Dan demikian pula Kami telah menjadikan kamu (umat Islam) "umat pertengahan"48) agar kamu menjadi saksi atas (perbuatan) manusia dan agar Rasul (Muhammad) menjadi saksi atas (perbuatan) kamu. Kami tidak menjadikan kiblat yang (dahulu) kamu (berkiblat) kepadanya melainkan agar kami mengetahui siapa yang mengikuti Rasul dan siapa yang berbalik ke belakang. Sungguh, (pemindahan kiblat) itu sangat berat, kecuali bagi orang yang telah diberi petunjuk oleh Allah. Dan Allah tidak akan menyia-nyiakan imanmu. Sungguh, Allah Maha Pengasih, Maha Penyayang kepada manusia
القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤه: ﴿مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا﴾.
يعنى جل ثناؤُه بقولِه ﴿مَا وَلَّاهُمْ﴾: أيُّ شيءٍ صرفَهم عن قبلتِهم؟ وهو من قولِ القائلِ: ولانى فلانٌ دُبُرَه. إذا حوَّل وجهَه عنه واستدْبَره، فكذلك قولُه: ﴿مَا وَلَّاهُمْ﴾: أىُّ شيءٍ حوَّل وجوهَهم؟
وأما قولُه: ﴿عَنْ قِبْلَتِهِمُ﴾ فإن قبلةَ كلِّ شيءٍ ما قابلَ وجهَه، وإنما هى فِعْلةٌ، بمنزلةِ الجِلْسَةِ والقِعْدةِ [وصِفوةِ الشئِ]، من قولِ القائلِ: قابلتُ فلانًا، إذا صرتَ قُبالتَه، أقابِلُه، فهو لى قِبلةٌ، وأنا له قِبلةٌ، إذا قابلَ كلُّ واحدٍ منهما بوجهِه وجهَ صاحبِه.
فتأويلُ الكلامِ إذن إذْ كان ذلك معناه: سيقولُ السفهاءُ من الناسِ لكم أيها المؤمنون باللهِ وبرُسلِه، إذا حوّلْتم وجوهَكَم عن قبلةِ اليهودِ التى كانت لكم قبلةً، قبلَ أمرِى إياكم بتحويلِ وجوهِكم عنها شطرَ المسجدِ الحرامِ: أيُّ شيءٍ حوّل وجوهَ هؤلاء فصرَفها عن الموضعِ الذى كانوا يستقبِلونه بوجوهِهم في صلاتِهم؟
، قبلَ أمرِى إياكم بتحويلِ وجوهِكم عنها شطرَ المسجدِ الحرامِ: أيُّ شيءٍ حوّل وجوهَ هؤلاء فصرَفها عن الموضعِ الذى كانوا يستقبِلونه بوجوهِهم في صلاتِهم؟
فأعلمَ اللهُ جل ثناؤه نبيَّه ﷺ ما اليهودُ والمنافقون قائِلون من القولِ عند تحويلِ اللهِ قبلتَه وقبلةَ أصحابِه، عن الشامِ إلى المسجدِ الحرامِ، وعلّمَه ما ينبغِى أن يكونَ مِن ردِّه عليهم من الجوابِ، فقال له: إذا قالوا ذلك لكَ يا محمدُ، فقلْ لهم: ﴿لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ وكان سببَ ذلك أن النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى نَحْوَ بيتِ المقدسِ مدةً سنذكُرُ مبلَغَها فيما بعدُ إن شاء اللهُ تعالي، ثم أرادَ اللهُ تعالى صرْفَ قبلةِ نبيِّه ﷺ إلى المسجدِ الحرامِ، فأخبرَه عما اليهودُ قائلُوه من القولِ عند صرْفِه وجهَه ووُجوهَ أصحابِه شَطْرَه، وما الذى ينبغِى أن يكون من مَردِّه عليهم من الجوابِ.
المسجدِ الحرامِ، فأخبرَه عما اليهودُ قائلُوه من القولِ عند صرْفِه وجهَه ووُجوهَ أصحابِه شَطْرَه، وما الذى ينبغِى أن يكون من مَردِّه عليهم من الجوابِ.
ذكرُ المدةِ التى صلّى رسولُ اللهِ ﷺ وأصحابُه نحوَ بيتِ المقدسِ، وما كان سببُ صلاتِه نحوَه، وما الذى دعا اليهودَ والمنافقين إلى قيلِ ما قالوا عند تحويلِ اللهِ قبلةَ المؤمنين عن بيتِ المقدسِ إلى الكعبةِ
اخْتلَفَ أهلُ العلْمِ في المدّةِ التى صلّى رسولُ اللهِ ﷺ نحوَ بيتِ المقدسِ بعدَ الهجرةِ؛ فقال بعضُهم بما حدَّثَنَا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا يونسُ بنُ بُكَيرٍ، وحَدَّثَنَا ابنُ
بيعِ] بنِ أبى الحُقَيقِ، فقالوا له: يا محمدُ، ما ولَّاك عن قبلتِك التى كنت عليها وأنت تزعُمُ أنك على ملةِ إبراهيمَ ودينِه، ارجِعْ إلى قبلتِك التى كنتَ عليها نتبِعْك ونصدِّقْك. وإنما يُريدون فتنتَه عن دينِه، فأنزَل اللهُ فيهم: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا﴾ إلى قولِه: ﴿إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾.
حَدَّثَنَا أبو كُريبٍ، قال: ثنا أبو بكرِ بنُ عَيّاشٍ، قال: قال البراءُ: صلَّى رسولُ اللهِ ﷺ نحوَ بيتِ المقدسِ سبعةَ عشرَ شهرًا. قال: وكان يشتهِى أن يُصرفَ إلى الكعبةِ. قال: فبينا نحن نصلِّى ذات يومٍ، فمرَّ بنا مارٌّ، فقال: ألا هل علِمتم أن النَّبِيَّ ﷺ قد صُرِف إلى الكعبةِ؟ قال: وقد صلّينا ركعَتين إلى ههنا، وصلّينا ركعَتين إلى ههنا.
قال أبو كريبٍ: فقيل له: فيه أبو إسحاقَ؟
ا هل علِمتم أن النَّبِيَّ ﷺ قد صُرِف إلى الكعبةِ؟ قال: وقد صلّينا ركعَتين إلى ههنا، وصلّينا ركعَتين إلى ههنا.
قال أبو كريبٍ: فقيل له: فيه أبو إسحاقَ؟ فسكَت.
وحَدَّثَنَا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا يحيى بنُ آدمَ، عن أبى بكرِ بنِ عياشٍ، عن أبى إسحاقَ، عن البراءِ، قال: صلَّينا بعدَ قدومِ النَّبِيِّ ﷺ المدينةَ ستةَ عشرَ شهرًا إلى بيتِ المقدسِ.
وحَدَّثَنَا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا يحيي، عن سفيانَ، قال: ثنا أبو إسحاقَ، عن البراءِ بنِ عازبٍ، قال: صلَّيتُ مع النَّبِيِّ ﷺ نحوَ بيتِ المقدسِ ستةَ عشرَ شهرًا أو سبعةَ عشرَ شهرًا -شكّ سفيانُ- ثم صُرِفْنا إلى الكعبةِ.
إسحاقَ، عن البراءِ بنِ عازبٍ، قال: صلَّيتُ مع النَّبِيِّ ﷺ نحوَ بيتِ المقدسِ ستةَ عشرَ شهرًا أو سبعةَ عشرَ شهرًا -شكّ سفيانُ- ثم صُرِفْنا إلى الكعبةِ.
وحَدَّثَنِي المثنَّي، قال: حَدَّثَنَا النُّفيليُّ محمدُ بنُ عبدِ اللهِ، قال: ثنا زُهيرٌ، قال: ثنا أبو إسحاقَ، عن البراءِ أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ كان أوّلَ ما قدِم المدينةَ نزلَ على أجدادِه أو أخوالِه من الأنصارِ، وأنه صلَّى قِبَلَ بيتِ المقدسِ ستةَ عشرَ [أو سبعةَ عشرَ] شهرًا، وكان يُعْجِبُه أن تكونَ قبلتُه قِبَلَ البيتِ، وأنه صلَّى صلاةَ العصرِ ومعه قومٌ، فخرَج رجلٌ ممن صلَّى معه، فمرَّ على أهلِ المسجدِ وهم ركوعٌ، فقال: أشهَدُ لقد صليتُ مع رسولِ اللهِ ﷺ قِبَلَ مَكَّةَ.
أنه صلَّى صلاةَ العصرِ ومعه قومٌ، فخرَج رجلٌ ممن صلَّى معه، فمرَّ على أهلِ المسجدِ وهم ركوعٌ، فقال: أشهَدُ لقد صليتُ مع رسولِ اللهِ ﷺ قِبَلَ مَكَّةَ. فدارُوا كما هم قِبَلَ البيتِ، وكان يُعجِبُه أن يحوَّلَ قِبَلَ البيتِ، وكان اليهودُ قد أعجَبَهم هذا؛ أن كان رسولُ اللهِ ﷺ
يصلِّى قِبَلَ بيتِ المقدسِ وأهلِ الكتابِ، فلما ولَّى وجْهَه قِبَلَ البيتِ أنكَروا ذلك.
وحَدَّثَنَا عمرانُ بنُ موسي، قال: ثنا عبدُ الوارثِ، قال: ثنا يحيى بنُ سعيدٍ، عن ابنِ المسيَّبِ، قال: صلَّى رسولُ اللهِ ﷺ نحوَ بيتِ المقدسِ بعد أن قَدِم المدينةَ ستةَ عشرَ شهرًا، ثم وُجِّه نحوَ الكعبةِ قبلَ بدرٍ بشهْرين.
سعيدٍ، عن ابنِ المسيَّبِ، قال: صلَّى رسولُ اللهِ ﷺ نحوَ بيتِ المقدسِ بعد أن قَدِم المدينةَ ستةَ عشرَ شهرًا، ثم وُجِّه نحوَ الكعبةِ قبلَ بدرٍ بشهْرين.
وقال آخَرون بما حَدَّثَنَا عمرُو بنُ عليٍّ، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عثمان بنُ سعدِ الكاتبُ، قال: حَدَّثَنَا أنسُ بنُ مالكٍ، قال: صُرِف نبيُّ اللهِ ﷺ نحوَ بيتِ المقدسِ تسعةَ أشهرٍ أو عشرةَ أشهرٍ، فبينما هو قائمٌ يصلِّى الظهرَ بالمدينةِ، وقد صلَّى ركعتين نحوَ بيتِ المقدسِ، انصرفَ، بوجهِه إلى الكعبةِ، فقال السفهاءُ: ﴿مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا﴾.
وقال آخَرون بما حدَّثَنَا محمدُ بنُ المُثَنَّى، قال: ثنا أبو داودَ، قال: ثنا المسعودِىُّ، عن عمرِو بنِ مُرّةَ، عن ابنِ أبي ليلي، عن معاذِ بنِ جبلٍ أن رسولَ اللهِ ﷺ قدِم المدينةَ، فصلَّى نحوَ بيتِ المقدسِ ثلاثةَ عشرَ شهرًا.
ثنا المسعودِىُّ، عن عمرِو بنِ مُرّةَ، عن ابنِ أبي ليلي، عن معاذِ بنِ جبلٍ أن رسولَ اللهِ ﷺ قدِم المدينةَ، فصلَّى نحوَ بيتِ المقدسِ ثلاثةَ عشرَ شهرًا.
وحَدَّثَنِي أحمدُ بنُ المِقْدامِ، قال: ثنا المعتمرُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعتُ أبي، قال: ثنا قتادةُ، عن سعيدِ بنِ المسيَّبِ أن الأنصارَ صلَّت القبلةَ الأُولَى قبلَ قدومِ النَّبِيِّ ﷺ بثلاثِ حِجَجٍ، وأن النَّبِيَّ ﷺ صلَّى القبلةَ الأولَى بعد قُدومِه المدينةَ ستةَ عشرَ شهرًا. أو كما قال. وكِلا الحديثين يحدِّث قتادةُ، عن سعيدِ بنِ المسيَّبِ.
ذكرُ السببِ الذى كان من أجلِه ﷺ يصلِّى نحوَ بيتِ المقدسِ، قبل أن يُفرضَ عليه التوجُّهُ شطرَ الكعبةِ
اختلَف أهلُ العلمِ في ذلك؛ فقال بعضُهم: كان ذلك باختيارٍ من النَّبِيِّ ﷺ، [من غيرِ أن يكونَ اللهُ فرَض ذلك عليه].
ذِكرُ من قال ذلك
وجُّهُ شطرَ الكعبةِ
اختلَف أهلُ العلمِ في ذلك؛ فقال بعضُهم: كان ذلك باختيارٍ من النَّبِيِّ ﷺ، [من غيرِ أن يكونَ اللهُ فرَض ذلك عليه].
ذِكرُ من قال ذلك
حَدَّثَنَا ابنُ حُميدٍ قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ أبو تُميلَةَ، قال: ثنا الحسينُ بنُ واقدٍ، [عن عكرمةَ، و] عن يزيدَ النحوىِّ، عن عكرمةَ والحسنِ البصرىِّ، قالا: أوَّلُ ما نُسِخ من القرآنِ القبلةُ، وذلك أن النَّبِيَّ ﷺ كان يستقبِلُ صخرةَ بيتِ المقدسِ، وهى قبلةُ اليهودِ، فاستقبلَها النَّبِيُّ ﷺ سبعةَ عشرَ شهرًا، ليؤْمِنوا به ويتَّبِعوه، ويَدعُو بذلك الأمِّيين من العربِ، فقال اللهُ: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ إِنَّ اللهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾
وحَدَّثَنِي المثنَّى بنُ إبراهيمَ، [قال: حَدَّثَنَا إسحاقُ]، قال: ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ في قولِه: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ﴾: يعنُون بيتَ المقدسِ.
، قال: ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ في قولِه: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ﴾: يعنُون بيتَ المقدسِ.
قال الربيعُ: قال أبو العاليةِ: إن نبيَّ اللهِ ﷺ خُيِّرَ بين أَنْ يُوجِّهَ وجهَه حيث شاء، فاختارَ بيتَ المقدسِ، لكى يتألَّفَ أهلَ الكتاب، فكانت قبلةً ستةَ عشرَ شهرًا، وهو في ذلك يقلِّبُ وجْهَه في السماءِ، ثم وجَّهه اللهُ إلى البيتِ الحرامِ.
وقال آخرون: بل كان فعل ذلك من النبيِّ ﷺ وأصحابِه بفرضِ اللهِ عليهم.
ذكرُ من قال ذلك
ذلك يقلِّبُ وجْهَه في السماءِ، ثم وجَّهه اللهُ إلى البيتِ الحرامِ.
وقال آخرون: بل كان فعل ذلك من النبيِّ ﷺ وأصحابِه بفرضِ اللهِ عليهم.
ذكرُ من قال ذلك
حَدَّثَنِي المثنَّي، قال: حَدَّثَنَا عبدُ الله بنُ صالحٍ، قال: حَدَّثَنَا معاوية بنُ صالحٍ، عن عليِّ بنِ أبى طلحة، عن ابنِ عباسٍ قال: لما هاجرَ رسولُ اللهِ ﷺ إلى المدينةِ، وكان أكثرَ أهلِها اليهودُ، أمرَه اللهُ أن يستقْبِلَ بيتَ المقدسِ، ففرِحت اليهودُ، فاستقبَلها رسولُ اللهِ ﷺ بضعةَ عشرَ شهرًا، فكان رسولُ اللهِ ﷺ يحبُّ قبلةَ إبراهيمَ ﵇، وكان يدْعو وينظُرُ إلى السماءِ، فأنزلَ اللهُ: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ﴾ الآية. فارْتاب من ذلك اليهودُ، وقالوا: ﴿مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا﴾؟
قدومِه ستةَ عشرَ شهرًا، ثم ولاه اللهُ إلى الكعبةِ.
ذكرُ السببِ الذى من أجلِه قال [من قال] ﴿مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا﴾
اختلَف أهلُ التأويلِ في ذلك؛ فرُوى عن ابنِ عباسٍ فيه قولان؛ أحدُهما، ما حَدَّثَنَا به ابنُ حُميدٍ، قال: حَدَّثَنَا سلمةُ، قال: حَدَّثَنَا ابنُ إسحاقَ، قال: حَدَّثَنِي محمدُ بنُ أبى محمدٍ، عن عكرمةَ، أو عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: قال ذلك قومٌ من اليهودِ للنبيِّ ﷺ، فقالوا له: ارجِعْ إلى قبلتِك التى كنتَ عليها نَتَّبِعْك ونصدِّقك.
رمةَ، أو عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: قال ذلك قومٌ من اليهودِ للنبيِّ ﷺ، فقالوا له: ارجِعْ إلى قبلتِك التى كنتَ عليها نَتَّبِعْك ونصدِّقك. يُريدون فتنتَه عن دينِه.
والقولُ الآخرُ: ما ذكَرتُ من حديثِ علىِّ بنِ أبى طلحةَ عنه الذى مضَى قبلُ.
حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُريعٍ، عن سعيدٍ، عن قتادةَ قولَه: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا﴾ قال: صلَّت الأنصارُ نحوَ بيتِ المقدسِ حولَين قبلَ قدومِ نبيِّ اللهِ ﷺ المدينةَ، وصلَّى نبيُّ اللهِ ﷺ بعدَ قدومِه المدينةَ مهاجرًا نحوَ بيتِ المقدسِ ستةَ عشرَ شهرًا، ثم وجَّهه اللهُ بعد ذلك إلى الكعبةِ البيتِ الحرامِ، فقال في ذلك قائلُون من الناسِ: ﴿مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا﴾؟ لقد اشتاق الرَّجلُ إلى مولدِه.
ى الكعبةِ البيتِ الحرامِ، فقال في ذلك قائلُون من الناسِ: ﴿مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا﴾؟ لقد اشتاق الرَّجلُ إلى مولدِه. فقال اللهُ ﷿: ﴿قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ
وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾.
[وقال آخَرون: بل قائِلو] هذه المقالةِ المنافقون، وإنما قالوا ذلك استهزاءً بالإسلامِ.
