(Dialah) yang menjadikan bumi sebagai hamparan bagimu dan langit sebagai atap, dan Dialah yang menurunkan air (hujan) dari langit, lalu Dia hasilkan dengan (hujan) itu buah-buahan sebagai rezeki untukmu. Karena itu janganlah kamu mengadakan tandingan-tandingan bagi Allah, padahal kamu mengetahui
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ وعزَّ: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا﴾.
وقولُه: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا﴾ مردودٌ على ﴿الَّذِي﴾ الأَوَّلِ في قولِه: ﴿اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ وهما جميعًا مِن نعتِ ﴿رَبَّكُمُ﴾. فكأنَّه قال: اعبُدوا ربَّكم الخالِقَكم، والخالقَ الذين مِن قبلِكم، الجاعلَ لكم الأرضَ فِراشًا. يعني بذلك أنه جعَل لكم الأرضَ مِهادًا تُوطَأُ، وقرارًا يُستقرُّ عليها. يُذكِّرُ ربُّنا جلَّ ذكرُه بذلك مِن قيلِه، عبادَه نعمَه عندَهم وآلاءَه لديهم؛
لِيذكُروا أياديَه عندَهم، فيُنيبوا إلى طاعتِه، تَعطُّفًا منه بذلك عليهم، ورأفةً منه بهم، ورحمةً لهم، مِن غير ما حاجةٍ منه إلى عبادتِهم، ولكن ليُتِمَّ نعمتَه عليهم ولعلَّهم يَهتدُون.
بوا إلى طاعتِه، تَعطُّفًا منه بذلك عليهم، ورأفةً منه بهم، ورحمةً لهم، مِن غير ما حاجةٍ منه إلى عبادتِهم، ولكن ليُتِمَّ نعمتَه عليهم ولعلَّهم يَهتدُون.
كما حدَّثني مُوسى بنُ هارونَ، قال: حدَّثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: حدَّثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ في خبرٍ ذكَره عن أبي مالكٍ، وعن أبي صالح، عن ابنِ عباسٍ، وعن [مُرَّةَ، عن] ابنِ مسعودٍ، وعن ناسٍ مِن أصحابِ النبيِّ ﷺ: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا﴾: فهي فِراشٌ يُمشَى عليها، وهي المهادُ والقَرارُ.
حدَّثنا بشرٌ، قال: حدَّثنا يزيدُ، قال: حدَّثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا﴾ قال: مهادًا لكم.
وحدَّثني المُثَنَّى، قال: حدَّثنا إسحاقُ، قال: حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرَّبيعِ بنِ أنسٍ قال: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا﴾ أي: مِهادًا.
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ وعزَّ: ﴿وَالسَّمَاءَ بِنَاءً﴾.
قال أبو جعفرٍ: وإنما سُمِّيت السماءُ سماءً؛ لعُلُوِّها على الأرضِ، وعلى سُكَّانِها مِن خلْقِه، وكلُّ شيْءٍ كان فوقَ شيْءٍ آخرَ، فهو لما تحتَه سماءٌ. ولذلك قيل لسقفِ
البيتِ: سماؤُه؛ لأنَّه فوقَه مرتفِعٌ عليه، وكذلك قيل: سما فلانٌ لفلانٍ: إذا أَشْرف له وقصَد نحوَه عاليًا عليه، كما قال الفرزدقُ:
سَمَوْنا لِنَجْرَانَ اليَمانِي وأهْلِهِ … وَنجْرَانُ أرْضٌ لَم تُدَيَّثْ مَقاوِلُهْ
وكما قال نابغةُ بني ذُبْيانَ:
[سَمَتْ لي نَظْرَةٌ] فَرأيْتُ مِنْها … تُحَيْتَ الخِدْرِ وَاضِعَةَ القِرَامِ
يريدُ بذلك: أَشْرفتْ لي نظرةٌ وبدَت.
ِلُهْ
وكما قال نابغةُ بني ذُبْيانَ:
[سَمَتْ لي نَظْرَةٌ] فَرأيْتُ مِنْها … تُحَيْتَ الخِدْرِ وَاضِعَةَ القِرَامِ
يريدُ بذلك: أَشْرفتْ لي نظرةٌ وبدَت. فكذلك السماءُ سُمِّيت للأرضِ سماءً؛ لعُلُوِّها وإشرافِها عليها.
