KitabAITafsir Al-Qur'an AI-Powered
Daftar surahSurah Al-Baqarah › Ayat 29

QS 2:29

Surah Al-Baqarah (البقرة) ayat 29

2:29
هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي ٱلۡأَرۡضِ جَمِيعٗا ثُمَّ ٱسۡتَوَىٰٓ إِلَى ٱلسَّمَآءِ فَسَوَّىٰهُنَّ سَبۡعَ سَمَٰوَٰتٖۚ وَهُوَ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٞ
Dialah (Allah) yang menciptakan segala apa yang ada di bumi untuk kalian kemudian Dia menuju ke langit, lalu Dia menyempurnakannya menjadi tujuh langit. Dan Dia Maha Mengetahui segala sesuatu
Tanya tentang ayat ini
← Ayat 28Ayat 30 →

Kata per kata

Lafadz, lema, dan akar tiap kata. Klik sebuah kata untuk melihat seluruh ayat yang memakai akar yang sama.

هُوَ
pronomina
ٱلَّذِى
ٱلَّذِى
kata sambung penghubung
خَلَقَ
خَلَقَ
خلق
لَكُم
pronomina
مَّا
مَا
kata sambung penghubung
فِى
فِى
preposisi
ٱلْأَرْضِ
أَرْض
ارض
جَمِيعًا
جَمِيع
جمع
ثُمَّ
ثُمّ
kata sambung
ٱسْتَوَىٰٓ
ٱسْتَوَىٰٓ
سوي
إِلَى
إِلَىٰ
preposisi
ٱلسَّمَآءِ
سَمَآء
سمو
فَسَوَّىٰهُنَّ
سَوَّىٰ
سوي
سَبْعَ
سَبْع
سبع
سَمَٰوَٰتٍ
سَمَآء
سمو
وَهُوَ
pronomina
بِكُلِّ
كُلّ
كلل
شَىْءٍ
شَىْء
شيا
عَلِيمٌ
عَلِيم
علم

Tafsir dalam korpus (86 potongan)

QS 2:29 (jilid 1 hlm. 451) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 451 · #50538
[القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ وعزَّ: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ قال أبو جعفرٍ]: ثم عدَّدَ ربُّنا عليهم، وعلى أوليائِهم من أحبارِ اليهودِ الذين جمَع بينَ قَصَصِهم وقَصصِ المنافقين في كثيرٍ من آيِ هذه السورةِ التي افتَتح الخبرَ عنهم فيها بقولهِ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ - نِعَمَه التي سلَفتْ منه إليهم وإلى آبائِهم، التي عظُمتْ منهم مواقِعُها، ثم سلْبُه كثيرًا منهم كثيرًا منها، بما ركِبوا من الآثامِ، واجتَرَموا من الأجْرامِ، وخالَفوا من الطاعةِ إلى المعصية، محذِّرَهم بذلك تعجيلَ العقوبةِ لهم، كالتي عجَّلها للأسلافِ والأفراطِ قبلَهم، ومخوِّفَهم حُلولَ مَثُلاتِه بساحتِهم، كالذي أحلَّ بأوائلِهم، ومعرِّفَهم ما لهم من النجاةِ في سرعةِ الأوْبةِ إليه وتعجيلِ التوبةِ؛ من الخلاصِ لهم يومَ القيامةِ من العقابِ.
QS 2:29 (jilid 1 hlm. 452) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 452 · #50539
ُلاتِه بساحتِهم، كالذي أحلَّ بأوائلِهم، ومعرِّفَهم ما لهم من النجاةِ في سرعةِ الأوْبةِ إليه وتعجيلِ التوبةِ؛ من الخلاصِ لهم يومَ القيامةِ من العقابِ. فبدأ بعدَ تعديدِه عليهم ما عدَّد من نِعَمِه التي هم فيها مُقيمون بذكرِ أبِينا وأبِيهم آدمَ أبي البشرِ، صلواتُ اللهِ عليه، وما سلَف منه من كرامتِه إليه وآلائِه لدَيه، وما أحلَّ به وبعدوِّه إبليسَ مِن عاجلِ عقوبتِه بمعصيتِهما التي كانت منهما، ومخالفتِهما أمْرَه الذي أمَرهما به، وما كان من تغمُّدِه آدمَ برحمتِه إذْ تاب وأناب إليه، وما كان من إحلالِه بإبليسَ من لعنتِه في العاجِل، وإعدادِه له ما أعدَّ له من العذابِ المقيمِ في الآجلِ، إذِ استكبرَ وأبَى التوبةَ إليه والإنابةَ، مُنبهًا لهم على حُكمِه في المُنيبين إليه بالتوبةِ، وقضائِه في المستكبرِين عن الإنابةِ، إعذارًا من اللهِ بذلك إليهم، وإنذارًا لهم لِيتدبَّروا آياتِه، ولِيَتذَكَّرَ منهم أُولو الألبابِ، وخاصًّا أهلَ الكتابِ بما ذكَر من قصَصِ آدمَ وسائرِ القصصِ التي ذكَرها معها وبعدَها، مما
QS 2:29 (jilid 1 hlm. 452) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 452 · #50540
رًا لهم لِيتدبَّروا آياتِه، ولِيَتذَكَّرَ منهم أُولو الألبابِ، وخاصًّا أهلَ الكتابِ بما ذكَر من قصَصِ آدمَ وسائرِ القصصِ التي ذكَرها معها وبعدَها، مما علِمه أهلُ الكتابِ وجهِلَتْه الأمةُ الأُميةُ مِن مشركِي عَبدَةِ الأوثانِ - بالاحتجاجِ عليهم - دونَ غيرِهم من سائرِ أصنافِ الأممِ الذين لا علْمَ عندَهم بذلك - لنبيِّه محمدٍ ﷺ؛ ليعلموا بإخبارِه إياهم بذلك أنه للهِ رسولٌ مبعوثٌ، وأن ما جاءهم به فمِن عندِه، إذْ كان ما اقتَصَّ عليهم من هذه القصصِ من مكنونِ علومِهم، ومَصونِ ما في كُتبِهم، وخفيِّ أمورِهم، التي لم يكنْ يدَّعِي معرفَةَ عِلْمِها غيرُهم وغيرُ مَن أخَذ عنهم وقرَأ كُتُبَهم.
QS 2:29 (jilid 1 hlm. 452) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 452 · #50541
هذه القصصِ من مكنونِ علومِهم، ومَصونِ ما في كُتبِهم، وخفيِّ أمورِهم، التي لم يكنْ يدَّعِي معرفَةَ عِلْمِها غيرُهم وغيرُ مَن أخَذ عنهم وقرَأ كُتُبَهم. وكان معلومًا من محمدٍ ﷺ أنه لم يكنْ قطُّ كاتبًا، ولا لأسفارِهم تاليًا، ولا لأحدٍ منهم مصاحبًا ولا مجالسًا، فيمكِنَهم أن يَدَّعُوا أنه أخَذ ذلك من كُتبِهم، أو عن بعضِهم، فقال جلَّ ذكرُه في تعدِيدِه عليهم ما هم فيه مقيمون من نِعَمِه مع كفرِهم به، وتركِهم شُكْرَه عليها بما يَجِبُ له عليهم منَ طاعتِهِ: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾. فأخبَرهم جلَّ ذِكْرُه أنه خلَقَ لهم ما في الأرضِ جميعًا؛ لأن الأرضَ وجميعَ ما فيها لبني آدمَ منافعُ، أما في الدِّينِ فدليلٌ على وحدانيةِ ربِّهم، وأما في الدنيا فمعاشٌ وبلاغٌ لهم إلى طاعتهِ، وأداءِ فرائضِه، فلذلك قال جلَّ ثناؤُه: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾.
QS 2:29 (jilid 1 hlm. 453) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 453 · #50542
ِ ربِّهم، وأما في الدنيا فمعاشٌ وبلاغٌ لهم إلى طاعتهِ، وأداءِ فرائضِه، فلذلك قال جلَّ ثناؤُه: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾. وقولُه: ﴿هُوَ﴾ مَكْنِيٌّ من اسمِ اللهِ جلَّ ذِكْرُه، عائدٌ على اسمِه في قولِه: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ﴾. ومعنى خلْقِه ما خَلق جلّ ثناؤُه؛ إنشاؤُه عينَه، وإخراجُه من حالِ العدَمِ إلى الوجودِ. و ﴿مَا﴾ بمعنى "الذي"، فمعنى الكلامِ إذن: كيفَ تكفرون باللهِ وقد كنتم نُطَفًا في أصلابِ آبائِكم، فجعَلكم بشرًا أحياءً، ثم يميتُكم، ثم هو مُحيِيكم بعد ذلك، وباعثُكم يومَ الحشرِ للثوابِ والعقابِ، وهو المنُعمُ عليكم بما خلَق لكم في الأرضِ، من مَعايشِكم وأدِلَّتِكم على وحدانيةِ ربِّكم. و ﴿كَيْفَ﴾ بمعنى التعجبِ والتوبيخِ، لا بمعنى الاستفهامِ، كأنه قال: ويْحَكُمْ كيفَ تكفرون باللهِ!
QS 2:29 (jilid 1 hlm. 454) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 454 · #50543
لأرضِ، من مَعايشِكم وأدِلَّتِكم على وحدانيةِ ربِّكم. و ﴿كَيْفَ﴾ بمعنى التعجبِ والتوبيخِ، لا بمعنى الاستفهامِ، كأنه قال: ويْحَكُمْ كيفَ تكفرون باللهِ! كما قال: ﴿فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ﴾ [التكوير: ٢٦]. وحلَّ قولُه: ﴿وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ﴾ محلَّ الحالِ، وفيه ضميرُ "قد"، ولكنَّها حُذفت لما في الكلامِ من الدليلِ عليها، وذلك أن "فَعل" إذا حلَّت محلَّ الحالِ كان معلومًا أنها مُقتضيةٌ "قد"، كما قال جلَّ ثناؤُه: ﴿أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ﴾ [النساء: ٩٠] يعني: قد حَصِرتْ صدُورُهم. وكما تقولُ للرجلِ: أصبحتَ كَثُرَتْ ماشيتُك. تريدُ: قَدْ كثُرتْ ماشيتُك. وبنحوِ ما قلنا في قولِه: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ كان قتادةُ يقولُ. حدَّثنا بشرٌ، قال: حدَّثنا يزيدُ، قال: حدَّثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾: نَعَمْ واللهِ، سَخَّر لكم ما في الأرضِ.
QS 2:29 (jilid 1 hlm. 454) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 454 · #50544
القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾. اختَلف أهلُ التأويلِ في تأويلِ قولِه: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾؛ فقال بعضُهم: معنى ﴿اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾: أقبلَ عليها. كما تقولُ: كان فلانٌ مُقبلًا على فلانٍ، ثم استوى عليَّ يُشاتمُني، واستوى إليَّ يُشاتمُني. يعني: أقبَل عليَّ وإليَّ يُشاتمُني. واستَشهد على أن معنى الاستواءِ بمعنى الإقبالِ بقولِ الشاعرِ: أقولُ وقد قَطَعْنَ بنا شَرَوْرَى … سَوامِدَ واستوَيْنَ مِنَ الضَّجُوعِ فزعَم أنه عنَى به انّهنَّ خرجْن من الضَّجوعِ، وكان ذلك عنده بمعنى "أقبَلْن". وهذا من التأويلِ في هذا البيتِ خطأٌ، وإنما معنى قولِه: واستوينَ من الضجوعِ - عندي -: استوَيْنَ على الطريقِ من الضَّجُوعِ خارجاتٍ. بمعنى: اسْتقَمْنَ عليه. وقال بعضُهم: لم يكن ذلك من اللهِ جلَّ ذكرُه بتحوُّلٍ، ولكنه يعني فِعْلَه، كما تقولُ: كان الخليفةُ في أهلِ العراقِ يُواليهم، ثم تحوَّلَ إلى أهلِ الشامِ.
QS 2:29 (jilid 1 hlm. 455) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 455 · #50545
ال بعضُهم: لم يكن ذلك من اللهِ جلَّ ذكرُه بتحوُّلٍ، ولكنه يعني فِعْلَه، كما تقولُ: كان الخليفةُ في أهلِ العراقِ يُواليهم، ثم تحوَّلَ إلى أهلِ الشامِ. إنما يريدُ تحوُّلَ فعْلِه. وقال بعضُهم: قولُه: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾ يعني: استوتْ به. كما قال الشاعرُ: أقُولُ لَهُ لَمَّا استوَى في ترابِه … على أيِّ دِينٍ [قَتَّل الناسَ] مُصْعبُ وقال بعضُهم: ﴿اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾: عمَد لها. وقال: كلُّ تاركٍ عملًا كان فيه إلى آخرَ فهو مُستوٍ لما عمَد له ومُستوٍ إليه. وقال بعضُهم: الاستواءُ هو العلوُّ، والعلوُّ هو الارتفاعُ. وممن قال ذلك الربيعُ بنُ أنسٍ، حُدِّثْتُ بذلك عن عمارِ بنِ الحسنِ، قال: حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ بنِ أنسٍ: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾ يقولُ: ارتفعَ إلى السماءِ. ثم اختلَف متأوِّلُو الاستواءِ بمعنى العلوِّ والارتفاعِ في الذي استوَى إلى السماءِ؛ فقال بعضُهم: الذي استوَى إلى السماءِ وعلَا عليها خالِقُها ومُنشِئُها.
QS 2:29 (jilid 1 hlm. 456) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 456 · #50546
اختلَف متأوِّلُو الاستواءِ بمعنى العلوِّ والارتفاعِ في الذي استوَى إلى السماءِ؛ فقال بعضُهم: الذي استوَى إلى السماءِ وعلَا عليها خالِقُها ومُنشِئُها. وقال بعضُهم: بلِ العالي إليها الدخانُ الذي جعَله اللهُ للأرضِ سماءً. قال أبو جعفرٍ: والاستواءُ في كلامِ العربِ منصرِفٌ على وجوهٍ؛ منها: انتهاءُ شبابِ الرجلِ وقوَّتِه، فيقالُ إذا صارَ كذلك: قدِ استوَى الرجلُ. ومنها: استقامةُ ما كان فيه أوَدٌ من الأمورِ والأسبابِ، يقالُ منه: استوَى لفلانٍ أمرُه: إذا استقام له بعدَ أوَدٍ. ومنه قولُ الطِّرِمَّاحِ بنِ حكيمٍ: طال على رسمٍ مُهَدَّدٍ أبَدُهْ … و عفا واسْتَوَى به بَلَدُهْ يعني: استقام به. ومنها: الإقبالُ على الشيْءِ بالفعلِ، كما يقالُ: استوَى فلانٌ على فلانٍ بما يكرهُه ويسوءُه بعدَ الإحسانِ إليه. ومنها: [الاستيلاءُ والاحتواءُ]، كقولِهم: استوَى فلانٌ على المملكةِ. بمعنى: احتوَى عليها وحازَها. ومنها: العلوُّ والارتفاعُ، كقولِ القائلِ: استوَى فلانٌ على سريرِه.
