Sesungguhnya Kami mewahyukan kepadamu (Muhammad) sebagaimana Kami telah mewahyukan kepada Nuh, dan Nabi-nabi setelahnya, dan Kami telah mewahyukan (pula) kepada Ibrahim, Ismail, Ishak, Yakub dan anak cucunya; Isa, Ayub, Yunus, Harun dan Sulaiman. Dan Kami telah memberikan Kitab Zabur kepada Dawud
مشِ، عن مُنْذِرٍ الثورىِّ، عن
الرَّبيع بن خُثَيم فى قولِه: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾. قال: أَوْحَى اللهُ إليه كما أَوْحَى إلى جميعِ النبيِّين مِن قبلِه.
وذُكِر أن هذه الآيةَ نزَلت على رسولِ اللهِ ﷺ؛ لأن بعضَ اليهودِ لما فضَحهم اللهُ بالآياتِ التى أَنْزَلها على رسولِه ﷺ، وذلك من قولِه: ﴿يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ﴾. فتلا ذلك عليهم رسولُ اللهِ ﷺ قالوا: ما أَنْزَل اللهُ على بشرٍ من شيءٍ من بعدِ موسى.
ُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ﴾. فتلا ذلك عليهم رسولُ اللهِ ﷺ قالوا: ما أَنْزَل اللهُ على بشرٍ من شيءٍ من بعدِ موسى. فأَنْزَل اللهُ هذه الآياتِ تكذيبًا لهم، وأَخْبَر نبيَّه والمؤمنين به أنه قد أَنْزَل عليه بعدَ موسى، وعلى من سمَّاهم فى هذه الآيةِ، وعلى آخرِين لم يسمِّهم.
كما حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا يونسُ بنُ بكيرٍ، وحدثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن محمدِ بن إسحاقَ، قال: ثنى محمدُ بنُ أبي محمدٍ مولى زيدِ بنِ ثابتٍ، قال: ثني سعيدُ بنُ جبيرٍ، أو عكرمةُ، عن ابنِ عباسٍ، قال: قال سُكَينٌ [وعدىُّ بنُ زيدٍ]: يا محمدُ، ما نعلَمُ اللَّهَ أَنْزَل على بشرٍ من شيءٍ بعدَ موسى. فَأَنْزَلَ اللَّهُ فى ذلك من قولِهما: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾. إلى آخرِ الآياتِ.
وقال آخرون: بل قالوا لما أنزل اللهُ جل ثناؤُه الآياتِ التي قبلَ هذه فى ذكرِهم: ما أنزل اللهُ على بشرٍ من شيءٍ، ولا على موسى، ولا على عيسى.
رِ الآياتِ.
وقال آخرون: بل قالوا لما أنزل اللهُ جل ثناؤُه الآياتِ التي قبلَ هذه فى ذكرِهم: ما أنزل اللهُ على بشرٍ من شيءٍ، ولا على موسى، ولا على عيسى. فَأَنْزَل اللهُ جلَّ ثناؤُه: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٩١].
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا أبو مَعشرٍ، عن محمدِ بنِ كعبٍ القُرْظىِّ، قال: أَنْزَل اللهُ: ﴿يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ﴾. إلى قولِه: ﴿وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا﴾. فلما تلاها عليهم، يعنى على اليهودِ، وأَخْبَرهم بأعمالِهم الخبيثةِ، جحَدوا كلَّ ما أَنْزَلَ اللَّهُ، وقالوا: ما أنزل اللهُ على بشرٍ من شيءٍ، ولا على موسى، ولا على عيسى، وما أنزل اللهُ على نبىٍّ من شيءٍ. قال: فحلَّ حُبْوتَه، وقال: ولا على أحدٍ!
َزْبُرُه زَبُرًا، وزَبَرْتُه أَزْبِرُه زَبْرًا: إذا كتبتَه.
وأَوْلَى القراءتين فى ذلك بالصوابِ عندَنا قراءةُ مَن قرأ: ﴿وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا﴾. بفتح الزاىِ على أنه اسمُ الكتابِ الذى أُوتيَه داودُ، كما سُمِّى الكتابُ الذى أُوتيَه موسى التوراةَ، والذى أُوتيَه عيسى الإنجيلَ، والذي أُوتيَه محمدٌ الفرقانَ؛ لأن ذلك هو الاسمُ المعروفُ به ما أُوتىَ داودُ. إنما تقولُ العربُ: زَبورُ داودَ. بذلك يعرِفُ كتابَه سائرُ الأممِ.
القولُ فى تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا (١٦٤)﴾.
قال أبو جعفرٍ محمدُ بنُ جريرٍ، ﵀: يعنى بذلك جلَّ ثناؤُه: إنا أَوْحَينا إليك كما أوحينا إلى نوحٍ وإلى رسلٍ قد قصَصناهم عليك، ورسلٍ لم نقصُصْهم عليك.
فلعل قائلاً أن يقولَ: فإذا كان ذلك معناه، فما بالُ قولِه: ﴿وَرُسُلًا﴾. منصوبًا غيرَ مخفوضٍ؟
نوحٍ وإلى رسلٍ قد قصَصناهم عليك، ورسلٍ لم نقصُصْهم عليك.
فلعل قائلاً أن يقولَ: فإذا كان ذلك معناه، فما بالُ قولِه: ﴿وَرُسُلًا﴾. منصوبًا غيرَ مخفوضٍ؟ قيل: نُصِب ذلك إذ لم يَعُدْ عليه "إلى" التى خفَضت الأسماءَ قبلَه، وكانت الأسماءُ قبلَه وإن كانت مخفوضةً، فإنها فى معنى النصبِ؛ لأن معنى الكلامِ: إنا أرسلناك رسولاً كما أرسلنا نوحًا والنبيِّين من بعدِه. فعُطِفت الرسلُ على معنى الأسماءِ قبلَها فى الإعرابِ؛ لانقطاعِها عنها دونَ
ألفاظِها، إذ لم يعُدْ عليها ما خفَضها، كما قال الشاعرُ:
لو جِئْتَ بالخُبْزِ له مُنَشَّرَا … والبَيْضَ مَطْبُوحًا معا والشكَّرَا
لم يُرْضِهِ ذلك حتى يَسْكَرَا
وقد يَحتمِلُ أن يكونَ نصَب الرسلَ لتَعَلُّقِ الواوِ بالفعلِ، بمعنى: وقصَصنا رسلاً عليك من قبلُ. كما قال جلَّ ثناؤُه: ﴿يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [الإنسان: ٣١].
وقد ذُكِر أن ذلك فى قراءةِ أُبَىٍّ: (ورسلٌ قد قصَصناهم عليك من قبلُ ورسلٌ لم نَقصُصْهم عليك).
ِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [الإنسان: ٣١].
وقد ذُكِر أن ذلك فى قراءةِ أُبَىٍّ: (ورسلٌ قد قصَصناهم عليك من قبلُ ورسلٌ لم نَقصُصْهم عليك). فرفْعُ ذلك إذا قُرِئ كذلك بعائدِ الذِّكْرِ فى قولِه: ﴿قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ﴾.
وأما قولُه: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾. فإنه يعنى بذلك جلَّ ثناؤُه: وخاطَب اللهُ موسى بكلامِه خطابًا.
وقد حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا نوحُ بنُ أبى مريمَ وسُئل: كيف كلَّم اللهُ موسى تكليمًا؟ فقال: مشافهةً.
وقد حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبو أسامةَ، عن ابنِ مبارَكٍ، عن معمرٍ ويونسَ،
عن الزهرىِّ، عن أبي بكرِ بنِ عبدِ الرحمنِ بنِ الحارثِ بنِ هشامٍ، قال: أخبرنى جُزَىُّ بنُ جابرٍ الخَثْعَمىُّ، قال: سمِعتُ كعباً يقولُ: إن اللهَ لما كلَّم موسى، كلّمه بالألسنةِ كلِّها قبلَ كلامِه -يعنى كلامَ موسى- فجعَل موسى يقولُ: يا ربِّ، لا أفهَمُ. حتى كلَّمه بلسانِه آخرَ الألسنةِ، فقال: يا ربِّ، هكذا كلامُك؟
مه بالألسنةِ كلِّها قبلَ كلامِه -يعنى كلامَ موسى- فجعَل موسى يقولُ: يا ربِّ، لا أفهَمُ. حتى كلَّمه بلسانِه آخرَ الألسنةِ، فقال: يا ربِّ، هكذا كلامُك؟ قال: لا، ولو سمِعتَ كلامي -أى على وجهِهِ- لم تكُ شيئًا.
قال ابنُ وكيعٍ، قال أبو أسامةَ: وزادني أبو بكرٍ الصَّغَانىُّ فى هذا الحديثِ: أن موسى قال: يا ربِّ، هل فى خلقِك شيءٌ يُشْبِهُ كلامَك؟ قال: لا، وأقربُ خلقِى شبهًا بكلامى، أشدُّ ما يسمَعُ الناسُ من الصواعقِ.
حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبو أسامةَ، عن عمرَ بن حمزةَ بنِ عبدِ اللهِ بنِ عمرَ، قال: سمِعتُ محمدَ بنَ كعبٍ القُرَظىَّ يقولُ: سئِل موسى: ما شبَّهتَ كلامَ ربِّك مما خلَق؟ فقال موسى: الرعدُ الساكنُ.
[حدَّثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وَهْبٍ، قال: أخبرني يونسُ، عن ابنِ شِهابٍ، قال: أخبرني أبو بكرِ بنُ عبدِ الرحمنِ، أنه أخبره عن جزءِ بنِ جابرٍ الخَثْعَمىِّ، قال: لما كلَّم اللهُ موسى كلَّمه بالألسنةِ كلِّها قبل لسانِه، فطفِق يقولُ: واللهِ يا ربِّ، ما أفقَهُ هذا.
