا كفعل الكلابِ. ولم يَجُزْ أن تقولَ: ما هم إلا نخلةٌ. وأنت تريدُ تشبيهَ أجسامِهم بالنخلِ في الطولِ والتمامِ. وأما قولُه: ﴿اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾. فإنه في تأويلِ: أوْقَد، كما قال الشاعرُ: ودَاعٍ دَعَا يا من يُجيبُ إلى النَّدَى … فلم يَسْتَجِبْه عندَ ذاك مُجيبُ يريدُ: فلم يُجِبْه. فكان معنى الكلامِ إذن: مثَلُ استضاءةِ هؤلاء المنافقين في إظهارِهم لرسولِ اللهِ ﷺ وللمؤمنين بألسنتِهم من قولِهم: آمنَّا باللهِ وباليومِ الآخرِ، وصدَّقنا بمحمدٍ وبما جاء به. وهم للكفرِ مستبطِنون، فيما اللهُ فاعلٌ بهم، مثَلُ استضاءةِ موقِدٍ نارًا بنارِه، حتى أضاءت له النارُ ما حولَه. يعني ما حَولَ المستوقِدِ. وقد زعَم بعضُ أهلِ العربيةِ من أهلِ البصرةِ أن ﴿الَّذِي﴾ في قولِه: ﴿كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾ بمعنى الذين، كما قال جلَّ ثناؤُه: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ [الزمر: ٣٣].
QS 2:17 (jilid 1 hlm. 335) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 335 · #50325
الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾ بمعنى الذين، كما قال جلَّ ثناؤُه: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ [الزمر: ٣٣]. وكما قال الشاعرُ: فإن الذي حانت بفَلْجٍ دماؤُهُمْ … هُمُ القومُ كلُّ القومِ يا أُمَّ خالدِ قال أبو جعفرٍ: والقولُ الأولُ هو القولُ؛ لِما وصَفْنا من العلةِ، وقد أغْفَل قائلُ ذلك فرقَ ما بينَ "الذي" في الآيتين وفي البيتِ؛ لأن ﴿الَّذِي﴾ في قولِه: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ﴾ قد جاءت الدَّلالةُ عدي أن معناها الجمعُ، وهو قولُه: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾. وكذلك "الذي" في البيتِ، وهو قولُه: دماؤُهم. وليست هذه الدَّلالةُ في قولِه: ﴿كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾.
QS 2:17 (jilid 1 hlm. 336) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 336 · #50326
ُه: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾. وكذلك "الذي" في البيتِ، وهو قولُه: دماؤُهم. وليست هذه الدَّلالةُ في قولِه: ﴿كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾. فذلك فرقُ ما بينَ ﴿الَّذِي﴾ فما قولِه: ﴿كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾ وسائرِ شواهدِه التي اسْتَشهد بها على أن معنى: ﴿الَّذِي﴾ في قولِه: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾ بمعنى الجماعِ، وغيرُ جائزٍ لأحدٍ نقلُ الكلمةِ التي الأغلبُ في استعمالِ العربِ على معنًى إلى غيرِه إلا بحجةٍ يجبُ التسليمُ لها.
QS 2:17 (jilid 1 hlm. 336) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 336 · #50327
ذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾ بمعنى الجماعِ، وغيرُ جائزٍ لأحدٍ نقلُ الكلمةِ التي الأغلبُ في استعمالِ العربِ على معنًى إلى غيرِه إلا بحجةٍ يجبُ التسليمُ لها. ثم اخْتَلف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك؛ فرُوِي عن ابنِ عباسٍ فيه أقوالٌ: أحدُها: ما حدَّثني به محمدُ بنُ حُميدٍ، قال: حدَّثنا سلمةُ، عن ابنِ إسحاقَ، عن محمدِ بنِ أبي محمدٍ، عن عكرمةَ، أو عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: ضرَب اللهُ للمنافقين مثلًا فقال: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ﴾ أي: يُبصِرون الحقَّ ويقولون به، حتى إذا خرَجوا به من ظُلمةِ الكفرِ، أطفئوه بكفرِهم به ونقاقِهم فيه، فترَكهم في ظلماتِ الكفرِ، فهم لا يُبصِرون هدًى، ولا يَسْتقيمون على حقٍّ.
QS 2:17 (jilid 1 hlm. 336) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 336 · #50328
قولون به، حتى إذا خرَجوا به من ظُلمةِ الكفرِ، أطفئوه بكفرِهم به ونقاقِهم فيه، فترَكهم في ظلماتِ الكفرِ، فهم لا يُبصِرون هدًى، ولا يَسْتقيمون على حقٍّ. والآخرُ: ما حدَّثنا به المُثَنَّى بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا أبو صالحٍ، قال: حدَّثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليِّ بنِ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾ إلى آخِرِ الآيةِ: هذا مثَلٌ ضرَبه اللهُ للمنافقين أنهم كانوا يعتزُّون بالإسلامِ، فيناكحُهم المسلمون، [ويُوارِثونهم]، ويقاسمونهم الفَيْءَ، فلما ماتوا سلَبهم اللهُ ذلك العزَّ، كما سلَب صاحبَ النارِ ضوءَه، ﴿وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ﴾.
QS 2:17 (jilid 1 hlm. 337) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 337 · #50329
ناكحُهم المسلمون، [ويُوارِثونهم]، ويقاسمونهم الفَيْءَ، فلما ماتوا سلَبهم اللهُ ذلك العزَّ، كما سلَب صاحبَ النارِ ضوءَه، ﴿وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ﴾. [يقولُ: في] عذابٍ. والثالثُ: ما حدَّثني به موسى بنُ هارونَ، قال: حدَّثنا عمرٌو، قال: حدَّثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ في خبرٍ ذكَره عن أبي مالكٍ، وعن أبي صالحٍ، عن ابنِ عباسٍ، وعن مُرَّةَ، عن ابنِ مسعودٍ، وعن ناسٍ من أصحابِ النبيِّ ﷺ: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ﴾: زعَم أن أُناسًا دخَلوا في الإسلامِ مقدَمَ النبيِّ ﷺ المدينةَ، ثم إنهم نافقوا، فكان مثَلُهم كمثَلِ رجلٍ كان في ظلمةٍ، فأوْقَد نارًا فأضاءت له ما حولَه
QS 2:17 (jilid 1 hlm. 337) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 337 · #50330
زعَم أن أُناسًا دخَلوا في الإسلامِ مقدَمَ النبيِّ ﷺ المدينةَ، ثم إنهم نافقوا، فكان مثَلُهم كمثَلِ رجلٍ كان في ظلمةٍ، فأوْقَد نارًا فأضاءت له ما حولَه من قَذًى أو أذًى، فأبْصَره حتى عرَف ما يَتَّقي، فبينا هو كذلك إذ طُفِئت نارُه، فأقْبَل لا يَدْرى ما يَتَّقي من أَذًى، فكذلك المنافقُ، كان في ظلمةِ الشركِ، فأسْلم فعرَف الحلالَ من الحرامِ، والخيرَ من الشرِّ، فبينا هو كذلك إذ كفَر، فصار لا يعرِفُ الحلالَ من الحرامِ، ولا الخيرَ من الشرِّ، وأما النورُ فالإيمانُ بما جاء به محمدٌ ﷺ، وكانت الظلمةُ نفاقَهم. والآخر: ما حدَّثني به محمدُ بنُ سعدٍ، قال: حدَّثني أبي، قال: حدَّثني عمِّي، عن أبيه، عن جدِّه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾، إلى ﴿فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾: ضرَبه اللهُ مثلًا للمنافقِ، وقولُه: ﴿ذَهَبَ اللهُ بِنُورِهِمْ﴾.
QS 2:17 (jilid 1 hlm. 338) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 338 · #50331
ولَه: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾، إلى ﴿فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾: ضرَبه اللهُ مثلًا للمنافقِ، وقولُه: ﴿ذَهَبَ اللهُ بِنُورِهِمْ﴾. قال: أما النورُ فهو إيمانُهم الذي يتكلَّمون به، وأما الظلمةُ فهي ضلالتُهم وكفرُهم الذي يتكلَّمون به، وهم قومٌ كانوا على هدًى، ثم نُزِع منهم فعَتَوا بعدَ ذلك. وقال آخرون بما حدَّثني به بشرٌ، قال: حدَّثنا يزيدُ، قال: حدَّثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ﴾: وإن المنافقَ تكلَّم بـ "لا إلَه إلا اللهُ"، فأضاءت له في الدنيا، فناكَح بها المسلمين، وعادَّ بها المسلمين، ووارَث بها المسلمين، وحقَن بها دمَه ومالَه، فلما كان عندَ الموتِ سُلِبها المنافقُ؛ لأنَّه لم يكنْ لها أصلٌ في قلبِه، ولا حقيقةٌ في عمَلِه.
QS 2:17 (jilid 1 hlm. 339) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 339 · #50332
ا المسلمين، ووارَث بها المسلمين، وحقَن بها دمَه ومالَه، فلما كان عندَ الموتِ سُلِبها المنافقُ؛ لأنَّه لم يكنْ لها أصلٌ في قلبِه، ولا حقيقةٌ في عمَلِه. حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبَرنا عبدُ الرزَّاقِ، قال: أخْبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ﴾: وهي لا إلَهَ إلا اللهُ، أضاءت لهم فأكلوا بها وشرِبوا، وأمِنوا في الدنيا، ونكَحوا النساءَ، وحقَنوا دماءَهم، حتى إذا ماتوا ذهَب اللهُ بنورِهم وترَكهم في ظلماتٍ لا يُبْصِرون. حدَّثنا القاسمُ بنُ الحسنِ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثني أبو تُمَيلةَ، عن عُبيدِ بنِ سليمانَ، عن الضحّاكِ بنِ مُزاحمٍ قولَه: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ﴾.
QS 2:17 (jilid 1 hlm. 339) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 339 · #50333
أبو تُمَيلةَ، عن عُبيدِ بنِ سليمانَ، عن الضحّاكِ بنِ مُزاحمٍ قولَه: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ﴾. قال: أما النورُ فهو إيمانُهم الذي يتكلَّمون به، وأما الظلماتُ فهي ضلالتُهم وكفرُهم. وقال آخرون بما حدَّثني به محمدُ بنُ عمرٍو الباهليُّ، قال: حدَّثنا أبو عاصمٍ، قال: حدَّثنا عيسى بنُ ميمونٍ، قال: حدَّثنا ابنُ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ﴾.
QS 2:17 (jilid 1 hlm. 340) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 340 · #50334
بنُ ميمونٍ، قال: حدَّثنا ابنُ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ﴾. قال: أما إضاءةُ النارِ، فإقبالُهم إلى المؤمنين و الهدَى، وذهابُ نورِهم إقبالُهم إلى الكافرين و الضلالةِ. حدَّثني المُثَنَّى بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا أبو حُذيفةَ، عن شِبْلٍ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ﴾: أما إضاءةُ النارِ، فإقبالُهم إلى المؤمنين والهدى، وذهابُ نورِهم إقبالُهم إلى الكافرين والضلالةِ. حدَّثني القاسمُ، قال: حدَّثني الحسينُ، قال: حدَّثني حجَّاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه. حدَّثني المُثَنَّى، قال: حدَّثنا إسحاقُ بنُ الحجَّاجِ، عن عبدِ اللهِ بنِ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرَّبيعِ بنِ أنسٍ، قال: ضرَب مثَلَ أهلِ النِّفاقِ فقال: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾.
QS 2:17 (jilid 1 hlm. 340) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 340 · #50335
، عن عبدِ اللهِ بنِ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرَّبيعِ بنِ أنسٍ، قال: ضرَب مثَلَ أهلِ النِّفاقِ فقال: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾. قال: إنما ضَوْءُ النارِ ونُورُها ما أوقدْتَها، فإذا خمَدت ذهَب نورُها، كذلك المنافقُ، كلما تكلَّم بكلمةِ الإخلاصِ أضاء له، فإذا شكَّ وقَع في الظلمةِ. حدَّثني يونسُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: أخْبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: حدَّثني عبدُ الرحمنِ بنُ زيدٍ في قولِه: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾ إلى آخرِ الآيةِ. قال: هذه صفةُ المنافقين، كانوا قد آمَنوا حتى أضاء الإيمانُ في قلوبِهم، كما أضاءت النارُ لهؤلاء الذين اسْتَوْقَدوا، ثم كفَروا فذَهب اللهُ بنورِهم، فانْتَزَعه كما ذهَب بضوءِ هذه النارِ، فترَكهم في ظلماتٍ لا يُبْصِرون.
QS 2:17 (jilid 1 hlm. 341) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 341 · #50336
بِهم، كما أضاءت النارُ لهؤلاء الذين اسْتَوْقَدوا، ثم كفَروا فذَهب اللهُ بنورِهم، فانْتَزَعه كما ذهَب بضوءِ هذه النارِ، فترَكهم في ظلماتٍ لا يُبْصِرون. وأوْلى التأويلاتِ بالآيةِ ما قاله قتادةُ والضحَّاكُ، وما رواه عليُّ بنُ أبي طلحةَ عن ابنِ عباسٍ، وذلك أن اللهَ جلَّ ثناؤُه إنما ضرَب هذا المثلَ للمنافقين الذين وصَف صفتَهم وقصَّ قَصَصَهم، من لدنِ ابْتَدأ بذكرِهم بقولِه: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ لا [للمُعالِنين بالكفرِ] المجاهرين بالشركِ.
QS 2:17 (jilid 1 hlm. 341) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 341 · #50337
، من لدنِ ابْتَدأ بذكرِهم بقولِه: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ لا [للمُعالِنين بالكفرِ] المجاهرين بالشركِ. ولو كان المثلُ لمن آمَن إيمانًا صحيحًا ثم أعْلن بالكفرِ إعلانًا صحيحًا - على ما ظنَّ المتأوِّلُ قولَ اللهِ جلَّ ثناؤُه: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ﴾ أن ضوءَ النارِ مثَلٌ لإيمانِهم الذي كان منهم عندَه على صحةٍ، وأن ذَهابَ نورِهم مثَلٌ لارتدادِهم وإعلانِهم الكفرَ على صحةٍ - لم يكنْ هناك من القومِ خِداعٌ ولا استهزاءٌ عندَ أنفسِهم ولا نِفاقٌ. وأنَّى يكونُ خِداعٌ ونفاقٌ ممَّن لم يُبدِ لك قولًا ولا فعلًا إلا ما أوْجَب لك العلمَ بحالِه التي هو لك عليها، وبعزيمةِ نفسِه التي هو مقيمٌ عليها؟
QS 2:17 (jilid 1 hlm. 341) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 341 · #50338
قٌ. وأنَّى يكونُ خِداعٌ ونفاقٌ ممَّن لم يُبدِ لك قولًا ولا فعلًا إلا ما أوْجَب لك العلمَ بحالِه التي هو لك عليها، وبعزيمةِ نفسِه التي هو مقيمٌ عليها؟ إن هذا لغيرِ شكٍّ من النِّفاقِ بعيدٌ، ومن الخِداعِ برئٌ، وإن كان القومُ لم تكنْ لهم إلا حالتان؛ حالُ إيمانٍ ظاهرٍ، وحالُ كفرٍ ظاهرٍ، فقد سَقَط عن القومِ اسمُ النفاقِ؛ لأنهم في حالِ إيمانِهم الصحيحِ كانوا مؤمنين، وفي حالِ كفرِهم الصحيحِ كانوا كافرين، ولا حالةَ هنالك ثالثةً كانوا بها منافقين. وفي وصفِ اللهِ جلَّ ثناؤُه إيَّاهم بصفةِ النفاقِ ما يُنْبئُ عن أن القولَ غيرُ القولِ الذي زعَمه مَن زعَم أن القومَ كانوا مؤمنين ثم ارتدُّوا إلى الكفرِ فأقاموا عليه، إلا أن يكونَ قائلُ ذلك أراد أنهم انْتَقلوا من إيمانِهم الذي كانوا عليه إلى الكفرِ الذي هو نفاقٌ، وذلك قولٌ إن قاله، لم تُدرَكْ صحتُه إلَّا بخَبَرٍ مستفيضٍ، أو ببعضِ المعاني الموجبةِ صحَّتَه.
