Tanya Kitab
Daftar surahSurah Maryam › Ayat 60

QS 19:60

Surah Maryam (مريم) ayat 60

19:60
إِلَّا مَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ صَٰلِحٗا فَأُوْلَـٰٓئِكَ يَدۡخُلُونَ ٱلۡجَنَّةَ وَلَا يُظۡلَمُونَ شَيۡـٔٗا
kecuali orang yang bertobat, beriman dan mengerjakan kebajikan, maka mereka itu akan masuk surga dan tidak dizalimi (dirugikan) sedikit pun
Tanya tentang ayat ini
← Ayat 59Ayat 61 →

Tafsir dalam korpus (88 potongan)

QS 19:60 (jilid 15 hlm. 574) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 15 · hlm. 574 · #69498
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ شَيْئًا (٦٠)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فسوف يَلْقَى هؤلاءِ الخَلَفُ السوءُ الذين وصَف صفتَهم غَيًّا، إلا الذين تابوا منهم فراجَعوا أمرَ اللهِ، والإيمانَ بهِ وبرسولِه، ﴿وَعَمِلَ صَالِحًا﴾. يقولُ: وأطاع الله فيما أمرَه ونهاه عنه، وأدَّى فرائضَه، واجْتَنَب محارِمَه ﴿فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ﴾. يقولُ: فإن أولئك منهم خاصةً يَدْخُلون الجنةَ دونَ مَن هلَك منهم على كُفْرِه، وإضاعتِه الصلاةَ واتباعِه الشَّهواتِ. وقولُه: ﴿وَلَا يُظْلَمُونَ شَيْئًا﴾. يقولُ: ولا يُبْخَسُون من جزاءِ أعمالِهم شيئًا، ولا يُجْمَعُ بينَهم وبينَ الذين هَلَكوا من الخلَفِ السوءِ مِنهم قبلَ توبتِهم مِن ضلالتِهم، وقبلَ إنابتِهم إلى طاعةِ ربِّهم في جَهَنَّمَ، ولكِنَّهم يدخُلُون مُدخَلَ أهلِ الإيمانِ.
QS 19:59-60 (jilid 5 hlm. 243) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 5 · hlm. 243 · #89227
﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا (٥٩) إِلا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ شَيْئًا (٦٠)﴾. لما ذكر تعالى حزْبَ السعداء، وهم الأنبياء، ﵈، ومن اتبعهم، من القائمين بحدود الله وأوامره، المؤدين فرائض الله، التاركين لزواجره -ذكر أنه (خَلَفَ مِنْ بَعْدِهم خَلْفٌ) أي: قرون أخر، (أَضَاعُوا الصَّلاةَ) -وإذا أضاعوها فهم لما سواها من الواجبات أضيع؛ لأنها عماد الدين وقوامه، وخير أعمال العباد-وأقبلوا على شهوات الدنيا وملاذها، ورضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها، فهؤلاء سيلقون غيا، أي: خَسَارًا يوم القيامة. وقد اختلفوا في المراد بإضاعة الصلاة هاهنا، فقال قائلون: المراد بإضاعتها تَرْكُها بالكلية، قاله محمد بن كعب القُرَظي، وابن زيد بن أسلم، والسدي، واختاره ابن جرير.
QS 19:59-60 (jilid 5 hlm. 243) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 5 · hlm. 243 · #89228
في المراد بإضاعة الصلاة هاهنا، فقال قائلون: المراد بإضاعتها تَرْكُها بالكلية، قاله محمد بن كعب القُرَظي، وابن زيد بن أسلم، والسدي، واختاره ابن جرير. ولهذا ذهب من ذهب من السلف والخلف والأئمة كما هو المشهور عن الإمام أحمد، وقول عن الشافعي إلى تكفير تارك الصلاة، للحديث: " بين العبد وبين الشرك تَركُ الصلاة"، والحديث الآخر: "العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر". وليس هذا محل بسط هذه المسألة. وقال الأوزاعي، عن موسى بن سليمان، عن القاسم بن مُخَيمرة في قوله: (فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ)، قال: إنما أضاعوا المواقيت، ولو كان تركًا كان كفرًا. وقال وكيع، عن المسعودي، عن القاسم بن عبد الرحمن، والحسن بن سعد، عن ابن مسعود أنه قيل له: إن الله يكثر ذكر الصلاة في القرآن: ﴿الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ و ﴿عَلَى صَلاتِهِمْ دَائِمُونَ﴾ و ﴿عَلَى صَلاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾؟ قال ابن مسعود: على مواقيتها. قالوا: ما كنا نرى ذلك إلا على الترك؟
QS 19:59-60 (jilid 5 hlm. 243) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 5 · hlm. 243 · #89229
تِهِمْ سَاهُونَ﴾ و ﴿عَلَى صَلاتِهِمْ دَائِمُونَ﴾ و ﴿عَلَى صَلاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾؟ قال ابن مسعود: على مواقيتها. قالوا: ما كنا نرى ذلك إلا على الترك؟ قال: ذاك الكفر. [و] قال مسروق: لا يحافظ أحد على الصلوات الخمس، فيكتب من الغافلين، وفي إفراطهن الهلكة، وإفراطهن: إضاعتهن عن وقتهن. وقال الأوزاعي، عن إبراهيم بن يزيد: أن عمر بن عبد العزيز قرأ: (فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا)، ثم قال: لم تكن إضاعتهم تركها، ولكن أضاعوا الوقت. وقال ابن أبي نَجِيح، عن مجاهد: (فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ) قال: عند قيام الساعة، وذهاب صالحي أمة محمد ﷺ، ينزو بعضهم على بعض في الأزقة، وكذا روى ابن جُرَيج، عن مجاهد، مثله. وروى جابر الجُعْفي، عن مجاهد، وعكرمة، وعطاء بن أبي رباح: أنهم من هذه الأمة، يعنون في آخر الزمان.
QS 19:59-60 (jilid 5 hlm. 244) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 5 · hlm. 244 · #89230
ى بعض في الأزقة، وكذا روى ابن جُرَيج، عن مجاهد، مثله. وروى جابر الجُعْفي، عن مجاهد، وعكرمة، وعطاء بن أبي رباح: أنهم من هذه الأمة، يعنون في آخر الزمان. وقال ابن جرير: حدثني الحارث، حدثنا الحسن الأشيب، حدثنا شريك، عن إبراهيم بن مهاجر، عن مجاهد: (فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ)، قال: هم في هذه الأمة، يتراكبون تراكب الأنعام والحمر في الطرق، لا يخافون الله في السماء، ولا يستحيون الناس في الأرض. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن سنان الواسطي، حدثنا أبو عبد الرحمن المقرئ، حدثنا حيوة، حدثنا بشير بن أبي عمرو الخولاني: أن الوليد بن قيس حدثه، أنه سمع أبا سعيد الخدري يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "يكون خلف بعد ستين سنة، أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات، فسوف يلقون غيا. ثم يكون خلف يقرءون القرآن لا يعدو تراقيهم. ويقرأ القرآن ثلاثة: مؤمن، ومنافق، وفاجر". قال بشير: قلت للوليد: ما هؤلاء الثلاثة؟
QS 19:59-60 (jilid 5 hlm. 244) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 5 · hlm. 244 · #89231
الشهوات، فسوف يلقون غيا. ثم يكون خلف يقرءون القرآن لا يعدو تراقيهم. ويقرأ القرآن ثلاثة: مؤمن، ومنافق، وفاجر". قال بشير: قلت للوليد: ما هؤلاء الثلاثة؟ قال: المؤمن مؤمن به، والمنافق كافر به، والفاجر يأكل به. وهكذا رواه أحمد عن أبي عبد الرحمن، المقرئ، به وقال ابن أبي حاتم أيضًا: حدثني أبي، حدثنا إبراهيم بن موسى، أنبأنا عيسى بن يونس، حدثنا عبيد الله بن عبد الرحمن بن مَوْهَب، عن مالك، عن أبي الرجال، أن عائشة كانت ترسل بالشيء صدقة لأهل الصُّفَّة، وتقول: لا تعطوا منه بربريا ولا بربرية، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "هم الخلف الذين قال الله تعالى: (فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ).
QS 19:59-60 (jilid 5 hlm. 244) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 5 · hlm. 244 · #89232
ل: لا تعطوا منه بربريا ولا بربرية، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "هم الخلف الذين قال الله تعالى: (فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ). هذا حديث غريب. وقال أيضًا: حدثني أبي، حدثنا عبد الرحمن بن الضحاك، حدثنا الوليد، حدثنا حَريز، عن شيخ من أهل المدينة؛ أنه سمع محمد بن كعب القُرَظِي يقول في قوله: (فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ) الآية، قال: هم أهل الغرب، يملكون وهم شر من ملك. وقال كعب الأحبار: والله إني لأجد صفة المنافقين في كتاب الله ﷿: شرابين للقهوات تراكين للصلوات، لعابين بالكعبات، رقادين عن العتمات، مفرطين في الغدوات، تراكين للجمعات قال: ثم تلا هذه الآية: (فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا). وقال الحسن البصري: عطلوا المساجد، ولزموا الضيعات.
QS 19:59-60 (jilid 5 hlm. 245) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 5 · hlm. 245 · #89233
فَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا). وقال الحسن البصري: عطلوا المساجد، ولزموا الضيعات. وقال أبو الأشهب العُطَارِدي: أوحى الله -تعالى-إلى داود: يا داود، حَذّر وأنذر أصحابك أكل الشهوات؛ فإن القلوب المعَلقة بشهوات الدنيا عقولها عني محجوبة، وإن أهون ما أصنع بالعبد من عبيدي إذا آثر شهوة من شهواته على أن أحرمه طاعتي. وقال الإمام أحمد: حدثنا زيد بن الحباب حدثنا أبو [السمح] التميمي، عن أبي قبيل، أنه سمع عقبة بن عامر قال: قال رسول الله ﷺ: "إني أخاف على أمتي اثنتين: القرآن [واللبن، أما اللبن] فيتبعون الرّيف، ويتبعون الشهوات ويتركون الصلوات، وأما القرآن فيتعلمه المنافقون، فيجادلون به المؤمنين". ورواه عن حسن بن موسى، عن ابن لهيعة، حدثنا أبو قبيل، عن عقبة، به مرفوعًا بنحوه تفرد به. وقوله: (فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا) قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: (فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا) أي: خسرانا.
QS 19:59-60 (jilid 5 hlm. 245) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 5 · hlm. 245 · #89234
يل، عن عقبة، به مرفوعًا بنحوه تفرد به. وقوله: (فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا) قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: (فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا) أي: خسرانا. وقال قتادة: شرًّا. وقال سفيان الثوري، وشعبة، ومحمد بن إسحاق، عن أبي إسحاق السَّبيعي، عن أبي عبيدة، عن عبد الله بن مسعود: (فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا) قال: واد في جهنم، بعيد القعر، خبيث الطعم. وقال الأعمش، عن زياد، عن أبي عياض في قوله: (فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا) قال: واد في جهنم من قيح ودم. وقال الإمام أبو جعفر بن جرير: حدثني عباس بن أبي طالب، حدثنا محمد بن زياد بن زيان، حدثنا شرقي بن قطامي، عن لقمان بن عامر الخزاعي قال: جئت أبا أمامة صُدَيّ بن عَجْلان الباهلي فقلت: حدثنا حديثا سمعته من رسول الله ﷺ، قال: فدعا بطعام، ثم قال: قال رسول الله ﷺ: "لو أن صخرة زنة عشر أواق قذف بها من شفير جهنم، ما بلغت قعرها خمسين خريفًا، ثم تنتهي إلى غي وآثام". قال: قلت: وما غي وآثام؟
QS 19:59-60 (jilid 5 hlm. 245) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 5 · hlm. 245 · #89235
، ثم قال: قال رسول الله ﷺ: "لو أن صخرة زنة عشر أواق قذف بها من شفير جهنم، ما بلغت قعرها خمسين خريفًا، ثم تنتهي إلى غي وآثام". قال: قلت: وما غي وآثام؟ قال: "بئران في أسفل جهنم، يسيل فيهما صديد أهل النار، وهما اللتان ذكر الله في كتابه: (أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا) وقوله في الفرقان: ﴿وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا﴾ هذا حديث غريب ورفعه منكر. وقوله: (إِلا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلا صَالِحًا)، أي: إلا من رجع عن ترك الصلوات واتباع الشهوات، فإن الله يقبل توبته، ويحسن عاقبته، ويجعله من ورثة جنة النعيم؛ ولهذا قال: (فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ شَيْئًا) وذلك؛ لأن التوبة تُجُبُّ ما قبلها، وفي الحديث الآخر: "التائب من الذنب كمن لا ذنب له"؛ ولهذا لا يُنْقص هؤلاء التائبون من أعمالهم التي عملوها شيئًا، ولا قوبلوا بما عملوه قبلها فينقص لهم مما عملوه بعدها؛ لأن ذلك ذهب هَدَرًا وترك نسيا، وذهب مَجَّانا، من
QS 19:59-60 (jilid 5 hlm. 246) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 5 · hlm. 246 · #89236
قص هؤلاء التائبون من أعمالهم التي عملوها شيئًا، ولا قوبلوا بما عملوه قبلها فينقص لهم مما عملوه بعدها؛ لأن ذلك ذهب هَدَرًا وترك نسيا، وذهب مَجَّانا، من كرم الكريم، وحلم الحليم. وهذا الاستثناء هاهنا كقوله في سورة الفرقان: ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا * إِلا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الفرقان: ٦٨ - ٧٠]
QS 19:60 (jilid 4 hlm. 384) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 4 · hlm. 384 · #100383
قوله تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا (٥٩) إلا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ شَيئًا (٦٠)﴾. الضمير في قوله: ﴿مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ راجع إلى النبيين المذكورين في قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ﴾ الآية. أي فخلف من بعد أولئك النبيين خَلْف، أي: أولاد سوء. قال القرطبي ﵀ في تفسير سورة "الأعراف": قال أبو حاتم: الخَلْف بسكون اللام: الأولاد، الواحد والجمع فيه سواء. والخَلَف -بفتح اللام- البَدَل ولدًا كان أو غريبًا. وقال ابن الأعرابي: الخَلَف -بالفتح- الصالح. وبالسكون: الطالح. قال لبيد: ذهب الذين يُعاش في أكنافهم ... وبقيتُ في خَلَف كجلد الأجرب ومنه قيل للرديء من الكلام: خَلْف؛ ومنه المثل السائر "سكت ألْفًا ونطق خَلْفًا". فخَلْف في الذم بالإسكان.