، أنه أخبره عن جزءِ بنِ جابرٍ الخَثْعَمىِّ، قال: لما كلَّم اللهُ موسى كلَّمه بالألسنةِ كلِّها قبل لسانِه، فطفِق يقولُ: واللهِ يا ربِّ، ما أفقَهُ هذا. حتى كلَّمه بلسانِه آخرَ الألسنةِ، بمثلِ صوتِه، فقال موسى: يا ربِّ، هذا كلامُك؟ قال: [لا. قال: هل فى خلقِك شيءٌ يشبهُ كلامَك؟ قال]: لا، وأقربُ خلقى شبهًا بكلامى، أشدُّ ما يسمعُ الناسُ من الصواعقِ.
حدَّثنا ابنُ عبدِ الرحيمِ البرْقىُّ، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا زُهيرٌ، عن يحيى، عن الزُّهْرِيِّ، عن أبى بكرِ بنِ عبدِ الرحمنِ بنِ الحارثِ بنِ هشامٍ، عن [جَزْءِ ابنِ] جابرٍ، أنه سمِع كعبَ الأحبارِ يقولُ: لما كلَّم اللهُ موسى بالألسنةِ قبلَ لسانِه، طَفِق موسى يقولُ: أَىْ ربِّ، لا أفقهُ هذا. حتى كلَّمه اللهُ آخرَ الألسنةِ بمثلِ لسانِه، فقال موسى: أَىْ ربِّ، هذا كلامُك؟ قال اللهُ: لو كلَّمتُك بكلامى لم تكُ شيئًا. قال: يا ربِّ، فهل مِن خلقِك شيءٌ يشبهُ كلامَك؟
َ الألسنةِ بمثلِ لسانِه، فقال موسى: أَىْ ربِّ، هذا كلامُك؟ قال اللهُ: لو كلَّمتُك بكلامى لم تكُ شيئًا. قال: يا ربِّ، فهل مِن خلقِك شيءٌ يشبهُ كلامَك؟ قال: لا، وأقربُ خَلْقى شبهًا بكلامي، أشدُّ ما يُسْمَعُ من الصواعقِ].
حدَّثنى أبو يونسَ المكىُّ محمدُ بنُ أحمدَ بنِ يزيدَ، قال: ثنا ابنُ أبى أُوَيسٍ، قال: أخبرنى أخى، عن سليمانَ، عن محمدِ بنِ أبى عَتيقٍ، عن ابنِ شهابٍ، عن
أبى بكرِ بنِ عبدِ الرحمنِ بنِ الحارثِ بنِ هشامِ، أنه أخبره جزءُ بنُ جابرٍ الخَثْعَمِىُّ، أنه سمِع [كعبَ الأحبارِ يقولُ]: لما كلَّم اللهُ موسى كلَّمه بالألسنةِ كلِّها قبلَ لسانهِ، فطَفِق موسى يقولُ: أَى ربِّ، واللهِ ما أفقهُ هذا. حتى كلَّمه آخرَ الألسنةِ بلسانهِ، بمثلِ صوتِه، فقال موسى: أى ربِّ، أهذا كلامُك؟ قال: لو كلَّمتُك بكلامى لم تكُ شيئًا. قال: أَىْ ربِّ، هل من خلقِك شيءٌ يشبِهُ كلامَك؟
باطُ، عن السُّدىِّ: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾: فيقولوا: ما أرسلتَ إلينا رسولاً.
﴿وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا﴾. يقولُ: ولم يزلِ اللَّهُ ذا عزةٍ فى انتقامِه ممَّن انتقَم مِن خلقِه على، كفرِه به، ومعصيتِه إيَّاه، بعدَ تثبيتِه حجتَه عليه برسلِه وأدلتِه، ﴿حَكِيمًا﴾ فى تدبيرِه فيهم ما دبَّر.
القولُ فى تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا (١٦٦)﴾.
قال أبو جعفرٍ محمدُ بنُ جريرٍ ﵀: يعنى بذلك جلَّ ثناؤُه: إن تكفُرْ -بالذى أوحينا إليك يا محمدُ- اليهودُ الذين سألوك أن تُنَزِّلَ عليهم كتاباً من السماءِ، وقالوا لك: ما أَنْزَل الله على بشرٍ من شيءٍ.
ثناؤُه: إن تكفُرْ -بالذى أوحينا إليك يا محمدُ- اليهودُ الذين سألوك أن تُنَزِّلَ عليهم كتاباً من السماءِ، وقالوا لك: ما أَنْزَل الله على بشرٍ من شيءٍ. فكذَّبوك، فقد كذَبوا، ما الأمرُ كما قالوا، لكن اللهُ يشهَدُ بتنزيلِه إليك [ما أنزَل] من كتابِه ووحيِه، أَنْزَل ذلك إليك بعلمٍ منه بأنك خِيرَتُه من خلقِه، وصفيُّه من عبادِه، ويشهَدُ لك بذلك ملائكتُه، فلا يحزُنْك تكذيبُ مَن كذَّبك، وخلافُ مَن خالفك، ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾. يقولُ: وحَسْبُك باللهِ شاهدًا على صدقِك دونَ مَن سواه من خلقِه، فإنه إذا شهِد لك بالصدقِ ربُّك، لم يضرَّك تكذيبُ مَن كذَّبك.
وقد قيل: إنّ هذه الآيةَ نزلت فى قومٍ من اليهودِ دعاهم النبىُّ ﷺ إلى اتباعِه، وأخبَرهم أنهم يعلَمون حقيقةَ نبوَّتِه، فجحَدوا نبوَّتَه، وأَنْكَروا معرفتَه.
ذكرُ الخبرِ بذلك
يةَ نزلت فى قومٍ من اليهودِ دعاهم النبىُّ ﷺ إلى اتباعِه، وأخبَرهم أنهم يعلَمون حقيقةَ نبوَّتِه، فجحَدوا نبوَّتَه، وأَنْكَروا معرفتَه.
ذكرُ الخبرِ بذلك
حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا يونسُ، عن محمدِ بنِ إسحاقَ، قال: ثنى محمدُ بنُ أبى محمدٍ مولى زيدِ بنِ ثابتٍ، قال: ثني سعيدُ بنُ جبيرٍ، أو عكرمةُ، عن ابنِ عباسٍ، قال: دخَل على رسولِ اللهِ ﷺ جماعةٌ من يهودَ، فقال لهم: "إنى واللهِ أعلمُ أنكم لَتعلَمون أنى رسولُ اللَّهِ". فقالوا: ما نعلمُ ذلك. فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾.
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، قال: ثنى ابنُ إسحاقَ، قال: ثنى محمدُ بنُ أبى محمدٍ، عن عكرمةَ، أو سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: دخَلتْ على رسول اللهِ ﷺ عصابةٌ من اليهودِ.
ةُ، قال: ثنى ابنُ إسحاقَ، قال: ثنى محمدُ بنُ أبى محمدٍ، عن عكرمةَ، أو سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: دخَلتْ على رسول اللهِ ﷺ عصابةٌ من اليهودِ. ثم ذكَر نحوَه.
حدَّثنا بشرُ بن معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾: شهودٌ واللهِ غيرُ مُتَّهَمةٍ.
القولُ فى تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا ضَلَالًا بَعِيدًا (١٦٧)﴾.
قال أبو جعفرٍ محمدُ بنُ جريرٍ ﵀: يعنى بذلك جلَّ ثناؤُه: إن الذين جحَدوا يا محمدُ نبوّتَك بعدَ علمِهم بها، من أهلِ الكتابِ الذين اقتصصتُ عليك قصتَهم، وأَنْكَروا أن يكونَ اللهُ أَوْحَى إليك كتابَه، ﴿وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾.
نبوّتَك بعدَ علمِهم بها، من أهلِ الكتابِ الذين اقتصصتُ عليك قصتَهم، وأَنْكَروا أن يكونَ اللهُ أَوْحَى إليك كتابَه، ﴿وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾. يعنى: عن الدينِ الذي بعَثك اللهُ به إلى خلقِه وهو الإسلامُ، وكان صدُّهم عنه قيلَهم للناسِ الذين يسألونهم عن محمدٍ من أهلِ الشركِ: ما نجِدُ صفةَ محمدٍ فى كتابِنا. وادِّعاءَهم أنهم عُهِد إليهم أن النبوَّةَ لا تكون إلا فى ولدِ هارونَ، ومن ذرِّيَّةِ داودَ، وما أَشْبَهَ ذلك من الأمورِ التي كانوا يثبِّطون الناسَ بها عن اتباعِ رسولِ اللهِ ﷺ، والتصديقِ به، وبما جاء به من عندِ اللهِ.
وقوله: ﴿قَدْ ضَلُّوا ضَلَالًا بَعِيدًا﴾. يعنى: قد جارُوا عن قصدِ السبيلِ جَوْرًا شديدًا، وزالوا عن المحجَّةِ. وإنما يعنى جلَّ ثناؤُه بجَورِهم عن المحجةِ
وضلالِهم عنها: إخطاءَهم دينَ اللهِ الذى ارتضاه لعبادِه، وابتعَث به رسولَه.
