dan orang-orang yang tidak mempersekutukan Allah dengan sembahan lain dan tidak membunuh orang yang diharamkan Allah kecuali dengan (alasan) yang benar, dan tidak berzina; dan barang siapa melakukan demikian itu, niscaya dia mendapat hukuman yang berat
﴾؛ إما بكفرٍ باللهِ بعدَ إسلامِها، أو زنًى بعدَ إحصانٍ، أو قتلِ نفسٍ، فتُقتَلُ بها، ﴿وَلَا يَزْنُونَ﴾ فيأتون ما حرَّم اللهُ عليهم إتيانَه من الفروجِ. ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ﴾. يقولُ: ومَن يأتِ هذه الأفعالَ فدعا مع اللهِ إلهًا آخرَ، وقتَل النفسَ التي حرَّم اللهُ بغيرِ الحقِّ، وزنَى - ﴿يَلْقَ أَثَامًا﴾. يقولُ: يَلْقَ مِن عقابِ اللهِ عقوبةً ونَكالًا، كما وصَفه ربُّنا جلَّ ثناؤُه، وهو أنه ﴿يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا﴾.
ومن "الأثامِ" قولُ بَلْعَاءَ بن قيسٍ الكنانيِّ:
جزَى اللهُ ابنَ عروةَ حيثُ أمسَى … عُقُوقًا والعقوقُ له أثامُ
يعنى بالأثامِ العقابَ.
وقد ذُكِر أن هذه الآيةَ نزَلت على رسولِ اللهِ ﷺ مِن أجلِ قومٍ من المشركين
أرادوا الدخولَ في الإسلامِ، ممَّن كان مِنه في شركِه هذه الذنوبُ، فخافوا ألَّا ينفَعَهم مع ما سلف منهم مِن ذلك إسلامٌ، فاستفتَوا رسولَ اللهِ ﷺ في ذلك، فأَنزَلَ اللهُ ﵎ هذه الآيةَ، يُعلِمُهم أن الله قابلٌ توبةَ مَن تاب مِنهم.
لَّا ينفَعَهم مع ما سلف منهم مِن ذلك إسلامٌ، فاستفتَوا رسولَ اللهِ ﷺ في ذلك، فأَنزَلَ اللهُ ﵎ هذه الآيةَ، يُعلِمُهم أن الله قابلٌ توبةَ مَن تاب مِنهم.
ذكرُ الروايةِ بذلك
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال: ثنى يَعْلَى بنُ مسلمٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ، أن ناسًا مِن أهلِ الشركِ قتَلوا فأكثَروا، فأتَوا محمدًا ﷺ، فقالوا: إن الذي تدعونا إليه لحسنٌ، لو تُخبِرُنا أنَّ لما عمِلنا كفارةً. فنزَلت: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ﴾. ونزَلت: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ إلى قولِه: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ [الزمر: ٥٣ - ٥٥].
ِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ إلى قولِه: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ [الزمر: ٥٣ - ٥٥]. قال ابن جريجٍ: وقال مجاهدٌ مثلَ قولِ ابن عباسٍ سواءً.
حدَّثنا عُبيدُ اللهِ بنُ محمدٍ الفِرْيابيُّ، قال: ثنا سفيانُ، عن أبي معاويةَ، عن أبي عمرٍو الشيبانيِّ، عن عبد اللهِ، قال: سألتُ النبيَّ ﷺ: ما الكبائرُ؟ قال: "أنْ تَدْعُو للهِ نِدًّا وَهُوَ خَلَقَكَ، وأنْ تَقْتُلَ وَلَدَكَ مِنْ أجْلِ أن يأكُلَ مَعَكَ، و أَنْ تَزْنِي بِحَليلَةِ جارِكَ". وقرَأ علينا رسولُ اللهِ ﷺ مِن كتابِ اللهِ: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ
اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ﴾.
حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا أبو عامرٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن الأعمشِ ومنصورٍ، عن أبي وائلٍ، عن عمرِو بن شُرَحْبِيلَ، عن عبدِ اللهِ، قال: قلتُ: يا رسولَ اللهِ، أَيُّ الذنبِ أعظمُ؟
أبو عامرٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن الأعمشِ ومنصورٍ، عن أبي وائلٍ، عن عمرِو بن شُرَحْبِيلَ، عن عبدِ اللهِ، قال: قلتُ: يا رسولَ اللهِ، أَيُّ الذنبِ أعظمُ؟ قال: "أَنْ تَجْعَلَ للهِ نِدًّا وَهُوَ خَلَقَكَ". قلتُ: ثم أيٌّ؟ قال: "أَنْ تَقْتُلَ وَلَدَكَ خَشْيَةَ أنْ يأكُلَ مَعَكَ". قلتُ: ثم أيٌّ؟ قال: "ثُمَّ أَنْ تُزَانِيَ حَلِيلَةَ جارِكَ". فأنزَل اللهُ بتصديقِ قولِ النبيِّ ﷺ: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ﴾ الآية.
حدَّثنا سليمانُ بنُ عبدِ الجبارِ، قال: ثنا عليُّ بنُ قادمٍ، قال: ثنا أسباطُ بنُ نصرٍ الهَمْدانيُّ، عن منصورٍ، عن أبي وائلٍ، عن أبي ميسرةَ، عن عبدِ اللهِ بن مسعودٍ، عن النبيِّ ﷺ نحوَه.
حدَّثني عيسى بنُ عثمانَ بن عيسى الرَّمليُّ، قال: ثنا عمِّى يحيى بنُ عيسى، عن الأعمشِ، عن سفيانَ، عن عبدِ اللهِ، قال: جاء رجلٌ إلى النبيِّ ﷺ فقال: يا رسولَ اللهِ، أيُّ الذنبِ أكبرُ؟
الرَّمليُّ، قال: ثنا عمِّى يحيى بنُ عيسى، عن الأعمشِ، عن سفيانَ، عن عبدِ اللهِ، قال: جاء رجلٌ إلى النبيِّ ﷺ فقال: يا رسولَ اللهِ، أيُّ الذنبِ أكبرُ؟ ثم ذكَر نحوَه.