ذكرُ من قال ذلك
حَدَّثَنِي موسي، قال: حَدَّثَنَا عمرٌو، قال: حَدَّثَنَا أسباطُ، عن السُّدِّىِّ، قال: لما وُجِّه النبيُّ ﷺ قِبلَ المسجدِ الحرامِ، اختلَفَ الناسُ فيها فكانوا أصنافًا، فقال المنافقون: ما بالُهم كانوا على قبلةٍ زمانًا ثم ترَكوها وتوجَّهوا غيرَها؟! فأنزَل اللهُ في المنافِقين: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ﴾. الآية كلّها.
القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾.
يعنى جل ثناؤُه بقولِه: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾: كما هدَيْناكم أيها المؤْمنون بمحمدٍ ﵊، وبما جاءَكم به من عندِ اللهِ، فخصَصْناكم بالتوفيقِ لقبلةِ إبراهيمَ وملّتِه، وفضَّلناكم بذلك على من سواكم من أهلِ المللِ، كذلك خصَصْناكم أيضًا ففضَّلناكم على غيرِكم من أهلِ الأديانِ؛ بأن جعَلْناكم أمة وسطًا، وقد بيّنا أن "الأمَّةَ" هى القرنُ من الناسِ، والصِّنْفُ منهم وغيرهم.
وأما "الوسطُ" فإنه في كلام العربِ الخيارُ، يقالُ منه: فلانٌ واسِطُ الحسَبِ في قومِه. أى: متوسِّطُ الحسَبِ، إذا أرادُوا بذلك الرفعَ في حسبِه، وهو وسطٌ في قومِه وواسطٌ. كما يقالُ: شاةٌ يابسةُ اللبنِ، ويَبَسةُ اللَبنِ. وكما قال جل ثناؤُه: ﴿فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا﴾ [طه: ٧٧].
سطٌ في قومِه وواسطٌ. كما يقالُ: شاةٌ يابسةُ اللبنِ، ويَبَسةُ اللَبنِ. وكما قال جل ثناؤُه: ﴿فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا﴾ [طه: ٧٧]. وقال زهيرُ بنُ أبى سُلْمَى في "الوسطِ":
هُمُ وَسَطٌ يَرْضَى الأنامُ بحُكمِهمْ … إذا نَزَلَت إحدَى الليالى بمُعْظَمِ
قال أبو جعفرٍ: وأنا أرَى أن "الوسَطَ" في هذا الموضعِ هو الوسَطُ الذى بمعنى الجزءِ الذي هو بين الطرفَين، مثلَ وسَطِ الدارِ، [محرِّكةُ الوسطِ مثقَّلتُه]، غيرُ جائزٍ في سينِه التخفيفُ. وأرَى أن اللهَ ﵎ إنما وصَفهم بأنهم
وسَطٌ، لتوسُّطِهم في الدينِ، فلا هم أهلُ غلوٍّ فيه غلوَّ النصارَى الذين غَلوْا بالترهُّبِ، وقيلِهم في عيسى ما قالوا فيه، ولا هم أهلُ تقصيرٍ فيه تقصيرَ اليهودِ الذين بدَّلوا كتابَ اللهِ، وقتَلوا أنبياءَهم، وكذَبوا على ربِّهم، وكفَروا به، ولكنهم أهلُ توسُّطٍ واعتدالٍ فيه، فوصَفهم اللهُ بذلك، إذْ كان أحبَّ الأمورِ إلى اللهِ أوساطُها.
هِ، وقتَلوا أنبياءَهم، وكذَبوا على ربِّهم، وكفَروا به، ولكنهم أهلُ توسُّطٍ واعتدالٍ فيه، فوصَفهم اللهُ بذلك، إذْ كان أحبَّ الأمورِ إلى اللهِ أوساطُها.
وأما التأويلُ فإنه جاء بأن الوسَطَ العدْلُ، وذلك هو معنى الخيارِ؛ لأنَّ الخيارَ من الناسِ عُدولُهم.
ذكر من قال: الوسطُ العَدْلُ
حدّثَنِي سلمُ بنُ جُنادَةَ ويعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قالا: ثنا حفصُ بنُ غِياثٍ، عن الأعمشِ، عن أبى صالحٍ، عن أبي سعيدٍ، قال: قال رسولُ الله ﷺ في قولِه: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ قال: "عدلًا".
حَدَّثَنَا مجاهدُ بنُ موسى ومحمدُ بنُ بشارٍ، قالا: ثنا جعفرُ بنُ عونٍ، عن الأعمشِ، عن أبى صالحٍ، عن أبى سعيدٍ، عن النَّبِيِّ ﷺ مثلَه.
وحَدَّثَنَا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: حَدَّثَنَا مؤَمَّلٌ، قال: حَدَّثَنَا سفيانُ، عن الأعمشِ، عن أبى صالحٍ، عن أبى سعيدٍ الخُدرىِّ: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً
وَسَطًا﴾ قال: "عدلًا".
َدَّثَنَا مؤَمَّلٌ، قال: حَدَّثَنَا سفيانُ، عن الأعمشِ، عن أبى صالحٍ، عن أبى سعيدٍ الخُدرىِّ: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً
وَسَطًا﴾ قال: "عدلًا".
وحَدَّثَنِي عليُّ بنُ عيسي، قال: حَدَّثَنَا سعيدُ بنُ سليمانَ، عن حفصِ بنِ غِياثٍ، [عن الأعمشِ]، عن أبي صالحٍ، عن أبى هريرةَ، عن النَّبِيِّ ﷺ في قولِه: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ قال: "عدلًا".
حَدَّثَنَا أبو كُريبٍ، قال: حَدَّثَنَا ابنُ يمانٍ، عن أشعثَ، عن جعفرٍ، عن سعيدٍ: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ قال: عدلًا.
وحَدَّثَنِي محمدُ بنُ عمرٍو، قال: حَدَّثَنَا أبو عاصمٍ، عن عيسي، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾.
َّثَنِي محمدُ بنُ عمرٍو، قال: حَدَّثَنَا أبو عاصمٍ، عن عيسي، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾. قال: عدلًا.
وحَدَّثَنِي المُثَنَّى، قال؛ حَدَّثَنَا أبو حذيفةَ، قال: حَدَّثَنَا شبلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
وحَدَّثَنَا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: حَدَّثَنَا يزيدُ، قال: حَدَّثَنَا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه؛ ﴿أُمَّةً وَسَطًا﴾ قال: عدلًا.
وحَدَّثَنَا الحسنُ بنُ يحيي، قال: أخبرنا عبدُ الرزّاقِ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿أُمَّةً وَسَطًا﴾ قال: عُدولًا.
وحدَّثنى المثنَّي، قال: حَدَّثَنَا إسحاقُ، قال: حَدَّثَنَا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه،
عن الربيعِ في قولِه: ﴿أُمَّةً وَسَطًا﴾ قال: عدلًا.
وحدَّثَنِى محمدُ بنُ سعدٍ، قال: حَدَّثَنِي أبي، قال: حَدَّثَنِي عمي، قال: حَدَّثَنِي أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾.
ِى محمدُ بنُ سعدٍ، قال: حَدَّثَنِي أبي، قال: حَدَّثَنِي عمي، قال: حَدَّثَنِي أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾. يقولُ: جعَلكم أمة عدلًا.
وحدَّثَنِى المثنَّي، قال: ثنا سويدُ بنُ نصرٍ، قال: أخبرنا ابنُ المباركِ، عن رِشْدِين بنِ سعدٍ، قال: أخبرنى ابنُ أنْعُمٍ المَعافِرىُّ، عن حِبّانَ بنِ أبى جَبَلَةَ يُسْنِدُه إلى رسولِ اللهِ ﷺ: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾. قال: "الوسَطُ العدلُ".
وحَدَّثَنَا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: حَدَّثَنِي حجاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ، عن عطاءٍ ومجاهدٍ وعبدِ اللهِ بنِ كَثيرٍ: ﴿أُمَّةً وَسَطًا﴾. قالوا: عدلًا. قال مجاهدٌ: عدولًا.
وحدَّثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾. قال: هم وسطٌ بين النَّبِيِّ ﷺ وبين الأُممِ.
القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾.
والشهداءُ جمعُ شهيدٍ.
فمعنى ذلك: وكذلك جعَلناكُم أُمةً [عدلًا لتكونوا] شهداءَ لأنْبيائى ورُسلى
على أُمِمها بالبلاغِ، أنَّها قد بلَّغت ما أُمِرت ببلاغِه من رسالاتى إلى أُمَمِها، ويكونَ رَسولى محمدٌ ﷺ شهيدًا عليكم بإيمانِكم به، وبما جاءكم به من عندى.
[وقيل: معْنى "عَلَيْكُمْ" في قولِه: ﴿وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾: لكم. كأن تأويلَه عندهم: ويكونَ الرسولُ شهيدًا لكم.
وقال قائلُ هذه المقالةِ: هذا نظيرُ قولِه: ﴿وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾ [المائدة: ٣] إنما هو: وما ذبح للنصُبِ].
حَدَّثَنِي أبو السّائبِ، قال: حَدَّثَنَا حفصٌ، عن الأعمشِ، عن أبى صالحٍ، عن أبى سعيدٍ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ: "يُدْعَى بنُوحٍ ﵇ يومَ القيامَةِ، فيُقالُ له: هل بَلَّغْتَ ما أرْسِلتَ به؟ فيقولُ: نعم. فيقالُ لقَومِه: هل بَلَّغَكم؟ فيقولُون: ما جاءنَا من نَذيرٍ. فيُقالُ له: من يَعْلَمُ ذاك؟
مَةِ، فيُقالُ له: هل بَلَّغْتَ ما أرْسِلتَ به؟ فيقولُ: نعم. فيقالُ لقَومِه: هل بَلَّغَكم؟ فيقولُون: ما جاءنَا من نَذيرٍ. فيُقالُ له: من يَعْلَمُ ذاك؟ فيقولُ: محمَّدٌ وأُمَّتُه". فهو قولُه: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾.
وحَدَّثَنَا مجاهدُ بنُ موسي، قال: حَدَّثَنَا جعفرُ بنُ عوْنٍ، قال: أخبَرنا الأعمشُ، عن أبى صالحٍ، عن أبي سعيدٍ، عن النَّبِيِّ ﷺ بنحوِه، إلَّا أنه زاد فيه: ["فتُدْعَوْن فتَشْهَدون] أنه قد بلَّغ".
وحَدَّثَنَا محمدُ بن بشارٍ، قال: حَدَّثَنَا مؤمَّلٌ، قال: حَدَّثَنَا سفيانُ، عن الأعمشِ، عن أبى صالحٍ، عن أبى سعيدٍ الخدرىِّ: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ بأن الرسلَ قد بلَّغُوا، ﴿وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ بما عمِلْتم أو فعَلْتم.
اكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ بأن الرسلَ قد بلَّغُوا، ﴿وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ بما عمِلْتم أو فعَلْتم.
وحَدَّثَنَا أبو كُريبٍ، قال: حَدَّثَنَا ابنُ فُضَيلٍ، عن أبى مالكٍ الأشْجعيِّ، عن المغيرةِ ابنِ عُتَيْبةَ بنِ النَّهّاسِ، أن مُكْتِبًا لهم حدَّثهم، عن جابرِ بنِ عبدِ اللهِ، أن النَّبِيَّ ﷺ قال: "إنِّى وأُمَّتى لعلى كَوْمٍ يومَ القيامةِ مُشْرفين على الخلائقِ، ما أحدٌ من الأُمم إلَّا ودَّ أنه منا أيَّتُها الأُمَّةُ، وما من نبيٍّ كذَّبه قومُه إلَّا نحن شُهَداؤُه يومَ القيامةِ أنه قد بلَّغ رسالاتِ ربِّه ونصَح لهم. قال: [والرسولُ عليكم شهيدٌ] ".
وحَدَّثَنِي عصامُ بنُ رَوّادِ بنِ الجرّاحِ العسقلانيُّ، قال: حدَّثنى أبي، قال:
حَدَّثَنَا الأوزاعىُّ، عن يحيى بنِ أبي كثيرٍ، عن عبدِ اللهِ بنِ أبي الفضلِ، عن أبى هريرةَ، قال: خرَجْتُ مع النَّبِيِّ ﷺ في جِنازةٍ، فلما صُلِّى على الميت قال الناسُ: نِعمَ الرجلُ. فقال النَّبِيُّ ﷺ: "وَجَبَتْ".
نِ أبي الفضلِ، عن أبى هريرةَ، قال: خرَجْتُ مع النَّبِيِّ ﷺ في جِنازةٍ، فلما صُلِّى على الميت قال الناسُ: نِعمَ الرجلُ. فقال النَّبِيُّ ﷺ: "وَجَبَتْ". ثم خرَجْتُ معه في جِنازَةٍ أُخري، فلمّا صلَّوْا على الميتِ قال الناسُ: بئسَ الرجلُ. فقال النَّبِيُّ ﷺ: "وَجَبَتْ". فقام إليه أُبيُّ بن كعب فقال: يا رسولَ الله، ما قولُك: وَجَبَتْ؛ قال: "قولُ اللهِ: ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ ".
وحَدَّثَنِي عليُّ بنُ سهلٍ الرمْليُّ، قال: حَدَّثَنَا الوليدُ بنُ مسلمٍ، قال: حَدَّثَنِي أبو عمروٍ، عن يحيي، قال: حَدَّثَنِي عبدُ اللهِ بن أبى الفضلِ المدينيُّ، قال: حَدَّثَنِي أبو هريرةَ، قال: أُتى رسولُ اللهِ ﷺ بجِنازةٍ، فقال الناسُ: نِعمَ الرجلُ.
عن يحيي، قال: حَدَّثَنِي عبدُ اللهِ بن أبى الفضلِ المدينيُّ، قال: حَدَّثَنِي أبو هريرةَ، قال: أُتى رسولُ اللهِ ﷺ بجِنازةٍ، فقال الناسُ: نِعمَ الرجلُ. ثم ذكَر نحوَ حديثِ عصامٍ، عن أبيه.
[حَدَّثَنَا العباسُ بنُ الوليدِ، قال: حَدَّثَنِي أبي، قال: حَدَّثَنِي الأوزاعيُّ، قال: حَدَّثَنِي يحيى بنُ أبى كثيرٍ، قال: حَدَّثَنِي عبدُ اللهِ، قال: حَدَّثَنِي أبو هريرةَ، عن رسولِ اللهِ ﷺ بنحوِه].
وَحَدَّثَنَا أبو كُريبٍ، قال: حَدَّثَنَا زيدُ بنُ حُبَابٍ، قال: حَدَّثَنَا عكرمةُ بنُ عمارٍ، قال: حَدَّثَنِي إياسُ بنُ سلمةَ بنِ الأكوعِ، عن أبيه، قال: كنا مع النَّبِيِّ ﷺ فمُرَّ
بجنازةٍ عليه فأُثْنِى عليها ثناءٌ حسنٌ، فقال: "وَجَبَتْ". ومُرَّ عليه بجِنازةٍ أُخْري، فأُثْنِى عليها دونَ ذلك، فقال: "وَجَبَتْ". قالوا: يا رسولَ اللهِ، ما "وجَبَتْ؟ " قال: "الملائِكةُ شُهداءُ اللهِ في السماءِ، وأنتم شُهداءُ اللهِ في الأرضِ، فما شَهِدْتم عليه [من شيءٍ] وَجَبَتْ".
الوا: يا رسولَ اللهِ، ما "وجَبَتْ؟ " قال: "الملائِكةُ شُهداءُ اللهِ في السماءِ، وأنتم شُهداءُ اللهِ في الأرضِ، فما شَهِدْتم عليه [من شيءٍ] وَجَبَتْ". ثم قرَأ: " ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ " الآية [التوبة: ١٠٥].
وحَدَّثَنِي محمدُ بنُ عمرٍو، قال: حَدَّثَنَا أبو عاصمٍ، عن عيسي، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾: تكونوا شهداءَ لمحمدٍ ﷺ على الأُممِ؛ اليهودِ والنصارَى والمجوسِ.
وحَدَّثَنِي المثنَّي، قال: حَدَّثَنَا أبو حذيفةَ، قال: حَدَّثَنَا شبلٌ، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
وحَدَّثَنِي محمدُ بنُ عمرٍو، قال: حَدَّثَنَا أبو عاصمٍ، عن عيسي، عن ابنِ أبى نجيحٍ، قال: يأْتى النَّبِيُّ ﷺ يومَ القيامةِ بإذنِه ليس معه أحدٌ، فتَشْهَدُ له أمةُ محمدٍ ﷺ أن قد بلَّغهم.
وحَدَّثَنِي المثنَّي، قال: حَدَّثَنَا أبو حذيفةَ، قال: حَدَّثَنَا شبلٌ، عن ابن أبى نَجيحٍ، عن أبيه، أنه سمِع عُبيد بنَ عُميرٍ [يقولُ.
أن قد بلَّغهم.
وحَدَّثَنِي المثنَّي، قال: حَدَّثَنَا أبو حذيفةَ، قال: حَدَّثَنَا شبلٌ، عن ابن أبى نَجيحٍ، عن أبيه، أنه سمِع عُبيد بنَ عُميرٍ [يقولُ. فذكَر] (٢) مثلَه.
وحَدَّثَنَا القاسمُ، قال: حَدَّثَنَا الحسين، قال: حَدَّثَنِي حجاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ، قال: حَدَّثَنِي ابنُ أبى نَجيحٍ، عن أبيه، قال: يأتى النَّبِيُّ ﷺ يومَ القيامةِ. فذكَر مثلَه، ولم يذكُرْ عُبيدَ بنَ عُميرٍ.
وحَدَّثَنَا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: حَدَّثَنَا يزيدُ، قال: حَدَّثَنَا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ أى: أنَّ رسلَهم قد بلّغتْ قومَها عن ربِّها، ﴿وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ على أنَّه قد بلَّغ رسالاتِ رِّبه إلى أُمتِه.
وحَدَّثَنَا الحسنُ بنُ يحيي، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا معمرٌ، عن قتادَةَ: ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾: لتكونَ هذه الأمةُ شهداءَ على الناسِ أن الرسُلَ قد بلَّغتهم، ويكونَ الرسولُ على هذه الأمةِ شهيدًا أن قد بلَّغ ما أُرْسِل به.
شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾: لتكونَ هذه الأمةُ شهداءَ على الناسِ أن الرسُلَ قد بلَّغتهم، ويكونَ الرسولُ على هذه الأمةِ شهيدًا أن قد بلَّغ ما أُرْسِل به.
حَدَّثَنَا الحسنُ بنُ يحيي، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن زيدِ ابنِ أسلمَ، أنّ قومَ نوحٍ يقولون يومَ القيامةِ: لَمْ يبلِّغْنا نوحٌ. فيُدْعَى نوحٌ فيُسألُ: هل بلَّغتَهم؟ فيقولُ: نعم، [قد بلَّغتُهم]. فيقالُ: من شُهودُك؟ فيقولُ: أحمدُ وأُمتُه. فتُدْعَوْن فتُسأَلون فتقولون: نعم قد بلَّغهم. فيقولُ قومُ نوحٍ: كيف تَشْهدون علينا ولم تُدْرِكونا؟ قالوا: قد جاءنا نبيُّ اللهِ فأخبَرنا أنه قد بلَّغكم، وأُنزلَ عليه أنه قد بلَّغكم، فصدَّقْناه. قال: فيُصدَّق نوحٌ [ويكذبون هم]. قال: ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾.
حَدَّثَنَا الحسنُ بنُ يحيي، قال: أخبرَنا عبد الرزّاق، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن زيدِ بنِ أسلمَ، أن الأممَ يقولون يومَ القيامةِ: واللهِ لقد كادت هذه الأمةُ أن يكونوا أنبياءَ كلَّهم.
قال: أخبرَنا عبد الرزّاق، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن زيدِ بنِ أسلمَ، أن الأممَ يقولون يومَ القيامةِ: واللهِ لقد كادت هذه الأمةُ أن يكونوا أنبياءَ كلَّهم. لِما يَرَوْن اللهَ أعطاهم.
وحدَّثنى المثنَّي، قال: حَدَّثَنَا سويدُ بنُ نصرٍ، قال: حَدَّثَنَا ابنُ المباركِ، عن رِشدِينَ بنِ سعدٍ، قال: أخبَرنى ابنُ أنعمٍ المَعافرِىُّ، عن حِبّانَ بنِ أبى جَبَلةَ، يُسْنِدُه إلى رسولِ اللهِ ﷺ قال: "إذا جمَع اللهُ عبادَه يومَ القيامَة كان أوَّلَ من يُدْعَى إسْرافيلُ، فيقولُ له ربُّه: ما فعَلْتَ في عَهْدى؟ هل بَلَّغْتَ عَهْدى؟ فيقولُ: نعم رَبِّ، قد بَلَّغْتُه جبْريلَ. فيُدْعَى جبْرِيلُ فيقالُ له: هل بَلَّغَك إسْرافيلُ عَهْدى؟ فيقولُ: نعم ربِّ، قد بَلَّغنى. فيُخَلَّى عن إسرافيلَ، ويقالُ لجبريلَ: هل بَلَّغْتَ عَهْدى؟ فيقولُ: نعم قد بَلَّغْتُ الرُّسُلَ. فتُدْعَى الرسلُ فيقالُ لهم: هل بَلَّغَكم جبريلُ عَهْدِى؟ فيقولون: نعم رَبَّنا. فيُخَلَّى عن جبريلَ، ثم يقالُ للرسلِ: ما فَعَلتم بعَهْدى؟
ُ الرُّسُلَ. فتُدْعَى الرسلُ فيقالُ لهم: هل بَلَّغَكم جبريلُ عَهْدِى؟ فيقولون: نعم رَبَّنا. فيُخَلَّى عن جبريلَ، ثم يقالُ للرسلِ: ما فَعَلتم بعَهْدى؟ فيقولون: بلَّغْنا أُمَمَنا. فتُدْعى الأُممُ فيقالُ: هل بَلَّغَكم الرسلُ عَهْدى؟ فمنهم المُكَذِّبُ، ومنهم المُصدِّقُ، فتقولُ الرسلُ: إن لنا عليهم شُهودًا يَشْهَدون أنْ قد بَلَّغْنا مع شَهادتِك. فيقولُ: من يَشْهَدُ لكم؟ فيقولون: أُمَّةُ أحمدَ. فتُدْعَى أُمةُ أحمدَ. فيقولُ: أتَشْهَدُون أن رُسُلى هؤلاء قد بَلَّغوا عَهْدى إلى من أُرْسِلوا إليه؟ فيقولون: نعم رَبَّنا، شهِدْنا أنْ قد بَلَّغوا. فتقولُ تلك الأُممُ: ربَّنا، كيف يَشْهَدُ علينا من لَمْ يُدْرِكْنا؟ فيقولُ لهم الرَّبُّ: كيف تَشْهَدون على من لَمْ تُدْرِكوا؟
فيقولون: رَبَّنا بَعَثْتَ إلينا رسولًا، وأنزَلْت إلينا عهْدَك وكتابَك، وقصَصْتَ علينا أنهم قد بَلَّغُوا، فشهِدْنا بما عَهِدْتَ إلينا. فيقولُ الرَّبُّ: صَدَقُوا. فذلك قولُه: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾.
َك، وقصَصْتَ علينا أنهم قد بَلَّغُوا، فشهِدْنا بما عَهِدْتَ إلينا. فيقولُ الرَّبُّ: صَدَقُوا. فذلك قولُه: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾. والوسطُ العدلُ: ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ ". قال ابنُ أنعمٍ: فبلَغنى أنه يشهَدُ يومئذٍ أمةُ محمدٍ إلَّا من كان في قلبِه حِنَةٌ على أخيه.
حَدَّثَنَا المثنَّي، قال: حَدَّثَنَا إسحاقُ، قال: حَدَّثَنَا أبو زهيرٍ، عن جُوَيْبرٍ، عن الضحاكِ في قولِه: ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾: يَعنى بذلك الذين استَقاموا على الهدَي، فهم الذين يكونون شهداءَ على الناسِ يومَ القيامةِ، لتكذيبِهم رسلَ اللهِ، وكفرِهم بآياتِ اللهِ.
وحدِّثتُ عن عمارِ بنِ الحسنِ، قال: حَدَّثَنَا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ قولَه: ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾.
كفرِهم بآياتِ اللهِ.
وحدِّثتُ عن عمارِ بنِ الحسنِ، قال: حَدَّثَنَا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ قولَه: ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾. يقولُ: لتكونوا شهداءَ على الأُمَمِ الذين خلَوْا من قبلِكم بما جاءتهم به رسلُهم، وبما كذَّبوهم، فقالوا يومَ القيامةِ وعجِبوا: إن أمةً لَمْ يكونوا في زمانِنا، فآمَنوا بما جاءَت به رسلُنا، وكذَّبْنا نحن بما جاءُوا به! فعجِبوا كلَّ العجبِ.
وقولُه: ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ يعنى: بإيمانِهم به، وبما أُنزِل عليه.
حَدَّثَنِي محمدُ بنُ سعدٍ، قال: حَدَّثَنِي أبي، قال: حَدَّثَنِي عمِّي، قال: حَدَّثَنِي أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ: ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾: يعنى أنهم شهداءُ على القرونِ بما سمَّى اللهُ لهم.
دَّثَنِي عمِّي، قال: حَدَّثَنِي أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ: ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾: يعنى أنهم شهداءُ على القرونِ بما سمَّى اللهُ لهم.
حدَّثنا القاسمُ، قال: حَدَّثَنَا الحسينُ، قال: حَدَّثَنِي حجاجٌ، قال: قال ابنُ جُريجٍ: قلتُ لعطاءٍ: ما قولُه: ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ قال: أمةُ محمدٍ شُهداءُ على من ترَك الحقَّ حين جاءَه، [والإيمانَ] والهدَى ممن كان قبلَنا. [وقالها] عبدُ اللهِ بنُ كثيرٍ. قال: وقال عطاءٌ: هم شهداءُ على من ترَك الحقَّ، من ترَكه من الناسِ أجمعين، جاء ذلك أمةَ محمدِ في كتابِهم، ﴿وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ على أنَّهم قد آمَنوا بالحقِّ حين جاءهم، وصدَّقوا به.
ترَكه من الناسِ أجمعين، جاء ذلك أمةَ محمدِ في كتابِهم، ﴿وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ على أنَّهم قد آمَنوا بالحقِّ حين جاءهم، وصدَّقوا به.
حَدَّثَنِي يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ قال: رسولُ الله ﷺ شاهدٌ على أمَّتِه، وهم شهداءُ على الأُمَمِ، وهم أحدُ الأشهادِ الذين قال اللهُ: ﴿وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ [غافر: ٥١] [والأشهادُ أربعةٌ:] الملائكةُ الذين يُحصُون أعمالَنا، لنا وعلينا. وقرَأ قولَه: ﴿وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ﴾ [ق: ٢١] وقال: هذا يومُ القيامةِ. قال: والنبيُّون شهداءُ على أُممِهم. قال: وأمةُ محمدٍ شهداءُ
على الأُممِ. قال: والأطوارُ الأجسادُ والجلودُ.
نَا القاسمُ، قال: حَدَّثَنَا الحسينُ، قال: حَدَّثَنِي حجاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ، قال: قلت لعطاءٍ: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا﴾؟ قال: القبلةُ بيتُ المقدسِ.
وإنما ترَك ذكرَ الصرفِ عنها اكتِفاءً بدَلالةِ ما قد ذُكِر من الكلامِ على معْناه،
كسائرِ ما قد ذكرْنا فيما مضَى من نظائرِه.
وإنما قلنا ذلك معْناه؛ لأن محنةَ اللهِ أصحابَ رسولِه في القبلةِ إنما كانت -فيما تظاهَرَت به الأخبارُ- عند التحويلِ من بيتِ المقدسِ إلى الكعبةِ، حتى ارتدَّ -فيما ذُكر- رجالٌ ممن كان قد أسلَم واتَّبعَ رسولَ اللهِ ﷺ، وأظهَر كثيرٌ من المنافقين من أجلِ ذلك نفاقَهم، وقالوا: ما بالُ محمدٍ يحوِّلُنا مرَّةً إلى ههنا، ومرَّةً إلى ههنا. ومرَّةً إلى ههنا. وقال المسلمون [في أنفسِهم وفي من] مضَى من إخوانِهم المسلمين، وهم يصلُّون نحوَ بيتِ المقدسِ: بطَلَتْ أعمالُنا وأعمالُهم وضاعتْ. وقال المشرِكون: تحيّرَ محمدٌ في دينِه.
ي أنفسِهم وفي من] مضَى من إخوانِهم المسلمين، وهم يصلُّون نحوَ بيتِ المقدسِ: بطَلَتْ أعمالُنا وأعمالُهم وضاعتْ. وقال المشرِكون: تحيّرَ محمدٌ في دينِه. فكان ذلك فتنةً للناسِ وتمحيصًا للمؤمنين، فلذلك قال جل ثناؤُه: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾ بمعْنى: وما جعلْنا صرْفَك عن القبلةِ التى كنتَ عليها. وتحويلَك إلى غيرِها. كما قال جل ثناؤُه: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾ [الإسراء: ٦٠] بمعنى: وما جعلْنا خبرَك عن الرُّؤْيا التى أرَيناك. وذلك أنه لو لم يكنْ أخبرَ القومَ بما كان أُرِىَ ﷺ، لم يكنْ فيه على أحد فتنةٌ.
َّاسِ﴾ [الإسراء: ٦٠] بمعنى: وما جعلْنا خبرَك عن الرُّؤْيا التى أرَيناك. وذلك أنه لو لم يكنْ أخبرَ القومَ بما كان أُرِىَ ﷺ، لم يكنْ فيه على أحد فتنةٌ. وكذلك القبلةُ الأُولى التى كانت نحوَ بيتِ المقدسِ لو لم يكنْ صرفٌ عنها إلى الكعبةِ، لم يكنْ فيها على أحدٍ فِتْنةٌ ولا محنةٌ.
ذِكرُ الأخبارِ التى رُوِيت في ذلك بمعْنى ما قلنا
حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: حدَّثنا يزيدُ بنُ زُرَيْعٍ، عن سعيدٍ، عن قتادةَ، قال:
كانت القبلةُ فيها بلاءٌ وتَمْحيصٌ، صلَّتِ الأنصارُ نحوَ بيتِ المقدسِ حولَيْن قبل قدومِ نبيِّ اللهِ ﷺ المدينةَ، وصلَّى نبيُّ اللهِ بعد قُدومِه المدينةَ مهاجرًا نحوَ بيتِ المقدسِ ستةَ عَشرَ شهرًا، ثم وَجَّهه اللهُ بعدَ ذلك إلى الكعبةِ البيتِ الحرامِ، فقال في ذلك قائلُون من الناسِ: ﴿مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا﴾؟ لقد اشتاقَ الرجلُ إلى مولدِه! قال اللهُ: ﴿قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾.
كَانُوا عَلَيْهَا﴾؟ لقد اشتاقَ الرجلُ إلى مولدِه! قال اللهُ: ﴿قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾. فقال أناسٌ لمّا صُرِفت القبلةُ نحوَ البيتِ الحرامِ: كيف بأعمالِنا التى كنا نعمَلُ في قبلتِنا الأُولَى؟ فأنزلَ اللهُ جل ثناؤُه: ﴿وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾، وقد يَبْتلى اللهُ العبادَ بما شاء من أمرِه، الأمرَ بعدَ الأمرِ؛ ليعلمَ من يُطيعُه ممن يَعصِيه، وكلُّ ذلك مقبولٌ إذا كان في إيمانٍ باللهِ، وإخلاصٍ له، وتَسليمٍ لقضائِه.
حدَّثنى موسى، قال: حدَّثنا عمرٌو، قال: حدَّثنا أسباطُ، عن السُّدِّىِّ، قال: كان النبيُّ ﷺ يصلِّى قِبَلَ بيتِ المقدس، فنَسَختها الكعبةُ، فلمّا تَوجَّه قِبلَ المسجدِ الحرامِ، اختلفَ الناسُ فيها فكانوا أصنافًا؛ فقال المنافقون: ما بالُهم كانوا على قبلةٍ زمانًا، ثم ترَكوها وتوجَّهُوا غيرَها؟ وقال المسلمون: ليت شِعْرَنا عن إخوانِنا الذين ماتوا وهم يصلُّون قِبلَ بيتِ المقدسِ، هل تَقبَّل اللهُ منّا ومنهم أم لا؟
ثم ترَكوها وتوجَّهُوا غيرَها؟ وقال المسلمون: ليت شِعْرَنا عن إخوانِنا الذين ماتوا وهم يصلُّون قِبلَ بيتِ المقدسِ، هل تَقبَّل اللهُ منّا ومنهم أم لا؟ وقالت اليهودُ: إن محمدًا اشتاقَ إلى بلد أبيه ومولدِه، ولو ثبَت على قبلتِنا، لكنا نرجُو أن يكونَ هو صاحبَنا الذي ننتظِرُ. وقال المشرِكون من أهلِ مكةَ: تحيّرَ [محمدٌ على] دينِه،
فتوجَّه بقبلتِه إليكم، وعلِم أنكم كنتم أهدَى منه، ويوشِكُ أن يدخُلَ في دينِكم. فأنزَل اللهُ في المنافقين: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا﴾ إلى قولِه: ﴿وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللهُ﴾ وأنزلَ في الآخَرين الآياتِ بعدَها.
حدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ قال: حدَّثنى حجاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ، قال: قلتُ لعطاءٍ: ﴿إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾؟ فقال عطاءٌ: يَبْتليهم ليعلمَ من يُسلِمُ لأمرِه.
قال: قلتُ لعطاءٍ: ﴿إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾؟ فقال عطاءٌ: يَبْتليهم ليعلمَ من يُسلِمُ لأمرِه. قال ابنُ جُريجٍ: بلَغنى أن ناسًا ممن أسلَم رجَعوا فقالوا: مرَّةً ههنا ومرَّةً ههنا!
فإن قال لنا قائلٌ: أوَ ما كان اللهُ عالمًا بمن يتَّبعُ الرسولَ ممن ينقلِبُ على عَقِبيه، إلا بعدَ اتِّباعِ المتَّبعِ، وانقلابِ المنْقلِبِ على عَقِبيه، حتى قال: ما فعَلْنا الذي فعَلْنا من تحويلِ القبلةِ إلا لنعلَمَ المتَّبِعَ رسولَ اللهِ من المنقلِبِ على عَقِبيه؟
قيل: إن اللهَ جل ثناؤُه هو العالمُ بالأشياءِ كلِّها قبلَ كونِها، وليس قولُه: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾ [بخبرٍ عن] أنه لم يعلَمْ ذلك إلا بعدَ وجودِه.
فإن قال: فما معْنى ذلك؟
إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾ [بخبرٍ عن] أنه لم يعلَمْ ذلك إلا بعدَ وجودِه.
فإن قال: فما معْنى ذلك؟
قيل له: أمّا معْناه عندَنا فإنه: وما جعَلْنا القبلةَ التى كنتَ عليها إلا ليعلمَ رسولى وحِزْبى وأوْليائِي مَن يتَّبِعُ الرسولَ ممن ينقلِبُ على عَقِبيه، فقال جل ثناؤُه: ﴿إِلَّا
لِنَعْلَمَ﴾. ومعناه: ليعلَمَ رسولى وأوليائِى. إذْ كان رسولُه وأولياؤُه من حزْبِه، وكان من شأنِ العربِ إضافةُ ما فعَلته أتباعُ الرئيسِ إلى الرئيسِ، وما فعَل بهم إليه، نحوَ قولِهم: فتَح عمرُ بنُ الخطابِ سوادَ العراقِ، وجبَى خراجَها.
وكان من شأنِ العربِ إضافةُ ما فعَلته أتباعُ الرئيسِ إلى الرئيسِ، وما فعَل بهم إليه، نحوَ قولِهم: فتَح عمرُ بنُ الخطابِ سوادَ العراقِ، وجبَى خراجَها. وإنما فعَل ذلك أصحابُه عن سببٍ كان منه في ذلك.