ظَلَمُوا﴾ بمُقامِهم على الكفرِ، على علمٍ منهم بظلمِهم عبادَ اللهِ، وحسدًا للعربِ، وبغيًا على رسولِه محمدٍ ﷺ، ﴿لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ﴾. يعنى: لم يكنِ اللهُ ليعفوَ لهم عن ذنوبِهم، بتركِه عقوبتَهم عليها، ولكنه يفضَحُهم بها جل ثناؤُه بعقوبتِه إياهم عليها،
﴿وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا﴾. يقولُ: ولم يكن اللهُ تعالى ذكرُه ليهدىَ هؤلاء الذين كفَروا وظلَموا، الذين وصَفنا صفتَهم، فيوفِّقَهم لطريقٍ من الطرقِ التى ينالون بها ثوابَ اللهِ، ويصِلُون بلزومِهم إياها إلى الجنةِ، ولكنه يخذُلُهم عن ذلك، حتى يسلُكوا طريقَ جهنمَ. وإنما كنَى بذكرِ الطريقِ عن الدِّينِ. وإنما معنى الكلامِ: لم يكنِ اللهُ ليوفِّقَهم للإسلامِ، ولكنه يخذُلُهم عنه إلى طريقِ جهنمَ، وهو الكفرُ. يعني: حتى يكفُروا باللهِ ورسلِه، فيدخُلوا جهنَّمَ، ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾. يقولُ:
مقيمين فيها أبدًا، ﴿وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾.
ُ. يعني: حتى يكفُروا باللهِ ورسلِه، فيدخُلوا جهنَّمَ، ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾. يقولُ:
مقيمين فيها أبدًا، ﴿وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾. يقولُ: وكان تخليدُ هؤلاء الذين وصَفتُ لكم صفتَهم - فى جهنمَ على اللهِ يسيرًا؛ لأنه لا يقدِرُ مَن أراد ذلك به على الامتناعِ منه، ولا له أحدٌ يمنَعُه منه، ولا يستصعِبُ عليه ما أراد فعلَه به من ذلك، [وكلُّ ذلك على اللهِ يسيرٌ]؛ لأن الخلقَ خلقُه، والأمرَ أمرُه.
القولُ فى تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ فَآمِنُوا خَيْرًا لَكُمْ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (١٧٠)﴾.
قال أبو جعفرٍ محمدُ بنُ جريرٍ ﵀: يعنى بقولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ﴾. مشركي العربِ وسائرَ أصنافِ الكفرِ، ﴿قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ﴾. يعنى: محمدًا ﷺ، قد جاءكم ﴿بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ﴾.
ثناؤُه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ﴾. مشركي العربِ وسائرَ أصنافِ الكفرِ، ﴿قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ﴾. يعنى: محمدًا ﷺ، قد جاءكم ﴿بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ﴾. يقولُ: بالإسلامِ الذى ارتضاه اللهُ لعبادِه دينًا، يقولُ: ﴿مِنْ رَبِّكُمْ﴾. يعنى: من عندِ رَبِّكم، ﴿فَآمِنُوا خَيْرًا لَكُمْ﴾. يقولُ: فصدَّقوه وصدَّقوا بما جاءكم به من عندِ ربِّكم من الدينِ، فإن الإيمانَ بذلك خيرٌ لكم من الكفرِ به، ﴿وَإِنْ تَكْفُرُوا﴾. يقولُ: وإن تجحدوا رسالتَه، وتكذِّبوا به، وبما جاءكم به من عندِ ربِّكم، فإنّ جحودَ كم ذلك وتكذيبَكم به لن يضرَّ غيرَكم، وإنما مكروهُ ذلك عائدٌ عليكم، دونَ [اللهِ الذى] أمَركم بالذى بَعث به إليكم رسولَه محمدًا ﷺ، وذلك أن ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ مُلكًا وخلقًا، لا ينقُصُ كفرُكم بما كفَرتم به من أمرِه، وعصيانُكم إياه فيما عصيتموه فيه، من مُلكِه ولا سلطانِه شيئًا، ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾.
ا وخلقًا، لا ينقُصُ كفرُكم بما كفَرتم به من أمرِه، وعصيانُكم إياه فيما عصيتموه فيه، من مُلكِه ولا سلطانِه شيئًا، ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾. يقولُ: وكان اللهُ عليمًا بما أنتم صائرون إليه من طاعتِه فيما أمَركم به وفيما نهاكم عنه، ومعصيتِه فى ذلك،
وعلى علمٍ منه بذلك منكم أمَركم ونهاكم، ﴿حَكِيمًا﴾. يعنى: حكيمًا فى أمرِه إيَّاكم بما أمَركم به، وفى نهيِه إيَّاكم عما نهاكم عنه، وفى غيرِ ذلك من تدبيرِه فيكم وفى غيرِكم من خلقِه.
واخْتَلف أهلُ العربيةِ فى المعنى الذى من أجلِه نُصِب قولُه: ﴿خَيْرًا لَكُمْ﴾؛ فقال بعضُ نحويِّى الكوفةِ: نُصِب ﴿خَيْرًا﴾ على الخروجِ مما قبلَه من الكلامِ؛ لأنّ ما قبلَه من الكلامِ قد تمَّ، وذلك قولُه: ﴿فَآمِنُوا﴾. وقال: قد سمِعتُ العربَ تفعَلُ ذلك فى كلِّ خبرٍ كان تامًّا، ثم اتصل به كلامٌ بعدَ تمامِه، على نحوِ اتصالِ "خير" بما قبلَه، فتقولُ: لتقومَنَّ خيرًا لك. و: لو فعَلتَ ذلك خيرًا لك. و: اتقِ اللهَ خيرًا لك.
تامًّا، ثم اتصل به كلامٌ بعدَ تمامِه، على نحوِ اتصالِ "خير" بما قبلَه، فتقولُ: لتقومَنَّ خيرًا لك. و: لو فعَلتَ ذلك خيرًا لك. و: اتقِ اللهَ خيرًا لك. قال: فأما إذا كان الكلامُ ناقصًا، فلا يكونُ إلا بالرفعِ، كقولِك: إن تتقِ اللهَ خيرٌ لك. و: إنْ تَصْبِرُ خَيْرٌ لك.
وقال آخرُ منهم: جاء النصبُ فى "خير"؛ لأن أصلَ الكلامِ: فآمنوا هو خيرٌ لكم. فلما سقَط "هو" الذى هو مصدرٌ، اتصلَ الكلامُ بما قبلَه، والذي قبلَه معرفةٌ،، وخبرُه نكرةٌ، فانتصب لاتصالِه بالمعرفةِ، لأن الإضمارَ من الفعلِ: قم فالقيامُ خيرٌ لك. و: لا تقمْ فتركُ القيامِ خيرٌ لك. فلما سقَط اتَّصل بالأولِ. وقال: ألا ترى أنك ترى الكنايةَ عن الأمرِ تصلُحُ قبلَ الخبِر، فتقولُ للرجلِ: اتقِ اللهَ هو خيرٌ لك. أى: الاتقاءُ خيرٌ لك. وقال: ليس نصبُه على إضمارِ "يكن"؛ لأن ذلك يأتى
بقياسٍ يُبْطِلُ هذا، ألا ترى أنك تقولُ: اتقِ اللهَ تكنْ محسِناً. ولا يجوزُ أن تقولَ: اتقِ اللهَ محسِناً. وأنت تُضْمِرُ "كان"، ولا يصلُحُ أن تقولَ: انصُرْنا أخانا.
لُ هذا، ألا ترى أنك تقولُ: اتقِ اللهَ تكنْ محسِناً. ولا يجوزُ أن تقولَ: اتقِ اللهَ محسِناً. وأنت تُضْمِرُ "كان"، ولا يصلُحُ أن تقولَ: انصُرْنا أخانا. وأنت تريدُ: تكنْ أخانا. وزعَم قائلُ هذا القولِ أنه لا يُجيزُ ذلك إلا فى "أفعل" خاصَّةً، فتقولُ: افعَلْ كذا خيرًا لك. و: لا تفعَلْ هذا خيرًا لك وأفضلَ لك. ولا تقولُ: صلاحاً لك. وزعَم أنه إنما قيل مع "أفعل"؛ لأن "أفعل" تَدلُّ على أن هذا أصلحُ من ذلك.
وقال بعضُ نحويِّى البصرةِ: نُصِب ﴿خَيْرًا﴾؛ لأنه حينَ قال لهم: ﴿فَآمِنُوا﴾. أمَرهم بما هو خيرٌ لهم، فكأنه قال: اعمَلوا خيرًا لكم. وكذلك: ﴿انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ﴾. قال: وهذا إنما يكونُ فى الأمرِ والنهىِ خاصَّةً، ولا يكونُ فى الخبِر، لا تقولُ (٢): أنا أنتهى خيرًا لى. ولكن يُرْفَعُ على كلامين؛ لأن الأمرَ والنهىَ يُضْمَرُ فيهما، فكأنك أَخْرَجتَه من شيءٍ إلى شيءٍ؛ لأنك حينَ قلتَ له: انتهِ. كأنك قلتَ له: اخرُجْ من ذا، وادخُلْ فى آخَرَ.
كلامين؛ لأن الأمرَ والنهىَ يُضْمَرُ فيهما، فكأنك أَخْرَجتَه من شيءٍ إلى شيءٍ؛ لأنك حينَ قلتَ له: انتهِ. كأنك قلتَ له: اخرُجْ من ذا، وادخُلْ فى آخَرَ. وَاسْتَشْهَد بقولِ عمرَ بنِ أبي ربيعةَ:
فوَاعِدِيهِ سَرْحَتَىْ مالكٍ … أو الرُّبَا بينَهما أَسْهَلَا
كما تقولُ: واعدِيه خيرًا لكِ. قال: وقد سمِعتُ نصبَ هذا فى الخبرِ، تقولُ العربُ: أتى البيتَ خيرًا لى. و: أتركُه خيرًا لى. وهو على ما فسَّرتُ لك فى الأمرِ والنهىِ.
وقال آخرُ منهم: نُصِب ﴿خَيْرًا﴾ بفعلٍ مضمَرٍ، واكتفَى من ذلك المضمَرِ بقولِه: لا تفعَلْ هذا. و: افعلِ الخيرَ. وأجازه فى غيرِ "أفْعَل"، فقال: لا تفعَلْ ذاك صلاحًا لك.