QS 19:60 (jilid 4 hlm. 384) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 4 · hlm. 384 · #100384
اش في أكنافهم ... وبقيتُ في خَلَف كجلد الأجرب ومنه قيل للرديء من الكلام: خَلْف؛ ومنه المثل السائر "سكت ألْفًا ونطق خَلْفًا". فخَلْف في الذم بالإسكان. وخَلَف بالفتح في المدح. هذا هو المستعمل المشهور؛ قال ﷺ: "يحمل هذا العلم من كل خَلَف عُدُوْله" وقد يستعمل كل واحد منهما موضع الآخر؛ قال حسان بن ثابت ﵁: لنا القدم الأولى إليك وخلفنا ... لأولنا في طاعة الله تابع وقال آخر: إنا وجدنا خَلَفًا بئس الخَلَف ... أغلقَ عنَّا بابه ثم حَلَف لا يدخل البواب إلا من عرف ... عبدًا إذا ما ناء بالحمل وقف ويروى: خضف، أي ردم. انتهى منه. والردم: الضراط. ومعنى الآية الكريمة: أن هذا الخلف السيء الذي خلف من بعد أولئك النبيين الكرام كان من صفاتهم القبيحة: أنهم أضاعوا الصلاة، واتبعوا الشهوات. واختلف أهل العلم في المراد بإضاعتهم الصلاة، فقال بعضهم: المراد بإضاعتها تأخيرها عن وقتها. وممن يروى عنه هذا القول ابن مسعود، والنخعي، والقاسم ابن مخيمرة، ومجاهد، وعمر بن عبد العزيز وغيرهم.
QS 19:60 (jilid 4 hlm. 385) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 4 · hlm. 385 · #100385
لاة، فقال بعضهم: المراد بإضاعتها تأخيرها عن وقتها. وممن يروى عنه هذا القول ابن مسعود، والنخعي، والقاسم ابن مخيمرة، ومجاهد، وعمر بن عبد العزيز وغيرهم. وقال القرطبي في تفسير هذه الآية: إن هذا القول هو الصحيح. وقال بعضهم: إضاعتها الإخلال بشروطها، وممن اختار هذا القول الزجاج، وقال بعضهم: المراد بإضاعتها جحد وجوبها؛ ويروى هذا القول وما قبله عن محمد بن كعب القرظي. وقيل: إضاعتها في غير الجماعات. وقيل: إضاعتها تعطيل المساجد، والاشتغال بالصنائع والأسباب. قال مقيده -عفا الله عنه وغفر له-: وكل هذه الأقوال تدخل في الآية؛ لأن تأخيرها عن وقتها، وعدم إقامتها في الجماعة، والإخلال بشروطها، وجحد وجوبها، وتعطيل المساجد منها؛ كل ذلك إضاعة لها، وإن كانت أنواع الإضاعة تتفاوت. واختلف العلماء أيضًا في الخلف المذكورين من هم؟ فقيل: هم اليهود. ويروى عن ابن عباس ومقاتل. وقيل: هم اليهود والنصارى، ويروى عن السدي.
QS 19:60 (jilid 4 hlm. 386) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 4 · hlm. 386 · #100386
ع الإضاعة تتفاوت. واختلف العلماء أيضًا في الخلف المذكورين من هم؟ فقيل: هم اليهود. ويروى عن ابن عباس ومقاتل. وقيل: هم اليهود والنصارى، ويروى عن السدي. وقيل: هم قوم من أمة محمد ﷺ يأتون عند ذهاب الصالحين منها، يركب بعضهم بعضًا في الأزقة زنى، ويروى عن مجاهد وعطاء وقتادة ومحمد بن كعب القرظي. وقيل: إنهم البربر. وقيل: إنهم أهل الغرب. وفيهم أقوال أخر. قال مقيده -عفا الله عنه-: وكونهم من أمة محمد ﷺ ليس بوجيه عندي؛ لأن قوله تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ صيغة تدل على الوقوع في الزمن الماضي، ولا يمكن صرفها إلى المستقبل إلا بدليل يجب الرجوع إليه كما ترى. والظاهر أنهم اليهود والنصارى وغيرهم من الكفار الذين خلفوا أنبياءهم وصالحيهم قبل نزول الآية، فأضاعوا الصلاة، واتبعوا الشهوات، وعلى كل حال فالعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فكل خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات يدخلون في الذم والوعيد المذكور في هذه الآية. واتباع الشهوات المذكور في الآية عام في اتباع كل مشتهى يشغل عن ذكر الله وعن الصلاة.
QS 19:60 (jilid 4 hlm. 386) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 4 · hlm. 386 · #100387
لصلاة واتبعوا الشهوات يدخلون في الذم والوعيد المذكور في هذه الآية. واتباع الشهوات المذكور في الآية عام في اتباع كل مشتهى يشغل عن ذكر الله وعن الصلاة. وعن علي ﵁: من بنى المشيد، وركب المنظور، ولبس المشهور؛ فهو ممن اتبع الشهوات. وقوله تعالى: ﴿فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا (٥٩)﴾ اعلم أولًا أن العرب تطلق الغي على كل شر. والرشاد على كل خير. قال المرقش الأصغر: فمن يلق خيرًا يحمد الناسُ أمره ... ومن يغوَ لا يعدم على الغي لائما فقوله: "ومن يغو" يعني ومن يقع في شر. والإطلاق المشهور هو أن الغي الضلال. وفي المراد بقوله: ﴿غَيًّا (٥٩)﴾ في الآية أقوال متقاربة. منها: أن الكلام على حذف مضاف، أي فسوف يلقون جزاء غي، ولا شك أنهم سيلقون جزاء ضلالهم. وممن قال بهذا القول: الزجاج. ونظير هذا التفسير قوله تعالى.
QS 19:60 (jilid 4 hlm. 387) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 4 · hlm. 387 · #100388
اربة. منها: أن الكلام على حذف مضاف، أي فسوف يلقون جزاء غي، ولا شك أنهم سيلقون جزاء ضلالهم. وممن قال بهذا القول: الزجاج. ونظير هذا التفسير قوله تعالى. ﴿يَلْقَ أَثَامًا﴾ عند من يقول إن معناه يلق مجازاة أثامه في الدنيا، ويشبه هذا المعنى قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا﴾، وقوله: ﴿أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إلا النَّارَ﴾ ؛ فأطلق النار على ما أكلوا في بطونهم في الدنيا من المال الحرام لأنها جزاؤه، كما أطلق الغي والأثام على العذاب لأنه جزاؤهما. ومنها: أن الغي في الآية الخسران والحصول في الورطات. وممن روى عنه هذا القول: ابن عباس، وابن زيد. ورُويَ عن ابن زيد أيضًا: ﴿غَيًّا (٥٩)﴾ أي شرًّا أو ضلالًا أو خيبة. وقال بعضهم: إن المراد بقوله ﴿غَيًّا (٥٩)﴾ في الآية: واد في جهنم من قيح؛ لأنه يسيل فيه قيح أهل النار وصديدهم، وهو بعيد القعر خبيث الطعم. وممن قال بهذا ابن مسعود، والبراء ابن عازب.
QS 19:60 (jilid 4 hlm. 387) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 4 · hlm. 387 · #100389
غَيًّا (٥٩)﴾ في الآية: واد في جهنم من قيح؛ لأنه يسيل فيه قيح أهل النار وصديدهم، وهو بعيد القعر خبيث الطعم. وممن قال بهذا ابن مسعود، والبراء ابن عازب. ورُويَ عن عائشة، وشُفيِّ بن ماتع. وجاء حديث مرفوع بمقتضى هذا القول من حديث أبي أمامة وابن عباس فيه: أن النبي ﷺ قال: "إن غيًا واد في جهنم" كما في حديث ابن عباس. وفي حديث أبي أمامة: أن غيًا وأثامًا: نهران في أسفل جهنم، يسيل فيهما صديد أهل النار. والظاهر أنه لم يصح في ذلك شيء عن النبي ﷺ. وقد ذكر ابن كثير في تفسير هذه الآية حديث أبي أمامة صُدي بن عجلان الباهلي الذي أشرنا له آنفًا، ثم قال: هذا حديث غريب ورَفْعه منكر. وقيل: إن المعنى: فسوف يلقون غيًا أي: ضلالًا في الآخرة عن طريق الجنة، ذكره الزمخشري.
QS 19:60 (jilid 4 hlm. 388) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 4 · hlm. 388 · #100390
الباهلي الذي أشرنا له آنفًا، ثم قال: هذا حديث غريب ورَفْعه منكر. وقيل: إن المعنى: فسوف يلقون غيًا أي: ضلالًا في الآخرة عن طريق الجنة، ذكره الزمخشري. وفيه أقوال أخر، ومدار جميع الأقوال في ذلك على شيء واحد، وهو: أن أولئك الخلف الذين أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات سوف يلقون يوم القيامة عذابًا عظيمًا. فإذا عرفت كلام العلماء في هذه الآية الكريمة، وأن الله تعالى توعد فيها من أضاع الصلاة واتبع الشهوات بالغي الذي هو الشر العظيم والعذاب الأليم = فاعلم أنه أشار إلى هذا المعنى في مواضع أخر؛ كقوله في ذم الذين يضيعون الصلاة ولا يحافظون عليها وتهديدهم: ﴿فَوَيلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ (٥) الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ (٦) وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ (٧)﴾، وقوله في ذم المنافقين: ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إلا قَلِيلًا (١٤٢)﴾، وقوله فيهم أيضًا: ﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إلا
QS 19:60 (jilid 4 hlm. 388) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 4 · hlm. 388 · #100391
ُسَالى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إلا قَلِيلًا (١٤٢)﴾، وقوله فيهم أيضًا: ﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إلا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إلا وَهُمْ كُسَالى وَلَا يُنْفِقُونَ إلا وَهُمْ كَارِهُونَ (٥٤)﴾. وأشار في مواضع كثيرة إلى ذم الذين يتبعون الشهوات وتهديدهم، كقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ (١٢)﴾، وقوله تعالى: ﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٣)﴾، وقوله تعالى: ﴿كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلًا إِنَّكُمْ مُجْرِمُونَ (٤٦) وَيلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٤٧)﴾ إلى غير ذلك من الآيات.
QS 19:60 (jilid 4 hlm. 388) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 4 · hlm. 388 · #100392
َعْلَمُونَ (٣)﴾، وقوله تعالى: ﴿كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلًا إِنَّكُمْ مُجْرِمُونَ (٤٦) وَيلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٤٧)﴾ إلى غير ذلك من الآيات. ويفهم من مفهوم مخالفة الآية الكريمة: أن الخلف الطيبين لا يضيعون الصلاة، ولا يتبعون الشهوات، وقد أشار تعالى إلى هذا في مواضع من كتابه؛ كقوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (٢) -إلى قوله- وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (٩) أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ (١٠) الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (١١)﴾، إلى غير ذلك من الآيات. وكقوله: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (٤٠) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى (٤١)﴾ إلى غير ذلك من الآيات. مسائل تتعلق بهذه الآية الكريمة: المسألة الأولى أجمع العلماء على أن تارك الصلاة الجاحد لوجوبها كافر، وأنه يقتل كفرًا ما لم يتب.
QS 19:60 (jilid 4 hlm. 389) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 4 · hlm. 389 · #100393
إلى غير ذلك من الآيات. مسائل تتعلق بهذه الآية الكريمة: المسألة الأولى أجمع العلماء على أن تارك الصلاة الجاحد لوجوبها كافر، وأنه يقتل كفرًا ما لم يتب. والظاهر أن ترك ما لا تصح الصلاة دونه كالوضوء وغسل الجنابة كتركها. وجَحْد وجوبه كجحد وجوبها. المسألة الثانية اختلف العلماء في تارك الصلاة عمدًا تهاونًا وتكاسلًا مع اعترافه بوجوبها، هل هو كافر أو مسلم. وهل يقتل كفرًا أو حدًّا أو لا يقتل. فذهب بعض أهل العلم إلى أنه كافر مرتد يستتاب، فإن تاب فذلك، وإن لم يتب قتل كفرًا. وممن قال بهذا: الإمام أحمد ﵀ في أصح الروايتين. وهو مروي عن علي بن أبي طالب ﵁. وبه قال ابن المبارك، وإسحاق بن راهويه، ومنصور الفقيه من الشافعية. ويروى أيضًا عن أبي الطيب بن سلمة من الشافعية. وهو رواية ضعيفة عن مالك. واحتج أهل هذا القول بأدلة، منها قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ﴾ الآية.
QS 19:60 (jilid 4 hlm. 389) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 4 · hlm. 389 · #100394
و رواية ضعيفة عن مالك. واحتج أهل هذا القول بأدلة، منها قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ﴾ الآية. ويفهم من مفهوم الآية: أنهم إن لم يقيموا الصلاة لم يكونوا من إخوان المؤمنين، ومن انتفت عنهم أخوة المؤمنين فهم من الكافرين؛ لأن الله يقول: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ .. ﴾ الآية. ومنها حديث جابر الثابت في صحيح مسلم عنه عن النبي ﷺ من طريقين. لفظ المتن في الأولى منهما: سمعت النبي ﷺ يقول: "إن بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة". ولفظ المتن في الأخرى: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة". انتهى منه. وهو واضح في أن تارك الصلاة كافر؛ لأن عطف الشرك على الكفر فيه تأكيد قوي لكونه كافرًا.
QS 19:60 (jilid 4 hlm. 390) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 4 · hlm. 390 · #100395
لله ﷺ يقول: "بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة". انتهى منه. وهو واضح في أن تارك الصلاة كافر؛ لأن عطف الشرك على الكفر فيه تأكيد قوي لكونه كافرًا. ومنها: حديث أم سلمة، وحديث عوف بن مالك الآتيين الدالين على قتال الأمراء إذا لم يصلوا، وهما في صحيح مسلم مع حديث عبادة بن الصامت المتفق عليه قال: بايعنا رسول الله على السمع والطاعة في منشطنا ومكرهنا وعسرنا ويسرنا وأثرة علينا، وألا ننازع الأمر أهله. قال: "إلا أن تروا كفرًا بواحًا عندكم فيه من الله برهان". فدلَّ مجموع الأحاديث المذكورة أن ترك الصلاة كفر بواح عليه من الله برهان. وقد قدمنا هذه الأحاديث المذكورة في سورة "البقرة". وهذا من أقوى أدلة أهل هذا القول. ومنها: حديث بريدة بن الحصيب الأسلمي ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر" أخرجه الإمام أحمد، وأصحاب السنن، وابن حبان، والحاكم. وقال الشوكاني في نيل الأوطار في هذا الحديث: صححه النسائي، والعراقي.