QS 2:17 (jilid 1 hlm. 342) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 342 · #50339
ا من إيمانِهم الذي كانوا عليه إلى الكفرِ الذي هو نفاقٌ، وذلك قولٌ إن قاله، لم تُدرَكْ صحتُه إلَّا بخَبَرٍ مستفيضٍ، أو ببعضِ المعاني الموجبةِ صحَّتَه. فأما في ظاهرِ الكتابِ، فلا دلالةَ على صحَّتِه؛ لاحتمالِه من التأويلِ ما هو أوْلَى به منه. فإذ كان الأمرُ على ما وصَفْنا في ذلك، فأوْلَى تأويلاتِ الآيةِ بالآيةِ: مثَلُ استضاءةِ المنافقين - بما أظْهَروا بألسنتِهم لرسولِ اللهِ ﷺ من الإقرارِ به، وقولِهم له وللمؤمنين: آمَنَّا باللهِ وكتُبِه ورسلِه واليومِ الآخرِ.
QS 2:17 (jilid 1 hlm. 342) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 342 · #50340
مثَلُ استضاءةِ المنافقين - بما أظْهَروا بألسنتِهم لرسولِ اللهِ ﷺ من الإقرارِ به، وقولِهم له وللمؤمنين: آمَنَّا باللهِ وكتُبِه ورسلِه واليومِ الآخرِ. حتى حُكِم لهم بذلك في عاجلِ الدنيا بحكمِ المسلمين في حقنِ الدماءِ والأموالِ، والأمنِ على الذرِّيَّةِ من السِّباءِ، وفي المناكحةِ والموارثةِ - كمثلِ استضاءةِ الموقِدِ النارَ بالنارِ، حتى ارْتَفق بضيائِها، وأبْصَر به ما حولَه مستضيئًا بنورِه من الظلمةِ، حتى خمَدت النارُ وانطفأت، فذهَب نورُه، وعاد المستضئُ به في ظلمةٍ وحَيْرةٍ. وذلك أن المنافقَ لم يزَلْ مستضيئًا بضوءِ القولِ الذي دافعَ عنه في حياتِه القتلَ والسِّباءَ، مع استبطانِه ما كان مستوجِبًا به القتلَ وسلبَ المالِ لو أظْهَره بلسانِه، تُخَيِّلُ إليه بذلك نفسُه أنه باللهِ ورسولِه والمؤمنين مستهزئٌ مخادعٌ، حتى سوَّلت له نفسُه إذ ورَد على ربِّه في الآخرةِ أنه ناجٍ منه بمثلِ الذي نجا به في الدنيا من الكذبِ والنفاقِ.
QS 2:17 (jilid 1 hlm. 343) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 343 · #50341
اللهِ ورسولِه والمؤمنين مستهزئٌ مخادعٌ، حتى سوَّلت له نفسُه إذ ورَد على ربِّه في الآخرةِ أنه ناجٍ منه بمثلِ الذي نجا به في الدنيا من الكذبِ والنفاقِ. أوَ ما تسمَعُ اللهَ جَلَّ ثناؤُه يقولُ إذ نعَتهم، ثم [أخْبَر خبرَهم] عندَ ورودِهم عليه: ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ [المجادلة: ١٨]. ظنًّا من القومِ أن نجاءَهم من عذابِ اللهِ في الآخرةِ، في مثلِ الذي كان به نجاؤُهم (٣) من القتلِ والسِّباءِ وسلبِ المالِ في الدنيا، من الكذبِ والإفكِ، وأن خداعَهم نافعُهم هنالك نفعَه إيَّاهم في الدنيا، حتى عايَنوا من أمرِ اللهِ ما أيْقَنوا به أنهم كانوا من ظنونِهم في غرورٍ وضلالٍ، واستهزاءٍ بأنفسِهم وخداعٍ، إذ أطْفأ اللهُ نورَهم يومَ القيامةِ، فاسْتَنظروا المؤمنين ليقْتَبِسوا من نورِهم، فقيل لهم: ارْجِعوا وراءَكم فالتمِسوا نورًا، واصلَوْا سعيرًا.
QS 2:17 (jilid 1 hlm. 343) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 343 · #50342
وخداعٍ، إذ أطْفأ اللهُ نورَهم يومَ القيامةِ، فاسْتَنظروا المؤمنين ليقْتَبِسوا من نورِهم، فقيل لهم: ارْجِعوا وراءَكم فالتمِسوا نورًا، واصلَوْا سعيرًا. فذلك حينَ ذهَب اللهُ بنورِهم وترَكهم في ظلماتٍ لا يُبْصِرون، كما انطَفأت نارُ المستوقِدِ النارَ بعدَ إضاءتِها له، فبقِي في ظلمةٍ حَيْرانَ تائهًا، يقولُ اللهُ جلَّ ثناؤُه: ﴿يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ (١٣) يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ
QS 2:17 (jilid 1 hlm. 343) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 343 · #50343
هُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (١٤) فَالْيَوْمَ لَا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلَا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مَأْوَاكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلَاكُمْ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [الحديد: ١٣ - ١٥]. فإن قال لنا قائلٌ: إنك ذكَرْتَ أن معنى قولِ اللهِ تعالى ذكرُه: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ﴾: خمَدت وانطَفأت. وليس ذلك بموجودٍ في القرآنِ، فما دَلالتُك على أن ذلك معناه؟ قيل: قد قلنا: إن من شأنِ العربِ الإيجازَ والاختصارَ إذا كان فيما نطَقت به الدَّلالةُ الكافيةُ على ما حذَفت وترَكت، كما قال أبو ذُؤَيبٍ الهُذَلِيُّ: عَصَيْتُ إليها القلبَ إِنِّي لأمرِها … سميعٌ فما أدْرِى أرُشْدٌ طِلابُها يعني بذلك: فما أدْرِى أرُشْدٌ طِلابُها أم غيٌّ.
QS 2:17 (jilid 1 hlm. 344) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 344 · #50344
قال أبو ذُؤَيبٍ الهُذَلِيُّ: عَصَيْتُ إليها القلبَ إِنِّي لأمرِها … سميعٌ فما أدْرِى أرُشْدٌ طِلابُها يعني بذلك: فما أدْرِى أرُشْدٌ طِلابُها أم غيٌّ. فحذَف ذكرَ "أَمْ غيٌّ"، إذ كان فيما نطَق به الدلالةُ عليها، وكما قال ذو الرُّمَّهِ في نعتِ حَميرٍ: فلمَّا لَبِسْنَ اللَّيْلَ أو حينَ نصَّبَت … له مِن خَذَا آذانِها وَهْو جانِحُ يعني: أو حينَ أقْبَل الليلُ. في نظائرَ لذلك كثيرةٍ كرِهنا إطالةَ الكتابِ بذكرِها. فكذلك قولُه: ﴿كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ﴾ لمَّاَ كان فيه وفيما بعدَه من قولِه: ﴿ذَهَبَ اللهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ﴾
QS 2:17 (jilid 1 hlm. 344) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 344 · #50345
َدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ﴾ لمَّاَ كان فيه وفيما بعدَه من قولِه: ﴿ذَهَبَ اللهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ﴾ دَلالةٌ على المتروكِ كافيةٌ من ذكرِه، اخْتَصر الكلامَ طلبَ الإيجازِ، وكذلك حذفُ ما حذَف واختصارُ ما اخْتَصَر من الخبرِ عن مثَلِ المنافقين بعدَه، نظيرَ ما اخْتصر من الخبرِ عن مثَلِ المستوقِدِ النارَ؛ لأن معنى الكلامِ: فكذلك المنافقون ذهَب اللهُ بنورِهم وترَكهم في ظلماتٍ لا يُبْصِرون - بعدَ الضياءِ الذي كانوا فيه في الدنيا، بما كانوا يُظْهِرون بألسنتِهم من الإقرارِ بالإسلامِ، وهم لغيرِه مستبطِنون - كما ذهَب ضوءُ نارِ هذا المستوقِدِ بانطفاءِ نارِه وخمودِها، فبقِيَ في ظلمةٍ لا يُبْصِرُ. والهاءُ والميمُ في قولِه: ﴿ذَهَبَ اللهُ بِنُورِهِمْ﴾ عائدةٌ على الهاءِ والميمِ في قولِه: ﴿مَثَلُهُمْ﴾.
QS 2:17-18 (jilid 1 hlm. 186) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 1 · hlm. 186 · #80895
﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لا يُبْصِرُونَ (١٧) صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ (١٨)﴾ [يقال: مثل ومثل ومثيل -أيضا-والجمع أمثال، قال الله تعالى: ﴿وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلا الْعَالِمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٣]. وتقرير هذا المثل: أن الله سبحانه، شبَّههم في اشترائهم الضلالة بالهدى، وصيرورتهم بعد التبصرة إلى العمى، بمن استوقد نارًا، فلما أضاءت ما حوله وانتفع بها وأبصر بها ما عن يمينه وشماله، وتَأنَّس بها فبينا هو كذلك إذْ طفئت ناره، وصار في ظلام شديد، لا يبصر ولا يهتدي، وهو مع ذلك أصم لا يسمع، أبكم لا ينطق، أعمى لو كان ضياء لما أبصر؛ فلهذا لا يرجع إلى ما كان عليه قبل ذلك، فكذلك هؤلاء المنافقون في استبدالهم الضلالة عوضًا عن الهدى، واستحبابهم الغَيّ على الرّشَد.
QS 2:17-18 (jilid 1 hlm. 186) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 1 · hlm. 186 · #80896
و كان ضياء لما أبصر؛ فلهذا لا يرجع إلى ما كان عليه قبل ذلك، فكذلك هؤلاء المنافقون في استبدالهم الضلالة عوضًا عن الهدى، واستحبابهم الغَيّ على الرّشَد. وفي هذا المثل دلالة على أنهم آمنوا ثم كفروا، كما أخبر عنهم تعالى في غير هذا الموضع، والله أعلم. وقد حكى هذا الذي قلناه فخر الدين الرازي في تفسيره عن السدي ثم قال: والتشبيه هاهنا في غاية الصحة؛ لأنهم بإيمانهم اكتسبوا أولا نورا ثم بنفاقهم ثانيًا أبطلوا ذلك النور فوقعوا في حيرة عظيمة فإنه لا حيرة أعظم من حيرة الدين. وزعم ابن جرير أن المضروب لهم المثل هاهنا لم يؤمنوا في وقت من الأوقات، واحتج بقوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٨]. والصواب: أن هذا إخبار عنهم في حال نفاقهم وكفرهم، وهذا لا ينفي أنه كان حصل لهم إيمان قبل ذلك، ثم سُلبوه وطبع على قلوبهم، ولم يستحضر ابن جرير، ﵀، هذه الآية هاهنا وهي
QS 2:17-18 (jilid 1 hlm. 186) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 1 · hlm. 186 · #80897
ذا إخبار عنهم في حال نفاقهم وكفرهم، وهذا لا ينفي أنه كان حصل لهم إيمان قبل ذلك، ثم سُلبوه وطبع على قلوبهم، ولم يستحضر ابن جرير، ﵀، هذه الآية هاهنا وهي قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ﴾ [المنافقون: ٣]؛ فلهذا وجه [ابن جرير] هذا المثل بأنهم استضاؤوا بما أظهروه من كلمة الإيمان، أي في الدنيا، ثم أعقبهم ظلمات يوم القيامة. قال: وصح ضرب مثل الجماعة بالواحد، كما قال: ﴿رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ﴾ [الأحزاب: ١٩] أي: كدوران عيني الذي يغشى عليه من الموت، وقال تعالى: ﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ [لقمان: ٢٨] وقال تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾ [الجمعة: ٥]، وقال بعضهم: تقدير الكلام: مثل قصتهم كقصة الذي استوقد نارا. وقال بعضهم: المستوقد واحد لجماعة معه.
QS 2:17-18 (jilid 1 hlm. 187) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 1 · hlm. 187 · #80898
َمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾ [الجمعة: ٥]، وقال بعضهم: تقدير الكلام: مثل قصتهم كقصة الذي استوقد نارا. وقال بعضهم: المستوقد واحد لجماعة معه. وقال آخرون: الذي هاهنا بمعنى الذين كما قال الشاعر: وإن الذي حانت بفلج دماؤهم … هم القوم كل القوم يا أم خالد قلت: وقد التفت في أثناء المثل من الواحد إلى الجمع، في قوله تعالى: (فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لا يُبْصِرُونَ * صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ) وهذا أفصح في الكلام، وأبلغ في النظام، وقوله تعالى: (ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ) أي: ذهب عنهم ما ينفعهم، وهو النور، وأبقى لهم ما يضرهم، وهو الإحراق والدخان (وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ) وهو ما هم فيه من الشك والكفر والنفاق، (لا يُبْصِرُونَ) لا يهتدون إلى سبل خير ولا يعرفونها، وهم مع ذلك (صُمٌّ) لا يسمعون خيرا (بُكْمٌ) لا يتكلمون بما ينفعهم (عُمْيٌ) في ضلالة وعماية البصيرة، كما قال تعالى: ﴿فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ
QS 2:17-18 (jilid 1 hlm. 187) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 1 · hlm. 187 · #80899
، وهم مع ذلك (صُمٌّ) لا يسمعون خيرا (بُكْمٌ) لا يتكلمون بما ينفعهم (عُمْيٌ) في ضلالة وعماية البصيرة، كما قال تعالى: ﴿فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج: ٤٦] فلهذا لا يرجعون إلى ما كانوا عليه من الهداية التي باعوها بالضلالة. ذكر أقوال المفسرين من السلف بنحو ما ذكرناه: قال السدي في تفسيره، عن أبي مالك وعن أبي صالح، عن ابن عباس، وعن مرّة، عن ابن مسعود، وعن ناس من الصحابة، في قوله تعالى: (فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ) زعم أن ناسًا دخلوا في الإسلام مَقْدَم نبيّ الله ﷺ المدينة، ثم إنهم نافقوا، فكان مثلهم كمثل رجُل كان في ظلمة، فأوقد نارًا، فأضاءت ما حوله من قذى، أو أذى، فأبصره حتى عرف ما يتقي منه فبينا هو كذلك إذ طفئت ناره، فأقبل لا يدري ما يتقي من أذى، فكذلك المنافق: كان في ظلمة الشرك فأسلم، فعرف الحلال والحرام، و [عرف] الخير والشر، فبينا هو كذلك إذ كفر، فصار لا يعرف الحلال من الحرام، ولا الخير من الشر.
QS 2:17-18 (jilid 1 hlm. 187) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 1 · hlm. 187 · #80900
لك المنافق: كان في ظلمة الشرك فأسلم، فعرف الحلال والحرام، و [عرف] الخير والشر، فبينا هو كذلك إذ كفر، فصار لا يعرف الحلال من الحرام، ولا الخير من الشر. وقال مجاهد: (فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ) أما إضاءة النار فإقبالهم إلى المؤمنين، والهدى. وقال عطاء الخرساني في قوله: (مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا) قال: هذا مثل المنافق، يبصر أحيانًا ويعرف أحيانًا، ثم يدركه عمى القلب. وقال ابن أبي حاتم: وروي عن عكرمة، والحسن والسدي، والرّبيع بن أنس نحو قول عطاء الخرساني. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، في قوله تعالى: (مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا) إلى آخر الآية، قال: هذه صفة المنافقين.