QS 2:29 (jilid 1 hlm. 457) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 457 · #50547
لاءُ والاحتواءُ]، كقولِهم: استوَى فلانٌ على المملكةِ. بمعنى: احتوَى عليها وحازَها. ومنها: العلوُّ والارتفاعُ، كقولِ القائلِ: استوَى فلانٌ على سريرِه. يعني به: عُلوَّه عليه. قال أبو جعفرٍ: وأوْلَى المعاني بقولِ اللهِ: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ﴾: علَا عليهن وارتفَع، فدبَّرهن بقدرتِه وخلَقهنَّ سبعَ سماواتٍ. والعجبُ ممن أنكَرَ المعنى المفهومَ من كلامِ العربِ في تأويلِ قولِ اللهِ: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾ الذي هو بمعنَى العلوِّ والارتفاعِ هَرَبًا عندَ نفسِه من أنْ يلزَمَه بزعمِه - إذا تأوَّله بمعناه المفهومِ كذلك - أن يكونَ إنما علَا وارتفَع بعد أن كان تحتَها، إلى أنْ تأوَّلَه بالمجهولِ من تأويلِه المُسْتَنْكَرِ، ثم لم ينجُ مما هرَب منه، فيقالُ له: أزعَمتَ أن تأويلَ قولِه: ﴿اسْتَوَى﴾: أقبَل، أفكانَ مُدْبرًا عن السماءِ فأقبَل إليها؟ فإن زعَمَ أن ذلك ليس بإقبالِ فعلٍ ولكنه إقبالُ تدبيرٍ. قيلَ له: فكذلك فقلْ: علَا عليها عُلوَّ مُلْكٍ وسلطانٍ لا علوَّ انتقالٍ وزوالٍ.
QS 2:29 (jilid 1 hlm. 457) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 457 · #50548
ءِ فأقبَل إليها؟ فإن زعَمَ أن ذلك ليس بإقبالِ فعلٍ ولكنه إقبالُ تدبيرٍ. قيلَ له: فكذلك فقلْ: علَا عليها عُلوَّ مُلْكٍ وسلطانٍ لا علوَّ انتقالٍ وزوالٍ. ثم لن يقولَ في شيْءٍ من ذلك قولًا إلا أُلزِم في الآخَرِ مثلَه. ولولا أنَّا كرِهنا إطالةَ الكتابِ بما ليس من جنسِه لأَنبأْنا عن فسادِ قولِ كلِّ قائلٍ قال في ذلك قولًا لقولِ أهلِ الحقِّ فيه مخالفًا، وفيما بيَّنا منه ما يُشرِفُ بذي الفهمِ على ما فيه له الكفايةُ إن شاء اللهُ. وإن قال لنا قائلٌ: أخبِرْنا عن استواءِ اللهِ جلَّ وعز إلى السماءِ، كان قبلَ خلْقِ السماءِ أم بعدَه؟ قيل: بعدَه، وقبلَ أن يسوِّيَهن سبعَ سماواتٍ، كما قال جلَّ ثناؤُه: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا﴾ [فصلت: ١١]. فالاستواءُ كان بعد أن خلَقها دخانًا، وقبل أن يسَوِّيَها سبعَ سماواتٍ. وقال بعضُهم: إنما قال: ﴿اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾ ولا سماءَ، كقولِ الرجلِ لآخَرَ: اعمَلْ هذا الثوبَ.
QS 2:29 (jilid 1 hlm. 458) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 458 · #50549
خلَقها دخانًا، وقبل أن يسَوِّيَها سبعَ سماواتٍ. وقال بعضُهم: إنما قال: ﴿اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾ ولا سماءَ، كقولِ الرجلِ لآخَرَ: اعمَلْ هذا الثوبَ. وإنما معه غزلٌ. وأما قولُه: ﴿فَسَوَّاهُنَّ﴾. فإنه يعني: هيَّأَهُنَّ وخلَقهن ودبَّرهن وقوَّمهن. والتسويةُ في كلامِ العربِ التقويمُ والإصلاحُ والتوطئةُ، كما يقالُ: سوَّى فلانٌ لفلانٍ هذا الأمرَ. إذا قوَّمه وأصلَحه ووطَّأَه له، فكذلك تسويةُ اللهِ جلَّ وعز سماواتِه، تَقويمُه إياهن على مشيئتِه، وتدبيرُه لهن على إرادتِه، وتفتيقُهن بعد ارْتِتاقِهن. كما حُدِّثْتُ عن عمارِ بنِ الحسنِ، قال: حدَّثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ بنِ أنسٍ: ﴿فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ يقولُ: سوّى خْلَقَهنّ، ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾. وقال جلّ ذكرُه: ﴿فَسَوَّاهُنَّ﴾.
QS 2:29 (jilid 1 hlm. 458) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 458 · #50550
أبيه، عن الربيعِ بنِ أنسٍ: ﴿فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ يقولُ: سوّى خْلَقَهنّ، ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾. وقال جلّ ذكرُه: ﴿فَسَوَّاهُنَّ﴾. فأخرَج مَكنِيَّهن مُخرجَ مَكْنيِّ الجميعِ، وقد قال قبلُ: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾ فأخرَجها على تقديرِ الواحدِ، وإنما أخرَج مَكنِيَّهن مُخرَجَ مَكْنيِّ الجميعِ؛ لأن السماءَ جمعٌ، واحدُها سماوَةٌ، فتقديرُ واحدتِها وجميعِها إذن تقديرُ بقرةٍ وبقرٍ، ونخلةٍ ونخلٍ، وما أشبهَ ذلك، ولذلك أُنِّثت السماءُ مرةً، فقيل: هذه سماءٌ. وذُكِّرت أُخرى، فقيل: ﴿السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ﴾ [المزمل: ١٨]. كما يُفعَلُ ذلك بالجميعِ الذي لا فرْقَ بينَه وبين واحدِه غيرُ دخولِ الهاءِ وخروجِها، فيقالُ: هذا بقرٌ، وهذه بقرٌ، وهذا نخلٌ، وهذه نخلٌ. وما أشبهَ ذلك. وكان بعضُ أهلِ العربيةِ يزعُمُ أن السماءَ واحدةٌ، غيرَ أنها تدُلُّ على السماواتِ، فقيل: ﴿فَسَوَّاهُنَّ﴾. يُراد بذلك التي ذُكرتْ وما دلَّتْ عليه من سائرِ السماواتِ التي لم تُذكرْ معها.
QS 2:29 (jilid 1 hlm. 459) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 459 · #50551
السماءَ واحدةٌ، غيرَ أنها تدُلُّ على السماواتِ، فقيل: ﴿فَسَوَّاهُنَّ﴾. يُراد بذلك التي ذُكرتْ وما دلَّتْ عليه من سائرِ السماواتِ التي لم تُذكرْ معها. قال: وإنما تُذكَّرُ إذا ذُكِّرتْ وهي مؤنثةٌ، فيقالُ: ﴿السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ﴾. كما يُذَكَّرُ المؤنثُ، وكما قال الشاعرُ: فلا مُزْنةٌ ودَقَتْ وَدْقَها … ولا أرضَ أبْقَلَ إبْقالَها وكما قال أعْشى بني ثعلبةَ: فإمّا تَرَىْ لِمَّتِى بُدِّلَتْ … فإنَّ الحوادثَ أزْرَى بها وقال بعضُهم: السماءُ وإن كانت سماءً فوقَ سماءٍ، وأرضًا فوقَ أرضٍ، فهي في التأويلِ واحدةٌ إن شئتَ، ثم تكونُ تلك الواحدةُ جِماعًا، كما يقالُ: ثوبٌ أخلاقٌ وأسمالٌ، وبُرْمةٌ أعشارٌ. للمتكسِّرَةِ، وبُرْمةٌ أكسارٌ وأجبارٌ.
QS 2:29 (jilid 1 hlm. 459) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 459 · #50552
هي في التأويلِ واحدةٌ إن شئتَ، ثم تكونُ تلك الواحدةُ جِماعًا، كما يقالُ: ثوبٌ أخلاقٌ وأسمالٌ، وبُرْمةٌ أعشارٌ. للمتكسِّرَةِ، وبُرْمةٌ أكسارٌ وأجبارٌ. وأخلاقٌ، أي أنّ نواحيَه أخلاقٌ. فإن قال لنا قائلٌ: فإنك قد قلتَ: إن اللهَ استوَى إلى السماءِ وهي دخانٌ قبل أن يسوِّيَها سبعَ سماواتٍ ثم سوّاها سبعًا [بعد استوائِه إليها]، فكيف زعَمتَ أنها جماعٌ؟ قيل: إنهنَّ كُنَّ سبعًا غيرَ مُستوياتٍ، فلذلك قال تعالى ذكرُه: فسواهنَّ سبعًا. كما حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: حدَّثنا سلمةُ بنُ الفضلِ، قال: قال محمدُ بنُ إسحاقَ: كان أوّلَ ما خلَق اللهُ تعالى ذكرُه النورُ والظلمةُ، ثم ميَّزَ بينَهما فجعَل الظُلمةَ ليلًا أسودَ مُظلمًا، وجعَل النورَ نهارًا مضيئًا مُبصرًا، ثم سمَك السماواتِ السبعَ من دخانٍ، يقالُ - واللهُ أعلمُ -: من دخانِ الماءِ.
QS 2:29 (jilid 1 hlm. 460) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 460 · #50553
ا فجعَل الظُلمةَ ليلًا أسودَ مُظلمًا، وجعَل النورَ نهارًا مضيئًا مُبصرًا، ثم سمَك السماواتِ السبعَ من دخانٍ، يقالُ - واللهُ أعلمُ -: من دخانِ الماءِ. حتى استقلَلْنَ ولم يُحْبَكن، وقد أغطَش في السماءِ الدنيا ليلَها وأخرَج ضُحاها، فجرَى فيها الليلُ والنهارُ، وليس فيها شمسٌ ولا قمرٌ ولا نجومٌ، ثم دحَا الأرضَ فأرْساها بالجبالِ، وقدَّر فيها الأقواتَ، وبثَّ فيها ما أراد من الخَلْقِ، ففرَغ من الأرضِ وما قدَّر فيها من أقواتِها في أربعةِ أيامٍ، ثم استَوى إلى السماءِ وهي دخانٌ، كما قال، فحبَكَهُنَّ، وجعَل في السماءِ الدنيا شمسَها وقمرَها ونجومَها، وأوْحَى في كلِّ سماءٍ أمْرَها، فأكمَل خَلْقَهن في يومين، ففرَغ من خلْقِ السماواتِ والأرضِ في ستةِ أيامٍ، ثم استوَى في اليومِ السابعِ فوقَ سَماواتِه، ثم قال للسّماواتِ والأرضِ: ﴿ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا﴾ لِمَا أردْتُ بكما، فاطمَئِنَّا عليه طوعًا أو كرهًا ﴿قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾.
QS 2:29 (jilid 1 hlm. 461) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 461 · #50554
اواتِه، ثم قال للسّماواتِ والأرضِ: ﴿ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا﴾ لِمَا أردْتُ بكما، فاطمَئِنَّا عليه طوعًا أو كرهًا ﴿قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾. فقد أخبَر ابنُ إسحاقَ أن اللهَ تعالى ذكرُه استوَى إلى السماءِ بعد خلقِه الأرضَ وما فيها وهنّ سبعٌ من دخانٍ، فسَوّاهُنَّ كما وصَف. وإنما استَشهدْنا لقولِنا الذي قُلْنا في ذلك بقولِ ابنِ إسحاقَ؛ لأنه أوضحُ بيانًا عن خبرِ السماواتِ أنهنَّ كن سبعًا من دخانٍ قبلَ استواءِ ربِّنا إليها لتسويتِها - من غيرِه، وأحسنُ شرحًا لما أردْنا الاستدلالَ به، من أن معنى السماءِ التي قال تعالى ذكرُه فيها: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾ بمعنى الجمعِ على ما وصفْنَا، وأنَّه إنما قال جلَّ ثناؤُه: ﴿فَسَوَّاهُنَّ﴾. إذْ كانت السماءُ بمعنى الجمعِ، على ما بيَّنَّا. فإن قال لنا قائلٌ: فما صِفةُ تسويةِ اللهِ السماواتِ التي ذكَرها في قولِه: ﴿فَسَوَّاهُنَّ﴾. إذْ كنَّ قد كنّ خُلِقن سبعًا قبل تسويتِه إياهُنَّ؟
QS 2:29 (jilid 1 hlm. 461) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 461 · #50555
َّنَّا. فإن قال لنا قائلٌ: فما صِفةُ تسويةِ اللهِ السماواتِ التي ذكَرها في قولِه: ﴿فَسَوَّاهُنَّ﴾. إذْ كنَّ قد كنّ خُلِقن سبعًا قبل تسويتِه إياهُنَّ؟ وما وجْهُ ذكْرِ خلْقِهنّ بعد ذكْرِ خلْقِ الأرضِ، أَلأنَّها خُلِقتْ قبلَها أم لمعنًى غيرِ ذلك؟ قيل: قد ذكَرْنا ذلك في الخبرِ الذي رَوَيْناه عن ابنِ إسحاقَ، ونزيدُ ذلك توكيدًا بما نضُمُّ إليه من أخبارِ بعضِ السلفِ المتقدِّمين وأقوالِهم. فحدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: حدَّثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: حدَّثنا أسباطُ، عن السدِّيِّ في خبرٍ ذكَره عن أبي مالكٍ، وعن أبي صالحٍ، عن ابنِ عباسٍ، وعن مُرَّةَ، عن ابنِ مسعودٍ، وعن ناسٍ من أصحابِ النبيِّ ﷺ: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾.
QS 2:29 (jilid 1 hlm. 462) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 462 · #50556
عن ناسٍ من أصحابِ النبيِّ ﷺ: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾. قال: إن اللهَ تعالى ذكرُه كان عرشُه على الماءِ، ولم يخلُقْ شيئًا غيرَ ما خلَق قبلَ الماءِ، فلمَّا أراد أن يَخْلُقَ الخْلقَ أخرَج من الماءِ دخانًا، فارتفَع فوق الماءِ فسَما عليه، فسمّاهُ سماءً، ثم أيبَس الماءَ فجعَله أرضًا واحدةً، ثم فتقَها فجعَل سبعَ أرَضينَ في يومين، في الأحدِ والاثنينِ، فخلَق الأرضَ على حوتٍ، والحوتُ هو النونُ الذي ذكَر اللهُ في القرآن: ﴿ن وَالْقَلَمِ﴾ [القلم: ١]. والحوتُ في الماءِ، والماءُ على ظَهْرِ صَفَاةٍ، والصفاةُ على ظهرِ مَلَكٍ، والمَلَكُ على صخرةٍ، والصخرةُ في الريحِ - وهي الصخرةُ التي ذكَر لقمانُ - ليست في السماءِ ولا في الأرضِ، فتحرَّك الحوتُ فاضطرَب، فتزلزلتِ الأرضُ، فأرْسَى عليها الجبالَ فقرّتْ، فالجبالُ تفخَرُ على الأرضِ، وذلك قولُه: [﴿وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ] رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ [النحل: ١٥].
QS 2:29 (jilid 1 hlm. 462) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 462 · #50557
الأرضُ، فأرْسَى عليها الجبالَ فقرّتْ، فالجبالُ تفخَرُ على الأرضِ، وذلك قولُه: [﴿وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ] رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ [النحل: ١٥]. وخلَق الجبالَ فيها، وأقواتَ أهلِها، وشجرَها، وما ينبغي لها في يومين؛ في الثلاثاءِ والأربعاءِ، وذلك حينَ يقولُ: ﴿أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٩) وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا﴾. يقولُ: أنبتَ شجرَها. ﴿وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا﴾. يقولُ: أقواتَها لأهلِها. ﴿فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ﴾. يقول: [مَن سأل فهكذا] الأمرُ. ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ﴾ [فصلت: ٩ - ١١].
