KitabAITafsir Al-Qur'an AI-Powered
Daftar surahSurah Al-Baqarah › Ayat 34

QS 2:34

Surah Al-Baqarah (البقرة) ayat 34

2:34
وَإِذۡ قُلۡنَا لِلۡمَلَـٰٓئِكَةِ ٱسۡجُدُواْ لِأٓدَمَ فَسَجَدُوٓاْ إِلَّآ إِبۡلِيسَ أَبَىٰ وَٱسۡتَكۡبَرَ وَكَانَ مِنَ ٱلۡكَٰفِرِينَ
Dan (ingatlah) ketika Kami berfirman kepada para malaikat, "Sujudlah kalian kepada Adam!" Maka mereka pun sujud kecuali Iblis.16) Ia menolak dan menyombongkan diri, dan ia termasuk golongan yang kafir
Tanya tentang ayat ini
← Ayat 33Ayat 35 →

Kata per kata

Lafadz, lema, dan akar tiap kata. Klik sebuah kata untuk melihat seluruh ayat yang memakai akar yang sama.

وَإِذْ
إِذ
keterangan waktu
قُلْنَا
قَالَ
قول
لِلْمَلَٰٓئِكَةِ
مَلَك
ملك
ٱسْجُدُوا۟
سَجَدَ
سجد
لِءَادَمَ
آدَم
nama diri
فَسَجَدُوٓا۟
سَجَدَ
سجد
إِلَّآ
إِلَّا
exp
إِبْلِيسَ
إِبْلِيس
nama diri
أَبَىٰ
أَبَى
ابي
وَٱسْتَكْبَرَ
ٱسْتَكْبَرَ
كبر
وَكَانَ
كَانَ
كون
مِنَ
مِن
preposisi
ٱلْكَٰفِرِينَ
كَٰفِرُون
كفر

Tafsir dalam korpus (87 potongan)

QS 2:34 (jilid 1 hlm. 534) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 534 · #50694
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (٣٤)﴾. قال أبو جعفرٍ: أما قولُه ﷿: ﴿وَإِذْ قُلْنَا﴾. فمعطوفٌ على قولِه: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ﴾. كأنه قال لليهودِ الذين كانوا بينَ ظهرانَيْ مُهاجَرِ رسولِ اللهِ ﷺ من بنى إسرائيلَ، مُعَدِّدًا عليهم نعمَه، ومُذَكِّرَهم آلاءَه، على نحوِ الذي قد وصَفْنا فيما مضَى قبلُ -: اذْكُروا فِعْلى بكم إذ أنْعَمْتُ عليكم، فخلَقْتُ لكم ما في الأرضِ جميعًا، وإذ قلتُ للملائكةِ إني جاعِلٌ في الأرضِ خليفةً، فكرَّمْتُ أباكم آدمَ بما آتَيْتُه مِن عِلْمى وفَضْلي وكَرامتي، وإذ أسْجَدتُ له مَلائِكتي فسجَدوا له.
QS 2:34 (jilid 1 hlm. 535) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 535 · #50695
وإذ قلتُ للملائكةِ إني جاعِلٌ في الأرضِ خليفةً، فكرَّمْتُ أباكم آدمَ بما آتَيْتُه مِن عِلْمى وفَضْلي وكَرامتي، وإذ أسْجَدتُ له مَلائِكتي فسجَدوا له. ثم اسْتَثْنى مِن جميعِهم إبليسَ، فدلَّ باستثنائِه إياه منهم على أنه منهم، وأنه ممَّن قد أُمِر بالسجودِ معهم، كما قال تعالى ذكرُه: ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (١١) قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ [الأعراف: ١١: ١٢]. فأخبر جل ثناؤه أنه قد أمَر إبليسَ في من أمَره مِن الملائكةِ بالسجودِ لآدمَ، ثم اسْتَثْناه مما أخْبَر عنهم أنهم فعَلوه مِن السجودِ لآدمَ، فأخْرَجه مِن الصفةِ التى وصَفهم بها مِن الطاعةِ لأمرِه، ونفَى عنه ما أثْبَته لملائكتِه مِن السجودِ لعبدِه آدمَ. ثم اخْتَلَف أهلُ التأويلِ فيه؛ هل هو مِن الملائكةِ أم هو مِن غيرِهم؟
QS 2:34 (jilid 1 hlm. 535) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 535 · #50696
بها مِن الطاعةِ لأمرِه، ونفَى عنه ما أثْبَته لملائكتِه مِن السجودِ لعبدِه آدمَ. ثم اخْتَلَف أهلُ التأويلِ فيه؛ هل هو مِن الملائكةِ أم هو مِن غيرِهم؟ فقال بعضُهم بما حدَّثنا به أبو كَرَيْبٍ، قال: حدَّثنا عثمانُ بنُ سعيدٍ، قال: حدَّثنا بشرُ بنُ عُمارةَ، عن أبي رَوْقٍ، عن الضَّحَّاكِ، عن ابنِ عباسٍ، قال: كان إبليسُ مِن حيٍّ مِن أحياءِ الملائكةِ يقال لهم: الجِنُّ. خُلِقوا مِن نارِ السَّمومِ مِن بينِ الملائكةِ. قال: وكان اسمُه الحارثَ. قال: وكان خازنًا مِن خُزَّانِ الجنةِ.
QS 2:34 (jilid 1 hlm. 535) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 535 · #50697
مِن أحياءِ الملائكةِ يقال لهم: الجِنُّ. خُلِقوا مِن نارِ السَّمومِ مِن بينِ الملائكةِ. قال: وكان اسمُه الحارثَ. قال: وكان خازنًا مِن خُزَّانِ الجنةِ. قال: وخُلِقَت الملائكةُ مِن نورٍ غيرَ هذا الحيِّ قال: وخُلِقَت الجِنُّ الذين ذُكِروا في القرآنِ مِن مارجٍ مِن نارٍ؛ وهو لسانُ النارِ الذي يَكونُ في طَرَفِها إذا الْتَهَبَت. حدَّثنا ابنُ حُمَيْدٍ، قال: حدَّثنا سَلَمةُ، عن ابنِ إسحاقَ، عن خَلَّادِ بنِ عَطاءٍ، عن طاوسٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: كان إبليسُ قبلَ أن يَرْكَبَ المعصيةَ مِن الملائكةِ، اسمُه عَزَازيلُ، وكان مِن سكانِ الأرضِ، وكان مِن أشدِّ الملائكةِ اجْتِهادًا وأكثرِهم علمًا، فذلك دعاه إلى الكبْرِ، وكان مِن حيٍّ يُسَمَّوْن جنًّا.
QS 2:34 (jilid 1 hlm. 536) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 536 · #50698
ةِ، اسمُه عَزَازيلُ، وكان مِن سكانِ الأرضِ، وكان مِن أشدِّ الملائكةِ اجْتِهادًا وأكثرِهم علمًا، فذلك دعاه إلى الكبْرِ، وكان مِن حيٍّ يُسَمَّوْن جنًّا. وحدَّثنا به ابنُ حُميدٍ مرةً أخرى، قال: حدَّثنا سلمةُ، عن ابنِ إسحاقَ، عن خلادِ بن (١) عطاءٍ، عن طاوسٍ، أو مُجاهِدٍ أبى الحَجَّاجِ، عن ابنِ عباسٍ وغيرِه بنحوِه، إلا أنه قال: كان مَلَكًا مِن الملائكةِ اسمُه عَزَازِيلُ، وكان مِن سكانِ الأرضِ وعُمَّارِها، وكان سكانُ الأرضِ فيهم يُسَمَّوْن الجنَّ مِن بينِ الملائكةِ. حدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: حدَّثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: حدَّثنا أسْباطُ، عن السُّدِّيِّ في خبرٍ ذكَره عن أبي مالكٍ، وعن أبي صالحٍ، عن ابنِ عباسٍ، وعن مُرَّةَ، عن ابنِ مسعودٍ، وعن ناسٍ مِن أصحابِ النبيِّ ﷺ: جُعِل إبليسُ على مُلْكِ سماءِ الدنيا، وكان مِن قبيلةٍ مِن الملائكةِ يُقالُ لهم: الجنُّ.
QS 2:34 (jilid 1 hlm. 536) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 536 · #50699
، وعن مُرَّةَ، عن ابنِ مسعودٍ، وعن ناسٍ مِن أصحابِ النبيِّ ﷺ: جُعِل إبليسُ على مُلْكِ سماءِ الدنيا، وكان مِن قبيلةٍ مِن الملائكةِ يُقالُ لهم: الجنُّ. وإنما سُمُّوا الجنَّ لأنهم خُزَّانُ الجنةِ، وكان إبليسُ مع مُلْكِه خازنًا. حدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسَيْنُ، قال: حدَّثني حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، قال: قال ابنُ عباسٍ: كان إبليسُ مِن أشْرافِ الملائكةِ و أكرمِهم قبيلةً، وكان خازنًا على الجنانِ، وكان له سلطانُ سماءِ الدنيا، وكان له سلطانُ الأرضِ. قال: قال ابنُ عباسٍ: وقولُه: ﴿كَانَ مِنَ الْجِنِّ﴾ [الكهف:٥٠]. إنما سُمِّى بالجَنَّانِ أنه كان خازنًا عليها. كما يُقالُ للرجلِ: مَكِّيٌّ، ومدَنيٌّ، وكوفيٌّ، وبصريٌّ.
QS 2:34 (jilid 1 hlm. 537) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 537 · #50700
اسٍ: وقولُه: ﴿كَانَ مِنَ الْجِنِّ﴾ [الكهف:٥٠]. إنما سُمِّى بالجَنَّانِ أنه كان خازنًا عليها. كما يُقالُ للرجلِ: مَكِّيٌّ، ومدَنيٌّ، وكوفيٌّ، وبصريٌّ. قاله ابنُ جُرَيْجٍ. وقال آخَرون: هم سِبْطٌ مِن الملائكةِ قَبيلَةٌ، وكان اسمُ قبيلتِه الجِنَّ. حدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثني حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، عن صالحٍ مولى التوأمةِ وشريكِ بنِ أبى نَمِرٍ -أحدُهما أو كلاهما- عن ابنِ عباسٍ، قال: إن مِن الملائكةِ قبيلةً مِن الجنِّ، وكان إبليسُ منها، وكان يَسُوسُ ما بينَ السماءِ والأرضِ. حُدِّثْتُ عن الحُسَينِ بنِ الفَرَجِ، قال: سمِعْتُ أبا مُعاذٍ الفضلَ بنَ خالدٍ، قال: أخْبَرَنا عُبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعْتُ الضَّحَّاكَ بنَ مُزَاحِمٍ يقولُ في قولِه: ﴿فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ﴾. قال: كان ابنُ عباسٍ يقولُ: إن إبليسَ كان مِن أشرفِ الملائكةِ وأكرمِهم قبيلةً.
QS 2:34 (jilid 1 hlm. 538) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 538 · #50701
حِمٍ يقولُ في قولِه: ﴿فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ﴾. قال: كان ابنُ عباسٍ يقولُ: إن إبليسَ كان مِن أشرفِ الملائكةِ وأكرمِهم قبيلةً. ثم ذكَر مثلَ حديثِ ابنِ جُرَيْجٍ الأولِ سَواءً. حدَّثنا محمدُ بنُ المُثَنَّى، قال: حدَّثنى شَيْبانُ، قال: حدَّثنا سَلَّامُ بنُ مِسْكينٍ، عن قَتادةَ، عن سعيدِ بنِ المُسَيَّبِ، قال: كان إبليسُ رئيسَ ملائكةِ سماءِ الدنيا. حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: حدَّثنا يزيدُ، قال: حدَّثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ قولَه: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ﴾: قَبيلٌ مِن الملائكةِ يُقالُ لهم: الجنُّ. وكان ابنُ عباسٍ يقولُ: لو لم يَكُنْ مِن الملائكةِ لم يُؤْمَرْ بالسجودِ، وكان على خِزانةِ سماءِ الدنيا. قال: وكان قَتادةُ يقولُ: جُنَّ عن طاعةِ رِّبه. حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبَرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخْبَرَنا مَعْمَرٌ، عن قَتادةَ في قولِه: ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ﴾.
QS 2:34 (jilid 1 hlm. 538) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 538 · #50702
ةِ رِّبه. حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبَرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخْبَرَنا مَعْمَرٌ، عن قَتادةَ في قولِه: ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ﴾. قال: كان مِن قَبِيلٍ مِن الملائكةِ يقالُ لهم: الجنُّ. حدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال حدَّثنا سَلَمةُ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ إسحاقَ، قال: أمَّا العربُ فيقولون: ما الجنُّ إلَّا كلُّ ما اجْتَنَّ فلم يُرَ. قال: وأما قولُه: ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ﴾. أى: كان مِن الملائكةِ، وذلك أن الملائكةَ اجْتنُّوا فلم يُرَوْا، وقد قال اللهُ تعالى ذكرُه: ﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ﴾ [الصافات: ١٥٨]. وذلك لقولِ قريشٍ: إن الملائكةَ بناتُ اللهِ. فيقولُ اللهُ جلَّ ذكرُه: إن تكنِ الملائكةُ بناتى فإبليسُ منها، وقد جعَلوا بينى وبينَ إبليسَ وذريتِه نسَبًا.
QS 2:34 (jilid 1 hlm. 539) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 539 · #50703
لك لقولِ قريشٍ: إن الملائكةَ بناتُ اللهِ. فيقولُ اللهُ جلَّ ذكرُه: إن تكنِ الملائكةُ بناتى فإبليسُ منها، وقد جعَلوا بينى وبينَ إبليسَ وذريتِه نسَبًا. قال: وقد قال الأعْشَى؛ أعْشَى بنى قيسِ بنِ ثَعْلبةَ البَكْرىُّ، وهو يَذْكُرُ سليمانَ بنَ داودَ وما أعطاه اللهُ ﷿: فلو كان شيءٌ خالدًا أو مُعمَّرًا … لكان سليمانُ البرِئَ مِن الدَّهرِ بَرَاه إلهى واصطَفاه عِبادَه … وملَّكه ما بينَ ثريا إلى مِصْرِ وسخَّر من جنِّ الملائكِ تسعةً … قيامًا لديه يعملون بلا أجرِ قال: فأبَت العربُ في لغتِها إلا أن الجنَّ كلُّ ما اجتَنَّ، وتقولُ: ما سمَّى اللهُ الجنَّ إلا أنهم اجْتنُّوا فلم يُرَوا، وما سمَّى بنى آدمَ الإنسَ إلا أنهم ظهَروا فلم يجتنُّوا، فما ظهَر فهو إنسٌ، وما اجْتنَّ فلم يُر فهو جِنٌّ. وقال آخَرون بما حدَّثنا به محمدُ بنُ بَشَّارٍ، قال: حدَّثنا ابنُ أبى عَدِيٍّ، عن عوفٍ، عن الحسنِ، قال: ما كان إبليسُ مِن الملائكةِ طَرْفةَ عينٍ قطُّ، وإنه لأصلُ الجنِّ كما أن آدمَ أصلُ الإنسِ.
