Jika kamu (pada perang Uhud) mendapat luka, maka mereka pun (pada perang Badar) mendapat luka yang serupa. Dan masa (kejayaan dan kehancuran) itu, Kami pergilirkan di antara manusia (agar mereka mendapat pelajaran), dan agar Allah membedakan orang-orang yang beriman (dengan orang-orang kafir) dan agar sebagian kamu dijadikan-Nya (gugur sebagai) syuhada. Dan Allah tidak menyukai orang-orang zalim
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿الم (١) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾.
قال أبو جعفرٍ: قد أتيْنَا على البيانِ عن معنى قولِه: ﴿الم﴾. فيما مضَى، بما أغنى عن إعادتِه في هذا الموضعِ،
وكذلك البيانِ عن قولِه: ﴿اللَّهُ﴾.
وأما معنى قولِه: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾. فإنه خبرٌ من اللهِ ﷿ أخبَر عبادَه أن الألوهةَ خاصَّةٌ به دونَ ما سواه من الآلهةِ والأندادِ، وأن العبادةَ لا تصلُحُ ولا تجوزُ إلا له، لانفرادِه بالربوبيةِ وتَوَحُّدِه بالأُلوهيَّةِ، وأن كلَّ ما دونَه فمِلْكُه، وأن كلَّ ما سواه فخَلْقُه، لا شريكَ له في سلطانِه ومِلْكِه؛ احتجاجًا منه تعالى ذكرُه عليهم، بأن ذلك إذْ كان كذلك، فغيرُ جائزةٍ لهم عبادةُ غيرِه ولا إشراكُ أحدٍ معه في سلطانِه، إذ كان كلُّ معبودٍ سواه فمِلْكُه، وكلُّ مُعَظَّمٍ غيرِه فخَلْقُه؛ وعلى المملوكِ إفرادُ الطاعةِ لمالِكه، وصَرْفُ خدمتِه إلى مولاه ورازقِه، ومُعَرِّفًا مَن كان مِن خَلْقِه - يومَ أنزل ذلك إلى نبيِّه محمدٍ ﷺ، بتنزيلِه ذلك إليه، وإرسالِه به إليهم على لسانِه، صلواتُ
خدمتِه إلى مولاه ورازقِه، ومُعَرِّفًا مَن كان مِن خَلْقِه - يومَ أنزل ذلك إلى نبيِّه محمدٍ ﷺ، بتنزيلِه ذلك إليه، وإرسالِه به إليهم على لسانِه، صلواتُ اللهِ عليه وسلامُه - مُقيمًا على عبادةِ وَثَنٍ أو
صنمٍ، أو شمسٍ أو قمرٍ، أو إنسيٍّ أو مَلَكٍ، أو غيرِ ذلك من الأشياءِ التي كانت بنو آدمَ مُقِيمةً على [عبادتِها وإلاهتِها]، ومُتَّخذَه دونَ مالكِه وخالقِه إلهًا وربًّا أنه مُقِيمٌ على ضلالةٍ، ومنعزلٌ عن المَحَجَّةِ، وراكبٌ غيرَ السبيلِ المستقيمةِ، بصرفِه العبادةَ إلى غيرِه، ولا أحدَ له الألوهةُ غيرُه.
ِه إلهًا وربًّا أنه مُقِيمٌ على ضلالةٍ، ومنعزلٌ عن المَحَجَّةِ، وراكبٌ غيرَ السبيلِ المستقيمةِ، بصرفِه العبادةَ إلى غيرِه، ولا أحدَ له الألوهةُ غيرُه.
وقد ذُكِر أن هذه السورةَ ابتدأ اللهُ بتنزيلِ فاتحتِها، بالذي ابتدأ به مِن نفيِ الأُلُوهَةِ أن تكونَ لغيرِه، ووَصْفِه نفسَه بالذي وصفَها به في ابتدائِها؛ احتجاجًا منه بذلك على طائفةٍ من النَّصارَى قَدِمُوا على رسولِ الله ﷺ من نَجْرانَ فحاجُّوه في عيسى صلواتُ اللهِ عليه، وألْحَدُوا في اللهِ، فأنزل اللهُ ﷿ في أمرِهم وأمرِ عيسى من هذه السورةِ، نَيِّفًا وثلاثين آيةً من أوَّلِها؛ احتجاجًا عليهم وعلى من كان على مثلِ مقالتِهم لنبيِّه محمدٍ ﷺ، فأبَوْا إلا المُقامَ على ضلالتِهم وكفرِهم فدعاهم إلى المباهلةِ، فأبَوْا ذلك وسألُوا قَبولَ الجِزْيةِ منهم، فقَبِلها ﷺ منهم، وانصرَفُوا إلى بلادِهم.
