القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿الم (١) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾.
قال أبو جعفرٍ: قد أتيْنَا على البيانِ عن معنى قولِه: ﴿الم﴾. فيما مضَى، بما أغنى عن إعادتِه في هذا الموضعِ،
وكذلك البيانِ عن قولِه: ﴿اللَّهُ﴾.
وأما معنى قولِه: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾. فإنه خبرٌ من اللهِ ﷿ أخبَر عبادَه أن الألوهةَ خاصَّةٌ به دونَ ما سواه من الآلهةِ والأندادِ، وأن العبادةَ لا تصلُحُ ولا تجوزُ إلا له، لانفرادِه بالربوبيةِ وتَوَحُّدِه بالأُلوهيَّةِ، وأن كلَّ ما دونَه فمِلْكُه، وأن كلَّ ما سواه فخَلْقُه، لا شريكَ له في سلطانِه ومِلْكِه؛ احتجاجًا منه تعالى ذكرُه عليهم، بأن ذلك إذْ كان كذلك، فغيرُ جائزةٍ لهم عبادةُ غيرِه ولا إشراكُ أحدٍ معه في سلطانِه، إذ كان كلُّ معبودٍ سواه فمِلْكُه، وكلُّ مُعَظَّمٍ غيرِه فخَلْقُه؛ وعلى المملوكِ إفرادُ الطاعةِ لمالِكه، وصَرْفُ خدمتِه إلى مولاه ورازقِه، ومُعَرِّفًا مَن كان مِن خَلْقِه - يومَ أنزل ذلك إلى نبيِّه محمدٍ ﷺ، بتنزيلِه ذلك إليه، وإرسالِه به إليهم على لسانِه، صلواتُ
خدمتِه إلى مولاه ورازقِه، ومُعَرِّفًا مَن كان مِن خَلْقِه - يومَ أنزل ذلك إلى نبيِّه محمدٍ ﷺ، بتنزيلِه ذلك إليه، وإرسالِه به إليهم على لسانِه، صلواتُ اللهِ عليه وسلامُه - مُقيمًا على عبادةِ وَثَنٍ أو
صنمٍ، أو شمسٍ أو قمرٍ، أو إنسيٍّ أو مَلَكٍ، أو غيرِ ذلك من الأشياءِ التي كانت بنو آدمَ مُقِيمةً على [عبادتِها وإلاهتِها]، ومُتَّخذَه دونَ مالكِه وخالقِه إلهًا وربًّا أنه مُقِيمٌ على ضلالةٍ، ومنعزلٌ عن المَحَجَّةِ، وراكبٌ غيرَ السبيلِ المستقيمةِ، بصرفِه العبادةَ إلى غيرِه، ولا أحدَ له الألوهةُ غيرُه.
ِه إلهًا وربًّا أنه مُقِيمٌ على ضلالةٍ، ومنعزلٌ عن المَحَجَّةِ، وراكبٌ غيرَ السبيلِ المستقيمةِ، بصرفِه العبادةَ إلى غيرِه، ولا أحدَ له الألوهةُ غيرُه.
وقد ذُكِر أن هذه السورةَ ابتدأ اللهُ بتنزيلِ فاتحتِها، بالذي ابتدأ به مِن نفيِ الأُلُوهَةِ أن تكونَ لغيرِه، ووَصْفِه نفسَه بالذي وصفَها به في ابتدائِها؛ احتجاجًا منه بذلك على طائفةٍ من النَّصارَى قَدِمُوا على رسولِ الله ﷺ من نَجْرانَ فحاجُّوه في عيسى صلواتُ اللهِ عليه، وألْحَدُوا في اللهِ، فأنزل اللهُ ﷿ في أمرِهم وأمرِ عيسى من هذه السورةِ، نَيِّفًا وثلاثين آيةً من أوَّلِها؛ احتجاجًا عليهم وعلى من كان على مثلِ مقالتِهم لنبيِّه محمدٍ ﷺ، فأبَوْا إلا المُقامَ على ضلالتِهم وكفرِهم فدعاهم إلى المباهلةِ، فأبَوْا ذلك وسألُوا قَبولَ الجِزْيةِ منهم، فقَبِلها ﷺ منهم، وانصرَفُوا إلى بلادِهم.
