القولُ في تأويل قوله جلَّ ذكرُه: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (٢٤١)﴾.
يعنى تعالى ذكرُه بذلك: ولمن طُلِّق مِن النساء على مُطلِّقِه من الأزواج متاعٌ. يعنى بذلك: ما تَسْتَمْتِعُ به من ثيابٍ وكِسوة أو نفقةٍ أو خادمٍ وغير ذلك مما يُسْتَمْتَعُ به.
وقد بيَّنَّا فيما مضَى قبلُ معنى ذلك، واختلاف أهل العلم فيه، والصواب من القول في ذلك عندنا بما فيه الكفايةُ مِن إعادتِه.
وقد اخْتَلَف أهل العلم في المعنيَّةِ بهذه الآية من المطلقات؛ فقال بعضُهم: عُنى بها الثَّيِّباتُ اللّواتي قد جُومِعْنَ.
بما فيه الكفايةُ مِن إعادتِه.
وقد اخْتَلَف أهل العلم في المعنيَّةِ بهذه الآية من المطلقات؛ فقال بعضُهم: عُنى بها الثَّيِّباتُ اللّواتي قد جُومِعْنَ. قالوا: وإنما قلنا ذلك لأن أحكام غير المدخول بهنَّ في المتعة قد بيَّنَها اللهُ تعالى ذكرُه في الآياتِ قبلَها، فعلمْنا بذلك أن في هذه الآية بيانَ أمر المدخول بهنَّ في ذلك.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ عَمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى بنُ ميمونٍ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن عطاءٍ في قوله: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ قال: المرأةُ الثَّيِّبُ يُمتِّعُها زَوْجُها إذا جامعها بالمعروفِ.
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثله، وزاد فيه: ذكره شبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن عطاءٍ.
المعروفِ.
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثله، وزاد فيه: ذكره شبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن عطاءٍ.
وقال آخرون: بل في هذه الآية دَلالةٌ على أن لكلِّ مُطلَّقةٍ مُتعةً، وإنما أنْزَلها الله تعالى ذكرُه على نبيِّه ﷺ لما فيها من زيادة المعنَى الذي فيها على ما سواها من آي المتعة، إذْ كان ما سواها من آي المتعة إنما فيه بيانُ حكم غير الممْسوسة إذا طُلِّقت، وفى هذه بيانُ حُكم جميع المطلقات في المتعة.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابن بشَّار، قال: ثنا عبدُ الوهابِ، قال: ثنا أيوبُ، عن سعيد بن جُبيرٍ في
هذه الآية: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾.
شَّار، قال: ثنا عبدُ الوهابِ، قال: ثنا أيوبُ، عن سعيد بن جُبيرٍ في
هذه الآية: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾. قال: لكلِّ مطلَّقةٍ متاعٌ بالمعروف حقًّا على المتقين.
حدَّثنا المُثَنَّى، قال: ثنا حبَّانُ بنُ موسى، قال: أخبرنا ابن المبارك، قال: أخبرنا يونسُ، عن الزُّهْريِّ في الأمَةِ يُطلِّقُها زوجُها وهى حُبْلَى، قال: تَعْتَدُّ في بيتها، وقال: لم أَسْمَعْ في متعة المملوكة شيئًا أَذْكُرُه، وقد قال الله تعالى ذكره: ﴿مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾. ولها المتعهُ حتى تَضَعَ.
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا حبّانُ بنُ موسى، قال: أخبَرنا ابن المبارك، قال: أخبَرنا ابن جُريج، عن عطاءٍ، قال: قلتُ له: أَلِلْأَمةِ مِن الحُرِّ مُتعةٌ؟ قال: لا. قلتُ: فالحُرَّةُ عند العبد؟ قال: لا.
ل: أخبَرنا ابن المبارك، قال: أخبَرنا ابن جُريج، عن عطاءٍ، قال: قلتُ له: أَلِلْأَمةِ مِن الحُرِّ مُتعةٌ؟ قال: لا. قلتُ: فالحُرَّةُ عند العبد؟ قال: لا. وقال عَمرُو بنُ دينارٍ: نعم، ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾.