QS 2:34 (jilid 1 hlm. 539) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 539 · #50704
ارٍ، قال: حدَّثنا ابنُ أبى عَدِيٍّ، عن عوفٍ، عن الحسنِ، قال: ما كان إبليسُ مِن الملائكةِ طَرْفةَ عينٍ قطُّ، وإنه لأصلُ الجنِّ كما أن آدمَ أصلُ الإنسِ. حدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: حدَّثنا يَزيدُ بنُ زُرَيعٍ، قال: حدَّثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: كان الحسنُ يقولُ في قولِه: ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ﴾: ألجأه إلى نَسَبِه، فقال اللهُ جلَّ ثناؤُه: ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي﴾ الآية. وهم يَتَوالَدون كما يَتَوالَدُ بنو آدمَ. حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: حدَّثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: حدَّثنا أبو سعيدٍ اليَحْمَدىُّ إسماعيلُ بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا سَوَّارُ بنُ الجَعْدِ اليَحْمَدِيُّ، عن شَهْرِ ابنِ حَوشَبٍ قولَه: ﴿مِنَ الْجِنِّ﴾.
QS 2:34 (jilid 1 hlm. 540) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 540 · #50705
دَّثنا أبو سعيدٍ اليَحْمَدىُّ إسماعيلُ بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا سَوَّارُ بنُ الجَعْدِ اليَحْمَدِيُّ، عن شَهْرِ ابنِ حَوشَبٍ قولَه: ﴿مِنَ الْجِنِّ﴾. قال: كان إبليسُ مِن الجنِّ الذين طرَدَتهم الملائكةُ، فأسَرَه بعضُ الملائكةِ فذهَب به إلى السماءِ. حدَّثنى يونسُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: إبليسُ أبو الجنِّ، كما آدمُ أبو الإنسِ. حدَّثنا علىُّ بنُ الحسنِ، قال: حدَّثنى أبو نصرٍ أحمدُ بنُ محمدٍ الخَلَّالُ، قال: حدَّثنى سُنَيدُ بنُ داودَ، قال: حدَّثنى هُشَيمٌ، قال: أخبَرنا عبدُ الرحمنِ بنُ يحيى، عن موسى بنِ نُمَيرٍ وعثمانَ بنِ سعيدِ بنِ كاملٍ، عن سعدِ بن مسعودٍ، قال: كانت الملائكةُ تُقاتِلُ الجنَّ، فسُبِى إبليسُ وكان صغيرًا، فكان مع الملائكةِ فتعبَّد معها، فلما أمِروا بالسجودِ لآدمَ سجَدوا، فأبى إبليسُ، فلذلك قال اللهُ: ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ﴾.
QS 2:34 (jilid 1 hlm. 541) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 541 · #50706
وكان صغيرًا، فكان مع الملائكةِ فتعبَّد معها، فلما أمِروا بالسجودِ لآدمَ سجَدوا، فأبى إبليسُ، فلذلك قال اللهُ: ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ﴾. حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: حدَّثنا سلمةُ بنُ الفضلِ، قال: حدَّثنا المباركُ بنُ مُجاهدٍ أبو الأزهرِ، عن شريكِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ أبي نمِرٍ، عن صالحٍ مولى التَّوْأَمةِ، عن ابن عباسٍ، قال: إن مِن الملائكةِ قبِيلًا يقالُ لهم: الجنُّ. فكان إبليسُ منهم، وكان إبليسُ يسُوسُ ما بينَ السماءِ والأرضِ، فعصَى فمسَخه اللهُ شيطانًا رَجيمًا. حدَّثنا محمدُ بنُ سِنانٍ القَزَّازُ، قال: حدَّثنا أبو عاصمٍ، عن شَريكٍ، [عن رجلٍ]، عن عِكْرمةَ، عن ابنِ عباسٍ، قال: إن اللهَ خلَق خلقًا فقال: اسْجُدوا لآدمَ. فقالوا: لا نَفْعَلُ. فبعَث اللهُ عليهم نارًا تَحْرِقُهم، ثم خلَق خلقًا آخَرَ، فقال: إنى خالقٌ بشرًا مِن طينٍ، فاسْجُدوا لآدمَ. قال: فأبَوْا، فبعَث اللهُ عليهم نارًا فأحْرَقَتهم. قال: ثم خلَق هؤلاءِ، فقال: اسْجُدوا لآدمَ. فقالوا: نعَم.
QS 2:34 (jilid 1 hlm. 541) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 541 · #50707
نى خالقٌ بشرًا مِن طينٍ، فاسْجُدوا لآدمَ. قال: فأبَوْا، فبعَث اللهُ عليهم نارًا فأحْرَقَتهم. قال: ثم خلَق هؤلاءِ، فقال: اسْجُدوا لآدمَ. فقالوا: نعَم. قال: وكان إبليسُ مِن أولئك الذين أبَوا أن يَسجدوا لآدمَ. قال أبو جعفرٍ: وعلةُ مَن قال هذه المَقالةَ -[أن إبليسَ ليس هو مِن الملائكةِ] - أن اللهَ تعالى ذكرُهُ أخبَر في كتابِه أنه خلَق إبليسَ من نارِ السَّمومِ، ومِن مارجٍ مِن نارٍ، ولم يخبِرْ عن الملائكةِ أنه خلَقها مِن شيءٍ من ذلك، وأن اللهَ أخْبَر أنه مِن الجن. قالوا: فغيرُ جائزٍ أن يُنْسَبَ إلى غيرِ ما نسَبه اللهُ إليه. قالوا: ولإبليسَ نَسْلٌ وذُرِّيةٌ، والملائكةُ لا تتَناسَلُ ولا تَتَوالَدُ. قال أبو جعفرٍ: وهذه عِللٌ تُنْبئُ عن ضعفِ معرفةِ أهلِها، وذلك أنه غيرُ مُسْتَنْكَرٌ أن يكونَ اللهُ تعالى ذكرُه خلَق أصنافَ ملائكتِه مِن أصنافٍ مِن خلقِه شَتَّى. فخلَق بعضًا مِن نُورٍ، وبعضًا مِن نارٍ، وبعضًا مما شاء مِن غيرِ ذلك.
QS 2:34 (jilid 1 hlm. 542) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 542 · #50708
َرٌ أن يكونَ اللهُ تعالى ذكرُه خلَق أصنافَ ملائكتِه مِن أصنافٍ مِن خلقِه شَتَّى. فخلَق بعضًا مِن نُورٍ، وبعضًا مِن نارٍ، وبعضًا مما شاء مِن غيرِ ذلك. وليس في تَرْكِ اللهِ تعالى ذكرُه الخبرَ عما خلَق منه ملائكتَه، وإخبارِه عما خلَق منه إبليسَ، ما يوجِبُ أن يكونَ إبليسُ خارجًا مِن معناهم، إذ كان جائزًا أن يكونَ خلق صِنفًا مِن ملائكتِه مِن نارٍ كان منهم إبليسُ، وأن يكونَ أفْرَد إبليسَ بأن خلَقه مِن نارِ السَّمومِ دون سائرِ ملائكتِه. وكذلك غيرُ مخرجِه أن يكونَ كان مِن الملائكةِ بأن كان له نسلٌ وذريةٌ، لِما ركَّب فيه من الشهوةِ واللذةِ التى نُزِعتْ من سائرِ الملائكةِ، لِما أراد اللهُ به مِن المَعْصيةِ. وأما خبرُ اللهِ تعالى ذكرُه عنه أنه مِن الجنِّ، فغيرُ مدفوعٍ أن يُسَمَّى ما اجْتنَّ مِن الأشياءِ كلِّها عن الأبْصارِ جنًّا -كما قد ذكَرْنا قبلُ في شعرِ الأعْشَى- فيكونُ إبليسُ والملائكةُ منهم لاجْتِنانِهم عن أبصارِ بنى آدمَ. القولُ في معنى: ﴿إِبْلِيسَ﴾.
QS 2:34 (jilid 1 hlm. 543) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 543 · #50709
عن الأبْصارِ جنًّا -كما قد ذكَرْنا قبلُ في شعرِ الأعْشَى- فيكونُ إبليسُ والملائكةُ منهم لاجْتِنانِهم عن أبصارِ بنى آدمَ. القولُ في معنى: ﴿إِبْلِيسَ﴾. قال أبو جعفرٍ: وإبليسُ: إفْعِيلُ، مِن الإبْلاسِ، وهو الإياسُ مِن الخيرِ والندَمُ والحزنُ. كما حدَّثنا به أبو كُرَيْبٍ، قال: حدَّثنا عثمانُ بنُ سعيدٍ، قال: حدَّثنا بشرُ ابنُ عُمارةَ، عن أبى رَوْقٍ، عن الضّحَّاكِ، عن ابنِ عباسٍ، قال: إبليسُ أبْلَسَه اللهُ مِن الخيرِ كلِّه، وجعَله شيطانًا رجيمًا عُقوبةً لمعصيتِه. حدَّثنى موسى، قال: حدَّثنا عمرٌو، قال: حدَّثنا أسْباطُ، عن السُّدِّىِّ، قال: كان اسمُ إبليسَ الحارثَ، وإنما سُمِّى إبليسُ حينَ أبْلِس فقيرًا. قال أبو جعفرٍ: وكما قال اللهُ ﵎: ﴿فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾ [الأنعام: ٤٤].
QS 2:34 (jilid 1 hlm. 543) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 543 · #50710
ىِّ، قال: كان اسمُ إبليسَ الحارثَ، وإنما سُمِّى إبليسُ حينَ أبْلِس فقيرًا. قال أبو جعفرٍ: وكما قال اللهُ ﵎: ﴿فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾ [الأنعام: ٤٤]. يعنى به أنهم آيِسون مِن الخيرِ، نادِمون حُزْنًا، كما قال العجَّاجُ: يا صاحِ هل تَعْرِفُ رَسْمًا مُكْرَسَا قال نَعَمْ أَعْرِفُه وأبْلَسَا وقال رُؤْبةُ: وحضَرَتْ يومَ الخميسِ الأخْماسْ وفى الوُجوهِ صُفْرةٌ وإبْلاسْ يعنى به: اكْتئابًا وكُسوفًا. فإن قال قائلٌ: فإن كان إبليسُ كما قلتَ إفعيلَ مِن الإبْلاسِ، فهلَّا صُرِف وأُجْرِى؟ قيل: تُرِك إجراؤُه اسْتِثْقالًا، إذ كان اسمًا لا نظيرَ له مِن أسماءِ العربِ، فشبَّهَته العرب -إذ كان كذلك- بأسماءِ العَجَمِ التى لا تُجْرَى، وقد قالوا: مرَرْتُ بإسحاقَ. فلم يُجْروه، وهو مِن: أسْحَقه اللهُ إسْحاقًا.
QS 2:34 (jilid 1 hlm. 544) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 544 · #50711
اءِ العربِ، فشبَّهَته العرب -إذ كان كذلك- بأسماءِ العَجَمِ التى لا تُجْرَى، وقد قالوا: مرَرْتُ بإسحاقَ. فلم يُجْروه، وهو مِن: أسْحَقه اللهُ إسْحاقًا. إذ كان وقَع مبتدأً اسمًا لغيرِ العربِ، ثم تسَمَّت به العربُ، فجرَى مَجْراه -وهو مِن أسماءِ العجمِ- في الإعرابِ، فلم يُصْرَفْ، وكذلك أيوبُ، إنما هو فَيْعُولٌ، مِن: آبَ يَئوبُ، [نظيرَ قَيُّومٍ من: قام يقومُ]. وتأويلُ قولِه: ﴿أَبَى﴾. يعنى بذلك إبليسَ، أنه امْتَنع مِن السجودِ لآدمَ فلم يَسْجُدْ له، ﴿وَاسْتَكْبَرَ﴾. يعنى بذلك أنه تكبَّر وتعَظَّم عن طاعةِ اللهِ في السجودِ لآدمَ. وهذا وإن كان مِن اللهِ تعالى ذكرُه خبرًا عن إبليسَ، فإنه تَقْرِيعٌ لضُرَبائِه مِن خلقِ اللهِ الذين يَتَكَبَّرون عن الخضوعِ لأمرِ اللهِ، والانْقِيادِ لطاعتِه فيما أمَرهم به وفيما نهاهم عنه، والتسليمِ له فيما أوْجَب لبعضِهم على بعضٍ مِن الحقِّ.
QS 2:34 (jilid 1 hlm. 545) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 545 · #50712
الذين يَتَكَبَّرون عن الخضوعِ لأمرِ اللهِ، والانْقِيادِ لطاعتِه فيما أمَرهم به وفيما نهاهم عنه، والتسليمِ له فيما أوْجَب لبعضِهم على بعضٍ مِن الحقِّ. وكان ممَّن تكَبَّر عن الخضوعِ لأمرِ اللهِ، والتَّذَلُّلِ لطاعتِه، والتسليمِ لقضائِه فيما ألْزَمَهم مِن حقوقِ غيرِهم - اليهودُ الذين كانوا بينَ ظَهْرانَىْ مُهاجَرِ رسولِ اللهِ ﷺ، وأحبارُهم الذين كذَّبوا برسولِ اللهِ ﷺ، [وهم بصفتِه عارفون]، وبأنه للهِ رسولٌ عالمون. ثم اسْتَكْبَروا -مع علمِهم بذلك- عن الإقرارِ بنبوتِه، والإذْعانِ لطاعتِه، بَغْيًا منهم له وحسدًا.
QS 2:34 (jilid 1 hlm. 545) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 545 · #50713
هِ ﷺ، [وهم بصفتِه عارفون]، وبأنه للهِ رسولٌ عالمون. ثم اسْتَكْبَروا -مع علمِهم بذلك- عن الإقرارِ بنبوتِه، والإذْعانِ لطاعتِه، بَغْيًا منهم له وحسدًا. فقرَّعهم اللهُ بخبرِه عن إبليسَ الذى فعَل في استكبارِه عن السجودِ لآدمَ، حسدًا له وبَغْيًا، نظيرَ فعلِهم في التكبُّرِ عن الإذعانِ لمحمدٍ نبيَّ اللهِ ﷺ ونبوتِه، إذ جاءهم بالحقِّ مِن عندِ ربِّهم، حسدًا وبَغْيًا. ثم وصَف إبليسَ بمثلِ الذى وصَف به الذين ضرَبه لهم مثلًا، في الاستكبارِ والحسدِ والاسْتِنْكافِ عن الخضوعِ لمَن أمَره اللهُ بالخضوعِ له، فقال: ﴿وَكَانَ﴾ -يعنى إبليسَ- ﴿مِنَ الْكَافِرِينَ﴾.
QS 2:34 (jilid 1 hlm. 545) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 545 · #50714
ين ضرَبه لهم مثلًا، في الاستكبارِ والحسدِ والاسْتِنْكافِ عن الخضوعِ لمَن أمَره اللهُ بالخضوعِ له، فقال: ﴿وَكَانَ﴾ -يعنى إبليسَ- ﴿مِنَ الْكَافِرِينَ﴾. مِن الجاحِدِين نعمَ اللهِ عليه، وأياديَه عندَه، بخلافِه عليه فيما أمَره به من السجودِ لآدمَ، كما كفَرَت اليهودُ نعمَ ربِّها التى آتاها وآباءَها قبلُ، مِن إطعامِ اللهِ أسْلافَهم المنَّ والسَّلْوَى، وإظلالِ الغَمامِ عليهم، وما لا يُحْصَى مِن نعمِه التى كانت لهم خُصوصًا، وما خصَّ الذين أدْرَكوا محمدًا ﷺ بإدْراكِهم إياه، ومشاهدتِهم [حُجَّةَ اللهِ عليهم]، فجَحَدت نبوتَه بعد علمِهم به، ومعرفتِهم بنبوتِه، حسدًا وبَغْيًا، فنسَبه اللهُ تعالى ذكرُه إلى الكافرين، فجعَله مِن عِدادِهم في الدِّينِ والمِلَّةِ، وإن خالَفهم في الجنسِ والنسبةِ، كما جعَل أهلَ النِّفاقِ بعضَهم مِن بعضٍ، لاجْتماعِهم على النفاقِ، وإن اخْتَلَفَت أنسابُهم وأجْناسُهم، فقال: ﴿الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ [التوبة: ٦٧].