وكالذي رُوِى في نظيرِه عن النبيِّ ﷺ أنه قال: "يقولُ اللهُ: مَرِضْتُ فلم يَعُدْنى عَبْدى، واسْتقْرَضْتُه فلم يُقْرِضْنى، وشَتَمَنى ولم يَنْبَغِ له أن يَشْتُمَنى".
حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: حدَّثنا خالدٌ، عن محمدِ بنِ جعفرٍ، عن العلاءِ بنِ عبدِ الرحمنِ، عن أبيه، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ: "يقولُ اللهُ: استقْرَضْتُ عَبْدى فلم يُقْرِضنى، وشَتَمَنى ولم يَنْبَغِ له أن يَشْتُمَنى، يقولُ: وادَهْراه.
يه، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ: "يقولُ اللهُ: استقْرَضْتُ عَبْدى فلم يُقْرِضنى، وشَتَمَنى ولم يَنْبَغِ له أن يَشْتُمَنى، يقولُ: وادَهْراه. [وأنا] الدهْرُ، أنا الدهْرُ".
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: حدَّثنا سلمةُ، عن ابنِ إسحاقَ، عن العلاءِ بنِ عبدِ الرحمنِ، عن أبيه، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ ﷺ بنحوِه.
فأضاف تعالى ذكرُه الاستقراضَ والعيادةَ إلى نفسِه، وإن كان ذلك بغيرِه، إذْ كان ذلك عن سَببِه.
وقد حُكِى عن العربِ سماعًا: أجوعُ في غيرِ بطنى، وأعْرَى في غيرِ ظهرِى. بمعنى جوعِ أهلِه وعيالِه، وعُرْىِ ظهورِهم. فكذلك قولُه: ﴿إِلَّا لِنَعْلَمَ﴾ بمعنى:
يعلَمُ أوليائى وحِزْبى. وبنحوِ ما قلْنا في ذلك [قالت جماعةٌ من] أهلِ التأويلِ.
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثنى المثنَّى، قال: حدَّثنا أبو صالحٍ، قال: حدثنى معاويةُ، عن عليِّ بنِ أبى طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾.
أَلَمْ تَرَ﴾ ألم تعْلَمْ؟ وزعَم أن معنى قولِه: ﴿إِلَّا لِنَعْلَمَ﴾ بمعنى: إلا لنَرى من يتّبعُ الرسولَ. وزعَم أن قولَ القائلِ: رأيْتُ وعلِمتُ وشهِدتُ. حروفٌ تتعاقَبُ، فيوضَعُ بعضُها موضعَ بعضٍ، كما قال جريرُ ابنُ عطيةَ:
كأنّك لم تَشْهَدْ لَقِيطًا وحاجِبًا … وعمرَو بنَ عمرٍو إذ دعا يا لدارِمِ
بمعنى: كأنك لم تعلَمْ لقيطًا؛ لأن بينَ هُلْكِ لَقيطٍ وحاجبٍ وزمانِ جريرٍ ما لا يَخْفى بُعدُه من المُدَّةِ، وذلك أن الذين ذكَرهم هلَكوا في الجاهليةِ، وجريرٌ كان بعدَ
بُرهةٍ مضَت من مجئِ الإسلامِ.
ِ لَقيطٍ وحاجبٍ وزمانِ جريرٍ ما لا يَخْفى بُعدُه من المُدَّةِ، وذلك أن الذين ذكَرهم هلَكوا في الجاهليةِ، وجريرٌ كان بعدَ
بُرهةٍ مضَت من مجئِ الإسلامِ.
وهذا تأويلٌ بعيدٌ؛ من أجلِ أن الرؤْيةَ وإن استُعْملت في موضعِ العلمِ، من أجلِ أنه مستحِيلٌ أن يَرَى أحدٌ شيئًا، فلا توجِبُ له رؤيتُه إياه علْمًا بأنه قد رآه، إذا كان صحيحَ الفِطرةِ، فجاز من الوجهِ الذي أثبَتَه رؤيةً أن يُضافَ إليه إثباتُه إياه علْمًا، وصحَّ أن يدُلَّ بذكرِ الرؤيةِ على معنى العلمِ من أجلِ ذلك، فليس ذلك وإن جاز في الرؤيةِ -لما وصفْنا- بجائزٍ في العلمِ، فيدُلَّ بذكرِ الخبرِ عن العلمِ على الرؤْيةِ؛ لأن المرءَ قد يعلَمُ أشياءَ كثيرةً لم يرَها ولا يراها، ويستَحِيلُ أن يَرى شيئًا إلا علِمه، [على ما] قد قدَّمنا البيانَ، مع أنه غيرُ موجودٍ في شيءٍ من كلامِ العربِ أن يقالَ: علِمتُ كذا. بمعنى: رأيتُه.
اها، ويستَحِيلُ أن يَرى شيئًا إلا علِمه، [على ما] قد قدَّمنا البيانَ، مع أنه غيرُ موجودٍ في شيءٍ من كلامِ العربِ أن يقالَ: علِمتُ كذا. بمعنى: رأيتُه. وإنما يجوزُ توجيهُ معانى ما في كتاب اللهِ الذي أنزَله على محمدٍ ﷺ من الكلامِ، إلى ما كان موجودًا مثلَه في كلامِ العربِ، دونَ ما لم يكنْ موجودًا في كلامِها، فموجودٌ في كلامِها: رأيتُ بمعنى: علِمتُ. وغيرُ موجودٍ في كلامِها: علِمتُ بمعنى: رأيتُ. فيجوزُ توجيهُ قولِه: ﴿إِلَّا لِنَعْلَمَ﴾ إلى معنى: إلَّا لنرَى.
وقال آخرون: إنما قيل: ﴿إِلَّا لِنَعْلَمَ﴾ من أجلِ أنّ المنافقين واليهودَ وأهلَ الكفرِ باللهِ أنكَروا أن يكونَ اللهُ تعالى ذكرُه يعلَمُ الشئَ قبلَ كونِه، وقالوا -إذْ قيل لهم: إن قومًا من أهلِ القبلةِ سيرْتدُّون على أعقابِهم إذا حُوِّلت قبلةُ محمدٍ إلى الكعبةِ-: ذلك غيرُ كائنٍ. أو قالوا: ذلك باطلٌ.
نِه، وقالوا -إذْ قيل لهم: إن قومًا من أهلِ القبلةِ سيرْتدُّون على أعقابِهم إذا حُوِّلت قبلةُ محمدٍ إلى الكعبةِ-: ذلك غيرُ كائنٍ. أو قالوا: ذلك باطلٌ. فلمَّا فعَل اللهُ ذلك، وحوَّل القبلةَ، وكفَر من أجلِ
ذلك من كفَر، قال جل ثناؤه: ما فعَلتُ إلا ليُعلَمَ عندَكم -أيها المنكِرون علْمِى بما هو كائنٌ من الأشياءِ قبل كونِه- أنى عالمٌ بما هو كائِنٌ مما لم يكنْ بَعدُ.
فكأنّ معْنى قائِلِى هذا القولِ في تأويلِ قولِه: ﴿إِلَّا لِنَعْلَمَ﴾: إلا ليتبيَّن لكم أنّا نعلمُ من يتَّبعُ الرسولَ ممّن ينقلبُ على عَقِبَيْه.
بَعدُ.
فكأنّ معْنى قائِلِى هذا القولِ في تأويلِ قولِه: ﴿إِلَّا لِنَعْلَمَ﴾: إلا ليتبيَّن لكم أنّا نعلمُ من يتَّبعُ الرسولَ ممّن ينقلبُ على عَقِبَيْه. وهذا وإنْ كانَ وجهًا لهُ مَخْرجٌ، فبعيدٌ من المفهومِ.
وقال آخرون: إنّما قيل: ﴿لِنَعْلَمَ﴾ -وهو بذلك عالمٌ قبلَ كونِه، وفي [حالِ كونِه] - على وجهِ الترفُّقِ بعبادِه واستمالتِهم إلى طاعتِه، كما قال جلَّ ثناؤه: ﴿قُلِ اللهُ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [سبأ: ٢٤] وقد عَلِم أنه على هدًى وأنهم على ضلالٍ مبينٍ، ولكنَّه رفَق بهم في الخطابِ، فلم يقُلْ: إنا على هدًى وأنتم على ضلالٍ. فكذلك قولُه: ﴿إِلَّا لِنَعْلَم﴾ معناه عندَهم: إلا لتعلَموا أنتم إذْ كنتم جُهّالًا به قبلَ أن يكونَ. فأضاف العلمَ إلى نفسِه، رفقًا بخطابِهم.
وقد بينَّا القولَ الذي هو أولَى ذلك بالحقِّ.
فأما قولُه: ﴿مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ﴾.
ّالًا به قبلَ أن يكونَ. فأضاف العلمَ إلى نفسِه، رفقًا بخطابِهم.
وقد بينَّا القولَ الذي هو أولَى ذلك بالحقِّ.
فأما قولُه: ﴿مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ﴾. فإنه يعنى: الذي يتَّبعُ محمدًا ﷺ رسولَ اللهِ، فيما يأمرُه اللهُ به، فيتوَجَّهُ نحوَ الوجهِ الذي يتوجَّهُ نحوَه محمدٌ ﷺ.
وأما قولُه: ﴿مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾ فإنه يعنى به: من الذي يرتدُّ عن دينِه، فيُنافقُ، أو يكفُرُ، أو يخالفُ محمدًا ﷺ في ذلك، ممن يُظهِرُ اتِّباعَه.
كما حدَّثنى يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾ قال: من إذا دخَلته شبهةٌ رجَع عن اللهِ، وانقَلب كافرًا على عَقِبيْه.
إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾ قال: من إذا دخَلته شبهةٌ رجَع عن اللهِ، وانقَلب كافرًا على عَقِبيْه.
وأصلُ المرتدِّ على عَقِبيه - [وهو] المنقلِبُ على عَقِبيه- الراجِعُ مستدبِرًا في الطريقِ الذي قد كان قطَعه، منصرِفًا عنه، فقيل ذلك لكلِّ راجعٍ عن أمرٍ كان فيه، من دينٍ أو خبرٍ، ومن ذلك قولُه: ﴿فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا﴾ [الكهف: ٦٤] بمعنى: رجَعا في الطريقِ الذي كانا سلَكاه.
وإنما قيل للمرتدِّ: مُرتدٌّ. [من ذلك]؛ لرُجوعِه عن دينِه وملَّتِه التى كان عليها. وإنما قيل: رجَع على عَقِبيه. لرُجوعِه دُبُرًا علَى عَقِبيْه إلى الوجهِ الذي كان فيه بدءُ سيرِه قبلَ مرجِعِه عنه. فجُعل ذلك مثلًا لكلِّ تاركٍ أمرًا وآخذٍ آخرَ غيرَه، إذا انصَرف عما كان فيه إلى الذي كان له تاركًا فأخذَه، فقيل: ارتدَّ فلانٌ على عَقِبيْه (٥)، وانقلَب على عَقِبيْه.
القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللهُ﴾.
اختلَف أهلُ التأويلِ في التى وصَفها اللهُ جل ثناؤه بأنها كانت كبيرةً إلا على الذين هدَى اللهُ.
فقال بعضُهم: عنَى جل ثناؤُه بالكبيرةِ التوليةَ من بيتِ المقدسِ شطرَ المسجدِ الحرامِ والتحويلةَ، وإنما أُنِّثت الكبيرةُ لتأنيثِ التوليةِ.
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثنى المثنَّى، قال: حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ [قال: حدَّثنى معاويةُ بنُ صالحٍ]، عن عليِّ بنِ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ: قال اللهُ: ﴿وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللهُ﴾ يعنى: تحويلَها.
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو الباهليُّ، قال: حدَّثنا الضّحّاكُ بنُ مَخْلَدٍ، قال: حدَّثنا عيسى بنُ ميمونٍ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللهُ﴾ قال: ما أُمِروا به [من التَّحوُّلِ] إلى الكعبةِ من بيتِ المقدسِ.
مجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللهُ﴾ قال: ما أُمِروا به [من التَّحوُّلِ] إلى الكعبةِ من بيتِ المقدسِ.
حدَّثنى المثنَّى، قال: حدَّثنا أبو حذيفةَ، قال: حدَّثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزّاقِ، قال: أخبَرَنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه. ﴿لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللهُ﴾. قال: كبيرةٌ حين حُوِّلتِ القبلةُ إلى المسجدِ الحرامِ، فكانت كبيرةً إلا على الذين هدَى اللهُ.
وقال آخرون: بل الكبيرةُ هى القبلةُ بعينِها التى كان ﷺ يتوجَّهُ إليها من بيتِ المقدسِ قبلَ التحويلِ.
ذكرُ من قال ذلك
حُدِّثت عن عمارٍ، قال: حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، [عن الربيعِ] عن أبى العاليةِ: ﴿وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً﴾.
تحويلِ.
ذكرُ من قال ذلك
حُدِّثت عن عمارٍ، قال: حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، [عن الربيعِ] عن أبى العاليةِ: ﴿وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً﴾. أى قبلةَ بيتِ المقدسِ: ﴿إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللهُ﴾.
وقال بعضُهم: بل الكبيرةُ هى الصلاةُ التى كانوا صلَّوْها إلى القبلةِ الأُولى.
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثنى يونسُ بنُ عبدِ الأعلَى، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: ﴿وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللهُ﴾ قال: صلاتَكم حتى يَهِديَكم اللهُ القبلةَ.
وقد حدَّثنى يونسُ مرَّةً أُخرى فقال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ:
﴿وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً﴾.
ُ﴾ قال: صلاتَكم حتى يَهِديَكم اللهُ القبلةَ.
وقد حدَّثنى يونسُ مرَّةً أُخرى فقال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ:
﴿وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً﴾. قال: صلاتَكم ههنا -يعنى إلى بيتِ المقدسِ ستةَ عشرَ شهرًا- وانحرافَكم ههنا.
وقال بعضُ نحويِّى البصرةِ: أُنِّثت الكبيرةُ لتأنيثِ القبلةِ، وإيّاها عنَى جل ثناؤُه بقولِه: ﴿وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً﴾.
وقال بعضُ نحويِّى الكوفةِ: بل أُنِّثث الكبيرةُ لتأنيثِ التوليةِ والتحويلةِ.
فتأويلُ الكلامِ على معنَى ما تأوَّلَه قائلُو هذه المقالةِ: وما جعلَنا تحويلَتَنا إيّاكَ عن القبلةِ التى كنتَ عليها وتولِيتَنَاكَ عنها، إلا لنعلَمَ من يتبِعُ الرسولَ ممن ينقلِبُ على عَقِبيْه، وإن كانت تحويلَتُنا إياك عنها وتولِيتُنَاكَ لكبيرةً إلا على الذين هدَى اللهُ.
لِيتَنَاكَ عنها، إلا لنعلَمَ من يتبِعُ الرسولَ ممن ينقلِبُ على عَقِبيْه، وإن كانت تحويلَتُنا إياك عنها وتولِيتُنَاكَ لكبيرةً إلا على الذين هدَى اللهُ.
وهذا التأويلُ أولَى التأويلاتِ عندى بالصوابِ؛ لأن القومَ إنما كبُر عليهم تحويلُ النبيِّ ﷺ وجهَه عن القبلةِ الأولَى إلى الأُخْرى، لا عينُ القبلةِ، ولا الصلاةُ؛ لأن القبلةَ الأولَى والصلاةَ قد كانت وهى غيرُ كبيرةٍ عليهم. إلا أن يُوجِّهَ موجِّهٌ تأنيثَ الكبيرةِ إلى القبلةِ، ويقولَ: اجتُزِئ بذكرِ القبلةِ من ذكرِ التوليةِ والتحويلةِ؛ لدَلالةِ الكلامِ على معنى ذلك. كما قد وصفنا ذلك في نظائرِه، فيكونَ ذلك وجهًا صحيحًا، ومذهبًا مفهومًا.
ومعنَى قولِه: ﴿لَكَبِيرَةً﴾: عظيمةً.
كما حدَّثنا يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: ﴿وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللهُ﴾ قال: كبيرةٌ في صدورِ الناسِ، فيما يدخُلُ الشيطانُ به ابنَ آدمَ، قال: ما لهم صلَّوْا إلى ههنا ستةَ عشرَ شهرًا ثم انحرفُوا!
َلَى الَّذِينَ هَدَى اللهُ﴾ قال: كبيرةٌ في صدورِ الناسِ، فيما يدخُلُ الشيطانُ به ابنَ آدمَ، قال: ما لهم صلَّوْا إلى ههنا ستةَ عشرَ شهرًا ثم انحرفُوا! فكبُر في صُدورِ من لا يعرِفُ ولا يعقِلُ والمنافقين، قالوا: أيُّ شيءٍ هذا الدينُ؟ وأما الذين آمنوا فثبَّت اللهُ ذلك في قلوبهم. وقرَأ قولَ اللهِ: ﴿وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللهُ﴾. قال: صلاتُكم حتى يَهدِيَكم للقبلةِ.
وأما قولُه: ﴿إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللهُ﴾ فإنه يعنى به: وإن [كانت نَقْلَتُناكَ] عن القبلةِ التى كنتَ عليها لعظيمةً إلا على من وفَّقه اللهُ فهَداه لتصديقِك، والإيمانِ بذلك، واتباعِك فيه، وفيما أنزلَ اللهُ عليك.
كما حدَّثنى المثنَّى، قال: حدَّثنا أبو صالحٍ، قال: حدَّثنى معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليِّ بنِ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللهُ﴾. يقولُ: إلا على الخاشِعين، يعْنى المصدِّقين بما أنزَل اللهُ.
القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ قيل: عَنَى بالإيمانِ في هذا الموضعِ الصلاةَ.