حدَّثني أحمدُ بنُ إسحاقَ الأهوازيُّ، قال: ثنا عامرُ بنُ مُدرِكٍ، قال: ثنا
السَّرِيُّ، يعنى ابنَ إسماعيلَ، قال: ثنا الشعبيُّ، عن مسروقٍ، قال: قال عبدُ اللهِ: خرَج رسولُ اللهِ ﷺ ذاتَ يومٍ، فاتَّبَعتُه، فجلَس على نَشَزٍ مِن الأَرضِ، وقعَدتُ أسفلَ منه، ووجهي حِيالَ ركبتيه، فاغتنَمتُ خلوتَه، فقلت: بأبي وأُمى يا رسولَ اللهِ، أيُّ الذنوبِ أكبرُ؟ قال: "أنْ تَدْعُوَ للهِ نِدًّا وَهُوَ خَلَقَكَ". قلتُ: ثم مَهْ؟ قال: "أنْ تَقْتُلَ وَلَدَكَ كَرَاهِيَةَ أَنْ يَطْعَمَ مَعَكَ". قلتُ: ثم مَهْ؟ قال: "أَنْ تُزانِيَ حَلِيلَةَ جارِكَ". قال: ثم تلا هذه الآيةَ: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾.
طْعَمَ مَعَكَ". قلتُ: ثم مَهْ؟ قال: "أَنْ تُزانِيَ حَلِيلَةَ جارِكَ". قال: ثم تلا هذه الآيةَ: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾. إلى آخرِ الآيةِ.
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا طَلْقُ بن غنَّامٍ، عن زائدةَ، عن منصورٍ، قال: ثنى سعيدُ بنُ جبيرٍ - أو حُدِّثتُ عن سعيدِ بن جُبيرٍ - أنّ عبدَ الرحمنِ بنَ أبْزى أمَره أن يسألَ ابنَ عباسٍ عن هاتين الآيتين؛ التي في "النساءِ": ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا﴾ [النساء: ٩٣] إلى آخرِ الآيةِ. والآيةِ التي في "الفرقانِ": ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا﴾. إلى: ﴿وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا﴾. قال ابن عباسٍ: إذا دخَل الرجلُ في الإسلامِ، وعلِم شرائعَه وأمرَه، ثم قتَل مؤمنًا متعمِّدًا فلا توبةَ له. والتي في "الفرقانِ"، لما أُنزِلت قال المشركون مِن أهلِ مكةَ: فقد عدَلنا باللهِ، وقتَلنا النفسَ التي حرَّم اللهُ بغيرِ الحقِّ، فما ينفَعُنا الإسلامُ؟ قال: فنزَلت: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ﴾.
قال المشركون مِن أهلِ مكةَ: فقد عدَلنا باللهِ، وقتَلنا النفسَ التي حرَّم اللهُ بغيرِ الحقِّ، فما ينفَعُنا الإسلامُ؟ قال: فنزَلت: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ﴾. قال: فمن تاب منهم قُبِل منه.
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، قال: ثني سعيدُ بنُ جبيرٍ - أو قال: حدَّثني الحكمُ، عن سعيدِ بن جبيرٍ - قال: أمَرنى عبدُ الرحمنِ بنُ أبزى، فقال: سلِ ابنَ عباسٍ عن هاتين الآيتين ما أمرُهما؛ عن الآيةِ التي في
"الفرقانِ": ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ الآية. والتي في "النساءِ": ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾. فسألتُ ابنَ عباسٍ عن ذلك، فقال: لما أنزَل اللهُ التي في "الفرقانِ"، قال مشركو أهلِ مكةَ: قد قتلنا النفس التي حرَّم اللهُ، ودعَونا مع اللهِ إِلهَا آخرَ. فقال: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا﴾ الآية.
ال مشركو أهلِ مكةَ: قد قتلنا النفس التي حرَّم اللهُ، ودعَونا مع اللهِ إِلهَا آخرَ. فقال: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا﴾ الآية. فهذه لأولئك، وأما التي في "النساءِ": ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ الآية. فإن الرجلَ إذا عرَف الإسلامَ، ثم قتَل مؤمنًا متعمِّدًا، فجزاؤُه جهنمُ، فلا توبةَ له. فذكرتُه لمجاهدٍ، فقال: إلَّا مَن نَدِم.
حدَّثنا محمدُ بنُ عوفٍ الطائيُّ، قال: ثنا أحمدُ بنُ خالدٍ الوَهْبيُّ، قال: ثنا شيبانُ، عن منصورِ بن المعتمرِ، قال: ثني سعيدُ بنُ جبيرٍ، قال: قال لى سعيدُ بنُ عبدِ الرحمنِ بن أبزَى: سلِ ابنَ عباسٍ عن هاتين الآيتين؛ عن قولِ اللهِ: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾. إلى: ﴿مَنْ تَابَ﴾. وعن قولِه: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا﴾ إلى آخرِ الآيةِ. قال: فسألتُ عنها ابنَ عباسٍ، فقال: أُنزِلت هذه الآية في "الفرقانِ" بمكةَ إلى قولِه: ﴿وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا﴾.
مِنًا مُتَعَمِّدًا﴾ إلى آخرِ الآيةِ. قال: فسألتُ عنها ابنَ عباسٍ، فقال: أُنزِلت هذه الآية في "الفرقانِ" بمكةَ إلى قولِه: ﴿وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا﴾. فقال المشركون: فما يغنى عنا الإسلامُ، وقد عدَلنا باللهِ، وقتلَنا النفسَ التي حرَّم اللهُ، وأتَينا الفواحشَ؟ قال: فأنزَل اللهُ: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا
صَالِحًا﴾ إلى آخرِ الآيةِ. قال: وأما مَن دخَل في الإسلامِ وعَقَلَه، ثم قتَل، فلا توبةَ له.
حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا ابن أبى عديٍّ، عن شعبةَ، عن أبي بشرٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ، قال في هذه الآيةِ: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ الآية.
ال في هذه الآيةِ: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ الآية. قال: نزَلت في أهلِ الشركِ.
حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمدُ بن جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن منصورٍ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ، قال: أمَرنى عبدُ الرحمنِ بنُ أبزَى أن أسأَلَ ابنَ عباسٍ عن هذه الآيةِ: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾. فذكَر نحوَه.
حدَّثني عبدُ الكريمِ بنُ عميرٍ، قال: ثنا إبراهيمُ بنُ المنذرِ، قال: ثنا عيسى بن شعيبِ بن ثَوْبَانَ، مولًى لبنى الدِّيلِ من أهلِ المدينةِ، عن فُلَيحٍ الشَّماسِ، عن عبيدِ بن أبي عبيدٍ، عن أبي هريرةَ، قال: صلَّيتُ مع رسولِ اللهِ ﷺ العَتَمةَ، ثم انصرَفتُ، فإذا امرأةٌ عند بابي، ثم سلَّمتُ، ففتحتُ ودخَلتُ، فبينا أنا في مسجدى أصلِّى، إذ نَقَرتِ البابَ، فأذِنتُ لها، فدخَلتْ، فقالت: إني جئتُك أسألُك عن عملٍ عمِلتُ؛ هل لى من توبةٍ. فقالت: إنى زنَيتُ وولدتُ، فقتَلتُه.