QS 2:29 (jilid 1 hlm. 463) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 463 · #50558
ِها. ﴿فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ﴾. يقول: [مَن سأل فهكذا] الأمرُ. ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ﴾ [فصلت: ٩ - ١١]. وكان ذلك الدخانُ من تنَفُّسِ الماءِ حينَ تنفَّس، فجعَلها سماءً واحدةً، ثم فتقَها فجعَلها سبعَ سماواتٍ في يومين؛ في الخميس والجمُعةِ، وإنما سُمِّيَ يومَ الجمُعةِ لأنه جُمِع فيه خلْقُ السماواتِ والأرضِ، ﴿وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا﴾. قال: خلَق في كلِّ سماءٍ خلْقَها من الملائكةِ والخَلْقِ الذي فيها، من البحارِ وجبالِ البَرَدِ وما لا يُعلَمُ، ئم زيَّنَ السَّماءَ الدُّنْيا بالكواكبِ، فجَعَلها زينةً وحِفْظًا تَحْفَظُ من الشياطيِن، فلمّا فَرَغَ من خلْقِ ما أحبّ، استوَى على العرشِ، فذلك حينَ يقولُ: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾ [الأعراف: ٥٤، يونس: ٣، هود: ٧].
QS 2:29 (jilid 1 hlm. 463) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 463 · #50559
فَرَغَ من خلْقِ ما أحبّ، استوَى على العرشِ، فذلك حينَ يقولُ: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾ [الأعراف: ٥٤، يونس: ٣، هود: ٧]. يقولُ: ﴿كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا﴾ [الأنبياء: ٣٠]. حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزَّاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾. قال: خلَق الأرضَ قبلَ السماءِ، فلمّا خلَق الأرضَ ثارَ منها دخانٌ، فذلك حينَ يقولُ: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾.
QS 2:29 (jilid 1 hlm. 463) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 463 · #50560
قال: خلَق الأرضَ قبلَ السماءِ، فلمّا خلَق الأرضَ ثارَ منها دخانٌ، فذلك حينَ يقولُ: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾. قال: بعضُهن فوقَ بعضٍ، وسبعُ أرَضين بعضُهن تحتَ بعضٍ حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزَّاقِ، قال: أخبَرنا مَعمرٌ، عن قتادةَ في قولهِ: ﴿فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ قال: بعضُهن فوق بعضٍ، بين كلِّ سماءيْن مَسِيرةُ خمسِمائةِ عامٍ. حدَّثني المُثَنَّى بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا أبو صالحٍ، قال: حدَّثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ في قولهِ حيثُ ذكَر خلْقَ الأرضِ قبلَ السماءِ، ثم ذكَر السماءَ قبلَ الأرضِ -: وذلك أن اللهَ خلَق الأرضَ بأقواتِها من غيرِ أن يدْحُوَها قبلَ السماءِ، ثم استوَى إلى السماءِ فسوّاهُنّ سبعَ سماواتٍ، ثم دَحَا الأرضَ بعد ذلك، فذلك قولُه ﷿: ﴿وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا﴾ [النازعات: ٣٠].
QS 2:29 (jilid 1 hlm. 464) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 464 · #50561
بلَ السماءِ، ثم استوَى إلى السماءِ فسوّاهُنّ سبعَ سماواتٍ، ثم دَحَا الأرضَ بعد ذلك، فذلك قولُه ﷿: ﴿وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا﴾ [النازعات: ٣٠]. حدثني المُثَنَّى، قال: حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: حدَّثني أبو معشرٍ، عن سعيدِ بنِ أبي سعيدٍ، عن عبدِ اللهِ بنِ سلامٍ أنه قال: إن اللهَ بدَأ الخلْقَ يومَ الأحدِ، فخلَق الأرَضِين في الأحدِ والاثنينِ، وخلَق الأقواتَ والرواسِيَ في الثلاثاءِ والأربعاءِ، وخلَق السماواتِ في الخميس والجمُعةِ، وفرَغ في آخرِ ساعةٍ من يومِ الجمُعةِ، فخلَق فيها آدمَ على عَجَلٍ، فتلك الساعةُ التي تقومُ فيها الساعةُ. فمعنى الكلامِ إذن: هو الذي أنعَم عليكم، فخلَق لكم ما في الأرضِ جميعًا، وسخَّره لكم، تفضُّلًا منه بذلك عليكم؛ ليكونَ لكم بلاغًا في دنياكم، ومتاعًا إلى موافاةِ آجالِكم، ودليلًا لكُم على وحدانيةِ ربِّكم، ثم علَا إلى السماواتِ السبعِ وهنَّ دخانٌ، فسوّاهن وحَبَكهن، وأجرَى في بعضِهن [شمسَه وقمرَه ونجومَه]، وقدَّر في كلِّ واحدةٍ منهنَّ ما قدَّر من خلْقِه.
QS 2:29 (jilid 1 hlm. 465) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 465 · #50562
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ وعزَّ: ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٩)﴾. يعني تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿وَهُوَ﴾ نفسَه، وبقولِه: ﴿بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ أن الذي خلَقكم وخلَق لكم ما في الأرضِ جميعًا، وسوَّى السماواتِ السبعَ بما فيهن، فأحكَمهن مِن دخانِ الماءِ وأتقَن صُنْعَهن، لا يخفَى عليه أيُّها المنافقون والملحدون والكافرون به مِن أهلِ الكتابِ - ما تُبْدون وما تكتُمون في أنفسِكم، وإن أبدَى منافقوكم بألسِنتِهم قولَهم: ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾. وهم على التكذيبِ به مُنْطَوون، وكذَّبتْ أحبارُكم بما أتاهم به رسولي من الهدَى والنورِ، [وهم] بصحتِه عارِفون، وجحَدوا وكتَموا ما قد أخَذْتُ عليهم تبْيانَه لخلقِي من أمرِ محمدٍ ﷺ[ونُبُوَّتِه] - المواثيقَ، وهم به عالمون، بل أنا عالمٌ بذلك [من أمْرِكم] وغيرِه من أمورِكم وأمورِ غيرِكم؛ أي بكلِّ شيْءٍ عليمٌ. وقولُه: ﴿عَلِيمٌ﴾. بمعنى عالمٍ. ورُوِي عن ابنِ عباسٍ أنه كان يقولُ.
QS 2:29 (jilid 1 hlm. 466) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 466 · #50563
نا عالمٌ بذلك [من أمْرِكم] وغيرِه من أمورِكم وأمورِ غيرِكم؛ أي بكلِّ شيْءٍ عليمٌ. وقولُه: ﴿عَلِيمٌ﴾. بمعنى عالمٍ. ورُوِي عن ابنِ عباسٍ أنه كان يقولُ. هو الذي قد كَمُلَ في علْمِه. حدَّثني المُثَنَّى بن إبراهيمَ، قال: حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: حدَّثني معاويةُ ابنُ صالحٍ، عن عليِّ بنِ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ، قال: العالِمُ الذي قد كَمُلَ في عِلْمِه.
QS 2:29 (jilid 1 hlm. 213) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 1 · hlm. 213 · #80991
﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٩)﴾ لما ذكر تعالى دلالةً مِنْ خَلْقهم وما يشاهدونه من أنفسهم، ذكر دليلا آخر مما يشاهدونه مِنْ خَلْق السماوات والأرض، فقال: (هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ) أي: قصد إلى السماء، والاستواء هاهنا تَضَمَّن معنى القصد والإقبال؛ لأنه عدي بإلى (فَسَوَّاهُنَّ) أي: فخلق السماء سبعًا، والسماء هاهنا اسم جنس، فلهذا قال: (فَسَوَّاهُنَّ). (وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) أي: وعلمه محيط بجميع ما خلق.
QS 2:29 (jilid 1 hlm. 213) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 1 · hlm. 213 · #80992
فَسَوَّاهُنَّ) أي: فخلق السماء سبعًا، والسماء هاهنا اسم جنس، فلهذا قال: (فَسَوَّاهُنَّ). (وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) أي: وعلمه محيط بجميع ما خلق. كما قال: ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ﴾ [الملك: ١٤] وتفصيل هذه الآية في سورة حم السجدة وهو قوله: ﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ * وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ * ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ * فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ [فصلت: ٩ - ١٢].
QS 2:29 (jilid 1 hlm. 213) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 1 · hlm. 213 · #80993
وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ [فصلت: ٩ - ١٢]. ففي هذا دلالة على أنه تعالى ابتدأ بخلق الأرض أولا ثم خلق السماوات سبعًا، وهذا شأن البناء أن يبدأ بعمارة أسافله ثم أعاليه بعد ذلك، وقد صرح المفسرون بذلك، كما سنذكره بعد هذا إن شاء الله. فأما قوله تعالى: ﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا * رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا * وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا * وَالأرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا * أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا * وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا﴾ [النازعات: ٢٧ - ٣٢] فقد قيل: إن (ثُمَّ) هاهنا إنما هي لعطف الخبر على الخبر، لا لعطف الفعل على الفعل، كما قال الشاعر: قل لمن ساد ثم ساد أبوه … ...
QS 2:29 (jilid 1 hlm. 213) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 1 · hlm. 213 · #80994
َا﴾ [النازعات: ٢٧ - ٣٢] فقد قيل: إن (ثُمَّ) هاهنا إنما هي لعطف الخبر على الخبر، لا لعطف الفعل على الفعل، كما قال الشاعر: قل لمن ساد ثم ساد أبوه … ... … ثم قد ساد قبل ذلك جده وقيل: إن الدَّحْىَ كان بعد خلق السماوات، رواه ابن أبي طلحة، عن ابن عباس. وقد قال السدي في تفسيره، عن أبي مالك -وعن أبي صالح عن ابن عباس-وعن مُرّة، عن ابن مسعود، وعن ناس من الصحابة (هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ [وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ]) قال: إن الله ﵎ كان عرشه على الماء، ولم يخلق شيئًا غير ما خلق قبل الماء. فلما أراد أن يخلق الخلق، أخرج من الماء دخانًا، فارتفع فوق الماء فسما عليه، فسماه سماء.
QS 2:29 (jilid 1 hlm. 214) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 1 · hlm. 214 · #80995
لله ﵎ كان عرشه على الماء، ولم يخلق شيئًا غير ما خلق قبل الماء. فلما أراد أن يخلق الخلق، أخرج من الماء دخانًا، فارتفع فوق الماء فسما عليه، فسماه سماء. ثم أيبس الماء فجعله أرضًا واحدة، ثم فتقها فجعلها سبع أرضين في يومين في الأحد والاثنين، فخلق الأرض على حوت، والحوتُ هو النون الذي ذكره الله في القرآن: ﴿ن وَالْقَلَمِ﴾ والحوت في الماء، والماء على ظهر صفاة، والصفاة على ظهر مَلَك، والملك على صخرة، والصخرة في الريح، وهي الصخرة التي ذكر لقمان -ليست في السماء ولا في الأرض، فتحرك الحوت فاضطرب، فتزلزلت الأرض، فأرسى عليها الجبال فَقَرّت، فالجبال تفخر على الأرض، فذلك قوله تعالى: ﴿وَأَلْقَى فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ [النحل: ١٥].
QS 2:29 (jilid 1 hlm. 214) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 1 · hlm. 214 · #80996
زلزلت الأرض، فأرسى عليها الجبال فَقَرّت، فالجبال تفخر على الأرض، فذلك قوله تعالى: ﴿وَأَلْقَى فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ [النحل: ١٥]. وخلق الجبال فيها، وأقواتَ أهلها وشجرها وما ينبغي لها في يومين، في الثلاثاء والأربعاء، وذلك حين يقول: ﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ * وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا﴾ [فصلت: ٩، ١٠]. يقول: أنبت شجرها ﴿وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا﴾ يقول: أقواتها لأهلها ﴿فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ﴾ [فصلت: ١٠] يقول: من سأل فهكذا الأمر.
QS 2:29 (jilid 1 hlm. 214) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 1 · hlm. 214 · #80997
أنبت شجرها ﴿وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا﴾ يقول: أقواتها لأهلها ﴿فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ﴾ [فصلت: ١٠] يقول: من سأل فهكذا الأمر. ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ﴾ [فصلت: ١١] وذلك الدخان من تنفس الماء حين تنفس، فجعلها سماء واحدة، ثم فتقها فجعلها سبع سموات في يومين، في الخميس والجمعة، وإنما سمي يوم الجمعة لأنه جمع فيه خلق السماوات والأرض، ﴿وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا﴾ [فصلت: ١٢] قال: خلق الله في كل سماء خلقها من الملائكة والخلق الذي فيها، من البحار وجبال البَرَد وما لا نعلم، ثم زين السماء الدنيا بالكواكب، فجعلها زينة وحفظًا تُحْفَظُ من الشياطين.
QS 2:29 (jilid 1 hlm. 214) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 1 · hlm. 214 · #80998
سماء خلقها من الملائكة والخلق الذي فيها، من البحار وجبال البَرَد وما لا نعلم، ثم زين السماء الدنيا بالكواكب، فجعلها زينة وحفظًا تُحْفَظُ من الشياطين. فلما فرغ من خلق ما أحب استوى على العرش، فذلك حين يقول: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف: ٥٤] ويقول ﴿كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا﴾ [الأنبياء: ٣٠]. وقال ابن جرير: حدثني المثنى، حدثنا عبد الله بن صالح، حدثني أبو معشر عن سعيد بن أبي سعيد، عن عبد الله بن سلام أنه قال: إن الله بدأ الخلق يوم الأحد، فخلق الأرضين في الأحد والاثنين، وخلق الأقوات والرواسي في الثلاثاء والأربعاء، وخلق السماوات في الخميس والجمعة، وفرغ في آخر ساعة من يوم الجمعة، فخلق فيها آدم على عَجَل، فتلك الساعة التي تقوم فيها الساعة.
QS 2:29 (jilid 1 hlm. 214) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 1 · hlm. 214 · #80999
سي في الثلاثاء والأربعاء، وخلق السماوات في الخميس والجمعة، وفرغ في آخر ساعة من يوم الجمعة، فخلق فيها آدم على عَجَل، فتلك الساعة التي تقوم فيها الساعة. وقال مجاهد في قوله: (هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأرْضِ جَمِيعًا) قال: خلق الله الأرض قبل السماء، فلما خلق الأرض ثار منها دخان، فذلك حين يقول: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ﴾ (فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ) قال: بعضهن فوق بعض، وسبع أرضين، يعني بعضهن تحت بعض. وهذه الآية دالة على أن الأرض خلقت قبل السماء، كما قال في آية السجدة: ﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ * وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ * ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا
QS 2:29 (jilid 1 hlm. 215) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 1 · hlm. 215 · #81000
مٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ * ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ * فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ [فصلت: ٩ - ١٢] فهذه وهذه دالتان على أن الأرض خلقت قبل السماء، وهذا ما لا أعلم فيه نزاعًا بين العلماء إلا ما نقله ابن جرير عن قتادة: أنه زعم أن السماء خلقت قبل الأرض، وقد توقف في ذلك القرطبي في تفسيره لقوله تعالى: ﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا * رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا * وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا * وَالأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا * أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا﴾ [النازعات: ٢٧ - ٣١] قالوا: فذكر خلق السماء قبل الأرض.