ذكرُ الأخبارِ التى رُوِيت بذلك وذكرُ قولِ من قاله
حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: حدَّثنا وكيعٌ وعُبيدُ اللهِ، وحدَّثنا سفيانُ بنُ وكيعٍ، قال: حدَّثنا عبيدُ اللهِ بنُ موسى، جميعًا عن إسرائيلَ، عن سماكٍ، عن عكرمةَ، عن
ابنِ عباسٍ، قال: لما وُجِّه رسولُ اللهِ ﷺ إلى الكعبةِ قالوا: كيف بمن مات من إخوانِنا قبلَ ذلك وهم يصلُّون نحوَ بيتِ المقدسِ؟
عن سماكٍ، عن عكرمةَ، عن
ابنِ عباسٍ، قال: لما وُجِّه رسولُ اللهِ ﷺ إلى الكعبةِ قالوا: كيف بمن مات من إخوانِنا قبلَ ذلك وهم يصلُّون نحوَ بيتِ المقدسِ؟ فأنزلَ اللهُ: ﴿وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾.
حدَّثنى إسماعيلُ بنُ موسى السُّدِّىُّ، قال: أخبرنا شَرِيكٌ، عن أبي إسحاقَ، عن البراءِ في قولِ اللهِ ﷿: ﴿وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ قال: صلاتكُم نحوَ بيتِ المقدسِ.
حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ الأهوازِيُّ، قال: حدَّثنا أبو أحمدَ الزُّبيرِيُّ، قال: حدَّثنا شريكٌ، عن أبي إسحاقَ، عن البراءِ نحوَه.
حدَّثنى المثنَّى، قال: حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ محمدِ بنِ نُفَيلٍ الحرّانيُّ، قال: حدَّثنا زهيرٌ، قال: حدَّثنا أبو إسحاقَ، عن البراءِ، قال: مات على القبلةِ قبلَ أن تُحوَّلَ إلى البيتِ رجالٌ وقُتلوا، فلم ندْرِ ما نقولُ فيهم، فأنزلَ اللهُ: ﴿وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾.
حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: حدَّثنا يزيدُ بنُ زُرَيعٍ، قال: حدَّثنا سعيدٌ، عن قتادةَ،
فيهم، فأنزلَ اللهُ: ﴿وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾.
حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: حدَّثنا يزيدُ بنُ زُرَيعٍ، قال: حدَّثنا سعيدٌ، عن قتادةَ،
قال: قال أناسٌ من الناسِ لما صُرِفَت القبلةُ نحوَ البيتِ الحرامِ: كيف بأعمالِنا التى كنا نَعملُ في قبلَتِنا الأُولى؟. فأنزل اللهُ: ﴿وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾.
حدَّثنى موسى بنُ هارونَ، قال: حدَّثنا عمرٌو، قال: حدَّثنا أسباطُ، عن السُّدِّىِّ، قال: لما توجَّه رسولُ الله ﷺ قِبَلَ المسجدِ الحرامِ، قال المسلمون: ليت شِعْرَنا عن إخوانِنا الذين ماتوا وهم يصلُّون قِبَلَ بيتِ المقدسِ، هل تقبَّل اللهُ منَّا ومنهم أم لا؟ فأنزَل اللهُ فيهم: ﴿وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ قال: صلاتَكم قِبَلَ بيتِ المقدسِ. يقولُ: إن تلك كانت طاعةً وهذه طاعةٌ.
حُدِّثت عن عمارٍ، قال: حدَّثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيهِ، عن الربيعِ، قال: قال ناسٌ لما صُرِفت القبلةُ إلى البيتِ الحرامِ: كيف بأعمالِنا التى كنا نعملُ في قبلَتِنا الأولَى؟
حدَّثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيهِ، عن الربيعِ، قال: قال ناسٌ لما صُرِفت القبلةُ إلى البيتِ الحرامِ: كيف بأعمالِنا التى كنا نعملُ في قبلَتِنا الأولَى؟ فأنزلَ اللهُ: ﴿وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ الآية.
حدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثنى حجاجٌ، قال: قال ابنُ جريحٍ: أخبرَنى داودُ بنُ أبى عاصمٍ، قال: لما صُرِف [رسولُ اللهِ ﷺ] إلى الكعبةِ، قال المسلمون: هلَك أصحابُنا الذين كانوا يصلُّون إلى بيتِ المقدسِ. فنزَلت: ﴿وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾.
حدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ، قال: حدَّثنى أبي، قال: حدَّثنى عمِّى، قال: حدَّثنى أبى، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ يقولُ: صلاتَكم التى صلَّيتم من قبلِ أن تكونَ القبلةُ.
، قال: حدَّثنى أبى، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ يقولُ: صلاتَكم التى صلَّيتم من قبلِ أن تكونَ القبلةُ. وكان المؤمنون قد أشفَقوا على من
صلَّى منهم أن لا تُقبلَ صلاتُهم.
حدَّثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: ﴿وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ قال: صلاتَكم.
حدَّثنا محمدُ بنُ إسماعيلَ الضِّرارىُّ، قال: أخبرنا مؤمَّلٌ، قال: حدَّثنا سفيانُ، حدَّثنا يحيى بنُ سعيدٍ، عن سعيدِ بنِ المسيَّبِ فى هذه الآيةِ: ﴿وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ قال: صلاتَكم نحوَ بيتِ المقدسِ.
قال أبو جعفرٍ: قد دلَّلْنا فيما مضَى على أن معنَى (٢) الإيمانِ التصديقُ، وأن التصديقَ قد يكونُ بالقولِ وحدَه، وبالفعلِ وحدَه، وبهما جميعًا.
ِ المقدسِ.
قال أبو جعفرٍ: قد دلَّلْنا فيما مضَى على أن معنَى (٢) الإيمانِ التصديقُ، وأن التصديقَ قد يكونُ بالقولِ وحدَه، وبالفعلِ وحدَه، وبهما جميعًا.
فمعنى قولِه: ﴿وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ -على ما تظاهَرتْ به الرِّوايةُ من أنه الصلاةُ-: وما كان اللهُ ليُضيعَ تصديقَكم رسولَه ﵊ بصلاتِكم التى صلَّيتُموها نحوَ بيتِ المقدسِ عن أمرِه؛ لأن ذلك كان منكم تصديقًا لرسولى، واتِّباعًا لأمرِى، وطاعةً منكم لى. وإضاعتُه إياه جل ثناؤُه -لو أضاعَه- تركُ إثابةِ أصحابِه وعامليه عليه، فيذهَبُ ضياعًا، ويصيرُ باطلًا، كهيئةِ إضاعةِ الرجلِ مالَه، وذلك إهلاكُه إياه فيما لا يَعتاضُ منه عِوَضًا فى عاجلٍ ولا آجلٍ.
بةِ أصحابِه وعامليه عليه، فيذهَبُ ضياعًا، ويصيرُ باطلًا، كهيئةِ إضاعةِ الرجلِ مالَه، وذلك إهلاكُه إياه فيما لا يَعتاضُ منه عِوَضًا فى عاجلٍ ولا آجلٍ. فأخبرَ اللهُ جل ثناؤُه أنه لم يكنْ بالذى يُبطِلُ عمَلَ عاملٍ عمِل له عملًا وهو له طاعةٌ، فلا يُثيبُه عليه، وإن نُسِخ ذلك الفرضُ بعدَ عملِ العاملِ إياه على ما كلَّفه من عملِه.
فإن قال لنا قائلٌ: وكيف قال اللهُ: ﴿وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ فأضاف الإيمانَ إلى الأحياءِ المخاطَبين، والقومُ المخاطَبون بذلك إنما كانوا أشفَقُوا على إخوانِهم الذين كانوا ماتوا وهم يصلُّون نحوَ بيتِ المقدسِ، وفى ذلك من أمرِهم أُنزلت هذه الآيةُ؟
اطَبين، والقومُ المخاطَبون بذلك إنما كانوا أشفَقُوا على إخوانِهم الذين كانوا ماتوا وهم يصلُّون نحوَ بيتِ المقدسِ، وفى ذلك من أمرِهم أُنزلت هذه الآيةُ؟
قيل: إن القومَ وإن كانوا قد أشفَقوا من ذلك، فإنهم أيضًا قد كانوا مشفِقين من حُبوطِ ثوابِ صلاتِهم التى صلَّوْها إلى بيتِ المقدسِ قبلَ التحْويلِ إلى الكعبةِ، وظنُّوا أن عملَهم ذلك قد بطَل وذهَب ضياعًا، فأنزلَ اللهُ هذه الآيةَ حينَئذٍ، فوجَّه الخطابَ بها إلى الأحياءِ ودخَل فيهم الموتَى منهم؛ لأن من شأنِ العربِ إذا اجتَمع فى الخبرِ المخاطَبُ والغائبُ، أن يُغَلِّبوا المخاطَبَ، فيُدْخلوا الغائبَ في الخطابِ، فيقولُوا لرجلٍ خاطَبوه على وجهِ الخبرِ عنه، وعن آخرَ غائبٍ غيرِ حاضرٍ: فعلْنا بكما وصنعْنا بكما. كهيئةِ خِطابِهم لهما وهما حاضِران، ولا يَسْتجِيزون أن يقولوا: فعلْنا بهما.
على وجهِ الخبرِ عنه، وعن آخرَ غائبٍ غيرِ حاضرٍ: فعلْنا بكما وصنعْنا بكما. كهيئةِ خِطابِهم لهما وهما حاضِران، ولا يَسْتجِيزون أن يقولوا: فعلْنا بهما. وهم يُخاطِبون أحدَهما، فردُّوا المخاطَبَ إلى عدادِ الغائبِ.
القولُ فى تأويلِ قولِه جل ثثاؤُه: ﴿إِنَّ اللهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٤٣)﴾.
ومعنى قولِه جلّ ثناؤه: ﴿إِنَّ اللهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ أن اللهَ بجميعِ عبادِه ذُو رأفةٍ. والرأفةُ على معانى الرحمةِ، وهى عامةٌ لجميعِ الخلقِ فى الدنيا ولبعضِهم فى الآخرةِ، وأمّا الرحيمُ، فإنه ذُو الرحمةِ للمؤمنين فى الدنيا والآخرةِ على ما قد بيَّنا فيما مضَى قبلُ.
ِ، وهى عامةٌ لجميعِ الخلقِ فى الدنيا ولبعضِهم فى الآخرةِ، وأمّا الرحيمُ، فإنه ذُو الرحمةِ للمؤمنين فى الدنيا والآخرةِ على ما قد بيَّنا فيما مضَى قبلُ.
وإنما أراد جل ثناؤُه بذلك أن اللهَ أرحمُ بعبادِه من أن يُضِيعَ لهم طاعةً أطاعُوه بها فلا يُثِيبَهم عليها، وأرأفُ بهم من أن يُؤاخذَهم بتركِ ما لم يَفرِضْ عليهم، أى: فلا تأسَوْا على موتاكم الذين ماتوا وهم يصلُّون إلى بيتِ المقدسِ، فإنى لهم -على طاعتِهم إياىَ بصلاتِهم التى صلَّوها كذلك - مثيبٌ؛ لأنى أرحمُ بهم من أن أُضيعَ لهم عملًا عمِلوه لى، ولا تحزَنُوا عليهم، فإنى غيرُ مؤاخِذِهم بتركِهم الصلاةَ إلى الكعبةِ؛ لأنى لم أكنْ فرضْتُ ذلك عليهما، وأنا أرأفُ بخلقى من أن أعاقِبَهم على تركِهم ما لم آمرْهم بعملِه.
وفى الرءوفِ لغاتٌ: إحداها، "رَؤُفٌ" على مثالِ (فعُل)، كما قال الوليدُ بنُ عقبةَ:
وشَرُّ الطّالبين فلا تَكُنْهُ … بقاتِلِ عَمِّه الرَّؤُفُ الرَّحيمُ
وهى قراءةُ عامَّةِ قرَأةِ أهلِ الكوفةِ. والأُخْرى: رَءوفٌ على مثالِ (فَعولٍ).
َجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾.
يعنى بذلك جلَّ ثناؤُه: قد نرَى يا محمدُ نحن تقلُّبَ وجهِك فى السماءِ. ويعْنى بالتقلُّبِ التحوُّلَ والتصرُّفَ. ويعنى بقولِه: ﴿فِي السَّمَاءِ﴾ نحوَ السماءِ وقِبَلَها.
وإنما قيل ذلك له ﷺ -فيما بلغَنا- لأنه كان قبلَ تحويلِ قبلتِه من بيتِ المقدسِ إلى الكعبةِ يرفعُ بصرَه إلى السماءِ، تَنظُّرًا من اللهِ جلَّ ثناؤُه أمْرَه بالتحولِ نحوَ الكعبةِ.
كما حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزَّاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ فى قولِه: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ﴾ قال: كان النبيُّ ﷺ يقلِّبُ وجهَه إلى السماءِ يحبُّ أن يَصرِفَه اللهُ إلى الكعبةِ حتى صرَفه اللهُ إليها.
حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: حدَّثنا يزيدُ، قال: حدَّثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ﴾ فكان نبىُّ الله ﷺ يصلِّى نحوَ بيتِ المقدسِ، يهوَى ويشتَهِى القبلةَ نحوَ البيتِ الحرامِ، فوجَّهه اللهُ لقبلةٍ كان يهوَاها ويشتَهِيها.
َ فِي السَّمَاءِ﴾ فكان نبىُّ الله ﷺ يصلِّى نحوَ بيتِ المقدسِ، يهوَى ويشتَهِى القبلةَ نحوَ البيتِ الحرامِ، فوجَّهه اللهُ لقبلةٍ كان يهوَاها ويشتَهِيها.
حدَّثثا المثنَّى، قال: حدَّثنى إسحاقُ، قال: حدَّثنى ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه،
عن الربيعِ فى قولِه: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ﴾ يقولُ: نظرَك فى السماءِ. وكان النبىُّ ﷺ يقلِّبُ وجهَه فى الصلاةِ وهو يصلِّى نحوَ بيتِ المقدسِ، وكان يهوَى قِبلةَ البيتِ الحرامِ، فولَّاه اللهُ قبلةً كان يهوَاها.
حدَّثنى موسى، قال: حدَّثنا عمرٌو، قال: حدَّثنا أسباطُ، عن السُّدِّىِّ، قال: كان الناسُ يصلُّون قِبَلَ بيتِ المقدسِ، فلما قدِمَ النبىُّ ﷺ المدينةَ على رأسِ ثمانيةَ عشرَ شهرًا من مُهاجَرِه، وكان إذا صلَّى رفَع رأسَه إلى السماءِ ينظُرُ ما يُؤْمَرُ، وكان يصلِّى قِبَلَ بيتِ المقدسِ، فنسَخَتْها الكعبةُ.
رأسِ ثمانيةَ عشرَ شهرًا من مُهاجَرِه، وكان إذا صلَّى رفَع رأسَه إلى السماءِ ينظُرُ ما يُؤْمَرُ، وكان يصلِّى قِبَلَ بيتِ المقدسِ، فنسَخَتْها الكعبةُ. وكان النبىُّ ﷺ يحبُّ أن يُصلِّىَ قِبلَ الكعبةِ، فأنزَل اللهُ: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ﴾ الآية.
ثم اختُلِف فى السببِ الذى من أجلِه كان النبىُّ ﷺ يهوَى قبلةَ الكعبةِ.
فقال بعضُهم: كرِهَ قبلةَ بيتِ المقدسِ من أجلِ أن اليهودَ قالوا: يتَّبعُ قبلتَنا ويخالِفُنا فى دينِنا!
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثنى حجاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ، عن مجاهدٍ، قال: قالت اليهودُ: يخالفُنَا محمدٌ ويتَّبعُ قبلَتَنا. فكان يدعوُ اللهَ [ويستفرِضُ القبلةَ]، فنزَلت: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ -وانقطَع قولُ يهودَ:
يخالِفُنا ويتَّبعُ قِبلَتَنا!
مقدسِ- لو أنا استقْبلْناه". فاستقْبَله النبيُّ ﷺ ستةَ عشرَ شهرًا، فبلَغه أن اليهودَ تقولُ: واللهِ ما دَرَى محمدٌ وأصحابُه أين قِبلتُهم حتى هدَيْناهم. فكرِه ذلك النبىُّ ﷺ، ورفَع وجهَه إلى السماءِ، فقال اللهُ: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ الآية.
وقال آخرون: بل كان يهوَى ذلك من أجلِ أنه كان قبلةَ أبيه إبراهيمَ ﵇.
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثنى المثنَّى، قال: حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: حدَّثنى معاويةُ بنُ صالحٍ، عن علىِّ بنِ أبى طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ، أن رسولَ اللهِ ﷺ لما هاجَر إلى المدينةِ، وكان أكثرَ أهلِها اليهودُ، أمَرَه اللهُ أن يستقبلَ بيتَ المقدسِ، ففرِحت اليهودُ، فاستقبَلها رسولُ الله ﷺ بضعةَ عشرَ شهرًا، فكان رسولُ اللهِ ﷺ يحبُّ قبلةَ إبراهيمَ، فكان يدْعو وينظُرُ إلى السماءِ، فأنزَل اللهُ: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي
السَّمَاءِ﴾ الآية.
لنحوَ والقصدَ والتِّلقاءَ، كما قال الهُذَلىُّ:
إن العَسيرَ بها داءٌ مُخامِرُها … فشَطْرَها نَظَرُ العَينَينْ مَحْسُورُ
يعنى بقولِه: شَطْرَها: نحوَها. وكما قال ابنُ أحمرَ:
تَعْدُو بنا شَطْرَ جَمْعٍ وهْى عاقِدَةٌ … قد كارَبَ العَقْدُ من إيفادِها الحقَبا
وبنحوِ الذى قلْنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثنا سفيانُ بنُ وكيعٍ، قال: حدَّثنا أبى، عن سفيانَ، عن داودَ بنِ أبى هندٍ، عن أبى العاليةِ: ﴿شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ قال: تلقاءَه.
حدَّثنى المثنَّى، قال: حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: حدَّثنى معاويةُ بنُ صالحٍ، عن علىِّ بنِ أبى طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ نحوَه.
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: حدَّثنا أبو عاصمٍ، قال: حدّثنا عيسى، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ نحوَه.
حدّثنى المثنَّى، قال: حدَّثنا أبو حذيفةَ، قال: حدَّثنا شبلٌ، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
وَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ نحوَه.
حدّثنى المثنَّى، قال: حدَّثنا أبو حذيفةَ، قال: حدَّثنا شبلٌ، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: حدَّثنا يزيدُ بنُ زُريعٍ، قال: حدَّثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:
﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ أى: تلقاءَ المسجدِ الحرامِ.