في مسجدى أصلِّى، إذ نَقَرتِ البابَ، فأذِنتُ لها، فدخَلتْ، فقالت: إني جئتُك أسألُك عن عملٍ عمِلتُ؛ هل لى من توبةٍ. فقالت: إنى زنَيتُ وولدتُ، فقتَلتُه. فقلتُ: لا، ولا نُعْمَةَ العينِ ولا كرامةَ. فقامت تدعو بالحسرةِ وتقولُ: يا حسرتاه، أَخُلِقَ هذا الحسنُ للنارِ؟ قال: ثم صليتُ مع رسولِ اللهِ ﷺ الصبحَ من تلك الليلةِ، ثم جلَسنا نَنتظِرُ الإذنَ عليه، فأذِن لنا،
فدخَلنا، ثم خرَج مَن وتخلَّفتُ، فقال: "ما لكَ يا أبا هريرةَ، أَلكَ حاجةٌ؟ ". فقلتُ له: يا رسولَ اللهِ، صلَّيتُ معك البارحةَ، ثم انصرَفتُ، وقصصتُ عليه ما قالت المرأةُ، فقال النبيُّ ﷺ: "ما قُلْتَ لَهَا؟ ". قال: قلتُ لها: لا واللهِ ولا نُعمة العينِ ولا كرامةَ. فقال رسولُ اللهِ ﷺ: "بِئْسَ مَا قُلْتَ، أَمَا كُنْتَ تَقْرأُ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ الآية ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا﴾؟
َهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ الآية ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا﴾؟ " فقال أبو هريرةَ: فخرَجتُ، فلم أترُكْ بالمدينةِ حصنًا ولا دارًا إلا وقفتُ عليها، فقلتُ: إن تكنْ فيكم المرأةُ التي جاءت أبا هريرةَ الليلةَ، فلْتأتِني ولْتُبشِرْ. فلما صلَّيتُ مع النبيِّ ﷺ العشاءَ، فإذا هي عندَ بابي، فقلتُ: أَبشرِى، فإني دخلتُ على النبيِّ فذكرتُ له ما قلتِ لى، وما قلتُ لك، فقال: "بئسَ ما قلتَ لها، أما كنتَ تقرَأُ هذه الآيةَ؟ ".
فإذا هي عندَ بابي، فقلتُ: أَبشرِى، فإني دخلتُ على النبيِّ فذكرتُ له ما قلتِ لى، وما قلتُ لك، فقال: "بئسَ ما قلتَ لها، أما كنتَ تقرَأُ هذه الآيةَ؟ ". فقرَأتُها عليها، فخرَّت ساجدةً، فقالت: الحمدُ للهِ الذي جعَل لى مَخْرجًا وتوبةً مما عمِلتُ، إن هذه الجاريةَ وابنَها حُرّانِ لوجهِ اللهِ، وإني قد تبتُ مما عمِلتُ.
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا جعفرُ بنُ سليمانَ، عن عمرِو بن مالكٍ، عن أبي الجوزاءِ، قال: اختلَفتُ إلى ابن عباسٍ ثلاثَ عشرةَ سنةً، فما شيءٌ من القرآنِ إلا سألتُه عنه، ورسولى يَختِلفُ إلى عائشةَ، فما سمِعتُه ولا
سمِعتُ أحدًا من العلماءِ يقولُ: إن الله يقولُ لذنبٍ: لا أغفِرُ.
وقال آخرون: هذه الآيةُ منسوخةٌ بالتي في "النساءِ".
ذكرُ مَن قال ذلك
َ، فما سمِعتُه ولا
سمِعتُ أحدًا من العلماءِ يقولُ: إن الله يقولُ لذنبٍ: لا أغفِرُ.
وقال آخرون: هذه الآيةُ منسوخةٌ بالتي في "النساءِ".
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني يونسُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: أخبَرني المغيرةُ بن عبدِ الرحمنِ الحِزاميُّ، عن أبي الزنادِ، عن خارجةَ بن زيدٍ، أنه دخَل على أبيه وعندَه رجلٌ من أهلِ العراقِ، وهو يسألُه عن هذه الآيةِ التي في "تَبارَكَ، الفرقان"، والتي في "النساءِ": ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا﴾ [النساء: ٩٣]. فقال زيدُ بن ثابتٍ: قد عرَفتُ الناسخةَ من المنسوخةِ، نسختْها التي في "النساءِ" بعدها بستةِ أشهرٍ.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال: قال الضحاكُ بنُ مزاحمٍ: هذه السورةٌ بينَها وبينَ "النساءِ": ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا﴾. ثمانى حججٍ.
وقال ابن جريجٍ: وأخبَرنى القاسمُ بنُ أبي بَزَّةَ، أنه سأل سعيدَ بنَ جبيرٍ: هل لمن قتَل مؤمنًا متعمدًا توبةٌ؟ فقال: لا. فقرَأ عليه هذه الآيةَ كلَّها.
وقال ابن جريجٍ: وأخبَرنى القاسمُ بنُ أبي بَزَّةَ، أنه سأل سعيدَ بنَ جبيرٍ: هل لمن قتَل مؤمنًا متعمدًا توبةٌ؟ فقال: لا. فقرَأ عليه هذه الآيةَ كلَّها. فقال سعيدُ بنُ جبيرٍ: قرَأتُها على ابن عباسٍ كما قرَأتَها عليَّ، فقال: هذه مكيةٌ، نسختْها آيةٌ مدنيةٌ، التي في سورةِ "النساءِ".
وقد أتينا على البيانِ عن الصوابِ من القول في هذه الآيةِ التي في سورةِ "النساءِ"، بما أغنى عن إعادتِه في هذا الموضعِ.
وبنحوِ الذي قُلنا في "الأثامِ" من القولِ قال أهلُ التأويلِ، إلا أنهم قالوا: ذلك عقابٌ يُعاقِبُ اللهُ به مَن أتى هذه الكبائرَ، بوادٍ في جهنمَ يُدعى أثامًا.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني أحمدُ بنُ المقدامِ، قال: ثنا المعتمرُ بن سليمانَ، قال: سمِعتُ أبي يحدِّثُ عن قتادةَ، عن أبي أيوبَ الأزديِّ، عن عبدِ اللهِ بن عمرٍو، قال: الأثامُ وادٍ في جهنمَ.