كما حدَّثني مُوسى بنُ هارونَ، قال: حدَّثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: حدَّثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ في خبرٍ ذكَره عن أبي مالك، وعن أبي صالحٍ، عن ابنِ عباسٍ، وعن مُرَّةَ الهمدانيِّ، عن ابنِ مسعودٍ، وعن ناسٍ مِن أصحابِ النبيِّ ﷺ: ﴿وَالسَّمَاءَ بِنَاءً﴾: ابتنى السماءَ على الأرضِ كهيئةِ القُبّةِ، وهي سَقْفٌ على الأرضِ.
حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: حدَّثنا يزيدُ، قال: حدَّثنا سعيدٌ، غن قتادةَ في قولِه: ﴿وَالسَّمَاءَ بِنَاءً﴾ قال: جعَل السماءَ سقفًا لك.
وإنما ذكَر السماءَ والأرضَ جلَّ ثناؤُه فيما عدَّد عليهم مِن نعَمِه التي أَنْعَمها عليهم؛ لأنَّ منهما أقواتَهم وأرزاقَهم ومعايشَهم، وبهما قِوامُ دنياهم.
نما ذكَر السماءَ والأرضَ جلَّ ثناؤُه فيما عدَّد عليهم مِن نعَمِه التي أَنْعَمها عليهم؛ لأنَّ منهما أقواتَهم وأرزاقَهم ومعايشَهم، وبهما قِوامُ دنياهم. فأَعْلَمهم أن الذي خلَقهما وخلَق جميعَ ما فيهما وما هم فيه مِن النِّعمِ، هو المستحِقُّ عليهم الطاعةَ، والمستوجِبُ منهم الشكرَ والعبادةَ، دونَ الأصنامِ والأوثانِ التي لا تضُرُّ ولا تنفَعُ.
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ﴾.
يعني بذلك أنه جلَّ ثناؤُه أَنْزل مِن السماءِ مطرًا، فأَخْرج بذلك المطرِ ممّا أَنْبتوه في الأرضِ مِن زروعِهم وغروسِهم ثمراتٍ رزقًا لهم؛ غِذاءً وأقواتًا. فنبَّههم بذلك جلَّ ثناؤُه على قدريه وسلطانِه، وذَكَّرهم به آلاءَه لديهم، وأنه هو الذي خلَقهم، وهو الذي يرزُقُهم ويكفُلُهم، دونَ مَن جعَلوه له نِدًّا وعِدْلًا من الأوثانِ والآلهةِ. ثم زجَرهم عن أن يجعَلوا له نِدًّا مع علمِهم بأنَّ ذلك كما أَخْبَرهم، وأنُّه لا نِدَّ له ولا عِدْلَ، ولا لهم نافعٌ ولا ضارٌّ، ولا خالقٌ ولا رازقٌ سواه.
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا﴾.
قال أبو جعفرٍ: والأندادُ جمعُ نِدٍّ، والنِّدُّ العِدْلُ والمِثْلُ، كما قال حسانُ بنُ
ثابتٍ:
أَتَهْجُوه وَلَسْتَ لَهُ بِنِدٍّ … فَشَرٌّ كما لخَيْرِكُما الفِداءُ
يعني بقولِه: ولستَ له بنِدٍّ: لستَ له بمِثْلٍ ولا عِدْلٍ. وكلُّ شيْءٍ كان نظيرًا لشيءٍ وله شبيهًا، فهو له نِدٌّ.
كما حَدَّثَنَا بشرٌ، قال: حَدَّثَنَا يزيدُ بنُ زُرَيْعٍ، قال: حَدَّثَنَا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا﴾ أي: عِدْلًا.
حَدَّثَنِي المُثَنَّى، قال: حَدَّثَنَا أبو حُذيفةَ، قال: حَدَّثَنَا شِبْلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا﴾ أي: عِدْلًا.
حَدَّثَني مُوسى بنُ هارونَ، قال: حَدَّثَنَا عمرٌو، قال: حَدَّثَنَا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ في خبرٍ ذكَرَه عن أبي مالكٍ، وعن أبي صالحٍ، عن ابنِ عباسٍ، وعن مُرَّةَ، عن ابنِ مسعود، وعن ناسٍ مِن أصحابِ النَّبِيِّ ﷺ: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا﴾.
