Tanya Kitab
Daftar surahSurah An-Nisa › Ayat 171

QS 4:171

Surah An-Nisa (النساء) ayat 171

4:171
يَـٰٓأَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ لَا تَغۡلُواْ فِي دِينِكُمۡ وَلَا تَقُولُواْ عَلَى ٱللَّهِ إِلَّا ٱلۡحَقَّۚ إِنَّمَا ٱلۡمَسِيحُ عِيسَى ٱبۡنُ مَرۡيَمَ رَسُولُ ٱللَّهِ وَكَلِمَتُهُۥٓ أَلۡقَىٰهَآ إِلَىٰ مَرۡيَمَ وَرُوحٞ مِّنۡهُۖ فَـَٔامِنُواْ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِۦۖ وَلَا تَقُولُواْ ثَلَٰثَةٌۚ ٱنتَهُواْ خَيۡرٗا لَّكُمۡۚ إِنَّمَا ٱللَّهُ إِلَٰهٞ وَٰحِدٞۖ سُبۡحَٰنَهُۥٓ أَن يَكُونَ لَهُۥ وَلَدٞۘ لَّهُۥ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۗ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَكِيلٗا
(Wahai Ahli Kitab! Janganlah kamu melampaui batas dalam agamamu,247) dan janganlah kamu mengatakan terhadap Allah kecuali yang benar. Sungguh, Al-Masih Isa putra Maryam itu, adalah utusan Allah dan (yang diciptakan dengan) kalimat-Nya248) yang disampaikan-Nya kepada Maryam, dan (dengan tiupan) roh dari-Nya.249) Maka berimanlah kepada Allah dan Rasul-rasul-Nya dan janganlah kamu mengatakan, "(Tuhan itu) tiga," berhentilah (dari ucapan itu). (Itu) lebih baik bagimu. Sesungguhnya Allah Tuhan Yang Maha Esa, Mahasuci Dia dari (anggapan) mempunyai anak. Milik-Nyalah apa yang ada di langit dan apa yang ada di bumi. Dan cukuplah Allah sebagai pelindung
Tanya tentang ayat ini
← Ayat 170Ayat 172 →

Tafsir dalam korpus (52 potongan)

QS 4:171 (jilid 2 hlm. 477) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 2 · hlm. 477 · #84460
﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلا (١٧١)﴾ ينهى تعالى أهل الكتاب عن الغلو والإطراء، وهذا كثير في النصارى، فإنهم تجاوزوا حد التصديق بعيسى، حتى رفعوه فوق المنزلة التي أعطاه الله إياها، فنقلوه من حيز النبوة إلى أن اتخذوه إلها من دون الله يعبدونه كما يعبدونه، بل قد غلوا في أتباعه وأشياعه، ممن زعم أنه على دينه، فادَّعوْا فيهم العصمة واتبعوهم في كل ما قالوه، سواء كان حقًا أو باطلا أو ضلالا أو رشادًا، أو صحيحًا أو كذبًا؛ ولهذا قال تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ
QS 4:171 (jilid 2 hlm. 477) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 2 · hlm. 477 · #84461
واء كان حقًا أو باطلا أو ضلالا أو رشادًا، أو صحيحًا أو كذبًا؛ ولهذا قال تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لا إِلَهَ إِلا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: ٣١]. وقال الإمام أحمد: حدثنا هُشَيم قال: زعم الزُّهْرِي، عن عبيد الله بن عبد الله بن عُتْبة بن مسعود، عن ابن عباس، عن عمر: أن رسول الله ﷺ قال: "لا تُطْرُوني كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم، فإنما أنا عبد الله ورسوله". ثم رواه هو وعلي بن المديني، عن سفيان بن عُيَيْنة، عن الزُّهري كذلك. وقال علي بن المديني: هذا حديث صحيح سنده وهكذا رواه البخاري، عن الحُميدي، عن سفيان بن عيينة، عن الزهري، به. ولفظه: "فإنما أنا عبد، فقولوا: عبد الله ورسوله". وقال الإمام أحمد: حدثنا حسن بن موسى، حدثنا حمَّاد بن سَلَمَة، عن ثابت البُناني، عن أنس بن مالك: أن رجلا قال: محمد يا سيدنا وابن سيدنا، وخيرنا وابن خيرنا.
QS 4:171 (jilid 2 hlm. 477) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 2 · hlm. 477 · #84462
الإمام أحمد: حدثنا حسن بن موسى، حدثنا حمَّاد بن سَلَمَة، عن ثابت البُناني، عن أنس بن مالك: أن رجلا قال: محمد يا سيدنا وابن سيدنا، وخيرنا وابن خيرنا. فقال رسول الله ﷺ "يا أيها الناس، عليكم بقولكم، ولا يَسْتَهْويَنَّكُمُ الشيطانُ، أنا محمدُ بنُ عبد الله، عبد الله ورسوله، والله ما أحب أن ترفعوني فوق منزلتي التي أنزلني اللَّهُ ﷿". تفرد به من هذا الوجه. وقوله: (وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلا الْحَقَّ) أي: لا تفتروا عليه وتجعلوا له صاحبة وولدا -تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، وتنزه وتقدس وتوحد في سؤدده وكبريائه وعظمته -فلا إله إلا هو، ولا رب سواه؛ ولهذا قال: (إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ) أي: إنما هو عبد من عباد الله وخَلق من خلقه، قال له: كن فكان، ورسول من رسله، وكلمته ألقاها إلى مريم، أي: خَلقَه بالكلمة التي أرسل بها جبريل، ﵇، إلى مريم، فنفخ فيها من روحه بإذن ربه، ﷿، فكان عيسى بإذن الله، ﷿، وصارت تلك النفخة
QS 4:171 (jilid 2 hlm. 477) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 2 · hlm. 477 · #84463
، وكلمته ألقاها إلى مريم، أي: خَلقَه بالكلمة التي أرسل بها جبريل، ﵇، إلى مريم، فنفخ فيها من روحه بإذن ربه، ﷿، فكان عيسى بإذن الله، ﷿، وصارت تلك النفخة التي نفخها في جَيْب درعها، فنزلت حتى وَلَجت فرجها بمنزلة لقاح الأب الأم والجميع مخلوق لله، ﷿؛ ولهذا قيل لعيسى: إنه كلمة الله وروح منه؛ لأنه لم يكن له أب تولد منه، وإنما هو ناشئ عن الكلمة التي قال له بها: كن، فكان. والروح التي أرسل بها جبريل، قال الله تعالى: ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلانِ الطَّعَامَ﴾ [المائدة: ٧٥]. وقال تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آل عمران: ٥٩].
QS 4:171 (jilid 2 hlm. 478) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 2 · hlm. 478 · #84464
[المائدة: ٧٥]. وقال تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آل عمران: ٥٩]. وقال تعالى: ﴿وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ٩١] وقال تعالى: ﴿وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا [فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ]﴾ [التحريم: ١٢].
QS 4:171 (jilid 2 hlm. 478) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 2 · hlm. 478 · #84465
َّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا [فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ]﴾ [التحريم: ١٢]. وقال تعالى إخبارا عن المسيح: ﴿إِنْ هُوَ إِلا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ [وَجَعَلْنَاهُ مَثَلا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ]﴾ [الزخرف: ٥٩]. وقال عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة: (وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ) هو كقوله: ﴿كُنْ﴾ [آل عمران: ٥٩] فكان وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن سنان الواسطي قال: سمعت شَاذَّ بن يحيى يقول: في قول الله: (وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ) قال: ليس الكلمةُ صارت عيسى، ولكن بالكلمة صار عيسى.
QS 4:171 (jilid 2 hlm. 478) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 2 · hlm. 478 · #84466
قال: سمعت شَاذَّ بن يحيى يقول: في قول الله: (وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ) قال: ليس الكلمةُ صارت عيسى، ولكن بالكلمة صار عيسى. وهذا أحسن مما ادعاه ابن جرير في قوله: (أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ) أي: أعلمها بها، كما زعمه في قوله: ﴿إِذْ قَالَتِ الْمَلائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ﴾ [آل عمران: ٤٥] أي: يعلمك بكلمة منه، ويجعل ذلك كما قال تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ تَرْجُو أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ إِلا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾ [القصص: ٨٦] بل الصحيح أنها الكلمة التي جاء بها جبريل إلى مريم، فنفخ فيها بإذن الله، فكان عيسى، ﵇.
QS 4:171 (jilid 2 hlm. 478) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 2 · hlm. 478 · #84467
ْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ إِلا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾ [القصص: ٨٦] بل الصحيح أنها الكلمة التي جاء بها جبريل إلى مريم، فنفخ فيها بإذن الله، فكان عيسى، ﵇. وقال البخاري: حدثنا صَدَقَةُ بن الفضل، حدثنا الوليد، حدثنا الأوزاعي، حدثني عُمَيْر بن هانئ، حدثني جُنَادةُ بن أبي أمية، عن عبادة بن الصامت، عن النبي ﷺ قال: "من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، وأن عيسى عبد الله ورسوله، وكلمته ألقاها إلى مريم وروحٌ منه، والجنةَ حق، والنارَ حق، أدخله الله الجنة على ما كان من العمل".