QS 19:60 (jilid 4 hlm. 390) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 4 · hlm. 390 · #100396
م الصلاة، فمن تركها فقد كفر" أخرجه الإمام أحمد، وأصحاب السنن، وابن حبان، والحاكم. وقال الشوكاني في نيل الأوطار في هذا الحديث: صححه النسائي، والعراقي. وقال النووي في شرح المهذب: رواه الترمذي والنسائي، قال الترمذي: حديث حسن صحيح. وقال الحاكم في المستدرك بعد أن ساق هذا الحديث بإسناده: هذا حديث صحيح الإسناد، لا تعرف له علة بوجه من الوجوه. فقد احتجَّا جميعًا بعبد الله بن بريدة عن أبيه. واحتج مسلم بالحسين بن واقد، ولم يخرجاه بهذا اللفظ. ولهذا الحديث شاهد صحيح على شرطهما جميعًا. أخبرنا أحمد بن سهل الفقيه ببخارى، حدثنا قيس بن أنيف، حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا بشر بن المفضل، عن الجريري، عن عبد الله بن شقيق، عن أبي هريرة قال: كان أصحاب رسول الله ﷺ لا يرون شيئًا من الأعمال تركه كفر غير الصلاة. وأقره الذهبي على تصحيحه لحديث بريدة المذكور.
QS 19:60 (jilid 4 hlm. 391) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 4 · hlm. 391 · #100397
عبد الله بن شقيق، عن أبي هريرة قال: كان أصحاب رسول الله ﷺ لا يرون شيئًا من الأعمال تركه كفر غير الصلاة. وأقره الذهبي على تصحيحه لحديث بريدة المذكور. وقال في أَثَر ابن شقيق عن أبي هريرة المذكور: لم يتكلم عليه وإسناده صالح. قال مقيده -عفا الله عنه-: والظاهر أن قول الحافظ الذهبي ﵀: "لم يتكلم عليه" سهو منه؛ لأنه تكلم عليه في كلامه على حديث بريدة المذكور آنفًا، حيث قال: ولهذا الحديث شاهد صحيح على شرطهما جميعًا؛ يعني أثر ابن شقيق المذكور كما ترى. وقال النووي في شرح المهذب: وعن عبد الله بن شقيق العقيلي التابعي المتفق على جلالته: كان أصحاب محمد ﷺ لا يرون شيئًا من الأعمال تركه كفر غير الصلاة. رواه الترمذي في كتاب الإيمان بإسناد صحيح. اهـ منه، وقد ذكر النووي ﵀ في كلامه هذا الاتفاق على جلالة ابن شقيق المذكور مع أن فيه نصبًا. وقال المجد في المنتقى: وعن عبد الله بن شقيق العقيلي: كان أصحاب رسول الله ﷺ إلى آخره.
QS 19:60 (jilid 4 hlm. 391) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 4 · hlm. 391 · #100398
في كلامه هذا الاتفاق على جلالة ابن شقيق المذكور مع أن فيه نصبًا. وقال المجد في المنتقى: وعن عبد الله بن شقيق العقيلي: كان أصحاب رسول الله ﷺ إلى آخره. ثم قال: رواه الترمذي اهـ، ولا يخفى عليك أن رواية الحاكم فيها أبو هريرة ورواية الترمذي ليس فيها أبو هريرة. وحديث بريدة بن الحصيب وأثر ابن شقيق المذكورين فيها الدلالة الواضحة على أن ترك الصلاة عمدًا تهاونًا كفر ولو أقر تاركها بوجوبها. وبذلك يعتضد حديث جابر المذكور عند مسلم. ومن الأدلة الدالة على أن ترك الصلاة كفر: ما رواه الإمام أحمد والطبراني في الكبير والأوسط من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص عن النبي ﷺ، أنه ذكر الصلاة يومًا فقال: "من حافظ عليها كانت له نورًا وبرهانًا ونجاة يوم القيامة. ومن لم يحافظ عليها لم يكن له نور ولا برهان ولا نجاة، وكان يوم القيامة مع قارون وفرعون وهامان وأُبيّ بن خلف" اهـ.
QS 19:60 (jilid 4 hlm. 392) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 4 · hlm. 392 · #100399
له نورًا وبرهانًا ونجاة يوم القيامة. ومن لم يحافظ عليها لم يكن له نور ولا برهان ولا نجاة، وكان يوم القيامة مع قارون وفرعون وهامان وأُبيّ بن خلف" اهـ. وهذا الحديث أوضح دلالة على كفر تارك الصلاة؛ لأن انتفاء النور والبرهان والنجاة، والكينونة مع فرعون وهامان وقارون وأُبيّ بن خلف يوم القيامة أوضح دليل على الكفر كما ترى. وقال الهيثمي في مجمع الزوائد في هذا الحديث: رواه أحمد والطبراني في الكبير والأوسط، ورجال أحمد ثقات اهـ. وفي الباب أحاديث غير ما ذكرنا، منها ما هو ضعيف، ومنها ما هو صالح للاحتجاج، وذكر طرفًا منها الهيثمي في مجمع الزوائد. وفيما ذكرناه كفاية. وذهبت جماعة من أهل العلم إلى أن تارك الصلاة عمدًا تهاونًا وتكاسلًا إذا كان معترفًا بوجوبها غير كافر، وأنه يقتل حدًّا كالزاني المحصن لا كفرًا.
QS 19:60 (jilid 4 hlm. 392) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 4 · hlm. 392 · #100400
كفاية. وذهبت جماعة من أهل العلم إلى أن تارك الصلاة عمدًا تهاونًا وتكاسلًا إذا كان معترفًا بوجوبها غير كافر، وأنه يقتل حدًّا كالزاني المحصن لا كفرًا. وهذا هو مذهب مالك وأصحابه، وهو مذهب الشافعي وجمهور أصحابه، وعزاه النووي في شرح المهذب للأكثرين من السلف والخلف، وقال في شرح مسلم: ذهب مالك والشافعي رحمهما الله تعالى والجماهير من السلف والخلف إلى أنه لا يكفر بل يفسق ويستتاب؛ فإن تاب وإلا قتلناه حدًّا كالزاني المحصن، ولكنه يقتل بالسيف اهـ. واعلم أن هذا القول يحتاج إلى الدليل من جهتين، وهما عدم كفره، وأنه يُقتل. وهذه أدلتهم على الأمرين معًا. أما أدلتهم على أنه يقتل: فمنها: قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ فإن الله تعالى في هذه الآية اشترط في تخلية سبيلهم إقامتهم للصلاة.
QS 19:60 (jilid 4 hlm. 393) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 4 · hlm. 393 · #100401
: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ فإن الله تعالى في هذه الآية اشترط في تخلية سبيلهم إقامتهم للصلاة. ويفهم من مفهوم الشرط أنهم إن لم يقيموها لم يخل سبيلهم وهو كذلك. ومنها: ما رواه الشيخان عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا ألا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة؛ فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها" اهـ. فهذا الحديث الصحيح يدل على أنهم لا تعصم دماؤهم ولا أموالهم إلا بإقامة الصلاة كما ترى. ومنها: ما أخرجه الشيخان عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: بعث علي ﵁ وهو باليمن إلى النبي ﷺ بذهيبة فقسمها بين أربعة؛ فقال رجل: يا رسول الله، اتق الله. فقال "ويلك، أو لست أحق أهل الأرض أن يتقي الله"؟! ثم ولى الرجل، فقال خالد بن الوليد: يا رسول الله، ألا أضرب عنقه؟ فقال: "لا، لعله أن يكون يصلي" فقال خالد: وكم من مصل يقول بلسانه ما ليس في قلبه؟
QS 19:60 (jilid 4 hlm. 393) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 4 · hlm. 393 · #100402
له"؟! ثم ولى الرجل، فقال خالد بن الوليد: يا رسول الله، ألا أضرب عنقه؟ فقال: "لا، لعله أن يكون يصلي" فقال خالد: وكم من مصل يقول بلسانه ما ليس في قلبه؟ فقال رسول الله ﷺ: "إني لم أومر أن أنقب عن قلوب الناس، ولا أشق بطونهم" مختصر من حديث متفق عليه. فقوله ﷺ في هذا الحديث الصحيح: "لا" يعني لا تقتله. وتعليله ذلك بقوله: "لعله أن يكون يصلي" فيه الدلالة الواضحة على النهي عن قتل المصلين، ويفهم منه أنه إن لم يصل يقتل، وهو كذلك. ومنها: ما رواه مسلم في صحيحه عن أم سلمة ﵂ عن النبي ﷺ أنه قال: "إنه يستعمل عليكم أمراء فتعرفون وتنكرون؛ فمن كره فقد برئ، ومن أنكر فقد سلم، ولكن من رضي وتابع" قالوا: يا رسول الله، ألا نقاتلهم؟ قال: "لا، ما صلوا" هذا لفظ مسلم في صحيحه. و"ما" في قوله: "ما صلوا" مصدرية ظرفية؛ أي: لا تقاتلوهم مدة كونهم يصلون.
QS 19:60 (jilid 4 hlm. 394) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 4 · hlm. 394 · #100403
" قالوا: يا رسول الله، ألا نقاتلهم؟ قال: "لا، ما صلوا" هذا لفظ مسلم في صحيحه. و"ما" في قوله: "ما صلوا" مصدرية ظرفية؛ أي: لا تقاتلوهم مدة كونهم يصلون. ويفهم منه أنهم إن لم يصلوا قوتلوا، وهو كذلك، مع أنه ﷺ قال في حديث عبادة بن الصامت المتفق عليه: "إلا أن تروا كفرًا بواحًا عندكم من الله فيه برهان"، فحديث أم سلمة هذا ونحوه حديث عوف بن مالك الآتي يدل على قتل من لم يصل، وبضميمة حديث عبادة بن الصامت إلى ذلك يظهر الدليل على الكفر بترك الصلاة؛ لأنه قال في حديث عبادة بن الصامت: "إلا أن تروا كفرًا بواحًا .. " الحديث. وأشار في حديث أم سلمة وعوف بن مالك: إلى أنهم إن تركوا الصلاة قوتلوا. فدل ذلك على أن تركها من الكفر البواح. وهذا من أقوى أدلة أهل القول الأول. وحديث عوف بن مالك المذكور هو ما رواه مسلم في صحيحه عنه عن رسول الله ﷺ بلفظ قال: "خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم ويصلون عليكم وتصلون عليهم. وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم وتلعنونهم ويلعنونكم" قيل: يا رسول الله، أفلا ننابذهم بالسيف؟
QS 19:60 (jilid 4 hlm. 394) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 4 · hlm. 394 · #100404
الذين تحبونهم ويحبونكم ويصلون عليكم وتصلون عليهم. وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم وتلعنونهم ويلعنونكم" قيل: يا رسول الله، أفلا ننابذهم بالسيف؟ قال: "لا، ما أقاموا فيكم الصلاة .. " الحديث. وفيه الدلالة الواضحة على قتالهم إذا لم يقيموا الصلاة كما ترى. ومن أدلة أهل هذا القول على قتل تارك الصلاة: ما رواه الأئمة الثلاثة: مالك في موطئه، والشافعي، وأحمد في مسنديهما، عن عبيد الله بن عدي بن الخيار: أن رجلًا من الأنصار حدثه أنه أتى رسول الله ﷺ وهو في مجلس يساره يستأذنه في قتل رجل من المنافقين؛ فجهر رسول الله ﷺ فقال: "أليس يشهد ألا إله إلا الله"؟ قال الأنصاري: بلى يا رسول الله، ولا شهادة له! قال: "أليس يشهد أن محمدًا رسول الله"؟ قال: بلى ولا شهادة له! قال: "أليس يصلي"؟ قال: بلى ولا صلاة له. قال: "أولئك الذين نهاني الله عن قتلهم". اهـ . هذا هو خلاصة أدلة أهل هذا القول على قتل تارك الصلاة. واعلم أن جمهور من قال بقتله يقولون: إنه يقتل بالسيف. وقال بعضهم: يضرب بالخشب حتى يموت.
QS 19:60 (jilid 4 hlm. 395) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 4 · hlm. 395 · #100405
م". اهـ . هذا هو خلاصة أدلة أهل هذا القول على قتل تارك الصلاة. واعلم أن جمهور من قال بقتله يقولون: إنه يقتل بالسيف. وقال بعضهم: يضرب بالخشب حتى يموت. وقال ابن سريج: ينخس بحديدة أو يضرب بخشبة، ويقال له: صل وإلا قتلناك. ولا يزال يكرر عليه حتى يصلي أو يموت. واختلفوا في استتابته؛ فقال بعضهم: يستتاب ثلاثة أيام. فإن تاب وإلا قتل. وقال بعضهم: لا يستتاب؛ لأنه يقتل حدًّا والحدود لا تسقط بالتوبة. وقال بعضهم: إن لم يبق من الضروري إلا قدر ركعة ولم يصل قتل. وبعضهم يقول: لا يقتل حتى يخرج وقتها. والجمهور على أنه يقتل بترك صلاة واحدة، وهو ظاهر الأدلة. وقيل: لا يقتل حتى يترك أكثر من واحدة. وعن الإمام أحمد روايتان: إحداهما أنه لا يقتل حتى يضيق وقت الصلاة الثانية المتروكة مع الأولى. والأخرى لا يقتل حتى يضيق وقت الرابعة. قال مقيده -عفا الله عنه وغفر له-: أظهر الأقوال عندي أنه يقتل بالسيف، وأنه يستتاب، للإجماع على قبول توبته إذا تاب.