كَرَه عن أبي مالكٍ، وعن أبي صالحٍ، عن ابنِ عباسٍ، وعن مُرَّةَ، عن ابنِ مسعود، وعن ناسٍ مِن أصحابِ النَّبِيِّ ﷺ: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا﴾.
قال: أَكْفَاءً مِن الرجالِ تُطيعونهم في معصيةِ اللهِ.
حَدَّثَنِي يونسُ بن عبدِ الأعلى، قال: أَخْبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في
قولِ اللهِ: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا﴾. قال: الأندادُ الآلهةُ التي جعَلوها معه، وجعَلوا لها مثلَ ما جعَلوا له.
وحُدِّثت عن المِنْجابِ، قال: حَدَّثَنَا بشرُ بنُ عُمارةِ، عن أبي رَوْقٍ، عن الضحَّاكِ، عن ابنِ عباسٍ في قولِ اللهِ: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا﴾ قال: أشْباهًا.
حَدَّثَنِي محمدُ بنُ سِنانٍ القزازُ، قال: حَدَّثَنَا أبو عاصمٍ، عن شَبيبٍ، عن عكرمةَ: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا﴾: أن تقولوا: لولا كلبُنا لدخَل علينا اللصُّ الدارَ، ولولا كلبُنا في الدارِ.
نَا أبو عاصمٍ، عن شَبيبٍ، عن عكرمةَ: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا﴾: أن تقولوا: لولا كلبُنا لدخَل علينا اللصُّ الدارَ، ولولا كلبُنا في الدارِ. ونحو هذا.
فنهاهم اللهُ جلَّ ذكرُه أن يُشرِكوا به شيئًا، وأن يعبُدوا غيرَه، أو يتَّخِذوا له نِدًّا أو عِدْلًا في الطاعةِ، فقال: كما لا شريكَ لي في خلقِكم، وفي رزقِي الذي أَرْزُقُكم، ومِلْكي إيَّاكم، ونِعْمتي التي أنعمتُها عليكم، فكذلك فأَفْردوا لي الطاعةَ، وأَخْلِصوا لي العبادةَ، ولا تجعَلوا لي شريكًا ونِدًّا مِن خَلْقي، فإنكم تعلمون أن كُلَّ نعمةٍ عليكم فمنِّي.
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ وعزَّ: ﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٢)﴾.
قال أبو جعفرٍ: اخْتَلف أهلُ التأويلِ في الذين عُنُوا بهذه الآيةِ؛ فقال بعضُهم: عُنِي بها جميعُ المشركين مِن مُشرِكي العربِ وأهلِ الكتابِ.
وقال بعضُهم: عُنِي بذلك أهل الكتابَينْ التوراةِ والإنجيلِ.
ذكرُ مَن قال: عُنِي بها جميعُ عَبَدةِ الأوثانِ مِن العربِ وكفارِ أهلِ الكتابيْن
حَدَّثَنَا محمدُ بنُ حُميدٍ، قال: حَدَّثَنَا سَلَمَةُ بنُ الفضلِ، عن محمدِ ابنِ إسحاقَ، عن محمدِ بنِ أبي محمدٍ مولى زيدِ بنِ ثابتٍ، عن عكرمةَ، أو عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: نزَل ذلك في الفريقَينْ جميعًا مِن الكفارِ والمنافِقين، وإنَّما عنَى بقولِه: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أي: لا تُشرِكوا باللهِ غيرَه مِن الأندادِ التي لا تنفَعُ ولا تضُرُّ، وأنتم تعلمون أنه لا ربَّ لكم يرزُقكم غيرُه، وقد علِمتم أن الذي يدعوكم إليه الرسولُ مِن توحيدِه هو الحقُّ لا شكَّ فيه.
ندادِ التي لا تنفَعُ ولا تضُرُّ، وأنتم تعلمون أنه لا ربَّ لكم يرزُقكم غيرُه، وقد علِمتم أن الذي يدعوكم إليه الرسولُ مِن توحيدِه هو الحقُّ لا شكَّ فيه.