QS 2:29 (jilid 1 hlm. 215) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 1 · hlm. 215 · #81001
أَخْرَجَ ضُحَاهَا * وَالأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا * أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا﴾ [النازعات: ٢٧ - ٣١] قالوا: فذكر خلق السماء قبل الأرض. وفي صحيح البخاري: أن ابن عباس سئل عن هذا بعينه، فأجاب بأن الأرض خلقت قبل السماء وأن الأرض إنما دحيت بعد خلق السماء، وكذلك أجاب غير واحد من علماء التفسير قديمًا وحديثًا، وقد قررنا ذلك في تفسير سورة النازعات، وحاصل ذلك أن الدحي مفسر بقوله: ﴿وَالأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا * أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا * وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا﴾ [النازعات: ٣٠ - ٣٢] ففسر الدحي بإخراج ما كان مودعًا فيها بالقوة إلى الفعل لما اكتملت صورة المخلوقات الأرضية ثم السماوية دحى بعد ذلك الأرض، فأخرجت ما كان مودعًا فيها من المياه، فنبتت النباتات على اختلاف أصنافها وصفاتها وألوانها وأشكالها، وكذلك جرت هذه الأفلاك فدارت بما فيها من الكواكب الثوابت والسيارة، والله ﷾ أعلم.
QS 2:29 (jilid 1 hlm. 215) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 1 · hlm. 215 · #81002
ن المياه، فنبتت النباتات على اختلاف أصنافها وصفاتها وألوانها وأشكالها، وكذلك جرت هذه الأفلاك فدارت بما فيها من الكواكب الثوابت والسيارة، والله ﷾ أعلم. وقد ذكر ابن أبي حاتم وابن مردويه في تفسير هذه الآية الحديث الذي رواه مسلم والنسائي في التفسير -أيضًا-من رواية ابن جُرَيج قال: أخبرني إسماعيل بن أمية، عن أيوب بن خالد، عن عبد الله بن رافع مولى أم سلمة، عن أبي هريرة، قال: أخذ رسول الله ﷺ بيدي فقال: "خلق الله التربة يوم السبت، وخلق الجبال فيها يوم الأحد، وخلق الشجر فيها يوم الاثنين، وخلق المكروه يوم الثلاثاء، وخلق النور يوم الأربعاء، وبث فيها الدواب يوم الخميس، وخلق آدم بعد العصر يوم الجمعة من آخر ساعة من ساعات الجمعة، فيما بين العصر إلى الليل". وهذا الحديث من غرائب صحيح مسلم، وقد تكلم عليه علي بن المديني والبخاري وغير واحد من الحفاظ، وجعلوه من كلام كعب، وأن أبا هريرة إنما سمعه من كلام كعب الأحبار، وإنما اشتبه على بعض الرواة فجعلوه مرفوعا، وقد حرر ذلك البيهقي.
QS 2:29 (jilid 1 hlm. 68) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 68 · #95940
قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾ ظاهره: أن ما في الأرض جميعا خلق بالفعل قبل السماء، ولكنه بين في موضع آخر أن المراد بخلقه قبل السماء، تقديره. والعرب تسمي التقدير خلقا كقول زهير: "ولأنت تفرى ما خلقت ... وبعض القوم يخلق ثم لا يفري" وذلك في قوله: ﴿وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا﴾ ثم قال: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾ الآية. •
QS 2:29 (jilid 1 hlm. 378) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 378 · #108727
[سُورَة الْبَقَرَة (٢) : آيَة ٢٩] هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٩) هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً. هَذَا، إِمَّا اسْتِدْلَالٌ ثَانٍ عَلَى شَنَاعَةِ كُفْرِهِمْ بِاللَّهِ تَعَالَى وَعَلَى أَنَّهُ مِمَّا يُقْضَى مِنْهُ الْعَجَبُ فَإِنَّ دَلَائِلَ رُبُوبِيَّةِ اللَّهِ وَوَحْدَانِيَّتِهِ ظَاهِرَةٌ فِي خَلْقِ الْإِنْسَانِ وَفِي خَلْقِ جَمِيعِ مَا فِي الْأَرْضِ فَهُوَ ارْتِقَاءٌ فِي الِاسْتِدْلَالِ بِكَثْرَةِ الْمَخْلُوقَاتِ، وَفَصْلُ الْجُمْلَةِ السَّابِقَةِ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لِمُرَاعَاةِ كَمَالِ الِاتِّصَالِ بَيْنَ الْجُمْلَتَيْنِ لِأَنَّ هَذِهِ كَالنَّتِيجَةِ لِلدَّلِيلِ الْأَوَّلِ لِأَنَّ فِي خَلْقِ الْأَرْضِ وَجَمِيعِ مَا فِيهَا وَفِي كَوْنِ ذَلِكَ لِمَنْفَعَةِ الْبَشَرِ إِكْمَالًا لِإِيجَادِهِمُ الْمُشَارِ إِلَيْهِ بِقَوْلِهِ: وَكُنْتُمْ أَمْواتاً
QS 2:29 (jilid 1 hlm. 378) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 378 · #108728
ْأَرْضِ وَجَمِيعِ مَا فِيهَا وَفِي كَوْنِ ذَلِكَ لِمَنْفَعَةِ الْبَشَرِ إِكْمَالًا لِإِيجَادِهِمُ الْمُشَارِ إِلَيْهِ بِقَوْلِهِ: وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ [الْبَقَرَة: ٢٨] لِأَنَّ فَائِدَةَ الْإِيجَادِ لَا تَكْمُلُ إِلَّا بِإِمْدَادِ الْمَوْجُودِ بِمَا فِيهِ سَلَامَتُهُ مِنْ آلَامِ الْحَاجَةِ إِلَى مُقَوِّمَاتِ وَجُودِهِ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ تَرْكُ الْعَطْفِ لِدَفْعِ أَنْ يُوهِمَ الْعَطْفُ أَنَّ الدَّلِيلَ هُوَ مَجْمُوعُ الْأَمْرَيْنِ فَبِتَرْكِ الْعَطْفِ يُعْلَمُ أَنَّ الدَّلِيلَ الْأَوَّلَ مُسْتَقِلٌّ بِنَفْسِهِ وَفِي الْأَوَّلِ بُعْدٌ وَفِي الثَّانِي مُخَالَفَةُ الْأَصْلِ لِأَنَّ أَصْلَ الْفَصْلِ أَنْ لَا يَكُونَ قَطْعًا عَلَى أَنَّهُ تَوَهُّمٌ لَا يَضِيرُ.
QS 2:29 (jilid 1 hlm. 378) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 378 · #108729
وَفِي الْأَوَّلِ بُعْدٌ وَفِي الثَّانِي مُخَالَفَةُ الْأَصْلِ لِأَنَّ أَصْلَ الْفَصْلِ أَنْ لَا يَكُونَ قَطْعًا عَلَى أَنَّهُ تَوَهُّمٌ لَا يَضِيرُ. وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: هُوَ الَّذِي خَلَقَ امْتِنَانًا عَلَيْهِمْ بِالنِّعَمِ لِتَسْجِيلِ أَنَّ إِشْرَاكَهُمْ كُفْرَانٌ بِالنِّعْمَةِ أُدْمِجَ فِيهِ الِاسْتِدْلَالُ عَلَى أَنَّهُ خَالِقٌ لِمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ حَيَوَانٍ وَنَبَاتٍ وَمَعَادِنَ اسْتِدْلَالًا بِمَا هُوَ نِعْمَةٌ مُشَاهَدَةٌ كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ قَوْلُهُ: لَكُمْ فَيَكُونُ الْفَصْلُ بَيْنَ الْجُمْلَتَيْنِ كَمَا قُرِّرَ آنِفًا، وَلَمْ يُلْتَفَتْ إِلَى مَا فِي هَذِهِ الْجُمْلَةِ مِنْ مُغَايَرَةٍ لِلْجُمْلَةِ الْأَوْلَى بِالِامْتِنَانِ لِأَنَّ مَا أُدْمِجَ فِيهَا مِنَ الِاسْتِدْلَالِ رَجَّحَ اعْتِبَارَ الْفَصْلِ. وَالْخَلْقُ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ [الْبَقَرَة: ٢١] .
QS 2:29 (jilid 1 hlm. 378) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 378 · #108730
لْفَصْلِ. وَالْخَلْقُ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ [الْبَقَرَة: ٢١] . وَالْأَرْضُ اسْمٌ لِلْعَالَمِ الْكُرَوِيِّ الْمُشْتَمِلِ عَلَى الْبَرِّ وَالْبَحْرِ الَّذِي يُعَمِّرُهُ الْإِنْسَانُ وَالْحَيَوَانُ وَالنَّبَاتُ وَالْمَعَادِنُ وَهِيَ الْمَوَالِيدُ الثَّلَاثَةُ وَهَذِهِ الْأَرْضُ هِيَ مَوْجُودٌ كَائِنٌ هُوَ ظَرْفٌ لِمَا فِيهِ مِنْ أَصْنَافِ الْمَخْلُوقَاتِ، وَحَيْثُ إِنَّ الْعِبْرَةَ كَائِنَةٌ فِي مُشَاهَدَةِ الْمَوْجُودَاتِ مِنَ الْمَوَالِيدِ الثَّلَاثَةِ، عُلِّقَ الْخَلْقُ هُنَا بِمَا فِي الْأَرْضِ مِمَّا يَحْتَوِيهِ ظَرْفُهَا مِنْ ظَاهِرِهِ وَبَاطِنِهِ وَلَمْ يُعَلَّقْ بِذَاتِ الْأَرْضِ لِغَفْلَةِ جُلِّ النَّاسِ عَنِ الِاعْتِبَارِ بِبَدِيعِ خَلْقِهَا إِلَّا أَنَّ خَالِقَ الْمَظْرُوفِ جَدِيرٌ بِخَلْقِ الظَّرْفِ إِذِ الظَّرْفُ إِنَّمَا يُقْصَدُ لِأَجْلِ الْمَظْرُوفِ فَلَوْ كَانَ الظَّرْفُ مِنْ غَيْرِ
QS 2:29 (jilid 1 hlm. 378) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 378 · #108731
إِلَّا أَنَّ خَالِقَ الْمَظْرُوفِ جَدِيرٌ بِخَلْقِ الظَّرْفِ إِذِ الظَّرْفُ إِنَّمَا يُقْصَدُ لِأَجْلِ الْمَظْرُوفِ فَلَوْ كَانَ الظَّرْفُ مِنْ غَيْرِ صُنْعِ خَالِقِ الْمَظْرُوفِ لَلَزِمَ إِمَّا تَأَخُّرُ الظَّرْفِ عَنْ مَظْرُوفِهِ وَفِي ذَلِكَ إِتْلَافُ الْمَظْرُوفِ، وَالْمُشَاهَدَةُ تَنْفِي ذَلِكَ، وَإِمَّا تَقَدُّمُ الظَّرْفِ وَذَلِكَ عَبَثٌ. فَاسْتِفَادَةُ أَنَّهُ خَلَقَ الْأَرْضَ مَأْخُوذَةٌ بِطَرِيقِ الْفَحْوَى فَمِنَ الْبَعِيدِ أَنْ يُجَوِّزَ صَاحِبُ «الْكَشَّافِ» أَنْ يُرَادَ بِالْأَرْضِ الْجِهَةُ السُّفْلِيَّةُ كَمَا يُرَادُ بِالسَّمَاءِ الْجِهَةُ الْعُلْوِيَّةُ، وَبُعْدُهُ مِنُُْ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّ الْأَرْضَ لَمْ تُطْلَقْ قَطُّ عَلَى غَيْرِ الْكُرَةِ الْأَرْضِيَّةِ إِلَّا مَجَازًا كَمَا فِي قَوْلِ شَاعِرٍ أَنْشَدَهُ صَاحِبُ «الْمِفْتَاحِ» فِي بَحْثِ التَّعْرِيفِ بِاللَّامِ وَلَمْ يَنْسُبْهُ هُوَ وَلَا شَارِحُوهُ: النَّاسُ أَرْضٌ بِكُلِّ أَرْضٍ ...
QS 2:29 (jilid 1 hlm. 379) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 379 · #108732
عِرٍ أَنْشَدَهُ صَاحِبُ «الْمِفْتَاحِ» فِي بَحْثِ التَّعْرِيفِ بِاللَّامِ وَلَمْ يَنْسُبْهُ هُوَ وَلَا شَارِحُوهُ: النَّاسُ أَرْضٌ بِكُلِّ أَرْضٍ ... وَأَنْتِ مِنْ فَوْقِهِمْ سَمَاءْ بِخِلَافِ السَّمَاءِ أُطْلِقَتْ عَلَى كُلِّ مَا عَلَا فَأَظَلَّ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْأَرْضَ شَيْءٌ مُشَاهَدٌ وَالسَّمَاءُ لَا يُتَعَقَّلُ إِلَّا بِكَوْنِهِ شَيْئًا مُرْتَفِعًا. الثَّانِي عَلَى تَسْلِيمِ الْقِيَاسِ فَإِنَّ السَّمَاءَ لَمْ تُطْلَقْ عَلَى الْجِهَةِ الْعُلْيَا حَتَّى يَصِحَّ إِطْلَاقُ الْأَرْضِ عَلَى الْجِهَةِ السُّفْلَى بَلْ إِنَّمَا تُطْلَقُ السَّمَاءُ عَلَى شَيْءٍ عَالٍ لَا عَلَى نَفْسِ الْجِهَةِ.
QS 2:29 (jilid 1 hlm. 379) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 379 · #108733
عُلْيَا حَتَّى يَصِحَّ إِطْلَاقُ الْأَرْضِ عَلَى الْجِهَةِ السُّفْلَى بَلْ إِنَّمَا تُطْلَقُ السَّمَاءُ عَلَى شَيْءٍ عَالٍ لَا عَلَى نَفْسِ الْجِهَةِ. وَجُمْلَةُ: هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ صِيغَةُ قَصْرٍ وَهُوَ قَصْرٌ حَقِيقِيٌّ سِيقَ لِلْمُخَاطَبِينَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ لَا شَكَّ عِنْدِهِمْ فِي أَنَّ اللَّهَ خَالِقٌ مَا فِي الْأَرْضِ وَلَكِنَّهُمْ نُزِّلُوا مَنْزِلَةَ الْجَاهِلِ بِذَلِكَ فَسِيقَ لَهُمُ الْخَبَرُ الْمَحْصُورُ لِأَنَّهُمْ فِي كُفْرِهِمْ وَانْصِرَافِهِمْ عَنْ شُكْرِهِ وَالنَّظَرِ فِي دَعْوَتِهِ وَعِبَادَتِهِ كَحَالِ مَنْ يَجْهَلُ أَنَّ اللَّهَ خَالِقُ جَمِيعِ الْمَوْجُودَاتِ.