QS 2:34 (jilid 1 hlm. 546) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 546 · #50715
مِن بعضٍ، لاجْتماعِهم على النفاقِ، وإن اخْتَلَفَت أنسابُهم وأجْناسُهم، فقال: ﴿الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ [التوبة: ٦٧]. يعنى بذلك أن بعضَهم مِن بعضٍ في النفاقِ والضَّلالِ، فكذلك قولُه في إبليسَ: ﴿وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾. كان منهم في الكُفرِ باللهِ، والمخالفةِ لأمْرِه، وإن كان مخالِفًا جنسُه أجْناسَهم، ونِسْبتُه نِسْبتَهم. ومعنى قولِه: ﴿وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾. أى أنه كان حينَ أبَى السجودَ مِن الكافرين حينَئذٍ. وقد رُوِى عن الربيعِ بن أنسٍ، عن أبى العاليةِ أنه كان يَقولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾. في هذا الموضعِ: وكان مِن العاصِين. حدَّثنى المُثَنَّى بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا آدمُ العسقَلانيُّ، قال: حدَّثنا أبو جعفرٍ، عن الربيعِ، عن أبى العاليةِ في قولِه: ﴿وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾.
QS 2:34 (jilid 1 hlm. 546) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 546 · #50716
المُثَنَّى بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا آدمُ العسقَلانيُّ، قال: حدَّثنا أبو جعفرٍ، عن الربيعِ، عن أبى العاليةِ في قولِه: ﴿وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾. يعنى: من العاصِين. حدِّثْتُ عن عمارٍ، قال: حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ بمثلِه. وذلك شَبيهٌ بمعنى قولِنا فيه. وكان سجودُ الملائكةِ لآدمَ تَكْرِمةً لآدمَ، وطاعةً للهِ، لا عبادةً لآدمَ، كما حدثنا به بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: حدَّثنا يزيدُ بنُ زُريْعٍ، قال: حدَّثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾. فكانت الطاعةُ للهِ، والسَّجْدةُ لآدمَ، أكْرَم اللهُ آدمَ أن أسْجَدَ له ملائكتَه.
QS 2:34 (jilid 1 hlm. 227) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 1 · hlm. 227 · #81040
﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (٣٤)﴾. وهذه كرامة عظيمة من الله تعالى لآدم امتن بها على ذريته، حيث أخبر أنه تعالى أمر الملائكة بالسجود لآدم. وقد دل على ذلك أحاديث -أيضا-كثيرة منها حديث الشفاعة المتقدم، وحديث موسى، ﵇: "رَبِّ، أرني آدم الذي أخرجنا ونفسَه من الجنة"، فلما اجتمع به قال: "أنت آدم الذي خلقه الله بيده، ونفخ فيه من روحه وأسجد له ملائكته". قال … وذكر الحديث كما سيأتي. وقال ابن جرير: حدثنا أبو كُرَيب، حدثنا عثمان بن سعيد، حدثنا بشْر بن عُمارة، عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن عباس قال: كان إبليس من حَيّ من أحياء الملائكة يقال لهم: الجِنّ، خلقوا من نار السموم، من بين الملائكة، وكان اسمه الحارث، وكان خازنا من خزان الجنة، قال: وخلقت الملائكة كلهم من نور غير هذا الحي، قال: وخلقت الجن الذين ذكروا في القرآن من مارج من نار، [وهو لسان النار الذي يكون في طرفها إذا لهبت قال: وخلق الإنسان من طين].
QS 2:34 (jilid 1 hlm. 227) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 1 · hlm. 227 · #81041
لهم من نور غير هذا الحي، قال: وخلقت الجن الذين ذكروا في القرآن من مارج من نار، [وهو لسان النار الذي يكون في طرفها إذا لهبت قال: وخلق الإنسان من طين]. فأول من سكن الأرض الجن فأفسدوا فيها وسفكوا الدماء، وقتل بعضهم بعضا. قال: فبعث الله إليهم إبليس في جند من الملائكة -وهم هذا الحي الذي يقال لهم: الجنّ -فقتلهم إبليس ومن معه، حتى ألحقهم بجزائر البحور وأطراف الجبال، فلما فعل إبليس ذلك اغتَرّ في نفسه، فقال: قد صنعت شيئا لم يصنعه أحد. قال: فاطلع الله على ذلك من قلبه، ولم يطلع عليه الملائكة الذين كانوا معه، فقال الله تعالى للملائكة الذين معه: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ فقالت الملائكة مجيبين له: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾ كما أفسدت الجن وسفكت الدماء، وإنما بعثتنا عليهم لذلك؟
QS 2:34 (jilid 1 hlm. 227) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 1 · hlm. 227 · #81042
يفَةً﴾ فقالت الملائكة مجيبين له: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾ كما أفسدت الجن وسفكت الدماء، وإنما بعثتنا عليهم لذلك؟ فقال: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ يقول: إني قد اطلعت من قلب إبليس على ما لم تطلعوا عليه من كبره واغتراره، قال: ثم أمر بتربة آدم فرفعت، فخلق الله آدم من طين لازب -واللازب: اللزج الصلب من حمإ مسنون منتن، وإنما كان حَمَأ مسنونا بعد التراب. فخلق منه آدم بيده، قال: فمكث أربعين ليلة جسدا ملقى. فكان إبليس يأتيه فيضربه برجله، فيصلصل، أي فيصوت. قال: فهو قول الله تعالى: ﴿مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ﴾ [الرحمن: ١٤] يقول: كالشيء المنفرج الذي ليس بمُصْمَت. قال: ثم يدخل في فيه ويخرج من دبره، ويدخل من دبره، ويخرج من فيه. ثم يقول: لست شيئا -للصلصلة-ولشيء ما خلقت، ولئن سُلِّطْتُ عليك لأهلكنك، ولئن سُلِّطْتُ علي لأعْصيَنَّك.
QS 2:34 (jilid 1 hlm. 228) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 1 · hlm. 228 · #81043
يه ويخرج من دبره، ويدخل من دبره، ويخرج من فيه. ثم يقول: لست شيئا -للصلصلة-ولشيء ما خلقت، ولئن سُلِّطْتُ عليك لأهلكنك، ولئن سُلِّطْتُ علي لأعْصيَنَّك. قال: فلما نفخ الله فيه من روحه، أتت النفخة من قبل رأسه، فجعل لا يجري شيء منها في جسده إلا صار لحمًا ودمًا، فلما انتهت النفخة إلى سُرَّته نظر إلى جسده فأعجبه ما رأى من جسده، فذهب لينهض فلم يقدر، فهو قول الله تعالى: ﴿وَكَانَ الإِنْسَانُ عَجُولا﴾ [الإسراء: ١١] قال: ضجر لا صبر له على سراء ولا ضراء. قال: فلما تمت النفخة في جسده عطس، فقال: "الحمد لله رب العالمين" بإلهام الله. فقال [الله] له: "يرحمك الله يا آدم ". قال ثم قال [الله] تعالى للملائكة الذين كانوا مع إبليس خاصة دون الملائكة الذين في السماوات: اسجدوا لآدم. فسجدوا كلهم أجمعون إلا إبليس أبى واستكبر، لما كان حدث نفسه من الكبر والاغترار. فقال: لا أسجد له، وأنا خير منه وأكبر سنا وأقوى خلقا، خلقتني من نار وخلقته من طين. يقول: إن النار أقوى من الطين.
QS 2:34 (jilid 1 hlm. 228) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 1 · hlm. 228 · #81044
لما كان حدث نفسه من الكبر والاغترار. فقال: لا أسجد له، وأنا خير منه وأكبر سنا وأقوى خلقا، خلقتني من نار وخلقته من طين. يقول: إن النار أقوى من الطين. قال: فلما أبى إبليس أن يسجد أبلسه الله، أي: آيسه من الخير كله، وجعله شيطانا رجيما عُقُوبة لمعصيته، ثم عَلَّم آدم الأسماء كلها، وهي هذه الأسماء التي يتعارف بها الناس: إنسان ودابة وأرض وسهل وبحر وجبل وحمار، وأشباه ذلك من الأمم وغيرها. ثم عرض هذه الأسماء على أولئك الملائكة، يعني: الملائكة الذين كانوا مع إبليس، الذين خلقوا من نار السموم، وقال لهم: ﴿أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلاءِ﴾ يقول: أخبروني بأسماء هؤلاء ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ إن كنتم تعلمون لِمَ أجعل في الأرض خليفة.
QS 2:34 (jilid 1 hlm. 228) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 1 · hlm. 228 · #81045
السموم، وقال لهم: ﴿أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلاءِ﴾ يقول: أخبروني بأسماء هؤلاء ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ إن كنتم تعلمون لِمَ أجعل في الأرض خليفة. قال: فلما علمت الملائكة موجدة الله عليهم فيما تكلموا به من علم الغيب، الذي لا يعلمه غيره، الذي ليس لهم به علم قالوا: سبحانك، تنزيها لله من أن يكون أحد يعلم الغيب غيره، وتبنا إليك ﴿لا عِلْمَ لَنَا إِلا مَا عَلَّمْتَنَا﴾ تبريا منهم من علم الغيب، إلا ما علمتنا كما علمت آدم، فقال: ﴿يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ﴾ يقول: أخبرهم بأسمائهم ﴿فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ﴾ [يقول: أخبرهم] ﴿بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ﴾ أيها الملائكة خاصة ﴿إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ ولا يعلم غيري ﴿وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ﴾ يقول: ما تظهرون ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ يقول: أعلم السر كما أعلم العلانية، يعني: ما كتم إبليس في نفسه من الكبر والاغترار.
QS 2:34 (jilid 1 hlm. 228) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 1 · hlm. 228 · #81046
أَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ﴾ يقول: ما تظهرون ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ يقول: أعلم السر كما أعلم العلانية، يعني: ما كتم إبليس في نفسه من الكبر والاغترار. هذا سياق غريب، وفيه أشياء فيها نظر، يطول مناقشتها، وهذا الإسناد إلى ابن عباس يروى به تفسير مشهور. وقال السدي في تفسيره، عن أبي مالك وعن أبي صالح، عن ابن عباس -وعن مُرّة، عن ابن مسعود، وعن أناس من أصحاب النبي ﷺ: لما فرغ الله من خلق ما أحب استوى على العرش، فجعل إبليس على مُلْك السماء الدنيا، وكان من قبيلة من الملائكة يقال لهم: الجن، وإنما سموا الجن لأنهم خزان الجنة، وكان إبليس مع مُلْكه خازنا، فوقع في صدره كبر وقال: ما أعطاني الله هذا إلا لمزية لي على الملائكة. فلما وقع ذلك الكبر في نفسه اطلع الله على ذلك منه. فقال الله للملائكة: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ قالوا: ربنا، وما يكون ذلك الخليفة؟ قال: يكون له ذرية يفسدون في الأرض ويتحاسدون ويقتل بعضهم بعضا.
QS 2:34 (jilid 1 hlm. 229) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 1 · hlm. 229 · #81047
له للملائكة: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ قالوا: ربنا، وما يكون ذلك الخليفة؟ قال: يكون له ذرية يفسدون في الأرض ويتحاسدون ويقتل بعضهم بعضا. قالوا: ربنا، ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ يعني: من شأن إبليس. فبعث الله جبريل إلى الأرض ليأتيه بطين منها، فقالت الأرض: إني أعوذ بالله منك أن تَقْبض مني أو تشينني فرجع ولم يأخذ، وقال: رب مني عاذت بك فأعذتُها، فبعث ميكائيل، فعاذت منه فأعاذها، فرجع فقال كما قال جبريل، فبعث مَلَك الموت فعاذت منه.
QS 2:34 (jilid 1 hlm. 229) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 1 · hlm. 229 · #81048
ْبض مني أو تشينني فرجع ولم يأخذ، وقال: رب مني عاذت بك فأعذتُها، فبعث ميكائيل، فعاذت منه فأعاذها، فرجع فقال كما قال جبريل، فبعث مَلَك الموت فعاذت منه. فقال: وأنا أعوذ بالله أن أرجع ولم أنفذ أمره، فأخذ من وجه الأرض، وخَلَطَ ولم يأخذ من مكان واحد، وأخذ من تربة حمراء وبيضاء وسوداء، فلذلك خرج بنو آدم مختلفين، فَصعِد به فَبَلَّ التراب حتى عاد طينا لازبا -واللازب: هو الذي يلتزق بعضه ببعض -ثم قال للملائكة: ﴿إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ * فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾ [ص: ٧١، ٧٢] فخلقه الله بيده لئلا يتكبر إبليس عنه، ليقول له: تتكبر عما عملت بيدي، ولم أتكبر أنا عنه. فخلقه بشرا، فكان جسدا من طين أربعين سنة من مقدار يوم الجمعة، فمرت به الملائكة ففزعوا منه لما رأوه، وكان أشدهم فزعا منه إبليس، فكان يمر به فيضربه فيصوت الجسد كما يصوت الفخار وتكون له صلصلة. فذلك حين يقول: ﴿مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ﴾ [الرحمن: ١٤] ويقول: لأمر ما خُلقت.
QS 2:34 (jilid 1 hlm. 229) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 1 · hlm. 229 · #81049
بليس، فكان يمر به فيضربه فيصوت الجسد كما يصوت الفخار وتكون له صلصلة. فذلك حين يقول: ﴿مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ﴾ [الرحمن: ١٤] ويقول: لأمر ما خُلقت. ودخل من فيه فخرج من دبره، وقال للملائكة: لا ترهبوا من هذا، فإن ربكم صَمَدٌ وهذا أجوف. لئن سلطت عليه لأهلكنه، فلما بلغ الحين الذي يريد الله ﷿ أن ينفخ فيه الروح، قال للملائكة: إذا نفخت فيه من روحي فاسجدوا له، فلما نفخ فيه الروح فدخل الروح في رأسه، عَطِسَ، فقالت الملائكة: قل: الحمد لله. فقال: الحمد لله، فقال له الله: رحمك ربك، فلما دخلت الروح في عينيه نظر إلى ثمار الجنة. فلما دخل الروح في جوفه اشتهى الطعام، فوثب قبل أن تبلغ الروح رجليه عجلان إلى ثمار الجنة، فذلك حين يقول تعالى: ﴿خُلِقَ الإنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ﴾ [الأنبياء: ٣٧] ﴿فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ * إِلا إِبْلِيسَ أَبَى أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ﴾ [الحجر: ٣٠، ٣١] أبى واستكبر وكان من الكافرين. قال الله له: ما منعك أن تسجد إذ أمرتك لما خلقت بيدي؟
QS 2:34 (jilid 1 hlm. 229) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 1 · hlm. 229 · #81050
ا إِبْلِيسَ أَبَى أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ﴾ [الحجر: ٣٠، ٣١] أبى واستكبر وكان من الكافرين. قال الله له: ما منعك أن تسجد إذ أمرتك لما خلقت بيدي؟ قال: أنا خير منه، لم أكن لأسجد لمن خلقته من طين. قال الله له: اخرج منها فما يكون لك، يعني: ما ينبغي لك ﴿أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ﴾ [الأعراف: ١٣] والصغار: هو الذل. قال: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الأسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ ثم عرض الخلق على الملائكة ﴿فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ أن بني آدم يفسدون في الأرض ويسفكون الدماء، فقالوا ﴿سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا إِلا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ قال الله: ﴿يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ قال: قولهم: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا﴾ فهذا
QS 2:34 (jilid 1 hlm. 230) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 1 · hlm. 230 · #81051
َعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ قال: قولهم: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا﴾ فهذا الذي أبدوا "وأعلم ما تكتمون" يعني: ما أسر إبليس في نفسه من الكبر. فهذا الإسناد إلى هؤلاء الصحابة مشهور في تفسير السُّدِّي ويقع فيه إسرائيليات كثيرة، فلعل بعضها مُدْرَج ليس من كلام الصحابة، أو أنهم أخذوه من بعض الكتب المتقدمة. والله أعلم. والحاكم يروي في مستدركه بهذا الإسناد بعينه أشياء، ويقول: [هو] على شرط البخاري. والغرض أن الله تعالى لما أمر الملائكة بالسجود لآدم دخل إبليس في خطابهم؛ لأنه -وإن لم يكن من عُنْصرهم -إلا أنه كان قد تشَبَّه بهم وتوسم بأفعالهم؛ فلهذا دخل في الخطاب لهم، وذم في مخالفة الأمر.
