القول في تأويل قوله: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ (١٩٩)﴾.
اختلف أهل التأويلِ في تأويل ذلك؛ فقال بعضُهم: تأويله: خُذِ العفو من أخلاق الناسِ، وهو الفضل، وما لا يجهدهم.
ذكر من قال ذلك
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حَكَّامٌ، عن عَنبسة، عن محمدِ بن عبدِ الرحمنِ، عن القاسمِ، عن مجاهد في قوله: ﴿خُذِ الْعَفْوَ﴾. قال: من أخلاق الناسِ وأعمالهم بغيرِ تَحسُّسٍ.
حدثنا يعقوب وابن وكيع قالا: ثنا ابن عُلَيَّةَ، عن ليث، عن مجاهد في قوله: ﴿خُذِ الْعَفْوَ﴾. قال: عفْوَ أخلاق الناسِ، وعفْوَ أمورهم.
حدثنا يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: ثنى ابن أَبي الزِّنادِ، عن هشام بن عُرُوةَ، عن أبيه، في قوله: ﴿خُذِ الْعَفْوَ﴾ الآية.
ق الناسِ، وعفْوَ أمورهم.
حدثنا يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: ثنى ابن أَبي الزِّنادِ، عن هشام بن عُرُوةَ، عن أبيه، في قوله: ﴿خُذِ الْعَفْوَ﴾ الآية. قال عُروةُ: أمر الله رسوله ﷺ أن يأخذ العفوَ مِن أخلاقِ الناسِ.
حدثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلَى، قال: ثنا محمد بن ثورٍ، عَن مَعمرٍ، عن هشام بن عُروةَ، عن أبيه، عن ابن [الزبير، قال: ما أنزلَ اللَّهُ هذه الآيةَ إلا في أخلاقِ الناسِ: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ﴾ الآية.
حدثنا ابن وكيع قال: ثنا محمد بن بكر، عن ابن جريج، قال: بلغني عن مجاهد: ﴿خُذِ الْعَفْوَ﴾: من أخلاقِ الناس وأعمالهم بغيرِ تَحسُّسٍ.
قال: ثنا أبو معاويةَ، عن هشام بن عروةَ، عن وهب بن كَيْسان، عن [ابن الزبير: ﴿خُذِ الْعَفْوَ﴾. قال: من أخلاق الناسِ، والله لآخذنّه منهم صَحِبتهم.
قال: ثنا عبدة بن سليمان، عن هشام بن عُروة، عن ابن]، الزُّبَيرِ، قال: إنما أنزل الله: ﴿خُذِ الْعَفْوَ﴾.
من أخلاق الناسِ، والله لآخذنّه منهم صَحِبتهم.
قال: ثنا عبدة بن سليمان، عن هشام بن عُروة، عن ابن]، الزُّبَيرِ، قال: إنما أنزل الله: ﴿خُذِ الْعَفْوَ﴾. من أخلاق الناسِ.
حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿خُذِ الْعَفْوَ﴾. قال: من أخلاق الناسِ وأعمالهم من غير تَجَسُّسٍ أو تَحَسُّسٍ، شَكَّ أبو عاصمٍ.
وقال آخرون: بلْ معنى ذلك: خُذِ العَفْوَ من أموال الناس، وهو الفضلُ.
قالوا: وأُمِر بذلك قبل نزول الزكاةِ، فلما نزلتِ الزكاةُ نُسِخ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالحٍ، قال: ثني معاوية، عن عليٍّ، عن ابن عباس قولَه: ﴿خُذِ الْعَفْوَ﴾. يعنى: خُذْ ما عفا لك من أموالهم، وما أتوْكَ به من شيءٍ فخُذْه، فكانَ هذا قبل أن تنزِلَ "براءةُ" بفرائض الصدقات وتفصيلها، وما انتهت الصدقات إليه.
حدثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضَّل، قال: ثنا أسباط السدى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ﴾.
لَ "براءةُ" بفرائض الصدقات وتفصيلها، وما انتهت الصدقات إليه.
حدثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضَّل، قال: ثنا أسباط السدى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ﴾. أمّا العفو: فالفضْلُ من المالِ، نسَختْها الزكاةُ.