QS 19:60 (jilid 4 hlm. 396) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 4 · hlm. 396 · #100406
لأخرى لا يقتل حتى يضيق وقت الرابعة. قال مقيده -عفا الله عنه وغفر له-: أظهر الأقوال عندي أنه يقتل بالسيف، وأنه يستتاب، للإجماع على قبول توبته إذا تاب. والأظهر أنه يستتاب في الحال، ولا يمهل ثلاثة أيام وهو يمتنع من الصلاة لظواهر النصوص المذكورة، وأنه لا يقتل حتى لا يبقى من الوقت الضروري ما يسع ركعة بسجدتيها. والعلم عند الله تعالى. وأما أدلة أهل هذا القول على عدم كفره، فمنها: قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾. ومنها: حديث عبادة بن الصامت ﵁ الذي رواه مالك في الموطأ عن يحيى بن سعيد، عن محمد بن يحيى بن حبان، عن ابن محيريز: أن رجلًا من بني كنانة يدعى المخدجي سمع رجلًا بالشام يكنى أبا محمد يقول: إن الوتر واجب. فقال المخدجي: فرُحْت إلى عبادة بن الصامت فاعترضت له وهو رائح إلى المسجد فأخبرته بالذي قال أبو محمد، فقال عبادة: كذب أبو محمد!
QS 19:60 (jilid 4 hlm. 396) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 4 · hlm. 396 · #100407
مد يقول: إن الوتر واجب. فقال المخدجي: فرُحْت إلى عبادة بن الصامت فاعترضت له وهو رائح إلى المسجد فأخبرته بالذي قال أبو محمد، فقال عبادة: كذب أبو محمد! سمعت رسول الله ﷺ يقول: "خمس صلوات كتبهن الله ﷿ على العباد فمن جاء بهن لم يضيع منهن شيئًا استخفافًا بحقهن كان له عند الله عهد أن يدخله الجنة. ومن لم يأت بهن فليس له عند الله عهد إن شاء عذبه وإن شاء أدخله الجنة" اهـ منه بلفظه. وفي سنن أبي داود: حدثنا القعنبي، عن مالك، عن يحيى بن سعيد، عن محمد بن حبان، إلى آخر الإسناد والمتن كلفظ الموطأ الذي ذكرنا. وفي سنن النسائي: أخبرنا قتيبة، عن مالك، عن يحيى بن سعيد، عن محمد بن يحيى بن حبان. إلى آخر الإسناد والمتن كاللفظ المذكور. وفي سنن ابن ماجه: حدثنا محمد بن بشار، ثنا ابن أبي عدي، عن شعبة، عن عبد ربه بن سعيد، عن محمد بن يحيى بن حبان، عن ابن محريز عن المخدجي، عن عبادة بن الصامت قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "خمس صلوات افترضهن الله على عباده .. " إلى آخر الحديث المذكور بمعناه قريبًا من لفظه.
QS 19:60 (jilid 4 hlm. 397) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 4 · hlm. 397 · #100408
محريز عن المخدجي، عن عبادة بن الصامت قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "خمس صلوات افترضهن الله على عباده .. " إلى آخر الحديث المذكور بمعناه قريبًا من لفظه. ومعلوم أن رجال هذه الأسانيد ثقات معروفون إلا المخدجي المذكور وقد ذكره ابن حبان في الثقات، وبتوثيقه تعلم صحة الحديث المذكور، وله شواهد يعتضد بها أيضًا. قال أبو داود في سننه: حدثنا محمد بن حرب الواسطي، ثنا يزيد يعني ابن هارون، ثنا محمد بن مطرف، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن عبد الله الصنابحي قال: زعم أبو محمد: أن الوتر واجب؛ فقال عبادة بن الصامت كذب أبو محمد، أشهد أني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "خمس صلوات افترضهن الله .. " إلى آخر الحديث بمعناه. وعبد الله الصنابحي المذكور قيل: إنه صحابي مدني. وقيل: هو عبد الرحمن بن عسيلة المرادي أبو عبد الله الصنابحي، وهو ثقة من كبار التابعين، قدم المدينة بعد وفاة النبي ﷺ بخمسة أيام، مات في خلافة عبد الملك.
QS 19:60 (jilid 4 hlm. 397) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 4 · hlm. 397 · #100409
قيل: هو عبد الرحمن بن عسيلة المرادي أبو عبد الله الصنابحي، وهو ثقة من كبار التابعين، قدم المدينة بعد وفاة النبي ﷺ بخمسة أيام، مات في خلافة عبد الملك. وعلى كلا التقديرين فرواية الصنابحي المذكور إما رواية صحابي أو تابعي ثقة، وبها تعتضد رواية المخدجي المذكور. ورجال سند أبي داود هذا غير عبد الله الصنابحي ثقات معروفون لا مطعن فيهم. وبذلك تعلم صحة حديث عبادة بن الصامت المذكور. وقال الزرقاني في شرح الموطأ: وفيه -يعني حديث عبادة المذكور- أن تارك الصلاة لا يكفر ولا يتحتم عذابه؛ بل هو تحت المشيئة بنص الحديث. وقد أخرجه أحمد، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، من طريق مالك، وصححه ابن حبان، والحاكم، وابن عبد البر. وجاء من وجه آخر عن عبادة بنحوه في أبي داود، والنسائي، والبيهقي، وله شاهد عند محمد بن نصر من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص.
QS 19:60 (jilid 4 hlm. 398) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 4 · hlm. 398 · #100410
، والحاكم، وابن عبد البر. وجاء من وجه آخر عن عبادة بنحوه في أبي داود، والنسائي، والبيهقي، وله شاهد عند محمد بن نصر من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص. اهـ منه. وقال العلامة الشوكاني ﵀ في نيل الأوطار: ولهذا الحديث شاهد من حديث أبي قتادة عند ابن ماجه، ومن حديث كعب بن عجرة عند أحمد، ورواه أبو داود عن الصنابحي اهـ محل الغرض منه. وقال النووي في شرح المهذب بعد أن ساق حديث عبادة بن الصامت المذكور: هذا حديث صحيح، رواه أبو داود وغيره بأسانيد صحيحة. وقال ابن عبد البر: هو حديث صحيح ثابت، لم يختلف عن مالك فيه. فإن قيل: كيف صححه ابن عبد البر مع أنه قال: إن المخدجي المذكور في سنده مجهول؟ فالجواب عن هذا من جهتين: الأولى: أن صحته من قبيل الشواهد التي ذكرنا، فإنها تصيره صحيحًا. والثانية: هي ما قدمنا من توثيق ابن حبان المخدجي المذكور.
QS 19:60 (jilid 4 hlm. 398) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 4 · hlm. 398 · #100411
ول؟ فالجواب عن هذا من جهتين: الأولى: أن صحته من قبيل الشواهد التي ذكرنا، فإنها تصيره صحيحًا. والثانية: هي ما قدمنا من توثيق ابن حبان المخدجي المذكور. وحديث عبادة المذكور فيه الدلالة الواضحة على أن ترك الصلاة ليس بكفر؛ لأن كونه تحت المشيئة المذكور فيه دليل على عدم الكفر لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾. ومن أدلة أهل هذا القول على أن تارك الصلاة المقر بوجوبها غير كافر: ما رواه الإمام أحمد وأصحاب السنن عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة الصلاة المكتوبة، فإن أتمها وإلا قيل: انظروا هل له من تطوع، فإن كان له تطوع أكملت الفريضة من تطوعه. ثم يفعل بسائر الأعمال المفروضة مثل ذلك" اهـ. وقال الشوكاني ﵀ في نيل الأوطار: الحديث أخرجه أبو داود من ثلاث طرق: طريقين متصلتين بأبي هريرة. والطريق الثالثة متصلة بتميم الداري. وكلها لا مطعن فيها، ولم يتكلم عليه هو ولا المنذري بما يوجب ضعفه.
QS 19:60 (jilid 4 hlm. 399) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 4 · hlm. 399 · #100412
أبو داود من ثلاث طرق: طريقين متصلتين بأبي هريرة. والطريق الثالثة متصلة بتميم الداري. وكلها لا مطعن فيها، ولم يتكلم عليه هو ولا المنذري بما يوجب ضعفه. وأخرجه النسائي من طريق إسنادها جيد ورجالها رجال الصحيح، كما قال العراقي، وصححها ابنُ القطان. وأخرج الحديث الحاكم في المستدرك وقال: هذا صحيح الإسناد ولم يخرجاه. وفي الباب عن تميم الداري عند أبي داود وابن ماجه بنحو حديث أبي هريرة، قال العراقي: وإسناده صحيح، وأخرجه الحاكم في المستدرك وقال: إسناده صحيح على شرط مسلم اهـ محل الغرض منه. ووجه الاستدلال بالحديث المذكور على عدم كفر تارك الصلاة: أن نقصان الصلوات المكتوبة وإتمامها من النوافل يتناول بعمومه ترك بعضها عمدًا، كما يقتضيه ظاهر عموم اللفظ كما ترى. وقال المجد في المنتقى بعد أن ساق الأدلة التي ذكرنا على
QS 19:60 (jilid 4 hlm. 399) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 4 · hlm. 399 · #100413
المكتوبة وإتمامها من النوافل يتناول بعمومه ترك بعضها عمدًا، كما يقتضيه ظاهر عموم اللفظ كما ترى. وقال المجد في المنتقى بعد أن ساق الأدلة التي ذكرنا على عدم كفر تارك الصلاة المقر بوجوبها عمدًا ما نصه: ويعضد هذا المذهب عمومات، منها: ما رُويَ عن عبادة بن الصامت ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "من شهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدًا عبده ورسوله، وأن عيسى عبد الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، والجنة والنار حق = أدخله الله الجنة على ما كان من العمل" متفق عليه. وعن أنس بن مالك أن النبي ﷺ قال ومعاذ رديفه على الرحل: "يا معاذ"، قال: لبيك يا رسول الله وسعديك ثلاثًا، ثم قال: "ما من عبد يشهد ألا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله إلا حرمه الله على النار" قال: يا رسول الله، أفلا أخبر بها الناس فيستبشروا؟ قال: "إذًا يتكلوا" فأخبر بها معاذ عند موته تأثمًا، أي خوفًا من الإثم بترك الخبر به.
QS 19:60 (jilid 4 hlm. 400) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 4 · hlm. 400 · #100414
الله على النار" قال: يا رسول الله، أفلا أخبر بها الناس فيستبشروا؟ قال: "إذًا يتكلوا" فأخبر بها معاذ عند موته تأثمًا، أي خوفًا من الإثم بترك الخبر به. متفق عليه، وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "لكل نبي دعوة مستجابة فتعجل كل نبي دعوته، وإني اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي فهي نائلة إن شاء الله من مات من أمتي لا يشرك بالله شيئًا" رواه مسلم. وعنه أيضًا: أن النبي ﷺ، قال: "أسعد الناس بشفاعتي من قال لا إله إلا الله خالصًا من قلبه" رواه البخاري اهـ محل الغرض منه. وقالت جماعة من أهل العلم، منهم الإمام أبو حنيفة ﵀ وأصحابه، وجماعة من أهل الكوفة، وسفيان الثوري، والمزني صاحب الشافعي: إن تارك الصلاة عمدًا تكاسلًا وتهاونًا مع إقراره بوجوبها لا يقتل ولا يكفر؛ بل يعزَّر ويحبس حتى يصلي، واحتجوا على عدم كفره بالأدلة التي ذكرنا آنفًا لأهل القول الثاني.
QS 19:60 (jilid 4 hlm. 400) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 4 · hlm. 400 · #100415
عمدًا تكاسلًا وتهاونًا مع إقراره بوجوبها لا يقتل ولا يكفر؛ بل يعزَّر ويحبس حتى يصلي، واحتجوا على عدم كفره بالأدلة التي ذكرنا آنفًا لأهل القول الثاني. واحتجوا لعدم قتله بأدلة، منها حديث ابن مسعود المتفق عليه الذي قدمناه في سورة "المائدة" وغيرها: "لا يحل دم امرئ مسلم يشهد ألا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة". قالوا: هذا حديث متفق عليه، صرح فيه النبي ﷺ أنه لا يحل دم مسلم إلا بإحدى ثلاث، ولم يذكر منها ترك الصلاة؛ فدل ذلك على أنه غير موجب للقتل. قالوا: والأدلة التي ذكرتم على قتله إنما دلت عليه بمفاهيمها -أعني مفاهيم المخالفة- كما تقدم إيضاحه.
QS 19:60 (jilid 4 hlm. 401) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 4 · hlm. 401 · #100416
ر منها ترك الصلاة؛ فدل ذلك على أنه غير موجب للقتل. قالوا: والأدلة التي ذكرتم على قتله إنما دلت عليه بمفاهيمها -أعني مفاهيم المخالفة- كما تقدم إيضاحه. وحديث ابن مسعود دل على ما ذكرنا بمنطوقه والمنطوق مقدم على المفهوم؛ مع أن المقرر في أصول الإمام أبي حنيفة ﵀: أنه لا يعتبر المفهوم المعروف بدليل الخطاب الذي هو مفهوم المخالفة؛ وعليه فإنه لا يعترف بدلالة الأحاديث المذكورة على قتله؛ لأنها إنما دلت عليه بمفهوم مخالفتها، وحديث ابن مسعود دل على ذلك بمنطوقه. ومنها قياسهم ترك الصلاة على ترك الصوم والحج مثلًا؛ فإن كل واحد منهما من دعائم الإسلام ولم يقتل تاركها، فكذلك الصلاة. أما الذين قالوا بأنه كافر، وأنه يقتل؛ فقد أجابوا عن حديث ابن مسعود؛ بأنه عام يخصص بالأحاديث الدالة على قتل تارك الصلاة. وعن قياسه على تارك الحج والصوم: بأنه فاسد الاعتبار لمخالفته للأحاديث المذكورة الدالة على قتله. وعن الأحاديث الدالة على عدم الكفر: بأن منها ما هو عام يخصص بالأحاديث الدالة على كفره.
QS 19:60 (jilid 4 hlm. 401) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 4 · hlm. 401 · #100417
بأنه فاسد الاعتبار لمخالفته للأحاديث المذكورة الدالة على قتله. وعن الأحاديث الدالة على عدم الكفر: بأن منها ما هو عام يخصص بالأحاديث الدالة على كفره. ومنها ما هو ليس كذلك، كحديث عبادة ابن الصامت الدال على أنه تحت المشيئة. فالأحاديث الدالة على كفره مقدمة عليه؛ لأنها أصح منه؛ لأن بعضها في صحيح مسلم وفيه التصريح بكفره وشركه. ومنها حديث عبادة بن الصامت المتفق عليه، مع حديث أم سلمة وعوف بن مالك في صحيح مسلم كما تقدم إيضاحه. ورد القائلون بأنه غير كافر أدلةَ مخالفيهم: بأن المراد بالكفر في الأحاديث المذكورة كفر دون كفر. وليس المراد الكفر المخرج عن ملة الإسلام. واحتجوا لهذا بأحاديث كثيرة يصرح فيها النبي ﷺ بالكفر، وليس مراده الخروج عن ملة الإسلام. قال المجد في المنتقى: وقد حملوا أحاديث التكفير على كفر النعمة، أو على معنى قد قارب الكفر، وقد جاءت أحاديث في غير الصلاة أريد بها ذلك؛ فروى ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ: "سباب المسلم فسوق وقتاله كفر" متفق عليه.