QS 2:29 (jilid 1 hlm. 379) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 379 · #108734
فْرِهِمْ وَانْصِرَافِهِمْ عَنْ شُكْرِهِ وَالنَّظَرِ فِي دَعْوَتِهِ وَعِبَادَتِهِ كَحَالِ مَنْ يَجْهَلُ أَنَّ اللَّهَ خَالِقُ جَمِيعِ الْمَوْجُودَاتِ. وَنَظِيرُ هَذَا قَوْلُهُ: أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ [النَّحْل: ١٧] إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُباباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ [الْحَج: ٧٣] فَإِنَّ الْمُشْرِكِينَ مَا كَانُوا يُثْبِتُونَ لِأَصْنَامِهِمْ قُدْرَةً عَلَى الْخَلْقِ وَإِنَّمَا جَعَلُوهَا شُفَعَاءَ وَوَسَائِطَ وَعَبَدُوهَا وَأَعْرَضُوا عَنْ عِبَادَةِ اللَّهِ حَقَّ عِبَادَتِهِ وَنَسُوا الْخَلْقَ الْمُلْتَصِقَ بِهِمْ وَبِمَا حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَحْيَاءِ وَالْمَقْصُودُ مِنَ الْكَلَامِ فِيمَا أَرَاهُ مُوَافِقًا لِلْبَلَاغَةِ التَّذْكِيرُ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ خَالِقُ الْأَرْضِ وَمَا عَلَيْهَا وَمَا فِي دَاخِلِهَا وَأَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ خَلَقَهُ بِقَدْرِ انْتِفَاعِنَا بِهَا وَبِمَا فِيهَا فِي مُخْتَلَفِ الْأَزْمَانِ
QS 2:29 (jilid 1 hlm. 379) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 379 · #108735
الْأَرْضِ وَمَا عَلَيْهَا وَمَا فِي دَاخِلِهَا وَأَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ خَلَقَهُ بِقَدْرِ انْتِفَاعِنَا بِهَا وَبِمَا فِيهَا فِي مُخْتَلَفِ الْأَزْمَانِ وَالْأَحْوَالِ فَأَوْجَزَ الْكَلَامَ إِيجَازًا بَدِيعًا بِإِقْحَامِ قَوْلِهِ: لَكُمْ فَأَغْنَى عَنْ جُمْلَةٍ كَامِلَةٍ فَالْكَلَامُ مَسُوقٌ مَسَاقَ إِظْهَارِ عَظِيمِ الْقُدْرَةِ وَإِظْهَارِ عَظِيمِ الْمِنَّةِ عَلَى الْبَشَرِ وَإِظْهَارِ عَظِيمِ مَنْزِلَةِ الْإِنْسَانِ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى، وَكُلُّ أُولَئِكَ يَقْتَضِي اقْتِلَاعَ الْكُفْرِ مِنْ نُفُوسِهِمْ. وَفِي هَذِهِ الْآيَةِ فَائِدَتَانِ:
QS 2:29 (jilid 1 hlm. 379) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 379 · #108736
َنْزِلَةِ الْإِنْسَانِ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى، وَكُلُّ أُولَئِكَ يَقْتَضِي اقْتِلَاعَ الْكُفْرِ مِنْ نُفُوسِهِمْ. وَفِي هَذِهِ الْآيَةِ فَائِدَتَانِ: الْأُولَى: أَنَّ لَامَ التَّعْلِيلِ دَلَّتْ عَلَى أَنَّ خَلْقَ مَا فِي الْأَرْضِ كَانَ لِأَجْلِ النَّاسِ وَفِي هَذَا تَعْلِيلٌ لِلْخَلْقِ وَبَيَانٌ لِثَمَرَتِهِ وَفَائِدَتِهِ فَتُثَارُ عَنْهُ مَسْأَلَةُ تَعْلِيلِ أَفْعَالِ اللَّهِ تَعَالَى وَتَعَلُّقِهَا بِالْأَغْرَاضِ وَالْمَسْأَلَةُ مُخْتَلَفٌ فِيهَا بَيْنَ الْمُتَكَلِّمِينَ اخْتِلَافًا يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ لَفْظِيًّا فَإِنَّ جَمِيعَ الْمُسْلِمِينَ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ أَفْعَالَ اللَّهِ تَعَالَى نَاشِئَةٌ عَنْ إِرَادَةٍ وَاخْتِيَارٍ وَعَلَى وَفْقِ عِلْمِهِ وَأَنَّ جَمِيعِهَا مُشْتَمِلٌ عَلَى حِكَمٍ وَمَصَالِحَ وَأَنَّ تِلْكَ الْحِكَمَ هِيَ ثَمَرَاتٌ لِأَفْعَالِهِ تَعَالَى نَاشِئَةٌ عَنْ حُصُولِ الْفِعْلِ فَهِيَ لِأَجَلُُُُِ
QS 2:29 (jilid 1 hlm. 379) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 379 · #108737
ُشْتَمِلٌ عَلَى حِكَمٍ وَمَصَالِحَ وَأَنَّ تِلْكَ الْحِكَمَ هِيَ ثَمَرَاتٌ لِأَفْعَالِهِ تَعَالَى نَاشِئَةٌ عَنْ حُصُولِ الْفِعْلِ فَهِيَ لِأَجَلُُُُِ حُصُولِهَا عِنْدَ الْفِعْلِ تُثْمِرُ غَايَاتٍ، هَذَا كُلُّهُ لَا خِلَافَ فِيهِ وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي أَنَّهَا أَتُوصَفُ بِكَوْنِهَا أغراضا وعللا غائية أَمْ لَا؟ (١) فَأَثْبَتَ ذَلِكَ جَمَاعَةٌ اسْتِدْلَالًا بِمَا وَرَدَ مِنْ نَحْوِ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات:
QS 2:29 (jilid 1 hlm. 380) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 380 · #108738
أَثْبَتَ ذَلِكَ جَمَاعَةٌ اسْتِدْلَالًا بِمَا وَرَدَ مِنْ نَحْوِ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات: ٥٦] ، وَمَنَعَ مِنْ ذَلِكَ أَصْحَابُ الْأَشْعَرِيِّ فِيمَا عَزَاهُ إِلَيْهِمُ الْفَخْرُ فِي «التَّفْسِيرِ» مُسْتَدِلِّينَ بِأَنَّ الَّذِي يُفْعَلُ لِغَرَضٍ يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ مُسْتَفِيدًا مِنْ غَرَضِهِ ذَلِكَ ضَرُورَةَ أَنَّ وُجُودَ ذَلِكَ الْغَرَضِ أَوْلَى بِالْقِيَاسِ إِلَيْهِ مِنْ عَدَمِهِ، فَيَكُونُ مُسْتَفِيدًا مِنْ تِلْكَ الْأَوْلَوِيَّةِ وَيَلْزَمُ مِنْ كَوْنِ ذَلِكَ الْغَرَضِ سَبَبًا فِي فِعْلِهِ أَنْ يَكُونَ هُوَ نَاقِصًا فِي فَاعِلِيَّتِهِ مُحْتَاجًا إِلَى حُصُولِ السَّبَبِ.
QS 2:29 (jilid 1 hlm. 380) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 380 · #108739
وِيَّةِ وَيَلْزَمُ مِنْ كَوْنِ ذَلِكَ الْغَرَضِ سَبَبًا فِي فِعْلِهِ أَنْ يَكُونَ هُوَ نَاقِصًا فِي فَاعِلِيَّتِهِ مُحْتَاجًا إِلَى حُصُولِ السَّبَبِ. وَقَدْ أُجِيبَ بِأَنَّ لُزُومَ الِاسْتِفَادَةِ وَالِاسْتِكْمَالِ إِذَا كَانَتِ الْمَنْفَعَةُ رَاجِعَةً إِلَى الْفَاعِلِ، وَأَمَّا إِذَا كَانَتْ رَاجِعَةً لِلْغَيْرِ كَالْإِحْسَانِ فَلَا، فَرَدَّهُ الْفَخْرُ بِأَنَّهُ إِذَا كَانَ الْإِحْسَانُ أَرْجَحَ مِنْ غَيْرِهِ وَأَوْلَى لَزِمَتِ الِاسْتِفَادَةُ.
QS 2:29 (jilid 1 hlm. 380) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 380 · #108740
ةً لِلْغَيْرِ كَالْإِحْسَانِ فَلَا، فَرَدَّهُ الْفَخْرُ بِأَنَّهُ إِذَا كَانَ الْإِحْسَانُ أَرْجَحَ مِنْ غَيْرِهِ وَأَوْلَى لَزِمَتِ الِاسْتِفَادَةُ. وَهَذَا الرَّدُّ بَاطِلٌ لِأَنَّ الْأَرْجَحِيَّةَ لَا تَسْتَلْزِمُ الِاسْتِفَادَةَ أَبَدًا بَلْ إِنَّمَا تَسْتَلْزِمُ تَعَلُّقَ الْإِرَادَةِ، وَإِنَّمَا تَلْزَمُ الِاسْتِفَادَةُ لَوِ ادَّعَيْنَا التَّعَيُّنَ وَالْوُجُوبَ. وَالْحَاصِلُ أَنَّ الدَّلِيلَ الَّذِي اسْتَدَلُّوا بِهِ يَشْتَمِلُ عَلَى مُقَدِّمَتَيْنِ سُفِسْطَائِيَّتَيْنِ أُولَاهُمَا قَوْلُهُمْ إِنَّهُ لَوْ كَانَ الْفِعْلُ لِغَرَضٍ لَلَزِمَ أَنْ يَكُونَ الْفَاعِلُ مُسْتَكْمِلًا بِهِ وَهَذَا سَفْسَطَةٌ شُبِّهَ فِيهَا الْغَرَضُ النَّافِعُ لِلْفَاعِلِ بِالْغَرَضِ بِمَعْنَى الدَّاعِي إِلَى الْفِعْلِ وَالرَّاجِعُ إِلَى مَا يُنَاسِبُهُ مِنَ الْكَمَالِ لَا تَوَقُّفَ كَمَالِهِ عَلَيْهِ.
QS 2:29 (jilid 1 hlm. 380) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 380 · #108741
فِعُ لِلْفَاعِلِ بِالْغَرَضِ بِمَعْنَى الدَّاعِي إِلَى الْفِعْلِ وَالرَّاجِعُ إِلَى مَا يُنَاسِبُهُ مِنَ الْكَمَالِ لَا تَوَقُّفَ كَمَالِهِ عَلَيْهِ. الثَّانِيَةُ قَوْلُهُمْ إِذَا كَانَ الْفِعْلُ لِغَرَضٍ كَانَ الْغَرَضُ سَبَبًا يَقْتَضِي عَجْزَ الْفَاعِلِ وَهَذَا شُبِّهَ فِيهِ السَّبَبُ الَّذِي هُوَ بِمَعْنَى الْبَاعِثِ بِالسَّبَبِ الَّذِي يَلْزَمُ مِنْ وُجُودِهِ الْوُجُودُ وَمَنْ عَدِمَهِ الْعَدَمُ وَكِلَاهُمَا يُطْلَقُ عَلَيْهِ سَبَبٌ. وَمِنَ الْعَجَائِبِ أَنَّهُمْ يُسَلِّمُونَ أَنَّ أَفْعَالَ اللَّهِ تَعَالَى لَا تَخْلُو عَنِ الثَّمَرَةِ وَالْحِكْمَةِ وَيَمْنَعُونَ أَنْ تَكُونَ تِلْكَ الْحِكَمُ عِلَلًا وَأَغْرَاضًا مَعَ أَنَّ ثَمَرَةَ فِعْلِ الْفَاعِلِ الْعَالِمِ بِكُلِّ شَيْءٍ لَا تَخْلُو مِنْ أَنْ تَكُونَ غَرَضًا لِأَنَّهَا تَكُونُ دَاعِيًا لِلْفِعْلِ ضَرُورَةَ تَحَقُّقِ عِلْمِ الْفَاعِلِ وَإِرَادَتِهِ.
QS 2:29 (jilid 1 hlm. 380) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 380 · #108742
لِمِ بِكُلِّ شَيْءٍ لَا تَخْلُو مِنْ أَنْ تَكُونَ غَرَضًا لِأَنَّهَا تَكُونُ دَاعِيًا لِلْفِعْلِ ضَرُورَةَ تَحَقُّقِ عِلْمِ الْفَاعِلِ وَإِرَادَتِهِ. وَلَمْ أَدْرِ أَيَّ حَرَجٍ نَظَرُوا إِلَيْهِ حِينَ مَنَعُوا تَعْلِيلَ أَفْعَالِ اللَّهِ تَعَالَى وَأَغْرَاضِهَا. وَيَتَرَجَّحُ عِنْدِي أَنَّ هَاتِهِ الْمَسْأَلَةَ اقْتَضَاهَا طَرْدُ الْأُصُولِ فِي الْمُنَاظَرَةِ، فَإِنَّ الْأَشَاعِرَةَ لَمَّا أَنْكَرُوا وُجُوبَ فِعْلِ الصَّلَاحِ وَالْأَصْلَحِ أَوْرَدَ عَلَيْهِمُ الْمُعْتَزِلَةُ أَوْ قَدَّرُوا هُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ أَنْ يُورَدَ عَلَيْهِمْ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يَفْعَلُ شَيْئًا إِلَّا لِغَرَضٍ وَحِكْمَةٍ وَلَا تَكُونُ الْأَغْرَاضُ إِلَّا الْمَصَالِحَ فَالْتَزَمُوا أَنَّ أَفْعَالَ اللَّهِ تَعَالَى لَا تُنَاطُ بِالْأَغْرَاضِ وَلَا يُعَبَّرُ عَنْهَا بالعلل وينبىء عَنْ هَذَا أَنَّهُمْ لَمَّا ذَكَرُوا هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ ذَكَرُوا فِي أَدِلَّتِهِمُ الْإِحْسَانَ لِلْغَيْرِ وَرَعْيَ
QS 2:29 (jilid 1 hlm. 381) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 381 · #108743
يُعَبَّرُ عَنْهَا بالعلل وينبىء عَنْ هَذَا أَنَّهُمْ لَمَّا ذَكَرُوا هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ ذَكَرُوا فِي أَدِلَّتِهِمُ الْإِحْسَانَ لِلْغَيْرِ وَرَعْيَ الْمَصْلَحَةِ. وَهُنَالِكَ سَبَبٌ آخَرُ لِفَرْضِ الْمَسْأَلَةِ وَهُوَ التَّنَزُّهُ عَنْ وَصْفِ أَفْعَالِ اللَّهِ تَعَالَى بِمَا يُوهِمُ الْمَنْفَعَةَ لَهُ أَوْ لِغَيْرِهِ وَكِلَاهُمَا بَاطِلٌ لِأَنَّهُ لَا يَنْتَفِعُ بِأَفْعَالِهِ وَلِأَنَّ الْغَيْرَ قَدْ لَا يَكُونُ فِعْلُ اللَّهِ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ مَنْفَعَةً. هَذَا وَقَدْ نَقَلَ أَبُو إِسْحَاقَ الشَّاطِبِيُّ فِي «الْمُوَافَقَاتِ» عَنْ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ وَالْمُتَكَلِّمِينَ أَنَّ أَحْكَامَ اللَّهِ تَعَالَى مُعَلَّلَةٌ بِالْمَصَالِحِ وَدَرْءِ الْمَفَاسِدِ، وَقَدْ جَمَعَ الْأَقْوَالَ الشَّيْخُ ابْنُ عَرَفَةَ فِي «تَفْسِيرِهِ» فَقَالَ: «هَذَا هُوَ تَعْلِيلُ أَفْعَالِ اللَّهِ تَعَالَى وَفِيهِ خِلَافٌ وَأَمَّا أَحْكَامُهُ فَمُعَلَّلَةٌ» .
QS 2:29 (jilid 1 hlm. 381) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 381 · #108744
ّيْخُ ابْنُ عَرَفَةَ فِي «تَفْسِيرِهِ» فَقَالَ: «هَذَا هُوَ تَعْلِيلُ أَفْعَالِ اللَّهِ تَعَالَى وَفِيهِ خِلَافٌ وَأَمَّا أَحْكَامُهُ فَمُعَلَّلَةٌ» . الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أَخَذُوا مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً أَنَّ أَصْلَ اسْتِعْمَالِ الْأَشْيَاءِ فِيمَا يُرَادُ لَهُ مِنْ أَنْوَاعِ الِاسْتِعْمَالِ هُوَ الْإِبَاحَةُ حَتَّى يَدُلَّ دَلِيلٌ عَلَى عَدَمِهَا لِأَنَّهُ جَعَلَ مَا فِي الْأَرْضِ مَخْلُوقًا لِأَجْلِنَا وَامْتَنَّ بِذَلِكَ عَلَيْنَا وَبِذَلِكَ قَالَ الْإِمَامُ الرَّازِيُّ وَالْبَيْضَاوِيُّ وَصَاحِبُ «الْكَشَّافِ» وَنُسِبَ إِلَى الْمُعْتَزِلَةِ وَجَمَاعَةٍ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَفِيَّةِ مِنْهُمُ الْكَرْخِيُّ وَنُسِبَ إِلَى الشَّافِعِيِّ.