حُدِّثت عن الحسين بن الفرج، قال: سمعت أبا معاذ يقولُ: ثنا عُبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمعتُ الضحاك يقولُ في قوله: ﴿خُذِ الْعَفْوَ﴾. يقولُ: خُذْ ما عفا من أموالهم، وهذا قبل أن تنزل الصدقة المفروضَةُ.
وقال آخرون: بلْ ذلكَ أمْرُ من الله نبيَّه ﷺ بالعفوِ عن المشركين، وترْكِ الغِلظةِ عليهم قبل أن يُفرَضَ قتالهم عليه.
ذِكرُ من قال ذلك
حدثني يونس، قال: أخبرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿خُذِ الْعَفْوَ﴾. قال: أمره فأعرضَ عنهم عشْرَ سنينَ بمكَّةَ، قال: ثم أمَره بالغِلْظَة عليهم وأن يَقْعُدَ لهمْ كُلَّ مَرصدٍ وأن يَحْصُرَهُم، ثم قال: ﴿فَإِن تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلوةَ﴾ [التوبة: ٥].
نَ بمكَّةَ، قال: ثم أمَره بالغِلْظَة عليهم وأن يَقْعُدَ لهمْ كُلَّ مَرصدٍ وأن يَحْصُرَهُم، ثم قال: ﴿فَإِن تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلوةَ﴾ [التوبة: ٥]. الآية كلها، وقرأَ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ٧٣، التحريم: ٩]. قال: وأَمَر المؤمنين بالغِلظة عليهم، فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُم مَّنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً﴾ [التوبة: ١٢٣]. بعد ما كانَ أمَرهُم بالعفو، وقرأ قولَ اللهِ: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ﴾ [الجاثية: ١٤]. ثم لم يقبلْ منهم بعد ذلك إلا الإسلام أو القتل، فنسَخَتْ هذه الآيةُ العفو.
قال أبو جعفرٍ: وأَوْلَى هذه الأقوال بالصوابِ قولُ مَن قال: معناه: خُذِ العفو من أخلاقِ الناس واتْركِ الغلظةَ عليهمْ.
لقتل، فنسَخَتْ هذه الآيةُ العفو.
قال أبو جعفرٍ: وأَوْلَى هذه الأقوال بالصوابِ قولُ مَن قال: معناه: خُذِ العفو من أخلاقِ الناس واتْركِ الغلظةَ عليهمْ. وقال: أُمِر بذلك نبيُّ الله ﷺ في المشركين.
وإنما قلنا ذلك أولى بالصوابِ؛ لأنّ الله جل ثناؤُه أَتْبَعَ ذلك تعليمَه نبيَّه ﷺ مُحاجَّتَه المشركين في الكلام، وذلك قوله: ﴿قُلِ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلَا تُنظِرُونِ﴾ [الأعراف: ١٩٥]. وعقَّبه بقوله: ﴿وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ﴾ ﴿وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ قَالُوا لَوْلَا اجْتَبَيْتَهَا﴾ [الأعراف: ٢٠٢ - ٢٠٣].
فما بين ذلكَ بأن يكون من تأديبه نبيَّه ﷺ في عِشْرتِهم به أشبهُ وأوْلَى من الاعتراض
بأمرِه بأخذ الصدقة من المسلمين.
فإن قال قائلٌ: أَفَمنسوخٌ ذلكَ؟
].
فما بين ذلكَ بأن يكون من تأديبه نبيَّه ﷺ في عِشْرتِهم به أشبهُ وأوْلَى من الاعتراض
بأمرِه بأخذ الصدقة من المسلمين.
فإن قال قائلٌ: أَفَمنسوخٌ ذلكَ؟ قيلَ: لا دَلالة عندنا على أنه منسوخٌ، إذ كان جائزًا أن يكونَ - وإن كان الله أنزله على نبيه ﵊ في تعريفه عِشْرَةَ من لم يُؤْمَرُ بقتاله من المشركين - مرادًا به تأديب نبيِّ الله والمسلمين جميعًا في عِشرة الناسِ، وأمرُهم بأخْذِ عَفْوِ أخلاقِهم، فيكونَ - وإن كان من أجلهم نزَل - تعليمًا مِن الله خلْقَهُ صفةَ عِشْرة بعضهم بعضًا، لم يجب استعمالُ الغِلظةِ والشِّدة في بعضِهم، فإذا وجب استعمال ذلك فيهم، استعمل الواجبَ، فيكون قوله: ﴿خُذِ الْعَفْوَ﴾ أمرًا بأخذه ما لم يجبْ غيرُ العفو، فإذا وجب غيرُه، أخَذ الواجب وغير الواجب إذا أمكن ذلك، فلا يُحكَمُ على الآية بأنها منسوخة لما قد بينا ذلك في نظائره في غير موضع من كُتبنا.