حَدَّثَنَا بشرٌ، قال: حَدَّثَنَا يزيدُ، قال: حَدَّثَنَا سعيدٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أي: تعلَمون أن اللهَ خلَقكم وخلَق السماواتِ والأرضَ، ثم تجعَلون له أندادًا.
ذكرُ من قال: عُنِي بذلك أهلُ الكتابَيْن
حَدَّثَنَا أبو كُريبٍ، قال: حَدَّثَنَا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن رجلٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أنه إلهٌ واحدٌ في التوراةِ والإنجيلِ.
وحدَّثَنِي المُثَنَّى، قال: حَدَّثَنَا قَبِيصةُ، قال: حَدَّثَنَا سفيانُ، عن مجاهدٍ مثلَه.
وحدَّثَنِي المُثَنَّى، قال: حَدَّثَنَا أبو حذيفةَ، قال: حَدَّثَنَا شِبْلٌ، عن ابنِ أبي نَجِيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾.
عن مجاهدٍ مثلَه.
وحدَّثَنِي المُثَنَّى، قال: حَدَّثَنَا أبو حذيفةَ، قال: حَدَّثَنَا شِبْلٌ، عن ابنِ أبي نَجِيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾. يقولُ: وأنتم تعلَمون أنه لا نِدَّ له في التوراةِ والإنجيلِ.
قال أبو جعفرٍ: وأحسَبُ أن الذي دعا مجاهدًا إلى هذا التأويلِ، وإضافةِ ذلك إلى أنه خطابٌ لأهلِ التوراةِ والإنجيلِ دونَ غيرِهم، الظنُّ منه بالعربِ أنَّها لَمْ تكُنْ تعلَمُ أن اللهَ خالِقُها ورازِقُها بجحودِها وحدانيةَ رَبِّها، وإشراكِها معه في العبادةِ غيرَه، وإن ذلك لقولٌ، ولكنَّ اللهَ جلَّ ذكرُه قد أَخْبَر في كتابِه عنها أنَّها كانت تُقِرُّ بوحدانيتِه، غيرَ أنَّها كانت تُشرِكُ في عبادتِه ما كانت تُشركُ فيها، فقال تعالى ذِكرُه: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللهُ﴾ [الزخرف: ٨٧].
غيرَ أنَّها كانت تُشرِكُ في عبادتِه ما كانت تُشركُ فيها، فقال تعالى ذِكرُه: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللهُ﴾ [الزخرف: ٨٧]. وقال تعالى ذِكرُه: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٣١)﴾ [يونس: ٣١].
قال أبو جعفرٍ: والذي هو أَوْلى بتأويلِ قولِه: ﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ - إذ كان ما كان عندَ العربِ مِن العلمِ بوحدانيةِ اللهِ جلَّ وعزَّ، وأنه مُبدِعُ الخلقِ وخالِقُهم ورازِقُهم، نظيرَ الذي كان مِن ذلك عندَ أهلِ الكتابَيْن، ولم يكنْ في الآيةِ دَلالةٌ على أنَّ اللهَ عَنى بقولِه: ﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أحدَ الحزبَيْن، بل مَخرَجُ الخِطابِ بذلك عامٌّ للناسِ كافَّةً؛ لأنه تحدَّى الناسَ كلَّهم بقولِه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ
قولِه: ﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أحدَ الحزبَيْن، بل مَخرَجُ الخِطابِ بذلك عامٌّ للناسِ كافَّةً؛ لأنه تحدَّى الناسَ كلَّهم بقولِه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ
اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ - أن يكونَ تأويلُه ما قاله ابنُ عباسٍ وقتادةُ، مِن أنَّه معنيٌّ بذلك كلُّ مُكلَّفٍ عالمٍ بوحدانيةِ اللهِ وأنه لا شريكَ له في خلقِه، يشركُ معه في عبادتِه، كائنًا مَن كان مِن الناسِ، عَربيًّا كان أو أعجميًّا، كاتبًا أو أميًّا، وإن كان الخِطابُ لكفارِ أهلِ الكتابِ الذين كانوا حَوالَىْ دارِ هجرةِ رسولِ اللهِ ﷺ، وأهلِ النِّفاقِ منهم، وممن بينَ ظهرانَيْهم ممن كان مشركًا فانْتَقل إلى النِّفاقِ بِمَقْدَمِ رسولِ اللهِ ﷺ عليهم.