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزَّاقِ، قال: أخبرَنا معمرٌ، عن قتادةَ فى قولِه: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ قال: نحوَ المسجدِ الحرامِ.
حدَّثنى المثنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: حدثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ أى: تلقاءَه.
وحدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثنى حجاجٌ، قال: قال ابنُ جُريجٍ: أخبرنى عمرُو بنُ دينارٍ، عن ابنِ عباسٍ أنه قال: ﴿شَطْرَهُ﴾ نحوَه.
ه.
وحدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثنى حجاجٌ، قال: قال ابنُ جُريجٍ: أخبرنى عمرُو بنُ دينارٍ، عن ابنِ عباسٍ أنه قال: ﴿شَطْرَهُ﴾ نحوَه.
حدَّثنى المثنَّى، قال: حدَّثنا الحِمَّانىُّ، قال: حدَّثنا شَرِيكٌ، عن أبى إسحاقَ، عن البراءِ: ﴿فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ قال: قِبَلَه.
حدَّثنى يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: ﴿شَطْرَهُ﴾ ناحيتَه، جانِبَه. قال: وجوانبُه شُطورُه.
ثم اختلَفوا فى المكانِ الذى أمَر اللهُ نبيَّه ﷺ أن يولِّىَ وجهَه إليه من المسجدِ الحرامِ: فقال بعضُهم: القِبلةُ التى حُوِّل إليها النبىُّ ﷺ، وعناها اللهُ جلَّ ثناؤه بقولِه: ﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا﴾ حِيالَ مِيزابِ الكعبةِ.
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثنى عبدُ الله بنُ أبى زيادٍ، قال: حدَّثنا عثمانُ بنُ عمرَ، قال: أخبرَنا شعبةُ، عن يعلَى بنِ عطاءٍ، عن يحيى بنِ قمِطَّةَ، عن عبدِ اللهِ بنِ عمرٍو: ﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا﴾ قال: حِيالَ ميزابِ الكعبةِ.
أخبرَنا شعبةُ، عن يعلَى بنِ عطاءٍ، عن يحيى بنِ قمِطَّةَ، عن عبدِ اللهِ بنِ عمرٍو: ﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا﴾ قال: حِيالَ ميزابِ الكعبةِ.
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزَّاقِ، قال: حدَّثنا هُشَيمٌ، عن يعلَى بنِ عطاءٍ، عن يحيى -يَعنى ابنَ قمِطَّةَ- قال: رأيتُ عبدَ اللهِ بنَ عمرٍو جالسًا فى المسجدِ الحرامِ بإزاءِ الميزابِ، وتلا هذه الآيةَ: ﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا﴾ قال: هذه القِبلةُ، هذه القِبلةُ.
حدَّثنا القاسمُ، قال: حدّثنا الحسينُ، قال: حدَّثنا هشيمٌ بإسنادِه، عن عبدِ اللهِ ابنِ عمرٍو، نحوَه، إلَّا أنه قال: استقبَل الميزابَ فقال: هذه القبلةُ التى قال اللهُ لنبيِّه: ﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا﴾.
وقال آخَرون: بل ذلك البيتُ كلُّه.
ذكرُ من قال ذلك
[حدَّثنى عمران بنُ موسى القزّازُ، قال: حدّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سعيدٍ، قال: حدَّثنا عطاءُ بنُ السائبِ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: البيتُ كلُّه قبلةٌ، وقبلةُ البيتِ البابُ.
قال: حدّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سعيدٍ، قال: حدَّثنا عطاءُ بنُ السائبِ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: البيتُ كلُّه قبلةٌ، وقبلةُ البيتِ البابُ.
حدَّثنى يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا هشيمٌ، قال: أخبرَنا عطاءُ بنُ السائبِ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ مثلَه].
حدَّثنى يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا ابنُ عُليَّةَ، عن عطاءِ بنِ السائبِ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، قال: قال ابنُ عباسٍ: البيتُ كلُّه قبلةٌ، وهذه قبلةُ البيتِ. يعنى التى فيها البابُ.
ل: حدَّثنا ابنُ عُليَّةَ، عن عطاءِ بنِ السائبِ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، قال: قال ابنُ عباسٍ: البيتُ كلُّه قبلةٌ، وهذه قبلةُ البيتِ. يعنى التى فيها البابُ.
والصوابُ من القولِ فى ذلك عندى ما قال اللهُ جلَّ ثناؤه: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ فالمولِّى وجهَه شطرَ المسجدِ الحرامِ هو المصيبُ القبلةَ، وإنما على من توجَّه إليه النيةُ بقلبِه أنه متوجِّهٌ إليه، كما أن على مَن ائتمَّ بإمامٍ فإنما عليه الائتمامُ به وإن لم يكنْ مُحاذيًا بدَنُه بدَنَه، وإن كان فى طرَفِ الصفِّ والإمامُ فى طرَفٍ آخرَ، عن يمينِه أو عن يسارِه، بعد أن يكونَ مَن خلفَه مؤتمًّا به مصلِّيًا إلى الوجهِ الذى يُصلِّى إليه الإمامُ. فكذلك حكمُ القبلةِ، وإن لم يُحاذِها كلُّ مصلٍّ ومتوجِّهٍ إليها ببدَنِه، غيرَ أنه متوجِّهٌ إليها.
ًا به مصلِّيًا إلى الوجهِ الذى يُصلِّى إليه الإمامُ. فكذلك حكمُ القبلةِ، وإن لم يُحاذِها كلُّ مصلٍّ ومتوجِّهٍ إليها ببدَنِه، غيرَ أنه متوجِّهٌ إليها. وإن كان عن يمينِها أو عن يسارِها مقابلَها، فهو مستقبلُها، بَعُدَ ما بينَه وبينها أو قرُب، مِن عن يمينِها أو عن يسارِها، بعد أن يكونَ
غيرَ مستدبِرِها، ولا منحرفٍ عنها ببدنِه ووجهِه.
كما حدّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ الأهوازىُّ، قال: حدَّثنا أبو أحمدَ الزبيرىُّ، قال: حدَّثنا إسرائيل، عن أبى إسحاقَ، عن عَمِيرةَ بنِ زيادٍ الكندىِّ، عن علىٍّ: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ قال: شطْرَه فينا قِبلَه.
وقبلةُ البيتِ الحرامِ بابُه.
كما حدَّثنى يعقوبُ بنُ إبراهيمَ والفضلُ بنُ الصَّبَّاحِ، قالا: حدَّثنا هُشيمٌ، قال: أخبرَنا عبدُ الملكِ، عن عطاءٍ، قال: قال أسامةُ بنُ زيدٍ: رأيتُ رسولَ اللهِ ﷺ حين خرَج من البيتِ أقبلَ بوجهِه إلى البابِ، فقال: "هذه القبلةُ، هذه القبلةُ".
َنا عبدُ الملكِ، عن عطاءٍ، قال: قال أسامةُ بنُ زيدٍ: رأيتُ رسولَ اللهِ ﷺ حين خرَج من البيتِ أقبلَ بوجهِه إلى البابِ، فقال: "هذه القبلةُ، هذه القبلةُ".
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ وسفيانُ، قالا: حدَّثنا جريرُ بنُ عبدِ الحميدِ، عن عبدِ الملكِ بنِ أبى سليمانَ، عن عطاءٍ، قال: حدَّثنى أسامةُ بنُ زيدٍ، قال: خرَج النبىُّ ﷺ من البيتِ، فصلَّى ركعَتَين مستقبِلًا بوجهِه الكعبةَ، فقال: "هذه القبلةُ". مرَّتين.
حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الرحيمِ بنُ سليمانَ، عن عبدِ الملكِ، عن عطاءٍ، عن أسامةَ بنِ زيدٍ، عن رسولِ اللهِ ﷺ نحوَه.
حدَّثنا سعيدُ بنُ يحيى الأُموىُّ، قال: حدَّثنى أبى، قال: حدَّثنا ابنُ جُريجٍ،
قال: قلتُ لعطاءٍ: أسمِعتَ ابنَ عباسٍ يقولُ: إنما أُمِرْتم بالطوافِ، ولم تُؤْمروا بدُخولِه؟
حيى الأُموىُّ، قال: حدَّثنى أبى، قال: حدَّثنا ابنُ جُريجٍ،
قال: قلتُ لعطاءٍ: أسمِعتَ ابنَ عباسٍ يقولُ: إنما أُمِرْتم بالطوافِ، ولم تُؤْمروا بدُخولِه؟ قال: لم يكنْ ينهَى عن دُخولِه، ولكنى سمِعتُه يقولُ: أخبرَنى أسامةُ بنُ زيدٍ أن رسولَ اللهِ ﷺ لما دخَل البيتَ دعا فى نواحيه كلِّها، ولم يصلِّ حتى خرَج، فلما خرَج ركَع فى قُبُلِ القبلةِ ركعتين، وقال: "هذه القبلةُ".
فأخَبر ﷺ أن البيتَ هو القبلةُ، وأن قبلةَ البيتِ بابُه.
القولُ فى تأويلِ قولِه ﷿: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾.
يعنى بذلك جلَّ ثناؤُه: وأينما كنتم من الأرضِ أيها المؤمِنون، فحوِّلوا وجوهَكم فى صلاتِكم نحوَ المسجدِ الحرامِ وتلقاءَه. والهاءُ التى فى: ﴿شَطْرَهُ﴾ عائدةٌ إلى المسجدِ الحرامِ.
كرُ من قال ذلك
حدَّثنا موسى، قال: حدَّثنا عمرٌو، قال: حدَّثنا أسباطُ، عن السدِّىِّ: ﴿وَإِنَّ
الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ قال: أُنزِل ذلك فى اليهودِ.
وقولُه: ﴿لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ يعنى به (١) هؤلاءِ الأحبارَ والعلماءَ من أهلِ الكتابِ، يعلَمون أن التوجُّهَ نحوَ المسجدِ الحرامِ (١) الحقُّ الذى فرَضه اللهُ ﷿ على إبراهيمَ وذرِّيتِه وسائرِ عبادِه بعدَه.
ويَعنى بقولِه: ﴿مِنْ رَبِّهِمْ﴾ أنه الفرضُ الواجبُ على عبادِ اللهِ تعالى ذكرُه، وهو الحقُّ من عندِ ربِّهم، فرَضه عليهم.
القولُ فى تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَمَا اللهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تعْمَلُونَ ﴾.
ُ على عبادِ اللهِ تعالى ذكرُه، وهو الحقُّ من عندِ ربِّهم، فرَضه عليهم.
القولُ فى تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَمَا اللهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تعْمَلُونَ ﴾.
يَعنى بذلك جل ثناؤُه: وليس اللهُ بغافلٍ عما تعملون أيها المؤمِنون فى اتِّباعِكم أمرَه، وانتهائِكم إلى طاعتِه، فيما ألزَمكم من فرائضِه، وإيمانِكم به فى صلاِتكم نحوَ بيتِ المقدسِ، ثم صلاتِكم من بعدِ ذلك شطرَ المسجدِ الحرامِ، ولا هو ساهٍ عنه، ولكنه جلَّ ثناؤه مُحصِيه لكم، ومُدَّخِرُه لكم عندَه، حتى يُجازيَكم به أحسنَ جزاءٍ، ويُثيبَكم عليه أفضلَ ثوابٍ.
القولُ فى تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ﴾.
يَعنى بذلك جلَّ ثناؤُه: ولئن جئتَ يا محمدُ اليهودَ والنصارَى بكلِّ برهانٍ وحُجةٍ، وهى الآيةُ، بأن الحقَّ هو ما جئتَهم به من فرضِ التحوُّلِ من قِبلةِ ييتِ المقدسِ
جلَّ ثناؤُه: ولئن جئتَ يا محمدُ اليهودَ والنصارَى بكلِّ برهانٍ وحُجةٍ، وهى الآيةُ، بأن الحقَّ هو ما جئتَهم به من فرضِ التحوُّلِ من قِبلةِ ييتِ المقدسِ
فى الصلاةِ إلى قبلةِ المسجدِ الحرامِ، ما صدَّقوا به ولا تبِعوا -مع قيامِ الحُجَّةِ عليهم بذلك- قبلتَك التى حولتُك إليها، وهى التوجُّهُ شَطرَ المسجدِ الحرامِ.
وأُجِيبتْ ﴿وَلَئِنْ﴾ بالماضى من الفعلِ، وحكْمُها الجوابُ بالمستقبلِ، تشبيهًا لها بـ "لو"، فأجِيبت بما تُجابُ به "لو" لتقارُبِ معنَيَيْهما. وقد مضَى البيانُ عن نظيرِ ذلك فيما مضَى. وأُجِيبتْ ﴿وَلَئِنْ﴾ بجوابِ الأيْمانِ، ولا تفعَلُ العربُ ذلك إلا فى الجزاءِ خاصةً؛ لأن الجزاءَ مُشابهُ اليمينِ فى أن كلَّ واحدٍ منهما لا يَتِمُّ أولُه إلا بآخرِه، ولا يتمُّ وحدَه، ولا يصِحُّ إلَّا بما يؤكَّدُ به بعدَه. فلما بدَأ باليمينِ فأُدخِلت على الجزاءِ، صارت اللامُ الأُولى بمنزلةِ يمينٍ، والثانيةُ بمنزلةِ جوابٍ لها، كما قيل: لعمرُكَ لتقُومَنَّ.
كَّدُ به بعدَه. فلما بدَأ باليمينِ فأُدخِلت على الجزاءِ، صارت اللامُ الأُولى بمنزلةِ يمينٍ، والثانيةُ بمنزلةِ جوابٍ لها، كما قيل: لعمرُكَ لتقُومَنَّ. إذْ كثُرت اللامُ من "لعمرُك" حتى صارت كحرفٍ من حروفِه، فأُجِيبتْ بما تجابُ به الأيمانُ، إذْ كانت اللامُ تنوبُ فى الأيْمانِ عن الأيمانِ دونَ سائرِ الحروفِ غيرِها التى هى أجوبةُ الأيمانِ، فتدلُّ على الأيمانِ، وتعمَلُ عملَ الأجوبةِ، ولا تدُلُّ سائرُ أجوبةِ الأيمانِ على الأيمانِ، فشُبهت اللَّامُ التى [هى جوابٌ للأيمانِ] بالأيمانِ، لما وصفْنا، فأُجِيبتْ بأجوبتِها.
فكان معنى الكلامِ، إذ كان الأمرُ على ما وصفْنا: [واللهِ] لو أتيتَ الذين أُوتوا الكتابَ بكلِّ آيةٍ ما تبِعوا قبلتَك.
وأما قولُه: ﴿وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ﴾ يقولُ: وما لكَ من سبيلٍ يا محمدُ إلى
اتِّباعِ قبلتِهم، وذلك أن اليهودَ تستقبِلُ بيتَ المقدسِ بصلاتها، وأن النصارى تستقبِلُ المشرِقَ، فأنَّى يكونُ لك السبيلُ إلى اتباعِ قبلتِهم مع اختلافِ وُجوهِها؟!
لتِهم، وذلك أن اليهودَ تستقبِلُ بيتَ المقدسِ بصلاتها، وأن النصارى تستقبِلُ المشرِقَ، فأنَّى يكونُ لك السبيلُ إلى اتباعِ قبلتِهم مع اختلافِ وُجوهِها؟! يقولُ: فالزَمْ قبلتَك التى أُمرتَ بالتوجُّهِ إليها، ودعْ عنك ما تقولُه اليهودُ والنصارى، وتدعُوك إليه مِن قِبلتِهم واستقبالِها.
وأما قولُه: ﴿وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ﴾ فإنه يَعنى: وما اليهودُ بتابعةٍ قبلةَ النصارى، وما النصارَى بتابعةٍ قبلةَ اليهودِ، فمتوجِّهةٌ نحوَها.
كما حدَّثنى موسى، قال: حدَّثنا عمرٌو، قال: حدَّثنا أسباطُ، عن السدِّىِّ: ﴿وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ﴾ يقولُ: ما اليهودُ بتابِعى قبلةِ النصارَى، ولا النصارَى بتابِعى قبلةِ اليهودِ. قال: وإنما أُنزِلت هذه الآيةُ من أجلِ أن النبيَّ ﷺ لما حُوِّل إلى الكعبةِ، قالت اليهودُ: إن محمدًا اشتاق إلى بلدِ أبيه ومَولِده، ولو ثبَت على قبلتِنا لكنا نَرْجُو أن يكونَ هو صاحبَنا الذى ننتَظِرُ.
ﷺ لما حُوِّل إلى الكعبةِ، قالت اليهودُ: إن محمدًا اشتاق إلى بلدِ أبيه ومَولِده، ولو ثبَت على قبلتِنا لكنا نَرْجُو أن يكونَ هو صاحبَنا الذى ننتَظِرُ. فأنزَل اللهُ جلَّ ثناؤُه فيهم: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ إلى قولِه: ﴿لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾.
وحدَّثنى يونسُ بنُ عبدِ الأعلَى، قال: أخبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قولِه: ﴿وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ﴾ مثلَ ذلك.
وإنما قلنا: يعنى جلَّ ثناؤُه بذلك أن اليهودَ والنصارَى لا تجتمِعُ على قبلةٍ واحدةٍ، مع إقامةِ كلِّ حزبٍ منهم على مِلَّتِه.
قِبْلَةَ بَعْضٍ﴾ مثلَ ذلك.
وإنما قلنا: يعنى جلَّ ثناؤُه بذلك أن اليهودَ والنصارَى لا تجتمِعُ على قبلةٍ واحدةٍ، مع إقامةِ كلِّ حزبٍ منهم على مِلَّتِه. فقال تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: يا محمدُ لا تُشْعِرْ نفْسَك رضا هؤلاء اليهودِ والنصارَى، فإنه أمرٌ لا سبيلَ إليه؛ لأنهم
مع اختلافِ مِلَلِهم لا سبيلَ لك إلى إرضاءِ كلِّ حزْبٍ منهم، من أجْلِ أنك إن اتبَعتَ قبلةَ اليهودِ أسخَطتَ النصارَى، وإن اتبَعتَ قبلةَ النصارَى أسخَطتَ اليهودَ، فدعْ ما لا سبيلَ إليه، وادْعُهم إلى ما لهم السبيلُ إليه، من الاجتماعِ على مِلَّتِك الحنيفيَّةِ المُسلِمةِ، وقبلتِك قبلةِ إبراهيمَ صلواتُ اللهِ عليه والأنبياءِ من بعدِه.