، فأبَوْا إلا المُقامَ على ضلالتِهم وكفرِهم فدعاهم إلى المباهلةِ، فأبَوْا ذلك وسألُوا قَبولَ الجِزْيةِ منهم، فقَبِلها ﷺ منهم، وانصرَفُوا إلى بلادِهم. غيرَ أن الأمرَ وإن كان كذلك، وإيّاهم قصَد بالحِجاجِ، فإنَّ مَن كان معناه من سائرِ الخلقِ معناهم في الكفرِ باللهِ، واتخاذِ ما سوى اللهِ ربًّا وإلهًا معبودًا، معمومون بالحُجَّة التي حجَّ اللهُ ﵎ بها مَن نزَلتْ هذه الآياتُ فيه، ومحجوجون في الفُرقانِ الذي فَرَق به لرسولِه ﷺ بينَه وبينَهم.
ذكرُ الروايةِ عمن ذكرْنا قولَه في نزولِ افتتاحِ هذه السورةِ أنه نزَل في الذين وصَفْنا صِفَتَهم من النَّصَارَى
حدَّثنا محمدُ بنُ حميدٍ، قال: حدَّثنا سلمةُ بنُ الفضلِ، قال: حدَّثني محمدُ
نزولِ افتتاحِ هذه السورةِ أنه نزَل في الذين وصَفْنا صِفَتَهم من النَّصَارَى
حدَّثنا محمدُ بنُ حميدٍ، قال: حدَّثنا سلمةُ بنُ الفضلِ، قال: حدَّثني محمدُ
ابن إسحاقَ، عن محمدِ بن جعفرٍ، قال: قَدِم على رسولِ اللهِ ﷺ وفدُ نَجْرانَ، ستون راكبًا، فيهم أربعةَ عشَرَ رجلًا من أشرافِهم، في الأربعةَ عشَرَ ثلاثةُ نَفَرٍ، إليهم يئولُ أمرُهم: العاقبُ؛ أميرُ القومِ وذو رأيِهم وصاحبُ مَشورتِهم، والذي لا يَصْدرُون إلا عن رأيِه، واسمُه عبدُ المسيحِ، والسيِّدُ؛ ثِمالُهم وصاحبُ رحلِهم ومُجْتَمَعِهم، واسمُه الأَيْهَمُ، وأبو حارثةَ بنُ علقمةَ؛ أحدُ بكرِ بن وائلٍ، [أسْقُفُّهم وحَبْرُهم] وإمامُهم وصاحبُ مِدْراسهم.
وكان أبو حارثةَ قد شَرُف فيهم، ودرَس كتبَهم، حتى حسُن علمُه في دينِهم، فكانت ملوكُ الرومِ من أهلِ النصرانيَّةِ قد شرَّفُوه وموَّلُوه وأخدَمُوه وبَنَوْا له الكنائسَ، وبسَطُوا عليه الكراماتِ؛ لما يَبْلُغُهم عنه من علمِه واجتهادِه في دينِهم.
ِ من أهلِ النصرانيَّةِ قد شرَّفُوه وموَّلُوه وأخدَمُوه وبَنَوْا له الكنائسَ، وبسَطُوا عليه الكراماتِ؛ لما يَبْلُغُهم عنه من علمِه واجتهادِه في دينِهم.
قال ابن إسحاق: قال محمدُ بنُ جعفرِ بن الزُّبيرِ: قَدِموا على رسولِ اللهِ ﷺ المدينةَ، فدخَلوا عليه مسجدَه حينَ صلَّى العصرَ، عليهم ثيابُ الحِبَراتِ جُبَبٌ وأرديةٌ، في [جمال رجالِ] بَلْحارثِ بن كعبٍ. قال: يقولُ بعضُ مَن رآهم من أصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ يومئذٍ: ما رأيْنا بعدَهم وفدًا مثلَهم، وقد حانتْ صلاتُهم، فقاموا يُصَلُّون في مسجدِ رسولِ اللهِ ﷺ، فقال رسولُ اللهِ ﷺ: "دَعُوهم".
صحابِ رسولِ اللهِ ﷺ يومئذٍ: ما رأيْنا بعدَهم وفدًا مثلَهم، وقد حانتْ صلاتُهم، فقاموا يُصَلُّون في مسجدِ رسولِ اللهِ ﷺ، فقال رسولُ اللهِ ﷺ: "دَعُوهم". فَصَلُّوا إلى المَشْرِقِ.
قال: وكانت تسميةُ الأربعةَ عشَرَ منهم الذين يَئُولُ إليهم أمرُهم: العاقبُ وهو عبدُ المسيحِ، والسيِّدُ وهو الأَيْهَمُ، وأبو حارثةَ بنُ عَلْقمةَ أخو بكرِ بن وائلٍ، وأوسٌ، والحارثُ، وزيدٌ، وقيسٌ، ويزيدُ، ونُبَيةٌ، وخويلدٌ، و عمرٌو، وخالدٌ، وعبدُ اللهِ، ويُحَنَّسُ، في ستين راكبًا، فكلَّم رسولَ اللهِ ﷺ منهم أبو حارثةَ بنُ عَلْقمةَ، والعاقبُ عبدُ المسيحِ، والأيْهَمُ السَّيِّدُ، وهم من النصرانيةِ على دينِ الملِكِ، مع اختلافِ من أمرِهم يقولون: هو اللهُ. ويقولون: هو ولدُ اللهِ. ويقولون: هو ثالثُ ثلاثةٍ. وكذلك قولُ النصرانيةِ، فهم يَحْتَجُّون في قولِهم: هو اللهُ.