المقدامِ، قال: ثنا المعتمرُ بن سليمانَ، قال: سمِعتُ أبي يحدِّثُ عن قتادةَ، عن أبي أيوبَ الأزديِّ، عن عبدِ اللهِ بن عمرٍو، قال: الأثامُ وادٍ في جهنمَ.
حدَّثنا محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿يَلْقَ أَثَامًا﴾. قال: واديًا في جهنمَ.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ.
حدَّثنا ابن حميدٍ قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا الحسينُ، عن يزيدَ، عن
عكرِمةَ في قولِه: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا﴾. قال: واديًا في جهنمَ فيه الزُّناةُ.
حدَّثني العباسُ بنُ أبي طالبٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ زيادٍ، قال: ثنا شَرْقيُّ بنُ قُطاميٍّ، عن لقمانَ بن عامرٍ الخزاعيِّ، قال: جئتُ أبا أُمَامَةَ صُدَيَّ بنَ عجلانَ الباهليَّ، فقلتُ: حدَّثْني حديثًا سمِعتَه مِن رسولِ الله ﷺ.
ُّ بنُ قُطاميٍّ، عن لقمانَ بن عامرٍ الخزاعيِّ، قال: جئتُ أبا أُمَامَةَ صُدَيَّ بنَ عجلانَ الباهليَّ، فقلتُ: حدَّثْني حديثًا سمِعتَه مِن رسولِ الله ﷺ. قال: فدعا لى بطعامٍ، ثم قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ: "لو أن صخرةً زِنةَ عَشْرِ عَشراواتٍ قُذِفَ بِها مِنْ شَفِيرِ جَهَنَّمَ، ما بلَغتْ قعرَها خمسين خريفًا، ثم تَنتهِى إلى غَيٍّ وأثامٍ". قال: قلتُ: وما غيٌّ وأثامٌ؟ قال: "بِئران في أسفلِ جهنَّمَ، يَسيلُ فيهما صديدُ أهلِ النَّارِ، وهما اللذان ذكَر اللهُ في كتابِه: ﴿أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ [مريم: ٥٩]. وقولُه في "الفرقانِ": ﴿وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا﴾ ".
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿يَلْقَ أَثَامًا﴾. قال: الأثامُ الشرُّ.
وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا﴾ ".
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿يَلْقَ أَثَامًا﴾. قال: الأثامُ الشرُّ. وقال: سيَكْفِيك ما وراءَ ذلك: ﴿يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا﴾.
حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، قتادةَ في قولِه: ﴿يَلْقَ أَثَامًا﴾. قال: نكالًا. قال: ويقالُ إنه وادٍ في
جهنمَ.
حدَّثنا القاسمٌ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن هشيمٍ، قال: أخبَرنا زكريا بنُ أبى مريمَ، قال: سمِعتُ أبا أمامةَ الباهليَّ يقولُ: إن ما بينَ شفيرِ جهنمَ إلى قعرِها مسيرةَ سبعين خريفًا، بحجرٍ يهوِى فيها، أو بصخرةٍ تهوى، عُظْمُها كعَشْرِ عَشْراواتٍ سمانٍ. فقال له رجلٌ: فهل تحتَ ذلك مِن شيءٍ؟ قال: نعم؛ غيٌّ وأنامٌ.
قولُه: ﴿يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾. اختلَفتِ القرأةُ في قراءتِه؛ فقرَأته عامةُ قرأةِ الأمصارِ سوى عاصمٍ: ﴿يُضَاعَفْ﴾ جزمًا، ﴿وَيَخْلُدْ﴾ جزمًا.
َفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾. اختلَفتِ القرأةُ في قراءتِه؛ فقرَأته عامةُ قرأةِ الأمصارِ سوى عاصمٍ: ﴿يُضَاعَفْ﴾ جزمًا، ﴿وَيَخْلُدْ﴾ جزمًا. وقرَأه عاصمٌ: (يُضاعَفُ) رفعًا، (ويَخْلُدُ) رفعًا، كلاهما على الابتداءِ، وأنّ الكلامَ عندَه قد تناهَى عندَ ﴿يَلْقَ أَثَامًا﴾، ثم ابتدأ قولَه: (يُضَاعَفُ لهُ العَذابُ).
والصوابُ مِن القراءةِ عندَنا فيه جزمُ الحرفين كليهما: ﴿يُضَاعَفْ﴾، و ﴿يَخْلُدْ﴾، وذلك أنه تفسيرٌ لـ "الأثامِ" لا فعلٌ له، ولو كان فعلًا له كان الوجهُ فيه الرفعَ، كما قال الشاعرُ:
متى تأتِهِ تَعْشُو إلى ضوءِ نارِهِ … تَجِدْ خيرَ نارٍ عندَها خيرُ مُوقِدِ
فرفَع "تعشو"؛ لأنه فعلٌ لقولِه: تأتِهِ. معناه: متى تأتِهِ عاشيًا.
وقولُه: ﴿وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا﴾: ويبقى فيه إلى غيرِ نهايةٍ في هوانٍ.
وقولُه: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ومن يَفعَلْ هذه الأفعالَ التي ذكَرها جلّ ثناؤُه يَلْقَ أثَامًا، ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ﴾.
َنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ومن يَفعَلْ هذه الأفعالَ التي ذكَرها جلّ ثناؤُه يَلْقَ أثَامًا، ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ﴾. يقولُ: إلا مَن راجَع طاعةَ اللَّهِ ﵎ بتركِه ذلك، وإنابتِه إلى ما يرضاه اللَّهُ، ﴿وَآمَنَ﴾. يقولُ: وصدّق بما جاء به محمدٌ نبيُّ اللَّهِ، ﴿وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا﴾. يقولُ: وعمِل بما أمَره اللَّهُ مِن الأعمالِ، وانتهَى عما نهاه اللَّهُ عنه.
قولُه: ﴿فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾. اختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم: معناه: فأولئك يُبدِّلُهم اللَّهُ بقبائحِ أعمالِهم في الشركِ، محاسنَ الأعمالِ في الإسلامِ؛ فيُبدِّلُه بالشركِ إيمانًا، و [بقتلِ أهلِ الإيمانِ باللَّهِ قتْلَ أهلِ الشركِ] به، وبالزنى عفَّةً وإحصانًا.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾.
قال ذلك
حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾. قال: هم المؤمنون كانوا قبلَ إيمانِهم على السيئاتِ، فرغِب اللَّهُ بهم عن ذلك، فحوَّلهم إلى الحسناتِ، وأبدَلهم مكانَ السيئاتِ حسناتٍ.