QS 2:29 (jilid 1 hlm. 381) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 381 · #108745
بُ «الْكَشَّافِ» وَنُسِبَ إِلَى الْمُعْتَزِلَةِ وَجَمَاعَةٍ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَفِيَّةِ مِنْهُمُ الْكَرْخِيُّ وَنُسِبَ إِلَى الشَّافِعِيِّ. وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَجُمْهُورُ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمُعْتَزِلَةُ فِي نَقْلِ ابْنِ عَرَفَةَ إِلَى أَنَّ الْأَصْلَ فِي الْأَشْيَاءِ الْوَقْفُ وَلَمْ يَرَوُا الْآيَةَ دَلِيلًا قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ فِي «أَحْكَامِهِ» : «إِنَّمَا ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ فِي مَعْرِضِ الدَّلَالَةِ وَالتَّنْبِيهِ عَلَى طَرِيقِ الْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ وَتَصْرِيفِ الْمَخْلُوقَاتِ بِمُقْتَضَى التَّقْدِيرِ وَالْإِتْقَانِ بِالْعِلْمِ» إِلَخْ. وَالْحَقُّ أَنَّ الْآيَةَ مُجْمَلَةٌ قُصِدَ مِنْهَا التَّنْبِيهُ عَلَى قُدْرَةِ الْخَالِقِ بِخَلْقِ مَا فِي الْأَرْضِ وَأَنَّهُ
QS 2:29 (jilid 1 hlm. 381) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 381 · #108746
ِ بِالْعِلْمِ» إِلَخْ. وَالْحَقُّ أَنَّ الْآيَةَ مُجْمَلَةٌ قُصِدَ مِنْهَا التَّنْبِيهُ عَلَى قُدْرَةِ الْخَالِقِ بِخَلْقِ مَا فِي الْأَرْضِ وَأَنَّهُ خُلِقَ لِأَجْلِنَا إِلَّا أَنَّ خَلْقَهُ لِأَجْلِنَا لَا يَسْتَلْزِمُ إِبَاحَةَ اسْتِعْمَالِهِ فِي كُلِّ مَا يُقْصَدُ مِنْهُ بَلْ خُلِقَ لَنَا فِي الْجُمْلَةِ، عَلَى أَنَّ الِامْتِنَانَ يَصْدُقُ إِذَا كَانَ لِكُلٍّ مِنَ النَّاسِ بَعْضٌ مِمَّا فِي الْعَالَمِ بِمَعْنَى أَنَّ الْآيَةَ ذَكَرَتْ أَنَّ الْمَجْمُوعَ لِلْمَجْمُوعِ لَا كُلُّ وَاحِدٍ لِكُلِّ وَاحِدٍ كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ الْبَيْضَاوِيّ لَا سِيمَا وَقَدْ خَاطَبَ اللَّهُ بِهَا قَوْمًا كَافِرِينَ مُنْكِرًا عَلَيْهِمْ كُفْرَهُمْ فَكَيْفَ يَعْلَمُونَ إِبَاحَةً أَوْ مَنْعًا، وَإِنَّمَا مَحَلُّ الْمَوْعِظَةِ هُوَ مَا خَلَقَهُ اللَّهُ مِنَ الْأَشْيَاءِ الَّتِي لَمْ يَزَلِ النَّاسُ يَنْتَفِعُونَ بِهَا مِنْ وُجُوهٍ مُتَعَدِّدَةٍ.
QS 2:29 (jilid 1 hlm. 381) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 381 · #108747
ِنَّمَا مَحَلُّ الْمَوْعِظَةِ هُوَ مَا خَلَقَهُ اللَّهُ مِنَ الْأَشْيَاءِ الَّتِي لَمْ يَزَلِ النَّاسُ يَنْتَفِعُونَ بِهَا مِنْ وُجُوهٍ مُتَعَدِّدَةٍ. وَذَهَبَ جَمَاعَةٌ إِلَى أَنَّ أَصْلَ الْأَشْيَاءِ الْحَظْرُ وَنُقِلَ عَنْ بَعْضِ أَهْلِ الْحَدِيثِ وَبَعْضِ الْمُعْتَزِلَةِ فَلِلْمُعْتَزِلَةِ الْأَقْوَالُ الثَّلَاثَةُ كَمَا قَالَ الْقُرْطُبِيُّ. قَالَ الْحَمَوِيُّ فِي «شَرْحِ كِتَابِ الْأَشْبَاهِ» لِابْنِ نُجَيْمٍ نَقْلًا عَنِ الْإِمَامِ الرَّازِيِّ وَإِنَّمَا تَظْهَرُ ثَمَرَةُ الْمَسْأَلَةِ فِي حُكْمِ الْأَشْيَاءِ أَيَّامَ الْفَتْرَةِ قَبْلَ النُّبُوَّةِ أَيْ فِيمَا ارْتَكَبَهُ النَّاسُ مِنْ تَنَاوُلِ الشَّهَوَاتِ وَنَحْوِهَا وَلِذَلِكَ كَانَ الْأَصَحُّ أَنَّ الْأَمْرَ مَوْقُوفٌ وَأَنَّهُ لَا وَصْفَ لِلْأَشْيَاءِ يَتَرَتَّبُ مِنْ أَجْلِهِ عَلَيْهَا الثَّوَابُ وَالْعِقَابُ.
QS 2:29 (jilid 1 hlm. 382) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 382 · #108748
وَلِذَلِكَ كَانَ الْأَصَحُّ أَنَّ الْأَمْرَ مَوْقُوفٌ وَأَنَّهُ لَا وَصْفَ لِلْأَشْيَاءِ يَتَرَتَّبُ مِنْ أَجْلِهِ عَلَيْهَا الثَّوَابُ وَالْعِقَابُ. وَعِنْدِي أَنَّ هَذَا لَا يَحْتَاجُ الْعُلَمَاءُ إِلَى فَرْضِهِ لِأَنَّ أَهْلَ الْفَتْرَةِ لَا شَرْعَ لَهُمْ وَلَيْسَ لِأَفْعَالِهِمْ أَحْكَامٌ إِلَّا فِي وُجُوبِ التَّوْحِيدِ عِنْدَ قَوْمٍ، وَأَمَّا بَعْدَ وُرُودِ الشَّرْعِ فَقَدْ أَغْنَى الشَّرْعُ عَنْ ذَلِكَ فَإِنْ وُجِدَ فِعْلٌ لَمْ يَدُلَّ عَلَيْهِ دَلِيلٌ مِنْ نَصٍّ أَوْ قِيَاسٍ أَوِ اسْتِدْلَالٍ صَحِيحٍ فَالصَّحِيحُ أَنَّ أَصْلَ الْمَضَارِّ التَّحْرِيمُ وَالْمَنَافِعِ الْحِلُّ وَهَذَا الَّذِي اخْتَارَهُ الْإِمَامُ فِي «الْمَحْصُولِ» فَتَصِيرُ لِلْمَسْأَلَةِ ثَمَرَةٌ بِاعْتِبَارِ هَذَا النَّوْعِ مِنَ الْحَوَادِثِ فِي الْإِسْلَامِ. ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ.
QS 2:29 (jilid 1 hlm. 382) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 382 · #108749
تِبَارِ هَذَا النَّوْعِ مِنَ الْحَوَادِثِ فِي الْإِسْلَامِ. ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ. انْتِقَالٌ مِنَ الِاسْتِدْلَالِ بِخَلْقِ الْأَرْضِ وَمَا فِيهَا وَهُوَ مِمَّا عِلْمُهُ ضَرُورِيٌّ لِلنَّاسِ، إِلَى الِاسْتِدْلَالِ بِخَلْقِ مَا هُوَ أَعْظَمُ مِنْ خَلْقِ الْأَرْضِ وَهُوَ أَيْضًا قَدْ يُغْفَلُ عَنِ النَّظَرِ فِي الِاسْتِدْلَالِ بِهِ عَلَى وُجُودِ اللَّهِ، وَذَلِكَ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ، وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ هَذَا الِانْتِقَالُ اسْتِطْرَادًا لِإِكْمَالِ تَنْبِيهِ النَّاسِ إِلَى عَظِيمِ الْقُدْرَةِ. وَعَطَفَتْ (ثُمَّ) جُمْلَةَ (اسْتَوَى) عَلَى جُمْلَةِ خَلَقَ لَكُمْ.
QS 2:29 (jilid 1 hlm. 382) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 382 · #108750
ْتِقَالُ اسْتِطْرَادًا لِإِكْمَالِ تَنْبِيهِ النَّاسِ إِلَى عَظِيمِ الْقُدْرَةِ. وَعَطَفَتْ (ثُمَّ) جُمْلَةَ (اسْتَوَى) عَلَى جُمْلَةِ خَلَقَ لَكُمْ. وَلِدَلَالَةِ (ثُمَّ) عَلَى التَّرْتِيبِ وَالْمُهْلَةِ فِي عَطْفِ الْمُفْرَدِ عَلَى الْمُفْرَدِ كَانَتْ فِي عَطْفِ الْجُمْلَةِ عَلَى الْجُمْلَةِ لِلْمُهْلَةِ فِي الرُّتْبَةِ وَهِيَ مُهْلَةٌ تَخْيِيلِيَّةٌ فِي الْأَصْلِ تُشِيرُ إِلَى أَنَّ الْمَعْطُوفَ بِثُمَّ أَعْرَقُ فِي الْمَعْنَى الَّذِي تَتَضَمَّنُهُ الْجُمْلَةُ الْمَعْطُوفُ عَلَيْهَا حَتَّى كَأَنَّ الْعَقْلَ يَتَمَهَّلُ فِي الْوُصُولِ إِلَيْهِ بَعْدَ الْكَلَامِ الْأَوَّلِ فَيَنْتَبِهُ السَّامِعُ لِذَلِكَ كَيْ لَا يَغْفُلَ عَنْهُ بِمَا سَمِعَ مِنَ الْكَلَامِ السَّابِقِ، وَشَاعَ هَذَا الِاسْتِعْمَالُ حَتَّى صَارَ كَالْحَقِيقَةِ، وَيُسَمَّى ذَلِكَ بالترتيب الرتبي وبترتب الْإِخْبَارِ (بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ) كَقَوْلِهِ تَعَالَى:
QS 2:29 (jilid 1 hlm. 382) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 382 · #108751
َ هَذَا الِاسْتِعْمَالُ حَتَّى صَارَ كَالْحَقِيقَةِ، وَيُسَمَّى ذَلِكَ بالترتيب الرتبي وبترتب الْإِخْبَارِ (بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ) كَقَوْلِهِ تَعَالَى: فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ وَما أَدْراكَ مَا الْعَقَبَةُ فَكُّ رَقَبَةٍ [الْبَلَد: ١١- ١٣] إِلَى أَنْ قَالَ: ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا [الْبَلَد: ١٧] فَإِنَّ قَوْلَهُ: فَكُّ رَقَبَةٍ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ وَلَمَّا كَانَ ذِكْرُ هَاتِهِ الْأُمُورِ الَّتِي يَعِزُّ إِيفَاؤُهَا حَقَّهَا مِمَّا يُغْفِلُ السَّامِعَ عَنْ أَمْرٍ آخَرَ عَظِيمٍ نُبِّهَ عَلَيْهِ بِالْعَطْفِ بِثُمَّ لِلْإِشَارَةِ إِلَى أَنَّهُ آكَدُ وَأَهَمُّ، وَمِنْهُ قَوْلُ طَرَفَةَ بْنِ الْعَبْدِ يَصِفُ رَاحِلَتَهُ: جَنُوحٌ دِفَاقٌ عَنْدَلٌ ثُمَّ أُفْرِعَتْ ...
QS 2:29 (jilid 1 hlm. 382) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 382 · #108752
ِلْإِشَارَةِ إِلَى أَنَّهُ آكَدُ وَأَهَمُّ، وَمِنْهُ قَوْلُ طَرَفَةَ بْنِ الْعَبْدِ يَصِفُ رَاحِلَتَهُ: جَنُوحٌ دِفَاقٌ عَنْدَلٌ ثُمَّ أُفْرِعَتْ ... لَهَا كَتِفَاهَا فِي مُعَالًى مُصَعَّدِ (١) فَإِنَّهُُُ لَمَّا ذَكَرَ مِنْ مَحَاسِنِهَا جُمْلَةً نَبَّهَ عَلَى وَصْفٍ آخَرَ أَهَمَّ فِي صِفَاتِ عُنُقِهَا وَهُوَ طُولُ قَامَتِهَا قَالَ الْمَرْزُوقِيُّ فِي «شَرْحِ الْحَمَاسَةِ» فِي شَرْحِ قَوْلِ جَعْفَرِ بْنِ عُلْبَةَ الْحَارِثِيِّ (١) : لَا يَكْشِفُ الْغَمَّاءَ إِلَّا ابْنُ حَرَّةَ ... يَرَى غَمَرَاتِ الْمَوْتِ ثُمَّ يَزُورُهَا إِنَّ ثُمَّ وَإِنْ كَانَ فِي عَطْفِهِ الْمُفْرَدَ عَلَى الْمُفْرَدِ يَدُلُّ عَلَى التَّرَاخِي فَإِنَّهُ فِي عَطْفِهِ الْجُمْلَةَ عَلَى الْجُمْلَةِ لَيْسَ كَذَلِكَ وَذَكَرَ قَوْلَهُ تَعَالَى: ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا اهـ.