مع اختلافِ من أمرِهم يقولون: هو اللهُ. ويقولون: هو ولدُ اللهِ. ويقولون: هو ثالثُ ثلاثةٍ. وكذلك قولُ النصرانيةِ، فهم يَحْتَجُّون في قولِهم: هو اللهُ. بأنه كان يُحيِى الموتى، ويُبْرِئُ الأسقامَ، ويُخْبِرُ بالغُيوبِ، ويَخلُقُ من الطينِ كهيئةِ الطيرِ ثم ينفُخُ فيه فيكونُ طائرًا، وذلك كلُّه بإذنِ اللهِ، ليجعلَه آيةً للناسِ. ويَحتجُّون في قولِهم: إنه ولدُ اللهِ. أنهم يقولون: لم يكنْ له أبٌ يُعْلَمُ، وقد تكلَّم في المهدِ، شيءٌ لم يَصْنَعْه أحدٌ من ولدِ آدمَ قبلَه. ويحتجُّون في قولِهم: إنه ثالثُ ثلاثةٍ. بقولِ اللهِ ﷿: فعلْنا وأمَرْنا، وخلَقْنا وقضَيْنا. فيقولون: لو كان واحدًا ما قال إلا: فعلتُ وأمَرْتُ وقضَيْتُ وخَلَقْتُ، ولكنّه هو، وعيسى، ومريمُ. ففي كلِّ ذلك من قولِهم قد نزَل القرآنُ، وذكَر اللهُ لنبيِّه ﷺ فيه قولَهم، فلمّا كلَّمه الحَبْرانِ، قال لهما رسولُ اللهِ ﷺ: "أسْلِما". قالا: قد أسلَمْنا. قال: "إنَّكما لم تُسْلِما، فأسْلِما". قالا: بلى، قد أسلَمْنا قبلَك.
م، فلمّا كلَّمه الحَبْرانِ، قال لهما رسولُ اللهِ ﷺ: "أسْلِما". قالا: قد أسلَمْنا. قال: "إنَّكما لم تُسْلِما، فأسْلِما". قالا: بلى، قد أسلَمْنا قبلَك. قال: "كَذَبْتُمَا، يَمْنَعُكُما مِن الإِسلامِ دعاؤُكما للهِ ﷿ وَلَدًا، وعبادَتُكما الصَّليب، وأكْلُكما الخِنزِيرَ". قالا: فمن
أبوه يا محمدُ؟ فصمَت رسولُ اللهِ ﷺ عنهما فلم يُجِبْهما، فأنزل اللهُ في ذلك من قولِهم، واختلافِ أمرِهم كلِّه، صدرَ سورةِ "آلِ عمرانَ" إلى بضْعٍ وثمانين آيةً منها، فقال: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾.
ك من قولِهم، واختلافِ أمرِهم كلِّه، صدرَ سورةِ "آلِ عمرانَ" إلى بضْعٍ وثمانين آيةً منها، فقال: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾. فافتتح السورةَ بتَبْرِئتِه نفسَه ﵎ مما قالوا، وتوحيدِه إيّاها بالخلقِ والأمرِ، لا شريكَ له فيه؛ ردًّا عليهم ما ابتدَعوا من الكفرِ، وجعَلوا معه من الأندادِ، واحتجاجًا عليهم بقولِهم في صاحبِهم، ليُعَرِّفَهم بذلك ضَلالتَهم، فقال: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ أي ليس معه شريكٌ في أمرِه.
حدَّثني المثنَّى، قال: حدَّثنا إسحاقُ، قال: حدَّثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرَّبيع في قولِه: ﴿الم (١) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾. قال: إن النَّصارَى أتَوْا رسولَ اللهِ ﷺ فخاصَمُوه في عيسى ابن مريمَ، وقالوا له: من أبوه؟ وقالوا على اللهِ الكَذِبَ والبُهْتانَ - لا إلهَ إلا هو، لم يَتَّخِذْ صاحبةً ولا ولدًا - فقال لهم النبيُّ ﷺ: "ألستُم تَعْلَمُون أنَّه لا يكونُ وَلَدٌ إلا وهو يُشْبِهُ أباه؟ ". قالوا: بلى.