، فأبَوْا إلا المُقامَ على ضلالتِهم وكفرِهم فدعاهم إلى المباهلةِ، فأبَوْا ذلك وسألُوا قَبولَ الجِزْيةِ منهم، فقَبِلها ﷺ منهم، وانصرَفُوا إلى بلادِهم. غيرَ أن الأمرَ وإن كان كذلك، وإيّاهم قصَد بالحِجاجِ، فإنَّ مَن كان معناه من سائرِ الخلقِ معناهم في الكفرِ باللهِ، واتخاذِ ما سوى اللهِ ربًّا وإلهًا معبودًا، معمومون بالحُجَّة التي حجَّ اللهُ ﵎ بها مَن نزَلتْ هذه الآياتُ فيه، ومحجوجون في الفُرقانِ الذي فَرَق به لرسولِه ﷺ بينَه وبينَهم.
ذكرُ الروايةِ عمن ذكرْنا قولَه في نزولِ افتتاحِ هذه السورةِ أنه نزَل في الذين وصَفْنا صِفَتَهم من النَّصَارَى
حدَّثنا محمدُ بنُ حميدٍ، قال: حدَّثنا سلمةُ بنُ الفضلِ، قال: حدَّثني محمدُ
نزولِ افتتاحِ هذه السورةِ أنه نزَل في الذين وصَفْنا صِفَتَهم من النَّصَارَى
حدَّثنا محمدُ بنُ حميدٍ، قال: حدَّثنا سلمةُ بنُ الفضلِ، قال: حدَّثني محمدُ
ابن إسحاقَ، عن محمدِ بن جعفرٍ، قال: قَدِم على رسولِ اللهِ ﷺ وفدُ نَجْرانَ، ستون راكبًا، فيهم أربعةَ عشَرَ رجلًا من أشرافِهم، في الأربعةَ عشَرَ ثلاثةُ نَفَرٍ، إليهم يئولُ أمرُهم: العاقبُ؛ أميرُ القومِ وذو رأيِهم وصاحبُ مَشورتِهم، والذي لا يَصْدرُون إلا عن رأيِه، واسمُه عبدُ المسيحِ، والسيِّدُ؛ ثِمالُهم وصاحبُ رحلِهم ومُجْتَمَعِهم، واسمُه الأَيْهَمُ، وأبو حارثةَ بنُ علقمةَ؛ أحدُ بكرِ بن وائلٍ، [أسْقُفُّهم وحَبْرُهم] وإمامُهم وصاحبُ مِدْراسهم.
وكان أبو حارثةَ قد شَرُف فيهم، ودرَس كتبَهم، حتى حسُن علمُه في دينِهم، فكانت ملوكُ الرومِ من أهلِ النصرانيَّةِ قد شرَّفُوه وموَّلُوه وأخدَمُوه وبَنَوْا له الكنائسَ، وبسَطُوا عليه الكراماتِ؛ لما يَبْلُغُهم عنه من علمِه واجتهادِه في دينِهم.
ِ من أهلِ النصرانيَّةِ قد شرَّفُوه وموَّلُوه وأخدَمُوه وبَنَوْا له الكنائسَ، وبسَطُوا عليه الكراماتِ؛ لما يَبْلُغُهم عنه من علمِه واجتهادِه في دينِهم.
قال ابن إسحاق: قال محمدُ بنُ جعفرِ بن الزُّبيرِ: قَدِموا على رسولِ اللهِ ﷺ المدينةَ، فدخَلوا عليه مسجدَه حينَ صلَّى العصرَ، عليهم ثيابُ الحِبَراتِ جُبَبٌ وأرديةٌ، في [جمال رجالِ] بَلْحارثِ بن كعبٍ. قال: يقولُ بعضُ مَن رآهم من أصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ يومئذٍ: ما رأيْنا بعدَهم وفدًا مثلَهم، وقد حانتْ صلاتُهم، فقاموا يُصَلُّون في مسجدِ رسولِ اللهِ ﷺ، فقال رسولُ اللهِ ﷺ: "دَعُوهم".