QS 4:171 (jilid 2 hlm. 478) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 2 · hlm. 478 · #84468
ه، وأن محمدًا عبده ورسوله، وأن عيسى عبد الله ورسوله، وكلمته ألقاها إلى مريم وروحٌ منه، والجنةَ حق، والنارَ حق، أدخله الله الجنة على ما كان من العمل". قال الوليد: فحدثني عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، عن عُمير بن هانئ، عن جُنَادة زاد: "من أبواب الجنة الثمانية من أيها شاء". وكذا رواه مسلم، عن داود بن رُشَيد، عن الوليد، عن ابن جابر، به ومن وجه آخر، عن الأوزاعي، به. فقوله في الآية والحديث: (وَرُوحٌ مِنْهُ) كقوله ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ [الجاثية: ١٣] أي: مِنْ خَلْقه ومن عنده، وليست "مِنْ" للتبعيض، كما تقوله النصارى -عليهم لعائن الله المتتابعة-بل هي لابتداء الغاية، كما في الآية الأخرى. وقد قال مجاهد في قوله: (وَرُوحٌ مِنْهُ) أي: ورسول منه. وقال غيره. ومحبة منه. والأظهر الأول أنَّه مخلوق من روح مخلوقة، وأضيفت الروح إلى الله على وجه التشريف، كما أضيفت الناقة والبيت إلى الله، في قوله: ﴿هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ﴾ [هود: ٦٤].
QS 4:171 (jilid 2 hlm. 479) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 2 · hlm. 479 · #84469
لأول أنَّه مخلوق من روح مخلوقة، وأضيفت الروح إلى الله على وجه التشريف، كما أضيفت الناقة والبيت إلى الله، في قوله: ﴿هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ﴾ [هود: ٦٤]. وفي قوله: ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ﴾ [الحج: ٢٦]، وكما ورد في الحديث الصحيح: "فأدخل على رَبِّي في داره" أضافها إليه إضافة تشريف لها، وهذا كله من قبيل واحد ونمَط واحد. وقوله: (فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ) أي: فصدقوا بأن الله واحد أحد، لا صاحبة له ولا ولد، واعلموا وتيقنوا بأن عيسى عبد الله ورسوله؛ ولهذا قال: (وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ) أي: لا تجعلوا عيسى وأمه مع الله شريكين، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. وهذه الآية والتي تأتي في سورة المائدة حيث يقول تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلا إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [المائدة: ٧٣].
QS 4:171 (jilid 2 hlm. 479) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 2 · hlm. 479 · #84470
في سورة المائدة حيث يقول تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلا إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [المائدة: ٧٣]. وكما قال في آخر السورة المذكورة: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي [وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ]﴾ الآية [المائدة: ١١٦]، وقال في أولها: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ الآية [المائدة: ١٧]، فالنصارى -عليهم لعنة الله-من جهلهم ليس لهم ضابط، ولا لكفرهم حد، بل أقوالهم وضلالهم منتشر، فمنهم من يعتقده إلهًا، ومنهم من يعتقده شريكا، ومنهم من يعتقده ولدًا. وهم طوائف كثيرة لهم آراء مختلفة، وأقوال غير مؤتلفة، ولقد أحسن بعض المتكلمين حيث قال: لو اجتمع عشرة من النصارى لافترقوا على أحد عشر قولا.
QS 4:171 (jilid 2 hlm. 479) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 2 · hlm. 479 · #84471
عتقده ولدًا. وهم طوائف كثيرة لهم آراء مختلفة، وأقوال غير مؤتلفة، ولقد أحسن بعض المتكلمين حيث قال: لو اجتمع عشرة من النصارى لافترقوا على أحد عشر قولا. ولقد ذكر بعض علمائهم المشاهير، وهو سعيد بن بَطْرِيق -بتْرَكُ الإسكندرية-في حدود سنة أربعمائة من الهجرة النبوية، أنهم اجتمعوا المجمع الكبير الذي عقدوا فيه الأمانة الكبيرة التي لهم، وإنما هي الخيانة الحقيرة الصغيرة، وذلك في أيام قسطنطين باني المدينة المشهورة، وأنهم اختلفوا عليه اختلافًا لا ينضبط ولا ينحصر، فكانوا أزيد من ألفين أَسْقُفًا، فكانوا أحزابًا كثيرة، كل خمسين منهم على مقالة، وعشرون على مقالة، ومائة على مقالة، وسبعون على مقالة، وأزيد من ذلك وأنقص.
QS 4:171 (jilid 2 hlm. 479) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 2 · hlm. 479 · #84472
انوا أزيد من ألفين أَسْقُفًا، فكانوا أحزابًا كثيرة، كل خمسين منهم على مقالة، وعشرون على مقالة، ومائة على مقالة، وسبعون على مقالة، وأزيد من ذلك وأنقص. فلما رأى عصابة منهم قد زادوا على الثلاثمائة بثمانية عشر نفرًا، وقد توافقوا على مقالة، فأخذها الملك ونصرها وأيدها -وكان فيلسوفًا ذا هيئة -ومَحَقَ ما عداها من الأقوال، وانتظم دَسْتُ أولئك الثلاثمائة والثمانية عشر، وبنيت لهم الكنائس، ووضعوا لهم كتبًا وقوانين، وأحدثوا الأمانة التي يلقنونها الولدان من الصغار -ليعتقدوها-ويُعَمّدونهم عليها، وأتباع هؤلاء هم الملكية. ثم إنهم اجتمعوا مجمعا ثانيًا فحدث فيهم اليعقوبية، ثم مجمعًا ثالثًا فحدث فيهم النسطورية. وكل هذه الفرق تثبت الأقانيم الثلاثة في المسيح، ويختلفون في كيفية ذلك وفي اللاهوت والناسوت على زعمهم ! هل اتحدا، أو ما اتحدا، بل امتزجا أو حل فيه؟
QS 4:171 (jilid 2 hlm. 479) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 2 · hlm. 479 · #84473
ية. وكل هذه الفرق تثبت الأقانيم الثلاثة في المسيح، ويختلفون في كيفية ذلك وفي اللاهوت والناسوت على زعمهم ! هل اتحدا، أو ما اتحدا، بل امتزجا أو حل فيه؟ على ثلاث مقالات، وكل منهم يكفر الفرقة الأخرى، ونحن نكفر الثلاثة؛ ولهذا قال تعالى: (انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ) أي: يكن خيرا لكم (إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ) أي: تعالى وتقدس عن ذلك علوا كبيرا (لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلا) أي: الجميع ملكه وخلقه، وجميع ما فيها عبيده، وهم تحت تدبيره وتصريفه، وهو وكيل على كل شيء، فكيف يكون له منهم صاحبة أو ولد؟
QS 4:171 (jilid 2 hlm. 479) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 2 · hlm. 479 · #84474
ِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلا) أي: الجميع ملكه وخلقه، وجميع ما فيها عبيده، وهم تحت تدبيره وتصريفه، وهو وكيل على كل شيء، فكيف يكون له منهم صاحبة أو ولد؟ كما قال في الآية الأخرى: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الأنعام: ١٠١]، وقال تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا * لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا * [تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا * أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا * وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا * إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ إِلا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا * لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا * وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا]﴾ [مريم: ٨٨ - ٩٥]
QS 4:171 (jilid 1 hlm. 509) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 509 · #96878
قوله تعالى: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾ هذا الغلو الذي نهوا عنه هو قول غير الحق وهو قول بعضهم: إن عيسى ابن الله، وقول بعضهم: هو الله، وقول بعضهم: هو إله مع الله ﷾ عن ذلك كله علوا كبيرا، كما بينه قوله تعالى: ﴿وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ﴾ وقوله: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ وقوله: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ﴾ وأشار هنا إلى إبطال هذه المفتريات بقوله: ﴿إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ﴾ الآية، وقوله: ﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ
QS 4:171 (jilid 1 hlm. 509) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 509 · #96879
ه المفتريات بقوله: ﴿إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ﴾ الآية، وقوله: ﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْداً لِلَّهِ﴾ الآية، وقوله: ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلانِ الطَّعَامَ﴾ وقوله: ﴿قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً﴾. وقال بعض العلماء: يدخل في الغلو وغير الحق المنهي عنه في هذه الآية ما قالوا من البهتان على مريم أيضا، واعتمده القرطبي وعليه فيكون الغلو المنهي عنه شاملا للتفريط والإفراط. وقد قرر العلماء أن الحق واسطة بين التفريط والإفراط، وهو معنى قول مطرف بن عبد الله: "الحسنة بين سيئتين"، وبه تعلم أن من جانب التفريط والإفراط فقد اهتدى، ولقد أجاد من قال: ولا تغل في شيء من الأمر واقتصد ...
QS 4:171 (jilid 1 hlm. 510) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 510 · #96880
معنى قول مطرف بن عبد الله: "الحسنة بين سيئتين"، وبه تعلم أن من جانب التفريط والإفراط فقد اهتدى، ولقد أجاد من قال: ولا تغل في شيء من الأمر واقتصد ... كلا طرفي قصد الأمور ذميم وقد ثبت في الصحيح عنه ﷺ أنه قال: "لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى، وقولوا: عبد الله ورسوله". •
QS 4:171 (jilid 1 hlm. 510) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 510 · #96881
قوله تعالى: ﴿وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ ليست لفظة "من" في هذه الآية للتبعيض، كما يزعمه النصارى افتراء على الله، ولكن "من" هنا لابتداء الغاية، يعني أن مبدأ ذلك الروح الذي ولد به عيسى حيا من الله تعالى؛ لأنه هو الذي أحياه به، ويدل على أن "من" هنا لابتداء الغاية: قوله تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ﴾ أي: كائنا مبدأ ذلك كله منه جل وعلا ويدل لما ذكرنا ما روي عن أبي بن كعب أنه قال: "خلق الله أرواح بني آدم لما أخذ عليهم الميثاق، ثم ردها إلى صلب آدم، وأمسك عنده روح عيسى ﵊"، فلما أراد خلقه أرسل ذلك الروح إلى مريم، فكان منه عيسى ﵇، وهذه الإضافة للتفضيل؛ لأن جميع الأرواح من خلقه جل وعلا، كقوله: ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ﴾ وقوله: ﴿نَاقَةَ اللَّهِ﴾ الآية.