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٢)﴾
شرع ﵎ في بيان وحدانية ألوهيته، بأنه تعالى هو المنعم على عَبيده، بإخراجهم من العدم إلى الوجود وإسباغه عليهم النعمَ الظاهرة والباطنة، بأن جعل لهم الأرض فراشا، أي: مهدا كالفراش مُقَرّرَة موطأة مثبتة بالرواسي الشامخات، (وَالسَّمَاءَ بِنَاءً) وهو السقف، كما قال في الآية الأخرى: ﴿وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٢] وأنزل لهم من السماء ماء -والمراد به السحاب هاهنا-في وقته عند احتياجهم إليه، فأخرج لهم به من أنواع الزروع والثمار ما هو مشاهد؛ رزقًا لهم ولأنعامهم، كما قرر هذا في غير موضع من القرآن.
به السحاب هاهنا-في وقته عند احتياجهم إليه، فأخرج لهم به من أنواع الزروع والثمار ما هو مشاهد؛ رزقًا لهم ولأنعامهم، كما قرر هذا في غير موضع من القرآن. ومنْ أشبه آية بهذه الآية قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ قَرَارًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [غافر: ٦٤] ومضمونه: أنه الخالق الرازق مالك الدار، وساكنيها، ورازقهم، فبهذا يستحق أن يعبد وحده ولا يُشْرَك به غَيره؛ ولهذا قال: (فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ) وفي الصحيحين عن ابن مسعود، قال: قلت: يا رسول الله، أي الذنب أعظم؟ قال: "أن تجعل لله ندا، وهو خلقك" الحديث. وكذا حديث معاذ:
"أتدري ما حق الله على عباده؟
ي الصحيحين عن ابن مسعود، قال: قلت: يا رسول الله، أي الذنب أعظم؟ قال: "أن تجعل لله ندا، وهو خلقك" الحديث. وكذا حديث معاذ:
"أتدري ما حق الله على عباده؟ أن يعبدوه لا يشركوا به شيئًا" الحديث وفي الحديث الآخر: "لا يقولن أحدكم: ما شاء الله وشاء فلان، ولكن ليقل ما شاء الله، ثم شاء فلان".
وقال حماد بن سلمة: حدثنا عبد الملك بن عمير، عن رِبْعيِّ بن حِرَاش، عن الطفيل بن سَخْبَرَة، أخي عائشة أم المؤمنين لأمها، قال: رأيت فيما يرى النائم، كأني أتيت على نفر من اليهود، فقلت: من أنتم؟ فقالوا: نحن اليهود، قلت: إنكم لأنتم القوم لولا أنكم تقولون: عُزَير ابن الله. قالوا: وإنكم لأنتم القوم لولا أنكم تقولون: ما شاء الله وشاء محمد. قال: ثم مررت بنفر من النصارى، فقلت: من أنتم؟ قالوا: نحن النصارى. قلت: إنكم لأنتم القوم لولا أنكم تقولون: المسيح ابن الله. قالوا: وإنكم لأنتم القوم لولا أنكم تقولون: ما شاء الله وشاء محمد. فلما أصبحت أخبرت بها مَنْ أخبرت، ثم أتيت النبي ﷺ فأخبرته، فقال: "هل أخبرت بها أحدًا؟
الوا: وإنكم لأنتم القوم لولا أنكم تقولون: ما شاء الله وشاء محمد. فلما أصبحت أخبرت بها مَنْ أخبرت، ثم أتيت النبي ﷺ فأخبرته، فقال: "هل أخبرت بها أحدًا؟ " فقلت: نعم. فقام، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: "أما بعد، فإن طُفيلا رأى رؤيا أخبر بها من أخبر منكم، وإنكم قلتم كلمة كان يمنعني كذا وكذا أن أنهاكم عنها، فلا تقولوا: ما شاء الله وشاء محمد، ولكن قولوا: ما شاء الله وحده". هكذا رواه ابن مردويه في تفسير هذه الآية من حديث حماد بن سلمة، به. وأخرجه ابن ماجه من وجه آخر، عن عبد الملك بن عمير به، بنحوه.