QS 2:17-18 (jilid 1 hlm. 188) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 1 · hlm. 188 · #80901
عطاء الخرساني. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، في قوله تعالى: (مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا) إلى آخر الآية، قال: هذه صفة المنافقين. كانوا قد آمنوا حتى أضاء الإيمان في قلوبهم، كما أضاءت النار لهؤلاء الذين استوقدوا ثم كفروا فذهب الله بنورهم فانتزعه، كما ذهب بضوء هذه النار فتركهم في ظلمات لا يبصرون. وقال العوفي، عن ابن عباس، في هذه الآية، قال: أما النور: فهو إيمانهم الذي كانوا يتكلمون به، وأمَّا الظلمة: فهي ضلالتهم وكفرهم الذي كانوا يتكلمون به، وهم قوم كانوا على هدى، ثمّ نزع منهم، فعتوا بعد ذلك. وأما قول ابن جرير فيشبه ما رواه علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله تعالى: (مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا) قال: هذا مثل ضربه الله للمنافقين أنهم كانوا يعتزون بالإسلام، فيناكحهم المسلمون ويوارثونهم ويقاسمونهم الفيء، فلما ماتوا سلبهم الله ذلك العِزّ، كما سُلِب صاحب النار ضَوءه.
QS 2:17-18 (jilid 1 hlm. 188) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 1 · hlm. 188 · #80902
لله للمنافقين أنهم كانوا يعتزون بالإسلام، فيناكحهم المسلمون ويوارثونهم ويقاسمونهم الفيء، فلما ماتوا سلبهم الله ذلك العِزّ، كما سُلِب صاحب النار ضَوءه. وقال أبو جعفر الرازي، عن الرّبيع بن أنس، عن أبي العالية: (مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا) فإنما ضوء النار ما أوقدتها، فإذا خمدت ذهب نورها، وكذلك المنافق، كلما تكلم بكلمة الإخلاص، بلا إله إلا الله، أضاء له، فإذا شك وقع في الظلمة. وقال الضحاك [في قوله] (ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ) أما نورهم فهو إيمانهم الذي تكلموا به. وقال عبد الرزاق، عن مَعْمَر، عن قتادة: (مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ) فهي لا إله إلا الله؛ أضاءت لهم فأكلوا بها وشربوا وأمنوا في الدنيا، ونكحوا النساء، وحقنوا دماءهم، حتى إذا ماتوا ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات لا يبصرون.
QS 2:17-18 (jilid 1 hlm. 188) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 1 · hlm. 188 · #80903
لا إله إلا الله؛ أضاءت لهم فأكلوا بها وشربوا وأمنوا في الدنيا، ونكحوا النساء، وحقنوا دماءهم، حتى إذا ماتوا ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات لا يبصرون. وقال سعيد، عن قتادة في هذه الآية: إن المعنى: أن المنافق تكلم بلا إله إلا الله فأضاءت له الدنيا، فناكح بها المسلمين، وغازاهم بها، ووارثهم بها، وحقن بها دمه وماله، فلما كان عند الموت، سلبها المنافق؛ لأنه لم يكن لها أصل في قلبه، ولا حقيقة في عمله. (وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ) قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: (وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ) يقول: في عذاب إذا ماتوا. وقال محمد بن إسحاق، عن محمد بن أبي محمد، عن عِكْرِمة، أو سعيد بن جبير، عن ابن عباس: (وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ) أي يبصرون الحق ويقولون به، حتى إذا خرجوا من ظلمة الكفر أطفؤوه بكفرهم ونفاقهم فيه، فتركهم الله في ظلمات الكفر، فهم لا يبصرون هدى، ولا يستقيمون على حق. وقال السدي في تفسيره بسنده: (وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ) فكانت الظلمة نفاقهم.
QS 2:17-18 (jilid 1 hlm. 189) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 1 · hlm. 189 · #80904
فيه، فتركهم الله في ظلمات الكفر، فهم لا يبصرون هدى، ولا يستقيمون على حق. وقال السدي في تفسيره بسنده: (وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ) فكانت الظلمة نفاقهم. وقال الحسن البصري: (وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لا يُبْصِرُونَ) فذلك حين يموت المنافق، فيظلم عليه عمله عمل السوء، فلا يجد له عملا من خير عمل به يصدق به قول: لا إله إلا الله. (صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ) قال السدي بسنده: (صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ) فهم خرس عمي. وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: (صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ) يقول: لا يسمعون الهدى ولا يبصرونه ولا يعقلونه، وكذا قال أبو العالية، وقتادة بن دعامة. (فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ) قال ابن عباس: أي لا يرجعون إلى هدى، وكذلك قال الرّبيع بن أنس. وقال السدي بسنده: (صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ) إلى الإسلام. وقال قتادة: (فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ) أي لا يتوبون ولا هم يذكرون.
QS 2:17 (jilid 1 hlm. 302) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 302 · #108358
[سُورَة الْبَقَرَة (٢) : آيَة ١٧] مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارا فَلَمَّا أَضاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ لَا يُبْصِرُونَ (١٧) مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارا. أَعْقَبَتْ تَفَاصِيلَ صِفَاتِهِمْ بِتَصْوِيرِ مَجْمُوعِهَا فِي صُورَةٍ وَاحِدَةٍ، بِتَشْبِيهِ حَالِهِمْ بِهَيْئَةٍ مَحْسُوسَةٍ، وَهَذِهِ طَرِيقَةُ تَشْبِيهِ التَّمْثِيلِ، إِلْحَاقًا لِتِلْكَ الْأَحْوَالِ الْمَعْقُولَةِ بِالْأَشْيَاءِ الْمَحْسُوسَةِ، لِأَنَّ النَّفْسَ إِلَى الْمَحْسُوسِ أَمِيلُ. وَإِتْمَامًا لِلْبَيَانِ بِجَمْعِ الْمُتَفَرِّقَاتِ فِي السَّمْعِ، الْمِطَالَةُ فِي اللَّفْظِ، فِي صُورَةٍ وَاحِدَةٍ لِأَنَّ لِلْإِجْمَالِ بَعْدَ التَّفْصِيلِ وَقْعًا مِنْ نفوس السامعين. وتقريرا لجَمِيع مَا تَقَدَّمَ فِي الذِّهْنِ بِصُورَةٍ تُخَالِفُ مَا صُوِّرَ سَالِفًا لِأَنَّ تَجَدُّدَ الصُّورَةِ عِنْدَ النَّفْسِ أَحَبُّ مِنْ تَكَرُّرِهَا.
QS 2:17 (jilid 1 hlm. 302) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 302 · #108359
لجَمِيع مَا تَقَدَّمَ فِي الذِّهْنِ بِصُورَةٍ تُخَالِفُ مَا صُوِّرَ سَالِفًا لِأَنَّ تَجَدُّدَ الصُّورَةِ عِنْدَ النَّفْسِ أَحَبُّ مِنْ تَكَرُّرِهَا. قَالَ فِي «الْكَشَّافِ» : «وَلِضَرْبِ الْعَرَبِ الْأَمْثَالَ وَاسْتِحْضَارِ الْعُلَمَاءِ الْمَثَلَ وَالنَّظَائِرَ شَأْنٌ لَيْسَ بِالْخَفِيِّ فِي إِبْرَازِ خَبِيَّاتِ الْمَعَانِي وَرَفْعِ الْأَسْتَارِ عَنِ الْحَقَائِقِ حَتَّى تُرِيَكَ الْمُتَخَيَّلَ فِي صُورَةِ الْمُحَقَّقِ وَالْمُتَوَهَّمَ فِي مَعْرِضِ الْمُتَيَقَّنِ وَالْغَائِبَ كَالْمَشَاهَدِ» . وَاسْتِدْلَالًا عَلَى مَا يَتَضَمَّنُهُ مَجْمُوعُ تِلْكَ الصِّفَاتِ مِنْ سُوءِ الْحَالَةِ وَخَيْبَةِ السَّعْيِ وَفَسَادِ الْعَاقِبَةِ، فَمِنْ فَوَائِدِ التَّشْبِيهِ قَصْدُ تَفْظِيعِ الْمُشَبَّهِ.
QS 2:17 (jilid 1 hlm. 302) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 302 · #108360
ُوعُ تِلْكَ الصِّفَاتِ مِنْ سُوءِ الْحَالَةِ وَخَيْبَةِ السَّعْيِ وَفَسَادِ الْعَاقِبَةِ، فَمِنْ فَوَائِدِ التَّشْبِيهِ قَصْدُ تَفْظِيعِ الْمُشَبَّهِ. وَتَقْرِيبًا لِمَا فِي أَحْوَالِهِمْ فِي الدِّينِ مِنَ التَّضَادِّ وَالتَّخَالُفِ بَيْنَ ظَاهِرٍ جَمِيلٍ وَبَاطِنٍ قَبِيحٍ بِصِفَةِ حَالٍ عَجِيبَةٍ مِنْ أَحْوَالِ الْعَالَمِ فَإِنَّ مِنْ فَائِدَةِ التَّشْبِيهِ إِظْهَارَ إِمْكَانِ الْمُشَبَّهِ، وَتَنْظِيرَ غَرَائِبِهِ بِمِثْلِهَا فِي الْمُشَبَّهِ بِهِ. قَالَ فِي «الْكَشَّافِ» : «وَلِأَمْرٍ مَا أَكْثَرَ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ الْمُبِينِ أَمْثَالَهُ وَفَشَتْ فِي كَلَام رَسُول ﷺ وَكَلَام الْأَنْبِيَاءِ وَالْحُكَمَاءِ قَالَ تَعَالَى: وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ وَما يَعْقِلُها إِلَّا الْعالِمُونَ [العنكبوت: ٤٣] اهـ. وَالتَّمْثِيلُ مَنْزَعٌ جَلِيلٌ بَدِيعٌ مِنْ مَنَازِعِ الْبُلَغَاءِ لَا يَبْلُغُ إِلَى مَحَاسِنِهِ غَيْرُ خَاصَّتِهِمْ.
QS 2:17 (jilid 1 hlm. 302) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 302 · #108361
عالِمُونَ [العنكبوت: ٤٣] اهـ. وَالتَّمْثِيلُ مَنْزَعٌ جَلِيلٌ بَدِيعٌ مِنْ مَنَازِعِ الْبُلَغَاءِ لَا يَبْلُغُ إِلَى مَحَاسِنِهِ غَيْرُ خَاصَّتِهِمْ. وَهُوَ هُنَا مِنْ قَبِيلِ التَّشْبِيهِ لَا مِنَ الِاسْتِعَارَةِ لِأَنَّ فِيهِ ذِكْرَ الْمُشَبَّهِ وَالْمُشَبَّهِ بِهِ وَأَدَاةِ التَّشْبِيهِ وَهِيَ لَفْظُ مَثَلٍ. فَجُمْلَةُ: مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا وَاقِعَةٌ مِنَ الْجُمَلِ الْمَاضِيَةِ مَوْقِعَ الْبَيَانِ وَالتَّقْرِيرِ وَالْفَذْلَكَةِ، فَكَانَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ مَا قَبْلَهَا كَمَالُ الِاتِّصَالِ فَلِذَلِكَ فُصِلَتْ وَلَمْ تُعْطَفْ، وَالْحَالَةُ الَّتِي وَقع تمثيلها سيجيئ بَيَانُهَا فِي آخِرِ تَفْسِيرِ الْآيَةِ. وَأَصْلُ الْمَثَلِ بِفَتْحَتَيْنِ هُوَ النَّظِيرُ وَالْمُشَابِهُ، وَيُقَالُ أَيْضًا مِثْلُ بِكَسْرِ الْمِيمِ وَسُكُونِ الثَّاءِ،
QS 2:17 (jilid 1 hlm. 302) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 302 · #108362
ِ تَفْسِيرِ الْآيَةِ. وَأَصْلُ الْمَثَلِ بِفَتْحَتَيْنِ هُوَ النَّظِيرُ وَالْمُشَابِهُ، وَيُقَالُ أَيْضًا مِثْلُ بِكَسْرِ الْمِيمِ وَسُكُونِ الثَّاءِ، وَيُقَالُ: مَثِيلٌ كَمَا يُقَالُ: شِبْهٌ وَشَبَهٌ وَشَبِيهٌ، وَبَدَلٌ وَبِدْلٌ، وَبَدِيلٌ، وَلَا رَابِعَ لِهَذِهِ الْكَلِمَاتِ فِي مَجِيءِ فَعَلٍ وَفِعْلٍ وَفَعِيلٍ بِمَعْنًى وَاحِدٍ. وَقَدِ اخْتَصَّ لَفْظُ الْمَثَلِ (بِفَتْحَتَيْنِ) بِإِطْلَاقِهِ عَلَى الْحَالِ الْغَرِيبَةِ الشَّأْنِ لِأَنَّهَا بِحَيْثُ تُمَثِّلُ لِلنَّاسِ وَتُوَضِّحُ وَتُشَبِّهُ سَوَاءٌ شُبِّهَتْ كَمَا هُنَا، أَمْ لَمْ تُشَبَّهْ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: مَثَلُ الْجَنَّةِ [الرَّعْد: ٣٥] .
QS 2:17 (jilid 1 hlm. 303) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 303 · #108363
ُ لِلنَّاسِ وَتُوَضِّحُ وَتُشَبِّهُ سَوَاءٌ شُبِّهَتْ كَمَا هُنَا، أَمْ لَمْ تُشَبَّهْ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: مَثَلُ الْجَنَّةِ [الرَّعْد: ٣٥] . وَبِإِطْلَاقِهِ عَلَى قَوْلٍ يَصْدُرُ فِي حَالٍ غَرِيبَةٍ فَيُحْفَظُ وَيَشِيعُ بَيْنَ النَّاسِ لِبَلَاغَةٍ وَإِبْدَاعٍ فِيهِ، فَلَا يَزَالُ النَّاسُ يَذْكُرُونَ الْحَالَ الَّتِي قِيلَ فِيهَا ذَلِكَ الْقَوْلُ تَبَعًا لِذِكْرِهِ وَكَمْ مِنْ حَالَةٍ عَجِيبَةٍ حَدَثَتْ وَنُسِيَتْ لِأَنَّهَا لَمْ يَصْدُرْ فِيهَا مِنْ قَوْلٍ بَلِيغٍ مَا يَجْعَلُهَا مَذْكُورَةً تَبَعًا لِذِكْرِهِ فَيُسَمَّى مَثَلًا وَأَمْثَالُ الْعَرَبِ بَابٌ مِنْ أَبْوَابِ بَلَاغَتِهِمْ وَقَدْ خُصَّتْ بِالتَّأْلِيفِ وَيُعَرِّفُونَهُ بِأَنَّهُ قَوْلٌ شُبِّهَ مَضْرِبُهُ بِمَوْرِدِهِ وَسَأَذْكُرُهُ قَرِيبًا.