QS 4:171 (jilid 1 hlm. 511) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 511 · #96882
، فكان منه عيسى ﵇، وهذه الإضافة للتفضيل؛ لأن جميع الأرواح من خلقه جل وعلا، كقوله: ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ﴾ وقوله: ﴿نَاقَةَ اللَّهِ﴾ الآية. وقيل: قد يسمى من تظهر منه الأشياء العجيبة روحا يضاف إلى الله، فيقال: هذا روح من الله، أي: من خلقه، وكان عيسى يبرئ الأكمه والأبرص ويحيي الموتى بإذن الله، فاستحق هذا الاسم، وقيل: سمي روحا بسبب نفخة جبريل ﵇ المذكورة في سورة الأنبياء والتحريم، والعرب تسمي النفخ روحا؛ لأنه ريح تخرج من الروح، ومنه قول ذي الرمة: فقلت له: ارفعها إليك وأحيها ... بروحك واقتته لها قيتة قدرا وعلى هذا القول فقوله "وَرُوحٌ" معطوف على الضمير العائد إلى الله الذي هو فاعل ألقاها. قاله القرطبي والله تعالى أعلم. وقال بعض العلماء: وَرُوحٌ مِنْهُ، أي رحمة منه، وكان عيسى رحمة من الله لمن اتبعه، قيل: ومنه وأيده بِرُوحٍ مِنْهُ، أي: برحمة منه، حكاه القرطبي أيضا، وقيل: روح مِنْهُ، أي: برهان منه، وكان عيسى برهانا وحجة على قومه. والعلم عند الله تعالى. •
QS 4:171 (jilid 6 hlm. 50) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 6 · hlm. 50 · #116653
[سُورَة النِّسَاء (٤) : آيَة ١٧١] يَا أَهْلَ الْكِتابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلاَّ الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ انْتَهُوا خَيْراً لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلهٌ واحِدٌ سُبْحانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلاً (١٧١) يَا أَهْلَ الْكِتابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ. اسْتِئْنَافٌ ابْتِدَائِيٌّ بِخِطَابٍ مُوَجَّهٍ إِلَى النَّصَارَى خَاصَّةً. وَخُوطِبُوا بِعُنْوَانِ أَهْلِ الْكِتَابِ تَعْرِيضًا بِأَنَّهُمْ خَالَفُوا كِتَابَهُمْ.
QS 4:171 (jilid 6 hlm. 50) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 6 · hlm. 50 · #116654
ابْتِدَائِيٌّ بِخِطَابٍ مُوَجَّهٍ إِلَى النَّصَارَى خَاصَّةً. وَخُوطِبُوا بِعُنْوَانِ أَهْلِ الْكِتَابِ تَعْرِيضًا بِأَنَّهُمْ خَالَفُوا كِتَابَهُمْ. وَقَرِينَةُ أَنَّهُمُ الْمُرَادُ هِيَ قَوْلُهُ: إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ إِلَى قَوْله: نْ يَكُونَ عَبْداً لِلَّهِ [النِّسَاء: ١٧٢] فَإِنَّهُ بَيَانٌ لِلْمُرَادِ مِنْ إِجْمَالِ قَوْلِهِ: لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ وَابْتُدِئَتْ مَوْعِظَتُهُمْ بِالنَّهْيِ عَنِ الْغُلُوِّ لِأَنَّ النَّصَارَى غَلَوْا فِي تَعْظِيمِ عِيسَى- فَادَّعَوْا لَهُ بُنُوَّةَ اللَّهِ، وَجَعَلُوهُ ثَالِثَ الْآلِهَةِ. وَالْغُلُوُّ: تَجَاوُزُ الْحَدِّ الْمَأْلُوفِ، مُشْتَقٌّ مِنْ غَلْوَةِ السَّهْمِ، وَهِيَ مُنْتَهَى انْدِفَاعِهِ، وَاسْتُعِيرَ لِلزِّيَادَةِ عَلَى الْمَطْلُوبِ مِنَ الْمَعْقُولِ، أَوِ الْمَشْرُوعِ فِي الْمُعْتَقَدَاتِ، وَالْإِدْرَاكَاتِ، وَالْأَفْعَالِ.
QS 4:171 (jilid 6 hlm. 50) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 6 · hlm. 50 · #116655
ِفَاعِهِ، وَاسْتُعِيرَ لِلزِّيَادَةِ عَلَى الْمَطْلُوبِ مِنَ الْمَعْقُولِ، أَوِ الْمَشْرُوعِ فِي الْمُعْتَقَدَاتِ، وَالْإِدْرَاكَاتِ، وَالْأَفْعَالِ. وَالْغُلُوُّ فِي الدِّينِ أَنْ يُظْهِرَ الْمُتَدَيِّنُ مَا يَفُوتُ الْحَدَّ الَّذِي حَدَّدَ لَهُ الدِّينُ. وَنَهَاهُمْ عَنِ الْغُلُوِّ لِأَنَّهُ أَصْلٌ لِكَثِيرٍ مِنْ ضَلَالِهِمْ وَتَكْذِيبِهِمْ لِلرُّسُلِ الصَّادِقِينَ. وَغُلُوُّ أَهْلِ الْكِتَابِ تَجَاوُزُهُمُ الْحَدَّ الَّذِي طَلَبَهُ دِينُهُمْ مِنْهُمْ: فَالْيَهُودُ طُولِبُوا بِاتِّبَاعِ التَّوْرَاةِ وَمَحَبَّةِ رَسُولِهِمْ، فَتَجَاوَزُوهُ إِلَى بِغْضَةِ الرُّسُلِ كَعِيسَى وَمُحَمَّدٍ- ﵉، وَالنَّصَارَى طُولِبُوا بِاتِّبَاعِ الْمَسِيحِ فَتَجَاوَزُوا فِيهِ الْحَدَّ إِلَى دَعْوَى إِلَهِيَّتِهِ أَوْ كَوْنِهِ ابْنَ اللَّهِ، مَعَ الْكُفْرِ بِمُحَمَّدٍ ﷺ.
QS 4:171 (jilid 6 hlm. 51) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 6 · hlm. 51 · #116656
ى طُولِبُوا بِاتِّبَاعِ الْمَسِيحِ فَتَجَاوَزُوا فِيهِ الْحَدَّ إِلَى دَعْوَى إِلَهِيَّتِهِ أَوْ كَوْنِهِ ابْنَ اللَّهِ، مَعَ الْكُفْرِ بِمُحَمَّدٍ ﷺ. وَقَوْلُهُ: وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ عَطْفٌ خَاصٌّ عَلَى عَامٍّ لِلِاهْتِمَامِ بِالنَّهْيِ عَنِ الِافْتِرَاءِ الشَّنِيعِ. وَفِعْلُ الْقَوْلِ إِذَا عُدِّيَ بِحَرْفِ (عَلَى) دَلَّ عَلَى أَنَّ نِسْبَةَ الْقَائِلِ الْقَوْلِ إِلَى الْمَجْرُورِ بِ (عَلَى) نِسْبَةٌ كَاذِبَةٌ، قَالَ تَعَالَى: وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ [آل عمرَان: ٧٨] . وَمَعْنَى الْقَوْلِ عَلَى اللَّهِ هُنَا: أَنْ يَقُولُوا شَيْئًا يَزْعُمُونَ أَنَّهُ مِنْ دِينِهِمْ، فَإِنَّ الدِّينَ مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يُتَلَقَّى مِنْ عِنْدِ اللَّهِ. وَقَوْلُهُ: إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ جُمْلَةٌ مُبَيِّنَةٌ لِلْحَدِّ الَّذِي كَانَ الْغُلُوُّ عِنْدَهُ، فَإِنَّهُ مُجْمَلٌ وَمُبَيِّنَةٌ لِلْمُرَادِ مِنْ قَوْلِ الْحَقِّ.
QS 4:171 (jilid 6 hlm. 51) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 6 · hlm. 51 · #116657
َى ابْنُ مَرْيَمَ جُمْلَةٌ مُبَيِّنَةٌ لِلْحَدِّ الَّذِي كَانَ الْغُلُوُّ عِنْدَهُ، فَإِنَّهُ مُجْمَلٌ وَمُبَيِّنَةٌ لِلْمُرَادِ مِنْ قَوْلِ الْحَقِّ. وَلِكَوْنِهَا تَتَنَزَّلُ مِنَ الَّتِي قَبْلَهَا مَنْزِلَةَ الْبَيَانِ فُصِلَتْ عَنْهَا. وَقَدْ أَفَادَتِ الْجُمْلَةُ قَصْرَ الْمَسِيحِ عَلَى صِفَاتٍ ثَلَاثٍ: صِفَةُ الرِّسَالَةِ، وَصِفَةُ كَوْنِهِ كَلِمَةَ اللَّهِ أُلْقِيَتْ إِلَى مَرْيَمَ، وَصِفَةُ كَوْنِهِ رُوحًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ. فَالْقَصْرُ قَصْرُ مَوْصُوفٍ عَلَى صِفَةٍ.