QS 2:34 (jilid 1 hlm. 230) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 1 · hlm. 230 · #81052
سجود لآدم دخل إبليس في خطابهم؛ لأنه -وإن لم يكن من عُنْصرهم -إلا أنه كان قد تشَبَّه بهم وتوسم بأفعالهم؛ فلهذا دخل في الخطاب لهم، وذم في مخالفة الأمر. وسنبسط المسألة إن -شاء الله تعالى-عند قوله: ﴿إِلا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ [الكهف: ٥٠]. ولهذا قال: محمد بن إسحاق، عن خلاد، عن عطاء، عن طاوس، عن ابن عباس قال: كان إبليس قبل أن يركب المعصية من الملائكة اسمه عزازيل، وكان من سكان الأرض، وكان من أشد الملائكة اجتهادا، وأكثرهم علما؛ فذلك دعاه إلى الكبر، وكان من حي يسمون جِنًّا. وفي رواية عن خلاد، عن عطاء، عن طاوس -أو مجاهد -عن ابن عباس، أو غيره، بنحوه. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا سعيد بن سليمان، حدثنا عباد -يعني: ابن العوام -عن سفيان بن حسين، عن يعلى بن مسلم، عن سعيد بن جُبَير، عن ابن عباس قال: كان إبليس اسمه عزازيل، وكان من أشراف الملائكة من ذوي الأجنحة الأربعة، ثم أبلس بعد.
QS 2:34 (jilid 1 hlm. 230) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 1 · hlm. 230 · #81053
سفيان بن حسين، عن يعلى بن مسلم، عن سعيد بن جُبَير، عن ابن عباس قال: كان إبليس اسمه عزازيل، وكان من أشراف الملائكة من ذوي الأجنحة الأربعة، ثم أبلس بعد. وقال سُنَيْد، عن حجاج، عن ابن جريج، قال: قال ابن عباس: كان إبليس من أشراف الملائكة وأكرمهم قبيلة، وكان خازنا على الجنان، وكان له سلطان سماء الدنيا، وكان له سلطان الأرض. وهكذا روى الضحاك وغيره عن ابن عباس، سواء. وقال صالح مولى التَّوْأمة، عن ابن عباس: إن من الملائكة قَبيلا يقال لهم: الجن، وكان إبليس منهم، وكان يسوس ما بين السماء والأرض، فعصى، فمسخه الله شيطانا رجيما. رواه ابن جرير. وقال قتادة عن سعيد بن المسيب: كان إبليس، رئيس ملائكة سماء الدنيا. وقال ابن جرير: حدثنا محمد بن بشار، حدثنا عدي بن أبي عدي، عن عوف، عن الحسن، قال: ما كان إبليس من الملائكة طرفة عين قَط، وإنه لأصل الجن، كما أن آدم أصل الإنس. وهذا إسناد صحيح عن الحسن.
QS 2:34 (jilid 1 hlm. 231) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 1 · hlm. 231 · #81054
، حدثنا عدي بن أبي عدي، عن عوف، عن الحسن، قال: ما كان إبليس من الملائكة طرفة عين قَط، وإنه لأصل الجن، كما أن آدم أصل الإنس. وهذا إسناد صحيح عن الحسن. وهكذا قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم سواء. وقال شَهْر بن حَوْشَب: كان إبليس من الجن الذين طردتهم الملائكة، فأسره بعض الملائكة فذهب به إلى السماء، رواه ابن جرير. وقال سُنَيْد بن داود: حدثنا هُشَيم، أنبأنا عبد الرحمن بن يحيى، عن موسى بن نمير وعثمان بن سعيد بن كامل، عن سعد بن مسعود، قال: كانت الملائكة تقاتل الجن، فسبي إبليس وكان صغيرا، فكان مع الملائكة، فتعبد معها، فلما أمروا بالسجود لآدم سجدوا، فأبى إبليس. فلذلك قال تعالى: ﴿إِلا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ﴾ [الكهف: ٥٠]. وقال ابن جرير: حدثنا محمد بن سنان القزاز، حدثنا أبو عاصم، عن شريك، عن رجل، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: إن الله خلق خلقا، فقال: اسجدوا لآدم. فقالوا: لا نفعل. فبعث الله عليهم نارا فأحرقتهم، ثم خلق خلقا آخر، فقال: "إني خالق بشرا من طين، اسجدوا لآدم. قال: فأبوا.
QS 2:34 (jilid 1 hlm. 231) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 1 · hlm. 231 · #81055
ه خلق خلقا، فقال: اسجدوا لآدم. فقالوا: لا نفعل. فبعث الله عليهم نارا فأحرقتهم، ثم خلق خلقا آخر، فقال: "إني خالق بشرا من طين، اسجدوا لآدم. قال: فأبوا. فبعث الله عليهم نارا فأحرقتهم. ثم خلق هؤلاء، فقال: اسجدوا لآدم، قالوا: نعم. وكان إبليس من أولئك الذين أبوا أن يسجدوا لآدم. وهذا غريب، ولا يكاد يصح إسناده، فإن فيه رجلا مبهما، ومثله لا يحتج به، والله أعلم. وقال قتادة في قوله: (وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ) فكانت الطاعة لله، والسجدة أكرم الله آدم بها أن أسجد له ملائكته. وقال في قوله تعالى: (فَسَجَدُوا إِلا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ) حسد عدو الله إبليسُ آدمَ، ﵇، على ما أعطاه الله من الكرامة، وقال: أنا ناريٌّ وهذا طينيٌّ، وكان بدء الذنوب الكبر، استكبر عدوُّ الله أن يسجد لآدم، ﵇.
QS 2:34 (jilid 1 hlm. 231) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 1 · hlm. 231 · #81056
نَ) حسد عدو الله إبليسُ آدمَ، ﵇، على ما أعطاه الله من الكرامة، وقال: أنا ناريٌّ وهذا طينيٌّ، وكان بدء الذنوب الكبر، استكبر عدوُّ الله أن يسجد لآدم، ﵇. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا أبو أسامة، حدثنا صالح بن حيان، حدثنا عبد الله بن بُرَيدة: قوله تعالى: (وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ) من الذين أبوا، فأحرقتهم النار. وقال أبو جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية: (وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ) يعني: من العاصين. وقال السدي: (وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ) الذين لم يخلقهم الله يومئذ يكونون بعد. وقال محمد بن كعب القُرَظِيُّ: ابتدأ الله خلق إبليس على الكفر والضلالة، وعمل بعمل الملائكة، فصيره إلى ما أبدى عليه خلقه من الكفر، قال الله تعالى: (وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ)
QS 2:34 (jilid 1 hlm. 232) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 1 · hlm. 232 · #81057
ظِيُّ: ابتدأ الله خلق إبليس على الكفر والضلالة، وعمل بعمل الملائكة، فصيره إلى ما أبدى عليه خلقه من الكفر، قال الله تعالى: (وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ) وقال بعض الناس: كان هذا سجود تحية وسلام وإكرام، كما قال تعالى: ﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا﴾ [يوسف: ١٠٠] وقد كان هذا مشروعا في الأمم الماضية ولكنه نسخ في ملتنا، قال معاذ: قدمت الشام فرأيتهم يسجدون لأساقفتهم وعلمائهم، فأنت يا رسول الله أحق أن يسجد لك، فقال: "لا لو كنت آمرا بشرا أن يسجد لبشر لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها من عظم حقه عليها" ورجحه الرازي، وقال بعضهم: بل كانت السجدة لله وآدم قبلة فيها كما قال: ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ [الإسراء: ٧٨] وفي هذا التنظير نظر، والأظهر أن القول الأول أولى، والسجدة لآدم إكرامًا وإعظامًا واحترامًا وسلامًا، وهي طاعة لله، ﷿؛ لأنها امتثال لأمره تعالى، وقد قواه الرازي في تفسيره
QS 2:34 (jilid 1 hlm. 232) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 1 · hlm. 232 · #81058
ظر، والأظهر أن القول الأول أولى، والسجدة لآدم إكرامًا وإعظامًا واحترامًا وسلامًا، وهي طاعة لله، ﷿؛ لأنها امتثال لأمره تعالى، وقد قواه الرازي في تفسيره وضعف ما عداه من القولين الآخرين وهما كونه جعل قبلة إذ لا يظهر فيه شرف، والآخر: أن المراد بالسجود الخضوع لا الانحناء ووضع الجبهة على الأرض وهو ضعيف كما قال. قلت: وقد ثبت في الصحيح: "لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال حبة خردل من كبر" وقد كان في قلب إبليس من الكبر -والكفر -والعناد ما اقتضى طرده وإبعاده عن جناب الرحمة وحضرة القدس؛ قال بعض المعربين: وكان من الكافرين أي: وصار من الكافرين بسبب امتناعه، كما قال: ﴿فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ﴾ [هود: ٤٣] وقال ﴿فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: ٣٥] وقال الشاعر: بتيهاء قفر والمطي كأنها … قطا الحزن قد كانت فراخا بيوضها
QS 2:34 (jilid 1 hlm. 232) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 1 · hlm. 232 · #81059
مِنَ الْمُغْرَقِينَ﴾ [هود: ٤٣] وقال ﴿فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: ٣٥] وقال الشاعر: بتيهاء قفر والمطي كأنها … قطا الحزن قد كانت فراخا بيوضها أي: قد صارت، وقال ابن فورك: تقديره: وقد كان في علم الله من الكافرين، ورجحه القرطبي، وذكر هاهنا مسألة فقال: قال علماؤنا من أظهر الله على يديه ممن ليس بنبي كرامات وخوارق للعادات فليس ذلك دالا على ولايته، خلافا لبعض الصوفية والرافضة هذا لفظه. ثم استدل على ما قال: بأنا لا نقطع بهذا الذي جرى الخارق على يديه أنه يوافي الله بالإيمان، وهو لا يقطع لنفسه بذلك، يعني والولي الذي يقطع له بذلك في نفس الأمر.
QS 2:34 (jilid 1 hlm. 232) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 1 · hlm. 232 · #81060
دل على ما قال: بأنا لا نقطع بهذا الذي جرى الخارق على يديه أنه يوافي الله بالإيمان، وهو لا يقطع لنفسه بذلك، يعني والولي الذي يقطع له بذلك في نفس الأمر. قلت: وقد استدل بعضهم على أن الخارق قد يكون على يدي غير الولي، بل قد يكون على يد الفاجر والكافر، أيضا، بما ثبت عن ابن صياد أنه قال: هو الدخ حين خبأ له رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾ [الدخان: ١٠]، وبما كان يصدر عنه أنه كان يملأ الطريق إذا غضب حتى ضربه عبد الله بن عمر، وبما ثبتت به الأحاديث عن الدجال بما يكون على يديه من الخوارق الكثيرة من أنه يأمر السماء أن تمطر فتمطر، والأرض أن تنبت فتنبت، وتتبعه كنوز الأرض مثل اليعاسيب، وأنه يقتل ذلك الشاب ثم يحييه إلى غير ذلك من الأمور المهولة.
QS 2:34 (jilid 1 hlm. 232) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 1 · hlm. 232 · #81061
ة من أنه يأمر السماء أن تمطر فتمطر، والأرض أن تنبت فتنبت، وتتبعه كنوز الأرض مثل اليعاسيب، وأنه يقتل ذلك الشاب ثم يحييه إلى غير ذلك من الأمور المهولة. وقد قال يونس بن عبد الأعلى الصدفي: قلت للشافعي: كان الليث بن سعد يقول: إذا رأيتم الرجل يمشي على الماء فلا تغتروا به حتى تعرضوا أمره على الكتاب والسنة، فقال الشافعي: قصر الليث، ﵀، بل إذا رأيتم الرجل يمشي على الماء ويطير في الهواء فلا تغتروا به حتى تعرضوا أمره على الكتاب والسنة، وقد حكى فخر الدين وغيره قولين للعلماء: هل المأمور بالسجود لآدم خاص بملائكة الأرض، أو عام بملائكة السماوات والأرض، وقد رجح كلا من القولين طائفة، وظاهر الآية الكريمة العموم: ﴿فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ * إِلا إِبْلِيسَ﴾ [الحجر: ٣٠، ٣١، ص: ٧٣، ٧٤]، فهذه أربعة أوجه مقوية للعموم، والله أعلم.
QS 2:34 (jilid 1 hlm. 86) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 86 · #95976
قوله تعالى: ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ﴾ الآية. •
QS 2:34 (jilid 1 hlm. 86) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 86 · #95977
قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ لم يبين هنا هل قال لهم ذلك قبل خلق آدم، أو بعد خلقه؟ وقد صرح في سورة الحجر وص بأنه قال لهم ذلك قبل خلق آدم. فقال في الحجر: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَأٍ مَسْنُونٍ (٢٨) فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ (٢٩)﴾ وقال في سورة ص: ﴿إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِنْ طِينٍ (٧١) فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ (٧٢)﴾. • قوله تعالى: ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ﴾ لم يبين هنا موجب استكباره في زعمه، ولكنه بينه في مواضع أخر كقوله: ﴿قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (٦٧)﴾ وقوله: ﴿قَالَ لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَأٍ مَسْنُونٍ (٣٣)﴾.
QS 2:34 (jilid 1 hlm. 87) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 87 · #95978
َقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (٦٧)﴾ وقوله: ﴿قَالَ لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَأٍ مَسْنُونٍ (٣٣)﴾. تنبيه: مثل قياس إبليس نفسه على عنصره -الذي هو النار وقياسه آدم على عنصره، الذي هو الطين واستنتاجه من ذلك أنه خير من آدم، ولا ينبغي أن يؤمر بالسجود لمن هو خير منه، مع وجود النص الصريح الذي هو قوله تعالى: ﴿اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ - يسمى في اصطلاح الأصوليين فاسد الاعتبار. وإليه الإشارة بقول صاحب مراقي السعود: "والخلف للنص أو إجماع دعا ... فساد الاعتبار كل من وعى" فكل من رد نصوص الوحي بالأقيسة فسلفه في ذلك إبليس، وقياس إبليس هذا -لعنه الله- باطل من ثلاثة أوجه: الأول: أنه فاسد الاعتبار، لمخالفة النص الصريح كما تقدم قريبا. الثاني: أنا لا نسلم أن النار خير من الطين، بل الطين خير من النار؛ لأن طبيعتها الخفة والطيش والإفساد والتفريق، وطبيعته الرزانة والإصلاح فتودعه الحبة، فيعطيكها سنبلة، والنواة فيعطيكها نخلة.