- لا إلهَ إلا هو، لم يَتَّخِذْ صاحبةً ولا ولدًا - فقال لهم النبيُّ ﷺ: "ألستُم تَعْلَمُون أنَّه لا يكونُ وَلَدٌ إلا وهو يُشْبِهُ أباه؟ ". قالوا: بلى. قال: "ألستُم تَعْلَمُونَ أَنَّ ربَّنا حيٌّ لا يموتُ، وأنَّ عيسى يأتى عليه الفناءُ؟ ". قالوا: بلى. قال: "ألستُم تَعْلَمُون أَنَّ ربَّنا قَيِّمٌ على كلِّ شيءٍ، يَكْلَؤُه ويَحْفَظُه ويَرْزُقُه؟ ". قالوا: بلى. قال: "فهل يَمْلِكُ عيسى من ذلك شيئًا؟ ". قالوا: لا. قال: "أفلستُم تَعْلَمُونَ أَنَّ الله ﷿ لا يَخْفَى عليه شيءٌ في الأرضِ ولا في السماءِ؟ ". قالوا: بلى. قال: "فهل يعلَمُ عيسى من ذلك شيئًا إلا ما عُلِّمَ؟ ". قالوا: لا. قال: "فَإِنَّ رَبَّنَا صَوَّرَ عيسى في الرَّحِمِ كيف شاء". قال: "ألستُم تَعْلَمون أنَّ ربَّنَا لا يَأْكُلُ الطعامَ، ولا يَشْرَبُ
الشَّرابَ، ولا يُحْدِثُ الحَدَثَ؟ ". قالوا: بلى.
رَ عيسى في الرَّحِمِ كيف شاء". قال: "ألستُم تَعْلَمون أنَّ ربَّنَا لا يَأْكُلُ الطعامَ، ولا يَشْرَبُ
الشَّرابَ، ولا يُحْدِثُ الحَدَثَ؟ ". قالوا: بلى. قال: "ألستم تَعْلَمُون أَنَّ عيسى حَمَلَتْه امرأةٌ كما تَحْمِلُ المرأةُ، ثم وَضَعَتْه كما تَضَعُ المرأةُ وَلَدَها، ثم غُذِّيَ كما يُغَذَّى الصبيُّ، ثم كان يَطْعَمُ الطعامَ، ويَشرَبُ الشَّرابَ، ويُحْدِثُ الحَدَثَ؟ ". قالوا: بلى. قال: "فكيف يكونُ هذا كما زعمتُم؟ ". قال: فعرَفوا ثم أبَوْا إِلا جُحُودًا، فأنزل اللهُ ﷿: ﴿الم (١) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾.
الْقَوْمَ
قَرْحٌ مِثْلُهُ﴾. بفتح "القافِ" في الحرفين؛ لإجماعِ أهلِ التأويلِ على أن معناه القتلُ والجِراحُ، فذلك يَدُلُّ على أن القراءةَ هي "الفتحُ". وكان بعضُ أهلِ العربيةِ يَزْعُمُ أَن القَرْحَ والقُرْحَ لغتان بمعنًى واحدٍ، والمعروفُ عندَ أهلِ العلمِ بكلامِ العربِ [ما قلنا].
ذِكْرُ مَن قال: إن القَرْحَ الجرِاحُ والقتلُ.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ﴾. قال: جراحٌ وقتلٌ.
حدَّثني المُثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
حدَّثني محمدُ بنُ سِنانٍ، قال: ثنا أبو بكرٍ الحنفيُّ، عن عبادٍ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ﴾.
دَّثني محمدُ بنُ سِنانٍ، قال: ثنا أبو بكرٍ الحنفيُّ، عن عبادٍ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ﴾. قال: إِن يُقْتَلْ منكم يومَ أحدٍ، فقد قَتَلتم منهم يومَ بدرٍ.
حدَّثنا بِشْرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ﴾: والقَرْحُ: الجرِاحةُ، وذاكم يومَ أُحدٍ، فَشَا في أصحابِ نبيِّ ﷺ يومَئذٍ القتلُ والجراحةُ، فأخبرَهم اللهُ ﷿ أن القومَ قد
أصابهم مِن ذلك مِثْلُ الذي أصابكم، [من أعدائكم] عُقُوبةً.
حدَّثني المُثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ في قولِه: ﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ﴾. قال: ذلك يومَ أُحُدٍ، فَشا في المسلمين [القَرْحُ، والقَرْحُ] الجِراحُ، وفَشا فيهم القتلُ، فذلك قولُه: ﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ﴾.
حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ: ﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ﴾ أي: جِراحٌ ﴿فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ﴾، أي جِراحٌ مِثلُها.
حدَّثني المُثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا حفص بن عمر، قال: ثنا الحَكَمُ بْنُ أبانٍ، عن عِكْرمَة، عن ابنَ عباسٍ، قال: نام المسلمون وبهم الكُلُومُ، يعني يومَ أُحُدٍ، قال عِكرمةُ: وفيهم أنزلت: ﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾، وفيهم أُنْزِلَت: ﴿إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا
يَرْجُونَ﴾ [النساء: ١٠٤].