QS 4:171 (jilid 6 hlm. 51) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 6 · hlm. 51 · #116658
َصِفَةُ كَوْنِهِ كَلِمَةَ اللَّهِ أُلْقِيَتْ إِلَى مَرْيَمَ، وَصِفَةُ كَوْنِهِ رُوحًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ. فَالْقَصْرُ قَصْرُ مَوْصُوفٍ عَلَى صِفَةٍ. وَالْقَصْدُ مِنْ هَذَا الْقَصْرِ إِبْطَالُ مَا أَحْدَثَهُ غُلُوُّهُمْ فِي هَذِهِ الصِّفَاتِ غُلُوًّا أَخْرَجَهَا عَنْ كُنْهِهَا فَإِنَّ هَذِهِ الصِّفَاتِ ثَابِتَةٌ لِعِيسَى، وَهُمْ مُثْبِتُونَ لَهَا فَلَا يُنْكَرُ عَلَيْهِمْ وَصْفُ عِيسَى بِهَا، لَكِنَّهُمْ تَجَاوَزُوا الْحَدَّ الْمَحْدُودَ لَهَا فَجعلُوا الرسَالَة النبوّة، وَجَعَلُوا الْكَلِمَةَ اتِّحَادَ حَقِيقَةِ الْإِلَهِيَّةِ بِعِيسَى فِي بَطْنِ مَرْيَمَ فَجَعَلُوا عِيسَى ابْنًا لِلَّهِ وَمَرْيَمَ صَاحِبَةً لِلَّهِ- سُبْحَانَهُ-، وَجَعَلُوا مَعْنَى الرُّوحِ عَلَى مَا بِهِ تَكَوَّنَتْ حَقِيقَةُ الْمَسِيحِ فِي بَطْنِ مَرْيَمَ مِنْ نَفْسِ الْإِلَهِيَّةِ.
QS 4:171 (jilid 6 hlm. 52) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 6 · hlm. 52 · #116659
َةً لِلَّهِ- سُبْحَانَهُ-، وَجَعَلُوا مَعْنَى الرُّوحِ عَلَى مَا بِهِ تَكَوَّنَتْ حَقِيقَةُ الْمَسِيحِ فِي بَطْنِ مَرْيَمَ مِنْ نَفْسِ الْإِلَهِيَّةِ. وَالْقَصْرُ إِضَافِيٌّ، وَهُوَ قَصْرُ إِفْرَادٍ، أَيْ عِيسَى مَقْصُورٌ عَلَى صِفَةِ الرِّسَالَةِ وَالْكَلِمَةِ وَالرُّوحِ، لَا يَتَجَاوَزُ ذَلِكَ إِلَى مَا يُزَادُ عَلَى تِلْكَ الصِّفَاتِ مِنْ كَوْنِ الْمَسِيحِ ابْنًا لِلَّهِ وَاتِّحَادِ الْإِلَهِيَّةِ بِهِ وَكَوْنِ مَرْيَمَ صَاحِبَةً. وَوَصْفُ الْمَسِيحِ بِأَنَّهُ كَلِمَةُ اللَّهِ وَصْفٌ جَاءَ التَّعْبِيرُ بِهِ فِي الْأَنَاجِيلِ فَفِي صَدْرِ إِنْجِيلِ يُوحَنَّا «فِي الْبَدْءِ كَانَ الْكَلِمَة، والكلامة كَانَ عِنْدَ اللَّهِ، وَكَانَ الْكَلِمَةُ اللَّهَ- ثُمَّ قَالَ- وَالْكَلِمَةُ صَارَ جَسَدًا وَحَلَّ بَيْنَنَا» . وَقَدْ حَكَاهُ الْقُرْآنُ وَأَثْبَتَهُ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ مِنَ الْكَلِمَاتِ الْإِنْجِيلِيَّةِ، فَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّهُ أَثَرُ كَلِمَةِ اللَّهِ.
QS 4:171 (jilid 6 hlm. 52) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 6 · hlm. 52 · #116660
. وَقَدْ حَكَاهُ الْقُرْآنُ وَأَثْبَتَهُ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ مِنَ الْكَلِمَاتِ الْإِنْجِيلِيَّةِ، فَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّهُ أَثَرُ كَلِمَةِ اللَّهِ. وَالْكَلِمَةُ هِيَ التَّكْوِينُ، وَهُوَ الْمُعَبَّرُ عَنْهُ فِي الِاصْطِلَاحِ بِ (كُنْ) . فَإِطْلَاقُ الْكَلِمَةِ عَلَى التَّكْوِينِ مَجَازٌ، وَلَيْسَ هُوَ بِكَلِمَةٍ، وَلَكِنَّهُ تَعَلُّقُ الْقُدْرَةِ. وَوَصْفُ عِيسَى بِذَلِكَ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِتَكْوِينِهِ التَّأْثِيرُ الظَّاهِرُ الْمَعْرُوفُ فِي تَكْوِينِ الْأَجِنَّةِ، فَكَانَ حُدُوثُهُ بِتَعَلُّقِ الْقُدْرَةِ، فَيَكُونُ فِي كَلِمَتُهُ فِي الْآيَةِ مَجَازَانِ: مَجَازُ حَذْفٍ، وَمَجَازُ اسْتِعَارَةٍ صَارَ حَقِيقَةً عُرْفِيَّةً. وَمَعْنَى أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ أَوْصَلَهَا إِلَى مَرْيَمَ، وَرُوعِيَ فِي الضَّمِيرِ تَأْنِيثُ لَفْظِ الْكَلِمَةِ، وَإِلَّا فَإِنَّ الْمُرَادَ مِنْهَا عِيسَى، أَوْ أَرَادَ كَلِمَةَ أَمْرِ التَّكْوِينِ.
QS 4:171 (jilid 6 hlm. 52) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 6 · hlm. 52 · #116661
رْيَمَ، وَرُوعِيَ فِي الضَّمِيرِ تَأْنِيثُ لَفْظِ الْكَلِمَةِ، وَإِلَّا فَإِنَّ الْمُرَادَ مِنْهَا عِيسَى، أَوْ أَرَادَ كَلِمَةَ أَمْرِ التَّكْوِينِ. وَوَصْفُ عِيسَى بِأَنَّهُ رُوحُ اللَّهِ وَصْفٌ وَقَعَ فِي الْأَنَاجِيلِ. وَقَدْ أَقَرَّهُ اللَّهُ هُنَا، فَهُوَ مِمَّا نَزَلَ حَقًّا. وَمَعْنَى كَوْنِ عِيسَى رُوحًا مِنَ اللَّهِ أَنَّ رُوحَهُ مِنَ الْأَرْوَاحِ الَّتِي هِيَ عَنَاصِرُ الْحَيَاةِ، لَكِنَّهَا نُسِبَتْ إِلَى اللَّهِ لِأَنَّهَا وَصَلَتْ إِلَى مَرْيَمَ بِدُونِ تَكَوُّنٍ فِي نُطْفَةٍ فَبِهَذَا امْتَازَ عَنْ بَقِيَّةِ الْأَرْوَاحِ. وَوُصِفَ بِأَنَّهُ مُبْتَدَأٌ مِنْ جَانِبِ اللَّهِ، وَقِيلَ: لِأَنَّ عِيسَى لَمَّا غَلَبَتْ عَلَى نَفْسِهِ الْمَلَكِيَّةُ وُصِفَ بِأَنَّهُ رُوحٌ، كَأَنَّ حُظُوظَ الْحَيَوَانِيَّةِ مُجَرَّدَةٌ عَنْهُ. وَقِيلَ: الرُّوحُ النَّفْخَةُ. وَالْعَرَبُ تُسَمِّي النَّفْسَ رُوحًا وَالنَّفْخَ رُوحًا.
QS 4:171 (jilid 6 hlm. 52) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 6 · hlm. 52 · #116662
رُوحٌ، كَأَنَّ حُظُوظَ الْحَيَوَانِيَّةِ مُجَرَّدَةٌ عَنْهُ. وَقِيلَ: الرُّوحُ النَّفْخَةُ. وَالْعَرَبُ تُسَمِّي النَّفْسَ رُوحًا وَالنَّفْخَ رُوحًا. قَالَ ذُو الرُّمَّةِ يَذْكُرُ لِرَفِيقِهِ أَنْ يُوقِدَ نَارًا بِحَطَبٍ: فَقُلْتُ لَهُ ارْفَعْهَا إِلَيْكَ فَأَحْيِهَا ... بِرُوحِكَ وَاقْتُتْهُ لَهَا قِيتَةً قَدْرًا (أَيْ بِنَفْخِكَ) . وَتَلْقِيبُ عِيسَى بِالرُّوحِ طَفَحَتْ بِهِ عِبَارَاتُ الْأَنَاجِيلِ. وَ (مِنْ) ابْتِدَائِيَّةٌ عَلَى التَّقَادِيرِ. فَإِنْ قُلْتَ: مَا حِكْمَةُ وُقُوعِ هَذَيْنِ الْوَصْفَيْنِ هُنَا عَلَى مَا فِيهِمَا مِنْ شُبْهَةٍ ضَلَّتْ بِهَا النَّصَارَى، وَهَلَّا وُصِفَ الْمَسِيحُ فِي جُمْلَةِ الْقَصْرِ بِمِثْلِ مَا وُصِفَ بِهِ مُحَمَّدٌ ﷺ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَّ [الْكَهْف: ١١٠] فَكَانَ أَصْرَحُ فِي بَيَانِ الْعُبُودِيَّةِ، وَأَنْفَى لِلضَّلَالِ.