وأما قوله: ﴿وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ﴾.
واجب وغير الواجب إذا أمكن ذلك، فلا يُحكَمُ على الآية بأنها منسوخة لما قد بينا ذلك في نظائره في غير موضع من كُتبنا.
وأما قوله: ﴿وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ﴾. فإنّ أهل التأويل اختلفوا في تأويله.
فقال بعضُهم بما حدثنِي الحسنُ بنُ الزِّبْرِقانِ النَّخَعِيُّ، قال: ثنى حسينٌ الجعفيُّ، عن سفيان بن عيينة، عن رجل قد سمّاه، قال: لما نزلت هذه الآيةُ: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾. قال رسولُ اللَّهِ ﷺ: "يا جِبْرِيلُ ما هَذَا؟ " قال: ما أدرِى حتى أسألَ العالِمَ، قال: ثم قال جبريلُ: يا محمد إنّ اللَّهَ يَأْمرُكَ أَنْ تَصِلَ من قطعك، وتُعطِىَ من حرمك، وتَعفُوَ عمّن ظلمك.
حدثني يونس، قال: أخبرنا سُفيانُ، عن أُميٍّ، قال: "لما أنزَل الله على نبيِّه
ﷺ: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾. قال النبي ﷺ: "ما هذا يا جِبْرِيلُ"؟
ن أُميٍّ، قال: "لما أنزَل الله على نبيِّه
ﷺ: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾. قال النبي ﷺ: "ما هذا يا جِبْرِيلُ"؟ قال: إن الله يأمرُك أن تعفو عمن ظلمك، وتُعطِيَ مَن حرمك، وتصلَ من قطَعك.
وقال آخرون بما حدثني محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثورٍ، عن معمر، عن هشامِ بن عُروة، عن أبيه: ﴿وَأْمُرُ بِالْعُرْفِ﴾. يقول: بالمعروف.
حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ﴾. قال: أمّا العرفُ: فالمعروف.
حدثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادةَ: ﴿وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ﴾: أي بالمعروف.
قال أبو جعفر: والصوابُ من القول في ذلك أن يقالَ: إِنَّ الله أمر نبيَّه ﷺ أن يأمرَ الناس بالعُرْفِ، وهو المعروفُ في كلام العرب، مصدر في معنى المعروف، يقالُ: أوليتُه عُرفًا وعارفًا وعارفةً. كلُّ ذلك بمعنى المعروف.
ر نبيَّه ﷺ أن يأمرَ الناس بالعُرْفِ، وهو المعروفُ في كلام العرب، مصدر في معنى المعروف، يقالُ: أوليتُه عُرفًا وعارفًا وعارفةً. كلُّ ذلك بمعنى المعروف. فإذ كان معنى العُرفِ ذلكَ، فمن المعروفِ صلة رحم مَن قَطَع، وإعطاءُ مَن حرم، والعفو عمن ظلم، وكلُّ ما أمر الله به من الأعمال أو ندَب إليه، فهو من العُرْفِ، ولم يَخصُصِ اللَّهُ مِن
ذلك معنى دونَ معنًى؛ فالحقُّ فيه أن يُقالَ: قد أمر الله نبيه ﷺ أن يأمر عباده بالمعروف كله لا ببعض معانيه دونَ بعض.
وأما قوله: ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهلِينَ﴾.
دونَ معنًى؛ فالحقُّ فيه أن يُقالَ: قد أمر الله نبيه ﷺ أن يأمر عباده بالمعروف كله لا ببعض معانيه دونَ بعض.