وقال آخَرون: إنما نزَلت هذه الآية لأن الله تعالى ذكره لما أَنْزَل قوله: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾. قال رجلٌ من المسلمين: فإنا لا نفعلُ إن لم يُرِدْ أَن نُحْسِنَ. فَأَنْزَلَ اللهُ: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ فوجَب ذلك عليهم.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني يونسُ بنُ عبد الأعلى، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى
الْمُحْسِنِينَ﴾.
: قال ابن زيدٍ في قوله: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى
الْمُحْسِنِينَ﴾. فقال رجلٌ: فإن أحسنتُ فعَلتُ، وإِن لم أُرِدْ ذلك لم أَفْعَلْ، فَأَنْزَل الله: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾.
والصوابُ من القول في ذلك ما قاله سعيدُ بنُ جُبيرٍ، مِن أن الله تعالى ذكرُه أنْزَلها دليلًا لعباده على أن لكلِّ مُطلَّقةٍ متعةً؛ لأن الله تعالى ذكرُه ذكر في سائر أي القرآن التي فيها ذكرُ متعة النساءِ خصوصًا من النساءِ، فبيَّن في الآية التي قال فيها: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾. وفى قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ [الأحزاب: ٤٩].
﴿حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾. فإنَّا قد بينَّا معنى قوله: ﴿حَقًّا﴾. ووجه نصبه، والاختلاف مِن أهل العربية فيه في قوله: ﴿حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾. ففى ذلك مُسْتَغْنى عن إعادته في هذا الموضع.
فأَمَّا "المُتَّقون"، فهم الذين اتقوا الله في أمره ونهيه وحدوده، فقاموا بها على
ما كلَّفهم القيام به؛ خشيةً منهم له، ووَجَلًا منهم من عقابه. وقد تقدَّم بيانُ تأويل ذلك أيضًا بالرواية.
ُلَيْكة، قال ابن الزبير: قلت لعثمان بن عفان: (وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا) قد نسختها الآية الأخرى فلم تكتبها -أو تدعها؟ قال: يا ابن أخي لا أغير شيئاً منه من مكانه.
ومعنى هذا الإشكال الذي قاله ابن الزبير لعثمان: إذا كان حكمها قد نسخ بالأربعة الأشهر فما الحكمة في إبقاء رسمها مع زوال حكمها، وبقاء رسمها بعد التي نسختها يوهم بقاء حكمها؟ فأجابه أمير المؤمنين بأن هذا أمر توقيفي، وأنا وجدتها مثبتة في المصحف كذلك بعدها فأثبتها حيث وجدتها.
قال ابن أبي حاتم: حدثنا الحسن بن محمد بن الصباح حدثنا حجاج بن محمد عن ابن جريج وعثمان بن عطاء عن عطاء عن ابن عباس في قوله: (وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لأزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ) فكان للمتوفى عنها زوجها نفقتها وسكناها في الدار سنة، فنسختها آية المواريث فجعل لهن الربع أو الثمن مما ترك الزوج.
ًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ) فكان للمتوفى عنها زوجها نفقتها وسكناها في الدار سنة، فنسختها آية المواريث فجعل لهن الربع أو الثمن مما ترك الزوج. ثم قال: وروي عن أبي موسى الأشعري، وابن الزبير ومجاهد وإبراهيم وعطاء والحسن وعكرمة وقتادة والضحاك وزيد بن أسلم والسدي ومقاتل بن حيان، وعطاء الخراساني والربيع بن أنس: أنها منسوخة.
وروي من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: كان الرجل إذا مات وترك امرأته اعتدت سنة في بيته ينفق عليها من ماله ثم أنزل الله بعد: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾
فهذه عدة المتوفي عنها زوجها إلا أن تكون حاملا فعدتها أن تضع ما في بطنها وقال: ﴿وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ [مِمَّا تَرَكْتُمْ]﴾ [النساء: ١٢] فبين ميراث المرأة وترك الوصية والنفقة.
َا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ [ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ]﴾ [الأحزاب: ٤٩].
قلت: وروي عن [مقاتل و] قتادة: أنها منسوخة بآية الميراث.