وأما تأويل قوله: ﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ﴾. فإنه: إن يُصبْكم.
كما حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثني عمِّي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنَ عباسٍ: ﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ﴾: إن يُصِبْكم.
القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾.
يعنى بقولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا﴾؛ أَيامُ بدرٍ وأُحُدٍ. ويعنى بقولِه: ﴿نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾: نجعلُها دُوَلًا بين الناسِ مُصَرَّفةً. ويعنى بالناسِ: المسلمين والمشركين، وذلك أن الله ﷿ أدالَ المسلمين مِن المشركين ببَدْرٍ فقَتَلوا منهم سبعين وأسَرُوا سبعين، وأدال المشركين مِن المسلمين بأُحُدٍ فقَتَلوا منهم سبعين سِوَى مَن جَرَحوا منهم. يُقالُ منه: أدال اللهُ فلانًا مِن فلانٍ، فهو يُدِيلُه منه إدالَةً: إذا ظفر به فانْتَصَر منه مما كان نال منه المُدَالُ منه.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذِكْرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا محمدُ بنُ سَنانٍ، قال: ثنا أبو بكرٍ الحنفيُّ، عن عبادٍ، عن الحسنِ: ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾.
ِ.
ذِكْرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا محمدُ بنُ سَنانٍ، قال: ثنا أبو بكرٍ الحنفيُّ، عن عبادٍ، عن الحسنِ: ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾. قال: جعل الله الأيامَ دُولًا، أدالَ الكفار يومَ أُحَدٍ مِن أصحابِ محمدٍ ﷺ.
حدَّثنا بِشْرٌ، قال: ثنا يزيدُ قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾: إنه واللهِ لولا الدُّوَلُ ما أُوذِى المؤمنون، ولكن قد يُدَالُ للكافرِ مِن المؤمِنِ، ويُبْتَلَى المؤمنُ بالكافِرِ؛ ليعلم الله ﷿ مَن يُطِيعُه ممن يَعْصِيه، ويَعْلَمَ الصادق مِن الكاذبِ.
َاسِ﴾: يومًا لكم ويومًا عليكم.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسين، قال: ثنى حَجاج، قال: قال ابن جُريجٍ: قال ابنَ عباسٍ: ﴿نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾. قال: أدال المشركين على النبيِّ ﷺ يومَ أُحُدٍ.
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثني عمِّي، قال: ثنى أبي، عن أبيه،، عن ابنَ عباسٍ قولَه: ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾: فإنه كان يومُ أُحُدٍ بيومِ بدرٍ؛ قُتِل المؤمنون يومَ أُحُدٍ، اتَّخَذَ اللَّهُ منهم شهداءَ، وغَلَب رسولُ اللهِ ﷺ يومَ بدرٍ المشركين، فجعَل له الدولةَ عليهم.
حدَّثني المُثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا حفصُ بنُ عمرَ، قال: ثنا الحكمُ بنُ أبانٍ، عن عِكرمةَ، عن ابنَ عباسٍ، قال: لما كان قِتالُ أُحُدٍ، وأصاب المسلمين ما أصاب، صعِد النبيُّ ﷺ الجبل، فجاء أبو سفيانَ، فقال: يا محمدُ يا محمدُ، ألا تَخْرج؟ ألا تَخْرج؟ الحربُ سجالٌ، يومٌ لنا ويومٌ لكم. فقال رسول الله ﷺ لأصحابه: "أَجِيبُوه". فقالوا: لاسواءَ لاسواءَ، قَتْلانا في الجنةِ وقتلاكم في النارِ.
؟ ألا تَخْرج؟ الحربُ سجالٌ، يومٌ لنا ويومٌ لكم. فقال رسول الله ﷺ لأصحابه: "أَجِيبُوه". فقالوا: لاسواءَ لاسواءَ، قَتْلانا في الجنةِ وقتلاكم في النارِ. فقال أبو سفيانَ: لنا عُزَّى ولا عُزَّى لكم. فقال رسولُ اللهِ ﷺ: "قولوا: اللهُ مولانا ولا مَوْلَى لكم". فقال أبو سفيانَ: اعْلُ هُبَلُ اعْلُ هُبل. فقال رسولُ
الله ﷺ: "قولوا: اللَّهُ أَعْلَى وأَجَلُّ". فقال أبو سفيانَ: موعدكم وموعدُنا بدرٌ الصُّغْرَى. قال عِكرمةُ: وفيهم أُنْزِلَتْ: ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾.
حدَّثني المُثنى: قال: ثنا سويدُ بنُ نَصْرٍ، قال: أخبَرنا ابن المبارك.
عِكرمةُ: وفيهم أُنْزِلَتْ: ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾.