QS 19:60 (jilid 4 hlm. 402) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 4 · hlm. 402 · #100418
أو على معنى قد قارب الكفر، وقد جاءت أحاديث في غير الصلاة أريد بها ذلك؛ فروى ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ: "سباب المسلم فسوق وقتاله كفر" متفق عليه. وعن أبي ذر أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "ليس من رجل ادعى لغير أبيه وهو يعلمه إلا كفر، ومن ادعى ما ليس له فليس منا وليتبوأ مقعده من النار" متفق عليه. وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "اثنتان في الناس هما بهم كفر: الطعن في النسب، والنياحة على الميت" رواه أحمد ومسلم. وعن ابن عمر ﵄ قال: كان عمر يحلف "وأبي" فنهاه النبي ﷺ وقال: "من حلف بشيء دون الله فقد أشرك" رواه أحمد. وعن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: "مدمن الخمر إن مات لقى الله كعابد وثن" انتهى منه بلفظه. وأمثاله في السنة كثيرة جدًا. ومن ذلك القبيل تسمية الرياء شركًا؛ ومنه الحديث الصحيح في البخاري وغيره أن النبي ﷺ قال: "رأيت النار فلم أر منظرًا كاليوم أفظع، ورأيت أكثر أهلها النساء" قالوا: بم يا رسول الله ﷺ؟ قال: "بكفرهن" قيل: يكفرن بالله؟
QS 19:60 (jilid 4 hlm. 402) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 4 · hlm. 402 · #100419
بخاري وغيره أن النبي ﷺ قال: "رأيت النار فلم أر منظرًا كاليوم أفظع، ورأيت أكثر أهلها النساء" قالوا: بم يا رسول الله ﷺ؟ قال: "بكفرهن" قيل: يكفرن بالله؟ قال: "يكفرن العشير، ويكفرن الإحسان، لو أحسنت إلى إحداهن الدهر كله ثم رأت منك شيئًا قالت ما رأيت منك خيرًا قط" هذا لفظ البخاري في بعض المواضع التي أخرج فيها الحديث المذكور. وقد أطلق فيه النبي ﷺ اسم الكفر عليهن؛ فلما استفسروه عن ذلك تبين أن مراده غير الكفر المخرج عن ملة الإسلام. هذا هو حاصل كلام العلماء وأدلتهم في مسألة ترك الصلاة عمدًا مع الاعتراف بوجوبها. وأظهر الأقوال أدلة عندي: قول من قال: إنه كافر. وأجرى الأقوال على مقتضى الصناعة الأصولية وعلوم الحديث قول الجمهور: إنه كفر غير مخرج عن الملة؛ لوجوب الجمع بين الأدلة إذا أمكن. وإذا حمل الكفر والشرك المذكوران في الأحاديث على الكفر الذي لا يخرج عن الملة حصل بذلك الجمع بين الأدلة والجمع واجب إذا أمكن؛ لأن إعمال الدليلين أولى من إلغاء أحدهما كما هو معلوم في الأصول وعلم الحديث.
QS 19:60 (jilid 4 hlm. 403) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 4 · hlm. 403 · #100420
كفر الذي لا يخرج عن الملة حصل بذلك الجمع بين الأدلة والجمع واجب إذا أمكن؛ لأن إعمال الدليلين أولى من إلغاء أحدهما كما هو معلوم في الأصول وعلم الحديث. وقال النووي في شرح المهذب بعد أن ساق أدلة من قالوا إنه غير كافر ما نصه: ولم يزل المسلمون يوَرِّثون تارك الصلاة ويوْرَثون عنه، ولو كان كافرًا لم يغفر له ولم يَرِث ولم يَوْرَث. وأما الجواب عما احتج به من كَفَّره من حديث جابر وبريدة، ورواية ابن شقيق: فهو أن كل ذلك محمول على أنه شارك الكافر في بعض أحكامه وهو القتل. وهذا التأويل متعين للجمع بين نصوص الشرع وقواعده التي ذكرناها. انتهى محل الغرض منه. المسألة الثالثة أجمع العلماء على أن من نسي الصلاة أو نام عنها حتى خرج وقتها يجب عليه قضاؤها.
QS 19:60 (jilid 4 hlm. 403) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 4 · hlm. 403 · #100421
ين نصوص الشرع وقواعده التي ذكرناها. انتهى محل الغرض منه. المسألة الثالثة أجمع العلماء على أن من نسي الصلاة أو نام عنها حتى خرج وقتها يجب عليه قضاؤها. وقد دلت على ذلك أدلة صحيحة: منها: ما رواه الشيخان في صحيحيهما عن أنس بن مالك رضي الله عنه: أن النبي ﷺ قال: "من نسي صلاة فليصلها إذا ذكرها لا كفارة لها إلا ذلك". ومنها: ما رواه مسلم عن أنس أيضًا مرفوعًا: "إذا رقد أحدكم عن الصلاة أو غفل عنها فليصلها إذا ذكرها، فإن الله ﷿ يقول: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي (١٤)﴾ ". ومنها: ما رواه الإمام أحمد، ومسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: "من نسي صلاة فليصلها إذا ذكرها؛ فإن الله يقول: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي (١٤)﴾ ". ومنها: ما رواه النسائي، والترمذي وصححه، عن أبي قتادة ﵁ قال: ذكروا للنبي ﷺ نومهم عن الصلاة؟
QS 19:60 (jilid 4 hlm. 404) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 4 · hlm. 404 · #100422
ها؛ فإن الله يقول: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي (١٤)﴾ ". ومنها: ما رواه النسائي، والترمذي وصححه، عن أبي قتادة ﵁ قال: ذكروا للنبي ﷺ نومهم عن الصلاة؟ فقال: "إنه ليس في النوم تفريط، إنما التفريط في اليقظة، فإذا نسيَ أحدكم صلاة أو نام عنها فليصلها إذا ذكرها". ومنها: ما رواه مسلم، والإمام أحمد، عن أبي قتادة في قصة نومهم عن صلاة الفجر قال: ثم أذن بلال بالصلاة؛ فصلى رسول الله ﷺ ركعتين، ثم صلى الغداة فصنع كما كان يصنع كل يوم. ومنها: ما أخرجه الإمام أحمد، وابن خزيمة، وابن حبان في صحيحيهما، وابن أبي شيبة، والطبراني وغيرهم، عن عمران بن حصين ﵄ قال: سرينا مع النبي ﷺ؛ فلما كان في آخر الليل عرسنا فلم نستيقظ حتى أيقظنا حر الشمس، فجعل الرجل منا يقوم دهشًا إلى طهوره، ثم أمر بلالًا فأذن، ثم صلى الركعتين قبل الفجر، ثم أقام فصلينا. فقالوا: يا رسول الله، ألا نعيدها في وقتها من الغد؟ فقال: "أينهاكم ربكم تعالى عن الربا ويقبله منكم"؟ اهـ.
QS 19:60 (jilid 4 hlm. 404) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 4 · hlm. 404 · #100423
، ثم صلى الركعتين قبل الفجر، ثم أقام فصلينا. فقالوا: يا رسول الله، ألا نعيدها في وقتها من الغد؟ فقال: "أينهاكم ربكم تعالى عن الربا ويقبله منكم"؟ اهـ. وأصل حديث عمران هذا في الصحيحين، وليس فيهما ذكر الأذان والإقامة، ولا قوله: فقالوا: يا رسول الله ألا نعيدها إلى آخره. والحاصل أن قضاء النائم والناسي لا خلاف فيه بين العلماء. وقد دلت عليه الأحاديث التي ذكرنا وأمثالها مما لم نذكره. المسألة الرابعة اعلم أن التحقيق أنه يجب تقديم الصلوات الفوائت على الصلاة الحاضرة. والدليل على ذلك ما ثبت في الصحيحين من حديث جابر ﵁: أن عمر بن الخطاب ﵁ جاء يوم الخندق بعدما غربت الشمس، فجعل يسب كفار قريش. قال: يا رسول الله، ما كدت أصلي العصر حتى كادت الشمس تغرب؟ فقال النبي ﷺ: "والله ما صليتها" فقمنا إلى بطحان فتوضأ للصلاة وتوضأنا لها؛ فصلى العصر بعدما غربت الشمس ثم صلى بعدها المغرب اهـ. فهذا الحديث المتفق عليه فيه التصريح بأن النبي ﷺ صلى العصر قضاء بعد غروب الشمس وقدمها على المغرب.
QS 19:60 (jilid 4 hlm. 405) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 4 · hlm. 405 · #100424
فصلى العصر بعدما غربت الشمس ثم صلى بعدها المغرب اهـ. فهذا الحديث المتفق عليه فيه التصريح بأن النبي ﷺ صلى العصر قضاء بعد غروب الشمس وقدمها على المغرب. وهو نص صحيح صريح في تقديم الفائتة على الحاضرة. والمقرر في الأصول: أن أفعال النبي ﷺ المجردة من قرينة الوجوب وغيره تحمل على الوجوب، لعموم النصوص الواردة بالتأسي به ﷺ في أقواله وأفعاله. وللاحتياط في الخروج من عهدة التكليف. ومن أظهر الأدلة في ذلك أنه لما خلع نعله في الصلاة فخلع أصحابه نعالهم تأسيًا به ﷺ قبل أن يعلموا أن جبريل أخبره أن بباطنها أذى، وسألهم ﷺ لِمَ خلعوا نعالهم؟ وأجابوا بأنهم رأوه خلع نعله، وهو فعل مجرد من قرائن الوجوب وغيره؛ أقرهم على ذلك ولم ينكر عليهم؛ فدل ذلك على لزوم التأسِّي به في أفعاله المجردة من القرائن. والحديث وإن ضعفه بعضهم بالإرسال فقد رجح بعضهم وصله. والأدلة الكثيرة الدالة على وجوب التأسي به ﷺ في الكتاب والسنة شاهدة له.
QS 19:60 (jilid 4 hlm. 406) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 4 · hlm. 406 · #100425
أفعاله المجردة من القرائن. والحديث وإن ضعفه بعضهم بالإرسال فقد رجح بعضهم وصله. والأدلة الكثيرة الدالة على وجوب التأسي به ﷺ في الكتاب والسنة شاهدة له. وإلى كون أفعاله ﷺ المجردة من القرائن تحمل على الوجوب أشار في مراقي السعود في كتاب السنة بقوله: وكل ما الصفة فيه تُجْهَل ... فللوجوب في الأصح يُجعل وفي حمله على الوجوب مناقشات معروفة في الأصول؛ انظرها في نشر البنود وغيره. ويعتضد ما ذكرنا من أن فعله المجرد الذي هو تقديم العصر الفائتة على المغرب الحاضرة يقتضي الوجوب بقوله ﷺ: "صلوا كما رأيتموني أصلي". وقال الحافظ في فتح الباري في استدلال البخاري على تقديم الأولى من الفوائت فالأُوْلَى بفعل النبيِّ ﷺ المذكور ما نصُّه: ولا ينهض الاستدلال به لمن يقول بترتيب الفوائت، إلا إذا قلنا: إن أفعال النبي ﷺ المجردة للوجوب. اللهم إلا أن يستدل له بعموم قوله: "صلوا كما رأيتموني أصلي". وقد اعتبر ذلك الشافعية في أشياء غير هذا.
QS 19:60 (jilid 4 hlm. 406) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 4 · hlm. 406 · #100426
، إلا إذا قلنا: إن أفعال النبي ﷺ المجردة للوجوب. اللهم إلا أن يستدل له بعموم قوله: "صلوا كما رأيتموني أصلي". وقد اعتبر ذلك الشافعية في أشياء غير هذا. انتهى منه. ونحن نقول: الأظهر أن الأفعال المجردة تقتضي الوجوب، كما جزم به صاحب المراقي في البيت المذكور، وكذلك عموم حديث: "صلوا كما رأيتموني أصلي" يقتضي ذلك أيضًا. والعلم عند الله تعالى. واعلم أنه إن تذكَّر فائتةً في وقت حاضرة ضيق؛ فقد اختلف العلماء: هل يقدم الفائتة وإن خرج وقت الحاضرة أو لا؛ إلى ثلاثة مذاهب: الأول: أنه يقدم الفائتة وإن خرج وقت الحاضرة؛ وهذا هو مذهب مالك وجل أصحابه. الثاني: أن يبدأ بالحاضرة محافظة على الوقت؛ وهو مذهب الشافعي وأبي حنيفة وأصحابه وأكثر أصحاب الحديث. الثالث: أنه يخير في تقديم ما شاء منهما؛ وهو قول أشهب من أصحاب مالك. قال عياض: ومحل الخلاف إذا لم تكثر الصلوات الفوائت؛ فأما إذا كثرت فلا خلاف أنه يبدأ بالحاضرة. واختلفوا في حد القليل في ذلك. فقيل صلاة يوم.
QS 19:60 (jilid 4 hlm. 407) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 4 · hlm. 407 · #100427
أصحاب مالك. قال عياض: ومحل الخلاف إذا لم تكثر الصلوات الفوائت؛ فأما إذا كثرت فلا خلاف أنه يبدأ بالحاضرة. واختلفوا في حد القليل في ذلك. فقيل صلاة يوم. وقيل أربع صلوات. المسألة الخامسة أما ترتيب الفوائت في أنفسها؛ فأكثر أهل العلم على وجوبه مع الذكر لا مع النسيان؛ وهو الأظهر: وقال الشافعي ﵀: لا يجب الترتيب فيها بل يندب؛ وهو مروي عن طاوس، والحسن البصري، ومحمد بن الحسن، وأبي ثور، وداود. وقال بعض أهل العلم: الترتيب واجب مطلقًا، قلّت الفوائت أم كثرت. وبه قال أحمد وزفر. وعن أحمد ﵀. لو نسي الفوائت صحت الصلوات التي صلى بعدها. وقال أحمد وإسحاق: لو ذكر فائتة وهو في حاضرة تمم التي هو فيها ثم قضى الفائتة، ثم يجب إعادة الحاضرة. واحتج لهم بحديث عن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قال: "من نسي صلاة فلم يذكرها إلا وهو مع الإمام فإذا فرغ من صلاته فليعد الصلاة التي نسي، ثم ليعد الصلاة التي صلاها مع الإمام". قال النووي في شرح المهذب: وهذا حديث ضعيف، ضعفه موسى بن هارون الحمال -بالحاء- الحافظ.