QS 2:17 (jilid 1 hlm. 303) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 303 · #108364
مِنْ أَبْوَابِ بَلَاغَتِهِمْ وَقَدْ خُصَّتْ بِالتَّأْلِيفِ وَيُعَرِّفُونَهُ بِأَنَّهُ قَوْلٌ شُبِّهَ مَضْرِبُهُ بِمَوْرِدِهِ وَسَأَذْكُرُهُ قَرِيبًا. فَالظَّاهِرُ أَنَّ إِطْلَاقَ الْمَثَلِ عَلَى الْقَوْلِ الْبَدِيعِ السَّائِرِ بَيْنَ النَّاسِ الصَّادِرِ مِنْ قَائِلِهِ فِي حَالَةٍ عَجِيبَةٍ هُوَ إِطْلَاقٌ مُرَتَّبٌ عَلَى إِطْلَاقِ اسْمِ الْمَثَلِ عَلَى الْحَالِ الْعَجِيبَةِ، وَأَنَّهُمْ لَا يَكَادُونَ يَضْرِبُونَ مَثَلًا وَلَا يَرَوْنَهُ أَهْلًا لِلتَّسْيِيرِ وَجَدِيرًا بِالتَّدَاوُلِ إِلَّا قَوْلًا فِيهِ بَلَاغَةٌ وَخُصُوصِيَّةٌ فِي فَصَاحَةِ لَفْظٍ وَإِيجَازِهِ وَوَفْرَةِ مَعْنًى، فَالْمَثَلُ قَول عَزِيز غَرِيب لَيْسَ من مُتَعَارَفِ الْأَقْوَالِ الْعَامَّةِ بَلْ هُوَ مِنْ أَقْوَالِ فُحُولِ الْبَلَاغَةِ فَلِذَلِكَ وُصِفَ بِالْغَرَابَةِ (١) أَيِ الْعِزَّةِ مِثْلُ قَوْلِهِمُ: «الصَّيْفُ ضَيَّعْتِ اللَّبَنَ» وَقَوْلِهِمْ: «لَا يُطَاعُ لِقَصِيرٍ أَمْرٌ» وَسَتَعْرِفُ وَجْهَ ذَلِكَ.
QS 2:17 (jilid 1 hlm. 303) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 303 · #108365
َابَةِ (١) أَيِ الْعِزَّةِ مِثْلُ قَوْلِهِمُ: «الصَّيْفُ ضَيَّعْتِ اللَّبَنَ» وَقَوْلِهِمْ: «لَا يُطَاعُ لِقَصِيرٍ أَمْرٌ» وَسَتَعْرِفُ وَجْهَ ذَلِكَ. وَلَمَّا شَاعَ إِطْلَاقُ لَفْظِ الْمَثَلِ (بِالتَّحْرِيكِ) عَلَى الْحَالَةِ الْعَجِيبَةِ الشَّأْنِ جَعَلَ الْبُلَغَاءُ إِذَا أَرَادُوا تَشْبِيهَ حَالَةٍ مُرَكَّبَةٍ بِحَالَةِ مُرَكَّبَةٍ أَعَنَى وَصْفَيْنِ مُنْتَزَعَيْنِ مِنْ مُتَعَدِّدٍ أَتَوْا فِي جَانِبِ الْمُشَبَّهِ وَالْمُشَبَّهِ بِهِ مَعًا أَوْ فِي جَانِبِ أَحَدِهِمَا بِلَفْظِ الْمَثَلِ وَأَدْخَلُوا الْكَافَ وَنَحْوَهَا مِنْ حُرُوفِ التَّشْبِيهِ عَلَى الْمُشَبَّهِ بِهِ مِنْهُمَا وَلَا يُطْلِقُونَ ذَلِكَ عَلَى التَّشْبِيهِ الْبَسِيطِ فَلَا يَقُولُونَ مَثَلُ فُلَانٍ كَمَثَلِ الْأَسَدِ وَقَلَّمَا شَبَّهُوا حَالًا مُرَكَّبَةً بِحَالٍ مُرَكَّبَةٍ مُقْتَصِرِينَ عَلَى الْكَافِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: إِلَّا كَباسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْماءِ لِيَبْلُغَ فاهُ [الرَّعْد: ١٤] بَلْ يَذْكُرُونَ
QS 2:17 (jilid 1 hlm. 303) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 303 · #108366
مُرَكَّبَةٍ مُقْتَصِرِينَ عَلَى الْكَافِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: إِلَّا كَباسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْماءِ لِيَبْلُغَ فاهُ [الرَّعْد: ١٤] بَلْ يَذْكُرُونَ لَفْظَ الْمَثَلِ فِي الْجَانِبَيْنِ غَالِبًا نَحْوَ الْآيَةِ هُنَا، وَرُبَّمَا ذَكَرُوا لَفْظَ الْمَثَلِ فِي أَحَدِ الْجَانِبَيْنِ كَقَوْلِهِ: إِنَّما مَثَلُ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ [يُونُس: ٢٤] الْآيَةَ وَذَلِكَ لِيَتَبَادَرَ لِلسَّامِعِ أَنَّ الْمَقْصُودَ تَشْبِيهُ حَالَةٍ بِحَالَةٍ لَا ذَاتٍ بِذَاتٍ وَلَا حَالَةٍ بِذَاتٍ فَصَارَ لَفْظُ الْمَثَلِ فِي تَشْبِيهِ الْهَيْئَةِ مَنْسِيًّا مِنْ أَصْلِ وَضْعِهِ وَمُسْتَعْمَلًا فِي مَعْنَى الْحَالَةِ فَلِذَلِكَ لَا يَسْتَغْنُونَ عَنِ الْإِتْيَانِ بِحَرْفِ التَّشْبِيهِ حَتَّى مَعَ وُجُودِ لَفْظِ الْمَثَلِ فَصَارَتِ الْكَافُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: كَمَثَلِ دَالَّةً عَلَى التَّشْبِيهِ وَلَيْسَتُ زَائِدَةً كَمَا زَعَمَهُ الرَّضِيُّ فِي «شَرْحِ الْحَاجِبِيَّةِ» ،
QS 2:17 (jilid 1 hlm. 304) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 304 · #108367
َتِ الْكَافُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: كَمَثَلِ دَالَّةً عَلَى التَّشْبِيهِ وَلَيْسَتُ زَائِدَةً كَمَا زَعَمَهُ الرَّضِيُّ فِي «شَرْحِ الْحَاجِبِيَّةِ» ، وَتَبِعَهُ عَبْدُ الْحَكِيمِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: أَوْ كَصَيِّبٍ [الْبَقَرَة: ١٩] وُقُوفًا مَعَ أَصْلِ الْوَضْعِ وَإِغْضَاءً عَنِ الِاسْتِعْمَالِ أَلَا تَرَى كَيْفَ اسْتُغْنِيَ عَنْ إِعَادَةِ لَفْظِ الْمَثَلِ عِنْدَ الْعَطْفِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: أَوْ كَصَيِّبٍ وَلَمْ يُسْتَغْنَ عَنِ الْكَافِ. وَمِنْ أَجْلِ إِطْلَاقِ لَفْظِ الْمَثَلِ اقْتَبَسَ عُلَمَاءُ الْبَيَانِ مُصْطَلَحَهُمْ فِي تَسْمِيَةِ التَّشْبِيهِ الْمُرَكَّبِ بِتَشْبِيهِ التَّمْثِيلِ وَتَسْمِيَةِ اسْتِعْمَالِ الْمُرَكَّبِ الدَّالِّ عَلَى هَيْئَةٍ مُنْتَزَعَةٍ مِنْ مُتَعَدِّدٍ فِي غَيْرِ مَا وُضِعَ لَهُ مَجْمُوعَةً بِعَلَاقَةِ الْمُشَابِهَةِ اسْتِعَارَةً تَمْثِيلِيَّةً وَقَدْ تَقَدَّمَ الْإِلْمَامُ بِشَيْءٍ مِنْهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى:
QS 2:17 (jilid 1 hlm. 304) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 304 · #108368
وُضِعَ لَهُ مَجْمُوعَةً بِعَلَاقَةِ الْمُشَابِهَةِ اسْتِعَارَةً تَمْثِيلِيَّةً وَقَدْ تَقَدَّمَ الْإِلْمَامُ بِشَيْءٍ مِنْهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ [الْبَقَرَة: ٥] . وَإِنَّنِي تَتَبَّعْتُ كَلَامَهُمْ فَوَجَدْتُ التَّشْبِيهَ التَّمْثِيلِيَّ يَعْتَرِيهِ مَا يَعْتَرِي التَّشْبِيهَ الْمُفْرَدَ فَيَجِيءُ فِي أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ: الْأَوَّلُ: مَا صُرِّحَ فِيهِ بِأَدَاةِ التَّشْبِيهِ أَوْ حُذِفَتْ مِنْهُ عَلَى طَرِيقَةِ التَّشْبِيهِ الْبَلِيغِ كَمَا فِي هَذِهِ الْآيَةِ وَقَوْلِهِ: أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى [الْبَقَرَة: ١٦] إِذَا قَدَّرْنَا أُولَئِكَ كَالَّذِينَ اشْتَرَوْا كَمَا قَدَّمْنَا.
QS 2:17 (jilid 1 hlm. 304) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 304 · #108369
ِ وَقَوْلِهِ: أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى [الْبَقَرَة: ١٦] إِذَا قَدَّرْنَا أُولَئِكَ كَالَّذِينَ اشْتَرَوْا كَمَا قَدَّمْنَا. الثَّانِي: مَا كَانَ عَلَى طَرِيقَةِ الِاسْتِعَارَةِ التَّمْثِيلِيَّةِ الْمُصَرِّحَةِ بِأَنْ يَذْكُرُوا اللَّفْظَ الدَّالَّ بِالْمُطَابَقَةِ عَلَى الْهَيْئَةِ الْمُشَبَّهِ بِهَا وَيُحْذَفُ مَا يَدُلُّ عَلَى الْهَيْئَةِ الْمُشَبَّهَةِ نَحْوُ الْمَثَّالِ الْمَشْهُورِ وَهُوَ قَوْلُهُمْ: إِنِّي أَرَاكَ تُقَدِّمُ رِجْلًا وَتُؤَخِّرُ أُخْرَى.
QS 2:17 (jilid 1 hlm. 304) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 304 · #108370
مَا يَدُلُّ عَلَى الْهَيْئَةِ الْمُشَبَّهَةِ نَحْوُ الْمَثَّالِ الْمَشْهُورِ وَهُوَ قَوْلُهُمْ: إِنِّي أَرَاكَ تُقَدِّمُ رِجْلًا وَتُؤَخِّرُ أُخْرَى. الثَّالِثُ: تَمْثِيلِيَّةٌ مَكْنِيَّةٌ وَهِيَ أَنْ تُشَبَّهَ هَيْئَةٌ وَلَا يُذْكَرُ اللَّفْظُ الدَّالُّ عَلَى الْهَيْئَةِ الْمُشَبَّهِ بِهَا بَلْ يُرْمَزُ إِلَيْهِ بِمَا هُوَ لَازِمٌ مُشْتَهِرٌ مِنْ لَوَازِمِهِ، وَقَدْ كُنْتُ أَعُدُّ مِثَالًا لِهَذَا النَّوْعِ خُصُوصَ الْأَمْثَالِ الْمَعْرُوفَةِ بِهَذَا اللَّقَبِ نَحْوَ الصَّيْفُ ضَيَّعْتِ اللَّبَنَ وَبِيَدِي لَا بَيْدَ عَمْرٍو وَنَحْوِهَا مِنَ الْأَمْثَالِ فَإِنَّهَا أَلْفَاظٌ قِيلَتْ عِنْدَ أَحْوَالٍ وَاشْتَهَرَتْ وَسَارَتْ حَتَّى صَار ذكرهَا ينبىء بِتِلْكَ الْأَحْوَالِ الَّتِي قِيلَتْ عِنْدَهَا وَإِنْ لَمْ يُذْكَرِ اللَّفْظُ الدَّالُّ عَلَى الْحَالَةِ، وَمُوجِبُ شُهْرَتِهَا سَيَأْتِي.
QS 2:17 (jilid 1 hlm. 304) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 304 · #108371
هَا ينبىء بِتِلْكَ الْأَحْوَالِ الَّتِي قِيلَتْ عِنْدَهَا وَإِنْ لَمْ يُذْكَرِ اللَّفْظُ الدَّالُّ عَلَى الْحَالَةِ، وَمُوجِبُ شُهْرَتِهَا سَيَأْتِي. ثُمَّ لَمْ يَحْضُرْنِي مِثَالٌ لِلْمَكْنِيَّةِ التَّمْثِيلِيَّةِ مِنْ غَيْرِ بَابِ الْأَمْثَالِ حَتَّى كَانَ يَوْمُ حَضَرْتُ فِيهِ جِنَازَةً، فَلَمَّا دَفَنُوا الْمَيِّتَ وَفَرَغُوا مِنْ مُوَارَاتِهِ التُّرَابَ ضَجَّ أُنَاسٌ بِقَوْلِهِمْ: «اللَّهُمَّ لَا عَيْشَ إِلَّا عَيْشُ الْآخِرَةِ فَاغْفِرْ لِلْأَنْصَارِ وَالْمُهَاجِرَةِ» فَقُلْتُ إِنَّ الَّذِينَ سَنُّوا هَذِهِ الْمَقَالَةَ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْحَالَةِ مَا أَرَادُوا إِلَّا تَنْظِيرَ هَيْئَةِ حَفْرِهِمْ لِلْمَيِّتِ بِهَيْئَةِ الَّذِينَ كَانُوا يَحْفِرُونَ الْخَنْدَقَ مَعَ النَّبِيءِ ﷺ إِذْ كَانُوا يُكَرِّرُونَ هَذِهِ الْمَقَالَةَ كَمَا وَرَدَ فِي كُتُبِ السُّنَّةِ قَصْدًا مِنْ هَذَا التَّنْظِيرِ أَنْ يَكُونَ حَفْرُهُمْ ذَلِكَ شَبِيهًا بِحَفْرِ الْخَنْدَقِ فِي غَزْوَةِ الْأَحْزَابِ
QS 2:17 (jilid 1 hlm. 305) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 305 · #108372
َا وَرَدَ فِي كُتُبِ السُّنَّةِ قَصْدًا مِنْ هَذَا التَّنْظِيرِ أَنْ يَكُونَ حَفْرُهُمْ ذَلِكَ شَبِيهًا بِحَفْرِ الْخَنْدَقِ فِي غَزْوَةِ الْأَحْزَابِ بِجَامِعِ رَجَاءِ الْقَبُولِ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى فَلَمْ يَذْكُرُوا مَا يدل على الشّبَه بِهِ وَلَكِنَّهُمْ طَوَوْهُ وَرَمَزُوا إِلَيْهِ بِمَا هُوَ مِنْ لَوَازِمِهِ الَّتِي عُرِفَ بِهَا وَهُوَ قَوْلُ النَّبِيءِ تِلْكَ الْمَقَالَةَ ثُمَّ ظَفِرْتُ بِقَوْلِ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ رَبِّهِ الْأَنْدَلُسِيِّ: وَقُلْ لِمَنْ لَامَ فِي التَّصَابِي ...
QS 2:17 (jilid 1 hlm. 305) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 305 · #108373
قَوْلُ النَّبِيءِ تِلْكَ الْمَقَالَةَ ثُمَّ ظَفِرْتُ بِقَوْلِ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ رَبِّهِ الْأَنْدَلُسِيِّ: وَقُلْ لِمَنْ لَامَ فِي التَّصَابِي ... خَلِّ قَلِيلًا عَنِ الطَّرِيقِ فَرَأَيْتُهُ مِنْ بَابِ التَّمْثِيلِيَّةِ الْمَكْنِيَّةِ فَإِنَّهُ حَذَفَ الْمُشَبَّهَ بِهِ وَهُوَ حَالُ الْمُتَعَرِّضِ لِسَائِرٍ فِي طَرِيقِهِ يَسُدُّهُ عَلَيْهِ وَيَمْنَعُهُ الْمُرُورَ بِهِ وَأَتَى بِشَيْءٍ مِنْ لَوَازِمِ هَذِهِ الْحَالَةِ وَهُوَ قَوْلُ السَّائِرِ لِلْمُتَعَرِّضِ: خَلِّ عَنِ الطَّرِيقِ. رَابِعُهَا: تَمْثِيلِيَّةٌ تَبَعِيَّةٌ كَقَوْلِ أَبِي عَطَاءٍ السِّنْدِيِّ: ذَكَرْتُكِ وَالْخَطِّيُّ يَخْطُرُ بَيْنَنَا ...