صحابِ رسولِ اللهِ ﷺ يومئذٍ: ما رأيْنا بعدَهم وفدًا مثلَهم، وقد حانتْ صلاتُهم، فقاموا يُصَلُّون في مسجدِ رسولِ اللهِ ﷺ، فقال رسولُ اللهِ ﷺ: "دَعُوهم". فَصَلُّوا إلى المَشْرِقِ.
قال: وكانت تسميةُ الأربعةَ عشَرَ منهم الذين يَئُولُ إليهم أمرُهم: العاقبُ وهو عبدُ المسيحِ، والسيِّدُ وهو الأَيْهَمُ، وأبو حارثةَ بنُ عَلْقمةَ أخو بكرِ بن وائلٍ، وأوسٌ، والحارثُ، وزيدٌ، وقيسٌ، ويزيدُ، ونُبَيةٌ، وخويلدٌ، و عمرٌو، وخالدٌ، وعبدُ اللهِ، ويُحَنَّسُ، في ستين راكبًا، فكلَّم رسولَ اللهِ ﷺ منهم أبو حارثةَ بنُ عَلْقمةَ، والعاقبُ عبدُ المسيحِ، والأيْهَمُ السَّيِّدُ، وهم من النصرانيةِ على دينِ الملِكِ، مع اختلافِ من أمرِهم يقولون: هو اللهُ. ويقولون: هو ولدُ اللهِ. ويقولون: هو ثالثُ ثلاثةٍ. وكذلك قولُ النصرانيةِ، فهم يَحْتَجُّون في قولِهم: هو اللهُ.
مع اختلافِ من أمرِهم يقولون: هو اللهُ. ويقولون: هو ولدُ اللهِ. ويقولون: هو ثالثُ ثلاثةٍ. وكذلك قولُ النصرانيةِ، فهم يَحْتَجُّون في قولِهم: هو اللهُ. بأنه كان يُحيِى الموتى، ويُبْرِئُ الأسقامَ، ويُخْبِرُ بالغُيوبِ، ويَخلُقُ من الطينِ كهيئةِ الطيرِ ثم ينفُخُ فيه فيكونُ طائرًا، وذلك كلُّه بإذنِ اللهِ، ليجعلَه آيةً للناسِ. ويَحتجُّون في قولِهم: إنه ولدُ اللهِ. أنهم يقولون: لم يكنْ له أبٌ يُعْلَمُ، وقد تكلَّم في المهدِ، شيءٌ لم يَصْنَعْه أحدٌ من ولدِ آدمَ قبلَه. ويحتجُّون في قولِهم: إنه ثالثُ ثلاثةٍ. بقولِ اللهِ ﷿: فعلْنا وأمَرْنا، وخلَقْنا وقضَيْنا. فيقولون: لو كان واحدًا ما قال إلا: فعلتُ وأمَرْتُ وقضَيْتُ وخَلَقْتُ، ولكنّه هو، وعيسى، ومريمُ. ففي كلِّ ذلك من قولِهم قد نزَل القرآنُ، وذكَر اللهُ لنبيِّه ﷺ فيه قولَهم، فلمّا كلَّمه الحَبْرانِ، قال لهما رسولُ اللهِ ﷺ: "أسْلِما". قالا: قد أسلَمْنا. قال: "إنَّكما لم تُسْلِما، فأسْلِما". قالا: بلى، قد أسلَمْنا قبلَك.
م، فلمّا كلَّمه الحَبْرانِ، قال لهما رسولُ اللهِ ﷺ: "أسْلِما". قالا: قد أسلَمْنا. قال: "إنَّكما لم تُسْلِما، فأسْلِما". قالا: بلى، قد أسلَمْنا قبلَك. قال: "كَذَبْتُمَا، يَمْنَعُكُما مِن الإِسلامِ دعاؤُكما للهِ ﷿ وَلَدًا، وعبادَتُكما الصَّليب، وأكْلُكما الخِنزِيرَ". قالا: فمن
أبوه يا محمدُ؟ فصمَت رسولُ اللهِ ﷺ عنهما فلم يُجِبْهما، فأنزل اللهُ في ذلك من قولِهم، واختلافِ أمرِهم كلِّه، صدرَ سورةِ "آلِ عمرانَ" إلى بضْعٍ وثمانين آيةً منها، فقال: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾.