QS 19:60 (jilid 4 hlm. 408) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 4 · hlm. 408 · #100428
اته فليعد الصلاة التي نسي، ثم ليعد الصلاة التي صلاها مع الإمام". قال النووي في شرح المهذب: وهذا حديث ضعيف، ضعفه موسى بن هارون الحمال -بالحاء- الحافظ. وقال أبو زرعة الرازي، ثم البيهقي: الصحيح أنه موقوف. قال مقيده -عفا الله عنه-: والأظهر عندي وجوب ترتيب الفوائت في أنفسها الأولى فالأولى. والدليل على ذلك حديث أبي سعيد الخدري، وحديث عبد الله بن مسعود ﵄. قال النسائي في سننه: أخبرنا عمرو بن علي قال: حدثنا يحيى قال: حدثنا ابن أبي ذئب قال: حدثنا سعيد بن أبي سعيد، عن عبد الرحمن بن أبي سعيد، عن أبيه قال: شغلنا المشركون يوم الخندق عن صلاة الظهر حتى غربت الشمس، وذلك قبل أن ينزل في القتال ما نزل؛ فأنزل الله ﷿: ﴿وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَال﴾ فأمر رسول الله ﷺ بلالًا فأقام لصلاة الظهر فصلاها كما كان يصليها لوقتها، ثم أقام للعصر فصلاها كما كان يصليها في وقتها ثم أذن للمغرب فصلاها كما كان يصليها في وقتها اهـ. فهذا الإسناد صحيح كما ترى، ورجاله ثقات معروفون.
QS 19:60 (jilid 4 hlm. 408) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 4 · hlm. 408 · #100429
وقتها، ثم أقام للعصر فصلاها كما كان يصليها في وقتها ثم أذن للمغرب فصلاها كما كان يصليها في وقتها اهـ. فهذا الإسناد صحيح كما ترى، ورجاله ثقات معروفون. فعمرو بن علي هو أبو حفص الفلاس وهو ثقة حافظ، ويحيى هو القطان وجلالته معروفة. وكذلك ابن أبي ذئب جلالته معروفة. وسعيد بن أبي سعيد هو المقبري وهو ثقة. وعبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري ثقة. فهذا إسناد صحيح كما ترى، وفيه التصريح بأن النبي ﷺ رتب الفوائت في القضاء؛ الأولى فالأولى. وقد قدمنا أن أفعاله المجردة عن القرائن تقتضي الوجوب على الأصح، وأن ذلك يعتضد بحديث مالك بن الحويرث الثابت في الصحيح: "صلوا كما رأيتموني أصلي" وحديث أبي سعيد هذا أخرجه أيضًا الإمام أحمد. قال الشوكاني في نيل الأوطار: ورجال إسناده رجال الصحيح. وقال الشوكاني أيضًا: عن ابن سيد الناس اليعمري: إن حديث أبي سعيد رواه الطحاوي عن المزني عن الشافعي: حدثنا ابن أبي فديك، عن ابن أبي ذئب، عن المقبري، عن عبد الرحمن بن أبي سعيد عن أبيه قال: وهذا إسناد صحيح جليل اهـ.
QS 19:60 (jilid 4 hlm. 409) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 4 · hlm. 409 · #100430
د رواه الطحاوي عن المزني عن الشافعي: حدثنا ابن أبي فديك، عن ابن أبي ذئب، عن المقبري، عن عبد الرحمن بن أبي سعيد عن أبيه قال: وهذا إسناد صحيح جليل اهـ. وقال النسائي في سننه: أخبرنا هنَّاد، عن هشيم، عن أبي الزبير، عن نافع بن جبير، عن أبي عبيدة قال: قال عبد الله: إن المشركين شغلوا النبي ﷺ عن أربع صلوات يوم الخندق، فأمر بلالًا فأذن، ثم أقام فصلى الظهر، ثم أقام فصلى العصر، ثم أقام فصلى المغرب، ثم أقام فصلى العشاء اهـ. أخبرنا القاسم بن زكريا بن دينار قال: حدثنا حسين بن علي، عن زائدة قال: حدثنا سعيد بن أبي عَرُوبة قال: حدثنا هشام: أن أبا الزبير المكي حدثهم عن نافع بن جبير: أن أبا عبيدة بن عبد الله ابن مسعود حدثهم أن عبد الله بن مسعود قال: كنا في غزوة فحبسنا المشركون عن صلاة الظهر والعصر والمغرب والعشاء؛ فلما انصرف المشركون أمر رسول الله ﷺ مناديًا فأقام لصلاة الظهر فصلينا، وأقام لصلاة العصر فصلينا، وأقام لصلاة المغرب فصلينا، وأقام لصلاة العشاء فصلينا، ثم طاف علينا فقال: "ما على الأرض عصابة
QS 19:60 (jilid 4 hlm. 409) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 4 · hlm. 409 · #100431
اديًا فأقام لصلاة الظهر فصلينا، وأقام لصلاة العصر فصلينا، وأقام لصلاة المغرب فصلينا، وأقام لصلاة العشاء فصلينا، ثم طاف علينا فقال: "ما على الأرض عصابة يذكرون الله ﷿ غيركم" اهـ. وحديث ابن مسعود هذا أخرجه الترمذي أيضًا. قال الشوكاني ﵀ في نيل الأوطار: إن إسناده لا بأس به. قال مقيده -عفا الله عنه-: والظاهر أن إسناد حديث ابن مسعود هذا لا يخلو من ضعف؛ لأن راويه عنه ابنه أبو عبيدة، وروايته عنه مرسلة لأنه لم يسمع منه. ولكن هذا المرسل يعتضد بحديث أبي سعيد الذي قدمنا آنفًا أنه صحيح، ومن يحتج من العلماء بالمرسل يحتج به ولو لم يعتضد بغيره. واعلم أن حديث أبي سعيد وابن مسعود المذكورين لا يعارضهما ما في الصحيحين من كونهم شغلوهم عن العصر وحدها؛ لأن ما فيهما زيادة، وزيادة العدول مقبولة، ومن حفظ حجة على من لم يحفظ.
QS 19:60 (jilid 4 hlm. 410) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 4 · hlm. 410 · #100432
وابن مسعود المذكورين لا يعارضهما ما في الصحيحين من كونهم شغلوهم عن العصر وحدها؛ لأن ما فيهما زيادة، وزيادة العدول مقبولة، ومن حفظ حجة على من لم يحفظ. وبه تعلم أن ما ذكره ابن العربي من تقديم ما في الصحيحين على الزيادة التي في حديث أبي سعيد وابن مسعود خلاف التحقيق. تنبيه اعلم أن الأئمة الأربعة وأصحابهم وجماهير فقهاء الأمصار: على أن من نسي صلاة أو أنام عنها قضاها وحدها ولا تلزمه زيادة صلاة أخرى. قال البخاري في صحيحه: (باب من نسي صلاة فليصل إذا ذكرها ولا يعيد إلا تلك الصلاة) وقال إبراهيم: من ترك صلاة واحدة عشرين سنة لم يعد إلا تلك الصلاة الواحدة. حدثنا أبو نعيم، وموسى بن إسماعيل قالا: حدثنا همام، عن قتادة، عن أنس، عن النبي ﷺ قال: "من نسي صلاة فليصل إذا ذكرها لا كفارة لها إلا ذلك". ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي (١٤)﴾ قال موسى: قال همام: سمعته يقول بعد ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي (١٤)﴾: حدثنا همام، حدثنا قتادة، حدثنا أنس عن النبي ﷺ مثله اهـ.
QS 19:60 (jilid 4 hlm. 410) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 4 · hlm. 410 · #100433
َاةَ لِذِكْرِي (١٤)﴾ قال موسى: قال همام: سمعته يقول بعد ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي (١٤)﴾: حدثنا همام، حدثنا قتادة، حدثنا أنس عن النبي ﷺ مثله اهـ. وقال في فتح الباري في الكلام على هذا الحديث وترجمته قال علي بن المنير: صرح البخاري بإثبات هذا الحكم مع كونه مما اختلف فيه لقوة دليله، ولكنه على وفق القياس، إذ الواجب خمس صلوات لا أكثر. فمن قضى الفائتة كمل العدد المأمور به، ولكونه على مقتضى ظاهر الخطاب، لقول الشارع: "فليصلها" ولم يذكر زيادة، وقال أيضًا: "لا كفارة لها، إلا ذلك" فاستفيد من هذا الحصر أن لا يجب غير إعادتها. وذهب مالك إلى أن من ذكر بعد أن صلى صلاة أنه لم يصل التي قبلها فإنه يصلي التي ذكر، ثم يصلي التي كان صلاها مراعاة للترتيب.
QS 19:60 (jilid 4 hlm. 411) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 4 · hlm. 411 · #100434
الحصر أن لا يجب غير إعادتها. وذهب مالك إلى أن من ذكر بعد أن صلى صلاة أنه لم يصل التي قبلها فإنه يصلي التي ذكر، ثم يصلي التي كان صلاها مراعاة للترتيب. انتهى منه. فإن قيل: جاء في صحيح مسلم في بعض طرق حديث أبي قتادة في قصة نوم النبي ﷺ وأصحابه عن صلاة الصبح حتى ضربتهم الشمس ما نصه: ثم قال: يعني النبي ﷺ: "أما إنه ليس في النوم تفريط إنما التفريط على من لم يصل الصلاة حتى يجيء وقت الصلاة الأخرى؛ فمن فعل ذلك فليصلها حين ينتبه لها. فإذا كان الغد فليصلها عند وقتها" اهـ. فقوله في هذا الحديث: "فإذا كان الغد ... إلخ" يدل على أنه يقضي الفائتة مرتين: الأولى عند ذكرها، والثانية: عند دخول وقتها من الغد؟ فالجواب ما ذكره النووي في شرحه للحديث المذكور قال: وأما قوله ﷺ: "فإذا كان الغد فليصلها عند وقتها" فمعناه أنه إذا فاتته صلاة فقضاها لا يتغير وقتها ويتحول في المستقبل، بل يبقى كما كان، فإذا كان الغد صلى صلاة الغد في وقتها المعتاد ولا يتحول.
QS 19:60 (jilid 4 hlm. 411) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 4 · hlm. 411 · #100435
د وقتها" فمعناه أنه إذا فاتته صلاة فقضاها لا يتغير وقتها ويتحول في المستقبل، بل يبقى كما كان، فإذا كان الغد صلى صلاة الغد في وقتها المعتاد ولا يتحول. وليس معناه أنه يقضي الفائتة مرتين: مرة في الحال، ومرة في الغد، وإنما معناه ما قدمناه. فهذا هو الصواب في معنى هذا الحديث. وقد اضطربت أقوال العلماء فيه. واختار المحققون ما ذكرته والله أعلم انتهى منه. وهذا الذي فسَّر به هذه الرواية هو الذي يظهر لنا صوابه والعلم عند الله تعالى. ولكن جاء في سنن أبي داود في بعض طرق حديث أبي قتادة في قصة النوم عن الصلاة المذكورة ما نصه: "فمن أدرك منكم صلاة الغد من غد صالحًا فليقض معها مثلها" اهـ. وهذا اللفظ صريح في أنه يقضي الفائتة مرتين، ولا يحمل المعنى الذي فسر به النووي وغيره لفظ رواية مسلم. وللعلماء عن هذه الرواية أجوبة، قال ابن حجر في فتح الباري بعد أن أشار إلى رواية أبي داود المذكورة ما نصه: قال الخطابي: لا أعلم أحدًا قال بظاهره وجوبًا، قال: ويشبه أن يكون الأمر فيه للاستحباب ليحوز فضيلة الوقت في القضاء.
QS 19:60 (jilid 4 hlm. 412) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 4 · hlm. 412 · #100436
إلى رواية أبي داود المذكورة ما نصه: قال الخطابي: لا أعلم أحدًا قال بظاهره وجوبًا، قال: ويشبه أن يكون الأمر فيه للاستحباب ليحوز فضيلة الوقت في القضاء. انتهى. ولم يقل أحد من السلف باستحباب ذلك أيضًا؛ بل عدوا الحديث غلطًا من راويه. حكى ذلك الترمذي وغيره عن البخاري. ويؤيده ما رواه النسائي من حديث عمران بن حصين أنهم قالوا: يا رسول الله، ألا نقضيها لوقتها من الغد؟ فقال ﷺ: "لا ينهاكم الله عن الربا ويأخذه منكم" اهـ كلام صاحب الفتح. وحديث عمران المذكور قد قدمناه وذكرنا من أخرجه. والعلم عند الله تعالى. المسألة السادسة اعلم أن العلماء اختلفوا فيمن ترك الصلاة عمدًا تكاسلًا حتى خرج وقتها وهو معترف بوجوبها: هل يجب عليه قضاؤها أو لا يجب عليه. فقد قدمنا خلاف العلماء في كفره.
QS 19:60 (jilid 4 hlm. 412) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 4 · hlm. 412 · #100437
أن العلماء اختلفوا فيمن ترك الصلاة عمدًا تكاسلًا حتى خرج وقتها وهو معترف بوجوبها: هل يجب عليه قضاؤها أو لا يجب عليه. فقد قدمنا خلاف العلماء في كفره. فعلى القول بأنه كافر مرتد يجري على الخلاف في المرتد، هل يجب عليه قضاء ما فاته في زمن ردته أو لا يجب عليه. واعلم أولًا أن الكافر تارة يكون كافرًا أصليًّا لم يسبق عليه إسلام، وتارة يكون كافرًا بالردة عن دين الإسلام بعد أن كان مسلمًا. أما الكافر الأصلي فلا يلزمه قضاء ما تركه من العبادات في حال كفره وهذا لا خلاف فيه بين علماء المسلمين؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾، وقد أسلم في عصر النبي ﷺ خلق كثير فلم يأمر أحدًا منهم بقضاء شيء فائت وقت كفره. وأما المرتد؛ ففيه خلاف بين العلماء معروف.