QS 2:17 (jilid 1 hlm. 305) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 305 · #108374
ِ: خَلِّ عَنِ الطَّرِيقِ. رَابِعُهَا: تَمْثِيلِيَّةٌ تَبَعِيَّةٌ كَقَوْلِ أَبِي عَطَاءٍ السِّنْدِيِّ: ذَكَرْتُكِ وَالْخَطِّيُّ يَخْطُرُ بَيْنَنَا ... وَقَدْ نَهِلَتْ مِنِّي الْمُثَقَّفَةُ السُّمَرُ فَأَثْبَتَ النَّهَلَ لِلرِّمَاحِ تَشْبِيهًا لَهَا بِحَالَةِ النَّاهِلِ فِيمَا تُصِيبُهُ مِنْ دِمَاءِ الْجَرْحَى الْمَرَّةَ بَعْدَ الْأُخْرَى كَأَنَّهَا لَا يَرْوِيهَا مَا تُصِيبُهُ أَوَّلًا ثُمَّ أَتَى بِنَهِلَتْ عَلَى وَجْهِ التَّبَعِيَّةِ، وَمِنْ هَذَا الْقسم عِنْد التفتازانيّ الِاسْتِعَارَةُ فِي (عَلَى) مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ [الْبَقَرَة: ٥] وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ هُنَاكَ.
QS 2:17 (jilid 1 hlm. 305) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 305 · #108375
ّ الِاسْتِعَارَةُ فِي (عَلَى) مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ [الْبَقَرَة: ٥] وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ هُنَاكَ. فَأَمَّا الْمَثَلُ الَّذِي هُوَ قَوْلٌ شُبِّهَ مَضْرِبُهُ بِمَوْرِدِهِ، وَهُوَ الَّذِي وَعَدْتُ بِذِكْرِهِ آنِفًا فَمَعْنَى تَشْبِيهِ مَضْرِبِهِ بِمَوْرِدِهِ أَنْ تَحْصُلَ حَالَةٌ لَهَا شَبَهٌ بِالْحَالَةِ الَّتِي صَدَرَ فِيهَا ذَلِكَ الْقَوْلُ فَيَسْتَحْضِرُ الْمُتَكَلِّمُ تِلْكَ الْحَالَةَ الَّتِي صَدَرَ فِيهَا الْقَوْلُ وَيُشَبِّهُ بِهَا الْحَالَةَ الَّتِي عَرَضَتْ وَيَنْطِقُ بِالْقَوْلِ الَّذِي كَانَ صَدَرَ فِي أَثْنَاءِ الْحَالَةِ الْمُشَبَّهِ بِهَا لِيُذَكِّرَ السَّامِعَ بِتِلْكَ الْحَالَةِ، وَبِأَنَّ حَالَةَ الْيَوْمِ شَبِيهَةٌ بِهَا وَيُجْعَلُ عَلَامَةَ ذِكْرِ ذَلِكَ الْقَوْلِ الَّذِي قِيلَ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ وَإِذَا حَقَّقْتِ التَّأَمُّلَ وَجَدْتَ هَذَا الْعَمَلَ مِنْ قَبِيلِ الِاسْتِعَارَةِ التَّمْثِيلِيَّةِ الْمَكْنِيَّةِ
QS 2:17 (jilid 1 hlm. 305) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 305 · #108376
ّذِي قِيلَ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ وَإِذَا حَقَّقْتِ التَّأَمُّلَ وَجَدْتَ هَذَا الْعَمَلَ مِنْ قَبِيلِ الِاسْتِعَارَةِ التَّمْثِيلِيَّةِ الْمَكْنِيَّةِ لِأَجْلِ كَوْنِ تِلْكَ الْأَلْفَاظِ الْمُسَمَّاةِ بِالْأَمْثَالِ قَدْ سَارَتْ وَنُقِلَتْ بَيْنَ الْبُلَغَاءِ فِي تِلْكَ الْحَوَادِثِ فَكَانَتْ مِنْ لَوَازِمِ الْحَالَاتِ الْمُشَبَّهِ بِهَا لَا مَحَالَةَ لِمُقَارَنَتِهَا لَهَا فِي أَذْهَانِ النَّاسِ فَهِيَُُ لَوَازِمُ عُرْفِيَّةٌ لَهَا بَيْنَ أَهْلِ الْأَدَبِ فَصَارَتْ مِنْ رَوَادِفِ أَحْوَالِهَا وَكَانَ ذِكْرُ تِلْكَ الْأَمْثَالِ رَمْزًا إِلَى اعْتِبَارِ الْحَالَاتِ الَّتِي قِيلَتْ فِيهَا، وَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ امْتَنَعَ تَغْيِيرُهَا عَنْ أَلْفَاظِهَا الْوَارِدَةِ بِهَا لِأَنَّهَا إِذَا غُيِّرَتْ لَمْ تَبْقَ عَلَى أَلْفَاظِهَا الْمَحْفُوظَةِ الْمَعْهُودَةِ فَيَزُولُ اقْتِرَانُهَا فِي الْأَذْهَانِ بِصُوَرِ الْحَوَادِثِ الَّتِي قِيلَتْ فِيهَا فَلَمْ يَعُدْ ذَكَرُهَا رَمْزًا لِلْحَالِ
QS 2:17 (jilid 1 hlm. 306) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 306 · #108377
فُوظَةِ الْمَعْهُودَةِ فَيَزُولُ اقْتِرَانُهَا فِي الْأَذْهَانِ بِصُوَرِ الْحَوَادِثِ الَّتِي قِيلَتْ فِيهَا فَلَمْ يَعُدْ ذَكَرُهَا رَمْزًا لِلْحَالِ الْمُشَبَّهِ بِهِ الَّتِي هِيَ مِنْ رَوَادِفِهَا لَا مَحَالَةَ وَفِي هَذَا مَا يُغْنِي عَنْ تَطَلُّبِ الْوَجْهِ فِي احْتِرَاسِ الْعَرَبِ مِنْ تَغْيِيرِ الْأَمْثَال حَتَّى تسلموا مِنَ الْحَيْرَةِ فِي الْحُكْمِ بَيْنَ صَاحِبِ «الْكَشَّافِ» وَصَاحِبِ «الْمِفْتَاحِ» إِذْ جَعَلَ صَاحِبُ «الْكَشَّافِ» سَبَبَ مَنْعِ الْأَمْثَالِ مِنَ التَّغْيِيرِ مَا فِيهَا مِنَ الْغَرَابَةِ فَقَالَ: «وَلَمْ يَضْرِبُوا مَثَلًا وَلَا رَأَوْهُ أَهْلًا لِلتَّسْيِيرِ، وَلَا جَدِيرًا بِالتَّدَاوُلِ إِلَّا قَوْلًا فِيهِ غَرَابَةٌ مِنْ بَعْضِ الْوُجُوهِ وَمِنْ ثَمَّ حُوفِظَ عَلَيْهِ وَحُمِيَ مِنَ التَّغْيِيرِ» فَتَرَدَّدَ شُرَّاحُهُ فِي مُرَادِهِ مِنَ الْغَرَابَةِ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ الْغَرَابَةُ غُمُوضُ الْكَلَامِ وَنُدْرَتُهُ وَذَلِكَ إِمَّا أَنْ يَكُونَ بِحَسَبِ
QS 2:17 (jilid 1 hlm. 306) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 306 · #108378
ّدَ شُرَّاحُهُ فِي مُرَادِهِ مِنَ الْغَرَابَةِ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ الْغَرَابَةُ غُمُوضُ الْكَلَامِ وَنُدْرَتُهُ وَذَلِكَ إِمَّا أَنْ يَكُونَ بِحَسَبِ الْمَعْنَى وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ بِحَسَبِ اللَّفْظِ، أَمَّا الْأَوَّلُ فَكَأَنْ يُرَى عَلَيْهِ أَثَرُ التَّنَاقُضِ وَمَا هُوَ بِتَنَاقُضٍ نَحْوُ قَوْلِ الْحَكَمِ بْنِ عَبْدِ يَغُوثَ: رُبَّ رَمْيَةٍ مِنْ غَيْرِ رَامٍ، أَيْ رُبَّ رَمْيَةٍ مُصِيبَةٍ مِنْ غَيْرِ رَامٍ أَيْ عَارِفٍ وَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ [الْبَقَرَة: ١٧٩] إِذْ جَعَلَ الْقَتْلَ حَيَاةً. وَأَمَّا الثَّانِي بِأَنْ يَكُونَ فِيهِ أَلْفَاظٌ غَرِيبَةٌ لَا تَسْتَعْمِلُهَا الْعَامَّةُ نَحْوُ قَوْلِ الْحُبَابِ بْنِ الْمُنْذِرِ: «أَنَا جُذَيْلُهَا الْمُحَكَّكُ وَعُذَيْقُهَا الْمُرَجَّبُ» (١) أَوْ فِيهِ حَذْفٌ وَإِضْمَارٌ نَحْوُ رَمْيَةٍ مِنْ غَيْرِ رَامٍ. أَوْ فِيهِ مُشَاكَلَةٌ نَحْوُ: «كَمَا تَدِينُ تُدَانُ» . أَرَادَ كَمَا تَفْعَلُ تُجَازَى.
QS 2:17 (jilid 1 hlm. 306) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 306 · #108379
فِيهِ حَذْفٌ وَإِضْمَارٌ نَحْوُ رَمْيَةٍ مِنْ غَيْرِ رَامٍ. أَوْ فِيهِ مُشَاكَلَةٌ نَحْوُ: «كَمَا تَدِينُ تُدَانُ» . أَرَادَ كَمَا تَفْعَلُ تُجَازَى. وَفَسَّرَ بَعْضُهُمُ الْغَرَابَةَ بِالْبَلَاغَةِ وَالْفَصَاحَةِ حَتَّى صَارَتْ عَجِيبَةً وَعِنْدِي أَنَّهُ مَا أَرَادَ بِالْغَرَابَةِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ قَوْلًا بَدِيعًا خَاصِّيًّا إِذِ الْغَرِيبُ مُقَابِلُ الْمَأْلُوفِ وَالْغَرَابَةُ عَدَمُ الْإِلْفِ يُرِيدُ عَدَمَ الْإِلْفِ بِهِ فِي رِفْعَةِ الشَّأْنِ. وَأَمَّا صَاحِبُ «الْمِفْتَاحِ» فَجَعَلَ مَنْعَهَا مِنَ التَّغْيِيرِ لِوُرُودِهَا عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِعَارَةِ فَقَالَ: ثُمَّ إِنَّ التَّشْبِيهَ التَّمْثِيلِيَّ مَتَى شَاعَ وَاشْتَهَرَ اسْتِعْمَالُهُ عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِعَارَةِ صَارَ يُطْلَقُ عَلَيْهِ الْمَثَلُ لَا غَيْرَ اهـ. وَإِلَى طَرِيقَته مَال التفتازانيّ وَالسَّيِّدُ. وَقَدْ عَلِمْتَ سِرَّهَا وَشَرْحَهَا فِيمَا بَيَّنَّاهُ.
QS 2:17 (jilid 1 hlm. 306) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 306 · #108380
يُطْلَقُ عَلَيْهِ الْمَثَلُ لَا غَيْرَ اهـ. وَإِلَى طَرِيقَته مَال التفتازانيّ وَالسَّيِّدُ. وَقَدْ عَلِمْتَ سِرَّهَا وَشَرْحَهَا فِيمَا بَيَّنَّاهُ. وَلِوُرُودِ الْأَمْثَالِ عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِعَارَةِ لَا تُغَيَّرُ عَنْ لَفْظِهَا الَّذِي وَرَدَ فِي الْأَصْلِ تَذْكِيرًا وَتَأْنِيثًا وَغَيْرَهُمَا. فَمَعْنَى قَوْلِهِمْ فِي تَعْرِيفِ الْمَثَلِ بِهَذَا الْإِطْلَاقِ: «قَوْلٌ شُبِّهَ مَضْرِبُهُ بِمَوْرِدِهِ» أَنَّ مَضْرِبَهُ هُوَ الْحَالَةُ الْمُشَبَّهَةُ سُمِّيَتْ مَضْرِبًا لِأَنَّهَا بِمَنْزِلَةِ مَكَانِ ضَرْبِ ذَلِكَ الْقَوْلِ أَيْ وَضْعِهِ أَيِ النُّطْقِ بِهِ يُقَالُ ضُرِبَ الْمَثَلُ أَيْ شُبِّهَ وَمُثِّلَ قَالَ تَعَالَى: أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا [الْبَقَرَة: ٢٦] وَأَمَّا مَوْرِدُهُ فَهُوَ الْحَالَةُ الْمُشَبَّهُ بِهَا وَهِيَ الَّتِي وَرَدَ ذَلِكَ الْقَوْلُ أَيْ صَدَرَ عِنْدَ حُدُوثِهَا، سُمِّيَتْ مَوْرِدًا لِأَنَّهَا بِمَنْزِلَةِ مَكَانِ الْمَاءِ الَّذِي يَرِدُهُ الْمُسْتَقُونَ،
QS 2:17 (jilid 1 hlm. 307) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 307 · #108381
ي وَرَدَ ذَلِكَ الْقَوْلُ أَيْ صَدَرَ عِنْدَ حُدُوثِهَا، سُمِّيَتْ مَوْرِدًا لِأَنَّهَا بِمَنْزِلَةِ مَكَانِ الْمَاءِ الَّذِي يَرِدُهُ الْمُسْتَقُونَ، وَيُقَالُ الْأَمْثَالُ السَّائِرَةُ أَيِ الْفَاشِيَّةُ الَّتِي يَتَنَاقَلُهَا النَّاسُ وَيَتَدَاوَلُونَهَا فِي مُخْتَلَفِ الْقَبَائِلِ وَالْبُلْدَانِ فَكَأَنَّهَا تَسِيرُ مِنْ بَلَدٍ إِلَى بَلَدٍ. والَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا مُفْرَدٌ مُرَادٌ بِهِ مُشَبَّهٌ وَاحِدٌ لِأَنَّ مُسْتَوْقِدَ النَّارِ وَاحِدٌ وَلَا مَعْنَى لِاجْتِمَاعِ جَمَاعَةٍ عَلَى اسْتِيقَادِ نَارٍ وَلَا يريبك كَون الْحَالة الْمُشَبَّهِ حَالَةَ جَمَاعَةِ الْمُنَافِقِينَ، كَأَنَّ تَشْبِيهَ الْهَيْئَةِ بِالْهَيْئَةِ إِنَّمَا يَتَعَلَّقُ بِتَصْوِيرِ الْهَيْئَةِ الْمُشَبَّهَةِ بِهَا لَا بِكَوْنِهَا عَلَى وَزْنِ الْهَيْئَةِ الْمُشَبَّهَةِ فَإِنَّ الْمُرَادَ تَشْبِيهُ حَالِ الْمُنَافِقِينَ فِي ظُهُورِ أَثَرِ الْإِيمَانِ وَنُورِهِ مَعَ تَعَقُّبِهِ بِالضَّلَالَةِ وَدَوَامِهِ، بِحَالِ
QS 2:17 (jilid 1 hlm. 307) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 307 · #108382
ّهَةِ فَإِنَّ الْمُرَادَ تَشْبِيهُ حَالِ الْمُنَافِقِينَ فِي ظُهُورِ أَثَرِ الْإِيمَانِ وَنُورِهِ مَعَ تَعَقُّبِهِ بِالضَّلَالَةِ وَدَوَامِهِ، بِحَالِ مَنِ اسْتَوْقَدَ نَارًا. وَاسْتَوْقَدَ بِمَعْنَى أَوْقَدَ فَالسِّينُ وَالتَّاءُ فِيهِ لِلتَّأْكِيدِ كَمَا هما فِي قولهه تَعَالَى: فَاسْتَجابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ [آل عمرَان: ١٩٥] وَقَوْلُهُمُ اسْتَبَانَ الْأَمْرُ وَهَذَا كَقَوْلِ بَعْضِ بَنِي بَوْلَانَ مِنْ طَيٍّ فِي «الْحَمَاسَةِ» : نَسْتَوْقِدُ النَّبْلَ بِالْحَضِيضِ وَنَصْ ... طَادُ نُفُوسًا بُنَتْ عَلَى الْكَرَمِ أَرَادَ وَقُودًا يَقَعُ عِنْدَ الرَّمْيِ بِشِدَّةٍ. وَكَذَلِكَ فِي الْآيَةِ لِإِيرَادِ تَمْثِيلِ حَالِ الْمُنَافِقِينَ فِي إِظْهَارِ الْإِيمَانِ بِحَالِ طَالِبِ الْوَقُودِ بَلْ هُوَ حَالُ الْمَوْقِدِ وَقَوْلُهُ: فَلَمَّا أَضاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ. مُفَرَّعٌ على اسْتَوْقَدَ.