وقال آخرُ منهم: نُصِب ﴿خَيْرًا﴾ على ضميرِ جوابٍ: يكنْ خيًرا لكم.
تفعَلْ هذا. و: افعلِ الخيرَ. وأجازه فى غيرِ "أفْعَل"، فقال: لا تفعَلْ ذاك صلاحًا لك.
وقال آخرُ منهم: نُصِب ﴿خَيْرًا﴾ على ضميرِ جوابٍ: يكنْ خيًرا لكم. وقال: وكذلك كلُّ أمرٍ ونهىٍ.
القولُ فى تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾.
قال أبو جعفرٍ محمدُ بنُ جريرٍ ﵀: يعنى جلَّ ثناؤه بقولِه: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ﴾: أهلَ الإنجيلِ من النصارى، ﴿لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾، يقول: لا تجاوِزوا الحقَّ فى دينِكم فتُفْرِطوا فيه، ولا تقولوا فى عيسى غيرَ الحقِّ، فإن قيلَكم فى عيسى: إنه ابنُ اللهِ. قولٌ منكم على اللهِ غيرَ الحقِّ؛ لأن اللهَ تعالى ذكرُه لم يتخذْ ولدًا، فيكونَ عيسى أو غيرُه من خلقِه له ابنًا، ﴿وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾.
وأصلُ الغُلُوِّ فى كلِّ شيءٍ مجاوزةُ الحدِّ الذى هو حدُّه، يقالُ منه فى الدينِ: قد غلا فهو يَغْلُو غُلُوًّا. و: غلا بالجاريةِ عظمُها ولحمُها.
حَقَّ﴾.
وأصلُ الغُلُوِّ فى كلِّ شيءٍ مجاوزةُ الحدِّ الذى هو حدُّه، يقالُ منه فى الدينِ: قد غلا فهو يَغْلُو غُلُوًّا. و: غلا بالجاريةِ عظمُها ولحمُها. إذا أسرعتِ الشبابَ، فجاوزتْ لِداتِها، يغلو بها عُلُوًّا وغَلاءً. ومن ذلك قولُ الحارثِ بنِ [خالدٍ المخزومىِّ]:
خُمْصَانِةٌ قَلِقٌ مُوَشِّحُها … رُؤُدُ الشبابِ غَلا بها عَظْمُ
وقد حدَّثنا المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الرَّبيع، قال: صاروا فريقين؛ فريقٌ غَلَوا فى الدينِ، فكان غلوُّهم فيه الشكَّ فيه، والرغبةَ عنه. وفريقٌ منهم قصَّروا عنه، ففسَقوا عن أمرِ ربِّهم.
القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ﴾.
قال أبو جعفرٍ محمدُ بنُ جريرٍ ﵀: يعنى جلَّ ثناؤُه بقولِه: ﴿إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ﴾.
ُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ﴾.
قال أبو جعفرٍ محمدُ بنُ جريرٍ ﵀: يعنى جلَّ ثناؤُه بقولِه: ﴿إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ﴾. ما المسيحُ أيها الغالُون فى دينِهم من أهلِ الكتابِ بابنِ اللهِ، كما تزعُمون، ولكنه عيسى ابنُ مريمَ دونَ غيرِها من الخلقِ، لا نسبَ له غيرُ ذلك. ثم نعَته اللهُ جلَّ ثناؤُه بنعتِه، ووصَفه بصفتِه، فقال: هو رسولُ اللهِ، أَرسَلَه بالحقِّ إلى مَن أَرْسَله إليه مِن خلقِه.
وأصلُ المسيحِ الممسوحُ، صُرِّف من "مفعولٍ" إلى "فَعِيلٍ"، وسمَّاه اللهُ
بذلك لتطهيرِه إيَّاه من الذنوبِ، فقيل: مُسِح من الذنوبِ والأدناسِ التي تكونُ فى الآدميِّين، كما يُمْسَحُ الشيءُ من الأذَى الذى يكونُ فيه، فيطهَّرُ منه، ولذلك قال مجاهدٌ ومَن قال مثلَ قولِه: المسيحُ الصِّدِّيقُ.
وقد زعَم بعضُ الناسِ أن أصلَ هذه الكلمةِ عِبْرانيةٌ أو سُرْيانيةٌ "مَشِيحَا" فعرِّبت، فقيل: المسيحُ.
مجاهدٌ ومَن قال مثلَ قولِه: المسيحُ الصِّدِّيقُ.
وقد زعَم بعضُ الناسِ أن أصلَ هذه الكلمةِ عِبْرانيةٌ أو سُرْيانيةٌ "مَشِيحَا" فعرِّبت، فقيل: المسيحُ. كما عُرِّب سائرُ أسماءِ الأنبياءِ التى فى القرآنِ، مثلُ إسماعيلَ، وإسحاقَ، وموسى، وعيسى.
قال أبو جعفرٍ: وليس ما مثَّل به من ذلك للمسيحِ بنظيرٍ، وذلك أن إسماعيلَ وإسحاقَ وما أَشْبَة ذلك، أسماءٌ لا صفاتٌ، والمسيحُ صفةٌ، وغير جائزٍ أن تُخاطَبَ العربُ وغيرُها من أجناسِ الخلقِ فى صفةِ شيءٍ إلا بما يُفهَمُ عمَّن خاطَبها، ولو كان المسيحُ من غيرِ كلامِ العربِ ولم تكنِ العربُ تعقِلُ معناه ما خوطبت به، وقد أتيْنا بالبيانِ على نظائرِ ذلك فيما مضى بما فيه الكفايةُ من إعادتِه.
وأما المسيحُ الدجَّالُ، فإنه أيضًا بمعنى الممسوحِ العينِ، صُرِّف من مفعولٍ إلى فَعيلٍ، فمعنى "المسيحِ" فى عيسى ﷺ: الممسوحُ البدنِ من الأدناسِ والآثام، ومعنى "المسيحِ" فى الدجَّالِ: الممسوحُ العينِ اليمني أو اليسرى كالذى رُوى عن رسولِ اللهِ ﷺ فى ذلك.
حِ" فى عيسى ﷺ: الممسوحُ البدنِ من الأدناسِ والآثام، ومعنى "المسيحِ" فى الدجَّالِ: الممسوحُ العينِ اليمني أو اليسرى كالذى رُوى عن رسولِ اللهِ ﷺ فى ذلك.
وأما قولُه: ﴿وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ﴾. فإنه يعنى بالكلمة الرسالةَ التى أمرَ اللهُ ملائكتَه أن تأتىَ مريمَ بها، بشارةً من اللهِ لها، التى ذكَر جلَّ ثناؤُه فى قولِه: ﴿إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَامَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ﴾. يعني: برسالةٍ منه، وبشارةٍ من عندِه.
وقد قال قتادةُ فى ذلك، ما حدَّثنا به الحسنُ بنٌ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا معمرٌ عن قتادةَ: ﴿وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ﴾. قال: هو قولُه: كُنْ. فكان.
وقد بيَّنا اختلافَ المختلِفين من أهلِ الإسلامِ فى ذلك فيما مضى [قبلُ مع البيانِ عن الصحيحِ من القولِ فيه فيما مضى]، بما أغنى عن إعادتِه فى هذا الموضعِ.
وقولُه: ﴿أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ﴾. يعنى: أَعْلَمها بها وأَخْبَرها، كما يقالُ: أَلْقِيتُ إليكَ كلمةً حسنةً.
ضى]، بما أغنى عن إعادتِه فى هذا الموضعِ.
وقولُه: ﴿أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ﴾. يعنى: أَعْلَمها بها وأَخْبَرها، كما يقالُ: أَلْقِيتُ إليكَ كلمةً حسنةً. بمعنى أخبرتُكَ بها، وكلَّمتُك بها.
وأما قولُه: ﴿وَرُوحٌ مِنْهُ﴾. فإن أهلَ العلمِ اخْتَلفوا فى تأويلِه؛ فقال بعضُهم: معنى قولِه: ﴿وَرُوحٌ مِنْهُ﴾: ونفخةٌ منه، لأنه حدَث عن نفخةِ جبريلَ فى دِرْعِ مريمَ بأمرِ اللهِ ﷿ إيَّاه بذلك، فنُسِب إلى أنه روحٌ من اللهِ؛ لأنه بأمرِه كان. قالوا: وإنما سُمِّى النفخُ رُوحًا؛ لأنها رِيحٌ تخرُجُ عن الرُّوحِ،
واسْتَشْهَدوا على ذلك من قولِهم بقول ذى الرُّمَّةِ فى صفةِ نارٍ نعَتها:
فلما بدَتْ كفَّنْتُها وَهْىَ طِفْلَةٌ … بطَلْساءَ لم تكمُلْ ذِراعًا ولا شِبْرَا
وقلتُ له ارْفَعْها إليكَ وأَخْيِها … برُوحِكَ واقْتَتْهُ لها قِيتةً قَدْرَا
وظاهِرْ لها من يابسِ الشَّخْتِ واسْتَعِنْ … عليها الصَّبَا واجْعَلْ يَدَيْكَ لها سِتْرًا
وقالوا: يعنى بقولِه: وأَخْيِها برُوحِكَ.
لها قِيتةً قَدْرَا
وظاهِرْ لها من يابسِ الشَّخْتِ واسْتَعِنْ … عليها الصَّبَا واجْعَلْ يَدَيْكَ لها سِتْرًا
وقالوا: يعنى بقولِه: وأَخْيِها برُوحِكَ. أى: أَخيِها بنفخِك.