QS 4:171 (jilid 6 hlm. 53) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 6 · hlm. 53 · #116663
لِهِ تَعَالَى: قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَّ [الْكَهْف: ١١٠] فَكَانَ أَصْرَحُ فِي بَيَانِ الْعُبُودِيَّةِ، وَأَنْفَى لِلضَّلَالِ. قُلْتُ: الْحِكْمَةُ فِي ذَلِكَ أَنَّ هَذَيْنِ الْوَصْفَيْنِ وَقَعَا فِي كَلَامِ الْإِنْجِيلِ، أَوْ فِي كَلَامِ الْحَوَارِيِّينَ وَصْفًا لِعِيسَى- ﵇، وَكَانَا مَفْهُومَيْنِ فِي لُغَةِ الْمُخَاطَبِينَ يَوْمَئِذٍ، فَلَمَّا تَغَيَّرَتْ أَسَالِيبُ اللُّغَاتِ وَسَاءَ الْفَهْمُ فِي إِدْرَاكِ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ تَسَرَّبَ الضَّلَالُ إِلَى النَّصَارَى فِي سُوءِ وَضْعِهِمَا فَأُرِيدَ التَّنْبِيهُ عَلَى ذَلِكَ الْخَطَأِ فِي التَّأْوِيلِ، أَيْ أَنَّ قُصَارَى مَا وَقَعَ لَدَيْكُمْ مِنْ كَلَامِ الْأَنَاجِيلِ هُوَ وَصْفُ الْمَسِيحِ بِكَلِمَةِ اللَّهِ وَبِرَوْحِ اللَّهِ، وَلَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ مَا يُؤَدِّي إِلَى اعْتِقَادِ أَنَّهُ ابْنُ اللَّهِ وَأَنَّهُ إِلَهٌ.
QS 4:171 (jilid 6 hlm. 53) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 6 · hlm. 53 · #116664
لْمَسِيحِ بِكَلِمَةِ اللَّهِ وَبِرَوْحِ اللَّهِ، وَلَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ مَا يُؤَدِّي إِلَى اعْتِقَادِ أَنَّهُ ابْنُ اللَّهِ وَأَنَّهُ إِلَهٌ. وَتَصْدِيرُ جُمْلَةِ الْقَصْرِ بِأَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ يُنَادِي عَلَى وَصْفِ الْعُبُودِيَّةِ إِذْ لَا يُرْسِلُ الْإِلَهُ إِلَهًا مِثْلَهُ، فَفِيهِ كِفَايَةٌ مِنَ التَّنْبِيهِ عَلَى مَعْنَى الْكَلِمَةِ وَالرُّوحِ. فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ انْتَهُوا خَيْراً لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلهٌ واحِدٌ سُبْحانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلًا الْفَاءُ لِلتَّفْرِيعِ عَنْ جُمْلَةِ الْقَصْرِ وَمَا بُنِيَتْ عَلَيْهِ. أَيْ إِذَا وَضَحَ كُلُّ مَا بَيَّنَهُ اللَّهُ مِنْ وَحْدَانِيَّتِهِ، وَتَنْزِيهِهِ، وَصِدْقِ رُسُلِهِ، يَتَفَرَّعُ أَنْ آمُرَكُمْ بِالْإِيمَانِ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ.
QS 4:171 (jilid 6 hlm. 53) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 6 · hlm. 53 · #116665
َ كُلُّ مَا بَيَّنَهُ اللَّهُ مِنْ وَحْدَانِيَّتِهِ، وَتَنْزِيهِهِ، وَصِدْقِ رُسُلِهِ، يَتَفَرَّعُ أَنْ آمُرَكُمْ بِالْإِيمَانِ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ. وَأُمِرُوا بِالْإِيمَانِ بِاللَّهِ مَعَ كَوْنِهِمْ مُؤْمِنِينَ، أَيِ النَّصَارَى، لِأَنَّهُمْ لَمَّا وَصَفُوا اللَّهَ بِمَا لَا يَلِيقُ فَقَدْ أَفْسَدُوا الْإِيمَانَ، وَلِيَكُونَ الْأَمْرُ بِالْإِيمَانِ بِاللَّهِ تَمْهِيدًا لِلْأَمْرِ بِالْإِيمَانِ بِرُسُلِهِ، وَهُوَ الْمَقْصُودُ، وَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ عِنْدِي. وَأُرِيدَ بِالرُّسُلِ جَمِيعُهُمْ، أَيْ لَا تَكْفُرُوا بِوَاحِدٍ مِنْ رُسُلِهِ.
QS 4:171 (jilid 6 hlm. 54) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 6 · hlm. 54 · #116666
انِ بِرُسُلِهِ، وَهُوَ الْمَقْصُودُ، وَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ عِنْدِي. وَأُرِيدَ بِالرُّسُلِ جَمِيعُهُمْ، أَيْ لَا تَكْفُرُوا بِوَاحِدٍ مِنْ رُسُلِهِ. وَهَذَا بِمَنْزِلَةِ الِاحْتِرَاسِ عَنْ أَنْ يَتَوَهَّمَ مُتَوَهِّمُونَ أَنْ يُعْرِضُوا عَنِ الْإِيمَانِ بِرِسَالَةِ عِيسَى- ﵇ مُبَالَغَةً فِي نَفْيِ الْإِلَهِيَّةِ عَنْهُ. وَقَوْلُهُ: وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ أَيْ لَا تَنْطِقُوا بِهَذِهِ الْكَلِمَةِ، وَلَعَلَّهَا كَانَتْ شِعَارًا لِلنَّصَارَى فِي دِينِهِمْ كَكَلِمَةِ الشَّهَادَةِ عِنْدَ الْمُسْلِمِينَ، وَمِنْ عَوَائِدِهِمُ الْإِشَارَةُ إِلَى التَّثْلِيثِ بِالْأَصَابِعِ الثَّلَاثَةِ: الْإِبْهَامِ وَالْخِنْصَرِ وَالْبِنْصِرِ. وَالْمَقْصُودُ مِنَ الْآيَةِ النَّهْيُ عَنِ النُّطْقِ بِالْمُشْتَهِرِ مِنْ مَدْلُولِ هَذِهِ الْكَلِمَةِ وَعَنِ الِاعْتِقَادِ. لِأَنَّ أَصْلَ الْكَلَامِ الصِّدْقُ فَلَا يَنْطِقُ أَحَدٌ إِلَّا عَنِ اعْتِقَادٍ، فَالنَّهْيُ هُنَا كِنَايَةٌ بِإِرَادَةِ الْمَعْنَى وَلَازِمِهِ.
QS 4:171 (jilid 6 hlm. 54) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 6 · hlm. 54 · #116667
ادِ. لِأَنَّ أَصْلَ الْكَلَامِ الصِّدْقُ فَلَا يَنْطِقُ أَحَدٌ إِلَّا عَنِ اعْتِقَادٍ، فَالنَّهْيُ هُنَا كِنَايَةٌ بِإِرَادَةِ الْمَعْنَى وَلَازِمِهِ. وَالْمُخَاطَبُ بِقَوْلِهِ: وَلا تَقُولُوا خُصُوصُ النَّصَارَى. وثَلاثَةٌ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ كَانَ حَذْفُهُ لِيَصْلُحَ لِكُلِّ مَا يَصْلُحُ تَقْدِيرُهُ مِنْ مَذَاهِبِهِمْ مِنَ التَّثْلِيثِ، فَإِنَّ النَّصَارَى اضْطَرَبُوا فِي حَقِيقَةِ تَثْلِيثِ الْإِلَهِ كَمَا سَيَأْتِي، فَيُقَدَّرُ الْمُبْتَدَأُ الْمَحْذُوفُ عَلَى حَسَبِ مَا يَقْتَضِيهِ الْمَرْدُودُ مِنْ أَقْوَالِهِمْ فِي كَيْفِيَّةِ التَّثْلِيثِ مِمَّا يَصِحُّ الْإِخْبَارُ عَنْهُ بِلَفْظِ ثَلاثَةٌ مِنَ الْأَسْمَاءِ الدَّالَّةِ عَلَى الْإِلَهِ، وَهِيَ عِدَّةُ أَسْمَاءٍ. فَفِي الْآيَةِ الْأُخْرَى لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ [الْمَائِدَة: ٧٣] .