QS 2:17 (jilid 1 hlm. 307) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 307 · #108383
َالِ طَالِبِ الْوَقُودِ بَلْ هُوَ حَالُ الْمَوْقِدِ وَقَوْلُهُ: فَلَمَّا أَضاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ. مُفَرَّعٌ على اسْتَوْقَدَ. وفَلَمَّا حَرْفٌ يَدُلُّ عَلَى وُقُوعِ شَيْءٍ عِنْدَ وُقُوعِ غَيْرِهِ فَوُقُوعُ جَوَابِهَا مُقَارِنٌ لِوُقُوعِ شَرْطِهَا وَذَلِكَ مَعْنَى قَوْلِهِمْ حَرْفُ وُجُودٍ لِوُجُودٍ أَيْ حَرْفٌ يَدُلُّ عَلَى وُجُودِ الْجَوَابِ لِوُجُودِ شَرْطِهَا أَيْ أَنْ يَكُونَ جَوَابُهَا كَالْمَعْلُولِ لِوُجُودِ شَرْطِهَا سَوَاءً كَانَ مِنْ تَرَتُّبِ الْمَعْلُولِ عَلَى الْعِلَّةِ أَوْ كَانَ تَرَتُّبِ الْمُسَبِّبِ الْعُرْفِيِّ عَلَى السَّبَبِ أَمْ كَانَ تَرَتُّبِ الْمُقَارَنِ عَلَى مُقَارَنَةِ الْمُهَيَّأِ وَالْمُقَارَنُ الْحَاصِلُ عَلَى سَبِيلِ الْمُصَادَفَةِ وَكُلُّهَا اسْتِعْمَالَاتٌ وَارِدَةٌ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ وَفِي الْقُرْآنِ. مِثَالُ تُرَتِّبِ الْمَعْلُولِ عَلَى الْعِلَّةِ لَمَّا تَعَفَّنَتْ أَخْلَاطُهُ حُمَّ، وَالْمُسَبَّبِ عَلَى السَّبَبُُِ،
QS 2:17 (jilid 1 hlm. 307) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 307 · #108384
مِ الْعَرَبِ وَفِي الْقُرْآنِ. مِثَالُ تُرَتِّبِ الْمَعْلُولِ عَلَى الْعِلَّةِ لَمَّا تَعَفَّنَتْ أَخْلَاطُهُ حُمَّ، وَالْمُسَبَّبِ عَلَى السَّبَبُُِ، وَلَمَّا جاءَتْ رُسُلُنا لُوطاً سِيءَ بِهِمْ وَضاقَ بِهِمْ ذَرْعاً [هود: ٧٧] ، وَقَوْلُ عَمْرو بن معد يكرب: لَمَّا رَأَيْتُ نِسَاءَنَا ... يَفْحَصْنَ بِالْمَعْزَاءِ شَدَّا نَازَلْتُ كَبْشَهُمُ وَلَمْ ... أَرَ مِنْ نِزَالِ الْكَبْشِ بُدَّا وَمِثَالُ الْمُقَارَنِ الْمُهَيَّأِ قَوْلُ امْرِئِ الْقَيْسِ: فَلَمَّا أَجَزْنَا سَاحَةَ الْحَيِّ وَانْتَحَى ... بِنَا بَطْنُ خَبْتٍ ذِي حِقَافٍ عَقَنْقَلِ هَصَرْتُ بِفَوْدَيْ رَأْسِهَا فَتَمَايَلَتْ ... عَلَيَّ هَضِيمَ الْكَشْحِ رَيَّا الْمُخَلْخَلِ وَمِثَالُ الْمُقَارَنِ الْحَاصِلِ اتِّفَاقًا وَلَمَّا جاءَتْ رُسُلُنا إِبْراهِيمَ بِالْبُشْرى قالُوا إِنَّا مُهْلِكُوا ...
QS 2:17 (jilid 1 hlm. 308) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 308 · #108385
َشْحِ رَيَّا الْمُخَلْخَلِ وَمِثَالُ الْمُقَارَنِ الْحَاصِلِ اتِّفَاقًا وَلَمَّا جاءَتْ رُسُلُنا إِبْراهِيمَ بِالْبُشْرى قالُوا إِنَّا مُهْلِكُوا ... (١) [العنكبوت: ٣١] وَقَوله: وَلَمَّا دَخَلُوا عَلى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَخاهُ [يُوسُف: ٦٩] فَمَنْ ظَنَّ أَنَّ لَمَّا تُؤْذِنُ بِالسَّبَبِيَّةِ اغْتِرَارًا بِقَوْلِهِمْ وُجُودٌ لِوُجُودٍ حَمْلًا لِلَّامِ فِي عِبَارَتِهِمْ عَلَى التَّعْلِيلِ فَقَدِ ارْتَكَبَ شَطَطًا وَلَمْ يَجِدْ مِنْ كَلَامِ الْأَئِمَّةِ فَرَطًا. وَ (أَضَاءَ) يَجِيءُ مُتَعَدِّيًا وَهُوَ الْأَصْلُ لِأَنَّ مُجَرَّدَهُ ضَاءَ فَتَكُونُ حِينَئِذٍ هَمْزَتُهُ لِلتَّعْدِيَةِ كَقَوْلِ أَبِي الطَّمَحَانِ الْقَيْنِيِّ: أَضَاءَتْ لَهُم أحسابهم ووجوههم ...
QS 2:17 (jilid 1 hlm. 308) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 308 · #108386
لِأَنَّ مُجَرَّدَهُ ضَاءَ فَتَكُونُ حِينَئِذٍ هَمْزَتُهُ لِلتَّعْدِيَةِ كَقَوْلِ أَبِي الطَّمَحَانِ الْقَيْنِيِّ: أَضَاءَتْ لَهُم أحسابهم ووجوههم ... دُجَى اللَّيْلِ حَتَّى ثَقَّبَ الْجِزْعَ ثَاقِبُهْ وَيَجِيءُ قَاصِرًا بِمَعْنَى ضَاءَ فَهَمْزَتُهُ لِلصَّيْرُورَةِ أَيْ صَارَ ذَا ضَوْءٍ فَيُسَاوِي ضَاءَ كَقَوْلِ امْرِئِ الْقَيْسِ يَصِفُ الْبَرْقَ: يُضِيءُ سَنَاهُ أَوْ مَصَابِيحَ رَاهِبٍ ... أَمَالَ السَّلِيطُ بِالذُّبَالِ الْمُفَتَّلِ وَالْآيَةُ تَحْتَمِلُهُمَا أَيْ فَلَمَّا أَضَاءَتِ النَّارُ الْجِهَاتِ الَّتِي حَوْلَهُ وَهُوَ مَعْنَى ارْتِفَاعِ شُعَاعِهَا وَسُطُوعِ لَهَبِهَا، فَيَكُونُ مَا حَوْلَهُ مَوْصُولًا مَفْعُولًا لِأَضَاءَتْ وَهُوَ الْمُتَبَادَرُ، وَتَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ مِنْ أَضَاءَ الْقَاصِرِ أَيْ أَضَاءَتِ النَّارُ أَيِ اشْتَعَلَتْ وَكَثُرَ ضَوْءُهَا فِي نَفْسِهَا، وَيَكُونُ مَا حَوْلَهُ عَلَى هَذَا ظَرْفًا لِلنَّارِ أَيْ حَصَلَ ضَوْءُ النَّارِ حَوْلَهَا غَيْرَ بَعِيدٍ
QS 2:17 (jilid 1 hlm. 308) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 308 · #108387
شْتَعَلَتْ وَكَثُرَ ضَوْءُهَا فِي نَفْسِهَا، وَيَكُونُ مَا حَوْلَهُ عَلَى هَذَا ظَرْفًا لِلنَّارِ أَيْ حَصَلَ ضَوْءُ النَّارِ حَوْلَهَا غَيْرَ بَعِيدٍ عَنْهَا. وحَوْلَهُ ظَرْفٌ لِلْمَكَانِ الْقَرِيبِ وَلَا يَلْزَمُ أَنْ يُرَادَ بِهِ الْإِحَاطَةُ فَحَوْلَهُ هُنَا بِمَعْنَى لَدَيْهِ وَمَنْ تَوَهَّمَ أَنَّ مَا حَوْلَهُ يَقْتَضِي ذَلِكَ وَقَعَ فِي مُشْكِلَاتٍ لَمْ يَجِدْ مِنْهَا مَخْلَصًا إِلَّا بِعَنَاءٍ. وَجَمْعُ الضَّمِيرِ فِي قَوْلِهِ: بِنُورِهِمْ مَعَ كَوْنِهِ بِلَصْقِ الضَّمِيرِ الْمُفْرَدِ فِي قَوْلِهِ: مَا حَوْلَهُ مُرَاعَاةً لِلْحَالِ الْمُشَبَّهَةِ وَهِيَ حَالُ الْمُنَافِقِينَ لَا لِلْحَالِ الْمُشَبَّهِ بِهَا وَهِيَ حَالُ الْمُسْتَوْقِدِ الْوَاحِدِ عَلَى وَجْهٍُُ
QS 2:17 (jilid 1 hlm. 308) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 308 · #108388
رَاعَاةً لِلْحَالِ الْمُشَبَّهَةِ وَهِيَ حَالُ الْمُنَافِقِينَ لَا لِلْحَالِ الْمُشَبَّهِ بِهَا وَهِيَ حَالُ الْمُسْتَوْقِدِ الْوَاحِدِ عَلَى وَجْهٍُُ بَدِيعٍ فِي الرُّجُوعِ إِلَى الْغَرَضِ الْأَصْلِيِّ وَهُوَ انْطِمَاسُ نُورِ الْإِيمَانِ مِنْهُمْ، فَهُوَ عَائِدٌ إِلَى الْمُنَافِقِينَ لَا إِلَى (الَّذِي) ، قَرِيبًا مِنْ رَدِّ الْعَجُزِ عَلَى الصَّدْرِ فَأَشْبَهَ تَجْرِيدَ الِاسْتِعَارَةِ الْمُفْرَدَةِ وَهُوَ مِنَ التَّفْنِينِ كَقَوْلِ طَرَفَةَ: وَفِي الْحَيِّ أَحَوَى يَنْفُضُ الْمَرْدَ شَادِنٌ ...
QS 2:17 (jilid 1 hlm. 309) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 309 · #108389
فَأَشْبَهَ تَجْرِيدَ الِاسْتِعَارَةِ الْمُفْرَدَةِ وَهُوَ مِنَ التَّفْنِينِ كَقَوْلِ طَرَفَةَ: وَفِي الْحَيِّ أَحَوَى يَنْفُضُ الْمَرْدَ شَادِنٌ ... مُظَاهِرُ سِمْطَيْ لُؤْلُؤٍ وَزَبَرْجَدِ وَهَذَا رُجُوعٌ بَدِيعٌ، وَقَرِيبٌ مِنْهُ الرُّجُوعُ الْوَاقِعُ بِطَرِيقِ الِاعْتِرَاضِ فِي قَوْلِهِ الْآتِي: وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكافِرِينَ [الْبَقَرَة: ١٩] وَحُسْنُهُ أَنَّ التَّمْثِيلَ جَمَعَ بَيْنَ ذِكْرِ الْمُشَبَّهِ وَذِكْرِ الْمُشَبَّهِ بِهِ فَالْمُتَكَلِّمُ بِالْخِيَارِ فِي مُرَاعَاةِ كِلَيْهِمَا لِأَنَّ الْوَصْفَ لَهُمَا فَيَكُونُ ذَلِكَ الْبَعْضُ نَوْعًا وَاحِدًا فِي الْمُشبه والشبه بِهِ، فَمَا ثَبَتَ لِلْمُشَبَّهِ بِهِ يُلَاحَظُ كَالثَّابِتِ لِلْمُشَبَّهِ.
QS 2:17 (jilid 1 hlm. 309) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 309 · #108390
َ لَهُمَا فَيَكُونُ ذَلِكَ الْبَعْضُ نَوْعًا وَاحِدًا فِي الْمُشبه والشبه بِهِ، فَمَا ثَبَتَ لِلْمُشَبَّهِ بِهِ يُلَاحَظُ كَالثَّابِتِ لِلْمُشَبَّهِ. وَهَذَا يَقْتَضِي أَنْ تَكُونَ جُمْلَةُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ جَوَابَ (لَمَّا) فَيَكُونُ جَمْعُ ضَمَائِرِ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ إِخْرَاجًا لِلْكَلَامِ عَلَى خِلَافِ مُقْتَضَى الظَّاهِرِ إِذْ مُقْتَضَى الظَّاهِرِ أَنْ يَقُولَ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِ وَتَرَكَهُ، وَلِذَلِكَ اخْتِيرَ هُنَا لَفْظُ النُّورِ عِوَضًا عَنِ النَّارِ الْمُبْتَدَأِ بِهِ، لِلتَّنْبِيهِ عَلَى الِانْتِقَالِ مِنَ التَّمْثِيلِ إِلَى الْحَقِيقَةِ لِيَدُلَّ عَلَى أَنَّ اللَّهَ أَذْهَبَ نُورَ الْإِيمَانِ مِنْ قُلُوبِ الْمُنَافِقِينَ، فَهَذَا إِيجَازٌ بَدِيعٌ كَأَنَّهُ قِيلَ فَلَمَّا أَضَاءَتْ ذَهَبَ اللَّهُ بِنَارِهِ فَكَذَلِكَ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَهُوَ أُسْلُوبٌ لَا عَهْدَ لِلْعَرَبِ بِمِثْلِهِ فَهُوَ مِنْ أَسَالِيبِ الْإِعْجَازِ.
QS 2:17 (jilid 1 hlm. 309) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 309 · #108391
ذَهَبَ اللَّهُ بِنَارِهِ فَكَذَلِكَ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَهُوَ أُسْلُوبٌ لَا عَهْدَ لِلْعَرَبِ بِمِثْلِهِ فَهُوَ مِنْ أَسَالِيبِ الْإِعْجَازِ. وَقَرِيبٌ مِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: بَلْ قالُوا إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلى آثارِهِمْ مُهْتَدُونَ وَكَذلِكَ مَا أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قالَ مُتْرَفُوها إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ قالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آباءَكُمْ قالُوا إِنَّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ [الزخرف: ٢٢- ٢٤] فَقَوْلُهُ: أُرْسِلْتُمْ حِكَايَةٌ لِخِطَابِ أَقْوَامِ الرُّسُلِ فِي جَوَابِ سُؤَالِ مُحَمَّدٍ ﷺ قَوْمَهُ بِقَوْلِهِ: أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ.