حدَّثني المُثنى: قال: ثنا سويدُ بنُ نَصْرٍ، قال: أخبَرنا ابن المبارك. عن ابن جريجٍ، عن ابنَ عباسٍ في قولِه: ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾: فإنه أدال على النبيِّ ﷺ يومَ أُحُدٍ.
حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ: ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾: أي نُصرِّفُها للناسِ للبلاءِ والتَّمحيص.
حدَّثني إبراهيمُ بنُ عبدِ اللَّهِ، قال: أخبَرنا عبدُ اللَّهِ بنُ عبدِ الوهَّابِ الحَجَبيُّ، قال: ثنا حماد بن زَيْدٍ، عن ابن عَوْنٍ، عن محمدٍ في قولِ اللَّهِ: ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾. قال: يعنى الأُمراءَ.
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (١٤٠)﴾.
يعنى بذلك تعالى ذِكْرُه: وليعلم اللهُ الذين آمنوا ويتخِذَ منكم شُهداءَ، ﴿نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾.
ولو لم يَكُن في الكلامِ واوٌ لكان قولُه: ﴿وَلِيَعْلَمَ﴾ مُتَّصِلًا بما قبلَه، وكان: وتلك الأيامُ نُداوِلُها بينَ الناسِ ليَعْلَمَ اللهُ الذين آمنوا. ولكن لمَّا دَخَلت الواوُ فيه،
آذَنَتْ بأن الكلامَ غيرُ مُتَّصِلٍ بما قبلَها، وأن بعدَها خبرًا مطلوبًا، اللامُ التي في قولِه: ﴿وَلِيَعْلَمَ﴾. به متعلِّقةٌ.
فإن قال قائلٌ: وكيف قِيلَ: ﴿وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾.
ا، وأن بعدَها خبرًا مطلوبًا، اللامُ التي في قولِه: ﴿وَلِيَعْلَمَ﴾. به متعلِّقةٌ.
فإن قال قائلٌ: وكيف قِيلَ: ﴿وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾. [و ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾] مَعرِفةٌ، وأنت لا تستجيزُ في الكلامِ: "قد سَأَلتُ فعَلِمتُ عبدَ اللهِ"، وأنت تريدُ: عَلِمتُ شَخْصَه، إلا أن تُرِيدَ: عَلمِتُ صِفَتَه وما هو.
قيل: إن ذلك إنما جاز مع "الذين"؛ لأن في "الذين" تأويلَ "مَن" و"أي"، وكذلك جائزٌ مِثْلُه في "الألفِ واللامِ"، كما قال تعالى ذِكُرُه: ﴿فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ [العنكبوت: ٣]؛ لأن في "الألفِ واللامِ" مِن تأويلِ "أي"، و "مَن" مثلَ الذي في "الذي". ولو جُعِلَ مع الاسمِ المعرفةِ اسمٌ فيه دلالةٌ على "أي"، جاز كما يُقالُ: سَأَلْتُ لأعلمَ عبدَ اللهِ مِن عمرٍو. ويُرادُ بذلك: لأعرِفَ هذا من هذا.
فتأويلُ الكلامِ: وليَعلمَ اللهُ الذين آمنوا منكم، أيها القومُ، مِن الذين نافَقوا منكم، نُداوِلُ بينَ الناسِ.
عمرٍو. ويُرادُ بذلك: لأعرِفَ هذا من هذا.
فتأويلُ الكلامِ: وليَعلمَ اللهُ الذين آمنوا منكم، أيها القومُ، مِن الذين نافَقوا منكم، نُداوِلُ بينَ الناسِ. فاسْتَغْنى بقولِه: ﴿وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ من ذكرِ قولِه: "مِنَ الَّذينَ نافَقُوا"؛ لدلالِة الكلامِ عليه؛ إذ كان في قولِه: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ تأويلُ "أي" على ما وَصَفْنا. فكأنه قيل: وليَعلمَ اللهُ أيُّكم المؤمنُ، كما قال جل ثناؤُه: ﴿لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى﴾ [الكهف: ١٢]. غيرَ أن "الألفَ واللامَ" و"الذي" و "مَن"، إذا وُضِعَتْ مع العَلَمِ مَوْضِعَ "أي" نُصِبَت بوقوعِ العلمِ
عليه، كما قيل: ﴿وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ [العنكبوت: ٣]. فأما "أي" فإنها تُرفعُ.
وأما قولُه: ﴿وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ﴾. فإنه يعنى: وليعلمَ اللهُ الذين آمنوا، وليَتَّخِذَ منكم شُهداءَ، أي: ليُكْرِمَ منكم بالشهادةِ مَن أراد أن يُكْرِمَه بها.
َتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ﴾. فإنه يعنى: وليعلمَ اللهُ الذين آمنوا، وليَتَّخِذَ منكم شُهداءَ، أي: ليُكْرِمَ منكم بالشهادةِ مَن أراد أن يُكْرِمَه بها. و"الشهداءُ": جمعُ شَهيدٍ.