وقال سفيان بن سعيد الثوري، عن الأجلح بن عبد الله الكندي، عن يزيد بن الأصم، عن ابن عباس، قال: قال رجل للنبي ﷺ: ما شاء الله وشئت. فقال: "أجعلتني لله ندا؟ قل: ما شاء الله وحده".
، عن الأجلح بن عبد الله الكندي، عن يزيد بن الأصم، عن ابن عباس، قال: قال رجل للنبي ﷺ: ما شاء الله وشئت. فقال: "أجعلتني لله ندا؟ قل: ما شاء الله وحده". رواه ابن مردويه، وأخرجه النسائي، وابن ماجه من حديث عيسى بن يونس، عن الأجلح، به.
وهذا كله صيانة، وحماية لجناب التوحيد، والله أعلم.
وقال محمد بن إسحاق: حدثني محمد بن أبي محمد، عن عكرمة، أو سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ) للفريقين جميعًا من الكفار والمنافقين، أي: وحدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم.
وبه عن ابن عباس: (فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ) أي: لا تشركوا بالله غيره من الأنداد التي لا تنفع ولا تضر، وأنتم تعلمون أنه لا رب لكم يرزقكم غيره وقد علمتم أن الذي يدعوكم إليه
الرسول ﷺ من توحيده هو الحق الذي لا شك فيه.
غيره من الأنداد التي لا تنفع ولا تضر، وأنتم تعلمون أنه لا رب لكم يرزقكم غيره وقد علمتم أن الذي يدعوكم إليه
الرسول ﷺ من توحيده هو الحق الذي لا شك فيه. وهكذا قال قتادة.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن عمرو بن أبي عاصم، حدثنا أبي عمرو، حدثنا أبي الضحاك بن مخلد أبو عاصم، حدثنا شبيب بن بشر، حدثنا عكرمة، عن ابن عباس، في قول الله، ﷿ (فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا [وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ]) قال: الأنداد هو الشرك، أخفى من دبيب النمل على صَفَاة سوداء في ظلمة الليل، وهو أن يقول: والله وحياتك يا فلان، وحياتي، ويقول: لولا كلبة هذا لأتانا اللصوص، ولولا البطّ في الدار لأتى اللصوص، وقول الرجل لصاحبه: ما شاء الله وشئتَ، وقول الرجل: لولا الله وفلان. لا تجعل فيها "فلان". هذا كله به شرك.
وفي الحديث: أن رجلا قال لرسول الله ﷺ ما شاء الله وشئت، فقال: "أجعلتني لله ندا".
تَ، وقول الرجل: لولا الله وفلان. لا تجعل فيها "فلان". هذا كله به شرك.
وفي الحديث: أن رجلا قال لرسول الله ﷺ ما شاء الله وشئت، فقال: "أجعلتني لله ندا". وفي الحديث الآخر: "نعم القوم أنتم، لولا أنكم تنددون، تقولون: ما شاء الله، وشاء فلان".
قال أبو العالية: (فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا) أي عدلاء شركاء. وهكذا قال الربيع بن أنس، وقتادة، والسُّدي، وأبو مالك: وإسماعيل بن أبي خالد.
وقال مجاهد: (فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ) قال: تعلمون أنه إله واحد في التوراة والإنجيل.
ذكر حديث في معنى هذه الآية الكريمة:
ل مجاهد: (فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ) قال: تعلمون أنه إله واحد في التوراة والإنجيل.
ذكر حديث في معنى هذه الآية الكريمة:
قال الإمام أحمد: حدثنا عفان، حدثنا أبو خلف موسى بن خلف، وكان يُعَد من البُدَلاء، حدثنا يحيى بن أبي كثير، عن زيد بن سلام، عن جده ممطور، عن الحارث الأشعري، أن نبي الله ﷺ قال: "إن الله ﷿، أمر يحيى بن زكريا، ﵇، بخمس كلمات أن يعمل بهن، وأن يأمر بني إسرائيل أن يعملوا بهن، وكان يبطئ بها، فقال له عيسى، ﵇: إنك قد أمرت بخمس كلمات أن تعمل بهن وتأمر بني إسرائيل أن يعملوا بهن، فإما أن تبلغهن، وإما أن أبلغهن. فقال: يا أخي، إني أخشى إن سبقتني أن أعذب أو يخسف بي".