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا﴾ إلى آخرِ الآيةِ. قال: هم الذين يتوبون فيعمَلون بالطاعةِ، فيبدِّلُ اللَّهُ سيئاتِهم حسناتٍ حينَ يتوبون.
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا يعقوبُ، [عن جعفرٍ]، عن سعيدٍ، قال: نزَلت: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ الآية. في وَحْشِيٍّ وأصحابِه، قالوا: كيف لنا بالتوبةِ، وقد عبَدنا الأوثانَ، وقتَلنا المؤمنين، ونكَحنا المشركاتِ؟ فأنزَل الله فيهم: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾.
ا لَهُ﴾ [الزمر: ٥٣، ٥٤]. يدْعوهم إلى الإسلامِ، فهاتان الآيتان مكيتان، والتي في (النساء): ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا﴾ [النساء: ٩٣] الآية. هذه مدنيةٌ، نزَلت بالمدينةِ، وبينَها وبينَ التي نزَلت في "الفرقانِ" ثمانى سنينَ، وهى مبهمةٌ ليس منها مَخرجٌ.
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا أبو تُمَيْلةَ، قال: ثنا أبو حمزةَ، عن جابرٍ، عن مجاهدٍ، قال: سُئل ابن عباسٍ عن قولِ اللَّهِ جلّ ثناؤُه: ﴿يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾. فقال:
بُدِّلنَ بعدَ [جِرَّةٍ صَرِيفا] … وبعدَ طولِ النَّفَسِ الوَجِيفا
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ - ﴿فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾. فقال المشركون: ولا واللَّهِ، ما كان هؤلاء الذين معَ محمدٍ إلا معنا. قال: فأنزَل اللَّهُ: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ﴾. قال: تاب من الشركِ ﴿وَآمَنَ﴾. قال: آمَن بعقابِ اللَّهِ ورسولِه، ﴿وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا﴾.
حمدٍ إلا معنا. قال: فأنزَل اللَّهُ: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ﴾. قال: تاب من الشركِ ﴿وَآمَنَ﴾. قال: آمَن بعقابِ اللَّهِ ورسولِه، ﴿وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا﴾. قال: صدَّق، ﴿فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾. قال: يُبدِّلُ اللَّهُ أعمالَهم السيئةَ التي كانت في الشركِ الأعمالَ الصالحةَ حينَ دخَلوا في الإيمانِ.
وقال آخرون: بل معنى ذلك: فأولئك يُبدِّلُ اللَّهُ سيئاتِهم في الدنيا حسناتٍ لهم يومَ القيامةِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني أحمدُ بنُ عمرٍو البصريُّ، قال: ثنا قريشُ بنُ أنسٍ أبو أنسٍ، قال: ثنى صالحُ بنُ رُستمَ، عن عطاءٍ الخراسانيِّ، عن سعيدِ بن المسيّبِ: ﴿فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾.
ُ بنُ أنسٍ أبو أنسٍ، قال: ثنى صالحُ بنُ رُستمَ، عن عطاءٍ الخراسانيِّ، عن سعيدِ بن المسيّبِ: ﴿فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾. قال: تصيرُ سيئاتُهم حسناتٍ لهم يومَ القيامةِ.
حدَّثنا الحسنُ بنُ عرفةَ، قال: ثنا محمدُ بنُ خازمٍ أبو معاويةَ، عن الأعمشِ، عن المعرورِ بن سويدٍ، عن أبي ذرٍّ، قال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ: "إنِّي لأعْرِفُ آخِرَ أهْلِ النَّارِ خُرُوجًا مِنَ النَّارِ، وآخِرَ أهْلِ النَّارِ دُخُولًا الجَنَّةَ". قال: "يُؤْتَى بِرجُلٍ يَوْمَ القِيامَةِ، فيُقالُ: نَحُّوا كِبارَ ذُنُوبِه وَسَلُوهُ عن صِغارِها". قال: "فيُقالُ لهُ: عَمِلْتَ كذا وكذا، [وعَمِلْتَ كذا وكذا]. . قال: "فَيَقُولُ: يا رَبِّ لقد عَمِلْتُ أشْياءَ ما أرَاها ههُنا". قال: فضحِك رسولُ اللَّهِ ﷺ حتى بدَت نَواجِذُه.
ْتَ كذا وكذا، [وعَمِلْتَ كذا وكذا]. . قال: "فَيَقُولُ: يا رَبِّ لقد عَمِلْتُ أشْياءَ ما أرَاها ههُنا". قال: فضحِك رسولُ اللَّهِ ﷺ حتى بدَت نَواجِذُه. قال: "فيُقَالُ له: لك مَكَانَ كُلِّ سيِّئةٍ حَسَنَةٌ".
قال أبو جعفرٍ: وأولَى التأويلين بالصوابِ في ذلك تأويلُ مَن تأوَّله: ﴿فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ﴾: أعمالَهم في الشركِ، ﴿حَسَنَاتٍ﴾ في الإسلامِ؛ بنقلِهم عمّا يَسخَطُه اللَّهُ مِن الأعمالِ إلى ما يَرضَى.
وإنما قلنا: ذلك أولى بتأويلِ الآيةِ؛ لأن الأعمالَ السيئةَ قد كانت مضَت على ما كانت عليه من القُبحِ، وغيرُ جائزٍ تحويلُ عينٍ قد مضَت بصفةٍ، إلى خلافِ ما كانت عليه، إلا بتغييرِها عمَّا كانت عليه من صفَتِها في حالٍ أُخرى، فيجِبُ إن فعَل ذلك كذلك، أن يصيرَ شركُ الكافرِ الذي كان شركًا في الكفرِ بعينِه إيمانًا يومَ القيامةِ بالإسلامِ، ومعاصيه كلُّها بأعيانِها طاعةً، وذلك ما لا يقولُه ذو حجًا.
وقولُه: ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾.
لكفرِ بعينِه إيمانًا يومَ القيامةِ بالإسلامِ، ومعاصيه كلُّها بأعيانِها طاعةً، وذلك ما لا يقولُه ذو حجًا.
وقولُه: ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وكان اللَّهُ ذا عفوٍ عن ذنوبِ مَن تاب مِن عبادِه وراجَع طاعتَه، وذا رحمةٍ به أن يعاقِبَه على ذنوبِه بعدَ توبتِه منها.