QS 2:34 (jilid 1 hlm. 87) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 87 · #95979
طين، بل الطين خير من النار؛ لأن طبيعتها الخفة والطيش والإفساد والتفريق، وطبيعته الرزانة والإصلاح فتودعه الحبة، فيعطيكها سنبلة، والنواة فيعطيكها نخلة. وإذا أردت أن تعرف قدر الطين فانظر إلى الرياض الناضرة وما فيها من الثمار اللذيذة، والأزهار الجميلة، والروائح الطيبة تعلم أن الطين خير من النار. الثالث: أنا لو سلمنا تسليما جدليا أن النار خير من الطين فإنه لا يلزم من ذلك أن إبليس خير من آدم، لأن شرف الأصل لا يقضي شرف الفرع، بل قد يكون الأصل رفيعا والفرع وضيعا. كما قال الشاعر: "إذا افتخرت بآباء لهم شرف ... قلنا: صدقت ولكن بئس ما ولدوا" وقال الآخر: "وما ينفع الأصل من هاشم ... إذا كانت النفس من باهلة" •
QS 2:34 (jilid 1 hlm. 420) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 420 · #108899
[سُورَة الْبَقَرَة (٢) : آيَة ٣٤] وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبى وَاسْتَكْبَرَ وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ (٣٤) عَطْفٌ عَلَى جُمْلَةِ وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً [الْبَقَرَة: ٣٠] عَطْفُ الْقِصَّةِ عَلَى الْقِصَّةِ. وَإِعَادَةُ (إِذْ) بَعْدَ حَرْفِ الْعَطْفِ الْمُغْنِي عَنْ إِعَادَةِ ظَرْفِهِ تَنْبِيهٌ عَلَى أَنَّ الْجُمْلَةَ مَقْصُودَةٌ بِذَاتِهَا لِأَنَّهَا مُتَمَيِّزَةٌ بِهَذِهِ الْقِصَّةِ الْعَجِيبَةِ فَجَاءَتْ عَلَى أُسْلُوبٍ يُؤْذِنُ بِالِاسْتِقْلَالِ وَالِاهْتِمَامِ، وَلِأَجْلِ هَذِهِ الْمُرَاعَاةِ لَمْ يُؤْتَ بِهَذِهِ الْقِصَّةِ مَعْطُوفَةً بِفَاءِ التَّفْرِيع فَيَقُول: وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ وَإِنْ كَانَ مَضْمُونُهَا فِي الْوَاقِعِ مُتَفَرِّعًا عَلَى مَضْمُونِ الَّتِي قَبْلَهَا فَإِنَّ أَمْرَهُمْ بِالسُّجُودِ لِآدَمَ مَا كَانَ إِلَّا لِأَجْلِ ظُهُورِ مَزِيَّتِهِ
QS 2:34 (jilid 1 hlm. 420) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 420 · #108900
َا فِي الْوَاقِعِ مُتَفَرِّعًا عَلَى مَضْمُونِ الَّتِي قَبْلَهَا فَإِنَّ أَمْرَهُمْ بِالسُّجُودِ لِآدَمَ مَا كَانَ إِلَّا لِأَجْلِ ظُهُورِ مَزِيَّتِهِ عَلَيْهِمْ إِذْ عَلِمَ مَا لَمْ يَعْلَمُوهُ وَذَلِكَ مَا اقْتَضَاهُ تَرْتِيبُ ذِكْرِ هَذِهِ الْقِصَصِ بَعْضِهَا بَعْدَ بَعْضٍ ابْتِدَاءً مِنْ خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا طَرَأَ بَعْدَهُ مِنْ أَطْوَارِ أُصُولِ الْعَامِرِينِ الْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ السَّمَاءِ فَإِنَّ الْأَصْلَ فِي الْكَلَامِ أَنْ يَكُونَ تَرْتِيبُ نَظْمِهِ جَارِيًا عَلَى تَرْتِيبِ حُصُولِ مَدْلُولَاتِهِ فِي الْخَارِجِ مَا لَمْ تَنْصَبَّ قَرِينَةٌ عَلَى مُخَالَفَةِ ذَلِكَ.
QS 2:34 (jilid 1 hlm. 420) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 420 · #108901
أَنْ يَكُونَ تَرْتِيبُ نَظْمِهِ جَارِيًا عَلَى تَرْتِيبِ حُصُولِ مَدْلُولَاتِهِ فِي الْخَارِجِ مَا لَمْ تَنْصَبَّ قَرِينَةٌ عَلَى مُخَالَفَةِ ذَلِكَ. وَلَا يَرِيبُكَ قَوْلُهُ تَعَالَى فِي سُورَةِ الْحِجْرِ [٢٨، ٢٩] إِنِّي خالِقٌ بَشَراً مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ لِأَنَّ تِلْكَ حَكَتِ الْقِصَّةَ بِإِجْمَالٍ فَطَوَتْ أَنْبَاءَهَا طَيًّا جَاءَ تَبْيِينُهُ فِي مَا تَكَرَّرَ مِنْهَا فِي آيَاتٍ أُخْرَى وَأَوْضَحُهَا أَيَّةُ الْبَقَرَةِ لِاقْتِضَاءِ الْآيَةِ السَّابِقَةِ أَنَّ فَضِيلَةَ آدَمَ لَمْ تَظْهَرْ لِلْمَلَائِكَةِ إِلَّا بَعْدَ تَعْلِيمِهِ الْأَسْمَاءَ وَعَرْضِهَا عَلَيْهِمْ وَعَجْزِهِمْ عَنِ الْإِنْبَاءِ بِهَا وَأَنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتَرَقِّبِينَ بَيَانَ مَا يَكْشِفُ ظَنَّهُمْ بِآدَمَ أَنْ يَكُونَ مُفْسِدًا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ أَنْ لَازَمُوا جَانِبَ التَّوَقُّفِ لِمَا قَالَ اللَّهُ لَهُمْ:
QS 2:34 (jilid 1 hlm. 420) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 420 · #108902
ينَ بَيَانَ مَا يَكْشِفُ ظَنَّهُمْ بِآدَمَ أَنْ يَكُونَ مُفْسِدًا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ أَنْ لَازَمُوا جَانِبَ التَّوَقُّفِ لِمَا قَالَ اللَّهُ لَهُمْ: إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ [الْبَقَرَة: ٣٠] ، فَكَانَ إِنْبَاءُ آدَمَ بِالْأَسْمَاءِ عِنْدَ عَجْزِهِمْ عَنِ الْإِنْبَاءِ بِهَا بَيَانًا لِكَشْفِ شُبْهَتِهِمْ فَاسْتَحَقُّوا أَنْ يَأْتُوا بِمَا فِيهِ مَعْذِرَةٌ عَنْ عَدَمِ عِلْمِهِمْ بِحَقِّهِ. وَقَدْ أُرِيدَ مِنْ هَذِهِ الْقِصَّةِ إِظْهَارُ مَزِيَّةِ نَوْعِ الْإِنْسَانِ وَأَنَّ اللَّهَ يَخُصُّ أَجْنَاسَ مَخْلُوقَاتِهِ وَأَنْوَاعَهَا بِمَا اقْتَضَتْهُ حِكْمَتُهُ مِنَ الْخَصَائِصِ وَالْمَزَايَا لِئَلَّا يَخْلُوَ شَيْءٌ مِنْهَا عَنْ فَائِدَةٍ مِنْ وُجُودِهِ فِي هَذَا الْعَالَمِ وَإِظْهَارِ فَضِيلَةِ الْمَعْرِفَةِ، وَبَيَانِ أَنَّ الْعَالِمَ حَقِيقٌ بِتَعْظِيمِ مَنْ حَوْلَهُ إِيَّاهُ وَإِظْهَارِ مَا لِلنُّفُوسِ الشِّرِّيرَةِ الشَّيْطَانِيَّةِ مِنَ الْخَبَثِ وَالْفَسَادِ، وَبَيَانُ
QS 2:34 (jilid 1 hlm. 421) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 421 · #108903
ْعَالِمَ حَقِيقٌ بِتَعْظِيمِ مَنْ حَوْلَهُ إِيَّاهُ وَإِظْهَارِ مَا لِلنُّفُوسِ الشِّرِّيرَةِ الشَّيْطَانِيَّةِ مِنَ الْخَبَثِ وَالْفَسَادِ، وَبَيَانُ أَنَّ الِاعْتِرَافَ بِالْحَقِّ مِنْ خِصَالِ الْفَضَائِلِ الْمَلَائِكِيَّةِ، وَأَنَّ الْفَسَادَ وَالْحَسَدَ وَالْكِبْرَ مِنْ مَذَامِّ ذَوِي الْعُقُولِ. وَالْقَوْلُ فِي إِعْرَابِ (إِذْ) كَالْقَوْلِ الَّذِي تَقَدَّمَ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً [الْبَقَرَة: ٣٠] .
QS 2:34 (jilid 1 hlm. 421) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 421 · #108904
ِذْ) كَالْقَوْلِ الَّذِي تَقَدَّمَ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً [الْبَقَرَة: ٣٠] . وَإِظْهَارُ لَفْظِ الْمَلَائِكَةِ وَلَفْظِ آدَمَ هُنَا دُونَ الْإِتْيَانِ بِضَمِيرَيْهِمَا كَمَا فِي قَوْلِهِ: قالُوا سُبْحانَكَ [الْبَقَرَة: ٣٢] وَقَوْلِهِ: فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ [الْبَقَرَة: ٣٣] لِتَكُونَ الْقِصَّةُ الْمَعْطُوفَةُ مَعْنُونَةً بِمِثْلِ عُنْوَانِ الْقِصَّةِ الْمَعْطُوفِ عَلَيْهَا إِشَارَةً إِلَى جَدَارَةِ الْمَعْطُوفَةِ بِأَنْ تكون قصَّة مَقْصُورَة غَيْرَ مُنْدَمِجَةٍ فِي الْقِصَّةِ الَّتِي قَبْلَهَا.
QS 2:34 (jilid 1 hlm. 421) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 421 · #108905
ّةِ الْمَعْطُوفِ عَلَيْهَا إِشَارَةً إِلَى جَدَارَةِ الْمَعْطُوفَةِ بِأَنْ تكون قصَّة مَقْصُورَة غَيْرَ مُنْدَمِجَةٍ فِي الْقِصَّةِ الَّتِي قَبْلَهَا. وَغُيِّرَ أُسْلُوبُ إِسْنَادِ الْقَوْلِ إِلَى اللَّهِ فَأُتِيَ بِهِ مُسْنَدًا إِلَى ضَمِيرِ الْعَظَمَةِ وَإِذْ قُلْنا وَأَتَى بِهِ فِي الْآيَةِ السَّابِقَةِ مُسْنَدًا إِلَى رَبِّ النَّبِيءِ وَإِذْ قالَ رَبُّكَ [الْبَقَرَة: ٣٠] لِلتَّفَنُّنِ وَلِأَنَّ الْقَوْلَ هُنَا تَضَمَّنَ أَمْرًا بِفِعْلٍ فِيهِ غَضَاضَةٌ عَلَى الْمَأْمُورِينَ فَنَاسَبَهُ إِظْهَارُ عَظَمَةِ الْآمِرِ، وَأَمَّا القَوْل السَّابِق بِمُجَرَّد إِعْلَامٍ مِنَ اللَّهِ بِمُرَادِهِ لِيُظْهِرَ رَأْيَهُمْ، وَلِقَصْدِ اقْتِرَانِ الِاسْتِشَارَةِ بِمَبْدَأِ تَكْوِينِ الذَّاتِ الْأَوْلَى مِنْ نَوْعِ الْإِنْسَانِ الْمُحْتَاجِ إِلَى التَّشَاوُرِ فَنَاسَبَهُ الْإِسْنَادُ إِلَى الْمَوْصُوفِ بِالرُّبُوبِيَّةِ الْمُؤْذِنَةِ بِتَدْبِيرِ شَأْنِ الْمَرْبُوبَيْنِ.
QS 2:34 (jilid 1 hlm. 421) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 421 · #108906
َانِ الْمُحْتَاجِ إِلَى التَّشَاوُرِ فَنَاسَبَهُ الْإِسْنَادُ إِلَى الْمَوْصُوفِ بِالرُّبُوبِيَّةِ الْمُؤْذِنَةِ بِتَدْبِيرِ شَأْنِ الْمَرْبُوبَيْنِ. وَأُضِيفَ إِلَى ضَمِيرِ أَشْرَفِ الْمَرْبُوبِينَ وَهُوَ النَّبِيءُ ﷺ كَمَا تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً. وَحَقِيقَةُ السُّجُودِ طَأْطَأَةُ الْجَسَدِ أَوْ إِيقَاعُهُ عَلَى الْأَرْضِ بِقَصْدِ التَّعْظِيمِ لِمُشَاهَدٍ بِالْعِيَانِ كَالسُّجُودِ لِلْمَلِكِ وَالسَّيِّدِ وَالسُّجُودِ لِلْكَوَاكِبِ، قَالَ تَعَالَى: وَخَرُّوا لَهُ سُجَّداً [يُوسُف: ١٠٠] ، وَقَالَ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ [فصلت: ٣٧] وَقَالَ الْأَعْشَى: فَلَمَّا أَتَانَا بُعَيْدَ الْكَرَى ... سَجَدْنَا لَهُ وَخَلَعْنَا الْعَمَارَا وَقَالَ أَيْضًا: يُرَاوِحُ مِنْ صَلَوَاتِ الْمَلِي ...
QS 2:34 (jilid 1 hlm. 421) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 421 · #108907
الَ الْأَعْشَى: فَلَمَّا أَتَانَا بُعَيْدَ الْكَرَى ... سَجَدْنَا لَهُ وَخَلَعْنَا الْعَمَارَا وَقَالَ أَيْضًا: يُرَاوِحُ مِنْ صَلَوَاتِ الْمَلِي ... كِ طَوْرًا سُجُودًا وَطَوْرًا جُؤَارَا أَوْ لِمُشَاهَدٍ بِالتَّخَيُّلِ وَالِاسْتِحْضَارِ وَهُوَ السُّجُودُ لِلَّهِ، قَالَ تَعَالَى: فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا [النَّجْم: ٦٢] . وَالسُّجُودُ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الصَّلَاةِ فِي الْإِسْلَامِ. وَأَمَّا سُجُودُ الْمَلَائِكَةِ فَهُوَ تَمْثِيلٌ لِحَالَةٍ فِيهِمْ تَدُلُّ عَلَى تَعْظِيمٍ، وَقَدْ جَمَعَ مَعَانِيَهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ مِنْ دابَّةٍ وَالْمَلائِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ [النَّحْل: ٤٩] .