QS 19:60 (jilid 4 hlm. 413) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 4 · hlm. 413 · #100438
فَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾، وقد أسلم في عصر النبي ﷺ خلق كثير فلم يأمر أحدًا منهم بقضاء شيء فائت وقت كفره. وأما المرتد؛ ففيه خلاف بين العلماء معروف. قال بعض أهل العلم: لا يلزمه قضاء ما تركه في زمن ردته، ولا في زمن إسلامه قبل ردته؛ لأن الردة تحبط جميع عمله وتجعله كالكافر الأصلي عياذًا بالله تعالى؛ وإن كان قد حج حجة الإسلام أبطلتها ردته على هذا القول؛ فعليه إعادتها إذا رجع إلى الإسلام. وتمسك من قال بهذا بظاهر قوله تعالى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ .. ﴾ الآية، وقوله: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٥) ﴾. وقال بعض أهل العلم: يلزمه قضاء ما تركه من العبادات في زمن ردته وزمن إسلامه قبل ردته، ولا تجب عليه إعادة حجة الإسلام؛ لأن الردة لم تبطلها. واحتج من قال بهذا بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ..
QS 19:60 (jilid 4 hlm. 413) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 4 · hlm. 413 · #100439
بهذا بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ .. ﴾ الآية، فجعل الموت على الكفر شرطًا في حبوط العمل. وبالأول قال مالك، ومن وافقه. وبالثاني قال الشافعي، ومن وافقه. وهما روايتان عن الإمام أحمد. وقد ذكرنا في غير هذا الموضع: أن قول الشافعي ومن وافقه في هذه المسألة أجرى على الأصول؛ لوجوب حمل المطلق على المقيد، ولاسيما إذا اتحد الحكم والسبب كما هنا. وأما على قول الجمهور بأنه غير كافر فقد اختلفوا أيضًا في وجوب القضاء عليه.
QS 19:60 (jilid 4 hlm. 414) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 4 · hlm. 414 · #100440
الأصول؛ لوجوب حمل المطلق على المقيد، ولاسيما إذا اتحد الحكم والسبب كما هنا. وأما على قول الجمهور بأنه غير كافر فقد اختلفوا أيضًا في وجوب القضاء عليه. اعلم أولًا أن علماء الأصول اختلفوا في الأمر بالعبادة المؤقتة بوقت معين، هل هو يستلزم الأمر بقضائها بعد خروج وقتها من غير احتياج إلى أمر جديد بالقضاء أو لا يستلزم القضاء بعد خروج الوقت، ولابد للقضاء من أمر جديد، فذهب أبو بكر الرازي من الحنفية وفاقًا لجمهور الحنفية إلى أن الأمر بالعبادة المؤقتة يستلزم الأمر بقضائها بعد خروج الوقت من غير احتياج إلى أمر جديد، واستدلوا لذلك بقاعدة هي قولهم: الأمر بالمركب أمر بكل جزء من أجزائه، فإذا تعذر بعض الأجزاء لزم فعل بعضها الذي لم يتعذر. فالأمر بالعبادة المؤقتة كالصلوات الخمس أمر بمركب من شيئين: الأول منهما: فعل العبادة.
QS 19:60 (jilid 4 hlm. 414) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 4 · hlm. 414 · #100441
زء من أجزائه، فإذا تعذر بعض الأجزاء لزم فعل بعضها الذي لم يتعذر. فالأمر بالعبادة المؤقتة كالصلوات الخمس أمر بمركب من شيئين: الأول منهما: فعل العبادة. والثاني: كونها مقترنة بالوقت المعين لها، فإذا خرج الوقت تعذر أحدهما وهو الاقتران بالوقت المعين، وبقي الآخر غير متعذر وهو فعل العبادة، فيلزم من الأمر الأول فعل الجزء المقدور عليه؛ لأن الأمر بالمركب أمر بأجزائه. وهذا القول صدر به ابن قدامة في روضة الناظر، وعزاه هو والغزالي في المستصفى إلى بعض الفقهاء. وذهب جمهور أهل الأصول إلى أن الأمر بالعبادة المؤقتة لا يستلزم الأمر بقضائها بعد خروج الوقت، واستدلوا لذلك بقاعدة وهي: أن تخصيص العبادة بوقت معين دون غيره من الأوقات لا يكون إلا لمصلحة تختص بذلك الوقت دون غيره، إذ لو كانت المصلحة في غيره من الأوقات لما كان لتخصيصه دونها فائدة.
QS 19:60 (jilid 4 hlm. 415) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 4 · hlm. 415 · #100442
العبادة بوقت معين دون غيره من الأوقات لا يكون إلا لمصلحة تختص بذلك الوقت دون غيره، إذ لو كانت المصلحة في غيره من الأوقات لما كان لتخصيصه دونها فائدة. قالوا: فتخصيصه الصلوات بأوقاتها المعينة، والصوم برمضان مثله، كتخصيص الحج بعرفات، والزكاة بالمساكين، والصلاة بالقبلة، والقتل بالكافر ونحو ذلك. واعلم أن الذين قالوا: إن الأمر لا يستلزم القضاء، وهم الجمهور؛ اختلفوا في إعادة الصلاة المتروكة عمدًا على قولهم: إن تاركها غير كافر، فذهب جمهورهم إلى وجوب إعادتها، قالوا: نحن نقول: إن القضاء لابد له من أمر جديد، ولكن الصلاة المتروكة عمدًا جاءت على قضائها أدلة، منها: قياس العامد على الناسي والنائم، المنصوص على وجوب القضاء عليهما، قالوا: فإذا وجب القضاء على النائم، والناسي فهو واجب على العامد من باب أولى، وقال النووي في شرح المهذب: ومما يدل على وجوب القضاء حديث أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ أمر المجامع في نهار رمضان أن يصوم يومًا مع الكفارة، أي بدل اليوم الذي أفسده بالجماع عمدًا.
QS 19:60 (jilid 4 hlm. 415) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 4 · hlm. 415 · #100443
هذب: ومما يدل على وجوب القضاء حديث أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ أمر المجامع في نهار رمضان أن يصوم يومًا مع الكفارة، أي بدل اليوم الذي أفسده بالجماع عمدًا. رواه البيهقي بإسناد جيد، وروى أبو داود نحوه. انتهى كلام النووي. ومن أقوى الأدلة على وجوب القضاء على التارك عمدًا عموم الحديث الصحيح الذي قدمناه في سورة "الإسراء" الذي قال فيه النبي ﷺ: "فدين الله أحق أن يقضى"، فقوله: "دين الله" اسم جنس مضاف إلى معرفة فهو عام في كل دين، كقوله: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ .. ﴾ الآية، فهو عام في كل نعمة. ولا شك أن الصلاة المتروكة عمدًا دين لله في ذمة تاركها، فدل عموم الحديث على أنها حقيقة جديرة بأن تقضى، ولا معارض لهذا العموم. وقال بعض أهل العلم: ليس على التارك الصلاة عمدًا قضاء؛ لأن القضاء يحتاج إلى أمر جديد ولم يأت أمر جديد بقضاء التارك عمدًا. وممن قال بهذا ابن حزم واختاره أبو العباس بن تيمية ﵀. وإلى هذه المسألة أشار في مراقي السعود بقوله: والأمر لا يستلزم القضاءَا ...
QS 19:60 (jilid 4 hlm. 416) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 4 · hlm. 416 · #100444
د بقضاء التارك عمدًا. وممن قال بهذا ابن حزم واختاره أبو العباس بن تيمية ﵀. وإلى هذه المسألة أشار في مراقي السعود بقوله: والأمر لا يستلزم القضاءَا ... بل هو بالأمر الجديد جاءا لأنه في زمن معين ... يجي لما عليه من نفع بُني وخالف الرازي إذ المركبُ ... لكلِّ جزء حكمه ينسحبُ تنبيه سبب اختلاف العلماء في هذه المسألة أنها تجاذبها أصلان مختلفان؛ فنظرت كل طائفة إلى أحد الأصلين المختلفين: أحدهما: الأمر بالمركب أمر بأجزائه؛ وإليه نظر الحنفية ومن وافقهم. والثاني: الأمر بالعبادة في وقت معين لا يكون إلا لمصلحة تختص بالوقت المذكور، وإليه نظر الجمهور. ومثل هذا من الأشياء التي تكون سببًا للاختلاف في المسألة كما أشار له الشيخ ميارة في التكميل بقوله: وإن يكن في الفرع تقريران ... بالمنع والجواز فالقولان •
QS 19:59-63 (jilid 16 hlm. 134) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 16 · hlm. 134 · #129860
[سُورَة مَرْيَم (١٩) : الْآيَات ٥٩ إِلَى ٦٣] فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَواتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا (٥٩) إِلاَّ مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ شَيْئاً (٦٠) جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمنُ عِبادَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّهُ كانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا (٦١) لَا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً إِلاَّ سَلاماً وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيها بُكْرَةً وَعَشِيًّا (٦٢) تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبادِنا مَنْ كانَ تَقِيًّا (٦٣) فرَّعَ عَلَىِ الثَّنَاءِ عَلَيْهِمُ اعْتِبَارٌ وَتَنْدِيدٌ بِطَائِفَةٍ مِنْ ذُرِّيَاتِهِمْ لَمْ يَقْتَدُوا بِصَالِحِ أسلافهم وهم المعني بالخلف. وَالْخلف- بِسِكُونِ اللَّامِ- عَقِبُ السُّوءِ، وَبِفَتْحِ اللَّامِ- عَقِبُ الْخَيْرِ.
QS 19:59-63 (jilid 16 hlm. 134) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 16 · hlm. 134 · #129861
ّيَاتِهِمْ لَمْ يَقْتَدُوا بِصَالِحِ أسلافهم وهم المعني بالخلف. وَالْخلف- بِسِكُونِ اللَّامِ- عَقِبُ السُّوءِ، وَبِفَتْحِ اللَّامِ- عَقِبُ الْخَيْرِ. وَتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتابَ فِي سُورَةِ الْأَعْرَافِ [١٦٩] . وَهُوَ هُنَا يَشْمَلُ جَمِيعَ الْأُمَمِ الَّتِي ضَلَّتْ لِأَنَّهَا رَاجِعَةٌ فِي النَّسَبِ إِلَى إِدْرِيسَ جَدِّ نُوحٍ إِذْ هُمْ مِنْ ذُرِّيَةِ نُوحٍ وَمَنْ يَرْجِعُ أَيْضًا إِلَى إِبْرَاهِيمَ، فَمِنْهُمْ مَنْ يُدْلِي إِلَيْهِ مِنْ نَسْلِ إِسْمَاعِيلَ وَهُمُ الْعَرَبُ.
QS 19:59-63 (jilid 16 hlm. 134) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 16 · hlm. 134 · #129862
ِذْ هُمْ مِنْ ذُرِّيَةِ نُوحٍ وَمَنْ يَرْجِعُ أَيْضًا إِلَى إِبْرَاهِيمَ، فَمِنْهُمْ مَنْ يُدْلِي إِلَيْهِ مِنْ نَسْلِ إِسْمَاعِيلَ وَهُمُ الْعَرَبُ. وَمِنْهُمْ مَنْ يُدْلِي إِلَيْهِ مِنْ نَسْلِ يَعْقُوبَ وَهُمْ بَنُو إِسْرَائِيلَ. وَلَفْظُ مِنْ بَعْدِهِمْ يَشْمَلُ طَبَقَاتٍ وَقُرُونًا كَثِيرَةً، لَيْسَ قَيْدًا لِأَنَّ الْخَلَفَ لَا يَكُونُ إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَصْلِهِ وَإِنَّمَا ذُكِرَ لِاسْتِحْضَارِ ذَهَابِ الصَّالِحِينَ. وَالْإِضَاعَةُ: مَجَازٌ فِي التَّفْرِيطِ بِتَشْبِيهِهِ بِإِهْمَالِ الْعَرَضِ النَّفِيسِ، فَرَّطُوا فِي عِبَادَةِ اللَّهِ وَاتَّبَعُوا شَهَوَاتِهِمْ فَلَمْ يُخَالِفُوا مَا تَمِيلُ إِلَيْهِ أَنْفُسُهُمْ مِمَّا هُوَ فَسَادٌ.
QS 19:59-63 (jilid 16 hlm. 135) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 16 · hlm. 135 · #129863
رَضِ النَّفِيسِ، فَرَّطُوا فِي عِبَادَةِ اللَّهِ وَاتَّبَعُوا شَهَوَاتِهِمْ فَلَمْ يُخَالِفُوا مَا تَمِيلُ إِلَيْهِ أَنْفُسُهُمْ مِمَّا هُوَ فَسَادٌ. وَتَقَدَّمَ قَوْلُهُ تَعَالَى: إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا فِي سُورَة الْكَهْفِ [٣٠] . وَالصَّلَاةُ: عِبَادَةُ اللَّهِ وَحْدَهُ. وَهَذَانِ وَصْفَانِ جَامِعَانِ لِأَصْنَافِ الْكُفْرِ وَالْفُسُوقِ، فَالشِّرْكُ إِضَاعَةٌ لِلصَّلَاةِ لِأَنَّهُ انْصِرَافٌ عَنِ الْخُضُوعِ لِلَّهِ تَعَالَى، فَالْمُشْرِكُونَ أَضَاعُوُا الصَّلَاةَ تَمَامًا، قَالَ تَعَالَى: قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ [المدثر: ٤٣] .
QS 19:59-63 (jilid 16 hlm. 135) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 16 · hlm. 135 · #129864
عَنِ الْخُضُوعِ لِلَّهِ تَعَالَى، فَالْمُشْرِكُونَ أَضَاعُوُا الصَّلَاةَ تَمَامًا، قَالَ تَعَالَى: قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ [المدثر: ٤٣] . وَالشِّرْكُ: اتِّبَاعٌ لِلشَّهَوَاتِ، لِأَنَّ الْمُشْرِكِينَ اتَّبَعُوا عِبَادَةَ الْأَصْنَامِ لِمُجَرَّدِ الشَّهْوَةِ مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ، وَهَؤُلَاء هم الْمَقْصُود هُنَا، وَغَيْرُ الْمُشْرِكِينَ كَالْيَهُودِ وَالنَّصَارَى فَرَّطُوا فِي صَلَوَاتٍ وَاتَّبَعُوا شَهَوَاتٍ ابْتَدَعُوهَا، وَيَشْمَلُ ذَلِكَ كُلَّهُ اسْمُ الْغَيِّ. وَالْغَيُّ: الضَّلَالُ، وَيُطْلَقُ عَلَىِ الشَّرِّ، كَمَا أُطْلِقَ ضِدُّهُ وَهُوَ الرُّشْدُ عَلَىِ الْخَيْرِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَداً [الجنّ: ١٠] وَقَوْلِهِ قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا رَشَداً [الجنّ: ٢١] .