وقال البخاري: حدثنا إسحاق بن راهويه، حدثنا روح حدثنا شبل عن ابن أبي نجيح عن مجاهد: (وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا) قال: كانت هذه العدة، تعتد عند أهل زوجها واجب فأنزل الله: (وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لأزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ) قال: جعل الله لها تمام السنة سبعة أشهر وعشرين ليلة وصية إن شاءت سكنت في وصيتها، وإن شاءت خرجت وهو قول الله: (غَيْرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ) فالعدة كما هي واجب عليها زعم ذلك عن مجاهد: ﵀.
سكنت في وصيتها، وإن شاءت خرجت وهو قول الله: (غَيْرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ) فالعدة كما هي واجب عليها زعم ذلك عن مجاهد: ﵀. وقال عطاء: وقال ابن عباس: نسخت هذه الآية عدتها عند أهلها فتعتد حيث شاءت وهو قول الله تعالى: (غَيْرَ إِخْرَاجٍ) قال عطاء: إن شاءت اعتدت عند أهلها وسكنت في وصيتها، وإن شاءت خرجت لقول الله: (فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ [فِي أَنْفُسِهِنَّ]) قال عطاء: ثم جاء الميراث فنسخ السكنى، فتعتد حيث شاءت ولا سكنى لها ثم أسند البخاري عن ابن عباس مثل ما تقدم عنه.
مْ فِيمَا فَعَلْنَ [فِي أَنْفُسِهِنَّ]) قال عطاء: ثم جاء الميراث فنسخ السكنى، فتعتد حيث شاءت ولا سكنى لها ثم أسند البخاري عن ابن عباس مثل ما تقدم عنه.
فهذا القول الذي عول عليه مجاهد وعطاء من أن هذه الآية لم تدل على وجوب الاعتداد سنة كما زعمه الجمهور حتى يكون ذلك منسوخاً بالأربعة الأشهر وعشرا، وإنما دلت على أن ذلك كان من باب الوصاة بالزوجات أن يمكنَّ من السكنى في بيوت أزواجهن بعد وفاتهم حولا كاملا إن اخترن ذلك ولهذا قال: (وَصِيَّةً لأزْوَاجِهِمْ) أي: يوصيكم الله بهن وصية كقوله: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ﴾ الآية [النساء: ١١] وقال: ﴿وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ﴾ [النساء: ١٢] وقيل: إنما انتصب على معنى: فلتوصوا بهن وصية.
له: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ﴾ الآية [النساء: ١١] وقال: ﴿وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ﴾ [النساء: ١٢] وقيل: إنما انتصب على معنى: فلتوصوا بهن وصية. وقرأ آخرون بالرفع "وَصِيَّةٌ" على معنى: كتب عليكم وصية واختارها ابن جرير ولا يمنعن من ذلك لقوله: (غَيْرَ إِخْرَاجٍ) فأما إذا انقضت عدتهن بالأربعة الأشهر والعشر أو بوضع الحمل، واخترن الخروج والانتقال من ذلك المنزل فإنهن لا يمنعن من ذلك لقوله (فَإِنْ خَرَجْنَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ) وهذا القول له اتجاه، وفي اللفظ مساعدة له، وقد اختاره جماعة منهم: الإمام أبو العباس بن تيمية ورده آخرون منهم: الشيخ أبو عمر بن عبد البر.
ِنْ مَعْرُوفٍ) وهذا القول له اتجاه، وفي اللفظ مساعدة له، وقد اختاره جماعة منهم: الإمام أبو العباس بن تيمية ورده آخرون منهم: الشيخ أبو عمر بن عبد البر.
وقول عطاء ومن تابعه على أن ذلك منسوخ بآية الميراث إن أرادوا ما زاد على الأربعة أشهر والعشر فمسلم، وإن أرادوا أن سكنى الأربعة الأشهر وعشر لا تجب في تركة الميت فهذا محل خلاف بين الأئمة، وهما قولان للشافعي ﵀، وقد استدلوا على وجوب السكنى في منزل الزوج بما رواه مالك في موطئه عن سعد بن إسحاق بن كعب بن عُجْرَة، عن عمته زينب بنت كعب بن عُجْرَة: أن الفريعة بنت مالك بن سنان وهي أخت أبي سعيد الخدري ﵄ أخبرتها: أنها جاءت إلى رسول الله ﷺ تسأله أن ترجع إلى أهلها في بني خُدرة، فإن زوجها خرج في طلب أعبد له أبقوا، حتى إذا كان بطرف القدوم لحقهم فقتلوه.