QS 2:34 (jilid 1 hlm. 422) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 422 · #108908
قَوْلُهُ تَعَالَى: وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ مِنْ دابَّةٍ وَالْمَلائِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ [النَّحْل: ٤٩] . فَكَانَ السُّجُودُ أَوَّلَ تَحِيَّةٍ تَلَقَّاهَا الْبَشَرُ عِنْدَ خَلْقِ الْعَالِمِ. وَقَدْ عُرِفَ السُّجُودُ مُنْذُ أَقْدَمِ عُصُورِ التَّارِيخِ فقد وجد عى الْآثَارِ الْكِلْدَانِيَّةِ مُنْذُ الْقَرْنِ التَّاسِعَ عَشَرَ قَبْلَ الْمَسِيحِ صُورَةُ حَمُورَابِي مَلِكِ كِلْدِيَةَ رَاكِعًا أَمَامَ الشَّمْسِ، وَوُجِدَتْ عَلَى الْآثَارِ الْمِصْرِيَّةِ صُوَرُ أَسْرَى الْحَرْبِ سُجَّدًا لِفِرْعَوْنَ، وَهَيْآتُ السُّجُودِ تَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْعَوَائِدِ. وَهَيْئَةُ سُجُودِ الصَّلَاةِ مُخْتَلِفَةٌ بِاخْتِلَافِ الْأَدْيَانِ.
QS 2:34 (jilid 1 hlm. 422) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 422 · #108909
جَّدًا لِفِرْعَوْنَ، وَهَيْآتُ السُّجُودِ تَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْعَوَائِدِ. وَهَيْئَةُ سُجُودِ الصَّلَاةِ مُخْتَلِفَةٌ بِاخْتِلَافِ الْأَدْيَانِ. وَالسُّجُودُ فِي صَلَاةِ الْإِسْلَامِ الْخُرُورُ عَلَى الْأَرْضِ بِالْجَبْهَةِ وَالْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ. وَتَعْدِيَةُ اسْجُدُوا لِاسْمِ آدَمَ بِاللَّامِ دَالٌّ عَلَى أَنَّهُمْ كُلِّفُوا بِالسُّجُودِ لِذَاتِهِ وَهُوَ أَصْلُ دَلَالَةِ لَامِ التَّعْلِيلِ إِذَا عُلِّقَ بِمَادَّةِ السُّجُودِ مِثْلَ قَوْلِهِ تَعَالَى: فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا [النَّجْم:
QS 2:34 (jilid 1 hlm. 422) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 422 · #108910
هِ وَهُوَ أَصْلُ دَلَالَةِ لَامِ التَّعْلِيلِ إِذَا عُلِّقَ بِمَادَّةِ السُّجُودِ مِثْلَ قَوْلِهِ تَعَالَى: فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا [النَّجْم: ٦٢] وَقَوْلِهِ: لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ [فصلت: ٣٧] وَلَا يُعَكِّرُ عَلَيْهِ أَنَّ السُّجُودَ فِي الْإِسْلَامِ لِغَيْرِ اللَّهِ مُحَرَّمٌ لِأَنَّ هَذَا شَرْعٌ جَدِيدٌ نَسَخَ مَا كَانَ فِي الشَّرَائِعِ الْأُخْرَى وَلِأَنَّ سُجُودَ الْمَلَائِكَةِ مِنْ عَمَلِ الْعَالَمِ الْأَعْلَى وَلَيْسَ ذَلِكَ بِدَاخِلٍ تَحْتَ تَكَالِيفِ أَهْلِ الْأَرْضِ فَلَا طَائِلَ تَحْتَ إِطَالَةِ الْبَحْثِ فِي أَنَّ آدَمَ مَسْجُودٌ لَهُ أَوْ هُوَ قِبْلَةٌ لِلسَّاجِدِينَ كَالْكَعْبَةِ لِلْمُسْلِمِينَ، وَلَا حَاجَةَ إِلَى التَّكَلُّفِ بِجَعْلِ اللَّامِ بِمَعْنَى إِلَى مِثْلَهَا فِي قَوْلِ حَسَّانَ: أَلَيْسَ أَوَّلَ مَنْ صَلَّى لِقِبْلَتِكُمْ فَإِنَّ لِلضَّرُورَةِ أَحْكَامًا.
QS 2:34 (jilid 1 hlm. 422) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 422 · #108911
َلُّفِ بِجَعْلِ اللَّامِ بِمَعْنَى إِلَى مِثْلَهَا فِي قَوْلِ حَسَّانَ: أَلَيْسَ أَوَّلَ مَنْ صَلَّى لِقِبْلَتِكُمْ فَإِنَّ لِلضَّرُورَةِ أَحْكَامًا. لَا يُنَاسب أَن يُقَال بِهَا أَحْسَنُ الْكَلَامِ نِظَامًا. وَفِي هَذِهِ الْآيَةِ مَنْزَعٌ بَدِيعٌ لِتَعْظِيمِ شَأْنِ الْعِلْمِ وَجَدَارَةِ الْعُلَمَاءِ بِالتَّعْظِيمِ وَالتَّبْجِيلِ لِأَنَّ اللَّهَ لَمَّا عَلَّمَ آدَمَ عِلْمًا لَمْ يُؤَهِّلْ لَهُ الْمَلَائِكَةَ كَانَ قَدْ جَعَلَ آدَمَ أُنْمُوذَجًا (١) لِلْمُبْدَعَاتِ وَالْمُخْتَرَعَاتِ وَالْعُلُومِ الَّتِي ظَهَرَتْ فِي الْبَشَرِ مِنْ بَعْدُ وَالَّتِي سَتَظْهَرُ إِلَى فَنَاءِ هَذَا الْعَالَمِ.
QS 2:34 (jilid 1 hlm. 422) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 422 · #108912
ًا (١) لِلْمُبْدَعَاتِ وَالْمُخْتَرَعَاتِ وَالْعُلُومِ الَّتِي ظَهَرَتْ فِي الْبَشَرِ مِنْ بَعْدُ وَالَّتِي سَتَظْهَرُ إِلَى فَنَاءِ هَذَا الْعَالَمِ. وَقَرَأَ أَبُو جَعْفَرٍ فِي أَشْهَرِ الرِّوَايَةِ عَنْهُ (لِلْمَلَائِكَةُ اسْجُدُوا) بِضَمَّةٍ عَلَى التَّاءِ فِي حَالِ الْوَصْلِ عَلَى إِتْبَاعِ حَرَكَةِ التَّاءِ لِضَمَّةِ الْجِيمِ فِي (اسْجُدُوا) لِعَدَمِ الِاعْتِدَادِ بِالسَّاكِنِ الْفَاصِلِ بَيْنَ الْحَرْفَيْنِ لِأَنَّهُ حَاجِزٌ غَيْرُ حَصِينٍ، وَقِرَاءَتُهُ هَذِهِ رِوَايَةٌ وَهِيَ جَرَتْ عَلَى لُغَةٍ ضَعِيفَةٍ فِي مِثْلِ هَذَا فَلِذَلِكَ قَالَ الزَّجَّاجُ وَالْفَارِسِيُّ: هَذَا خَطَأٌ مِنْ أَبِي جَعْفَرٍ، وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لَا يَجُوزُ اسْتِهْلَاكُ الْحَرَكَةِ الْإِعْرَابِيَّةِ بِحَرَكَةِ الْإِتْبَاعِ إِلَّا فِي لُغَةٍ ضَعِيفَةٍ كَقِرَاءَةِ الْحَسَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ [الْفَاتِحَة: ٢]- بِكَسْرِ الدَّالِّ- قَالَ ابْنُ جِنِّي: وَإِنَّمَا يَجُوزُ هَذَا الَّذِي ذَهَبَ إِلَيْهِ
QS 2:34 (jilid 1 hlm. 423) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 423 · #108913
َةٍ كَقِرَاءَةِ الْحَسَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ [الْفَاتِحَة: ٢]- بِكَسْرِ الدَّالِّ- قَالَ ابْنُ جِنِّي: وَإِنَّمَا يَجُوزُ هَذَا الَّذِي ذَهَبَ إِلَيْهِ أَبُو جَعْفَرٍ إِذَا كَانَ مَا قَبْلَ الْهَمْزَةِ سَاكِنًا صَحِيحًا نَحْوَ: وَقالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فِي سُورَةِ يُوسُفَ [٣١] اهـ وَإِنَّمَا حَمَلُوا عَلَيْهِ هَذِهِ الْحَمْلَةَ لِأَنَّ قِرَاءَتَهُ مَعْدُودَةٌ فِي الْقِرَاءَاتِ الْمُتَوَاتِرَةِ فَمَا كَانَ يَحْسُنُ فِيهَا مِثْلُ هَذَا الشُّذُوذِ، وَإِنْ كَانَ شُذُوذًا فِي وُجُوهِ الْأَدَاءِ لَا يُخَالِفُ رَسْمَ الْمُصْحَفِ. وَعَطْفُ فَسَجَدُوا بِفَاءِ التَّعْقِيبِ يُشِيرُ إِلَى مُبَادَرَةِ الْمَلَائِكَةِ بِالِامْتِثَالِ وَلَمْ يَصُدَّهُمْ مَا كَانَ فِي نُفُوسِهِمْ مِنَ التَّخَوُّفِ مِنْ أَنْ يَكُونَ هَذَا الْمَخْلُوقُ مَظْهَرَ فَسَادٍ وَسَفْكِ دِمَاءٍ لِأَنَّهُمْ مُنَزَّهُونَ عَنِ الْمَعَاصِي.
QS 2:34 (jilid 1 hlm. 423) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 423 · #108914
نَ فِي نُفُوسِهِمْ مِنَ التَّخَوُّفِ مِنْ أَنْ يَكُونَ هَذَا الْمَخْلُوقُ مَظْهَرَ فَسَادٍ وَسَفْكِ دِمَاءٍ لِأَنَّهُمْ مُنَزَّهُونَ عَنِ الْمَعَاصِي. وَاسْتِثْنَاءُ إِبْلِيسَ مِنْ ضَمِيرِ الْمَلَائِكَةِ فِي فَسَجَدُوا اسْتِثْنَاءٌ مُنْقَطِعٌ لِأَنَّ إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنْ جِنْسِ الْمَلَائِكَةِ قَالَ تَعَالَى فِي سُورَةِ الْكَهْفِ [٥٠] إِلَّا إِبْلِيسَ كانَ مِنَ الْجِنِّ وَلَكِنَّ اللَّهَ جَعَلَ أَحْوَالَهُ كَأَحْوَالِ النُّفُوسِ الْمَلَكِيَّةِ بِتَوْفِيقٍ غَلَبَ عَلَى جِبِلَّتِهِ لِتَتَأَتَّى مُعَاشَرَتُهُ بِهِمْ وَسَيْرُهُ عَلَى سِيرَتِهِمْ فَسَاغَ اسْتِثْنَاءُ حَالِهِ مِنْ أَحْوَالِهِمْ فِي مَظِنَّةِ أَنْ يَكُونَ مُمَاثِلًا لِمَنْ هُوَ فِيهِمْ.
QS 2:34 (jilid 1 hlm. 423) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 423 · #108915
َرَتُهُ بِهِمْ وَسَيْرُهُ عَلَى سِيرَتِهِمْ فَسَاغَ اسْتِثْنَاءُ حَالِهِ مِنْ أَحْوَالِهِمْ فِي مَظِنَّةِ أَنْ يَكُونَ مُمَاثِلًا لِمَنْ هُوَ فِيهِمْ. وَقَدْ دَلَّتِ الْآيَةُ عَلَى أَنَّ إِبْلِيسَ كَانَ مَقْصُودًا فِي الْخَبَرِ الَّذِي أُخْبِرَ بِهِ الْمَلَائِكَةُ إِذْ قَالَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً [الْبَقَرَة: ٣٠] وَفِي الْأَمْرِ الَّذِي أَمَرَ بِهِ الْمَلَائِكَةَ إِذْ قَالَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِآدَمَ ذَلِكَ أَنَّ جِنْسَ الْمُجَرَّدَاتِ كَانَ فِي ذَلِكَ الْعَالَمِ مَغْمُورًا بِنَوْعِ الْمَلَكِ إِذْ خَلَقَ اللَّهُ مِنْ نَوْعِهِمْ أَفْرَادًا كَثِيرَةً كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ صِيغَةُ الْجَمْعِ فِي قَوْلِهِ: وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ [الْبَقَرَة: ٣٠] وَلَمْ يَخْلُقِ اللَّهُ مِنْ نَوْعِ الْجِنِّ إِلَّا أَصْلَهُمْ وَهُوَ إِبْلِيسُ، وَخَلَقَ مِنْ نَوْعِ الْإِنْسَانِ أَصْلَهُمْ وَهُوَ آدَمُ.
QS 2:34 (jilid 1 hlm. 423) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 423 · #108916
َرَة: ٣٠] وَلَمْ يَخْلُقِ اللَّهُ مِنْ نَوْعِ الْجِنِّ إِلَّا أَصْلَهُمْ وَهُوَ إِبْلِيسُ، وَخَلَقَ مِنْ نَوْعِ الْإِنْسَانِ أَصْلَهُمْ وَهُوَ آدَمُ. وَقَدْ أَقَامَ اللَّهُ إِبْلِيسَ بَيْنَ الْمَلَائِكَةِ إِقَامَةَ ارْتِيَاضٍ وَتَخَلُّقٍ وَسَخَّرَهُ لِاتِّبَاعِ سُنَّتِهِمْ فَجَرَى عَلَى ذَلِكَ السَّنَنِ أَمَدًا طَوِيلًا لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا اللَّهُ ثُمَّ ظَهَرَ مَا فِي نَوْعِهِ مِنَ الْخَبَثِ كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ فِي سُورَةِ الْكَهْفِ [٥٠] فَعَصَى رَبَّهُ حِينَ أَمَرَهْ بِالسُّجُودِ لِآدَمَ. وَإِبْلِيسُ اسْمُ الشَّيْطَانِ الْأَوَّلِ الَّذِي هُوَ مُوَلِّدُ الشَّيَاطِينِ، فَكَانَ إِبْلِيسُ لِنَوْعِ الشَّيَاطِينِ وَالْجِنِّ بِمَنْزِلَةِ آدَمَ لِنَوْعِ الْإِنْسَانِ.
QS 2:34 (jilid 1 hlm. 424) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 424 · #108917
ْطَانِ الْأَوَّلِ الَّذِي هُوَ مُوَلِّدُ الشَّيَاطِينِ، فَكَانَ إِبْلِيسُ لِنَوْعِ الشَّيَاطِينِ وَالْجِنِّ بِمَنْزِلَةِ آدَمَ لِنَوْعِ الْإِنْسَانِ. وَإِبْلِيسُ اسْمٌ مُعَرَّبٌ مِنْ لُغَةٍ غَيْرِ عَرَبِيَّةٍ لَمْ يُعَيِّنْهَا أَهْلُ اللُّغَةِ، وَلَكِنْ يَدُلُّ لِكَوْنِهِ مُعَرَّبًا أَنَّ الْعَرَبَ مَنَعُوهُ مِنَ الصَّرْفِ وَلَا سَبَبَ فِيهِ سِوَى الْعَلَمِيَّةِ وَالْعُجْمَةِ وَلِهَذَا جَعَلَ الزَّجَّاجُ هَمْزَتَهُ أَصْلِيَّةً، وَقَالَ وَزْنُهُ عَلَى فِعْلِيلَ.