QS 4:171 (jilid 6 hlm. 54) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 6 · hlm. 54 · #116668
عَلَى الْإِلَهِ، وَهِيَ عِدَّةُ أَسْمَاءٍ. فَفِي الْآيَةِ الْأُخْرَى لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ [الْمَائِدَة: ٧٣] . وَفِي آيَةِ آخِرِ هَذِهِ السُّورَةِ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ [الْمَائِدَة: ١١٦] ، أَيْ إِلَهَيْنِ مَعَ اللَّهِ، كَمَا سَيَأْتِي، فَالْمَجْمُوعُ ثَلَاثَةٌ: كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ إِلَهٌ وَلَكِنَّهُمْ يَقُولُونَ: إِنَّ مَجْمُوعَ الثَّلَاثَةِ إِلَهٌ وَاحِدٌ أَوِ اتَّحَدَتِ الثَّلَاثَة فَصَارَ إِلَه وَاحِد. قَالَ فِي «الْكَشَّافِ» : (ثَلَاثَةٌ) خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ فَإِنْ صَحَّتِ الْحِكَايَةُ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ: هُوَ جَوْهَرٌ وَاحِدٌ وَثَلَاثَةُ أَقَانِيمَ، فَتَقْدِيرُهُ اللَّهُ ثَلَاثَةٌ وَإِلَّا فَتَقْدِيرُهُ الْآلِهَةُ ثَلَاثَةٌ اهـ. وَالتَّثْلِيثُ أَصْلٌ فِي عَقِيدَةِ النَّصَارَى كُلِّهِمْ، وَلَكِنَّهُمْ مُخْتَلِفُونَ فِي كَيْفِيَّتِهِ.
QS 4:171 (jilid 6 hlm. 54) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 6 · hlm. 54 · #116669
َّا فَتَقْدِيرُهُ الْآلِهَةُ ثَلَاثَةٌ اهـ. وَالتَّثْلِيثُ أَصْلٌ فِي عَقِيدَةِ النَّصَارَى كُلِّهِمْ، وَلَكِنَّهُمْ مُخْتَلِفُونَ فِي كَيْفِيَّتِهِ. وَنَشَأَ مِنِ اعْتِقَادِ قُدَمَاءِ الْإِلَهِيِّينَ مِنْ نَصَارَى الْيُونَانِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى (ثَالُوثٌ) ، أَيْ أَنَّهُ جَوْهَرٌ وَاحِدٌ، وَهَذَا الْجَوْهَرُ مَجْمُوعُ ثَلَاثَةِ أَقَانِيمَ، وَاحِدُهَا أُقْنُومٌ- بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَسُكُونُ الْقَافِ-. قَالَ فِي «الْقَامُوسِ» : هُوَ كَلِمَةٌ رُومِيَّةٌ، وَفَسَّرَهُ الْقَامُوسُ بِالْأَصْلِ، وفسّره التفتازانيّ فِي كِتَابِ «الْمَقَاصِدِ» بِالصِّفَةِ. وَيَظْهَرُ أَنَّهُ مُعَرَّبُ كَلِمَةِ (قَنُومَ بِقَافٍ مُعَقَّدٍ عَجَمِيٍّ) وَهُوَ الِاسْمُ، أَيِ (الْكَلِمَةُ) .
QS 4:171 (jilid 6 hlm. 55) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 6 · hlm. 55 · #116670
كِتَابِ «الْمَقَاصِدِ» بِالصِّفَةِ. وَيَظْهَرُ أَنَّهُ مُعَرَّبُ كَلِمَةِ (قَنُومَ بِقَافٍ مُعَقَّدٍ عَجَمِيٍّ) وَهُوَ الِاسْمُ، أَيِ (الْكَلِمَةُ) . وَعَبَّرُوا عَنْ مَجْمُوعِ الْأَقَانِيمِ الثَّلَاثَةِ بِعِبَارَةٍ (آبَا- ابْنَا- رُوحَا قُدُسَا) وَهَذِهِ الْأَقَانِيمُ يَتَفَرَّعُ بَعْضُهَا عَنْ بَعْضٍ: فَالْأُقْنُومُ الْأَوَّلُ أُقْنُومُ الذَّاتِ أَوِ- الْوُجُودِ الْقَدِيمِ وَهُوَ الْأَبُ وَهُوَ أَصْلُ الْمَوْجُودَاتِ. وَالْأُقْنُومُ الثَّانِي أُقْنُومُ الْعِلْمِ، وَهُوَ الِابْنُ، وَهُوَ دُونُ الْأُقْنُومِ الْأَوَّلِ، وَمِنْهُ كَانَ تَدْبِيرُ جَمِيعِ الْقُوَى الْعَقْلِيَّةِ. وَالْأُقْنُومُ الثَّالِثُ أُقْنُومُ الرُّوحِ الْقُدُسِ، وَهُوَ صِفَةُ الْحَيَاةِ، وَهِيَ دُونُ أُقْنُومِ الْعِلْمِ وَمِنْهَا كَانَ إِيجَادُ عَالَمِ الْمَحْسُوسَاتِ.
QS 4:171 (jilid 6 hlm. 55) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 6 · hlm. 55 · #116671
الثَّالِثُ أُقْنُومُ الرُّوحِ الْقُدُسِ، وَهُوَ صِفَةُ الْحَيَاةِ، وَهِيَ دُونُ أُقْنُومِ الْعِلْمِ وَمِنْهَا كَانَ إِيجَادُ عَالَمِ الْمَحْسُوسَاتِ. وَقَدْ أَهْمَلُوا ذِكْرَ صِفَاتٍ تَقْتَضِيهَا الْإِلَهِيَّةُ، مِثْلَ الْقِدَمِ وَالْبَقَاءِ، وَتَرَكُوا صِفَةَ الْكَلَامِ وَالْقُدْرَةِ وَالْإِرَادَةِ، ثُمَّ أَرَادُوا أَنْ يَتَأَوَّلُوا مَا يَقَعُ فِي الْإِنْجِيلِ مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ فَسَمُّوا أُقْنُومَ الذَّاتِ بِالْأَبِ، وَأُقْنُومَ الْعِلْمِ بِالِابْنِ، وَأُقْنُومَ الْحَيَاةِ بِالرُّوحِ الْقُدُسِ، لِأَنَّ الْإِنْجِيلَ أَطْلَقَ اسْمَ الْأَبِ عَلَى اللَّهِ، وَأَطْلَقَ اسْمَ الِابْنِ عَلَى الْمَسِيحِ رَسُولِهِ، وَأَطْلَقَ الرُّوحَ الْقُدُسَ عَلَى مَا بِهِ كُوِّنَ الْمَسِيحُ فِي بَطْنِ مَرْيَمَ، عَلَى أَنَّهُمْ أَرَادُوا أَنْ يُنَبِّهُوا عَلَى أَنَّ أُقْنُومَ الْوُجُودِ هُوَ مُفِيضُ الْأُقْنُومَيْنِ الْآخَرَيْنِ فَرَامُوا أَنْ يَدُلُّوا عَلَى عَدَمِ تَأَخُّرِ بَعْضِ الصِّفَاتِ عَنْ
QS 4:171 (jilid 6 hlm. 55) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 6 · hlm. 55 · #116672
ُوا عَلَى أَنَّ أُقْنُومَ الْوُجُودِ هُوَ مُفِيضُ الْأُقْنُومَيْنِ الْآخَرَيْنِ فَرَامُوا أَنْ يَدُلُّوا عَلَى عَدَمِ تَأَخُّرِ بَعْضِ الصِّفَاتِ عَنْ بَعْضٍ فَعَبَّرُوا بِالْأَبِ وَالِابْنِ، (كَمَا عَبَّرَ الْفَلَاسِفَةُ الْيُونَانُ بِالتَّوَلُّدِ) . وَسَمُّوا أُقْنُومَ الْعِلْمِ بِالْكَلِمَةِ لِأَنَّ مِنْ عِبَارَاتِ الْإِنْجِيلِ إِطْلَاقَ الْكَلِمَةِ عَلَى الْمَسِيحِ، فَأَرَادُوا أَنَّ الْمَسِيحَ مَظْهَرُ عِلْمِ اللَّهِ، أَيْ أَنَّهُ يَعْلَمُ مَا عَلِمَهُ اللَّهُ وَيُبَلِّغُهُ، وَهُوَ مَعْنَى الرِّسَالَةِ إِذْ كَانَ الْعِلْمُ يَوْمَ تَدْوِينِ الْأَنَاجِيلِ مُكَلَّلًا بِالْأَلْفَاظِ الِاصْطِلَاحِيَّةِ لِلْحِكْمَةِ الْإِلَهِيَّةِ الرُّومِيَّةِ، فَلَمَّا اشْتَبَهَتْ عَلَيْهِمُ الْمَعَانِي أَخَذُوا بِالظَّوَاهِرِ فَاعْتَقَدُوا أَنَّ الْأَرْبَابَ ثَلَاثَةٌ وَهَذَا أَصْلُ النَّصْرَانِيَّةِ، وَقَارَبُوا عَقِيدَةَ الشِّرْكِ.
QS 4:171 (jilid 6 hlm. 55) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 6 · hlm. 55 · #116673
هِمُ الْمَعَانِي أَخَذُوا بِالظَّوَاهِرِ فَاعْتَقَدُوا أَنَّ الْأَرْبَابَ ثَلَاثَةٌ وَهَذَا أَصْلُ النَّصْرَانِيَّةِ، وَقَارَبُوا عَقِيدَةَ الشِّرْكِ. ثُمَّ جَرَّهُمُ الْغُلُوُّ فِي تَقْدِيسِ الْمَسِيحِ فَتَوَهَّمُوا أَنَّ عِلْمَ اللَّهِ اتَّحَدَ بِالْمَسِيحِ، فَقَالُوا: إِنَّ الْمَسِيحَ صَارَ نَاسُوتُهُ لَاهُوتًا، بِاتِّحَادِ أُقْنُومِ الْعِلْمِ بِهِ، فَالْمَسِيحُ جَوْهَرَانِ وَأُقْنُومٌ وَاحِدٌ، ثُمَّ نَشَأَتْ فِيهِمْ عَقِيدَةُ الْحُلُولِ، أَيْ حُلُولِ اللَّهِ فِي الْمَسِيحِ بِعِبَارَاتٍ مُتَنَوِّعَةٍ، ثُمَّ اعْتَقَدُوا اتِّحَادَ اللَّهِ بِالْمَسِيحِ، فَقَالُوا: اللَّهُ هُوَ الْمَسِيحُ.