QS 2:17 (jilid 1 hlm. 309) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 309 · #108392
ف: ٢٢- ٢٤] فَقَوْلُهُ: أُرْسِلْتُمْ حِكَايَةٌ لِخِطَابِ أَقْوَامِ الرُّسُلِ فِي جَوَابِ سُؤَالِ مُحَمَّدٍ ﷺ قَوْمَهُ بِقَوْلِهِ: أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ. وَبِهَذَا يَكُونُ مَا فِي هَذِهِ الْآيَةِ مُوَافِقًا لِمَا فِي الْآيَةِ بَعْدَهَا مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: يَجْعَلُونَ أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ إِذْ يَتَعَيَّنُ رُجُوعُهُ لِبَعْضِ الْمُشَبَّهِ بِهِ دُونَ الْمُشَبَّهِ. وَجَوَّزَ صَاحِبُ «الْكَشَّافِ» أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ اسْتِئْنَافًا وَيَكُونُ التَّمْثِيلُ قَدِ انْتَهَى عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى فَلَمَّا أَضاءَتْ مَا حَوْلَهُ وَيَكُونُ جَوَابُ (لَمَّا) مَحْذُوفًا دَلَّتْ عَلَيْهِ الْجُمْلَةُ الْمُسْتَأْنَفَةُ وَهُوَ قَرِيبٌ مِمَّا ذَكَرْتُهُ إِلَّا أَنَّ الِاعْتِبَارَ مُخْتَلِفٌ.
QS 2:17 (jilid 1 hlm. 309) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 309 · #108393
ونُ جَوَابُ (لَمَّا) مَحْذُوفًا دَلَّتْ عَلَيْهِ الْجُمْلَةُ الْمُسْتَأْنَفَةُ وَهُوَ قَرِيبٌ مِمَّا ذَكَرْتُهُ إِلَّا أَنَّ الِاعْتِبَارَ مُخْتَلِفٌ. وَمَعْنَى ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ: أَطْفَأَ نَارَهُمْ فَعَبَّرَ بِالنُّورِ لِأَنَّهُ الْمَقْصُودُ مِنَ الِاسْتِيقَادِ، وَأَسْنَدَ إِذْهَابَهُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى لِأَنَّهُ حَصَلَ بِلَا سَبَبٍ مِنْ رِيحٍ أَوْ مَطَرٍ أَو إطفاء مطفىء، وَالْعَرَبُ وَالنَّاسُ يُسْنِدُونَ الْأَمْرَ الَّذِي لَمْ يَتَّضِحْ سَبَبُهُ لِاسْمِ اللَّهِ تَعَالَى كَمَا تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ: وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ [الْبَقَرَة: ١٥]
QS 2:17 (jilid 1 hlm. 309) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 309 · #108394
نَ الْأَمْرَ الَّذِي لَمْ يَتَّضِحْ سَبَبُهُ لِاسْمِ اللَّهِ تَعَالَى كَمَا تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ: وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ [الْبَقَرَة: ١٥] وذَهَبَ الْمُعَدَّى بِالْبَاءِ أَبْلَغُ مِنْ أَذْهَبَ الْمُعَدَّى بِالْهَمْزَةِ وَهَاتِهِ الْمُبَالَغَةُ فِي التَّعْدِيَةِ بِالْبَاءِ نَشَأَتْ مِنْ أَصْلِ الْوَضْعِ لِأَنَّ أَصْلَ ذَهَبَ بِهِ أَنْ يَدُلَّ عَلَى أَنَّهُمَا ذَهَبَا مُتَلَازِمَيْنِ فَهُوَ أَشَدُّ فِي تَحْقِيقِ ذَهَابِ الْمُصَاحِبِ كَقَوْلِهِ: فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ [يُوسُف:
QS 2:17 (jilid 1 hlm. 310) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 310 · #108395
هِ أَنْ يَدُلَّ عَلَى أَنَّهُمَا ذَهَبَا مُتَلَازِمَيْنِ فَهُوَ أَشَدُّ فِي تَحْقِيقِ ذَهَابِ الْمُصَاحِبِ كَقَوْلِهِ: فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ [يُوسُف: ١٥] وَأَذْهَبَهُ جَعَلَهُ ذَاهِبًا بِأَمْرِهِ أَوْ إِرْسَالِهِ فَلَمَّا كَانَ الَّذِي يُرِيدُ إِذْهَابَ شَخْصٍ إِذْهَابًا لَا شَكَّ فِيهِ يَتَوَلَّى حِرَاسَةَ ذَلِكَ بِنَفْسِهِ حَتَّى يُوقِنَ بِحُصُولِ امْتِثَالِ أَمْرِهِ صَارَ ذَهَبَ بِهِ مُفِيدًا مَعْنَى أَذْهَبَهُ، ثُمَّ تُنُوسِيَ ذَلِكَ بِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمَالِ فَقَالُوا ذَهَبَ بِهِ وَنَحْوَهُ وَلَوْ لَمْ يُصَاحِبْهُ فِي ذَهَابِهِ كَقَوْلِهِ: يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ [الْبَقَرَة: ٢٥٨] وَقَوْلِهِ: وَجاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ [يُوسُف:
QS 2:17 (jilid 1 hlm. 310) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 310 · #108396
وْ لَمْ يُصَاحِبْهُ فِي ذَهَابِهِ كَقَوْلِهِ: يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ [الْبَقَرَة: ٢٥٨] وَقَوْلِهِ: وَجاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ [يُوسُف: ١٠٠] ثُمَّ جُعْلِتِ الْهَمْزَةُ لِمُجَرَّدِ التَّعْدِيَةِ فِي الِاسْتِعْمَالِ فَيَقُولُونَ: ذَهَبَ الْقِمَارُ بِمَالِ فُلَانٍ وَلَا يُرِيدُونَ أَنَّهُ ذَهَبَ مَعَهُ، وَلَكِنَّهُمْ تَحَفَّظُوا أَلَّا يَسْتَعْمِلُوا ذَلِكَ إِلَّا فِي مَقَامِ تَأْكِيدِ الْإِذْهَابِ فَبَقِيَتِ الْمُبَالَغَةُ فِيهِ. وَضَمِيرُ الْمُفْرَدِ فِي قَوْلِهِ وَمَا حَوْلَهُ مُرَاعَاةً لِلْحَالِ الْمُشَبَّهَةِ.
QS 2:17 (jilid 1 hlm. 310) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 310 · #108397
مَقَامِ تَأْكِيدِ الْإِذْهَابِ فَبَقِيَتِ الْمُبَالَغَةُ فِيهِ. وَضَمِيرُ الْمُفْرَدِ فِي قَوْلِهِ وَمَا حَوْلَهُ مُرَاعَاةً لِلْحَالِ الْمُشَبَّهَةِ. وَاخْتِيَارُ لَفْظِ النُّورِ فِي قَوْلِهِ: ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ دُونَ الضَّوْءِ وَدُونَ النَّارِ لِأَنَّ لَفْظَ النُّورِ أَنْسَبُ لِأَنَّ الَّذِي يُشْبِهُ النَّارَ مِنَ الْحَالَةِ الْمُشَبَّهَةِ هُوَ مَظَاهِرُ الْإِسْلَامِ الَّتِي يُظْهِرُونَهَا وَقَدْ شَاعَ التَّعْبِيرُ عَنِ الْإِسْلَامِ بِالنُّورِ فِي الْقُرْآنِ فَصَارَ اخْتِيَارُ لَفْظِ النُّورِ هُنَا بِمَنْزِلَةِ تَجْرِيدِ الِاسْتِعَارَةِ لِأَنَّهُ أَنْسَبُ بِالْحَالِ الْمُشَبَّهَةِ، وَعَبَّرَ عَمَّا يُقَابِلُهُ فِي الْحَالِ الْمُشَبَّهِ بِهَا بِلَفْظٍ يَصْلُحُ لَهُمَا أَوْ هُوَ بِالْمُشَبَّهِ أَنْسَبُ فِي اصْطِلَاحِ الْمُتَكَلِّمِ كَمَا قَدَّمْنَا الْإِشَارَةَ إِلَيْهِ فِي وَجْهِ جَمْعِ الضَّمِيرِ فِي قَوْلِهِ: بِنُورِهِمْ. وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ لَا يُبْصِرُونَ.
QS 2:17 (jilid 1 hlm. 310) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 310 · #108398
ْمُتَكَلِّمِ كَمَا قَدَّمْنَا الْإِشَارَةَ إِلَيْهِ فِي وَجْهِ جَمْعِ الضَّمِيرِ فِي قَوْلِهِ: بِنُورِهِمْ. وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ لَا يُبْصِرُونَ. هَذِهِ الْجُمْلَةُ تَتَضَمَّنُ تَقْرِيرًا لِمَضْمُونِ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ لِأَنَّ مَنْ ذَهَبَ نُورُهُ بَقِيَ فِي ظُلْمَةٍ لَا يُبْصِرُ، وَالْقَصْدُ مِنْهُ زِيَادَةُ إِيضَاحِ الْحَالَةِ الَّتِي صَارُوا إِلَيْهَا فَإِنَّ لِلدَّلَالَةِ الصَّرِيحَةِ مِنَ الِارْتِسَامِ فِي ذِهْنِ السَّامِعِ مَا لَيْسَ لِلدَّلَالَةِ الضِّمْنِيَّةِ فَإِنَّ قَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ يُفِيدُ أَنَّهُمْ لَمَّا اسْتَوْقَدُوا نَارًا فَانْطَفَأَتِ انْعَدَمَتِ الْفَائِدَةُ وَخَابَتِ الْمَسَاعِي وَلَكِنْ قَدْ يَذْهَلُ السَّامِعُ عَمَّا صَارُوا إِلَيْهِ عِنْدَ هَاتِهِ الْحَالَةِ فَيَكُونُ قَوْلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ: وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ لَا يُبْصِرُونَ تَذْكِيرًا بِذَلِكَ وَتَنْبِيهًا إِلَيْهِ، فَإِنَّهُمْ لَا يَقْصِدُونَ مِنَ الْبَيَانِ إِلَّا شِدَّةَ
QS 2:17 (jilid 1 hlm. 310) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 310 · #108399
َلِكَ: وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ لَا يُبْصِرُونَ تَذْكِيرًا بِذَلِكَ وَتَنْبِيهًا إِلَيْهِ، فَإِنَّهُمْ لَا يَقْصِدُونَ مِنَ الْبَيَانِ إِلَّا شِدَّةَ تَصْوِيرِ الْمَعَانِي وَلِذَلِكَ يُطْنِبُونَ وَيُشَبِّهُونَ وَيُمَثِّلُونَ وَيَصِفُونَ الْمَعْرِفَةَ وَيَأْتُونَ بِالْحَالِ وَيُعَدِّدُونَ الْأَخْبَارَ وَالصِّفَاتِ فَهَذَا إِطْنَابٌ بَدِيعٌ كَمَا فِي قَوْلِ طَرَفَةَ: نَدَامَايَ بِيضٌ كَالنُّجُومِ وَقَيْنَةٌ ... تَرُوحُ إِلَيْنَا بَيْنَ بُرْدٍ وَمَجْسَدُُِ
QS 2:17 (jilid 1 hlm. 310) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 310 · #108400
ِّفَاتِ فَهَذَا إِطْنَابٌ بَدِيعٌ كَمَا فِي قَوْلِ طَرَفَةَ: نَدَامَايَ بِيضٌ كَالنُّجُومِ وَقَيْنَةٌ ... تَرُوحُ إِلَيْنَا بَيْنَ بُرْدٍ وَمَجْسَدُُِ فَإِنَّ قَوْلَهُ تَرُوحُ إِلَيْنَا إِلَخْ لَا يُفِيدُ أَكْثَرَ مِنْ تَصْوِيرِ حَالَةِ الْقَيْنَةِ وَتَحْسِينِ مُنَادَمَتِهَا، وَتُفِيدُ هَذِهِ الْجُمْلَةُ أَيْضًا أَنَّهُمْ لَمْ يَعُودُوا إِلَى الِاسْتِنَارَةِ مِنْ بُعْدٍ، عَلَى مَا فِي قَوْلِهِ وَتَرَكَهُمْ مِنْ إِفَادَةِ تَحْقِيرِهِمْ، وَمَا فِي جَمْعِ ظُلُماتٍ مِنْ إِفَادَةِ شِدَّةِ الظُّلْمَةِ وَهِيَ فَائِدَةٌ زَائِدَةٌ عَلَى مَا اسْتُفِيدَ ضِمْنًا مِنْ جُمْلَةِ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَمَا يَقْتَضِيهِ جَمْعُ ظُلُماتٍ مِنْ تَقْدِيرِ تَشْبِيهَاتٍ ثَلَاثَةٍ لِضَلَالَاتٍ ثَلَاثٍ مِنْ ضَلَالَاتِهِمْ كَمَا سَيَأْتِي.
QS 2:17 (jilid 1 hlm. 311) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 311 · #108401
اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَمَا يَقْتَضِيهِ جَمْعُ ظُلُماتٍ مِنْ تَقْدِيرِ تَشْبِيهَاتٍ ثَلَاثَةٍ لِضَلَالَاتٍ ثَلَاثٍ مِنْ ضَلَالَاتِهِمْ كَمَا سَيَأْتِي. وَبِهَذَا الِاعْتِبَارِ الزَّائِدِ عَلَى تَقْرِيرِ مَضْمُونِ الْجُمْلَةِ قَبْلَهَا عُطِفَتْ عَلَى الْجُمْلَةِ وَلَمْ تُفْصَلْ. وَحَقِيقَةُ التَّرْكِ مُفَارَقَةُ أَحَدٍ شَيْئًا كَانَ مُقَارِنًا لَهُ فِي مَوضِع وإبقاؤه فِي ذَلِك الْموضع. وَكَثِيرًا مَا يَذْكُرُونَ الْحَالَ الَّتِي تَرَكَ الْفَاعِلُ الْمَفْعُولَ عَلَيْهَا، وَفِي هَذَا الِاسْتِعْمَالِ يَكْثُرُ أَنْ يَكُونَ مَجَازًا عَنْ مَعْنَى صَيَّرَ أَوْ جَعَلَ. قَالَ النَّابِغَةُ: فَلَا تَتْرُكَنِّي بِالْوَعِيدِ كَأَنَّنِي ... إِلَى النَّاسِ مَطْلِيٌّ بِهِ الْقَارُ أَجْرَبُ أَيْ لَا تُصَيِّرَنِّي بِهَذِهِ الْمُشَابَهَةِ، وَقَوْلُ عَنْتَرَةَ: جَادَتْ عَلَيْهِ كُلُّ عَيْنٍ ثَرَّةِ ...