كما حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ: ﴿وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أي: ليُميِّزَ بينَ المؤمنين والمنافقين، وليُكْرِمَ مَن أكرَم مِن أهلِ الإيمانِ بالشهادةِ.
حدَّثني المُثنى، قال: ثنا سُويدُ بنُ نَصْرٍ، قال: أخبرَنا ابن المباركِ قِراءةً على ابن جُريجٍ، في قولِه: ﴿وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ﴾.
ويدُ بنُ نَصْرٍ، قال: أخبرَنا ابن المباركِ قِراءةً على ابن جُريجٍ، في قولِه: ﴿وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ﴾. قال: فإن المسلمين كانوا يسألون رَبَّهم: ربَّنا أرِنا يومًا كيومِ بدرٍ، تُقاتِلُ فيه المشركين، ونُبْلِيك فيه خيرًا، ونَلْتَمِسُ فيه الشهادةَ، فَلَقُوا المشركين يومَ أُحُدٍ، فاتَّخَذ منهم شهداءَ.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ﴾: فكرَّم اللهُ أولياءَه بالشهادةِ بأيدى عَدوِّهم، ثم تَصِيرُ حواصلُ الأمورِ وعواقبُها لأهلِ طاعةِ اللهِ.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاجُ، عن ابن جُرَيجٍ: ﴿وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ﴾.
اللهِ.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاجُ، عن ابن جُرَيجٍ: ﴿وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ﴾. قال: قال ابن عباسٍ: كانوا يَسْألون الشهادةَ، فَلَقُوا المشركين يومَ أُحُدٍ، فاتَّخذَ منهم شُهداءَ.
حدِّثْتُ عن الحسينِ بن الفَرجِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ، قال: أخبرَنا عُبَيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعت الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ﴾: كان المسلمون يَسْأَلُون ربَّهم أن يُرِيَهم يومًا كيومِ بدرٍ، يُبْلُون فيه خيرًا، ويُرْزَقون فيه الشهادةَ، ويُرْزَقون الجنةَ والحياةَ والرِّزْقَ، [فَلَقَوا المشركين] يومَ أُحُدٍ، فاتَّخذ اللهُ منهم شهداءَ، وهم الذين ذكَرهم اللهُ ﷿ فقال: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ﴾ الآية [البقرة: ١٥٤].
وأما قولُه: ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾.
اللهُ ﷿ فقال: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ﴾ الآية [البقرة: ١٥٤].
وأما قولُه: ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾. فإنه يعنى به: الذين ظَلَموا أنفسَهم بمعصيتِهم ربَّهم.
كما حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ: ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾: أي: المنافقين الذين يُظْهِرون بألسنتِهم الطاعةَ، وقلوبُهم مُصِرةٌ على المعصيةِ.
﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (١٣٧) هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٨) وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٣٩) إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (١٤٠)﴾
يقول تعالى مخاطبا عباده المؤمنين الذين أُصِيبوا يومَ أُحُد، وقُتِل منهم سبعون: (قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ) أي: قد جرى نحو هذا على الأمم الذين كانوا من قبلكم من أتباع الأنبياء، ثم كانت العاقبة لهم والدائرة على الكافرين؛ ولهذا قال: (فَسِيرُوا فِي الأرْضِ فَانْظُروا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ).
كم من أتباع الأنبياء، ثم كانت العاقبة لهم والدائرة على الكافرين؛ ولهذا قال: (فَسِيرُوا فِي الأرْضِ فَانْظُروا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ).
ثم قال: (هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ) يعني: القرآن فيه بيان للأمور على جليتها، وكيف كان الأممُ الأقدمون مع أعدائهم (وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ) يعني: القرآن فيه خَبَرُ ما قبلكم و (هُدًى) لقلوبكم و (مَوْعِظَةٌ) أي: زاجر [عن المحارم والمآثم].
ثم قال مسليا للمؤمنين: (وَلا تَهِنُوا) أي: لا تَضعفوا بسبب ما جرى (وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الأعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ)
أي: العاقبة والنّصرة لكم أيها المؤمنون.
(وَلا تَهِنُوا) أي: لا تَضعفوا بسبب ما جرى (وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الأعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ)
أي: العاقبة والنّصرة لكم أيها المؤمنون.
(إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ) أي: إن كنتم قد أصابتكم جراحٌ وقُتل منكم طائفةٌ، فقد أصاب أعداءكم قريب من ذلك من قتل وجراح (وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ) أي: نُديل عليكم الأعداء تارة، وإن كانت العاقبة لكم لما لنا في ذلك من الحكم؛ ولهذا قال تعالى: (وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا) قال ابن عباس: في مثل هذا لنَرَى، أي: من يَصبر على مناجزة الأعداء (وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ) يعني: يُقْتَلُون في سبيله، ويَبْذُلون مُهَجهم في مرضاته. (وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ).