القولُ فى تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ (١٤٥)﴾.
أَبْنَاءَهُمْ﴾ قال: القبلةُ والبيتُ.
القولُ فى تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٤٦)﴾.
يقولُ جلَّ ثناؤُه: وإنَّ طائفةً من الذين أوتوا الكتابَ، وهم اليهودُ والنصارَى. وكان مجاهدٌ يقولُ: هم أهلُ الكتابِ.
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: حدَّثنا أبو عاصمٍ، قال: حدَّثنا عيسى، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مجاهدٍ بذلك
حدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثنى حجاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ مثلَه.
حدَّثنى المثنَّى، قال: حدَّثنا أبو حذيفةَ، قال: حدَّثنا شبلٌ، عن ابنِ أبى
نَجيحٍ، [عن مجاهدٍ] مثلَه.
﴿لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ﴾ وذلك الحقُّ هو القبلةُ التى وَجَّه اللهُ ﷿ إليها نبيَّه محمدًا ﷺ بقولِه: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٤٤].
نَ الْحَقَّ﴾ وذلك الحقُّ هو القبلةُ التى وَجَّه اللهُ ﷿ إليها نبيَّه محمدًا ﷺ بقولِه: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٤٤]. التى كانت الأنبياءُ مِن قبلِ محمدٍ ﷺ يتوجَّهون إليها، فكَتَمتْها اليهودُ والنصارَى، فوجَّه بعضُهم شرقًا، وبعضُهم بيتَ المقدسِ، ورفَضوا ما أمَرهم اللهُ به، وكتَموا مع ذلك أمرَ محمدٍ ﷺ، وهم يجِدونه مكتوبًا عندَهم فى التوراةِ والإنجيلِ، فأطلعَ اللهُ ﷿ نبيَّه محمدًا ﷺ وأمَّتَه على خيانَتِهم اللهَ ﵎ و عبادَه، بكتمانِهم ذلك، وأخبَر أنهم يفعَلون ما يفعَلون من ذلك على علمٍ منهم بأن الحقَّ غيرُه، وأن الواجبَ عليهم من اللهِ جلَّ ثناؤه خلافُه، فقال: ﴿لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ أنه ليس لهم كتمانُه، فيتعمَّدون معصيةَ اللهِ ﵎.
كما حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: حدَّثنا يزيدُ بنُ زُريعٍ، قال: حدَّثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ فكتَموا محمدًا ﷺ.
تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (١٤٧)﴾.
يقولُ جلَّ ثناؤه: اعلمْ يا محمدُ أنَّ الحقَّ ما أعلمَك ربُّك وأتاك من عندِه، لا ما يقولُ لك اليهودُ والنصارَى. وهذا من اللهِ جلَّ وعزَّ خبرٌ لنبيِّه ﷺ، عن أن القبلةَ التى وجَّهه نحوَها هى القبلةُ الحقُّ التى كان عليها إبراهيمُ خليلُ الرحمنِ، ومَن بعدَه مِن أنبياءِ اللهِ. [يقولُ تعالى ذكرُه] له: فاعمَلْ بالحقِّ الذى أتاك من ربِّك يا محمدُ، ولا تكونَنَّ من الممْترِين. يَعنى بقولِه: ﴿فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه] له: فاعمَلْ بالحقِّ الذى أتاك من ربِّك يا محمدُ، ولا تكونَنَّ من الممْترِين. يَعنى بقولِه: ﴿فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾. أى: فلا تكونَنَّ من الشاكِّين فى أن القبلةَ التى وجَّهْتُك نحوَها قبلةُ إبراهيمَ خليلى وقبلةُ الأنبياءِ غيرِه.
كما حدَّثنى المثنَّى، قال: حدَّثنا إسحاقُ، قال: حدَّثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ، قال: قال اللهُ لنبيِّه ﷺ: ﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ يقولُ: لا تكنْ فى شكٍّ، فإنها قِبلَتُك وقبلةُ الأنبياءِ قبلَك.
حدَّثنى يونسُ، قال: أخبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: ﴿فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ قال: من الشاكِّين، لا تَشُكَّنَّ فى ذلك.
وإنما المُمْترِى مُفْتعِلٌ، من المِرْيةِ، والمِريةُ هى الشكُّ، ومنه قول الأعشَى:
تَدِرُّ على أسْؤُقِ المُمْتَريـ … ـنَ رَكْضًا إذا ما السَّرابُ ارْجَحَنْ
ما المُمْترِى مُفْتعِلٌ، من المِرْيةِ، والمِريةُ هى الشكُّ، ومنه قول الأعشَى:
تَدِرُّ على أسْؤُقِ المُمْتَريـ … ـنَ رَكْضًا إذا ما السَّرابُ ارْجَحَنْ
فإن قال قائلٌ: أوَ كان النبىُّ شاكًّا فى أن الحقَّ من ربِّه، أو فى أن القبلةَ التى وجَّهه اللهُ إليها حقٌّ من اللهِ، حتى نُهِى عن الشكِّ فى ذلك، فقيل له: ﴿فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾.
قيل: ذلك من الكلامِ الذى تُخْرِجُه العربُ مُخرَجَ الأمْرِ و النهىِ للمخاطَبِ به، والمرادُ به غيرُه، كما قال جلَّ ثناؤه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ ثم قال: ﴿وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ إِنَّ اللهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ [الأحزاب: ١، ٢].
الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ ثم قال: ﴿وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ إِنَّ اللهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ [الأحزاب: ١، ٢]. فخرَج الكلامُ مَخرَجَ الأمْرِ للنبىِّ والنَّهىِ له، والمرادُ به أصحابُه المؤمِنون به، وقد بيَّنَّا نظيرَ ذلك فيما مضَى قبلُ بما أغنَى عن إعادَتِه.
القولُ فى تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا﴾.
يعنى بقولِه: [﴿وَلِكُلٍّ﴾] ولكلِّ أهلِ مِلَّةٍ. فحذَف أهلَ مِلةٍ، واكتَفى بدَلالةِ الكلامِ عليه.
كما حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: حدَّثنا أبو عاصمٍ، قال: حدَّثنا عيسى،
عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مجاهدٍ فى قولِ اللهِ: ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ﴾ قال: لكلِّ صاحبِ مِلَّةٍ.
وحدَّثنا المثنَّى، قال: حدَّثنا إسحاقُ، قال: حدَّثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ: ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا﴾ فلليهودِىِّ وِجْهةٌ هو مُوَلِّيها، وللنصرانىِّ وِجهةٌ هو مُوَلِّيها، وهَداكم اللهُ أنتم أيتُها الأمةُ للقبلةِ التى هى قبلةٌ.
لمسلمين.
حدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ، قال: حدَّثنى أبى، قال: حدَّثنى عمى، قال: حدَّثنى أبى، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا﴾. يَعنى بذلك أهلَ الأديانِ، يقولُ: لكلٍّ قبلةٌ يَرضَوْنها، ووَجهُ اللهِ حيثُ توجَّه المؤمنون، وذلك أن اللهَ قال:
﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ إِنَّ اللهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ١١٥].
حدَّثنى موسى، قال: حدَّثنا عمرٌو، قال: حدَّثنا أسباطُ، عن السُّدىِّ: ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا﴾. يقولُ: لكلِّ قومٍ قبلةٌ قد وُلُّوها.
فتأويلُ أهلِ هذه المقالةِ فى هذه الآيةِ: ولكلِّ أهلِ ملَّةٍ قبلةٌ هو مستقبِلُها ومُوَلٍّ وجهَه إليها.
وقال آخرون بما حدَّثنا به الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزَّاقِ، قال: أخبرَنا مَعْمرٌ، عن قتادةَ: ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا﴾.
إليها.
وقال آخرون بما حدَّثنا به الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزَّاقِ، قال: أخبرَنا مَعْمرٌ، عن قتادةَ: ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا﴾. قال: هى صلاتُهم إلى بيتِ المقدسِ، وصلاتُهم إلى الكعبةِ.
وتأويلُ قائلى هذه المقالةِ: ولكلِّ ناحيةٍ وجَّهكَ إليها ربُّك يا محمدُ قِبلةٌ، اللهُ مُولِّيها عبادَه.
وأمّا الوِجهةُ، فإنها مصدرٌ مثلُ القِعدةِ والمِشيةِ، من التوَجُّهِ. وتأويلُها: مُتَوَجَّهٌ يَتوجَّهُ إليه بوَجْهِه فى صلاتِه.
كما حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: حدَّثنا أبو عاصمٍ، قال: حدَّثنا عيسى،
عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وِجْهَةٌ﴾. قبلةٌ.
حدَّثنى المثنى، قال: حدَّثنا أبو حذيفةَ، قال: حدَّثنا شبلٌ، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
حدَّثنى المثنَّى، قال: حدَّثنا إسحاقُ، قال: حدَّثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ: ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ﴾. قال: وجهٌ.
حدَّثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: ﴿وِجْهَةٌ﴾.
: حدَّثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ: ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ﴾. قال: وجهٌ.
حدَّثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: ﴿وِجْهَةٌ﴾. قبلةٌ.
حدَّثنا ابنُ حُمَيْدٍ، قال: حدَّثنا جريرٌ، قال: قلتُ لمنصورٍ: ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا﴾. قال: نحن نقرؤها: (ولكلٍّ جعَلْنا قبلةً يَرْضَونها).
وأَمَّا قولُه: ﴿هُوَ مُوَلِّيهَا﴾. فإنَّه يَعنى: هو مولٍّ وجهَه إليها، [ومستقبِلُها].
كما حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: حدَّثنا أبو عاصمٍ، قال: حدَّثنا عيسى، عن ابنِ أبى نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿هُوَ مُوَلِّيهَا﴾. قال: هو مستقبلُها (١).
حدَّثنى المثنَّى، قال: حدَّثنا أبو حذيفةَ، قال: حدَّثنا شبلٌ، عن ابنِ أبى نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
ومعنى التوْليةِ ههنا: الإقبالُ، كما يقولُ القائلُ لغيرِه: انصرِفْ إلىَّ. بمعنى: أقْبِلْ إلىَّ. والانصِرافُ المستعمَلُ إنما هو الانصِرافُ عن الشئِ، ثم يقالُ: انصَرفَ إلى الشئِ. بمعنى: أقبَلَ إليه مُنصرِفًا عن غيرِه. وكذلك يقالُ: ولَّيْتُ عنه. إذا
أدْبَرْتَ عنه.
تعمَلُ إنما هو الانصِرافُ عن الشئِ، ثم يقالُ: انصَرفَ إلى الشئِ. بمعنى: أقبَلَ إليه مُنصرِفًا عن غيرِه. وكذلك يقالُ: ولَّيْتُ عنه. إذا
أدْبَرْتَ عنه. ثم يقالُ: ولَّيتُ إليه. بمعنى: أقبلْتُ إليه مُوَلِّيًا عن غيرِه.
والفعلُ - أَعني التوليةَ - في قولِه: ﴿هُوَ مُوَلِّيهَا﴾ لـ"لكُلٍّ" و ﴿هُوَ﴾ التي مع ﴿مُوَلِّيهَا﴾ هي الكلُّ، وُحِّدت للفظِ الكلِّ. فمعنى الكلامِ إذًا: ولكلِّ أهلِ ملةٍ وِجهةٌ، الكلُّ منهم مولُّوها وُجُوهَهم.
وقد رُوِي عن ابنِ عباسٍ وغيرِه أنهم قرَءوها: (هو مُوَلَّاها). بمعنى أنه مُوجَّهٌ نحوَها. ويكونُ الكلُّ حينَئذٍ غيرَ مسمًّى فاعلُه، ولو سُمِّى فاعلُه لكان الكلامُ: ولكلِّ ذِي مِلَّةٍ وِجْهةٌ، اللهُ مولِّيه إياها.
بمعنى أنه مُوجَّهٌ نحوَها. ويكونُ الكلُّ حينَئذٍ غيرَ مسمًّى فاعلُه، ولو سُمِّى فاعلُه لكان الكلامُ: ولكلِّ ذِي مِلَّةٍ وِجْهةٌ، اللهُ مولِّيه إياها. بمعنى: مُوجِّهُه إليها.
وقد ذُكِر عن بعضِهم أنه قرَأ ذلك: (ولكُلِّ وِجْهةٍ هو موليها) بتَرْكِ التنوينِ والإضافةِ.
وذلك لحنٌ لا تجوزُ القراءةُ به؛ لأن ذلك إذا قُرِئ كذلك، كان الخبرُ غيرَ تامٍّ، وكان كلامًا لا معنَى له، وذلك غيرُ جائزٍ أن يكونَ من اللهِ تعالى ذكرُه.
والصوابُ عندنا من القراءةِ في ذلك: ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا﴾ بمعنى: ولكلٍّ وِجهةٌ وقِبلةٌ، ذلك الكلُّ مُوَلٍّ وَجْهَه نحوَها؛ لإجماعِ الحُجَّةِ من القرَأةِ على قراءةِ ذلك كذلك، وتصويبِها إياها، وشُذوذِ مَن خالَف ذلك إلى غيرِه، وما جاء به النقلُ مستفِيضًا فحُجَّةٌ، وما انفرَد به مَن كان جائزًا عليه السهوُ والغَلطُ، فغيرُ جائزٍ الاعتراضُ به على الحُجَّةِ.
ِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٤٣)﴾
[قيل المراد بالسفهاء هاهنا: المشركون؛ مشركو العرب، قاله الزجاج. وقيل: أحبار يهود، قاله مجاهد. وقيل: المنافقون، قاله السدي. والآية عامة في هؤلاء كلهم، والله أعلم].
قال البخاري: حدثنا أبو نُعَيم، سمع زُهَيرًا، عن أبي إسحاق، عن البراء، ﵁؛ أن النبي ﷺ صلى إلى بيت المقدس ستَّة عشر شهرا أو سبعة عشر شهرًا، وكان يعجبه أن تكون قبلته قبل البيت، وأنه صلى أول صلاة صلاها، صلاة العصر، وصلى معه قوم. فخرج رجل ممن كان صلى معه، فمر على أهل المسجد وهم راكعون، فقال: أشهد بالله لقد صليتُ مع النبي ﷺ قبَل مكة، فدارُوا كما هم قبل البيت. وكان الذي مات على القبلة قبل أن تُحَوّل قبل البيت رجالا قتلوا لم ندر ما نقول فيهم، فأنزل الله ﷿ (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ)
انفرد به البخاري من هذا الوجه.
ندر ما نقول فيهم، فأنزل الله ﷿ (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ)
انفرد به البخاري من هذا الوجه. ورواه مسلم من وجه آخر.
وقال محمد بن إسحاق: حدثني إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي إسحاق، عن البراء، قال: كان رسول الله ﷺ يصلي نحو بيت المقدس، ويكثر النظر إلى السماء ينتظر أمر الله، فأنزل الله: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ فقال رجال من المسلمين: وَددْنا لو عَلمْنا علم من مات منا قبل أن نُصْرف إلى القبلة، وكيف بصلاتنا نحو بيت المقدس؟ فأنزل الله: (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ) وقال السفهاء من الناس، وهم أهل الكتاب: ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها؟
نحو بيت المقدس؟ فأنزل الله: (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ) وقال السفهاء من الناس، وهم أهل الكتاب: ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها؟ فأنزل الله: (سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ) إلى آخر الآية.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا الحسن بن عطية، حدثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن البراء قال: كان رسول الله ﷺ قد صلى نحو بيت المقدس ستة عشر أو سبعة عشر شهرا، وكان يحب أن يوجه نحو الكعبة، فأنزل الله: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ قال: فَوُجّه نحو الكعبة.
رَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ قال: فَوُجّه نحو الكعبة. وقال السفهاء من الناس، وهم اليهود: (مَا وَلاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا) فأنزل الله (قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ)
وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: إن رسول الله ﷺ لمّا هاجر إلى المدينة، أمَره الله أن يستقبل بيت المقدس، ففرحت اليهود، فاستقبلها رسول الله ﷺ بضعة عشر شهرًا، وكان رسول الله ﷺ يُحِب قبلة إبراهيم، فكان يدعو الله وينظر إلى السماء، فأنزل الله ﷿: ﴿فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ أي: نحوه. فارتاب من ذلك اليهود، وقالوا: ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها؟
عو الله وينظر إلى السماء، فأنزل الله ﷿: ﴿فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ أي: نحوه. فارتاب من ذلك اليهود، وقالوا: ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها؟ فأنزل الله: (قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ).
وقد جاء في هذا الباب أحاديثُ كثيرة، وحاصلُ الأمر أنه قد كان رسول الله ﷺ أمِرَ باستقبال الصخرة من بيت المقدس، فكان بمكة يُصَلِّي بين الركنين، فتكون بين يديه الكعبة وهو مستقبل صخرة بيت المقدس، فلما هاجر إلى المدينة تَعَذَّر الجمعُ بينهما، فأمره الله بالتوجه إلى بيت المقدس، قاله ابن عباس والجمهور، ثم اختلف هؤلاء هل كان الأمر به بالقرآن أو بغيره؛ على قولين، وحكى القرطبي في تفسيره عن عكرمة وأبي العالية والحسن البصري أن التوجه إلى بيت المقدس كان باجتهاده ﵊.