ك من قولِهم، واختلافِ أمرِهم كلِّه، صدرَ سورةِ "آلِ عمرانَ" إلى بضْعٍ وثمانين آيةً منها، فقال: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾. فافتتح السورةَ بتَبْرِئتِه نفسَه ﵎ مما قالوا، وتوحيدِه إيّاها بالخلقِ والأمرِ، لا شريكَ له فيه؛ ردًّا عليهم ما ابتدَعوا من الكفرِ، وجعَلوا معه من الأندادِ، واحتجاجًا عليهم بقولِهم في صاحبِهم، ليُعَرِّفَهم بذلك ضَلالتَهم، فقال: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ أي ليس معه شريكٌ في أمرِه.
حدَّثني المثنَّى، قال: حدَّثنا إسحاقُ، قال: حدَّثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرَّبيع في قولِه: ﴿الم (١) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾. قال: إن النَّصارَى أتَوْا رسولَ اللهِ ﷺ فخاصَمُوه في عيسى ابن مريمَ، وقالوا له: من أبوه؟ وقالوا على اللهِ الكَذِبَ والبُهْتانَ - لا إلهَ إلا هو، لم يَتَّخِذْ صاحبةً ولا ولدًا - فقال لهم النبيُّ ﷺ: "ألستُم تَعْلَمُون أنَّه لا يكونُ وَلَدٌ إلا وهو يُشْبِهُ أباه؟ ". قالوا: بلى.
- لا إلهَ إلا هو، لم يَتَّخِذْ صاحبةً ولا ولدًا - فقال لهم النبيُّ ﷺ: "ألستُم تَعْلَمُون أنَّه لا يكونُ وَلَدٌ إلا وهو يُشْبِهُ أباه؟ ". قالوا: بلى. قال: "ألستُم تَعْلَمُونَ أَنَّ ربَّنا حيٌّ لا يموتُ، وأنَّ عيسى يأتى عليه الفناءُ؟ ". قالوا: بلى. قال: "ألستُم تَعْلَمُون أَنَّ ربَّنا قَيِّمٌ على كلِّ شيءٍ، يَكْلَؤُه ويَحْفَظُه ويَرْزُقُه؟ ". قالوا: بلى. قال: "فهل يَمْلِكُ عيسى من ذلك شيئًا؟ ". قالوا: لا. قال: "أفلستُم تَعْلَمُونَ أَنَّ الله ﷿ لا يَخْفَى عليه شيءٌ في الأرضِ ولا في السماءِ؟ ". قالوا: بلى. قال: "فهل يعلَمُ عيسى من ذلك شيئًا إلا ما عُلِّمَ؟ ". قالوا: لا. قال: "فَإِنَّ رَبَّنَا صَوَّرَ عيسى في الرَّحِمِ كيف شاء". قال: "ألستُم تَعْلَمون أنَّ ربَّنَا لا يَأْكُلُ الطعامَ، ولا يَشْرَبُ
الشَّرابَ، ولا يُحْدِثُ الحَدَثَ؟ ". قالوا: بلى.
رَ عيسى في الرَّحِمِ كيف شاء". قال: "ألستُم تَعْلَمون أنَّ ربَّنَا لا يَأْكُلُ الطعامَ، ولا يَشْرَبُ
الشَّرابَ، ولا يُحْدِثُ الحَدَثَ؟ ". قالوا: بلى. قال: "ألستم تَعْلَمُون أَنَّ عيسى حَمَلَتْه امرأةٌ كما تَحْمِلُ المرأةُ، ثم وَضَعَتْه كما تَضَعُ المرأةُ وَلَدَها، ثم غُذِّيَ كما يُغَذَّى الصبيُّ، ثم كان يَطْعَمُ الطعامَ، ويَشرَبُ الشَّرابَ، ويُحْدِثُ الحَدَثَ؟ ". قالوا: بلى. قال: "فكيف يكونُ هذا كما زعمتُم؟ ". قال: فعرَفوا ثم أبَوْا إِلا جُحُودًا، فأنزل اللهُ ﷿: ﴿الم (١) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾.