هُمْ كُلَّ بَنَانٍ (١٢) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (١٣)﴾.
ويحتمل أيضا أنه هزيمة المشركين أولا يوم أحد كما سيأتي قريبا إن شاء الله تعالى، وقد أشار إلى القرحين معا بقوله: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا﴾ فالمراد بمصيبة المسلمين القرح الذي مسهم يوم أحد، والمراد بمصيبة الكفار بمثليها قبل القرح الذي مسهم يوم بدر؛ لأن المسلمين يوم أحد قتل منهم سبعون،
والكفار يوم بدر قتل منهم سبعون وأسر سبعون، وهذا قول الجمهور. وذكر بعض العلماء أن المصيبة التي أصابت المشركين هي ما أصابهم يوم أحد من قتل وهزيمة، حيث قتل حملة اللواء من بني عبد الدار، وانهزم المشركون في أول الأمر هزيمة منكرة، وبقي لواؤهم ساقطا حتى رفعته عمرة بنت علقمة الحارثية، وفي ذلك يقول حسان:
فلولا لواء الحارثية أصبحوا ...
دار، وانهزم المشركون في أول الأمر هزيمة منكرة، وبقي لواؤهم ساقطا حتى رفعته عمرة بنت علقمة الحارثية، وفي ذلك يقول حسان:
فلولا لواء الحارثية أصبحوا ... يباعون في الأسواق بيع الجلائب
وعلى هذا الوجه: فالقرح الذي أصاب القوم المشركين يشير إليه قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ﴾ الآية. ومعنى تحسونهم: تقتلونهم وتستأصلونهم وأصله من الحس الذي هو الإدراك بالحاسة، فمعنى حسه أذهب حسه بالقتل، ومنه قول جرير:
تحسهم السيوف كما تسامى ... حريق النار في أجم الحصيد
وقول الآخر:
حسسناهم بالسيف حسا فأصبحت ... بقيتهم قد شردوا وتبددوا
وقوله رؤبة:
إذا شكونا سنة حسوسا ... تأكل بعد الأخضر اليبسا
يعني بالسنة الحسوس: السنة المجدبة التي تأكل كل شيء.
حسا فأصبحت ... بقيتهم قد شردوا وتبددوا
وقوله رؤبة:
إذا شكونا سنة حسوسا ... تأكل بعد الأخضر اليبسا
يعني بالسنة الحسوس: السنة المجدبة التي تأكل كل شيء. وقد قدمنا في ترجمة هذا الكتاب أن الآية قد يكون فيها احتمالان وكل منهما يشهد له قرآن، وكلاهما حق فنذكرهما معا، وما يشهد
لكل واحد منهما.
قال بعض العلماء: وقرينة السياق تدل على أن القرح الذي أصاب المشركين ما وقع بهم يوم أحد لأن الكلام في وقعة أحد، ولكن التثنية في قوله "مِثْلَيْهَا" تدل على أن القرح الذي أصاب المشركين ما وقع بهم يوم بدر؛ لأنه لم ينقل أحد أن الكفار يوم أحد أصيبوا بمثلي ما أصيب به المسلمون.
ية في قوله "مِثْلَيْهَا" تدل على أن القرح الذي أصاب المشركين ما وقع بهم يوم بدر؛ لأنه لم ينقل أحد أن الكفار يوم أحد أصيبوا بمثلي ما أصيب به المسلمون. ولا حجة في قوله: ﴿تَحُسُّونَهُمْ﴾ لأن ذلك الحس والاستئصال في خصوص الذين قتلوا من المشركين، وهم أقل ممن قتل من المسلمين يوم أحد، كما هو معلوم.
فإن قيل: ما وجه الجمع بين الإفراد في قوله: ﴿قَرْحٌ مِثْلُه﴾ وبين التثنية في قوله: ﴿قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا﴾ فالجواب - والله تعالى أعلم -: أن المراد بالتثنية قتل سبعين، وأسر سبعين يوم بدر، في مقابلة سبعين يوم أحد، كما عليه جمهور العلماء.
والمراد بإفراد المثل: تشبيه القرح بالقرح في مطلق النكاية والألم، والقراءتان السبعيتان في قوله: ﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ﴾ بفتح القاف وضمها في الحرفين معناهما واحد، فهما لغتان، كالضعف والضعف.
وقال الفراء: القرح بالفتح الجرح وبالضم ألمه. اهـ.
ومن إطلاق العرب القرح على الجرح قول متمم بن نويرة التميمي:
قعيدك ألا تسمعيني ملامة ...
لضعف والضعف.
وقال الفراء: القرح بالفتح الجرح وبالضم ألمه. اهـ.
ومن إطلاق العرب القرح على الجرح قول متمم بن نويرة التميمي:
قعيدك ألا تسمعيني ملامة ... ولا تنكئي قرح الفؤاد فييجعا
•