قولُه: ﴿وَمَنْ تَابَ﴾. يقولُ: ومن تاب من المشركين، فآمَن باللَّهِ ورسولِه، ﴿وَعَمِلَ صَالِحًا﴾. يقولُ: وعمِل بما أمَره اللَّهُ فأطاعه، فإن اللَّهَ فاعلٌ به من إبدالِه سَيِّئَ أعمالِه في الشركِ بحسَنِها في الإسلامِ، مثلَ الذي فعَل مِن ذلك بمن تاب وآمَن وعَمِل صالحًا قبلَ نزولِ هذه الآيةِ من أصحابِ رسولِ الله ﷺ.
وبنحوِ الذي قلنا في تأويلِ ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا﴾.
قال ذلك
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا﴾. قال: هذا للمشركين الذين قالوا لما أُنزِلت: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ إلى قولِه: ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ لأصحابِ رسولِ اللَّهِ ﷺ: ما كان هؤلاء إلا معنا. قال: ﴿وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ فإن لهم مثلَ ما لهؤلاء، ﴿فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا﴾؛ لم تُحظَرِ التوبةُ عليكم.
الله ﷺ أي: الذنب أكبر؟ قال: "أن تَجعل لله ندًا وهو خلقك". قال: ثم أي؟ قال: "أن تقتل ولدك خشية أن يَطْعم معك". قال: ثم أي؟ قال: "أن تزاني
حليلة جارك". قال عبد الله: وأنزل الله تصديق ذلك: (وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا).
وهكذا رواه النسائي عن هَنَّاد بن السري، عن أبي معاوية، به.
وقد أخرجه البخاري ومسلم، من حديث الأعمش ومنصور -زاد البخاري: وواصل -ثلاثتهم عن أبي وائل، شقيق بن سلمة، عن أبي مَيْسَرة عمرو بن شرحبيل، عن ابن مسعود، به، فالله أعلم، ولفظهما عن ابن مسعود قال: قلت: يا رسول الله، أي الذنب أعظم؟
عن أبي وائل، شقيق بن سلمة، عن أبي مَيْسَرة عمرو بن شرحبيل، عن ابن مسعود، به، فالله أعلم، ولفظهما عن ابن مسعود قال: قلت: يا رسول الله، أي الذنب أعظم؟ الحديث.
طريق غريب: وقال ابن جرير: حدثنا أحمد بن إسحاق الأهوازي، حدثنا عامر بن مُدْرِك، حدثنا السري -يعني ابن إسماعيل -حدثنا الشعبي، عن مسروق قال: قال عبد الله: خرج رسول الله ﷺ ذات يوم فاتبعته، فجلس على نَشَز من الأرض، وقعدت أسفل منه، ووجهي حيال ركبتيه، واغتنمت خلوته وقلت: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، أي الذنوب أكبر؟ قال: "أن تدعو لله ندًا وهو خلقك". قلت: ثم مه؟ قال: "أن تقتل ولدك كراهية أن يطعم معك". قلت: ثم مه؟ قال: "أن تزاني حليلة جارك". ثم قرأ: (وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ).
ثم مه؟ قال: "أن تقتل ولدك كراهية أن يطعم معك". قلت: ثم مه؟ قال: "أن تزاني حليلة جارك". ثم قرأ: (وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ). [إلى آخر] الآية.
وقال النسائي: حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا جرير، عن منصور، عن هلال بن يَسَاف، عن سلمة بن قيس قال: قال رسول الله ﷺ في حجة الوداع: "ألا إنما هي أربع -فما أنا بأشح عليهن مني منذ سمعتهن من رسول الله ﷺ: لا تشركوا بالله شيئا، ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق، ولا تزنوا، ولا تسرقوا".
وقال الإمام أحمد: حدثنا علي بن المديني، ﵀، حدثنا محمد بن فضيل بن غَزْوان، حدثنا محمد بن سعد الأنصاري، سمعت أبا طيبة الكَلاعي، سمعت المقداد بن الأسود، ﵁، يقول: قال رسول الله ﷺ لأصحابه: "ما تقولون في الزنى"؟ قالوا: حَرّمه الله ورسوله، فهو حَرَام إلى يوم القيامة، فقال رسول الله ﷺ لأصحابه: "لأن يزني الرجل بعشر نسوة أيسر عليه من أن يزني بامرأة جاره". قال: "ما تقولون في السرقة"؟ قالوا: حرمها الله ورسوله، فهي حرام.
قال رسول الله ﷺ لأصحابه: "لأن يزني الرجل بعشر نسوة أيسر عليه من أن يزني بامرأة جاره". قال: "ما تقولون في السرقة"؟ قالوا: حرمها الله ورسوله، فهي حرام. قال: "لأن يسرق الرجل من عشرة أبيات أيسر عليه من أن يسرق من جاره".
وقال أبو بكر بن أبي الدنيا: حدثنا عمار بن نصر، حدثنا بَقيَّة، عن أبي بكر بن أبي مريم، عن الهيثم بن مالك الطائي عن النبي ﷺ: قال: "ما من ذنب بعد الشرك أعظم عند الله من نُطفة وضعها رجل في رَحِم لا يحل له".
وقال ابن جُرَيج: أخبرني يعلى، عن سعيد بن جبير أنه سمعه يحدث عن ابن عباس: أن ناسا من أهل الشرك قتلوا فأكثروا، وزَنَوا فأكثروا، ثم أتوا محمدًا ﷺ فقالوا: إن الذي تقول وتدعو إليه لحسن، لو تخبرنا أن لما عملنا كفارة، فنزلت: (وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ)، ونزلت: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ
لْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ)، ونزلت: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا [إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ]﴾ [الزمر: ٥٣].
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا ابن أبي عمر، حدثنا سفيان، عن عمرو، عن أبي فَاخِتة قال: قال رسول الله ﷺ لرجل: "إن الله ينهاك أن تعبد المخلوق وتدع الخالق، وينهاك أن تقتل ولدك وتغذو كلبك، وينهاك أن تزني بحليلة جارك". قال سفيان: وهو قوله: (وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ).
وقوله: (وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا). روي عن عبد الله بن عمرو أنه قال: (أَثَامًا) واد في جهنم.
وقال عكرمة: (يَلْقَ أَثَامًا) أودية في جهنم يعذب فيها الزناة.
ْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا). روي عن عبد الله بن عمرو أنه قال: (أَثَامًا) واد في جهنم.
وقال عكرمة: (يَلْقَ أَثَامًا) أودية في جهنم يعذب فيها الزناة. وكذا رُوي عن سعيد بن جبير، ومجاهد.
وقال قتادة: (يَلْقَ أَثَامًا) نكالا كنا نحدث أنه واد في جهنم.
وقد ذكر لنا أن لقمان كان يقول: يا بني، إياك والزنى، فإن أوله مخافة، وآخره ندامة.