QS 2:34 (jilid 1 hlm. 424) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 424 · #108918
لصَّرْفِ وَلَا سَبَبَ فِيهِ سِوَى الْعَلَمِيَّةِ وَالْعُجْمَةِ وَلِهَذَا جَعَلَ الزَّجَّاجُ هَمْزَتَهُ أَصْلِيَّةً، وَقَالَ وَزْنُهُ عَلَى فِعْلِيلَ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: هُوَ اسْمٌ عَرَبِيٌّ مُشْتَقٌّ مِنَ الْإِبْلَاسِ وَهُوَ الْبُعْدُ مِنَ الْخَيْرِ وَالْيَأْسُ مِنَ الرَّحْمَةِ وَهَذَا اشْتِقَاقٌ حَسَنٌ لَوْلَا أَنَّهُ يُنَاكِدُ مَنْعَهُ مِنَ الصَّرْفِ وَجَعَلُوا وَزْنَهُ إِفْعِيلَ لِأَنَّ هَمْزَتَهُ مَزِيدَةٌ وَقَدِ اعْتُذِرَ عَنْ مَنْعِهِ مِنَ الصَّرْفِ بِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَكُنْ لَهُ نَظِيرٌ فِي الْأَسْمَاءِ الْعَرَبِيَّةِ عُدَّ بِمَنْزِلَةِ الْأَعْجَمِيِّ وَهُوَ اعْتِذَارٌ رَكِيكٌ.
QS 2:34 (jilid 1 hlm. 424) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 424 · #108919
مِنَ الصَّرْفِ بِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَكُنْ لَهُ نَظِيرٌ فِي الْأَسْمَاءِ الْعَرَبِيَّةِ عُدَّ بِمَنْزِلَةِ الْأَعْجَمِيِّ وَهُوَ اعْتِذَارٌ رَكِيكٌ. وَأَكْثَرُ الَّذِينَ أَحْصَوُا الْكَلِمَاتِ الْمُعَرَّبَةَ فِي الْقُرْآنِ لَمْ يَعُدُّوا مِنْهَا اسْمَ إِبْلِيسَ لِأَنَّهُمْ لَمْ يتبينوا ذَلِك وصلاحية الِاسْمِ لِمَادَّةٍ عَرَبِيَّةٍ وَمُنَاسَبَتِهِ لَهَا. وَجُمَلُ أَبى وَاسْتَكْبَرَ وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ اسْتِئْنَافٌ بَيَانِيٌّ مُشِيرٌ إِلَى أَنَّ مُخَالَفَةَ حَالِهِ لِحَالِ الْمَلَائِكَةِ فِي السُّجُودِ لِآدَمَ، شَأْنُهُ أَنْ يُثِيرَ سُؤَالًا فِي نَفْسِ السَّامِعِ كَيْفَ لَمْ يَفْعَلْ إِبْلِيسُ مَا أُمِرَ بِهِ وَكَيْفَ خَالَفَ حَالَ جَمَاعَتِهِ وَمَا سَبَبُ ذَلِكَ لِأَنَّ مُخَالَفَتَهُ لِحَالَةِ مَعْشَرِهِ مُخَالَفَةٌ عَجِيبَةٌ إِذِ الشَّأْنُ الْمُوَافَقَةُ بَيْنَ الْجَمَاعَاتِ كَمَا قَالَ دُرَيْدُ بْنُ الصِّمَّةِ: وَهَلْ أَنَا إِلَّا مِنْ غَزِيَّةَ إِنْ غَوَتْ ...
QS 2:34 (jilid 1 hlm. 424) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 424 · #108920
عَجِيبَةٌ إِذِ الشَّأْنُ الْمُوَافَقَةُ بَيْنَ الْجَمَاعَاتِ كَمَا قَالَ دُرَيْدُ بْنُ الصِّمَّةِ: وَهَلْ أَنَا إِلَّا مِنْ غَزِيَّةَ إِنْ غَوَتْ ... غَوَيْتُ وَإِنْ تَرْشُدْ غَزِيَّةُ أَرْشَدِ فَبَيَّنَ السَّبَبَ بِأَنَّهُ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَفَرَ بِاللَّهِ. وَالْإِبَاءُ الِامْتِنَاعُ مِنْ فِعْلٍ أَوْ تَلَقِّيهِ. وَالِاسْتِكْبَارُ شِدَّةُ الْكِبْرِ وَالسِّينُ وَالتَّاءُ فِيهِ لِلْعَدِّ أَيْ عَدَّ نَفْسَهُ كَبِيرًا مِثْلَ اسْتَعْظَمَ وَاسْتَعْذَبَ الشَّرَابَ أَوْ يَكُونُ السِّينُ وَالتَّاءُ لِلْمُبَالَغَةِ مِثْلَ اسْتَجَابَ وَاسْتَقَرَّ فَمَعْنَى اسْتَكْبَرَ اتَّصَفَ بِالْكِبْرِ.
QS 2:34 (jilid 1 hlm. 424) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 424 · #108921
وَاسْتَعْذَبَ الشَّرَابَ أَوْ يَكُونُ السِّينُ وَالتَّاءُ لِلْمُبَالَغَةِ مِثْلَ اسْتَجَابَ وَاسْتَقَرَّ فَمَعْنَى اسْتَكْبَرَ اتَّصَفَ بِالْكِبْرِ. وَالْمَعْنَى أَنَّهُ اسْتَكْبَرَ عَلَى اللَّهِ بِإِنْكَارِ أَنْ يَكُونَ آدَمُ مُسْتَحِقًّا لِأَنْ يَسْجُدَ هُوَ لَهُ إِنْكَارًا عَنْ تَصْمِيمٍ لَا عَنْ مُرَاجَعَةٍ أَوِ اسْتِشَارَةٍ كَمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ آيَاتٌ أُخْرَى مِثْلُ قَوْلِهِ: قالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ [الْأَعْرَاف: ١٢] وَبِهَذَا الِاعْتِبَارِ خَالَفَ فِعْلُ إِبْلِيسَ قَوْلَ الْمَلَائِكَةِ حِينَ قَالُوا: أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ [الْبَقَرَة: ٣٠] ، لِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ عَلَى وَجْهِ التَّوَقُّفِ فِي الْحِكْمَةِ وَلِذَلِكَ قَالُوا:
QS 2:34 (jilid 1 hlm. 424) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 424 · #108922
ُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ [الْبَقَرَة: ٣٠] ، لِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ عَلَى وَجْهِ التَّوَقُّفِ فِي الْحِكْمَةِ وَلِذَلِكَ قَالُوا: وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ [الْبَقَرَة: ٣٠] فَإِبْلِيسُ بِإِبَائِهِ انْتَقَضَتِ الْجِبِلَّةُ الَّتِي جُبِلَ عَلَيْهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ، فَاسْتَحَالَتْ إِلَى جِبِلَّةٍ أُخْرَى عَلَى نَحْوِ مَا يَعْرِضُ مِنْ تَطَوُّرٍ لِلْعَاقِلِ حِينَ يَخْتَلُّ عَقْلُهُ وَلِلْقَادِرِ حِينَ تُشَلُّ بَعْضُ أَعْضَائِهِ، وَمِنَ الْعِلَلِ عِلَلٌ جُسْمَانِيَّةٌ وَمِنْهَا عِلَلٌ رُوحَانِيَّةٌ كَمَا قَالَ: فَكُنْتُ كَذِي رِجْلَيْنِ رِجْلٍ صَحِيحَةٍ ...
QS 2:34 (jilid 1 hlm. 424) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 424 · #108923
بَعْضُ أَعْضَائِهِ، وَمِنَ الْعِلَلِ عِلَلٌ جُسْمَانِيَّةٌ وَمِنْهَا عِلَلٌ رُوحَانِيَّةٌ كَمَا قَالَ: فَكُنْتُ كَذِي رِجْلَيْنِ رِجْلٍ صَحِيحَةٍ ... وَرِجْلٍ رَمَى فِيهَا الزَّمَانُ فَشَلَّتِ وَالِاسْتِكْبَارُ التَّزَايُدُ فِي الْكِبْرِ لِأَنَّ السِّينَ وَالتَّاءَ فِيهِ لِلْمُبَالَغَةِ لَا لِلطَّلَبِ كَمَا عَلِمْتَ، وَمِنْ لَطَائِفِ اللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ أَنَّ مَادَّةَ الِاتِّصَافِ بِالْكبرِ لم تجىء مِنْهَا إِلَّا بِصِيغَةِ الِاسْتِفْعَالِ أَوِ التَّفَعُّلِ إِشَارَةً إِلَى أَنَّ صَاحِبَ صِفَةِ الْكِبْرِ لَا يَكُونُ إِلَّا مُتَطَلِّبًا الْكِبْرَ أَوْ مُتَكَلِّفًا لَهُ وَمَا هُوَ بِكَبِيرٍ حَقًّا وَيَحْسُنُ هُنَا أَنْ نَذْكُرَ قَوْلَ أَبِي الْعَلَاءِ: عَلَوْتُمُ فَتَوَاضَعْتُمْ عَلَى ثِقَةٍ ...
QS 2:34 (jilid 1 hlm. 425) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 425 · #108924
َوْ مُتَكَلِّفًا لَهُ وَمَا هُوَ بِكَبِيرٍ حَقًّا وَيَحْسُنُ هُنَا أَنْ نَذْكُرَ قَوْلَ أَبِي الْعَلَاءِ: عَلَوْتُمُ فَتَوَاضَعْتُمْ عَلَى ثِقَةٍ ... لَمَّا تَوَاضَعَ أَقْوَامٌ عَلَى غَرَرِ وَحَقِيقَةُ الْكِبْرِ قَالَ فِيهَا حُجَّةُ الْإِسْلَامِ فِي كِتَابِ «الْإِحْيَاءِ» : الْكِبْرُ خُلُقٌ فِي النَّفْسِ وَهُوَ الِاسْتِرْوَاحُ وَالرُّكُونُ إِلَى اعْتِقَادِ الْمَرْءِ نَفْسَهُ فَوْقَ التَّكَبُّرِ عَلَيْهِ، فَإِنَّ الْكِبْرَ يَسْتَدْعِي مُتَكَبَّرًا عَلَيْهِ وَمُتَكَبَّرًا بِهِ وَبِذَلِكَ يَنْفَصِلُ الْكِبْرُ عَنِ الْعُجْبِ فَإِنَّ الْعُجْبَ لَا يَسْتَدْعِي غَيْرَ الْمُعْجَبِ وَلَا يَكْفِي أَنْ يَسْتَعْظِمَ الْمَرْءُ نَفْسَهُ لِيَكُونَ مُتَكَبِّرًا فَإِنَّهُ قَدْ يَسْتَعْظِمُ نَفْسَهُ وَلَكِنَّهُ يَرَى غَيْرَهُ أَعْظَمَ مِنْ نَفْسِهِ أَوْ مُمَاثِلًا لَهَا فَلَا يَتَكَبَّرُ عَلَيْهِ، وَلَا يَكْفِي أَنْ يَسْتَحْقِرَ غَيْرَهُ فَإِنَّهُ مَعَ ذَلِكَ لَوْ رَأَى نَفْسَهُ أَحْقَرَ لَمْ يَتَكَبَّرْ
QS 2:34 (jilid 1 hlm. 425) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 425 · #108925
َاثِلًا لَهَا فَلَا يَتَكَبَّرُ عَلَيْهِ، وَلَا يَكْفِي أَنْ يَسْتَحْقِرَ غَيْرَهُ فَإِنَّهُ مَعَ ذَلِكَ لَوْ رَأَى نَفْسَهُ أَحْقَرَ لَمْ يَتَكَبَّرْ وَلَوْ رَأَى غَيْرَهُ مِثْلَ نَفْسِهِ لَمْ يَتَكَبَّرْ بَلْ أَنْ يَرَى لِنَفْسِهِ مَرْتَبَةً وَلِغَيْرِهِ مَرْتَبَةً ثُمَّ يَرَى مَرْتَبَةَ نَفْسِهِ فَوْقَ مَرْتَبَةِ غَيْرِهِ، فَعِنْدَ هَذِهِ الِاعْتِقَادَاتِ الثَّلَاثَةِ يَحْصُلُ خُلُقُ الْكِبْرِ وَهَذِهِ الْعَقِيدَةُ تَنْفُخُ فِيهِ فَيَحْصُلُ فِي نَفْسِهِ اعْتِدَادٌ وَعِزَّةٌ وَفَرَحٌ وَرُكُونٌ إِلَى مَا اعْتَقَدَ، وَعَزَّ فِي نَفْسِهِ بِسَبَبِ ذَلِكَ فَتِلْكَ الْعِزَّةُ وَالْهِزَّةُ وَالرُّكُونُ إِلَى تِلْكَ الْعَقِيدَةِ هُوَ خُلُقُ الْكِبْرِ.
QS 2:34 (jilid 1 hlm. 425) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 425 · #108926
لَى مَا اعْتَقَدَ، وَعَزَّ فِي نَفْسِهِ بِسَبَبِ ذَلِكَ فَتِلْكَ الْعِزَّةُ وَالْهِزَّةُ وَالرُّكُونُ إِلَى تِلْكَ الْعَقِيدَةِ هُوَ خُلُقُ الْكِبْرِ. وَقَدْ كَانَتْ هَذِهِ الْآيَةُ وَنَظَائِرُهَا مَثَارَ اخْتِلَافٍ بَيْنَ عُلَمَاءِ أُصُولِ الْفِقْهِ فِيمَا تَقْتَضِيهِ دَلَالَةُ الِاسْتِثْنَاءِ مِنْ حُكْمٍ يَثْبُتُ لِلْمُسْتَثْنَى فَقَالَ الْجُمْهُورُ: الِاسْتِثْنَاءُ يَقْتَضِي اتِّصَافَ الْمُسْتَثْنَى بِنَقِيضِ مَا حَكَمَ بِهِ للمستثنى مِنْهُ فَلِذَلِكَ كَثُرَ الِاكْتِفَاءُ بِالِاسْتِثْنَاءِ دُونَ أَنْ يُتْبَعَ بِذَكَرِ حُكْمٍ مُعَيَّنٍ لِلْمُسْتَثْنَى سَوَاءً كَانَ الْكَلَامُ مُثْبَتًا أَوْ مَنْفِيًّا.