QS 4:171 (jilid 6 hlm. 56) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 6 · hlm. 56 · #116674
أَيْ حُلُولِ اللَّهِ فِي الْمَسِيحِ بِعِبَارَاتٍ مُتَنَوِّعَةٍ، ثُمَّ اعْتَقَدُوا اتِّحَادَ اللَّهِ بِالْمَسِيحِ، فَقَالُوا: اللَّهُ هُوَ الْمَسِيحُ. هَذَا أَصْلُ التَّثْلِيثِ عِنْدَ النَّصَارَى، وَعَنْهُ تَفَرَّعَتْ مَذَاهِبُ ثَلَاثَةٌ أَشَارَ إِلَى جَمِيعِهَا قَوْلُهُ تَعَالَى: وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ- وَقَوْلُهُ- لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ [الْمَائِدَة: ٧٢] وَقَوْلُهُ: أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ [الْمَائِدَة: ١١٦] وَكَانُوا يَقُولُونَ: فِي عِيسَى لَاهُوتِيَّةٌ مِنْ جِهَةِ الْأَبِ وَنَاسُوتِيَّةٌ- أَيْ إِنْسَانِيَّةٌ- مِنْ جِهَةِ الْأُمِّ. وَظَهَرَ بِالْإِسْكَنْدَرِيَّةِ رَاهِبٌ اسْمه (آريوس) قَالُوا بِالتَّوْحِيدِ وَأَنَّ عِيسَى عَبْدُ اللَّهِ مَخْلُوقٌ، وَكَانَ فِي زَمَنِ (قسطنطينوس سُلْطَان الرّون بَانِي الْقُسْطَنْطِينِيَّةِ) .
QS 4:171 (jilid 6 hlm. 56) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 6 · hlm. 56 · #116675
(آريوس) قَالُوا بِالتَّوْحِيدِ وَأَنَّ عِيسَى عَبْدُ اللَّهِ مَخْلُوقٌ، وَكَانَ فِي زَمَنِ (قسطنطينوس سُلْطَان الرّون بَانِي الْقُسْطَنْطِينِيَّةِ) . فَلَمَّا تَدَيَّنَ قُسْطَنْطِينُوسُ الْمَذْكُورُ بِالنَّصْرَانِيَّةِ سَنَةَ ٣٢٧ تَبِعَ مَقَالَةَ (آرِيُوسَ) ، ثُمَّ رَأَى مُخَالَفَةَ مُعْظَمِ الرُّهْبَانِ لَهُ فَأَرَادَ أَنْ يُوَحِّدَ كَلِمَتَهُمْ، فَجَمَعَ مَجْمَعًا مِنْ عُلَمَاءِ النَّصَارَى فِي أَوَاخِرِ الْقَرْنِ الرَّابِعِ مِنَ التَّارِيخِ الْمَسِيحِيِّ، وَكَانَ فِي هَذَا الْمَجْمَعِ نَحْوُ أَلْفَيْ عَالٍمٍ مِنَ النَّصَارَى فَوَجَدَهُمْ مُخْتَلِفِينَ اخْتِلَافًا كَثِيرًا وَوَجَدَ أَكْثَرَ طَائِفَةٍ مِنْهُمْ عَلَى قَوْلٍ وَاحِدٍ ثَلَاثَمِائَةٍ وَبِضْعَةَ عَشَرَ عَالِمًا فَأَخَذَ قَوْلَهُمْ وَجَعَلَهُ أَصْلَ الْمَسِيحِيَّةِ وَنَصَرَهُ، وَهَذِهِ الطَّائِفَةُ تُلَقَّبُ (الْمَلْكَانِيَّةُ) نِسْبَةً لِلْمَلِكِ.
QS 4:171 (jilid 6 hlm. 56) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 6 · hlm. 56 · #116676
رَ عَالِمًا فَأَخَذَ قَوْلَهُمْ وَجَعَلَهُ أَصْلَ الْمَسِيحِيَّةِ وَنَصَرَهُ، وَهَذِهِ الطَّائِفَةُ تُلَقَّبُ (الْمَلْكَانِيَّةُ) نِسْبَةً لِلْمَلِكِ. وَاتَّفَقَ قَوْلُهُمْ عَلَى أَنَّ كَلِمَةَ اللَّهِ اتَّحَدَتْ بِجَسَدِ عِيسَى، وَتَقَمَّصَتْ فِي نَاسُوتِهِ، أَيْ إِنْسَانِيَّتِهِ، وَمَازَجَتْهُ امْتِزَاجَ الْخَمْرِ بِالْمَاءِ، فَصَارَتِ الْكَلِمَةُ ذَاتًا فِي بَطْنِ مَرْيَمَ، وَصَارَتْ تِلْكَ الذَّاتُ ابْنًا لِلَّهِ تَعَالَى، فَالْإِلَهُ مَجْمُوعُ ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ: الْأَوَّلُ الْأَبُ ذُو الْوُجُودِ، وَالثَّانِي الِابْنُ ذُو الْكَلِمَةِ، أَيِ الْعِلْمِ، وَالثَّالِثُ رُوحُ الْقُدُسِ. ثُمَّ حَدَثَتْ فِيهِمْ فِرْقَةُ الْيَعْقُوبِيَّةِ وَفِرْقَةُ النَّسْطُورِيَّةِ (١) فِي مَجَامِعٍ أُخْرَى انْعَقَدَتْ بَيْنَ الرُّهْبَانِ.
QS 4:171 (jilid 6 hlm. 56) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 6 · hlm. 56 · #116677
الْقُدُسِ. ثُمَّ حَدَثَتْ فِيهِمْ فِرْقَةُ الْيَعْقُوبِيَّةِ وَفِرْقَةُ النَّسْطُورِيَّةِ (١) فِي مَجَامِعٍ أُخْرَى انْعَقَدَتْ بَيْنَ الرُّهْبَانِ. فَالْيَعْقُوبِيَّةُ، وَيُسَمَّوْنَ الْآنَ (أَرْثُودُكْسَ) ، ظَهَرُوا فِي أَوَاسِطِ الْقَرْنِ السَّادِسِ الْمَسِيحِيِّ، وَهُمْ أَسْبَقُ مِنَ النَّسْطُورِيَّةِ قَالُوا: انْقَلَبَتِ الْإِلَهِيَّةُ لَحْمًا وَدَمًا فَصَارَ الْإِلَهُ هُوَ الْمَسِيحُ فَلِأَجْلِ ذَلِكَ صَدَرَتْ عَنِ الْمَسِيحِ خَوَارِقُ الْعَادَاتِ مِنْ إِحْيَاءِ الْمَوْتَى وَإِبْرَاءِ الْأَكَمَهِ وَالْأَبْرَصِ فَأَشْبَهَ صُنْعُهُ صُنْعَ اللَّهِ تَعَالَى مِمَّا يَعْجِزُ عَنْهُ غَيْرُ اللَّهِ تَعَالَى.
QS 4:171 (jilid 6 hlm. 57) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 6 · hlm. 57 · #116678
ِحْيَاءِ الْمَوْتَى وَإِبْرَاءِ الْأَكَمَهِ وَالْأَبْرَصِ فَأَشْبَهَ صُنْعُهُ صُنْعَ اللَّهِ تَعَالَى مِمَّا يَعْجِزُ عَنْهُ غَيْرُ اللَّهِ تَعَالَى. وَكَانَ نَصَارَى الْحَبَشَةِ يَعَاقِبَةً، وَسَنَتَعَرَّضُ لِذِكْرِهَا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ فِي سُورَةِ الْمَائِدَةِ [٧٢] ، وَعِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: فَاخْتَلَفَ الْأَحْزابُ مِنْ بَيْنِهِمْ [مَرْيَم: ٣٧] . وَالنَّسْطُورِيَّةُ قَالَتْ: اتَّحَدَتِ الْكَلِمَةُ بِجَسَدِ الْمَسِيحِ بِطَرِيقِ الْإِشْرَاقِ كَمَا تُشْرِقُ الشَّمْسُ مِنْ كُوَّةٍ من بلّور، فالمسح إِنْسَانٌ، وَهُوَ كَلِمَةُ اللَّهِ، فَلِذَلِكَ هُوَ إِنْسَانٌ إِلَهٌ، أَوْ هُوَ لَهُ ذَاتِيَّتَانِ ذَاتٌ إِنْسَانِيَّةٌ وَأُخْرَى إِلَهِيَّةٌ، وَقَدْ أُطْلِقَ عَلَى الرَّئِيسِ الدِّينِيِّ لِهَذِهِ النِّحْلَةِ لَقَبُ (جَاثِلِيقَ) . وَكَانَتِ النِّحْلَةُ النَّسْطُورِيَّةُ غَالِبَةً عَلَى نَصَارَى الْعَرَبِ.