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿الْحَيُّ الْقَيُّومُ (٢)﴾.
اختلفت القَرَأَةُ في ذلك؛ فقرأتْه قَرَأَةُ الأمصارِ: ﴿الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾.
وقرَأ ذلك عمرُ بنُ الخَطَّابِ وابنُ مسعودٍ، فيما ذُكِر عنهما: (الحيُّ القيَّامُ).
وذُكِر عن عَلْقمةَ بن قيسٍ أنه كان يقرأُ: (الحَيُّ القَيِّمُ).
حدَّثنا بذلك أبو كُريبٍ، قال: حدَّثنا عثّامُ بنُ عليٍّ، قال: حدَّثنا الأعمشُ، عن إبراهيمَ، عن أبي مَعْمَرٍ، قال: سَمِعْتُ عَلقمةَ يقرأُ: (الحَيُّ القَيِّمُ). قلت: أنتَ سَمِعْتَه؟
حدَّثنا عثّامُ بنُ عليٍّ، قال: حدَّثنا الأعمشُ، عن إبراهيمَ، عن أبي مَعْمَرٍ، قال: سَمِعْتُ عَلقمةَ يقرأُ: (الحَيُّ القَيِّمُ). قلت: أنتَ سَمِعْتَه؟ قال: لا أَدْرِى.
حدَّثنا أبو هشامٍ الرِّفاعيُّ، قال: حدَّثنا وكيعٌ، قال: حدَّثنا الأعمشُ، عن إبراهيمَ، عن أبي معمرٍ، عن عَلْقمةَ مثلَه.
وقد رُوى عن عَلْقمةَ خلافُ ذلك، وهو ما حدَّثنا أبو هشامٍ، قال: حدَّثنا
عبدُ اللهِ، قال: حدَّثنا شَيْبانُ، عن الأعمشِ، عن إبراهيمَ، عن أبي معمرٍ، عن عَلْقمةَ أنه قرَأ: (الحَيُّ القَيَّامُ).
والقراءةُ التي لا يجوزُ غيرُها عندَنا في ذلك ما جاءت به قراءةُ المسلِمين نقلًا مستفيضًا، عن غيرِ تَشاعُرٍ ولا تَواطؤٍ، وِراثةً، وما كان مُثْبَتًا في مصاحفِهم؛ وذلك قراءةُ من قرَأ: ﴿الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾.
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿الْحَيُّ﴾.
اختلَف أهلُ التأويلِ في معنى قولِه: ﴿الْحَيُّ﴾، فقال بعضُهم: معنى ذلك مِن اللهِ تعالى ذكرُه أنه وصَف نفسَه بالبقاءِ، ونفَى الموتَ الذي يجوزُ على مَن سواه مِن خلقِه عنها.
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثنا محمدُ بنُ حُميدٍ، قال: حدَّثنا سلَمةُ بنُ الفضلِ، قال: حدَّثني محمدُ بن إسحاقَ، عن محمدِ بن جعفرِ بن الزُّبيرِ: ﴿الْحَيُّ﴾: الذي لا يموتُ، وقد مات عيسى وصُلِب في قولِهم. يعنى في قولِ الأحبارِ الذين حاجُّوا رسولَ الله ﷺ من نَصارَى أَهلِ نَجْرانَ.
حدَّثني المثنَّى، قال: حدَّثنا إسحاقُ، قال: حدَّثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرَّبيعِ: ﴿الْحَيُّ﴾. قال: يقولُ: حيٌّ لا يموتُ.
وقال آخرون: معنى "الحيِّ" الذي عَناه اللهُ ﷿ في هذه الآيةِ، ووصَف به نفَسه، أنه المُتَيَسِّرُ له تدبير كلِّ ما أراد وشاء، لا يَمتنعُ عليه شيءٌ أراده، وأنه ليس كمن لا تدبيرَ له من الآلهةِ والأندادِ.