وقال بعضُهم: يعنى بقولِه: ﴿وَرُوحٌ مِنْهُ﴾. أنه كان إنسانًا بإحياءِ اللهِ إياه بقولِه: كُنْ. قالوا: وإنما معنى قولِه: ﴿وَرُوحٌ مِنْهُ﴾. وحياةٌ منه، بمعنى إحياءِ اللهِ إيَّاه بتكوينِه.
وقال آخرون: معنى قولِه: ﴿وَرُوحٌ مِنْهُ﴾. ورحمةٌ منه، كما قال جلَّ ثناؤُه فى موضعٍ آخرَ: ﴿وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ﴾ [المجادلة: ٢٢]. قالوا: ومعناه فى هذا الموضع: ورحمةٌ منه.
رُوحٌ مِنْهُ﴾. ورحمةٌ منه، كما قال جلَّ ثناؤُه فى موضعٍ آخرَ: ﴿وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ﴾ [المجادلة: ٢٢]. قالوا: ومعناه فى هذا الموضع: ورحمةٌ منه. قال: فجعَل اللهُ عيسى رحمةً منه على مَن اتَّبعه وآمن به وصدَّقه؛ لأنه هداهم إلى سبيلِ الرشادِ.
وقال آخرون: معنى ذلك: وروحٌ من اللهِ خلَقها فصوَّرها، ثم أَرْسَلها إلى مريمَ، فدخلت فى فِيها، فصيَّرها اللهُ تعالى روحَ عيسى ﵇.
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثنى المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ عبدِ اللَّهِ بنِ سعدٍ، قال: أخبرنى أبو جعفرٍ الرازىُّ، عن الرَّبيعِ، عن أبي العاليةِ، عن أُبىِّ بنِ كعبٍ، فى قولِه: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ [الأعراف: ١٧٢]، قال: أخَذهم فجعَلهم أرواحاً، ثم صوَّرهم، ثم استَنْطَقهم، فكان روحُ عيسى من تلك الأرواحِ التى أخَذ عليها العهدَ والميثاقَ، فأَرْسَل ذلك الروحَ إلى مريمَ، فدخَل فى فِيها فحمَلت الذى خاطَبها، وهو روحُ عيسى.
وقال آخرون: معنى الرُّوحِ ههنا: جبريلُ ﵇.
ذ عليها العهدَ والميثاقَ، فأَرْسَل ذلك الروحَ إلى مريمَ، فدخَل فى فِيها فحمَلت الذى خاطَبها، وهو روحُ عيسى.
وقال آخرون: معنى الرُّوحِ ههنا: جبريلُ ﵇. قالوا: ومعنى الكلامِ: وكلمتُه ألقاها إلى مريمَ، وألقاها أيضًا إليها رُوحٌ من اللهِ. قالوا: فالروحُ معطوفٌ به على ما فى قولِه: ﴿أَلْقَاهَا﴾، من ذكرِ اللهِ، بمعنى: أن إلقاءَ الكلمةِ إلى مريمَ كان من اللهِ جلَّ ثناؤه، ثم من جبريلَ ﵇.
ولكلٍّ هذه الأقوالِ وجةٌ ومذهبٌ غيرُ بعيدٍ من الصوابِ. القولُ فى تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا
خَيْرٌ لَكُمْ﴾.
قال أبو جعفرٍ محمدُ بنُ جريرٍ ﵀: يعنى جلَّ ثناؤُه بقولِه: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾: [فصدِّقوا يا أهلَ الكتابِ بوحدانيةِ اللهِ وربوبيتِه، وأنه لا ولدَ له]، وصدَّقوا رسلَه فيما جاءوكم به من عندِ اللهِ، وفيما أخبرتُكم به أن اللهَ واحدٌ لا شريكَ له، ولا صاحبةَ له، ولا ولدَ له، ﴿وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ﴾. يعنى: ولا تقولوا: الأربابُ ثلاثةٌ.
عندِ اللهِ، وفيما أخبرتُكم به أن اللهَ واحدٌ لا شريكَ له، ولا صاحبةَ له، ولا ولدَ له، ﴿وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ﴾. يعنى: ولا تقولوا: الأربابُ ثلاثةٌ.
ورُفِعت الثلاثةُ بمحذوفٍ دلّ عليه الظاهرُ، وهو هم، ومعنى الكلامِ: ولا تقولوا: هم ثلاثةٌ. وإنما جاز ذلك؛ لأن القولَ حكايةٌ، والعربُ تفعَلُ ذلك فى الحكايةِ، ومنه قولُ اللهِ جلَّ ثناؤه: ﴿سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ [الكهف: ٢٢]. وكذلك كلُّ ما ورَد من مرفوعٍ بعدَ القولِ لا رافعَ معه، ففيه إضمارُ اسمٍ رافعٍ لذلك الاسمِ.
ثم قال لهم جلَّ ثناؤُه متوعِّدًا لهم فى قولِهم العظيمِ الذي قالوه فى اللهِ جلَّ وعزّ: انْتَهُوا أيها القائلون: اللهُ ثالثُ ثلاثةٍ.
رافعٍ لذلك الاسمِ.
ثم قال لهم جلَّ ثناؤُه متوعِّدًا لهم فى قولِهم العظيمِ الذي قالوه فى اللهِ جلَّ وعزّ: انْتَهُوا أيها القائلون: اللهُ ثالثُ ثلاثةٍ. عما تقولون من الزورِ والشركِ باللهِ؛ فإن الانتهاءَ عن ذلك خيرٌ لكم من قيلِه؛ لما لكم عندَ اللهِ من العقابِ العاجلِ لكم على قيلِكم ذلك، إن أقمتم عليه ولم تُنِيبوا إلى الحقِّ الذي أمَرتُكم بالإنابةِ إليه، والآجلِ فى مَعادِكم.
القولُ فى تأويلِ قوله جلَّ ثناؤه: ﴿إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾.
قال أبو جعفرٍ ﵀: يعنى بقولِه جلَّ ثناؤه: ﴿إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾. ما اللهُ أيها القائلون: اللهُ ثالثُ ثلاثةٍ.
وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾.
قال أبو جعفرٍ ﵀: يعنى بقولِه جلَّ ثناؤه: ﴿إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾. ما اللهُ أيها القائلون: اللهُ ثالثُ ثلاثةٍ. كما تقولون؛ لأن مَن كان له ولدٌ فليس بإلهٍ، وكذلك مَن كان له صاحبةٌ، فغيرُ جائزٍ أن يكونَ إلها معبودًا، ولكنّ اللهَ الذى له الأُلُوهةُ والعبادةُ إلهٌ واحدٌ [ومعبودٌ واحدٌ]، لا ولدَ له، ولا والدَ، ولا صاحبةَ، ولا شريكَ، ثم نزَّه جلَّ ثناؤُه نفسَه، وعظَّمها، ورفَعها عما قال فيه أعداؤُه الكفرةُ به، فقال: ﴿سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ [وَلَدٌ﴾.
، ولا صاحبةَ، ولا شريكَ، ثم نزَّه جلَّ ثناؤُه نفسَه، وعظَّمها، ورفَعها عما قال فيه أعداؤُه الكفرةُ به، فقال: ﴿سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ [وَلَدٌ﴾. يقولُ: تعالى اللَّهُ وتعظَّم وتنزَّه عن أن يكونَ له ولدٌ أو صاحبةٌ.
ثم أَخْبَر] جلَّ ثناؤُه عبادَه أن عيسى وأمَّه ومَن فى السماواتِ ومَن فى الأرضِ عبيدُه ومُلْكُه وخلقُه، وأنه رازقُهم وخالقُهم، وأنهم أهلُ حاجةٍ وفاقةٍ إليه؛ احتجاجًا منه بذلك على مَن ادَّعى أن المسيحَ ابنُه، جلَّ ذكرُه، وأنه لو كان كما قالوا لم يكنْ ذا حاجةٍ إليه، ولا كان له عبدًا مملوكًا، فقال: ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾. يعنى: للهِ ما فى السماواتِ وما فى الأرضِ من الأشياء كلِّها، مُلْكًا وخلقًا، وهو يرزُقُهم ويقُوتُهم ويدبِّرُهم، فكيف يكونُ المسيحُ ابناً له، وهو فى الأرضِ أو فى السماواتِ غيرُ خارجٍ من أن يكونَ فى بعضِ هذه الأماكنِ؟!
وقولُه: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾.
ِرُهم، فكيف يكونُ المسيحُ ابناً له، وهو فى الأرضِ أو فى السماواتِ غيرُ خارجٍ من أن يكونَ فى بعضِ هذه الأماكنِ؟!
وقولُه: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾. يعنى: وحَسْبُ ما فى السماواتِ وما فى الأرضِ باللَّهِ قَيِّماً بها ومدبِّرًا ورازقًا، من الحاجةِ معه إلى غيرِه.
القولُ فى تأويلِ قولِه جل ثناؤه: ﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ﴾.
قال أبو جعفرٍ محمدُ بنُ جريرٍ ﵀: يعنى جلَّ ثناؤُه بقولِه: ﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ﴾: لن يأْنَفَ ولن يستكبرَ المسيحُ، ﴿أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ﴾. يعنى: من أن يكونَ عبدًا للهِ.
كما حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ﴾. لن يحتشمَ المسيحُ أن يكونَ عبدًا للهِ ولا الملائكةُ.
وأما قولُه: ﴿وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ﴾.
لَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ﴾. لن يحتشمَ المسيحُ أن يكونَ عبدًا للهِ ولا الملائكةُ.
وأما قولُه: ﴿وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ﴾. فإنه يعنى: ولن يستنكفَ أيضاً من الإقرارِ للهِ بالعبودةِ، والإذعانِ له بذلك، رسلُه المقرَّبون الذين قد قرَّبهم اللهُ ورفَع منازلَهم على غيرِهم من خلقِه.