QS 2:29 (jilid 1 hlm. 383) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 383 · #108753
ى التَّرَاخِي فَإِنَّهُ فِي عَطْفِهِ الْجُمْلَةَ عَلَى الْجُمْلَةِ لَيْسَ كَذَلِكَ وَذَكَرَ قَوْلَهُ تَعَالَى: ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا اهـ. وَإِفَادَةُ التَّرَاخِي الرُّتْبِيِّ هُوَ الْمُعْتَبَرُ فِي عَطْفِ ثُمَّ لِلْجُمَلِ سَوَاءٌ وَافَقَتِ التَّرْتِيبَ الْوُجُودِيَّ مَعَ ذَلِكَ أَوْ كَانَ مَعْطُوفُهَا مُتَقَدِّمًا فِي الْوُجُودِ وَقَدْ جَاءَ فِي الْكَلَامِ الْفَصِيحِ مَا يَدُلُّ عَلَى مَعْنَى الْبَعْدِيَّةِ مُرَادًا مِنْهُ الْبَعْدِيَّةُ فِي الرُّتْبَةِ وَإِنْ كَانَ عَكْسَ التَّرْتِيبِ الْوُجُودِيِّ فَتَكُونُ الْبَعْدِيَّةُ مَجَازِيَّةً مَبْنِيَّةً عَلَى تَشْبِيهِ الْبَوْنِ الْمَعْنَوِيِّ بِالْبُعْدِ الْمَكَانِيِّ أَوِ الزَّمَانِيِّ وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ عُتُلٍّ بَعْدَ ذلِكَ زَنِيمٍ [الْقَلَم: ١١- ١٣] فَإِنَّ كَوْنَهُ عُتُلًّا وَزَنِيمًا أَسَبَقُ فِي الْوُجُودِ مِنْ كَوْنِهِ هَمَّازًا مَشَّاءً بِنَمِيمٍ
QS 2:29 (jilid 1 hlm. 383) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 383 · #108754
ُتُلٍّ بَعْدَ ذلِكَ زَنِيمٍ [الْقَلَم: ١١- ١٣] فَإِنَّ كَوْنَهُ عُتُلًّا وَزَنِيمًا أَسَبَقُ فِي الْوُجُودِ مِنْ كَوْنِهِ هَمَّازًا مَشَّاءً بِنَمِيمٍ لِأَنَّهُمَا صِفَتَانِ ذَاتِيَّتَانِ بِخِلَافِ هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاهُ وَجِبْرِيلُ وَصالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذلِكَ ظَهِيرٌ [التَّحْرِيم: ٤] . فَإِذَا تَمَحَّضَتْ ثُمَّ لِلتَّرَاخِي الرُّتْبِيِّ حُمِلَتْ عَلَيْهِ وَإِنِ احْتَمَلَتْهُ مَعَ التَّرَاخِي الزَّمَنِيِّ فَظَاهِرُ قَوْلِ الْمَرْزُوقِيِّ: «فَإِنَّهُ فِي عَطْفِ الْجُمْلَةِ لَيْسَ كَذَلِكَ» إِنَّهُ لَا يَحْتَمِلُ حِينَئِذٍ التَّرَاخِيَ الزَّمَنِيَّ. وَلَكِنْ يَظْهَرُ جَوَازُ الِاحْتِمَالَيْنِ وَذَلِكَ حَيْثُ يَكُونُ الْمَعْطُوفُ بِهَا مُتَأَخِّرًا فِي الْحُصُولِ عَلَى مَا قَبْلَهَا وَهُوَ مَعَ ذَلِك أهم كَمَا فِي بَيْتِ جَعْفَرِ بْنِ عُلْبَةَ.
QS 2:29 (jilid 1 hlm. 383) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 383 · #108755
لِكَ حَيْثُ يَكُونُ الْمَعْطُوفُ بِهَا مُتَأَخِّرًا فِي الْحُصُولِ عَلَى مَا قَبْلَهَا وَهُوَ مَعَ ذَلِك أهم كَمَا فِي بَيْتِ جَعْفَرِ بْنِ عُلْبَةَ. قُلْتُ وَهُوَ إِمَّا مَجَازٌ مُرْسَلٌ أَوْ كِنَايَة، فَإِن أَلْقَت (ثُمَّ) وَأُرِيدَ مِنْهَا لَازِمُ التَّرَاخِي وَهُوَ الْبُعْدُ التَّعْظِيمِيُّ كَمَا أُرِيدَ التَّعْظِيمُ مِنِ اسْمِ الْإِشَارَةِ الْمَوْضُوعِ لِلْبَعِيدِ، وَالْعَلَاقَةُ وَإِنْ كَانَتْ بَعِيدَةً إِلَّا أَنَّهَا لِشُهْرَتِهَا فِي كَلَامِهِمْ وَاسْتِعْمَالِهِمْ وَمَعَ الْقَرَائِنِ لَمْ يَكُنْ هَذَا الِاسْتِعْمَالُ مَرْدُودًا.
QS 2:29 (jilid 1 hlm. 383) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 383 · #108756
ْ كَانَتْ بَعِيدَةً إِلَّا أَنَّهَا لِشُهْرَتِهَا فِي كَلَامِهِمْ وَاسْتِعْمَالِهِمْ وَمَعَ الْقَرَائِنِ لَمْ يَكُنْ هَذَا الِاسْتِعْمَالُ مَرْدُودًا. وَاعْلَمْ أَنِّي تَتَبَّعْتُ هَذَا الِاسْتِعْمَالَ فِي مَوَاضِعِهِ فَرَأَيْتُهُ أَكْثَرَ مَا يَرِدُ فِيمَا إِذَا كَانَتِ الْجُمَلُ إِخْبَارًا عَنْ مُخْبَرٍ عَنْهُ وَاحِدٍ بِخِلَافِ مَا إِذَا اخْتَلَفَ الْمُخْبَرُ عَنْهُ فَإِنَّ (ثُمَّ) تَتَعَيَّنُ لِلْمُهْلَةِ الزَّمَنِيَّةِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِماءَكُمْ إِلَى قَوْلِهِ: ثُمَّ أَنْتُمْ هؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ [الْبَقَرَة: ٨٤، ٨٥] أَيْ بَعْدَ أَنْ أَخَذْنَا الْمِيثَاقَ بِأَزْمَانٍ صِرْتُمْ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَنَحْوَ قَوْلِكَ: مَرَّتْ كَتِيبَةُ الْأَنْصَارِ ثُمَّ مَرَّتْ كَتِيبَةُ الْمُهَاجِرِينَ.
QS 2:29 (jilid 1 hlm. 384) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 384 · #108757
ا الْمِيثَاقَ بِأَزْمَانٍ صِرْتُمْ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَنَحْوَ قَوْلِكَ: مَرَّتْ كَتِيبَةُ الْأَنْصَارِ ثُمَّ مَرَّتْ كَتِيبَةُ الْمُهَاجِرِينَ. فَأَمَّا هَذِهِ الْآيَةُ فَإِنَّهُ إِذَا كَانَتِ السَّمَاوَاتُ مُتَأَخِّرًا خَلْقُهَا عَنْ خَلْقِ الْأَرْضِ فَثُمَّ لِلتَّرَاخِي الرُّتْبِيِّ لَا مَحَالَةَ مَعَ التَّرَاخِي الزَّمَنِيِّ وَإِنْ كَانَ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ سَابِقًا فَثُمَّ لِلتَّرْتِيبِ الرُّتْبِيِّ لَا غَيْرَ. وَالظَّاهِرُ هُوَ الثَّانِي.
QS 2:29 (jilid 1 hlm. 384) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 384 · #108758
مَعَ التَّرَاخِي الزَّمَنِيِّ وَإِنْ كَانَ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ سَابِقًا فَثُمَّ لِلتَّرْتِيبِ الرُّتْبِيِّ لَا غَيْرَ. وَالظَّاهِرُ هُوَ الثَّانِي. وَقَدْ جَرَى اخْتِلَافٌ بَيْنَ عُلَمَاءِ السَّلَفِ فِي مُقْتَضَى الْأَخْبَارِ الْوَارِدَةِ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَقَالَ الْجُمْهُورُ مِنْهُمْ مُجَاهِدٌ وَالْحَسَنُ وَنُسِبَ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ إِنَّ خَلْقَ الْأَرْضِ مُتَقَدِّمٌ عَلَى خَلْقِ السَّمَاءِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى هُنَا: ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَقَوْلِهِ فِي سُورَةِ حم السَّجْدَة [٩- ١١] : قُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ إِلَى أَنْ قَالَ: ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ. وَقَالَ قَتَادَةُ وَالسُّدِّيُّ وَمُقَاتِلٌ إِنْ خَلْقَ السَّمَاءَ مُتَقَدِّمٌ وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: بَناها رَفَعَ سَمْكَها فَسَوَّاها إِلَى قَوْلِهِ: وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها [النازعات: ٢٧- ٣٠] .
QS 2:29 (jilid 1 hlm. 384) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 384 · #108759
مُتَقَدِّمٌ وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: بَناها رَفَعَ سَمْكَها فَسَوَّاها إِلَى قَوْلِهِ: وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها [النازعات: ٢٧- ٣٠] . وَقَدْ أُجِيبَ بِأَنَّ الْأَرْضَ خُلِقَتْ أَوَّلًا ثُمَّ خُلِقَتِ السَّمَاءُ ثُمَّ دُحِيَتِ الْأَرْضُ فَالْمُتَأَخِّرُ عَنْ خَلْقِ السَّمَاءِ هُوَ دَحْوُ الْأَرْضِ، عَلَى مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ عُلَمَاءُ طَبَقَاتِ الْأَرْضِ مِنْ أَنَّ الْأَرْضَ كَانَتْ فِي غَايَةِ الْحَرَارَةِ ثُمَّ أَخَذَتْ تَبْرُدُ حَتَّى جَمَدَتْ وَتَكَوَّنَتْ مِنْهَا قِشْرَةٌ جَامِدَةٌ ثُمَّ تَشَقَّقَتْ وَتَفَجَّرَتْ وَهَبَطَتْ مِنْهَا أَقْسَامٌ وَعَلَتْ أَقْسَامٌ بِالضَّغْطِ إِلَّا أَنَّ عُلَمَاءَ طَبَقَاتِ الْأَرْضِ يُقَدِّرُونَ لِحُصُولِ ذَلِكَ أَزْمِنَةً مُتَنَاهِيَةَ الطُّولِ وَقُدْرَةُ اللَّهِ صَالِحَةٌ لِإِحْدَاثِ مَا يَحْصُلُ بِهِ ذَلِكَ التَّقَلُّبُ فِي أَمَدٍ قَلِيلٍ بِمُقَارَنَةِ حَوَادِثِ تَعَجُّلِ انْقِلَابِ الْمَخْلُوقَاتِ عَمَّا هِيَ عَلَيْهِ.
QS 2:29 (jilid 1 hlm. 384) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 384 · #108760
ِإِحْدَاثِ مَا يَحْصُلُ بِهِ ذَلِكَ التَّقَلُّبُ فِي أَمَدٍ قَلِيلٍ بِمُقَارَنَةِ حَوَادِثِ تَعَجُّلِ انْقِلَابِ الْمَخْلُوقَاتِ عَمَّا هِيَ عَلَيْهِ. وَأَرْجَحُ الْقَوْلَيْنِ هُوَ أَنَّ السَّمَاءَ خُلِقَتْ قَبْلَ الْأَرْضِ لِأَنَّ لَفْظَ بَعْدَ ذلِكَ أَظْهَرُ فِي إِفَادَةِ التَّأَخُّرِ مِنْ قَوْلِهِ: ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَلِأَنَّ أَنْظَارَ عُلَمَاءِ الْهَيْئَةِ تَرَى أَنَّ الْأَرْضَ كُرَةٌ انْفَصَلَتْ عَنِ الشَّمْسِ كَبَقِيَّةِ الْكَوَاكِبِ السَّيَّارَةِ مِنَ النِّظَامِ الشَّمْسِيِّ. وَظَاهِرُ سِفْرِ التَّكْوِينِ يَقْتَضِي أَنَّ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ مُتَقَدَّمٌ عَلَى الْأَرْضِ.
QS 2:29 (jilid 1 hlm. 384) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 384 · #108761
كَوَاكِبِ السَّيَّارَةِ مِنَ النِّظَامِ الشَّمْسِيِّ. وَظَاهِرُ سِفْرِ التَّكْوِينِ يَقْتَضِي أَنَّ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ مُتَقَدَّمٌ عَلَى الْأَرْضِ. وَأَحْسَبُ أَنَّ سُلُوكَ الْقُرْآنِ فِي هَذِهِ الْآيَاتِ أُسْلُوبَ الْإِجْمَالِ فِي هَذَا الْغَرَضِ لِقَطْعِ الْخُصُومَةِ بَيْنَ أَصْحَابِ النَّظَرِيَّتَيْنِ. وَالسَّمَاءُ إِنْ أُرِيدَ بِهَا الْجَوُّ الْمُحِيطُ بِالْكُرَةِ الْأَرْضِيَّةِ فَهُوَ تَابِعٌ لَهَا مُتَأَخِّرٌ عَنْ خَلْقِهَا، وَإِنْ أُرِيدَ بِهَا الْكَوَاكِبُ الْعُلْوِيَّةُ وَذَلِكَ هُوَ الْمُنَاسِبُ لِقَوْلِهِ: فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ فَالْكَوَاكِبُ أَعْظَمُ مِنَ الْأَرْضِ فَتَكُونُ أَسْبَقَ خَلْقًا وَقَدْ يَكُونُ كُلٌّ مِنَ الِاحْتِمَالَيْنِ مُلَاحَظًا فِي مَوَاضِعَ مِنَ الْقُرْآنِ غَيْرِ الْمُلَاحَظِ فِيهَا الِاحْتِمَالُ الْآخَرُ.
QS 2:29 (jilid 1 hlm. 384) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 384 · #108762
سْبَقَ خَلْقًا وَقَدْ يَكُونُ كُلٌّ مِنَ الِاحْتِمَالَيْنِ مُلَاحَظًا فِي مَوَاضِعَ مِنَ الْقُرْآنِ غَيْرِ الْمُلَاحَظِ فِيهَا الِاحْتِمَالُ الْآخَرُ. وَالِاسْتِوَاءُ أَصْلُهُ الِاسْتِقَامَةُ وَعَدَمُ الِاعْوِجَاجِ يُقَالُ صِرَاطٌ مُسْتَوٍ، وَاسْتَوَى فُلَانٌ وَفُلَانٌ وَاسْتَوَى الشَّيْء مُطَاوع سَوَاء، وَيُطْلَقُ مَجَازًا عَلَى الْقَصْدِ إِلَى الشَّيْءِ بِعَزْمٍ وَسُرْعَةٍ كَأَنَّهُ يَسِيرُ إِلَيْهِ مُسْتَوِيًا لَا يَلْوِي عَلَى شَيْءٍ فَيُعَدَّى بِإِلَى فَتَكُونُ (إِلَى) قَرِينَةَ الْمَجَازِ وَهُوَ تَمْثِيلٌ، فَمَعْنَى اسْتِوَاءِ اللَّهِ تَعَالَى إِلَى السَّمَاءِ تَعَلُّقُ إِرَادَتِهِ التَّنْجِيزِيِّ بِإِيجَادِهَا تَعَلُّقًا يُشْبِهُ الِاسْتِوَاءَ فِي التَّهَيُّؤِ لِلْعَمَلِ الْعَظِيمِ الْمُتْقَنِ.
QS 2:29 (jilid 1 hlm. 385) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 385 · #108763
ى السَّمَاءِ تَعَلُّقُ إِرَادَتِهِ التَّنْجِيزِيِّ بِإِيجَادِهَا تَعَلُّقًا يُشْبِهُ الِاسْتِوَاءَ فِي التَّهَيُّؤِ لِلْعَمَلِ الْعَظِيمِ الْمُتْقَنِ. وَوَزْنُ اسْتَوَى افْتَعَلَ لِأَنَّ السِّينَ فِيهِ حَرْفٌ أَصْلِيٌّ وَهُوَ افْتِعَالٌ مَجَازِيٌّ وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُ لَمَّا ابْتَدَأَ خَلْقَ الْمَخْلُوقَاتِ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِيهَا لِيَكُونَ تَوْطِئَةً لِخَلْقِ الْأَرْضِ ثُمَّ خَلَقَ الْإِنْسَانَ وَهُوَ الَّذِي سِيقَتِ الْقِصَّةُ لِأَجْلِهِ. وَ (سَوَّاهُنَّ) أَيْ خَلَقَهُنَّ فِي اسْتِقَامَةٍ، وَاسْتِقَامَةُ الْخَلْقِ هِيَ انْتِظَامُهُ عَلَى وَجْهٍ لَا خَلَلَ فِيهِ وَلَا ثَلْمَ.