وقد ورد في الحديث الذي رواه ابن جرير وغيره، عن أبي أمامة الباهلي -موقوفا ومرفوعا -أن "غيا" و"أثاما" بئران في قعر جهنم أجارنا الله منها بمنه وكرمه.
وقال السدي: (يَلْقَ أَثَامًا): جزاء.
وهذا أشبه بظاهر الآية؛ ولهذا فسره بما بعده مبدلا منه، وهو قوله: (يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) أي: يكرر عليه ويغلظ، (وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا) أي: حقيرا ذليلا.
وقوله: (إِلا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ [عَمَلا] صَالِحًا) أي: جزاؤه على ما فعل من هذه الصفات القبيحة ما ذكر (إِلا مَنْ تَابَ) في الدنيا إلى الله من جميع ذلك، فإن الله يتوب عليه.
نَ وَعَمِلَ [عَمَلا] صَالِحًا) أي: جزاؤه على ما فعل من هذه الصفات القبيحة ما ذكر (إِلا مَنْ تَابَ) في الدنيا إلى الله من جميع ذلك، فإن الله يتوب عليه.
وفي ذلك دلالة على صحة توبة القاتل، ولا تعارض بين هذه وبين آية النساء: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٩٣] فإن هذه
وإن كانت مدنية إلا أنها مطلقة، فتحمل على من لم يتب، لأن هذه مقيدة بالتوبة، ثم قد قال [الله] تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨،١١٦].
وقد ثبتت السنة الصحيحة، عن رسول الله ﷺ بصحة توبة القاتل، كما ذكر مقررا من قصة الذي قتل مائة رجل ثم تاب، وقبل منه، وغير ذلك من الأحاديث.
وقوله: (فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا): في معنى قوله: (يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ) قولان:
َئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا): في معنى قوله: (يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ) قولان:
أحدهما: أنهم بدلوا مكان عمل السيئات بعمل الحسنات. قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله: (فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ) قال: هم المؤمنون، كانوا من قبل إيمانهم على السيئات، فرغب الله بهم عن ذلك فحوَّلهم إلى الحسنات، فأبدلهم مكان السيئات الحسنات.
وروى مجاهد، عن ابن عباس أنه كان ينشد عند هذه الآية:
بُدّلْنَ بَعْدَ حَرِّهِ خَريفا … وَبَعْدَ طُول النَّفَس الوَجيفَا
يعني: تغيرت تلك الأحوال إلى غيرها.
وقال عطاء بن أبي رباح: هذا في الدنيا، يكون الرجل على هيئة قبيحة، ثم يبدله الله بها خيرا.
وقال سعيد بن جبير: أبدلهم بعبادة الأوثان عبادة الله، وأبدلهم بقتال المسلمين قتالا مع المسلمين للمشركين، وأبدلهم بنكاح المشركات نكاح المؤمنات.
ها خيرا.
وقال سعيد بن جبير: أبدلهم بعبادة الأوثان عبادة الله، وأبدلهم بقتال المسلمين قتالا مع المسلمين للمشركين، وأبدلهم بنكاح المشركات نكاح المؤمنات.
وقال الحسن البصري: أبدلهم الله بالعمل السيئ العمل الصالح، وأبدلهم بالشرك إخلاصا، وأبدلهم بالفجور إحصانا وبالكفر إسلاما.
وهذا قول أبي العالية، وقتادة، وجماعة آخرين.
والقول الثاني: أن تلك السيئات الماضية تنقلب بنفس التوبة النصوح حسنات، وما ذاك إلا أنه كلما تذكر ما مضى ندم واسترجع واستغفر، فينقلب الذنب طاعة بهذا الاعتبار.
الثاني: أن تلك السيئات الماضية تنقلب بنفس التوبة النصوح حسنات، وما ذاك إلا أنه كلما تذكر ما مضى ندم واسترجع واستغفر، فينقلب الذنب طاعة بهذا الاعتبار. فيوم القيامة وإن وجده مكتوبا عليه لكنه لا يضره وينقلب حسنة في صحيفته، كما ثبتت السنة بذلك، وصحت به الآثار المروية عن السلف، رحمهم الله تعالى -وهذا سياق الحديث -قال الإمام أحمد:
حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن المعرور بن سُوَيْد، عن أبي ذر، ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: "إني لأعرف آخر أهل النار خروجا من النار، وآخر أهل الجنة دخولا إلى الجنة: يؤتى برجل فيقول: نَحّوا كبار ذنوبه وسلوه عن صغارها، قال: فيقال له: عملت يوم كذا وكذا كذا، وعملت يوم كذا وكذا كذا؟ فيقول: نعم -لا يستطيع أن ينكر من ذلك شيئا -
فيقال: فإن لك بكل سيئة حسنة. فيقول: يا رب، عملت أشياء لا أراها هاهنا". قال: فضحك رسول الله ﷺ حتى بدت نواجذه.
ول: نعم -لا يستطيع أن ينكر من ذلك شيئا -
فيقال: فإن لك بكل سيئة حسنة. فيقول: يا رب، عملت أشياء لا أراها هاهنا". قال: فضحك رسول الله ﷺ حتى بدت نواجذه. وانفرد به مسلم.
وقال الحافظ أبو القاسم الطبراني: حدثنا هاشم بن يزيد، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثني أبي، حدثني ضَمْضَم بن زرعة، عن شُرَيْح بن عبيد عن أبي مالك الأشعري قال: قال رسول الله ﷺ: "إذا نام ابن آدم قال الملك للشيطان: أعطني صحيفتك. فيعطيه إياها، فما وجد في صحيفته من حسنة محا بها عشر سيئات من صحيفة الشيطان، وكتبهن حسنات، فإذا أراد أن ينام أحدكم فليكبر ثلاثًا وثلاثين تكبيرة، ويحمد أربعا وثلاثين تحميدة، ويسبح ثلاثًا وثلاثين تسبيحة، فتلك مائة".
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو سلمة وعارم قالا حدثنا ثابت -يعني: ابن يزيد أبو زيد -حدثنا عاصم، عن أبي عثمان، عن سلمان قال: يعطى رجل يوم القيامة صحيفته فيقرأ أعلاها، فإذا سيئاته، فإذا كاد يسوء ظنه نظر في أسفلها فإذا حسناته، ثم ينظر في أعلاها فإذا هي قد بدلت حسنات.
لمان قال: يعطى رجل يوم القيامة صحيفته فيقرأ أعلاها، فإذا سيئاته، فإذا كاد يسوء ظنه نظر في أسفلها فإذا حسناته، ثم ينظر في أعلاها فإذا هي قد بدلت حسنات.