ورُوى عن الضحَّاكِ أنه كان يقولُ فى ذلك ما حدَّثنى به جعفرُ بنُ محمدٍ البُزُورىُّ، قال: ثنا يَعْلَى بنُ عبيدٍ، عن الأَجْلَحِ، قال: قلتُ للضحَّاكِ: ما المقرَّبون؟ فقال: أقربُهم إلى السماءِ الثانيةِ.
القولُ فى تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا (١٧٢)﴾.
قال أبو جعفرٍ محمدُ بنُ جريرٍ ﵀: يعنى جلَّ ثناؤُه بذلك: ومن يتعظَّمْ
عن عبادتِه ربَّه، ويأنفْ من التذلُّلِ والخضوعِ له بالطاعةِ من الخلقِ كلِّهم، ويستكبرْ عن ذلك، ﴿فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا﴾، يقولُ: فسيبعَثُهم يومَ القيامةِ جميعًا، فيجمَعُهم لموعدِهم عندَه.
﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُورًا (١٦٣) وَرُسُلا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا (١٦٤) رُسُلا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (١٦٥)﴾
قال محمد بن إسحاق، عن محمد بن أبي محمد، عن عكرمة أو سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: قال سُكَين وعَديّ بن زيد: يا محمد، ما نعلم أن الله أنزل على بشر من شيء بعد موسى.
حاق، عن محمد بن أبي محمد، عن عكرمة أو سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: قال سُكَين وعَديّ بن زيد: يا محمد، ما نعلم أن الله أنزل على بشر من شيء بعد موسى. فأنزل الله في ذلك من قولهما: (إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ) إلى آخر الآيات.
وقال ابن جرير: حدثنا الحارث، حدثنا عبد العزيز، حدثنا أبو مَعْشر، عن محمد بن كعب القرظي قال: أنزل الله: ﴿يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ﴾ إلى قوله ﴿وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا﴾ فلما تلاها عليهم -يعني على اليهود-وأخبرهم بأعمالهم الخبيثة، جحدوا كل ما أنزل الله وقالوا: ما أنزل الله على بشر من شيء، ولا موسى ولا عيسى، ولا على نبي من شيء. قال: فحَلّ حُبْوته، وقال: ولا على أحد ..
م الخبيثة، جحدوا كل ما أنزل الله وقالوا: ما أنزل الله على بشر من شيء، ولا موسى ولا عيسى، ولا على نبي من شيء. قال: فحَلّ حُبْوته، وقال: ولا على أحد .. فأنزل الله ﷿: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٩١].
وفي هذا الذي قاله محمد بن كعب القرظي نظر؛ فإن هذه الآية مكية في سورة الأنعام، وهذه الآية التي في سورة النساء مدنية، وهي رد عليهم لما سألوا النبي ﷺ أن ينزل عليهم كتابًا من السماء، قال الله تعالى ﴿فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ﴾ [النساء: ١٥٣]، ثم ذكر فضائحهم ومعايبهم وما كانوا عليه، وما هم عليه الآن من الكذب والافتراء.
الله تعالى ﴿فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ﴾ [النساء: ١٥٣]، ثم ذكر فضائحهم ومعايبهم وما كانوا عليه، وما هم عليه الآن من الكذب والافتراء. ثم ذكر تعالى أنه أوحى إلى عبده ورسوله محمد ﷺ كما أوحى إلى غيره من الأنبياء المتقدمين، فقال: (إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُورًا)
والزبور: اسم الكتاب الذي أوحاه الله إلى داود، ﵇، وسنذكر ترجمة كل واحد من هؤلاء الأنبياء، عليهم من الله [أفضل] الصلاة والسلام، عند قصصهم في السور الآتية، إن شاء الله، وبه الثقة، وعليه التكلان.
وقوله (وَرُسُلا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ) أي: من قبل هذه الآية، يعني: في السور المكية وغيرها.
كلان.
وقوله (وَرُسُلا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ) أي: من قبل هذه الآية، يعني: في السور المكية وغيرها.
وهذه تسمية الأنبياء الذين نُصَّ على أسمائهم في القرآن، وهم: آدم وإدريس، ونوح، وهود، وصالح، وإبراهيم، ولوط، وإسماعيل، وإسحاق، ويعقوب، ويوسف، وأيوب، وشعيب، وموسى، وهارون، ويونس، وداود، وسليمان، وإلياس، والْيَسَع، وزكريا، ويحيى، وعيسى [عليهم الصلاة والسلام] وكذا ذو الكفل عند كثير من المفسرين، وسيدهم محمد صلى الله وعليه وسلم.
وقوله: (وَرُسُلا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ) أي: خلقا آخرين لم يذكروا في القرآن، وقد اختلف في
عدة الأنبياء والمرسلين والمشهور في ذلك حديث أبي ذر الطويل، وذلك فيما رواه ابن مَرْدُويه، ﵀، في تفسيره، حيث قال: حدثنا إبراهيم بن محمد، حدثنا جعفر بن محمد بن الحسن، والحسين بن عبد الله بن يزيد قالا حدثنا إبراهيم بن هشام بن يحيى الغساني حدثني أبي عن جدي، عن أبي إدريس الخَوْلاني، عن أبي ذر قال: قلت: يا رسول الله، كم الأنبياء؟
عبد الله بن يزيد قالا حدثنا إبراهيم بن هشام بن يحيى الغساني حدثني أبي عن جدي، عن أبي إدريس الخَوْلاني، عن أبي ذر قال: قلت: يا رسول الله، كم الأنبياء؟ قال: "مائة ألف وأربعة وعشرون ألفًا". قلت: يا رسول الله، كم الرسل منهم؟ قال: "ثلاثمائة وثلاثة عشر جَمّ غَفِير". قلت: يا رسول الله، من كان أولهم؟ قال: "آدم". قلت: يا رسول الله، نبي مرسل؟ قال: "نعم، خلقه الله بيده، ونفخ فيه من روحه، ثم سَوَّاه قِبَلا". ثم قال: "يا أبا ذر، أربعة سريانيون: آدم، وشيث، ونوح، وخَنُوخ -وهو إدريس، وهو أول من خط بقلم-وأربعة من العرب: هود، وصالح، وشعيب، ونبيك يا أبا ذر، وأول نبي من أنبياء بني إسرائيل موسى، وآخرهم عيسى.
، ونوح، وخَنُوخ -وهو إدريس، وهو أول من خط بقلم-وأربعة من العرب: هود، وصالح، وشعيب، ونبيك يا أبا ذر، وأول نبي من أنبياء بني إسرائيل موسى، وآخرهم عيسى. وأول النبيين آدم، وآخرهم نبيك".
قد روى هذا الحديث بطوله الحافظ أبو حاتم ابن حبان البستي في كتابه: "الأنواع والتقاسيم" وقد وَسَمَه بالصحة، وخالفه أبو الفرج بن الجوزي، فذكر هذا الحديث في كتابه "الموضوعات"، واتهم به إبراهيم بن هشام هذا، ولا شك أنه قد تكلم فيه غير واحد من أئمة الجرح والتعديل من أجل هذا الحديث فالله أعلم.
وقد روي الحديث من وجه آخر، عن صحابي آخر، فقال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن عوف، حدثنا أبو المغيرة، حدثنا مُعَان بن رفاعة، عن علي بن يزيد، عن القاسم، عن أبي أُمَامة قال: قلت: يا نبي الله، كم الأنبياء؟
أبي حاتم: حدثنا محمد بن عوف، حدثنا أبو المغيرة، حدثنا مُعَان بن رفاعة، عن علي بن يزيد، عن القاسم، عن أبي أُمَامة قال: قلت: يا نبي الله، كم الأنبياء؟ قال: "مائة ألف وأربعة وعشرون ألفا، من ذلك ثلاثمائة وخمسة عشر جما غَفِيرًا".
مُعَان بن رفاعة السَّلامي ضعيف، وعلي بن يزيد ضعيف، والقاسم أبو عبد الرحمن ضعيف أيضا.
وقال الحافظ أبو يعلى الموصلي: حدثنا أحمد بن إسحاق أبو عبد الله الجوهري البصري، حدثنا مكي بن إبراهيم، حدثنا موسى بن عبيدة الرَّبَذي، عن يزيد الرَّقَاشي، عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ: "بعث الله ثمانية آلاف نبي، أربعة آلاف إلى بني إسرائيل، وأربعة آلاف إلى سائر الناس".
وهذا أيضا إسناد ضعيف فيه الربذي ضعيف، وشيخه الرَّقَاشي أضعف منه أيضا والله أعلم.
وقال أبو يعلى: حدثنا أبو الربيع، حدثنا محمد بن ثابت العَبْدِي، حدثنا محمد بن خالد
الأنصاري، عن يزيد الرَّقَاشي، عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ: "كان فيمن خلا من إخواني من الأنبياء ثمانية آلاف نبي، ثم كان عيسى ابن مريم، ثم كنت أنا".
الد
الأنصاري، عن يزيد الرَّقَاشي، عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ: "كان فيمن خلا من إخواني من الأنبياء ثمانية آلاف نبي، ثم كان عيسى ابن مريم، ثم كنت أنا".
وقد رويناه عن أنس من وجه آخر، فأخبرني الحافظ أبو عبد الله الذهبي، أخبرنا أبو الفضل بن عساكر، أنبأنا الإمام أبو بكر القاسم بن أبي سعيد الصفار، أخبرتنا عمة أبي، عائشة بنت أحمد بن منصور بن الصفار، أخبرنا الشريف أبو السنابك هبة الله بن أبي الصهباء محمد بن حيدر القُرَشِي، حدثنا الإمام الأستاذ أبو إسحاق الإسْفَراييني قال: أخبرنا الإمام أبو بكر أحمد بن إبراهيم الإسماعيلي، حدثنا محمد بن عثمان بن أبي شيبة، حدثنا أحمد بن طارق، حدثنا مسلم بن خالد، حدثنا زياد بن سعد، عن محمد بن المُنْكَدِر، عن صفوان بن سُلَيْم، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ: "بعثت على إثر من ثلاثة آلاف نبي من بني إسرائيل".