ؤلاء هل كان الأمر به بالقرآن أو بغيره؛ على قولين، وحكى القرطبي في تفسيره عن عكرمة وأبي العالية والحسن البصري أن التوجه إلى بيت المقدس كان باجتهاده ﵊. والمقصود أن التوجه إلى بيت المقدس بعد مقدمه ﷺ المدينة، فاستمرَّ الأمرُ على ذلك بضعة عَشَرَ شهرًا، وكان يكثر الدعاءَ والابتهالَ أنْ يُوَجَّه إلى الكعبة، التي هي قبلة إبراهيم، ﵇، فأجيب إلى ذلك، وأمر بالتوجِّه إلى البيت العتيق، فخطب رسولُ الله ﷺ الناس، وأعلمهم بذلك. وكان أول صلاة صلاها إليها صلاة العصر، كما تقدم في الصحيحين من رواية البراء. ووقع عند النسائي من رواية أبي سعيد بن المعلى: أنها الظهر. وأما أهل قُبَاء، فلم يبلغهم الخبر إلى صلاة الفجر من اليوم الثاني، كما جاء في الصحيحين، عن ابن عمر أنه قال: بينما الناس بقباء في صلاة الصبح، إذ جاءهم آت فقال: إن رسول الله ﷺ قد أنزل عليه الليلة قرآن وقد
أمر أن يستقبل الكعبة، فاستقبلوها.
عن ابن عمر أنه قال: بينما الناس بقباء في صلاة الصبح، إذ جاءهم آت فقال: إن رسول الله ﷺ قد أنزل عليه الليلة قرآن وقد
أمر أن يستقبل الكعبة، فاستقبلوها. وكانت وجوههم إلى الشام فاستداروا إلى الكعبة.
وفي هذا دليل على أن الناسخ لا يلزم حكمه إلا بعد العلم به، وإن تقدم نزوله وإبلاغه؛ لأنهم لم يؤمروا بإعادة العصر والمغرب والعشاء، والله أعلم.
ولما وقع هذا حصل لبعض الناس -من أهل النفاق والريب والكفرة من اليهود -ارتياب وزيغ عن الهدى وتخبيط وشك، وقالوا: (مَا وَلاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا) أي: ما لهؤلاء تارة يستقبلون كذا، وتارة يستقبلون كذا؟
ياب وزيغ عن الهدى وتخبيط وشك، وقالوا: (مَا وَلاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا) أي: ما لهؤلاء تارة يستقبلون كذا، وتارة يستقبلون كذا؟ فأنزل الله جوابهم في قوله: (قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ) أي: الحكم والتصرف والأمر كله لله، وحيثما تولوا فثمَّ وجه الله، و ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ﴾ [البقرة: ١٧٧] أي: الشأن كله في امتثال أوامر الله، فحيثما وجهنا توجهنا، فالطاعة في امتثال أمره، ولو وجهنا في كل يوم مرات إلى جهات متعددة، فنحن عبيده وفي تصريفه وخُدَّامُه، حيثما وجَّهَنا توجهنا، وهو تعالى له بعبده ورسوله محمد -صلوات الله وسلامه عليه -وأمتِه عناية عظيمة؛ إذ هداهم إلى قبلة إبراهيم، خليل الرحمن، وجعل توجههم إلى الكعبة المبنية على اسمه تعالى وحده لا شريك له، أشرف بيوت الله في الأرض، إذ هي بناء إبراهيم الخليل، ﵇، ولهذا قال: (قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ
على اسمه تعالى وحده لا شريك له، أشرف بيوت الله في الأرض، إذ هي بناء إبراهيم الخليل، ﵇، ولهذا قال: (قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ).
وقد روى الإمام أحمد، عن علي بن عاصم، عن حصين بن عبد الرحمن، عن عُمَر بن قيس، عن محمد بن الأشعث، عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ -يعني في أهل الكتاب -: "إنهم لا يحسدوننا على شيء كما يحسدوننا على يوم الجمعة، التي هدانا الله لها وضلوا عنها، وعلى القبلة التي هدانا الله لها وضلوا عنها، وعلى قولنا خلف الإمام: آمين".
وقوله تعالى: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا) يقول تعالى: إنما حَوّلناكم إلى قبلة إبراهيم، ﵇، واخترناها لكم لنجعلكم خيار الأمم، لتكونوا يوم القيامة شُهَداء على الأمم؛ لأن الجميع معترفون لكم بالفضل. والوسط هاهنا: الخيار والأجود، كما يقال: قريش أوسطُ العرب نسباً وداراً، أي: خيرها.
كونوا يوم القيامة شُهَداء على الأمم؛ لأن الجميع معترفون لكم بالفضل. والوسط هاهنا: الخيار والأجود، كما يقال: قريش أوسطُ العرب نسباً وداراً، أي: خيرها. وكان رسول الله ﷺ وسطا في قومه، أي: أشرفهم نسبا، ومنه الصلاة الوسطى، التي هي أفضل الصلوات، وهي العصر، كما ثبت في الصحاح وغيرها، ولما جعل الله هذه الأمة وسطاً خَصَّها بأكمل الشرائع وأقوم المناهج وأوضح المذاهب، كما قال تعالى: ﴿هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [الحج: ٧٨]
وقال الإمام أحمد: حدثنا وَكِيع، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ: "يدعى نوح يوم القيامة فيقال له: هل بلَّغت؟ فيقول: نعم. فيدعى قومه فيقال لهم: هل بلغكم؟ فيقولون: ما أتانا من نذير وما أتانا من أحد، فيقال لنوح: من يشهد لك؟
نوح يوم القيامة فيقال له: هل بلَّغت؟ فيقول: نعم. فيدعى قومه فيقال لهم: هل بلغكم؟ فيقولون: ما أتانا من نذير وما أتانا من أحد، فيقال لنوح: من يشهد لك؟ فيقول: محمد وأمته" قال: فذلك قوله: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا).
قال: الوسط: العدل، فتدعون، فتشهدون له بالبلاغ، ثم أشهد عليكم.
رواه البخاري والترمذي والنسائي وابن ماجه من طرق عن الأعمش، [به].
وقال الإمام أحمد أيضًا: حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ: "يجيء النبي يوم القيامة [ومعه الرجل والنبي] ومعه الرجلان وأكثر من ذلك فيدعى قومه، فيقال [لهم] هل بلغكم هذا؟ فيقولون: لا. فيقال له: هل بلغت قومك؟ فيقول: نعم. فيقال [له] من يشهد لك؟ فيقول: محمد وأمته فيدعى بمحمد وأمته، فيقال لهم: هل بلغ هذا قومه؟ فيقولون: نعم. فيقال: وما علمكم؟
له: هل بلغت قومك؟ فيقول: نعم. فيقال [له] من يشهد لك؟ فيقول: محمد وأمته فيدعى بمحمد وأمته، فيقال لهم: هل بلغ هذا قومه؟ فيقولون: نعم. فيقال: وما علمكم؟ فيقولون: جاءنا نبينا ﷺ فأخبرنا أن الرسل قد بلغوا" فذلك قوله ﷿: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا) قال: "عدلا (لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا) ".
وقال الإمام أحمد أيضًا: حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي سعيد الخدري، عن النبي ﷺ في قوله تعالى: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا) قال: "عدلا".
وروى الحافظ أبو بكر بن مَرْدويه وابن أبي حاتم من حديث عبد الواحد بن زياد، عن أبي مالك الأشجعي، عن المغيرة بن عتيبة بن نهاس: حدثني مكتب لنا عن جابر بن عبد الله، عن النبي ﷺ، قال: أنا وأمَّتي يوم القيامة على كَوْم مُشرفين على الخلائق. ما من الناس أحد إلا ودّ أنه منَّا.
نهاس: حدثني مكتب لنا عن جابر بن عبد الله، عن النبي ﷺ، قال: أنا وأمَّتي يوم القيامة على كَوْم مُشرفين على الخلائق. ما من الناس أحد إلا ودّ أنه منَّا. وما من نبي كَذَّبه قومه إلا ونحن نشهدُ أنه قد بلغ رسالةَ ربه، ﷿.
وروى الحاكم، في مستدركه وابن مَرْدُويَه أيضاً، واللفظ له، من حديث مصعب بن ثابت، عن محمد بن كعب القُرَظي، عن جابر بن عبد الله، قال: شهد رسولُ الله ﷺ جنازة، في بني سلمة، وكنت إلى جانب رسول الله ﷺ، فقال بعضهم: والله -يا رسولَ الله -لنعم المرءُ كان، لقد كان عفيفا مسلما وكان … وأثنوا عليه خيراً. فقال رسول الله ﷺ: "أنت بما تقول". فقال الرجل: الله أعلم بالسرائر، فأما الذي بدا لنا منه فذاك. فقال النبي ﷺ: "وجبت". ثم شَهِد جنازة في بني حَارِثة، وكنتُ إلى جانب رسول الله ﷺ، فقال بعضهم: يا رسولَ الله، بئس المرءُ كان، إن كان لفَظّاً غليظاً، فأثنوا عليه شراً فقال رسول الله ﷺ لبعضهم: "أنت بالذي تقول". فقال الرجل: الله أعلم بالسرائر، فأما الذي بدا لنا منه فذاك.
ُ كان، إن كان لفَظّاً غليظاً، فأثنوا عليه شراً فقال رسول الله ﷺ لبعضهم: "أنت بالذي تقول". فقال الرجل: الله أعلم بالسرائر، فأما الذي بدا لنا منه فذاك. فقال رسول الله ﷺ: "وجبت".
قال مصعب بن ثابت: فقال لنا عند ذلك محمد بن كَعْب: صدقَ رسُول الله ﷺ، ثم قرأ: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا)
ثم قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه.
وقال الإمام أحمد: حدثنا يونس بن محمد، حدثنا داود بن أبي الفرات، عن عبد الله بن بُريدة، عن أبي الأسود أنه قال: أتيتُ المدينة فوافقتها، وقد وقع بها مرض، فهم يموتون موتاً ذَريعاً. فجلست إلى عمر بن الخطاب، فمرّت به جنازة، فَأثْنِيَ على صاحبها خير. فقال: وجبت وجَبَت. ثم مُرّ بأخرى فَأُثْنِيَ عليها شرٌّ، فقال عمر: وجبت [وجبت]. فقال أبو الأسود: ما وجبت يا أمير المؤمنين؟ قال: قلت كما قال رسولُ الله ﷺ: "أيّما مسلم شَهِد له أربعة بخير أدخله الله الجنة". قال: فقلنا. وثلاثة؟
بت]. فقال أبو الأسود: ما وجبت يا أمير المؤمنين؟ قال: قلت كما قال رسولُ الله ﷺ: "أيّما مسلم شَهِد له أربعة بخير أدخله الله الجنة". قال: فقلنا. وثلاثة؟ قال: "وثلاثة". قال، فقلنا: واثنان؟ قال: "واثنان" ثم لم نسأله عن الواحد.
وكذا رواه البخاري، والترمذي، والنسائي من حديث داود بن أبي الفرات، به.
قال ابن مَرْدويه: حدثنا أحمد بن عثمان بن يحيى، حدثنا أبو قِلابة الرقاشي، حدثني أبو الوليد، حدثنا نافع بن عمر، حدثني أمية بن صفوان، عن أبي بكر بن أبي زهير الثقفي، عن أبيه، قال: سمعت رسول الله ﷺ بالنَّباوَة يقول: "يوشك أن تعلموا خياركم من شراركم" قالوا: بم يا رسول الله؟ قال: بالثناء الحسن والثناء السَّيِّئ، أنتم شهداء الله في الأرض". ورواه ابن ماجه عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن يزيد بن هارون.
كم" قالوا: بم يا رسول الله؟ قال: بالثناء الحسن والثناء السَّيِّئ، أنتم شهداء الله في الأرض". ورواه ابن ماجه عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن يزيد بن هارون. ورواه الإمام أحمد، عن يزيد بن هارون، وعبد الملك بن عمر وشريح، عن نافع عن ابن عمر، به.
وقوله تعالى: (وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ) يقول تعالى: إنما شرعنا لك -يا محمد -التوجه أولا إلى بيت المقدس، ثم صرفناك عنها إلى الكعبة، ليظهر حالُ من يَتَّبعك ويُطيعك ويستقبل معك حيثما توجهتَ مِمَّن ينقلب على عَقبَيْه، أي: مُرْتَدّاً عن دينه (وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً) أي: هذه الفعلة، وهو صرف التوجه عن بيت المقدس إلى الكعبة، أي: وإن كان هذا الأمر عظيماً في النفوس، إلا على الذين هدى الله قلوبهم، وأيقنُوا بتصديق الرسُول، وأنَّ كلَّ ما جاء به فهو الحقّ الذي لا مرْية فيه، وأن الله يفعل ما يشاء
لأمر عظيماً في النفوس، إلا على الذين هدى الله قلوبهم، وأيقنُوا بتصديق الرسُول، وأنَّ كلَّ ما جاء به فهو الحقّ الذي لا مرْية فيه، وأن الله يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، فله أن يكلّف عباده بما شاء، وينسخ ما يشاء، وله الحكمة التامة والحجة البالغة في جميع ذلك، بخلاف الذين في قلوبهم مرض، فإنه كلما حدث أمر أحدث لهم شكّاً، كما يحصل للذين آمنوا إيقان وتصديق، كما قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ * وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ﴾ [التوبة: ١٢٤،١٢٥] وقال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى﴾ [فصلت: ٤٤] وقال تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلا
هُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى﴾ [فصلت: ٤٤] وقال تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلا خَسَارًا﴾ [الإسراء: ٨٢]. ولهذا كان مَن ثَبَتَ على تصديق الرسول ﷺ واتباعه في ذلك، وتوجه حيثُ أمره الله من غير شك ولا رَيْب، من سادات الصحابة. وقد ذهب بعضُهم إلى أن السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار هم الذين صلّوا القبلتين.
وقال البخاري في تفسير هذه الآية:
حدثنا مُسَدَّد، حدثنا يحيى، عن سُفيان، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر قال: بينا الناسُ يصلون الصبح في مسجد قُباء إذ جاء رجل فقال: قد أنزل على النبي ﷺ قرآن، وقد أمر أن يستقبل الكعبة فاستقبلوها. فتوجهوا إلى الكعبة.
وقد رواه مسلم من وجه آخر، عن ابن عمر. ورواه الترمذي من حديث سفيان الثوري وعنده: أنهم كانوا ركوعاً، فاستداروا كما هم إلى الكعبة، وهم ركوع.
إلى الكعبة.
وقد رواه مسلم من وجه آخر، عن ابن عمر. ورواه الترمذي من حديث سفيان الثوري وعنده: أنهم كانوا ركوعاً، فاستداروا كما هم إلى الكعبة، وهم ركوع. وكذا رواه مسلم من حديث حَمّاد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس، مثله، وهذا يدل على كمال طاعتهم لله ورسوله، وانقيادهم لأوامر الله ﷿، ﵃ أجمعين.
وقوله: (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ) أي: صلاتكم إلى بيت المقدس قبل ذلك لا يضيع ثوابها عند الله، وفي الصحيح من حديث أبي إسحاق السَّبِيعي، عن البراء، قال: مات قوم كانوا يصلون نحو بيت المقدس فقال الناس: ما حالهم في ذلك؟ فأنزل الله تعالى: (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ).
[ورواه الترمذي عن ابن عباس وصححه].
وقال ابن إسحاق: حَدّثني محمد بن أبي محمد، عن عكرمة أو سعيد بن جبير، عن ابن عباس: (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ) أي: بالقبلة الأولى، وتصديقكم نبيكم، واتباعه إلى القبلة الأخرى. أي: لَيُعْطيكم أجرَهما جميعا.
ن ابن عباس: (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ) أي: بالقبلة الأولى، وتصديقكم نبيكم، واتباعه إلى القبلة الأخرى. أي: لَيُعْطيكم أجرَهما جميعا. (إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ)
وقال الحسن البصري: (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ) أي: ما كان الله ليضيع محمدا ﷺ وانصرافكم معه حيث انصرف (إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ)
وفي الصحيح أن رسول الله ﷺ رأى امرأة من السبي قد فرق بينها وبين ولدها، فجعلت كُلَّما وجدت صبيًا من السبي أخذته فألصقته بصدرها، وهي تَدُور على، ولدها، فلما وجدته ضمته إليها وألقمته ثديها. فقال رسول الله ﷺ: "أترون هذه طارحة ولدها في النار، وهي تقدر على ألا تطرحه؟ " قالوا: لا يا رسول الله. قال: "فوالله، لله أرحم بعباده من هذه بولدها".
قوله تعالى: ﴿وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً﴾ لم يبين هنا هل هو شهيد عليهم في الدنيا أو الآخرة؟ ولكنه بين في موضع آخر: أنه شهيد عليهم في الآخرة، وذلك في قوله: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيداً (٤١) يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثاً﴾.
•
قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ﴾ الآية. ظاهر هذه الآية قد يتوهم منه الجاهل أنه تعالى يستفيد بالاختبار علما لم يكن يعلمه، ﷾ عن ذلك علوا كبيرا، بل هو تعالى عالم بكل ما سيكون قبل أن يكون. وقد بين أنه لا يستفيد بالاختبار علما لم يكن يعلمه بقوله جل وعلا: ﴿لِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (١٥٤)﴾ فقوله: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (١٥٤)﴾ بعد قوله: ﴿وَلِيَبْتَلِيَ﴾ دليل قاطع على أنه لم يستفد بالاختبار شيئا لم يكن عالما به. ﷾ عن ذلك علوا كبيرا، لأن العليم بذات الصدور غني عن الاختبار، وفي هذه الآية بيان عظيم لجميع الآيات التي يذكر الله فيها اختباره لخلقه.
لم يكن عالما به. ﷾ عن ذلك علوا كبيرا، لأن العليم بذات الصدور غني عن الاختبار، وفي هذه الآية بيان عظيم لجميع الآيات التي يذكر الله فيها اختباره لخلقه. ومعنى ﴿إِلَّا لِنَعْلَمَ﴾ أي علما يترتب عليه الثواب والعقاب، فلا ينافي أنه كان عالما به قبل ذلك، وفائدة الاختبار ظهور الأمر للناس، أما عالم السر والنجوى فهو عالم بكل ما سيكون كما لا يخفى.
وقوله: ﴿مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ﴾ أشار إلى أن الرسول هو محمد
- ﷺ بقوله مخاطبا له: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا﴾ الآية؛ لأن هذا الخطاب له إجماعا.
•
قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ أي: صلاتكم إلى بيت المقدس على الأصح ويستروح ذلك من قوله قبله: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا﴾ الآية. ولا سيما على القول باعتبار دلالة الاقتران، والخلاف فيها معروف في الأصول.
•