QS 2:17 (jilid 1 hlm. 311) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 311 · #108402
َّاسِ مَطْلِيٌّ بِهِ الْقَارُ أَجْرَبُ أَيْ لَا تُصَيِّرَنِّي بِهَذِهِ الْمُشَابَهَةِ، وَقَوْلُ عَنْتَرَةَ: جَادَتْ عَلَيْهِ كُلُّ عَيْنٍ ثَرَّةِ ... فَتَرَكْنَ كُلَّ قَرَارَةٍ كَالدِّرْهَمِ يُرِيدُ صَيَّرْنَ، وَالْأَكْثَرُ أَنْ يُكْنَى بِهِ فِي هَذَا الِاسْتِعْمَالِ عَنِ الزَّهَادَةِ فِي مَفْعُولِهِ كَمَا فِي بَيْتِ النَّابِغَةِ، أَوْ عَنْ تَحْقِيرِهِ كَمَا فِي هَذِهِ الْآيَةِ. وَالْفَرْقُ بَيْنَ مَا يُعْتَبَرُ فِيهِ مَعْنَى صَيَّرَ حَتَّى يَكُونَ مَنْصُوبُهُ الثَّانِي مَفْعُولًا، وَمَا يُعْتَبَرُ الْمَنْصُوبُ الثَّانِي مَعَهُ حَالًا، أَنَّهُ إِنْ كَانَ الْقَصْدُ إِلَى الْإِخْبَارِ بِالتَّخْلِيَةِ وَالتَّنَحِّي عَنْهُ فَالْمَنْصُوبُ الثَّانِي حَالٌ وَإِنْ كَانَ الْقَصْدُ أَوَّلًا إِلَى ذَلِكَ الْمَنْصُوبِ الثَّانِي وَهُوَ مَحَلُّ الْفَائِدَةِ
QS 2:17 (jilid 1 hlm. 311) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 311 · #108403
ةِ وَالتَّنَحِّي عَنْهُ فَالْمَنْصُوبُ الثَّانِي حَالٌ وَإِنْ كَانَ الْقَصْدُ أَوَّلًا إِلَى ذَلِكَ الْمَنْصُوبِ الثَّانِي وَهُوَ مَحَلُّ الْفَائِدَةِ فَالْمَنْصُوبُ الثَّانِي مَفْعُولٌ وَهُوَ فِي مَعْنَى الْخَبَرِ فَلَا يَحْتَمِلُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا غَيْرَ ذَلِكَ مَعْنًى وَإِنِ احْتَمَلَهُ لَفْظًا. وَجَمْعُ ظُلُماتٍ لِقَصْدِ بَيَانِ شِدَّةِ الظُّلْمَةِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ [الْأَنْعَام: ٦٣] وَقَوْلِ النَّبِيءِ ﷺ: «الظُّلْمُ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ»
QS 2:17 (jilid 1 hlm. 311) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 311 · #108404
تَعَالَى: قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ [الْأَنْعَام: ٦٣] وَقَوْلِ النَّبِيءِ ﷺ: «الظُّلْمُ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» فَإِنَّ الْكَثْرَةَ لَمَّا كَانَتْ فِي الْعُرْفِ سَبَبَ الْقُوَّةِ أَطْلَقُوهَا عَلَى مُطْلَقِ الْقُوَّةِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ تَعَدُّدٌ وَلَا كَثْرَةٌ مِثْلُ لَفْظِ كَثِيرٍ كَمَا يَأْتِي عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَادْعُوا ثُبُوراً كَثِيراً فِي سُورَةِ الْفُرْقَانِ [١٤] ، وَمِنْهُ ذِكْرُ ضَمِيرِ الْجَمْعِ لِلتَّعْظِيمِ، لِلْوَاحِدِ، وَضَمِيرِ الْمُتَكَلِّمِ وَمَعَهُ غَيْرُهُ لِلتَّعْظِيمِ، وَصِيغَةُ الْجَمْعِ مِنْ ذَلِكَ الْقَبِيلِ، قِيلَ لَمْ يَرِدْ فِي الْقُرْآنِ ذِكْرُ الظَّلَمَةِ مُفْرَدًا، وَلَعَلَّ لَفْظَ ظُلُمَاتٍ أَشْهَرُ إِطْلَاقًا فِي فَصِيحِ الْكَلَامِ وَسَيَأْتِي بَيَانُ هَذَا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ فِي سُورَةِ الْأَنْعَامِ [١] بِخِلَافِ قَوْلِهِ تَعَالَىُُ:
QS 2:17 (jilid 1 hlm. 311) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 311 · #108405
َلَامِ وَسَيَأْتِي بَيَانُ هَذَا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ فِي سُورَةِ الْأَنْعَامِ [١] بِخِلَافِ قَوْلِهِ تَعَالَىُُ: فِي ظُلُماتٍ ثَلاثٍ [الزمر: ٦] فَإِنَّ التَّعَدُّدَ مَقْصُودٌ بِقَرِينَةِ وَصْفِهِ بِثَلَاثٍ. وَلَكِنَّ بَلَاغَةَ الْقُرْآنِ وَكَلَامِ الرَّسُولِ ﵇ لَا تَسْمَحُ بِاسْتِعْمَالِ جَمْعٍ غَيْرِ مُرَادٍ بِهِ فَائِدَةٌ زَائِدَةٌ عَلَى لَفْظِهِ الْمُفْرَدِ، وَيَتَعَيَّنُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ أَنَّ جَمْعَ (ظُلُمَاتٍ) أُشِيرَ بِهِ إِلَى أَحْوَالٍ مِنْ أَحْوَالِ الْمُنَافِقِينَ كُلُّ حَالَةٍ مِنْهَا تَصْلُحُ لِأَنْ تُشَبَّهَ بِالظُّلْمَةِ وَتِلْكَ هِيَ حَالَةُ الْكُفْرِ، وَحَالَةُ الْكَذِبِ، وَحَالَةُ الِاسْتِهْزَاءِ بِالْمُؤْمِنِينَ، وَمَا يَتْبَعُ تِلْكَ الْأَحْوَالَ مِنْ آثَارِ النِّفَاقِ.
QS 2:17 (jilid 1 hlm. 312) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 312 · #108406
كَ هِيَ حَالَةُ الْكُفْرِ، وَحَالَةُ الْكَذِبِ، وَحَالَةُ الِاسْتِهْزَاءِ بِالْمُؤْمِنِينَ، وَمَا يَتْبَعُ تِلْكَ الْأَحْوَالَ مِنْ آثَارِ النِّفَاقِ. وَهَذَا التَّمْثِيلُ تَمْثِيلٌ لِحَالِ الْمُنَافِقِينَ فِي تَرَدُّدِهِمْ بَيْنَ مَظَاهِرِ الْإِيمَانِ وَبَوَاطِنِ الْكُفْرِ فَوَجْهُ الشَّبَهِ هُوَ ظُهُورُ أَمْرٍ نَافِعٍ ثُمَّ انْعِدَامُهُ قَبْلَ الِانْتِفَاعِ بِهِ، فَإِنَّ فِي إِظْهَارِهِمُ الْإِسْلَامَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ صُورَةٌ مِنْ حُسْنِ الْإِيمَانِ وَبَشَاشَتِهِ لِأَنَّ لِلْإِسْلَامِ نُورًا وَبَرَكَةً ثُمَّ لَا يَلْبَثُونَ أَنْ يَرْجِعُوا عِنْدَ خُلُوِّهِمْ بِشَيَاطِينِهِمْ فَيَزُولُ عَنْهُمْ ذَلِكَ وَيَرْجِعُوا فِي ظُلْمَةِ الْكُفْرِ أَشَدَّ مِمَّا كَانُوا عَلَيْهِ لِأَنَّهُمْ كَانُوا فِي كُفْرٍ فَصَارُوا فِي كُفْرٍ وَكَذِبٍ وَمَا يَتَفَرَّعُ عَنِ النِّفَاقِ مِنَ الْمَذَامِّ، فَإِنَّ الَّذِي يَسْتَوْقِدُ النَّارَ فِي الظَّلَامِ يَتَطَلَّبُ رُؤْيَةَ الْأَشْيَاءِ فَإِذَا
QS 2:17 (jilid 1 hlm. 312) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 312 · #108407
ِبٍ وَمَا يَتَفَرَّعُ عَنِ النِّفَاقِ مِنَ الْمَذَامِّ، فَإِنَّ الَّذِي يَسْتَوْقِدُ النَّارَ فِي الظَّلَامِ يَتَطَلَّبُ رُؤْيَةَ الْأَشْيَاءِ فَإِذَا انْطَفَأَتِ النَّارُ صَارَ أَشَدَّ حَيْرَةً مِنْهُ فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ لِأَنَّ ضَوْءَ النَّارِ قَدْ عَوَّدَ بَصَرَهُ فَيَظْهَرُ أَثَرُ الظُّلْمَةِ فِي الْمَرَّةِ الثَّانِيَةِ أَقْوَى وَيَرْسَخُ الْكُفْرُ فِيهِمْ. وَبِهَذَا تَظْهَرُ نُكْتَةُ الْبَيَانِ بِجُمْلَةِ: لَا يُبْصِرُونَ لِتَصْوِيرِ حَالِ مَنِ انْطَفَأَ نُورُهُ بَعْدَ أَنِ اسْتَضَاءَ بِهِ. وَمَفْعُولُ لَا يُبْصِرُونَ مَحْذُوفٌ لِقَصْدِ عُمُومِ نفي المبصرات فتنزل الْفِعْلُ مَنْزِلَةَ اللَّازِمِ وَلَا يُقَدَّرُ لَهُ مَفْعُولٌ كَأَنَّهُ قِيلَ لَا إِحْسَاسَ بَصَرٍ لَهُمْ، كَقَوْلِ الْبُحْتُرِيِّ: شَجْوُ حُسَّادِهِ وَغَيْظُ عِدَاهُ ...
QS 2:17 (jilid 1 hlm. 312) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 312 · #108408
للَّازِمِ وَلَا يُقَدَّرُ لَهُ مَفْعُولٌ كَأَنَّهُ قِيلَ لَا إِحْسَاسَ بَصَرٍ لَهُمْ، كَقَوْلِ الْبُحْتُرِيِّ: شَجْوُ حُسَّادِهِ وَغَيْظُ عِدَاهُ ... أَنْ يَرَى مُبْصِرٌ وَيَسْمَعَ وَاعِ وَقَدْ أُجْمِلَ وَجْهُ الشَّبَهِ فِي تَشْبِيهِ حَالِ الْمُنَافِقِينَ اعْتِمَادًا عَلَى فِطْنَةِ السَّامِعِ لِأَنَّهُ يَمْخَضُهُ مِنْ مَجْمُوعِ مَا تَقَدَّمَ مِنْ شَرْحِ حَالِهِمُ ابْتِدَاءً مِنْ قَوْلِهِ: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ [الْبَقَرَة: ٨] إِلَخْ وَمِمَّا يَتَضَمَّنُهُ الْمَثَلَانِ مِنَ الْإِشَارَةِ إِلَى وُجُوهِ الْمُشَابَهَةِ بَيْنَ أَجْزَاءِ أَحْوَالِهِمْ وَأَجْزَاءِ الْحَالَةِ الْمُشَبَّهِ بِهَا، فَإِنَّ إِظْهَارَهُمُ الْإِيمَانَ بِقَوْلِهِمْ: آمَنَّا بِاللَّهِ وَقَوْلِهِمْ: إِنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ [الْبَقَرَة: ١١] وَقَوْلِهِمْ عِنْدَ لِقَاءِ الْمُؤمنِينَ: آمَنَّا [الْبَقَرَة: ١٤] أَحْوَالٌ وَمَظَاهِرُ حَسَنَةٌ تَلُوحُ عَلَى الْمُنَافِقِينَ حِينَمَا يَحْضُرُونَ
QS 2:17 (jilid 1 hlm. 312) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 312 · #108409
] وَقَوْلِهِمْ عِنْدَ لِقَاءِ الْمُؤمنِينَ: آمَنَّا [الْبَقَرَة: ١٤] أَحْوَالٌ وَمَظَاهِرُ حَسَنَةٌ تَلُوحُ عَلَى الْمُنَافِقِينَ حِينَمَا يَحْضُرُونَ مَجْلِسَ النَّبِيءِ ﷺ وَحِينَمَا يَتَظَاهَرُونَ بِالْإِسْلَامِ وَالصَّلَاةِ وَالصَّدَقَةِ مَعَ الْمُسْلِمِينَ وَيَصْدُرُ مِنْهُمْ طَيِّبُ الْقَوْلِ وَقَوِيمُ السُّلُوكِ وَتُشْرِقُ عَلَيْهِمُ الْأَنْوَارُ النَّبَوِيَّةُ فَيَكَادُ نُورُ الْإِيمَانِ يَخْتَرِقُ إِلَى نُفُوسِهِمْ وَلَكِنْ سُرْعَانَ مَا يَعْقُبُ تِلْكَ الْحَالَةَ الطَّيِّبَةَ حَالَةٌ تُضَادُهَا عِنْدَ انْفِضَاضِهِمْ عَنْ تِلْكَ الْمَجَالِسِ الزَّكِيَّةِ وَخُلُوصِهِمْ إِلَى بِطَانَتِهِمْ مِنْ كُبَرَائِهِمْ أَوْ مِنْ أَتْبَاعِهِمْ فَتُعَاوِدُهُمُ الْأَحْوَالُ الذَّمِيمَةُُُ
QS 2:17 (jilid 1 hlm. 312) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 312 · #108410
ْكَ الْمَجَالِسِ الزَّكِيَّةِ وَخُلُوصِهِمْ إِلَى بِطَانَتِهِمْ مِنْ كُبَرَائِهِمْ أَوْ مِنْ أَتْبَاعِهِمْ فَتُعَاوِدُهُمُ الْأَحْوَالُ الذَّمِيمَةُُُ مِنْ مُزَاوَلَةِ الْكُفْرَ وَخِدَاعِ الْمُؤْمِنِينَ وَالْحِقْدِ عَلَيْهِمْ وَالِاسْتِهْزَاءِ بِهِمْ وَوَصْفِهِمْ بِالسَّفَهِ، مُثِّلَ ذَلِكَ التَّظَاهُرُ وَذَلِكَ الِانْقِلَابُ بِحَالِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا ثُمَّ ذَهَبَ عَنْهُ نُورُهَا. وَمِنْ بَدَائِعِ هَذَا التَّمْثِيلِ أَنَّهُ مَعَ مَا فِيهِ من تركيب الهيأة الْمُشَبَّهِ بهَا ومقابلتها للهيأة الْمُرَكَّبَةِ مِنْ حَالِهِمْ هُوَ قَابِلٌ لِتَحْلِيلِهِ بِتَشْبِيهَاتٍ مُفْرَدَةٍ لِكُلِّ جُزْء من هيأة أَحْوَالِهِمْ بِجُزْءٍ مُفْرد من الهيأة الْمُشَبَّهِ بِهَا فَشُبِّهَ اسْتِمَاعُهُمُ الْقُرْآنَ بِاسْتِيقَادِ النَّارِ، وَيَتَضَمَّنُ تَشْبِيهَ الْقُرْآنِ فِي إِرْشَادِ النَّاسِ إِلَى الْخَيْرِ وَالْحَقِّ بِالنَّارِ فِي إِضَاءَةِ الْمَسَالِكِ لِلسَّالِكِينَ، وَشُبِّهَ رُجُوعُهُمْ إِلَى
QS 2:17 (jilid 1 hlm. 313) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 313 · #108411
شْبِيهَ الْقُرْآنِ فِي إِرْشَادِ النَّاسِ إِلَى الْخَيْرِ وَالْحَقِّ بِالنَّارِ فِي إِضَاءَةِ الْمَسَالِكِ لِلسَّالِكِينَ، وَشُبِّهَ رُجُوعُهُمْ إِلَى كُفْرِهِمْ بِذَهَابِ نُورِ النَّارِ، وَشُبِّهَ كَفْرُهُمْ بِالظُّلُمَاتِ، وَيُشَبَّهُونَ بِقَوْمٍ انْقَطع إبصارهم. [١٨]

Ayat yang dirujuk di sini

Potongan tafsir di atas mengutip ayat-ayat berikut (dideteksi dengan aturan teks ﴿…﴾, bukan model bahasa).

QS 33:19QS 2:18QS 2:8QS 22:46QS 57:13QS 58:18QS 62:5QS 63:3