QS 4:171 (jilid 6 hlm. 57) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 6 · hlm. 57 · #116679
َ عَلَى الرَّئِيسِ الدِّينِيِّ لِهَذِهِ النِّحْلَةِ لَقَبُ (جَاثِلِيقَ) . وَكَانَتِ النِّحْلَةُ النَّسْطُورِيَّةُ غَالِبَةً عَلَى نَصَارَى الْعَرَبِ. وَكَانَ رُهْبَانُ الْيَعَاقِبَةِ وَرُهْبَانُ النَّسْطُورِيِّينَ يَتَسَابَقُونَ لِبَثِّ كُلِّ فَرِيقٍ نِحْلَتَهُ بَيْنَ قَبَائِلِ الْعَرَبِ. وَكَانَ الْأَكَاسِرَةُ حُمَاةً لِلنَّسْطُورِيَّةِ. وَقَيَاصِرَةُ الرُّومِ حُمَاةً لِلْيَعْقُوبِيَّةِ. وَقَدْ شَاعَتِ النَّصْرَانِيَّةُ بِنِحْلَتَيْهَا فِي بَكْرٍ، وَتَغْلِبَ، وَرَبِيعَةَ، وَلَخْمٍ، وَجُذَامَ، وَتَنُوخَ، وَكَلْبٍ، وَنَجْرَانَ، وَالْيَمَنِ، وَالْبَحْرِينِ. وَقَدْ بَسَطْتُ هَذَا لِيُعْلَمَ حُسْنُ الْإِيجَازِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ وَإِتْيَانِهِ عَلَى هَذِهِ الْمَذَاهِبِ كُلِّهَا.
QS 4:171 (jilid 6 hlm. 57) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 6 · hlm. 57 · #116680
وَقَدْ بَسَطْتُ هَذَا لِيُعْلَمَ حُسْنُ الْإِيجَازِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ وَإِتْيَانِهِ عَلَى هَذِهِ الْمَذَاهِبِ كُلِّهَا. فَلِلَّهِ هَذَا الْإِعْجَازُ الْعِلْمِيُّ. وَالْقَوْلُ فِي نَصْبِ (خَيْرًا) مِنْ قَوْلِهِ: انْتَهُوا خَيْراً لَكُمْ كَالْقَوْلِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: فَآمِنُوا خَيْراً لَكُمْ [النِّسَاء: ١٧٠] . وَالْقَصْرُ فِي قَوْلِهِ: إِنَّمَا اللَّهُ إِلهٌ واحِدٌ قَصْرُ مَوْصُوفٍ عَلَى صِفَةٍ، لِأَنَّ (إِنَّمَا) يَلِيهَا الْمَقْصُورُ، وَهُوَ هُنَا قَصْرٌ إِضَافِيٌّ، أَيْ لَيْسَ اللَّهُ بِثَلَاثَةٍ.
QS 4:171 (jilid 6 hlm. 58) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 6 · hlm. 58 · #116681
إِلهٌ واحِدٌ قَصْرُ مَوْصُوفٍ عَلَى صِفَةٍ، لِأَنَّ (إِنَّمَا) يَلِيهَا الْمَقْصُورُ، وَهُوَ هُنَا قَصْرٌ إِضَافِيٌّ، أَيْ لَيْسَ اللَّهُ بِثَلَاثَةٍ. وَقَوْلُهُ: سُبْحانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ إِظْهَارٌ لِغَلَطِهِمْ فِي أَفْهَامِهِمْ، وَفِي إِطْلَاقَاتِهِمْ لَفْظَ الْأَبِ وَالِابْنِ كَيْفَمَا كَانَ مَحْمَلُهُمَا لِأَنَّهُمَا إِمَّا ضَلَالَةٌ وَإِمَّا إِيهَامُهَا، فَكَلِمَةُ (سُبْحَانَهُ) تُفِيدُ قُوَّةَ التَّنْزِيهِ لِلَّهِ تَعَالَى عَنْ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ، وَالدَّلَالَةُ عَلَى غَلَطِ مُثْبِتِيهِ، فَإِنَّ الْإِلَهِيَّةَ تُنَافِي الْكَوْنَ أَبًا وَاتِّخَاذَ ابْنٍ، لِاسْتِحَالَةِ الْفَنَاءِ، وَالِاحْتِيَاجِ، وَالِانْفِصَالِ، وَالْمُمَاثَلَةِ لِلْمَخْلُوقَاتِ عَنِ اللَّهِ تَعَالَى.
QS 4:171 (jilid 6 hlm. 58) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 6 · hlm. 58 · #116682
كَوْنَ أَبًا وَاتِّخَاذَ ابْنٍ، لِاسْتِحَالَةِ الْفَنَاءِ، وَالِاحْتِيَاجِ، وَالِانْفِصَالِ، وَالْمُمَاثَلَةِ لِلْمَخْلُوقَاتِ عَنِ اللَّهِ تَعَالَى. وَالْبُنُوَّةُ تَسْتَلْزِمُ ثُبُوتَ هَذِهِ الْمُسْتَحِيلَاتِ لِأَنَّ النَّسْلَ قَانُونٌ كَوْنِيٌّ لِلْمَوْجُودَاتِ لِحِكْمَةِ اسْتِبْقَاءِ النَّوْعِ، وَالنَّاسُ يَتَطَلَّبُونَهَا لِذَلِكَ، وَلِلْإِعَانَةِ عَلَى لَوَازِمِ الْحَيَاةِ، وَفِيهَا انْفِصَالُ الْمَوْلُودِ عَنْ أَبِيهِ، وَفِيهَا أنّ الابْن مماثلة لِأَبِيهِ فَأَبُوهُ مُمَاثِلٌ لَهُ لَا مَحَالَةَ. وَ (سُبْحَانَ) اسْمُ مَصْدَرِ سَبَّحَ، وَلَيْسَ مَصْدَرًا، لِأَنَّهُ لَمْ يُسْمَعْ لَهُ فِعْلٌ سَالِمٌ. وَجَزَمَ ابْنُ جِنِّي بِأَنَّهُ عَلَمٌ عَلَى التَّسْبِيحِ، فَهُوَ مِنْ أَعْلَامِ الْأَجْنَاسِ، وَهُوَ مَمْنُوعٌ مِنَ الصَّرْفِ لِلْعَلَمِيَّةِ وَالزِّيَادَةِ.
QS 4:171 (jilid 6 hlm. 58) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 6 · hlm. 58 · #116683
ابْنُ جِنِّي بِأَنَّهُ عَلَمٌ عَلَى التَّسْبِيحِ، فَهُوَ مِنْ أَعْلَامِ الْأَجْنَاسِ، وَهُوَ مَمْنُوعٌ مِنَ الصَّرْفِ لِلْعَلَمِيَّةِ وَالزِّيَادَةِ. وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: قالُوا سُبْحانَكَ لَا عِلْمَ لَنا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنا فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ [٣٢] . وَقَوْلُهُ: أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ مُتَعَلِّقٌ بِ (سُبْحَانَ) حرف الْجَرِّ، وَهُوَ حَرْفُ (عَنْ) مَحْذُوفًا. وَجُمْلَةُ لَهُ مَا فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ تَعْلِيلٌ لِقَوْلِهِ: سُبْحانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لِأَنَّ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَوَات وَمَا فِي الْأَرْضِ قَدِ اسْتَغْنَى عَنِ الْوَلَدِ، وَلِأَنَّ مَنْ يَزْعُمُ أَنَّهُ وَلَدٌ لَهُ هُوَ مِمَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كَالْمَلَائِكَةِ أَوِ الْمَسِيحِ، فَالْكُلُّ عَبِيدُهُ وَلَيْسَ الِابْنُ بِعَبْدٍ.
QS 4:171 (jilid 6 hlm. 58) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 6 · hlm. 58 · #116684
ْعُمُ أَنَّهُ وَلَدٌ لَهُ هُوَ مِمَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كَالْمَلَائِكَةِ أَوِ الْمَسِيحِ، فَالْكُلُّ عَبِيدُهُ وَلَيْسَ الِابْنُ بِعَبْدٍ. وَقَوْلُهُ: وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلًا تَذْيِيلٌ، وَالْوَكِيلُ الْحَافِظُ، وَالْمُرَادُ هُنَا حَافِظُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، أَيِ الْمَوْجُودَاتِ كُلِّهَا. وَحُذِفَ مَفْعُولُ (كَفَى) لِلْعُمُومِ، أَيْ كَفَى كُلَّ أَحَدٍ، أَيْ فَتَوَكَّلُوا عَلَيْهِ، وَلَا تَتَوَكَّلُوا عَلَى مَنْ تَزْعُمُونَهُ ابْنًا لَهُ. وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى هَذَا التَّرْكِيبِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلًا فِي هَذِه السُّورَة. [١٧٢، ١٧٣]

Ayat yang dirujuk di sini

Potongan tafsir di atas mengutip ayat-ayat berikut (dideteksi dengan aturan teks ﴿…﴾, bukan model bahasa).

QS 3:59QS 7:73QS 11:64QS 2:29QS 5:17QS 5:72QS 5:75QS 6:101QS 21:91QS 57:3

Dirujuk oleh

Ayat ini dikutip di dalam tafsir ayat-ayat berikut.

QS 4:163QS 5:77