وأما قوله: ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهلِينَ﴾. فإنه أمر من الله تعالى نبيه ﷺ أن يُعرِضَ عمن جَهِل، وذلك وإن كان أمرًا مِن الله نبيَّه، فإنّه تأديبٌ منه عزّ ذكره لخلقه باحتمالِ من ظلمَهم أو اعتدى عليهم، لا بالإعراض عمن جَهل الواجب عليه من حق الله، ولا بالصفح عمن كفر بالله وجَهل وحدانيَّتِه وهو للمسلمين حَرْبٌ.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذِكرُ مَن قال ذلك
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قولَه: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهلِينَ﴾. قال: أخلاقٌ أمَر الله بها نبيه ﷺ ودلَّه عليها.
﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ (١٩٩) وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٠٠)﴾
قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله: (خُذِ الْعَفْوَ) يعني: خذ ما عفا لك من أموالهم، وما أتوك به من شيء فخذه. وكان هذا قبل أن تنزل "براءة" بفرائض الصدقات وتفصيلها، وما انتهت إليه الصدقات. قاله السدي.
وقال الضحاك، عن ابن عباس: (خُذِ الْعَفْوَ) أنفق الفضل. وقال سعيد بن جبير عن ابن عباس: قال الفضل.
وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم في قوله: (خُذِ الْعَفْوَ) أمره الله بالعفو والصفح عن المشركين عشر سنين، ثم أمره بالغلظة عليهم. واختار هذا القول ابن جرير.
وقال غير واحد، عن مجاهد في قوله تعالى: (خُذِ الْعَفْوَ) قال: من أخلاق الناس وأعمالهم من غير تحسس
وقال هشام بن عُرْوة، عن أبيه: أمر الله رسوله ﷺ أن يأخذ العفو من أخلاق الناس.
في قوله تعالى: (خُذِ الْعَفْوَ) قال: من أخلاق الناس وأعمالهم من غير تحسس
وقال هشام بن عُرْوة، عن أبيه: أمر الله رسوله ﷺ أن يأخذ العفو من أخلاق الناس. وفي رواية قال: خذ ما عفي لك من أخلاقهم.
وفي صحيح البخاري، عن هشام، عن أبيه عروة، عن أخيه عبد الله بن الزبير قال: إنما أنزل (خُذِ الْعَفْوَ) من أخلاق الناس وفي رواية لغيره: عن هشام، عن أبيه، عن ابن عمر. وفي رواية: عن هشام، عن أبيه، عن عائشة أنهما قالا مثل ذلك والله أعلم.
وفي رواية سعيد بن منصور، عن أبي معاوية، عن هشام، عن وهب بن كيسان، عن ابن الزبير: (خُذِ الْعَفْوَ) قال: من أخلاق الناس، والله لآخذنه منهم ما صحبتهم. وهذا أشهر الأقوال، ويشهد له ما رواه ابن جرير وابن أبي حاتم جميعا: حدثنا يونس حدثنا سفيان -هو ابن عيينة -عن أمي قال: لما أنزل الله، ﷿، على نبيه ﷺ: (خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ) قال رسول الله ﷺ: "ما هذا يا جبريل؟
ينة -عن أمي قال: لما أنزل الله، ﷿، على نبيه ﷺ: (خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ) قال رسول الله ﷺ: "ما هذا يا جبريل؟ " قال: إن الله أمرك أن تعفو عمن ظلمك، وتعطي من حرمك، وتصل من قطعك.
وقد رواه ابن أبي حاتم أيضا، عن أبي يزيد القراطيسي كتابة، عن أصْبَغ بن الفرج، عن سفيان، عن أُمَيّ عن الشعبي. نحوه، وهذا -على كل حال -مرسل، وقد روي له شاهد من وجوه أخر، وقد روي مرفوعا عن جابر وقيس بن سعد بن عبادة، عن النبي ﷺ، أسندهما ابن مردويه
وقال الإمام أحمد: حدثنا أبو المغيرة، حدثنا معاذ بن رفاعة، حدثني علي بن يزيد، عن القاسم، عن أبي أمامة الباهلي، عن عقبة بن عامر، ﵁، قال: لقيت رسول الله ﷺ فابتدأته، فأخذت بيده، فقلت: يا رسول الله، أخبرني بفواضل الأعمال. فقال: "يا عقبة، صل من قطعك، وأعط من حرمك، وأعرض عمن ظلمك".
وروى الترمذي نحوه، من طريق عبيد الله بن زَحْر عن علي بن يزيد، به.
، أخبرني بفواضل الأعمال. فقال: "يا عقبة، صل من قطعك، وأعط من حرمك، وأعرض عمن ظلمك".