وقال آخرون: معنى ذلك أن له الحياةَ الدائمةَ التي لم تَزَلْ له صفةً، ولا تزالُ كذلك.
عليه شيءٌ أراده، وأنه ليس كمن لا تدبيرَ له من الآلهةِ والأندادِ.
وقال آخرون: معنى ذلك أن له الحياةَ الدائمةَ التي لم تَزَلْ له صفةً، ولا تزالُ كذلك. وقالوا: إنما وصَف نفسَه بالحياةِ لأن له حياةً، كما وصَفها بالعلمِ لأن لها علمًا، وبالقُدْرة لأن لها قدرةً.
ومعنى ذلك عندى أنه وصَف نفسَه بالحياةِ الدائمةِ التي لا فَناء لها ولا انقطاعَ، ونفَى عنها ما هو حالٌّ بكلِّ ذى حياةٍ من خلقِه؛ من الفَناءِ وانقطاعِ الحياةِ عندَ مجئِ أجله، فأخبرَ عبادَه أنه المُستوجِبُ على خلقِه العبادةَ والألُوهةَ، والحيُّ الذي لا يموتُ ولا يَبِيدُ، كما يموتُ كلُّ مَن اتَّخِذَ مِن دونِه ربًّا، ويَبيدُ كُلُّ مَن ادُّعِي مِن دونِه إلهًا، واحتجَّ على خلِقه بأنَّ مَن كان يَبيدُ فيزولُ ويموتُ فيَفْنَى، فلا يكونُ إلَهَا يَستوجبُ أن يُعْبَدَ دونَ الإله الذي لا يَبِيدُ ولا يموتُ، وأنَّ الإلهَ هو الدائم الذي لا يموتُ ولا يَبيدُ ولا يَفْنَى، وذلك اللهُ الذي لا إلَهَ إلا هو.
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿الْقَيُّومُ﴾.
قد ذكَرْنا اختلافَ القرأةِ في ذلك، والذي نختارُ منه، وما العِلّةُ التي مِن أجلِها اخترْنا ما اخترنا من ذلك.
فأمّا تأويلُ جميعِ الوجوهِ التي ذكَرْنا أن القرأةَ قرأتْ بها، فمتقارِبٌ، ومعنى ذلك كلِّه: القَيِّمُ بحفظِ كلِّ شيءٍ ورَزْقِه وتدبيرِه، وتصريفه فيما شاء وأحبَّ، من تغييرٍ وتبديلٍ، وزيادةِ ونقصٍ.
كما حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: حدَّثنا أبو عاصمٍ، قال: حدَّثنا عيسى
ابن ميمونٍ، قال: حدَّثنا ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ جلَّ ثناؤُه: ﴿الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ قال: القائمُ على كلِّ شيءٍ.
حدَّثني المُثَنَّى، قال: حدَّثنا أبو حُذيفةَ، قال: حدَّثنا شبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
حدَّثني المُثَنَّى، قال: حدَّثنا إسحاقُ، قال: حدَّثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرَّبيعِ: ﴿الْقَيُّومُ﴾: قَيِّمٌ على كلِّ شيءٍ؛ يَكْلَؤُه ويَحْفَظُه ويَرزُقُه.
وقال آخرون: معنى ذلك: القَيّامُ على مكانه.
بن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرَّبيعِ: ﴿الْقَيُّومُ﴾: قَيِّمٌ على كلِّ شيءٍ؛ يَكْلَؤُه ويَحْفَظُه ويَرزُقُه.
وقال آخرون: معنى ذلك: القَيّامُ على مكانه. ووجَّهوه إلى القيامِ الدائمِ، الذي لا زوالَ معه ولا انتقالَ، وأنَّ اللَّهَ ﷿ إنما نفَى عن نفسِه - بوَصْفِها بذلك - التغيُّرَ والتنقُّلَ من مكانٍ إلى مكانٍ، وحدوثَ التبدُّلِ الذي يَحدُثُ في الآدميِّين وسائر خلقه غيرِهم.