قد أمرت بخمس كلمات أن تعمل بهن وتأمر بني إسرائيل أن يعملوا بهن، فإما أن تبلغهن، وإما أن أبلغهن. فقال: يا أخي، إني أخشى إن سبقتني أن أعذب أو يخسف بي". قال: "فجمع يحيى بن زكريا بني إسرائيل في بيت المقدس، حتى امتلأ المسجد، فقعد على الشرف، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: إن الله أمرني بخمس كلمات أن أعمل بهن، وآمركم أن تعملوا بهن، وأولهن: أن تعبدوا الله لا تشركوا به شيئًا، فإن مثل ذلك مَثَل رجل اشترى عبدًا من خالص ماله بوَرِق أو ذهب، فجعل يعمل ويؤدي غلته إلى غير سيده فأيكم يسره أن يكون عبده كذلك؟ وأن الله خلقكم ورزقكم فاعبدوه ولا تشركوا به شيئًا وأمركم بالصلاة؛ فإن الله ينصب وجهه لوجه عبده ما لم يلتفت، فإذا صليتم فلا تلتفتوا. وأمركم بالصيام، فإن مثل ذلك كمثل رجل معه صرة من مسك في عصابة، كلهم يجد ريح المسك. وإن خلوف فم الصائم عند الله أطيب من ريح المسك. وأمركم بالصدقة؛ فإن مثل ذلك كمثل رجل أسره العدو، فشدوا يديه إلى عنقه، وقدموه ليضربوا عنقه، فقال لهم: هل لكم أن أفتدي
نفسي؟
ند الله أطيب من ريح المسك. وأمركم بالصدقة؛ فإن مثل ذلك كمثل رجل أسره العدو، فشدوا يديه إلى عنقه، وقدموه ليضربوا عنقه، فقال لهم: هل لكم أن أفتدي
نفسي؟ فجعل يفتدي نفسه منهم بالقليل والكثير حتى فك نفسه. وأمركم بذكر الله كثيرًا؛ وإن مثل ذلك كمثل رجل طلبه العدو سِراعا في أثره، فأتى حصنا حصينًا فتحصن فيه، وإن العبد أحصن ما يكون من الشيطان إذا كان في ذكر الله".
قال: وقال رسول الله ﷺ: "وأنا آمركم بخمس الله أمرني بهن: الجماعة، والسمع، والطاعة، والهجرة، والجهاد في سبيل الله؛ فإنه من خرج من الجماعة قيدَ شِبْر فقد خلع رِبْقة الإسلام من عنقه، إلا أن يراجع ومن دعا بدعوى جاهلية فهو من جِثِيِّ جهنم". قالوا: يا رسول الله، وإن صام وصلى؟
خرج من الجماعة قيدَ شِبْر فقد خلع رِبْقة الإسلام من عنقه، إلا أن يراجع ومن دعا بدعوى جاهلية فهو من جِثِيِّ جهنم". قالوا: يا رسول الله، وإن صام وصلى؟ فقال: "وإن صلى وصام وزعم أنه مسلم؛ فادعوا المسلمين بأسمائهم على ما سماهم الله ﷿: المسلمين المؤمنين عباد الله".
هذا حديث حسن، والشاهد منه في هذه الآية قوله: "وإن الله خلقكم ورزقكم فاعبدوه ولا تشركوا به شيئًا".