﵄ أخبرتها: أنها جاءت إلى رسول الله ﷺ تسأله أن ترجع إلى أهلها في بني خُدرة، فإن زوجها خرج في طلب أعبد له أبقوا، حتى إذا كان بطرف القدوم لحقهم فقتلوه. قالت: فسألت رسول الله ﷺ
أن أرجع إلى أهلي في بني خُدرة فإن زوجي لم يتركني في مسكن يملكه ولا نفقة قالت: فقال رسول الله ﷺ: "نعم" قالت: فانصرفت، حتى إذا كنت في الحجرة ناداني رسول الله ﷺ -أو أمر بي فنوديت له-فقال: "كيف قلت؟ " فرددت عليه القصة التي ذكرت له من شأن زوجي. فقال: "امكثي في بيتك حتى يبلغ الكتاب أجله" قالت: فاعتددت فيه أربعة أشهر وعشرا.
فنوديت له-فقال: "كيف قلت؟ " فرددت عليه القصة التي ذكرت له من شأن زوجي. فقال: "امكثي في بيتك حتى يبلغ الكتاب أجله" قالت: فاعتددت فيه أربعة أشهر وعشرا. قالت: فلما كان عثمان بن عفان أرسل إلي فسألني عن ذلك فأخبرته، فاتبعه وقضى به.
وكذا رواه أبو داود والترمذي والنسائي من حديث مالك به، ورواه النسائي أيضاً وابن ماجه من طرق عن سعد بن إسحاق به، وقال الترمذي: حسن صحيح.
وقوله: (وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ) قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: لما نزل قوله: ﴿مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٦] قال رجل: إن شئتُ أحسنت ففعلت وإن شئتُ لم أفعل. فأنزل الله هذه الآية: (وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ) وقد استدل بهذه الآية من ذهب من العلماء إلى وجوب المتعة لكل مطلقة، سواء كانت مفوضة أو مفروضًا لها أو مطلقًا قبل المسيس أو مدخولا بها، وهو قول عن الشافعي، ﵀. وإليه ذهب سعيد بن جبير.
العلماء إلى وجوب المتعة لكل مطلقة، سواء كانت مفوضة أو مفروضًا لها أو مطلقًا قبل المسيس أو مدخولا بها، وهو قول عن الشافعي، ﵀. وإليه ذهب سعيد بن جبير. وغيره من السلف واختاره ابن جرير. ومن لم يوجبها مطلقا يخصص من هذا العموم بمفهوم قوله: ﴿لا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾ وأجاب الأولون: بأن هذا من باب ذكر بعض أفراد العموم فلا تخصيص على المشهور المنصور، والله أعلم.
وقوله: (كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ) أي: في إحلاله وتحريمه وفروضه وحدوده فيما أمركم به ونهاكم عنه بيَّنه ووضحه وفسره ولم يتركه مجملا في وقت احتياجكم إليه (لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) أي: تفهمون وتتدبرون.
قوله تعالى: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ ظاهر هذه الآية الكريمة أن المتعة حق لكل مطلقة على مطلقها المتقي، سواء أطلقت قبل الدخول أم لا؟ فرض لها صداق أم لا؟ ويدل لهذا العموم قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً (٢٨)﴾ مع قوله: ﴿﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ الآية- وقد تقرر في الأصول أن الخطاب الخاص به ﷺ يعم حكمه جميع الأمة إلا بدليل على الخصوص كما عقده في مراقي السعود بقوله:
وما به قد خوطب النبي ...
َةٌ﴾ الآية- وقد تقرر في الأصول أن الخطاب الخاص به ﷺ يعم حكمه جميع الأمة إلا بدليل على الخصوص كما عقده في مراقي السعود بقوله:
وما به قد خوطب النبي ... تعميمه في المذهب السني
وهو مذهب الأئمة الثلاثة، خلافا للشافعي القائل بخصوصه به - ﷺ - إلا بدليل على العموم، كما بيناه في غير هذا الموضع.