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: حدَّثنا سلَمةُ، عن محمدِ بن إسحاقَ، عن محمدِ بن جعفرِ بن الزُّبيرِ: ﴿الْقَيُّومُ﴾: القَيَّامُ على مكانِه، مَن سلطانَه في خلقِه لا يزولُ، وقد زال عيسى في قولِهم - يعنى في قولِ الأحبارِ الذين حاجُّوا النبيَّ ﷺ من أهلِ نجرانَ في عيسى - عن مكانِه الذي كان به، وذهَب عنه إلى غيرِه.
وأولى التأويلَين بالصوابِ ما قاله مجاهدٌ والرَّبيعُ، وأن ذلك وصفٌ من الله
نبيَّ ﷺ من أهلِ نجرانَ في عيسى - عن مكانِه الذي كان به، وذهَب عنه إلى غيرِه.
وأولى التأويلَين بالصوابِ ما قاله مجاهدٌ والرَّبيعُ، وأن ذلك وصفٌ من الله
تعالى ذكرُه نفسَه بأنَّه القائمُ بأمرِ كلِّ شيءٍ في رَزْقه والدفْعِ عنه، وكِلائِه وتدبيرِه، وصَرْفِه في قدرتِه، مِن قولِ العربِ: فلانٌ قائمٌ بأمرِ هذه البلدةِ. تَعْنى بذلك: المتُوَلِّى تدبيرَ أمرها. فـ "القيُّومُ" - إذ كان ذلك معناه - "الفَيْعُولُ"، من قولِ القائلِ: اللهُ يقومُ بأمرِ خلقِه. وأصلُه "القَيْوُومُ"، غير أنَّ الواوَ الأولى من "القَيْوُومِ"، لما سبَقتْها ياءٌ ساكنةٌ وهى متحرِّكةٌ، قُلِبَتْ ياءً، فجُعِلَتْ هي والياءُ التي قبلَها ياءً مشدّدةً؛ لأن العرب كذلك تفعَلُ بالواوِ المتحرِّكةِ إذا تقدَّمَتْها ياءٌ ساكنةٌ.
وأما "القَيّامُ"، فإن أصلَه "القيوامُ"، وهو "الفَيْعَالُ"، مِن: قام يقومُ، سَبَقت الواو المتحرِّكةَ مِن "قَيْوامٍ" ياءٌ ساكنةٌ، فجُعِلَنا جميعًا ياءً مشدّدةً.
قَيّامُ"، فإن أصلَه "القيوامُ"، وهو "الفَيْعَالُ"، مِن: قام يقومُ، سَبَقت الواو المتحرِّكةَ مِن "قَيْوامٍ" ياءٌ ساكنةٌ، فجُعِلَنا جميعًا ياءً مشدّدةً.
ولو أنَّ القَيُّومَ "فَعُولٌ"، كان "القَيُّومَ"، ولكنَّه "الفَيْعُولُ". وكذلك "القَيَّامُ "لو كان "الفَعَّال" لكان "القَوَّامَ"، كما قيل: الصَّوامُ والقَوَّامُ. وكما قال جلَّ ثناؤُه: ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ﴾ [المائدة: ٨]. ولكنَّه "الفَيْعالُ"، فقال: القَيَّامُ.
وأمَّا "القَيِّمُ" فهو "الفَيْعِلُ"، من: قامَ يقومُ، سَبَقَت الواوَ المتحرِّكةَ ياءٌ ساكنةٌ، فجُعِلَتا ياءً مُشدَّدةً، كما قيل: فلانٌ سيِّدُ قومِه. من: سادَ يَسُودُ، وهذا طعامٌ جيِّدٌ، من: جادَ يجودُ، وما أشبهَ ذلك.
وإنما جاء ذلك بهذه الألفاظِ؛ لأنه قصَد به قَصْدَ المبالغةِ في المدحِ، فكان "القَيُّومُ" و "القَيَّامُ" و "القَيِّمُ" أبلغَ في المدحِ من القائمِ.
ذلك.