وهذه الآية دالة على توحيده تعالى بالعبادة وحده لا شريك له، وقد استدل به كثير من المفسرين كالرازي وغيره على وجود الصانع فقال: وهي دالة على ذلك بطريق الأولى، فإن من تأمل هذه الموجودات السفلية والعلوية واختلاف أشكالها وألوانها وطباعها ومنافعها ووضعها في مواضع النفع بها محكمة، علم قدرة خالقها وحكمته وعلمه وإتقانه وعظيم سلطانه، كما قال بعض الأعراب، وقد سئل: ما الدليل على وجود الرب تعالى؟ فقال: يا سبحان الله، إن البعرة لتدل على البعير، وإن أثر الأقدام لتدل على المسير، فسماء ذات أبراج، وأرض ذات فجاج، وبحار ذات أمواج؟
لى وجود الرب تعالى؟ فقال: يا سبحان الله، إن البعرة لتدل على البعير، وإن أثر الأقدام لتدل على المسير، فسماء ذات أبراج، وأرض ذات فجاج، وبحار ذات أمواج؟ ألا يدل ذلك على وجود اللطيف الخبير؟
وحكى فخر الدين عن الإمام مالك أن الرشيد سأله عن ذلك فاستدل باختلاف اللغات والأصوات والنغمات، وعن أبي حنيفة أن بعض الزنادقة سألوه عن وجود الباري تعالى، فقال لهم: دعوني فإني مفكر في أمر قد أخبرت عنه ذكروا لي أن سفينة في البحر موقرة فيها أنواع من المتاجر وليس بها أحد يحرسها ولا يسوقها، وهي مع ذلك تذهب وتجيء وتسير بنفسها وتخترق الأمواج العظام حتى تتخلص منها، وتسير حيث شاءت بنفسها من غير أن يسوقها أحد. فقالوا: هذا شيء لا يقوله عاقل، فقال: ويحكم هذه الموجودات بما فيها من العالم العلوي والسفلي وما اشتملت عليه من الأشياء المحكمة ليس لها صانع!!
قها أحد. فقالوا: هذا شيء لا يقوله عاقل، فقال: ويحكم هذه الموجودات بما فيها من العالم العلوي والسفلي وما اشتملت عليه من الأشياء المحكمة ليس لها صانع!! فبهت القوم ورجعوا إلى الحق وأسلموا على يديه.
وعن الشافعي: أنه سئل عن وجود الصانع، فقال: هذا ورق التوت طعمه واحد تأكله الدود فيخرج منه الإبريسم، وتأكله النحل فيخرج منه العسل، وتأكله الشاة والبعير والأنعام فتلقيه بعرًا وروثا، وتأكله الظباء فيخرج منها المسك وهو شيء واحد.
وعن الإمام أحمد بن حنبل أنه سئل عن ذلك فقال: هاهنا حصن حصين أملس، ليس له باب
ولا منفذ، ظاهره كالفضة البيضاء، وباطنه كالذهب الإبريز، فبينا هو كذلك إذ انصدع جداره فخرج منه حيوان سميع بصير ذو شكل حسن وصوت مليح، يعني بذلك البيضة إذا خرج منها الدجاجة.
وسئل أبو نواس عن ذلك فأنشد:
تأمل في نبات الأرض وانظر … إلى آثار ما صنع المليك
عيون من لجين شاخصات … بأحداق هي الذهب السبيك
على قضب الزبرجد شاهدات … بأن الله ليس له شريك
وقال ابن المعتز:
فيا عجبًا كيف يعصى الإله … أم كيف يجحده الجاحد
من لجين شاخصات … بأحداق هي الذهب السبيك
على قضب الزبرجد شاهدات … بأن الله ليس له شريك
وقال ابن المعتز:
فيا عجبًا كيف يعصى الإله … أم كيف يجحده الجاحد
وفي كل شيء له آية … تدل على أنه واحد
وقال آخرون: من تأمل هذه السماوات في ارتفاعها واتساعها وما فيها من الكواكب الكبار والصغار المنيرة من السيارة ومن الثوابت، وشاهدها كيف تدور مع الفلك العظيم في كل يوم وليلة دويرة ولها في أنفسها سير يخصها، ونظر إلى البحار الملتفة للأرض من كل جانب، والجبال الموضوعة في الأرض لتقر ويسكن ساكنوها مع اختلاف أشكالها وألوانها كما قال: ﴿وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ * وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٧، ٢٨] وكذلك هذه الأنهار السارحة من قطر إلى قطر لمنافع العباد وما زرأ في الأرض من الحيوانات المتنوعة والنبات المختلف الطعوم والأراييح والأشكال والألوان مع اتحاد
لك هذه الأنهار السارحة من قطر إلى قطر لمنافع العباد وما زرأ في الأرض من الحيوانات المتنوعة والنبات المختلف الطعوم والأراييح والأشكال والألوان مع اتحاد طبيعة التربة والماء، علم وجود الصانع وقدرته العظيمة وحكمته ورحمته بخلقه ولطفه بهم وإحسانه إليهم وبره بهم لا إله غيره ولا رب سواه، عليه توكلت وإليه أنيب، والآيات في القرآن الدالة على هذا المقام كثيرة جدًا.