وروى الترمذي نحوه، من طريق عبيد الله بن زَحْر عن علي بن يزيد، به. وقال حسن
قلت: ولكن "علي بن يزيد" وشيخه "القاسم أبو عبد الرحمن"، فيهما ضعف.
وقال البخاري قوله: (خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ) "العرف": المعروف. حدثنا أبو اليمان، أخبرنا شعيب، عن الزهري، أخبرني عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، أن ابن عباس قال: قدم عيينة بن حصن بن حذيفة، فنزل على ابن أخيه الحر بن قيس -وكان من النفر الذين يدنيهم عمر -وكان القراء أصحاب مجالس عمر ومشاورته -كُهولا كانوا أو شبابا -فقال عيينة لابن أخيه: يابن أخي، لك وجه عند هذا الأمير، فاستأذن لي عليه. قال: سأستأذن لك عليه. قال ابن عباس: فاستأذن الحر لعيينة، فأذن له عمر [﵁] فلما دخل عليه قال: هي يا ابن الخطاب، فوالله ما تعطينا الجزل، ولا تحكم بيننا بالعدل.
ستأذن لك عليه. قال ابن عباس: فاستأذن الحر لعيينة، فأذن له عمر [﵁] فلما دخل عليه قال: هي يا ابن الخطاب، فوالله ما تعطينا الجزل، ولا تحكم بيننا بالعدل. فغضب عمر حتى هم أن يوقع به، فقال له الحر: يا أمير المؤمنين، قال الله لنبيه ﷺ: (خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ) وإن هذا من الجاهلين، والله ما جاوزها عمر حين تلاها عليه، وكان وَقَّافًا عند كتاب الله، ﷿. انفرد بإخراجه البخاري
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا يونس بن عبد الأعلى قراءة، أخبرنا ابن وهب، أخبرني مالك بن أنس، عن عبد الله بن نافع؛ أن سالم بن عبد الله بن عمر مر على عير لأهل الشام وفيها جرس، فقال: إن هذا منهي عنه، فقالوا: نحن أعلم بهذا منك، إنما يكره الجُلْجُل الكبير، فأما مثل هذا فلا بأس به. فسكت سالم وقال: (وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ)
وقول البخاري: "العرف: المعروف" نص عليه عروة بن الزبير، والسُّدِّي، وقتادة، وابن جرير، وغير واحد.
به. فسكت سالم وقال: (وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ)
وقول البخاري: "العرف: المعروف" نص عليه عروة بن الزبير، والسُّدِّي، وقتادة، وابن جرير، وغير واحد. وحكى ابن جرير أنه يقال: أوليته عرفًا، وعارفًا، وعارفة، كل ذلك بمعنى: "المعروف". قال: وقد أمر الله نبيه ﷺ أن يأمر عباده بالمعروف، ويدخل في ذلك جميع الطاعات، وبالإعراض عن الجاهلين، وذلك وإن كان أمرا لنبيه ﷺ فإنه تأديب لخلقه باحتمال من ظلمهم واعتدى عليهم، لا بالإعراض عمن جهل الحق الواجب من حق الله، ولا بالصفح عمن كفر بالله وجهل وحدانيته، وهو للمسلمين حرب.
وقال سعيد بن أبي عَرُوبة، عن قتادة في قوله: (خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ) قال: هذه أخلاق أمر الله [﷿] بها نبيه ﷺ، ودله عليها.
وقد أخذ بعض الحكماء هذا المعنى، فسبكه في بيتين فيهما جناس فقال:
خُذ العفو وأمر بعُرفٍ كَمَا … أُمِرتَ وأعْرض عن الجَاهلينْ
وَلِنْ في الكَلام لكُلِّ الأنام … فَمُسْتَحْسَن من ذَوِي الجاه لين
ي بيتين فيهما جناس فقال:
خُذ العفو وأمر بعُرفٍ كَمَا … أُمِرتَ وأعْرض عن الجَاهلينْ
وَلِنْ في الكَلام لكُلِّ الأنام … فَمُسْتَحْسَن من ذَوِي الجاه لين
وقال بعض العلماء: الناس رجلان: فرجل محسن، فخذ ما عفا لك من إحسانه، ولا تكلفه فوق طاقته ولا ما يحرجه. وإما مسيء، فمره بالمعروف، فإن تمادى على ضلاله، واستعصى عليك، واستمر في جهله، فأعرض عنه، فلعل ذلك أن يرد كيده، كما قال تعالى: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ * وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ * وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ﴾ [المؤمنون: ٩٦ - ٩٨]
تعالى يرشد فيهن إلى معاملة العاصي من الإنس بالمعروف والتي هي أحسن، فإن ذلك يكفه عما هو فيه من التمرد بإذنه تعالى؛ ولهذا قال: (فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ) ثم يرشد تعالى إلى الاستعاذة به من شيطان الجان، فإنه لا يكفه عنك الإحسان، وإنما يريد هلاكك ودمارك بالكلية، فإنه عدو مبين لك ولأبيك من قبلك.