وإذا عرفت ذلك فاعلم: أن أزواج النبي مفروض لهن ومدخول بهن، وقد يفهم من موضع آخر أن المتعة لخصوص المطلقة قبل الدخول وفرض الصداق معا؛ لأن المطلقة بعد الدخول تستحق الصداق، والمطلقة قبل الدخول وبعد فرض الصداق تستحق نصف الصداق.
ضع آخر أن المتعة لخصوص المطلقة قبل الدخول وفرض الصداق معا؛ لأن المطلقة بعد الدخول تستحق الصداق، والمطلقة قبل الدخول وبعد فرض الصداق تستحق نصف الصداق. والمطلقة قبلهما لا تستحق شيئا، فالمتعة لها خاصة لجبر كسرها، وذلك في قوله تعالى: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنّ﴾ ثم قال: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ فهذه الآية ظاهرة في هذا التفصيل، ووجهه ظاهر معقول.
ُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ فهذه الآية ظاهرة في هذا التفصيل، ووجهه ظاهر معقول.
وقد ذكر تعالى في موضع آخر ما يدل على الأمر بالمتعة للمطلقة قبل الدخول وإن كان مفروضا لها، وذلك في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً (٤٩)﴾؛ لأن ظاهر عمومها يشمل المفروض لها الصداق وغيرها، وبكل واحدة من الآيات الثلاث أخذ جماعة من العلماء. والأحوط الأخذ بالعموم، وقد تقرر في الأصول أن النص الدال على الأمر مقدم على الدال على الإباحة، وعقده في مراقي السعود بقوله:
"وناقل ومثبت والآمر ... بعد النواهي ثم هذا الآخر"
• على إباحة ...
ول أن النص الدال على الأمر مقدم على الدال على الإباحة، وعقده في مراقي السعود بقوله:
"وناقل ومثبت والآمر ... بعد النواهي ثم هذا الآخر"
• على إباحة ... الخ *
فقوله "ثم هذا الآخر على إباحة"، يعني: أن النص الدال على أمر مقدم على النص الدال على إباحة، للاحتياط في الخروج من عهدة الطلب.
والتحقيق أن قدر المتعة لا تحديد فيه شرعا لقوله تعالى: ﴿عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾ فإن توافقا على قدر معين فالأمر واضح، وإن اختلفا فالحاكم يجتهد في تحقيق المناط، فيعين القدر على ضوء قوله تعالى: ﴿عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ﴾ الآية. هذا هو الظاهر وظاهر قوله: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ﴾ وقوله: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ﴾ يقتضي وجوب المتعة في الجملة خلافا لمالك ومن وافقه في عدم وجوب المتعة أصلا، واستدل بعض المالكية على عدم وجوب المتعة بأن الله تعالى قال: ﴿حَقّاً عَلَى الْمُحْسِنِينَ (٢٣٦)﴾ وقال: ﴿حَقّاً عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ قالوا: فلو كانت واجبة لكانت حقا على كل أحد.
دم وجوب المتعة بأن الله تعالى قال: ﴿حَقّاً عَلَى الْمُحْسِنِينَ (٢٣٦)﴾ وقال: ﴿حَقّاً عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ قالوا: فلو كانت واجبة لكانت حقا على كل أحد. وبأنها لو كانت واجبة لعين فيها القدر الواجب.
قال مقيده - عفا الله عنه -: هذا الاستدلال على عدم وجوبها لا ينهض فيما يظهر؛ لأن قوله: ﴿عَلَى الْمُحْسِنِينَ (٢٣٦)﴾ ﴿حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ تأكيد للوجوب، وليس لأحد أن يقول: لست متقيا مثلا؛ لوجوب التقوى على جميع الناس.
قال القرطبي في تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ﴾ الآية ما نصه: وقوله عَلَى الْمُتَّقِينَ تأكيد لإيجابها؛ لأن كل واحد يجب عليه أن يتقي الله في الإشراك به ومعاصيه، وقد قال تعالى في القرآن: ﴿هُدىً لِلْمُتَّقِينَ (٢)﴾ وقولهم: لو كانت واجبة لعين القدر الواجب
فيها ظاهر السقوط، فنفقة الأزواج، والأقارب واجبة ولم يعين فيها القدر اللازم، وذلك النوع من تحقيق المناط مجمع عليه في جميع الشرائع كما هو معلوم.
•