وقال أيضا: حدثنا أبي، حدثنا هشام بن عمار، حدثنا سليمان بن موسى الزهري أبو داود، حدثنا أبو العَنْبَس، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: ليأتين الله ﷿ بأناس يوم القيامة رأوا أنهم قد استكثروا من السيئات، قيل: مَنْ هم يا أبا هريرة؟ قال: الذين يبدل الله سيئاتهم حسنات.
وقال أيضا: حدثنا أبي، حدثنا عبد الله بن أبي زياد، حدثنا سَيَّار، حدثنا جعفر، حدثنا أبو حمزة، عن أبي الضيف -وكان من أصحاب معاذ بن جبل -قال: يدخل أهل الجنة الجنة على أربعة أصناف: المتقين، ثم الشاكرين، ثم الخائفين، ثم أصحاب اليمين. قلت: لِمَ سموا أصحاب اليمين؟ قال: لأنهم عملوا الحسنات والسيئات، فأعطوا كتبهم بأيمانهم، فقرؤوا سيئاتهم حرفا حرفا -قالوا: يا ربنا، هذه سيئاتنا، فأين حسناتنا؟.
مَ سموا أصحاب اليمين؟ قال: لأنهم عملوا الحسنات والسيئات، فأعطوا كتبهم بأيمانهم، فقرؤوا سيئاتهم حرفا حرفا -قالوا: يا ربنا، هذه سيئاتنا، فأين حسناتنا؟. فعند ذلك محا الله السيئات وجعلها حسنات، فعند ذلك قالوا: ﴿هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ﴾، فهم أكثر أهل الجنة.
وقال علي بن الحسين زين العابدين: (يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ) قال: في الآخرة.
وقال مكحول: يغفرها لهم فيجعلها حسنات: [رواهما ابن أبي حاتم، وروى ابن جرير، عن سعيد بن المسيب مثله].
قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا محمد بن الوزير الدمشقي، حدثنا الوليد بن مسلم،
حدثنا أبو جابر، أنه سمع مكحولا يحدث قال: جاء شيخ كبير هرم قد سقط حاجباه على عينيه، فقال: يا رسول الله، رجل غدر وفجر، ولم يدع حاجة ولا داجة إلا اقتطعها بيمينه، لو قسمت خطيئته بين أهل الأرض لأوبقتهم، فهل له من توبة؟ فقال له رسول الله ﷺ: "أسلمتَ؟ " قال: أما أنا فأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله.
ين أهل الأرض لأوبقتهم، فهل له من توبة؟ فقال له رسول الله ﷺ: "أسلمتَ؟ " قال: أما أنا فأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله. فقال النبي ﷺ: "فإن الله غافر لك ما كنت كذلك، ومبدل سيئاتك حسنات". فقال: يا رسول الله، وغَدَراتي وفَجَراتي؟ فقال: "وغَدرَاتك وفَجَراتك". فَوَلّى الرجل يهلل ويكبر.
وروى الطبراني من حديث أبي المغيرة، عن صفوان بن عَمْرو، عن عبد الرحمن بن جبير، عن أبي فَرْوَةَ -شَطْب -أنه أتى رسول الله ﷺ فقال: أرأيت رجلا عمل الذنوب كلها، ولم يترك حاجة ولا داجة، فهل له من توبة؟ فقال: "أسلمتَ؟ " فقال: نعم، قال: "فافعل الخيرات، واترك السيئات، فيجعلها الله لك خيرات كلها". قال: وغَدرَاتي وفَجَراتي؟ قال: "نعم".
ة، فهل له من توبة؟ فقال: "أسلمتَ؟ " فقال: نعم، قال: "فافعل الخيرات، واترك السيئات، فيجعلها الله لك خيرات كلها". قال: وغَدرَاتي وفَجَراتي؟ قال: "نعم". قال فما زال يكبر حتى توارى.
ورواه الطبراني من طريق أبي فَروة الرهاوي، عن ياسين الزيات، عن أبي سلمة الحِمْصي، عن يحيى بن جابر، عن سلمة بن نفيل مرفوعًا.
وقال أيضًا: حدثنا أبو زُرْعة، حدثنا إبراهيم بن المنذر، حدثنا عيسى بن شعيب بن ثوبان، عن فُلَيْح الشماس، عن عبيد بن أبي عبيد عن أبي هريرة، ﵁، قال: جاءتني امرأة فقالت: هل لي من توبة؟ إني زنيت وولدت وقتلته. فقلت لا ولا نَعمت العين ولا كرامة. فقامت وهي تدعو بالحسرة. ثم صليت مع النبي ﷺ الصبح، فقصصت عليه ما قالت المرأة وما قلت لها، فقال رسول الله ﷺ: " بئسما قلت!
لا ولا نَعمت العين ولا كرامة. فقامت وهي تدعو بالحسرة. ثم صليت مع النبي ﷺ الصبح، فقصصت عليه ما قالت المرأة وما قلت لها، فقال رسول الله ﷺ: " بئسما قلت! أما كنت تقرأ هذه الآية: (وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ) إلى قوله: (إِلا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا) فقرأتها عليها. فخرَّت ساجدة وقالت: الحمد لله الذي جعل لي مخرجًا".
هذا حديث غريب من هذا الوجه، وفي رجاله مَنْ لا يُعرف والله أعلم. وقد رواه ابن جرير من
حديث إبراهيم بن المنذر الحزَامي بسنده بنحوه، وعنده: فخرجت تدعو بالحسرة وتقول: يا حسرتا! أخلق هذا الحسن للنار؟ وعنده أنه لما رجع من عند رسول الله ﷺ، تَطَلَّبها في جميع دور المدينة فلم يجدها، فلما كان من الليلة المقبلة جاءته، فأخبرها بما قال له رسول الله ﷺ، فخرت ساجدة، وقالت: الحمد لله الذي جعل لي مخرجًا وتوبة مما عملت.
المدينة فلم يجدها، فلما كان من الليلة المقبلة جاءته، فأخبرها بما قال له رسول الله ﷺ، فخرت ساجدة، وقالت: الحمد لله الذي جعل لي مخرجًا وتوبة مما عملت. وأعتقت جارية كانت معها وابنتها، وتابت إلى الله ﷿
ثم قال تعالى مخبرًا عن عموم رحمته بعباده وأنه من تاب إليه منهم تاب عليه من أي ذنب كان، جليل أو حقير، كبير أو صغير: فقال (وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا) أي: فإن الله يقبل توبته، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ١١٠]، وقال ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [التوبة: ١٠٤]، وقال ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