QS 2:29 (jilid 1 hlm. 385) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 385 · #108764
ِأَجْلِهِ. وَ (سَوَّاهُنَّ) أَيْ خَلَقَهُنَّ فِي اسْتِقَامَةٍ، وَاسْتِقَامَةُ الْخَلْقِ هِيَ انْتِظَامُهُ عَلَى وَجْهٍ لَا خَلَلَ فِيهِ وَلَا ثَلْمَ. وَبَيْنَ اسْتَوَى وَسَوَّاهُنَّ الْجِنَاسُ الْمُحَرَّفُ. وَالسَّمَاءُ مُشْتَقَّةٌ مِنَ السُّمُوِّ وَهُوَ الْعُلُوُّ وَاسْمُ السَّمَاءِ يُطْلَقُ عَلَى الْوَاحِدِ وَعَلَى الْجِنْسِ مِنَ الْعَوَالِمِ الْعُلْيَا الَّتِي هِيَ فَوْقَ الْعَالَمِ الْأَرْضِيِّ وَالْمُرَادُ بِهِ هُنَا الْجِنْسُ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ: فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ إِذْ جَعَلَهَا سَبْعًا، وَالضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ: فَسَوَّاهُنَّ عَائِدٌ إِلَى (السَّمَاءِ) بِاعْتِبَارِ إِرَادَةِ الْجِنْسِ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى الْجَمْعِ وَجَوَّزَ صَاحِبُ «الْكَشَّافِ» أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مِنَ السَّمَاءِ هُنَا جِهَةُ الْعُلُوِّ، وَهُوَ وَإِنْ صَحَّ لَكِنَّهُ لَا دَاعِيَ إِلَيْهِ كَمَا قَالَه التفتازانيّ.
QS 2:29 (jilid 1 hlm. 385) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 385 · #108765
َشَّافِ» أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مِنَ السَّمَاءِ هُنَا جِهَةُ الْعُلُوِّ، وَهُوَ وَإِنْ صَحَّ لَكِنَّهُ لَا دَاعِيَ إِلَيْهِ كَمَا قَالَه التفتازانيّ. وَقَدْ عَدَّ اللَّهُ تَعَالَى فِي هَذِهِ الْآيَةِ وَغَيْرِهَا السَّمَاوَاتِ سَبْعًا وَهُوَ أَعْلَمُ بِهَا وَبِالْمُرَادِ مِنْهَا إِلَّا أَنَّ الظَّاهِرَ الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ الْقَوَاعِدُ الْعِلْمِيَّةُ أَنَّ الْمُرَادَ مِنَ السَّمَاوَاتِ الْأَجْرَامُ الْعُلْوِيَّةُ الْعَظِيمَةُ وَهِيَ الْكَوَاكِبُ السَّيَّارَةُ الْمُنْتَظِمَةُ مَعَ الْأَرْضِ فِي النِّظَامِ الشَّمْسِيِّ وَيَدُلُّ لِذَلِكَ أُمُورٌ: أَحَدُهَا: أَنَّ السَّمَاوَاتِ ذُكِرَتْ فِي غَالِبِ مَوَاضِعِ الْقُرْآنِ مَعَ ذِكْرِ الْأَرْضِ وَذُكِرَ خَلْقُهَا هُنَا مَعَ ذِكْرِ خَلْقِ الْأَرْضِ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهَا عَوَالِمُ كَالْعَالَمِ الْأَرْضِيِّ وَهَذَا ثَابِتٌ لِلسَّيَّارَاتِ.
QS 2:29 (jilid 1 hlm. 385) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 385 · #108766
رْضِ وَذُكِرَ خَلْقُهَا هُنَا مَعَ ذِكْرِ خَلْقِ الْأَرْضِ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهَا عَوَالِمُ كَالْعَالَمِ الْأَرْضِيِّ وَهَذَا ثَابِتٌ لِلسَّيَّارَاتِ. ثَانِيهَا: أَنَّهَا ذُكِرَتْ مَعَ الْأَرْضِ مِنْ حَيْثُ إِنَّهَا أَدِلَّةٌ عَلَى بَدِيعِ صُنْعِ اللَّهِ تَعَالَى فَنَاسَبَ أَنْ يَكُونَ تَفْسِيرُهَا تِلْكَ الْأَجْرَامَ الْمُشَاهَدَةَ لِلنَّاسِ الْمَعْرُوفَةَ لِلْأُمَمِ الدَّالَّ نِظَامُ سَيْرِهَا وَبَاهِرُ نُورِهَا عَلَى عَظَمَةِ خَالِقِهَا. ثَالِثُهَا: أَنَّهَا وْصِفَتْ بِالسَّبْعِ وَقَدْ كَانَ عُلَمَاءُ الْهَيْئَةِ يَعْرِفُونَ السَّيَّارَاتِ السَّبْعَ مِنْ عَهْدِ الْكِلْدَانِ وَتَعَاقَبَ عُلَمَاءُ الْهَيْئَةِ مِنْ ذَلِكَ الْعَهْدِ إِلَى الْعَهْدِ الَّذِي نَزَلَ فِيهِ الْقُرْآنُ فَمَا اخْتَلَفُوا فِي أَنَّهَا سَبْعٌ.
QS 2:29 (jilid 1 hlm. 385) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 385 · #108767
لْدَانِ وَتَعَاقَبَ عُلَمَاءُ الْهَيْئَةِ مِنْ ذَلِكَ الْعَهْدِ إِلَى الْعَهْدِ الَّذِي نَزَلَ فِيهِ الْقُرْآنُ فَمَا اخْتَلَفُوا فِي أَنَّهَا سَبْعٌ. رَابِعُهَا: أَنَّ هَاتِهِ السَّيَّارَاتِ هِيَ الْكَوَاكِبُ الْمُنْضَبِطُ سَيْرُهَا بِنِظَامٍ مُرْتَبِطٍ مَعَ نِظَامِ سَيْرِ الشَّمْسِ وَالْأَرْضِ، وَلِذَلِكَ يُعَبِّرُ عَنْهَا عُلَمَاءُ الْهَيْئَةِ الْمُتَأَخِّرُونَ بِالنِّظَامِ الشَّمْسِيِّ فَنَاسَبَ أَنْ تَكُونَ هِيَ الَّتِي قُرِنَ خَلْقُهَا بِخَلْقِ الْأَرْضِ.
QS 2:29 (jilid 1 hlm. 385) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 385 · #108768
رُ عَنْهَا عُلَمَاءُ الْهَيْئَةِ الْمُتَأَخِّرُونَ بِالنِّظَامِ الشَّمْسِيِّ فَنَاسَبَ أَنْ تَكُونَ هِيَ الَّتِي قُرِنَ خَلْقُهَا بِخَلْقِ الْأَرْضِ. وَبَعْضُهُمْ يُفَسِّرُ السَّمَاوَاتِ بِالْأَفْلَاكِ وَهُوَ تَفْسِيرٌ لَا يَصِحُّ لِأَنَّ الْأَفْلَاكَ هِيَ الطُّرُقُ الَّتِي تَسْلُكُهَا الْكَوَاكِبُ السَّيَّارَةُ فِي الْفَضَاءِ (١) ، وَهِيَ خُطُوطٌ فَرْضِيَّةٌ لَا ذَوَاتَ لَهَا فِي الْخَارِجِ. هَذَا وَقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى السَّمَاوَاتِ سَبْعًا هُنَا وَفِي غَيْرِ آيَةٍ، وَقَدْ ذَكَرَ الْعَرْشَ وَالْكُرْسِيَّ بِمَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمَا مُحِيطَانِ بِالسَّمَاوَاتِ وَجَعَلَ السَّمَاوَاتِ كُلَّهَا فِي مُقَابَلَةِ الْأَرْضِ وَذَلِكَ يُؤَيِّدُ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ عُلَمَاءُ الْهَيْئَةِ مِنْ عَدِّ الْكَوَاكِبِ السَّيَّارَةِ تِسْعَةً وَهَذِهِ أَسْمَاؤُهَا عَلَى التَّرْتِيبِ فِي بُعْدِهَا مِنَ الْأَرْضِ: نِبْتُونْ، أُورَانُوسُ، زُحَلُ، الْمُشْتَرِي، الْمِرِّيخُ، الشَّمْسُ، الزُّهَرَةُ،
QS 2:29 (jilid 1 hlm. 386) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 386 · #108769
َذِهِ أَسْمَاؤُهَا عَلَى التَّرْتِيبِ فِي بُعْدِهَا مِنَ الْأَرْضِ: نِبْتُونْ، أُورَانُوسُ، زُحَلُ، الْمُشْتَرِي، الْمِرِّيخُ، الشَّمْسُ، الزُّهَرَةُ، عُطَارِدُ، بِلْكَانُ. وَالْأَرْضُ فِي اصْطِلَاحِهِمْ كَوْكَبٌ سَيَّارٌ، وَفِي اصْطِلَاحِ الْقُرْآنِ لَمْ تُعَدَّ مَعَهَا لِأَنَّهَا الَّتِي مِنْهَا تُنْظَرُ الْكَوَاكِبُ وَعُدَّ عِوَضًا عَنْهَا الْقَمَرُ وَهُوَ مِنْ تَوَابِعِ الأَرْض فعده مَعهَا عِوَضٌ عَنْ عَدِّ الْأَرْضِ تَقْرِيبًا لِأَفْهَامِ السَّامِعِينَ. وَأَمَّا الثَّوَابِتُ فَهِيَ عِنْدَ عُلَمَاءِ الْهَيْئَةِ شُمُوسٌ سَابِحَةٌ فِي شَاسِعِ الْأَبْعَادِ عَنِ الْأَرْضِ وَفِي ذَلِكَ شُكُوكٌ.
QS 2:29 (jilid 1 hlm. 386) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 386 · #108770
َّامِعِينَ. وَأَمَّا الثَّوَابِتُ فَهِيَ عِنْدَ عُلَمَاءِ الْهَيْئَةِ شُمُوسٌ سَابِحَةٌ فِي شَاسِعِ الْأَبْعَادِ عَنِ الْأَرْضِ وَفِي ذَلِكَ شُكُوكٌ. وَلَعَلَّ اللَّهَ لَمْ يَجْعَلْهَا سَمَاوَاتٍ ذَاتَ نِظَامٍ كَنِظَامِ السَّيَّارَاتِ السَّبْعِ فَلَمْ يَعُدَّهَا فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ أَنَّ اللَّهَ إِنَّمَا عَدَّ لَنَا السَّمَاوَاتِ الَّتِي هِيَ مُرْتَبِطَةٌ بِنِظَامِ أَرْضِنَا. وَقَوْلُهُ: وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ نَتِيجَةٌ لِمَا ذَكَرَهُ مِنْ دَلَائِلِ الْقُدْرَةِ الَّتِي لَا تَصْدُرُ إِلَّا مِنْ عَلِيمٍ فَلِذَلِكَ قَالَ الْمُتَكَلِّمُونَ، إِنَّ الْقُدْرَةَ يَجْرِي تَعَلُّقُهَا عَلَى وَفْقِ الْإِرَادَةِ، وَالْإِرَادَةُ عَلَى وَفْقِ الْعِلْمِ.
QS 2:29 (jilid 1 hlm. 386) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 386 · #108771
عَلِيمٍ فَلِذَلِكَ قَالَ الْمُتَكَلِّمُونَ، إِنَّ الْقُدْرَةَ يَجْرِي تَعَلُّقُهَا عَلَى وَفْقِ الْإِرَادَةِ، وَالْإِرَادَةُ عَلَى وَفْقِ الْعِلْمِ. وَفِيهِ تَعْرِيضٌ بِالْإِنْكَارِ عَلَى كُفْرِهِمْ وَالتَّعْجِيبِ مِنْهُ فَإِنَّ الْعَلِيمَ بِكُلِّ شَيْءٍ يُقَبِّحُ الْكُفْرَ بِهِ. وَهَذِهِ الْآيَةُ دَلِيلٌ عَلَى عُمُومِ الْعِلْمِ وَقَدْ قَالَ بِذَلِكَ جَمِيعُ الْمِلِّيِّينَ كَمَا نَقَلَهُ الْمُحَقِّقُ السَّلَكُوتِيُّ فِي «الرِّسَالَةِ الْخَاقَانِيَّةِ» وَأَنْكَرَ الفلاسفة علمه بالجزئيات وَزَعَمُوا أَنَّ تعلق الْعلم بالجزئيات لَا يَلِيقُ بِالْعِلْمِ الْإِلَهِيِّ وَهُوَ تَوَهُّمٌ لَا دَاعِيَ إِلَيْهِ.
QS 2:29 (jilid 1 hlm. 386) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 386 · #108772
وَأَنْكَرَ الفلاسفة علمه بالجزئيات وَزَعَمُوا أَنَّ تعلق الْعلم بالجزئيات لَا يَلِيقُ بِالْعِلْمِ الْإِلَهِيِّ وَهُوَ تَوَهُّمٌ لَا دَاعِيَ إِلَيْهِ. وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ هَاءَ «وَهُوَ» بِالضَّمِّ عَلَى الْأَصْلِ، وَقَرَأَهَا قَالُونُ وَأَبُو عَمْرٍو وَالْكِسَائِيُّ وَأَبُو جَعْفَرٍ بِالسُّكُونِ لِلتَّخْفِيفِ عِنْدَ دُخُولِ حَرْفِ الْعَطْفِ عَلَيْهِ، وَالسُّكُونُ أَكْثَرُ مِنَ الضَّمِّ فِي كَلَامِهِمْ وَذَلِكَ مَعَ الْوَاوِ وَالْفَاءِ وَلَامِ الِابْتِدَاءِ وَوَجْهُهُ أَنَّ الْحُرُوفَ الَّتِي هِيَ عَلَى حَرْفٍ وَاحِدٍ إِذَا دَخَلَتْ عَلَى الْكَلِمَةِ تَنَزَّلَتْ مَنْزِلَةَ الْجُزْءِ مِنْهَا فَصَارَتِ الْكَلِمَةُ ثَقِيلَةً بِدُخُولِ ذَلِكَ الْحَرْفِ فِيهَا فَخُفِّفَتْ بِالسُّكُونِ كَمَا فَعَلُوا ذَلِكَ فِي حَرَكَةِ لَامِ الْأَمْرِ مَعَ الْوَاوِ وَالْفَاءِ، وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ أَفْصَحَ لُغَاتِ الْعَرَبِ إِسْكَانُ الْهَاءِ مِنْ (هُوَ) إِذَا دَخَلَ عَلَيْهِ حَرْفٌ، أَنَّكَ
QS 2:29 (jilid 1 hlm. 387) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 387 · #108773
مَعَ الْوَاوِ وَالْفَاءِ، وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ أَفْصَحَ لُغَاتِ الْعَرَبِ إِسْكَانُ الْهَاءِ مِنْ (هُوَ) إِذَا دَخَلَ عَلَيْهِ حَرْفٌ، أَنَّكَ تَجِدُهُ فِي الشِّعْرِ فَلَا يَتَّزِنُ الْبَيْتُ إِلَّا بِقِرَاءَةِ الْهَاءِ سَاكِنَةً وَلَا تَكَادُ تَجِدُ غَيْرَ ذَلِكَ بِحَيْثُ لَا يُمْكِنُ دَعْوَى أَنَّهُ ضَرُورَةٌ [٣٠]

Ayat yang dirujuk di sini

Potongan tafsir di atas mengutip ayat-ayat berikut (dideteksi dengan aturan teks ﴿…﴾, bukan model bahasa).

QS 6:101QS 57:3QS 16:15QS 31:10QS 41:9QS 2:6QS 36:10QS 67:14

Dirujuk oleh

Ayat ini dikutip di dalam tafsir ayat-ayat berikut.

QS 2:116-117QS 4:171QS 6:101QS 57:3-4