وإنما جاء ذلك بهذه الألفاظِ؛ لأنه قصَد به قَصْدَ المبالغةِ في المدحِ، فكان "القَيُّومُ" و "القَيَّامُ" و "القَيِّمُ" أبلغَ في المدحِ من القائمِ. وإنما كان عمرُ ﵁ يختارُ قراءته، إن شاء اللهُ: "القَيَّام"؛ لأن ذلك الغالبُ على مَنطِقِ أهلِ الحجازِ، في ذواتِ الثلاثةِ من الياءِ والواوِ، فيقولون للرجلِ الصَّوّاغِ: الصَّيَّاغُ. ويقولون للرجلِ الكثيرِ الدَّوَرانِ: الدَّيَّارُ. وقد قيل: إن قول الله جلَّ ثناؤُه: ﴿لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا﴾ [نوح: ٢٦]. إنما هو: "دَوَّارًا"، "فَعَّالا"، مِن: دارَ
يَدُورُ. ولكنَّها نزَلتْ بلغةِ أهلِ الحجازِ، وأُقِرَّتْ كذلك في المصحفِ.
﴿الم (١) اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ (٢) نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ (٣) مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ (٤)﴾
وقد ذكرنا الحديث الوارد في أن اسم الله الأعظم في هاتين الآيتين: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ و (الم * اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ) عند تفسير آية الكرسي، وتقدم الكلام على قوله تعالى: ﴿الم﴾ في أول سورة البقرة، بما أغنى عن إعادته، وتقدم أيضًا الكلام على قوله: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ في تفسير آية الكرسي.
وقوله تعالى (نزلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ) يعني: نزل عليك القرآن يا محمد (بِالْحَقِّ) أي: لا شك فيه ولا ريب، بل هو منزل من عند الله [﷿] أنزله بعلمه والملائكة يشهدون، وكفى بالله شهيدًا.
لْحَقِّ) يعني: نزل عليك القرآن يا محمد (بِالْحَقِّ) أي: لا شك فيه ولا ريب، بل هو منزل من عند الله [﷿] أنزله بعلمه والملائكة يشهدون، وكفى بالله شهيدًا.
وقوله: (مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ) أي: من الكتب المنزلة قبله من السماء على عباد الله الأنبياء، فهي تصدقه بما أخبرت به وبشرت في قديم الزمان، وهو يصدقها؛ لأنه طابق ما أخبرت به وبشرت، من الوعد من الله بإرسال محمد ﷺ، وإنزال القرآن العظيم عليه.
وقوله: (وَأَنزلَ التَّوْرَاةَ) أي: على موسى بن عمران [﵇] (وَالإنْجِيلَ) أي: على عيسى ابن مريم.
(مِنْ قَبْلُ) أي: من قبل هذا القرآن. (هُدًى لِلنَّاسِ) أي: في زمانهما (وَأَنزلَ الْفُرْقَانَ) وهو الفارق بين الهدى والضلال، والحق والباطل، والغي والرشاد، بما يذكره الله تعالى من الحجج والبينات، والدلائل الواضحات، والبراهين القاطعات، ويبينه ويوضحه ويفسره ويقرره، ويرشد إليه وينبه عليه من ذلك.
وقال قتادة والربيع بن أنس: الفرقان هاهنا القرآن.
ت، والدلائل الواضحات، والبراهين القاطعات، ويبينه ويوضحه ويفسره ويقرره، ويرشد إليه وينبه عليه من ذلك.
وقال قتادة والربيع بن أنس: الفرقان هاهنا القرآن. واختار ابن جرير أنه مصدر هاهنا؛ لتقدم ذكر
القرآن في قوله: (نزلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ) وهو القرآن. وأما ما رواه ابن أبي حاتم عن أبي صالح أن المراد هاهنا بالفرقان: التوراة فضعيف أيضًا؛ لتقدم ذكرها، والله أعلم
وقوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ) أي: جحدوا بها وأنكروها، وردّوها بالباطل (لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ) أي: يوم القيامة (وَاللَّهُ عَزِيزٌ) أي: منيع الجناب عظيم السلطان (ذُو انْتِقَامٍ) أي: ممن كذب بآياته وخالف رسله الكرام، وأنبياءه العظام.