حدثنا زياد بن سعد، عن محمد بن المُنْكَدِر، عن صفوان بن سُلَيْم، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ: "بعثت على إثر من ثلاثة آلاف نبي من بني إسرائيل". وهذا غريب من هذا الوجه وإسناده لا بأس به، رجاله كلهم معروفون إلا أحمد بن طارق هذا، فإني لا أعرفه بعدالة ولا جرح والله أعلم.
حديث أبي ذر الغفاري الطويل في عدد الأنبياء ﵈:
قال محمد بن الحسين الآجري: حدثنا أبو بكر جعفر بن محمد بن الفِرْيابي إملاء في شهر رجب سنة سبع وتسعين ومائتين، حدثنا إبراهيم بن هشام بن يحيى الغسَّاني، حدثنا أبي، عن جده عن أبي إدريس الخولاني، عن أبي ذر قال: دخلت المسجد فإذا رسول الله ﷺ جالس وحده، فجلست إليه فقلت: يا رسول الله، إنك أمرتني بالصلاة. قال: "الصلاة خير موضوع فاستكثر أو استقل". قال: قلت: يا رسول الله، فأي الأعمال أفضل؟ قال: "إيمان بالله، وجهاد في سبيله". قلت: يا رسول الله، فأي المؤمنين أفضل؟ قال: "أحسنهم خلقا". قلت: يا رسول الله، فأي المسلمين أسلم؟ قال: "من سَلِمُ الناسُ من لسانه ويده".
هاد في سبيله". قلت: يا رسول الله، فأي المؤمنين أفضل؟ قال: "أحسنهم خلقا". قلت: يا رسول الله، فأي المسلمين أسلم؟ قال: "من سَلِمُ الناسُ من لسانه ويده". قلت: يا رسول الله، فأي الهجرة أفضل؟ قال: "من هَجَر السيئات". قلت: يا رسول الله، أيّ الصلاة أفضل؟ قال: "طول القنوت". قلت: يا رسول الله، فأي الصيام أفضل؟ قال: "فَرْضٌ مجزئ وعند الله أضعاف كثيرة". قلت: يا رسول الله، فأي الجهاد أفضل؟ قال: "من عُقِر جَواده وأهرِيق دَمُه". قلت: يا رسول الله، فأيّ الرقاب أفضل؟ قال: "أغلاها ثمنًا وأنفسها عند أهلها". قلت: يا رسول الله فأيّ الصدقة أفضل؟ قال: "جَهْد من مُقِلٍّ، وسر إلى فقير". قلت: يا رسول الله، فأيّ آية ما أنزل عليك أعظم [منها]؟ قال: "آية الكرسي". ثم قال: "يا أبا ذر، وما السموات السبع مع الكرسي إلا كحلقة ملقاة بأرض فَلاة، وفضل العرش على الكرسي كفضل الفلاة على الحلقة". قال: قلت: يا رسول الله، كم الأنبياء؟ قال: "مائة ألف وأربعة وعشرون ألفا" قال: قلت: يا رسول الله، كم الرسل من ذلك؟
على الكرسي كفضل الفلاة على الحلقة". قال: قلت: يا رسول الله، كم الأنبياء؟ قال: "مائة ألف وأربعة وعشرون ألفا" قال: قلت: يا رسول الله، كم الرسل من ذلك؟ قال: "ثلاثمائة، وثلاثة عشر جمٌّ غَفيرٌ كثير طيب". قلت: فمن كان أولهم؟ قال: "آدم". قلت: أنبي مرسل؟ قال: "نعم، خلقه الله بيده، ونفخ فيه من روحه، وسَوَّاه قَبِيلا ثم قال: "يا أبا ذر، أربعة سريانيون: آدم، وشيث، وخَنُوخ -وهو إدريس، وهو أول من خط بقلم-ونوح. وأربعة من العرب: هود، وشعيب،
وصالح، ونبيك يا أبا ذر. وأول أنبياء بني إسرائيل موسى، وآخرهم عيسى. وأول الرسل آدم، وآخرهم محمد". قال: قلت: يا رسول الله، كم كتابًا أنزله الله؟ قال: "مائة كتاب وأربعة كتب، وأنزل الله على شيث خمسين، صحيفة، وعلى خَنُوخ ثلاثين صحيفة، وعلى إبراهيم عشر صحائف، وأنزل على موسى من قبل التوراة عشر صحائف والإنجيل والزبور والفرقان". قال: قلت: يا رسول الله، ما كانت صحف إبراهيم؟
لاثين صحيفة، وعلى إبراهيم عشر صحائف، وأنزل على موسى من قبل التوراة عشر صحائف والإنجيل والزبور والفرقان". قال: قلت: يا رسول الله، ما كانت صحف إبراهيم؟ قال: "كانت كلها: يا أيها الملك المسلط المبتلى المغرور، إني لم أبعثك لتجمع الدنيا بعضها على بعض، ولكني بعثتك لترد عني دعوة المظلوم، فإني لا أردها ولو كانت من كافر. وكان فيها مثال: وعلى العاقل أن يكون له ساعات: ساعة يناجي فيها ربه، وساعة يحاسب فيها نفسه، وساعة يفكر في صنع الله، وساعة يخلو فيها لحاجته من المطعم والمشرب. وعلى العاقل ألا يكون ضاغنا إلا لثلاث: تزود لمعاد، أو مَرَمَّة لمعاش، أو لذة في غير محرم. وعلى العاقل أن يكون بصيرًا بزمانه، مقبلا على شأنه، حافظًا للسانه، ومَنْ حَسِب كلامه من عمله قَلَّ كلامه إلا فيما يعنيه". قال: قلت: يا رسول الله، فما كانت صحف موسى؟
يكون بصيرًا بزمانه، مقبلا على شأنه، حافظًا للسانه، ومَنْ حَسِب كلامه من عمله قَلَّ كلامه إلا فيما يعنيه". قال: قلت: يا رسول الله، فما كانت صحف موسى؟ قال: "كانت عِبَرًا كلها: عجبت لمن أيقن بالموت ثم هو يفرح، عجبت لمن أيقن بالقَدَر ثم هو يَنْصب، وعجبت لمن يرى الدنيا وتَقَلُّبَهَا بأهلها ثم يطمئن إليها، وعجبت لمن أيقن بالحساب غدًا ثم هو لا يعمل" قال: قلت: يا رسول الله، فهل في أيدينا شيء مما في أيدي إبراهيم وموسى، وما أنزل الله عليك؟ قال: "نعم، اقرأ يا أبا ذر: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى * وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى * بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * وَالآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى * إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الأُولَى * صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى﴾ [الأعلى: ١٤ - ١٩].
قال: قلت يا رسول الله، فأوصني. قال: "أوصيك بتقوى الله، فإنه رأس أمرك".
قال: قلت يا رسول الله، زدْني. قال: "عليك بتلاوة القرآن، وذِكْر الله، فإنه ذكرٌ لك في السماء، ونورٌ لك في الأرض".
قال: قلت: يا رسول الله، زدني.
أمرك".
قال: قلت يا رسول الله، زدْني. قال: "عليك بتلاوة القرآن، وذِكْر الله، فإنه ذكرٌ لك في السماء، ونورٌ لك في الأرض".
قال: قلت: يا رسول الله، زدني. قال: "إياك وكثرة الضحك. فإنه يميت القلب، ويُذْهِبُ بنور الوجه". قلت: زدني. قال: "عليك بالجهاد، فإنه رهبانية أمتي". قلت: زدني. قال: "عليك بالصمت إلا من خير، فإنه مَطْرَدَةٌ للشيطان وعون لك على أمر دينك".
قلت: زدني. قال: "انظر إلى من هو تحتك، ولا تنظر إلى من هو فوقك، فإنه أجدر لك ألا تزدري نعمة الله عليك".
قلت: زدني. قال: "أحبب المساكين وجالسهم، فإنه أَجْدرُ أن لا تزدري نعمة الله عليك". قلت: زدني. قال: "صل قرابتك وإن قطَعوك". قلت: زدني. قال: "قل الحق وإن كان مرا".
قلت: زدني. قال: "لا تخف في الله لومة لائم".
قلت: زدني. قال: "يَرُدَّك عن الناس ما تعرف عن نفسك، ولا تَجِدُ عليهم فيما تحب، وكفى بك عيبًا أن تعرف من الناس ما تجهل من نفسك.
خف في الله لومة لائم".
قلت: زدني. قال: "يَرُدَّك عن الناس ما تعرف عن نفسك، ولا تَجِدُ عليهم فيما تحب، وكفى بك عيبًا أن تعرف من الناس ما تجهل من نفسك. أو تجد عليهم فيما تحب".
ثم ضرب بيده صدري، فقال: "يا أبا ذر، لا عَقْل كالتدبير، ولا وَرَع كالكف، ولا حسب كحسن الخلق"
وروى الإمام أحمد، عن أبي المغيرة، عن مُعَان بن رفاعة، عن علي بن يزيد، عن القاسم، عن أبي أمامة: أن أبا ذر سأل النبي ﷺ، فذكر أمر الصلاة، والصيام، والصَدقة، وفَضْلَ آية الكرسي، ولا حول ولا قوة إلا بالله، وأفضلَ الشهداءِ، وأفضلَ الرقاب، ونبوة آدم، وأنه مُكَلَّم، وعددَ الأنبياء والمرسلين، كنحو ما تقدم.