قال ابن جرير في تفسير قوله: (وَإِمَّا يَنزغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نزغٌ) وإما يُغْضبَنَّك من الشيطان غضب يصدك عن الإعراض عن الجاهلين ويحملك على مجازاتهم (فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ) يقول: فاستجر بالله من نزغه (سَمِيعٌ عَلِيمٌ) يقول: إن الله الذي تستعيذ به من نزغ الشيطان سميع لجهل الجاهل عليك، والاستعاذة به من نزغه، ولغير ذلك من كلام خلقه، لا يخفى عليه منه شيء، عليم بما يذهب عنك نزغ الشيطان، وغير ذلك من أمور خلقه.
وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: لما نزل: (خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ) قال رسول الله ﷺ: "يا رب، كيف بالغضب؟
قه.
وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: لما نزل: (خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ) قال رسول الله ﷺ: "يا رب، كيف بالغضب؟ " فأنزل الله: (وَإِمَّا يَنزغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نزغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ)
قلت: وقد تقدم في أول الاستعاذة حديث الرجلين اللذين تسابا بحضرة النبي ﷺ، فغضب أحدهما حتى جعل أنفه يتمزع غضبًا، فقال رسول الله ﷺ: "إني لأعلم كلمة لو قالها لذهب عنه ما يجد: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم".
تسابا بحضرة النبي ﷺ، فغضب أحدهما حتى جعل أنفه يتمزع غضبًا، فقال رسول الله ﷺ: "إني لأعلم كلمة لو قالها لذهب عنه ما يجد: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم". فقيل له، فقال: ما بي من جنون
وأصل "النزغ": الفساد، إما بالغضب أو غيره، قال الله تعالى: ﴿وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ﴾ [الإسراء: ٥٣] و"العياذ": الالتجاء والاستناد والاستجارة من الشر، وأما "الملاذ" ففي طلب الخير، كما قال أبو الطيب [الحسن بن هانئ] المتنبي:
يَا مَنْ ألوذُ به فيمَا أؤمِّلُه … وَمَنْ أعوذُ به مما أحَاذرُه
لا يَجْبر الناس عَظمًا أنت كاسرُه … ولا يَهِيضُون عَظمًا أنت جَابِره
وقد قدمنا أحاديث الاستعاذة في أول التفسير، بما أغنى عن إعادته هاهنا.
قوله تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ (١٩٩)﴾ وقال في الثاني: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٠٠)﴾.
بين في هذه الآية الكريمة ما ينبغي أن يعامل به الجهلة من شياطين الإنس والجن، فبين أن شيطان الإنس يعامل باللين، وأخذ العفو، والإعراض عن جهله وإساءته، وأن شيطان الجن لا منجى منه إلا بالاستعاذة بالله منه، قال في الأول: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ (١٩٩)﴾ قال في الثاني: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٠٠)﴾ وبين هذا الذي ذكرنا في موضعين آخرين:
في الثاني: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٠٠)﴾ وبين هذا الذي ذكرنا في موضعين آخرين:
أحدهما: في سورة "قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ" قال فيه في شيطان الإنس: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ (٩٦)﴾ وقال في الآخر: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ (٩٧) وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ (٩٨)﴾.
والثاني: في حم "السجدة" قال فيه في شيطان الإنس: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (٣٤)﴾ وزاد هنا أن ذلك لا يعطاه كل الناس، بل لا يعطيه الله إلا لذي الحظ الكبير، والبخت العظيم عنده فقال: ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (٣٥)﴾ ثم قال في شيطان الجن: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