QS 2:34 (jilid 1 hlm. 425) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 425 · #108927
ُرَ الِاكْتِفَاءُ بِالِاسْتِثْنَاءِ دُونَ أَنْ يُتْبَعَ بِذَكَرِ حُكْمٍ مُعَيَّنٍ لِلْمُسْتَثْنَى سَوَاءً كَانَ الْكَلَامُ مُثْبَتًا أَوْ مَنْفِيًّا. وَيَظْهَرُ ذَلِكَ جَلِيًّا فِي كَلِمَةِ الشَّهَادَةِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ فَإِنَّهُ لَوْلَا إِفَادَةُ الِاسْتِثْنَاءِ أَنَّ الْمُسْتَثْنَى يَثْبُتُ لَهُ نَقِيضُ مَا حَكَمَ بِهِ لِلْمُسْتَثْنَى مِنْهُ لَكَانَتْ كَلِمَةُ الشَّهَادَةِ غَيْرَ مُفِيدَةٍ سِوَى نَفْيِ الْإِلَهِيَّةِ عَمَّا عَدَا اللَّهَ فَتَكُونُ إِفَادَتُهَا الْوَحْدَانِيَّةَ لِلَّهِ بِالِالْتِزَامِ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ الِاسْتِثْنَاءُ مِنْ كَلَامٍ مَنْفِيٍّ يُثْبِتُ لِلْمُسْتَثْنَى نَقِيضَ مَا حَكَمَ بِهِ لِلْمُسْتَثْنَى مِنْهُ، وَالِاسْتِثْنَاءُ مِنْ كَلَامٍ مُثْبَتٍ لَا يُفِيدُ إِلَّا أَنَّ الْمُسْتَثْنَى يَثْبُتُ لَهُ نَقِيضُ الْحُكْمِ لَا نَقِيضُ الْمَحْكُومِ بِهِ، فَالْمُسْتَثْنَى بِمَنْزِلَةِ الْمَسْكُوتِ عَنْ وَصْفِهِ،
QS 2:34 (jilid 1 hlm. 425) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 425 · #108928
ُ إِلَّا أَنَّ الْمُسْتَثْنَى يَثْبُتُ لَهُ نَقِيضُ الْحُكْمِ لَا نَقِيضُ الْمَحْكُومِ بِهِ، فَالْمُسْتَثْنَى بِمَنْزِلَةِ الْمَسْكُوتِ عَنْ وَصْفِهِ، فَعِنْدَ الْجُمْهُورِ الْمُسْتَثْنَى مُخْرَجٌ مِنَ الْوَصْفِ الْمَحْكُومِ بِهِ لِلْمُسْتَثْنَى مِنْهُ وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ الْمُسْتَثْنَى مُخْرَجٌ مِنَ الْحُكْمِ عَلَيْهِ فَهُوَ كَالْمَسْكُوتِ عَنْهُ. وَسَوَّى الْمُتَأَخِّرُونَ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ بَيْنَ الِاسْتِثْنَاءِ مِنْ كَلَامٍ مَنْفِيٍّ وَالِاسْتِثْنَاءِ مِنْ كَلَامٍ مُثْبَتٍ فِي أَنَّ كِلَيْهِمَا لَا يُفِيدُ الْمُسْتَثْنَى الِاتِّصَافَ بِنَقِيضِ الْمَحْكُومِ بِهِ لِلْمُسْتَثْنَى مِنْهُ وَهَذَا رَأْيٌ ضَعِيفٌ لَا تُسَاعِدُهُ اللُّغَةُ وَلَا مَوَارِدُ اسْتِعْمَالِهِ فِي الشَّرِيعَةِ.
QS 2:34 (jilid 1 hlm. 426) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 426 · #108929
َ بِنَقِيضِ الْمَحْكُومِ بِهِ لِلْمُسْتَثْنَى مِنْهُ وَهَذَا رَأْيٌ ضَعِيفٌ لَا تُسَاعِدُهُ اللُّغَةُ وَلَا مَوَارِدُ اسْتِعْمَالِهِ فِي الشَّرِيعَةِ. فَعَلَى رَأْيِ الْجُمْهُورِ تَكُونُ جُمْلَةُ أَبى وَاسْتَكْبَرَ اسْتِئْنَافًا بَيَانِيًّا، وَعَلَى رَأْيِ الْحَنَفِيَّةِ تَكُونُ بَيَانًا لِلْإِجْمَالِ الَّذِي اقْتَضَاهُ الِاسْتِثْنَاءُ وَلَا تَنْهَضُ مِنْهَا حُجَّةٌ تَقْطَعُ الْجِدَالَ بَيْنَ الْفَرِيقَيْنِ. وَجُمْلَةُ وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ مَعْطُوف عَلَى الْجُمَلِ الْمُسْتَأْنَفَةِ، وَ (كَانَ) لَا تُفِيدُ إِلَّا أَنَّهُ اتَّصَفَ بِالْكُفْرِ فِي زَمَنٍ مَضَى قَبْلَ زَمَنِ نُزُولِ الْآيَةِ، وَلَيْسَ الْمَعْنَى أَنَّهُ اتَّصَفَ بِهِ قَبْلَ امْتِنَاعِهِ مِنَ السُّجُودِ لِآدَمَ، وَقَدْ تَحَيَّرَ أَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ فِي بَيَانِ مَعْنَى الْآيَةِ مِنْ جِهَةِ حَمْلِهِمْ فِعْلَ (كَانَ) عَلَى الدِّلَالَةِ عَلَى الِاتِّصَافِ بِالْكُفْرِ فِيمَا مَضَى عَنْ وَقْتِ الِامْتِنَاعِ مِنَ
QS 2:34 (jilid 1 hlm. 426) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 426 · #108930
ِ مَعْنَى الْآيَةِ مِنْ جِهَةِ حَمْلِهِمْ فِعْلَ (كَانَ) عَلَى الدِّلَالَةِ عَلَى الِاتِّصَافِ بِالْكُفْرِ فِيمَا مَضَى عَنْ وَقْتِ الِامْتِنَاعِ مِنَ السُّجُودِ، وَمِنَ الْبَدِيهِيِّ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَوْمَئِذٍ فَرِيقٌ يُوصَفُ بِالْكَافِرِينَ فَاحْتَاجُوا أَنْ يَتَمَحَّلُوا بِأَنَّ إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ أَيْ فِي عِلْمِ اللَّهِ، وَتَمَحَّلَ بَعْضُهُمْ بِأَنَّ إِبْلِيسَ كَانَ مُظْهِرًا الطَّاعَةَ مُبْطِنًا الْكُفْرَ نِفَاقًا، وَاللَّهُ مُطَّلِعٌ عَلَى بَاطِنِهِ وَلَكِنَّهُ لَمْ يُخْبِرْ بِهِ الْمَلَائِكَةَ وَجَعَلُوا هَذَا الِاطِّلَاعَ عَلَيْهِ مِمَّا أَشَارَ إِلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ [الْبَقَرَة: ٣٠] وَكُلُّ ذَلِكَ تَمَحُّلٌ لَا دَاعِيَ إِلَيْهِ لِمَا عَلِمْتَ مِنْ أَنَّ فِعْلَ الْمُضِيِّ يُفِيدُ مُضِيَّ الْفِعْلِ قَبْلَ وَقْتِ التَّكَلُّمِ، وَأَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً الَّذِينَ جَعَلُوا كَانَ بِمَعْنَى صَارَ فَإِنَّهُ اسْتِعْمَالٌ مِنِ
QS 2:34 (jilid 1 hlm. 426) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 426 · #108931
ِّ يُفِيدُ مُضِيَّ الْفِعْلِ قَبْلَ وَقْتِ التَّكَلُّمِ، وَأَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً الَّذِينَ جَعَلُوا كَانَ بِمَعْنَى صَارَ فَإِنَّهُ اسْتِعْمَالٌ مِنِ اسْتِعْمَالِ فِعْلِ كَانَ قَالَ تَعَالَى: وَحالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ [هود: ٤٣] وَقَالَ: وَبُسَّتِ الْجِبالُ بَسًّا فَكانَتْ هَباءً مُنْبَثًّا [الْوَاقِعَة: ٥، ٦] وَقَوْلُ ابْنِ أَحْمَرَ: بِتَيْهَاءَ قَفْرِ وَالْمَطِيُّ كَأَنَّهَا ... قَطَا الْحَزْنِ قَدْ كَانَتْ فِرَاخًا بُيُوضُهَا أَيْ صَارَ كَافِرًا بِعَدَمِ السُّجُودِ لِأَنَّ امْتِنَاعَهُ نَشَأَ عَنِ اسْتِكْبَارِهِ عَلَى اللَّهِ وَاعْتِقَادِ أَنَّ مَا أُمِرَ بِهِ غَيْرُ جَارٍ عَلَى حَقِّ الْحِكْمَةِ وَقَدْ عَلِمْتَ أَنَّ الِانْقِلَابَ الَّذِي عَرَضَ لِإِبْلِيسَ فِي جِبِلَّتِهِ كَانَ انْقِلَابَ اسْتِخْفَافٍ بِحِكْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى فَلِذَلِكَ صَارَ بِهِ كَافِرًا صَرَاحًا.
QS 2:34 (jilid 1 hlm. 426) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 426 · #108932
ْقِلَابَ الَّذِي عَرَضَ لِإِبْلِيسَ فِي جِبِلَّتِهِ كَانَ انْقِلَابَ اسْتِخْفَافٍ بِحِكْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى فَلِذَلِكَ صَارَ بِهِ كَافِرًا صَرَاحًا. وَالَّذِي أَرَاهُ أَحْسَنَ الْوُجُوهِ فِي مَعْنَى وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ أَنَّ مُقْتَضَى الظَّاهِرِ أَنْ يَقُولَ وَكَفَرَ كَمَا قَالَ: أَبى وَاسْتَكْبَرَ فَعَدَلَ عَنْ مُقْتَضَى الظَّاهِرِ إِلَى وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ لِدَلَالَةِ (كَانَ) فِي مِثْلِ هَذَا الِاسْتِعْمَالِ عَلَى رُسُوخِ مَعْنَى الْخَبَرِ فِي اسْمِهَا، وَالْمَعْنَى أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَفَرَ كُفْرًا عَمِيقًا فِي نَفْسِهِ وَهَذَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى: فَأَنْجَيْناهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ [الْأَعْرَاف: ٨٣] ، وَكَقَوْلِهِ تَعَالَى: نَنْظُرْ أَتَهْتَدِي أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لَا يَهْتَدُونَ [النَّمْل: ٤١] دُونَ أَن يَقُول أم لَا تَهْتَدِيَ لِأَنَّهَا إِذَا رَأَتْ آيَةَ تَنْكِيرِ عَرْشِهَا وَلَمْ تَهْتَدِ كَانَتْ رَاسِخَةً فِي
QS 2:34 (jilid 1 hlm. 427) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 427 · #108933
يَهْتَدُونَ [النَّمْل: ٤١] دُونَ أَن يَقُول أم لَا تَهْتَدِيَ لِأَنَّهَا إِذَا رَأَتْ آيَةَ تَنْكِيرِ عَرْشِهَا وَلَمْ تَهْتَدِ كَانَتْ رَاسِخَةً فِي الِاتِّصَافِ بِعَدَمِ الِاهْتِدَاءِ، وَأَمَّا الْإِتْيَانُ بِخَبَرِ كانَ مِنَ الْكافِرِينَ دُونَ أَنْ يَقُولَ وَكَانَ كَافِرًا فَلِأَنَّ إِثْبَاتَ الْوَصْفِ لِمَوْصُوفٍ بِعُنْوَانِ كَوْنِ الْمَوْصُوفِ وَاحِدًا من جمَاعَة تثبت لَهُمْ ذَلِكَ الْوَصْفُ أَدَلُّ عَلَى شِدَّةِ تَمَكُّنِ الْوَصْفِ مِنْهُ مِمَّا لَوْ أَثْبَتَ لَهُ الْوَصْفَ وَحْدَهُ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْوَاحِدَ يَزْدَادُ تَمَسُّكًا بِفِعْلِهِ إِذَا كَانَ قَدْ شَارَكَهُ فِيهِ جَمَاعَةٌ لِأَنَّهُ بِمِقْدَارِ مَا يَرَى مِنْ كَثْرَةِ الْمُتَلَبِّسِينَ بِمِثْلِ فِعْلِهِ تَبْعُدُ نَفْسُهُ عَنِ التَّرَدُّدِ فِي سَدَادِ عَمَلِهَا وَعَلَيْهِ جَاءَ قَوْلُهُ تَعَالَى:
QS 2:34 (jilid 1 hlm. 427) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 427 · #108934
يَرَى مِنْ كَثْرَةِ الْمُتَلَبِّسِينَ بِمِثْلِ فِعْلِهِ تَبْعُدُ نَفْسُهُ عَنِ التَّرَدُّدِ فِي سَدَادِ عَمَلِهَا وَعَلَيْهِ جَاءَ قَوْلُهُ تَعَالَى: أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكاذِبِينَ [النَّمْل: ٢٧] وَقَوْلُهُ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ آنِفًا أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لَا يَهْتَدُونَ وَهُوَ دَلِيلٌ كَنَائِيٌّ وَاسْتِعْمَالٌ بَلَاغِيٌّ جَرَى عَلَيْهِ نَظْمُ الْآيَةِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ يَوْمَئِذٍ جَمْعٌ مِنَ الْكَافِرِينَ بَلْ كَانَ إِبْلِيسُ وَحِيدًا فِي الْكُفْرِ. وَهَذَا منزع انتزعه مِنْ تَتَبُّعِ مَوَارِدِ مِثْلِ هَذَا التَّرْكِيبِ فِي هَاتَيْنِ الْخُصُوصِيَّتَيْنِ خُصُوصِيَّةِ زِيَادَةِ (كَانَ) وَخُصُوصِيَّةِ إِثْبَاتِ الْوَصْفِ لِمَوْصُوفٍ بِعُنْوَانِ أَنَّهُ وَاحِدٌ مِنْ جَمَاعَةٍ مَوْصُوفِينَ بِهِ وَسَيَجِيءُ ذَلِك قَرِيبا عَن قَوْلِهِ تَعَالَى: وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ [الْبَقَرَة: ٤٣] .
QS 2:34 (jilid 1 hlm. 427) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 427 · #108935
ِ أَنَّهُ وَاحِدٌ مِنْ جَمَاعَةٍ مَوْصُوفِينَ بِهِ وَسَيَجِيءُ ذَلِك قَرِيبا عَن قَوْلِهِ تَعَالَى: وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ [الْبَقَرَة: ٤٣] . وَإِذْ لَمْ يَكُنْ فِي زَمَنِ امْتِنَاعِ إِبْلِيسَ مِنَ السُّجُودِ جَمْعٌ مِنَ الْكَافِرِينَ كَانَ قَوْلُهُ: وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ جَارِيًا عَلَى الْمُتَعَارَفِ فِي أَمْثَالِ هَذَا الْإِخْبَارِ الْكِنَائِيِّ. وَفِي هَذَا الْعُدُولِ عَنْ مُقْتَضَى الظَّاهِرِ مُرَاعَاةٌ لِمَا تَقْتَضِيهِ حُرُوفُ الْفَاصِلَةِ أَيْضًا، وَقَدْ رُتِّبَتِ الْأَخْبَارُ الثَّلَاثَةُ فِي الذِّكْرِ عَلَى حَسَبِ تَرْتِيبِ مَفْهُومَاتِهَا فِي الْوُجُودِ وَذَلِكَ هُوَ الْأَصْلُ فِي الْإِنْشَاءِ أَنْ يَكُونَ تَرْتِيبُ الْكَلَامِ مُطَابِقًا لِتَرْتِيبِ مَدْلُولَاتِ جُمَلِهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَلَمَّا جاءَتْ رُسُلُنا لُوطاً سِيءَ بِهِمْ وَضاقَ بِهِمْ ذَرْعاً وَقالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ [هود: ٧٧] وَقَدْ أَشَرْتُ إِلَى ذَلِكَ فِي كِتَابِي «أُصُولِ الْإِنْشَاء الخطابة» .
QS 2:34 (jilid 1 hlm. 427) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 427 · #108936
طاً سِيءَ بِهِمْ وَضاقَ بِهِمْ ذَرْعاً وَقالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ [هود: ٧٧] وَقَدْ أَشَرْتُ إِلَى ذَلِكَ فِي كِتَابِي «أُصُولِ الْإِنْشَاء الخطابة» .

Ayat yang dirujuk di sini

Potongan tafsir di atas mengutip ayat-ayat berikut (dideteksi dengan aturan teks ﴿…﴾, bukan model bahasa).

QS 18:50QS 2:30QS 2:33QS 6:44QS 2:32QS 11:43QS 12:96QS 15:29QS 37:158QS 38:72