وقال عبد الله بن الإمام أحمد: وجدت في كتاب أبي بخطه: حدثني عبد المتعالي بن عبد الوهاب، حدثنا يحيى بن سعيد الأمَوي، حدثنا مُجَالِد عن أبي الوَدَّاك قال: قال أبو سعيد: هل تقول الخوارج بالدجال؟ قال: قلت: لا.
ثني عبد المتعالي بن عبد الوهاب، حدثنا يحيى بن سعيد الأمَوي، حدثنا مُجَالِد عن أبي الوَدَّاك قال: قال أبو سعيد: هل تقول الخوارج بالدجال؟ قال: قلت: لا. فقال: قال رسول الله ﷺ: "إني خاتمُ ألفِ نبيّ أو أكثرَ، وما بُعِثَ نبيٌّ يُتَّبعُ إلا وقد حذر أمته منه، وإني قد بُيِّنَ لي ما لم يُبَيَّن [لأحد] وإنه أعور، وإن ربكم ليس بأعور، وعينه اليمنى عوراء جاحظة لا تخفى، كأنها نخامة في حائط مُجَصَّص، وعينه اليسرى كأنها كوكب دري، معه من كل لسان، ومعه صورة الجنة خضراء يجري فيها الماء، وصورة النار سوداء تَدْخُن".
وقد رويناه في الجزء الذي فيه رواية أبي يعلى الموصلي، عن يحيى بن مَعين، حدثنا مروان بن معاوية، حدثنا مُجَالِد، عن أبي الودَّاك، عن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ: "إني أختم ألفَ ألفَ نبيٍّ أو أكثرَ، ما بعث الله من نبي إلى قومه إلا حذَّرهم الدجالَ .... " وذكر تمام الحديث، هذا لفظه بزيادة "ألْف" وقد تكون مُقْحَمة والله أعلم.
فَ ألفَ نبيٍّ أو أكثرَ، ما بعث الله من نبي إلى قومه إلا حذَّرهم الدجالَ .... " وذكر تمام الحديث، هذا لفظه بزيادة "ألْف" وقد تكون مُقْحَمة والله أعلم. وسياق رواية الإمام أحمد أثبت وأولى بالصحة، ورجال إسناد هذا الحديث لا بأس بهم، وروي هذا الحديث من طريق جابر بن عبد الله، ﵁، قال الحافظ أبو بكر البزار:
حدثنا عمرو بن علي، حدثنا يحيى بن سعيد، حدثنا مُجَالد، عن الشَّعبي، عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ: "إني لخاتمُ ألف نبيٍّ أو أكثر، وإنه ليس منهم نبيٌّ إلا وقد أنذر قومه الدَّجالَ، وإني قد بُيِّن لي ما لم يُبَيَّن لأحد منهم وإنه أعور، وإن ربكم ليس بأعورَ".
وقوله: (وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا) وهذا تشريف لموسى، ﵇، بهذه الصفة؛ ولهذا يقال
له: الكليم.
َيَّن لأحد منهم وإنه أعور، وإن ربكم ليس بأعورَ".
وقوله: (وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا) وهذا تشريف لموسى، ﵇، بهذه الصفة؛ ولهذا يقال
له: الكليم. وقد قال الحافظ أبو بكر بن مَرْدويه: حدثنا أحمد بن محمد بن سليمان المالكي، حدثنا مَسيحُ بن حاتم، حدثنا عبد الجبار بن عبد الله قال: جاء رجل إلى أبي بكر بن عيَّاش فقال: سمعت رجلا يقرأ: "وكلم الله موسى تكليما" فقال أبو بكر: ما قرأ هذا إلا كافر، قرأتُ على الأعمش، وقرأ الأعمش على [يحيى] بن وثاب، وقرأ يحيى بن وثَّاب على أبي عبد الرحمن السَّلْمِيّ، وقرأ أبو عبد الرحمن، عَلَى عَلِيِّ بن أبي طالب، وقرأ علي بن أبي طالب على رسول الله ﷺ: (وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا).
ي عبد الرحمن السَّلْمِيّ، وقرأ أبو عبد الرحمن، عَلَى عَلِيِّ بن أبي طالب، وقرأ علي بن أبي طالب على رسول الله ﷺ: (وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا).
وإنما اشتد غضب أبي بكر بن عياش، ﵀، على مَن قرأ كذلك؛ لأنه حَرّف لفظ القرآن ومعناه، وكان هذا من المعتزلة الذين ينكرون أن [يكون] الله كلَّم موسى، ﵇، أو يكلم أحدًا من خلقه، كما رويناه عن بعض المعتزلة أنه قرأ على بعض المشايخ: "وكلم الله موسى تكليما" فقال له: يا ابن اللَّخْنَاء، فكيف تصنع بقوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ [الأعراف: ١٤٣]، يعني: أن هذا لا يحتمل التحريف ولا التأويل.
وقال ابن مَرْدُوَيه: حدثنا محمد بن أحمد بن إبراهيم، حدثنا أحمد بن الحسين بن بَهْرَام، حدثنا محمد بن مرزوق، حدثنا هانئ بن يحيى، عن الحسن بن أبي جعفر، عن قتادة عن يحيى بن وَثَّاب، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "لَما كلم الله موسى كان يُبْصِرُ دبيبَ النمل على الصفا في الليلة الظلماء".
أبي جعفر، عن قتادة عن يحيى بن وَثَّاب، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "لَما كلم الله موسى كان يُبْصِرُ دبيبَ النمل على الصفا في الليلة الظلماء". وهذا حديث غريب، وإسناده لا يصح، وإذا صح موقوفًا كان جيدًا.
وقد روى الحاكم في مستدركه وابن مردويه، من حديث حميد بن قيس الأعرج، عن عبد الله بن الحارث، عن ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ: "كان على موسى يوم كلمه ربُّه جبة صوف، وكساء صوف، وسراويل صوف، ونعلان من جلد حمار غير ذكي".
وقال ابن مردويه بإسناده عن جُوَيْبر، عن الضَّحاك عن ابن عباس قال: إن الله ناجَى موسى بمائة ألف كلمة وأربعين ألف كلمة، في ثلاثة أيام، وصايا كلها، فلما سمع موسى كلام الآدميين مَقتهم مما وقع في مسامعه من كلام الرب، ﷿.
وهذا أيضًا إسناد ضعيف، فإن جُوَيْبِرًا ضعيف، والضَّحاك لم يدرك ابنَ عباس، ﵁.
ا، فلما سمع موسى كلام الآدميين مَقتهم مما وقع في مسامعه من كلام الرب، ﷿.
وهذا أيضًا إسناد ضعيف، فإن جُوَيْبِرًا ضعيف، والضَّحاك لم يدرك ابنَ عباس، ﵁. فأما الأثر الذي رواه ابن أبي حاتم وابن مَرْدُويه وغيرهما من طريق الفضل بن عيسى الرَّقَاشي، عن محمد بن المُنْكَدِر، عن جابر بن عبد الله قال: لما كلم الله موسى يوم الطورِ، كلَّمه بغير الكلام الذي
كلَّمه يوم ناداه، فقال له موسى: يا رب، هذا كلامك الذي كلمتني به؟ قال: لا يا موسى، أنا كلمتك بقوة عَشَرةِ آلاف لسان، ولي قوةُ الألْسِنة كلها، وأنا أقوى من ذلك. فلما رجع موسى إلى بني إسرائيل قالوا: يا موسى، صِفْ لنا كلام الرحمن. قال: لا أستطيعه. قالوا: فشبه لنا. قال: ألم تسمعوا إلى صوت الصواعق فإنها قريب منه، وليس به.
موسى إلى بني إسرائيل قالوا: يا موسى، صِفْ لنا كلام الرحمن. قال: لا أستطيعه. قالوا: فشبه لنا. قال: ألم تسمعوا إلى صوت الصواعق فإنها قريب منه، وليس به. وهذا إسناد ضعيف، فإن الفضلَ هذا الرقاشي ضعيف بمرة.
وقال عبد الرزاق: أخبرنا مَعْمَر، عن الزهري، عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث، عن جَزْء بن جابر الخَثْعَمي، عن كعب قال: إن الله لما كلم موسى كلمه بالألسنة كلها سِوَى كلامه، فقال له موسى يا رب، هذا كلامك؟ قال: لا ولو كلمتك بكلامي لم تَستَقِمْ له. قال: يا رب، فهل من خلقك شيء يشبه كلامك؟
موسى كلمه بالألسنة كلها سِوَى كلامه، فقال له موسى يا رب، هذا كلامك؟ قال: لا ولو كلمتك بكلامي لم تَستَقِمْ له. قال: يا رب، فهل من خلقك شيء يشبه كلامك؟ قال: لا وأشد خلقي شبها بكلامي أشد ما تسمعون من الصواعق.
فهذا موقوف على كعب الأحبار، وهو يحكي عن الكتب المتقدمة المشتملة على أخبار بني إسرائيل، وفيها الغَثُّ والسَّمِين.
وقوله: (رُسُلا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ) أي: يبشرون من أطاع الله واتبع رضوانه بالخيرات، وينذرون من خالف أمره وكذب رسله بالعقاب والعذاب.
ِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ [فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ]﴾ [القصص: ٤٧].
وقد ثبت في الصحيحين عن ابن مسعود، [﵁] قال: قال رسول الله ﷺ: "لا أحَدَ أغَيْرُ من الله، من أجل ذلك حرم الفواحش ما ظَهَر منها وما بطن، ولا أحدَ أحبُّ إليه المدحُ من الله، من أجل ذلك مدح نفسه، ولا أحدَ أحَبُّ إليه العُذر من الله، من أجل ذلك بعث النبيين مبشرين ومنذرين" وفي لفظ: "من أجل ذلك أرسل رسله، وأنزل كتبه".