QS 19:59-63 (jilid 16 hlm. 135) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 16 · hlm. 135 · #129865
دَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَداً [الجنّ: ١٠] وَقَوْلِهِ قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا رَشَداً [الجنّ: ٢١] . فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ جَزَاءَ غَيِّهِمْ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ يَلْقَ أَثاماً [الْفرْقَان: ٦٨] أَي جَزَاءِ الْآثَامِ. وَتَقَدَّمَ الْغَيُّ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَإِخْوانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الغَيِّ وَقَوْلِهِ وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا كِلَاهُمَا فِي سُورَة الْأَعْرَاف [٢٠٢ و١٤٦] .
QS 19:59-63 (jilid 16 hlm. 135) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 16 · hlm. 135 · #129866
ِخْوانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الغَيِّ وَقَوْلِهِ وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا كِلَاهُمَا فِي سُورَة الْأَعْرَاف [٢٠٢ و١٤٦] . وَقَرِينَةُ ذَلِكَ مُقَابَلَتُهُ فِي ضِدِّهِمْ بِقَوْلِهِ فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ. وَحَرْفُ (سَوْفَ) دَالُّ عَلَى أَنَّ لِقَاءَهُمُ الْغَيَّ مُتَكَرِّرٌ فِي أَزْمِنَةِ الْمُسْتَقْبَلِ مُبَالَغَةً فِي وَعِيدِهِمْ وَتَحْذِيرًا لَهُمْ مِنَ الْإِصْرَارِ عَلَى ذَلِكَ. وَقَوْلُهُ فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ جِيءَ فِي جَانِبِهِمْ بِاسْمِ الْإِشَارَةِ إِشَادَةً بِهِمْ وَتَنْبِيهًا لَهُمْ لِلتَّرْغِيبِ فِي تَوْبَتِهِمْ مِنَ الْكُفْرِ. وَجِيءَ بِالْمُضَارِعِ الدَّالِّ عَلَىِ الْحَالِ لِلْإِشَارَةِ إِلَى أَنَّهُمْ لَا يُمْطَلُونَ فِي الْجَزَاءِ. وَالْجَنَّةُ: عَلَمٌ لِدَارِ الثَّوَابِ وَالنَّعِيمِ. وَفِيهَا جَنَّاتٌ كَثِيرَةٌ كَمَا وَرَدَ فِي الحَدِيث: «أَو جنّة وَاحِدَةٌ هِيَ إِنَّهَا لَجِنَانٌ كَثِيرَةٌ» .
QS 19:59-63 (jilid 16 hlm. 136) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 16 · hlm. 136 · #129867
لَمٌ لِدَارِ الثَّوَابِ وَالنَّعِيمِ. وَفِيهَا جَنَّاتٌ كَثِيرَةٌ كَمَا وَرَدَ فِي الحَدِيث: «أَو جنّة وَاحِدَةٌ هِيَ إِنَّهَا لَجِنَانٌ كَثِيرَةٌ» . وَالظُّلْمُ: هُنَا بِمَعْنَىِ النَّقْصِ وَالْإِجْحَافِ وَالْمَطْلِ. كَقَوْلِهِ كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَها وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئاً فِي سُورَة الْكَهْف [٣٣] . وشي: اسْمٌ بِمَعْنَى ذَاتٍ أَوْ مَوْجُودٍ وَلَيْسَ الْمُرَادُ مَصْدَرُ الظُّلْمِ. وَذِكْرُ شَيْئاً فِي سِيَاقِ النَّفْيِ يُفِيدُ نَفْيَ كُلِّ فَرْدٍ مِنْ أَفْرَادِ النَّقْصِ وَالْإِجْحَافِ وَالْإِبْطَاءِ، فَيُعَلَمُ انْتِفَاءُ النَّقْصِ الْقَوِيِّ بِالْفَحْوَى دَفَعًا لِمَا عَسَى أَنْ يُخَالِجَ نُفُوسَهُمْ مِنَ الِانْكِسَارِ بعد الْإِيمَان يظنّ أَنَّ سَبْقَ الْكُفْرِ يَحُطُّ مِنْ حُسْنِ مَصِيرِهِمْ. وجَنَّاتِ بَدَلٌ مِنَ الْجَنَّةَ.
QS 19:59-63 (jilid 16 hlm. 136) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 16 · hlm. 136 · #129868
ُخَالِجَ نُفُوسَهُمْ مِنَ الِانْكِسَارِ بعد الْإِيمَان يظنّ أَنَّ سَبْقَ الْكُفْرِ يَحُطُّ مِنْ حُسْنِ مَصِيرِهِمْ. وجَنَّاتِ بَدَلٌ مِنَ الْجَنَّةَ. جِيءَ بِصِيغَةِ جَمْعِ جَنَّاتٍ مَعَ أَنَّ الْمُبْدَلَ مِنْهُ مُفْرَدٌ لِأَنَّهُ يَشْتَمِلُ عَلَى جَنَّاتٍ كَثِيرَةٍ كَمَا عَلِمْتَ، وَهُوَ بَدَلٌ مُطَابِقٌ وَلَيْسَ بَدَلَ اشْتِمَالٍ. وعَدْنٍ: الْخُلْدُ وَالْإِقَامَةُ، أَيْ جَنَّاتِ خُلْدٍ وَوَصْفُهَا بِ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمنُ عِبادَهُ لزِيَادَة تَشْرِيفِهَا وَتَحْسِينِهَا. وَفِي ذَلِكَ إِدْمَاجٌ لِتَبْشِيرِ الْمُؤْمِنِينَ السَّابِقَيْنَ فِي أَثْنَاءِ وَعْدِ الْمَدْعُوِّينَ إِلَىِ الْإِيمَانِ. وَالْغَيْبُ: مَصْدَرُ غَابَ، فَكُلُّ مَا غَابَ عَنِ الْمُشَاهَدَةِ فَهُوَ غَيْبٌ. وَتَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ فِي أَوَّلِ الْبَقَرَةِ وَالْبَاءُ فِي بِالْغَيْبِ لِلظَّرْفِيَّةِ، أَيْ وَعَدَهَا إِيَّاهُمْ فِي الْأَزْمِنَةِ الْغَائِبَةِ عَنْهُمْ.
QS 19:59-63 (jilid 16 hlm. 136) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 16 · hlm. 136 · #129869
نَ بِالْغَيْبِ فِي أَوَّلِ الْبَقَرَةِ وَالْبَاءُ فِي بِالْغَيْبِ لِلظَّرْفِيَّةِ، أَيْ وَعَدَهَا إِيَّاهُمْ فِي الْأَزْمِنَةِ الْغَائِبَةِ عَنْهُمْ. أَيْ فِي الْأَزَلِ إِذْ خَلَقَهَا لَهُمْ. قَالَ تَعَالَى: أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ [آل عمرَان: ١٣٣] . وَفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلَى أَنَّهَا وَإِنْ كَانَتْ مَحْجُوبَةً عَنْهُمْ فِي الدُّنْيَا فَإِنَّهَا مُهَيِّئَةٌ لَهُمْ. وَجُمْلَةُ إِنَّهُ كانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا تَعْلِيلٌ لِجُمْلَةِ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمنُ عِبادَهُ بِالْغَيْبِ أَي يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَعَدًا مِنَ اللَّهِ وَاقِعًا. وَهَذَا تَحْقِيقٌ لِلْبِشَارَةِ. وَالْوَعْدُ: هُنَا مَصْدَرٌ مُسْتَعْمَلٌ فِي مَعْنَى الْمَفْعُولِ. وَهُوَ مِنْ بَابِ كَسَا، فَاللَّهُ وَعَدَ الْمُؤْمِنِينَ الصَّالِحِينَ جَنَّاتِ عَدْنٍ. فَالْجَنَّاتُ لَهُمْ مَوْعُودَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ. وَالْمَأْتِيُّ: الَّذِي يَأْتِيهِ غَيْرُهُ.
QS 19:59-63 (jilid 16 hlm. 137) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 16 · hlm. 137 · #129870
ّهُ وَعَدَ الْمُؤْمِنِينَ الصَّالِحِينَ جَنَّاتِ عَدْنٍ. فَالْجَنَّاتُ لَهُمْ مَوْعُودَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ. وَالْمَأْتِيُّ: الَّذِي يَأْتِيهِ غَيْرُهُ. وَقَدِ اسْتُعِيرُ الْإِتْيَانُ لِحُصُولِ الْمَطْلُوبِ الْمُتَرَقَّبِ، تَشْبِيهًا لِمَنْ يُحَصِّلُ الشَّيْءَ بَعْدَ أَنْ سَعَى لِتَحْصِيلِهِ بِمَنْ مَشَى إِلَى مَكَانٍ حَتَّى أَتَاهُ. وَتَشْبِيهًا لِلشَّيْءِ الْمُحَصَّلِ بِالْمَكَانِ الْمَقْصُودِ. فَفِي قَوْلِهِ مَأْتِيًّا تَمْثِيلِيَّةٌ اقْتُصِرَ مِنْ أَجْزَائِهَا عَلَى إِحْدَى الْهَيْئَتَيْنِ، وَهِيَ تَسْتَلْزِمُ الْهَيْئَةَ الْأُخْرَى لِأَنَّ الْمَأْتِيَّ لَا بُدَّ لَهُ مَنْ آتٍ. وَجُمْلَةُ لَا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً حَالٌ مِنْ عِبادَهُ. وَاللَّغْوُ: فُضُولُ الْكَلَامِ وَمَا لَا طَائِلَ تَحْتَهُ.
QS 19:59-63 (jilid 16 hlm. 137) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 16 · hlm. 137 · #129871
َّ لَا بُدَّ لَهُ مَنْ آتٍ. وَجُمْلَةُ لَا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً حَالٌ مِنْ عِبادَهُ. وَاللَّغْوُ: فُضُولُ الْكَلَامِ وَمَا لَا طَائِلَ تَحْتَهُ. وإِنْفَاؤُهُ كِنَايَةٌ عَنِ انْتِفَاءِ أَقَلِّ الْمُكَدِّرَاتِ فِي الْجَنَّةِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: لَا تَسْمَعُ فِيها لاغِيَةً [الغاشية: ١١] ، وَكِنَايَةٌ عَنْ جَعْلِ مُجَازَاةِ الْمُؤْمِنِينَ فِي الْجَنَّةِ بِضِدِّ مَا كَانُوا يُلَاقُونَهُ فِي الدُّنْيَا مِنْ أَذَى الْمُشْرِكِينَ وَلَغْوِهِمْ. وَقَوْلُهُ إِلَّا سَلاماً اسْتِثْنَاءٌ مُنْقَطِعٌ وَهُوَ مَجَازٌ مِنْ تَأْكِيدِ الشَّيْءِ بِمَا يُشْبِهُ ضِدَّهُ كَقَوْلِ النَّابِغَةِ: وَلَا عَيْبَ فِيهِمْ غَيْرَ أَنَّ سُيُوفَهُمْ ... بِهِنَّ فُلُولٌ مِنْ قِرَاعِ الْكَتَائِبِ أَيْ لَكِنْ تَسْمَعُونَ سَلَامًا.
QS 19:59-63 (jilid 16 hlm. 137) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 16 · hlm. 137 · #129872
كَقَوْلِ النَّابِغَةِ: وَلَا عَيْبَ فِيهِمْ غَيْرَ أَنَّ سُيُوفَهُمْ ... بِهِنَّ فُلُولٌ مِنْ قِرَاعِ الْكَتَائِبِ أَيْ لَكِنْ تَسْمَعُونَ سَلَامًا. قَالَ تَعَالَى: تَحِيَّتُهُمْ فِيها سَلامٌ [إِبْرَاهِيم: ٢٣] وَقَالَ لَا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً وَلا تَأْثِيماً إِلَّا قِيلًا سَلاماً سَلاماً [الْوَاقِعَة: ٢٥، ٢٦] . وَالرِّزْقُ: الطَّعَامُ. وَجِيءَ بِالْجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ لِلدَّلَالَةِ عَلَى ثَبَاتِ ذَلِكَ وَدَوَامِهِ، فَيُفِيدُ التَّكَرُّرَ الْمُسْتَمِرَ وَهُوَ أَخَصُّ مِنَ التَّكَرُّرِ الْمُفَادِ بِالْفِعْلِ الْمُضَارِعِ وَأَكْثَرَ.
QS 19:59-63 (jilid 16 hlm. 138) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 16 · hlm. 138 · #129873
لَى ثَبَاتِ ذَلِكَ وَدَوَامِهِ، فَيُفِيدُ التَّكَرُّرَ الْمُسْتَمِرَ وَهُوَ أَخَصُّ مِنَ التَّكَرُّرِ الْمُفَادِ بِالْفِعْلِ الْمُضَارِعِ وَأَكْثَرَ. وَتَقْدِيمُ الظَّرْفِ لِلِاهْتِمَامِ بِشَأْنِهِمْ، وَإِضَافَةُ رزق إِلَى ضميرهم لِزِيَادَةِ الِاخْتِصَاصِ. وَالْبُكْرَةُ: النِّصْفُ الأول من النَّهَار، وَالْعَشِيُّ: النِّصْفُ الْأَخِيرُ، وَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا كِنَايَةٌ عَنِ اسْتِغْرَاقِ الزَّمَنِ، أَيْ لَهُمْ رِزْقُهُمْ غَيْرُ مَحْصُورٍ وَلَا مُقَدَّرٍ بَلْ كُلَّمَا شَاءُوا فَلِذَلِكَ لَمْ يَذْكُرِ اللَّيْلَ. وَجُمْلَةُ تِلْكَ الْجَنَّةُ مُسْتَأْنَفَةٌ ابْتِدَائِيَّةٌ. وَاسْمُ الْإِشَارَةِ لِزِيَادَةِ التَّمْيِيزِ تَنْوِيهًا بِشَأْنِهَا وَأُجْرِيتَ عَلَيْهَا الصِّفَةُ بِالْمَوْصُولِ وَصِلَتِهِ تَنْوِيهًا بِالْمُتَّقِينَ وَأَنَّهُمْ أَهْلُ الْجَنَّةِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ [آل عمرَان: ١٣٣] . ونُورِثُ نَجْعَلُ وَارِثًا، أَيْ نُعْطِي الْإِرْثَ.
QS 19:59-63 (jilid 16 hlm. 138) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 16 · hlm. 138 · #129874
َ وَأَنَّهُمْ أَهْلُ الْجَنَّةِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ [آل عمرَان: ١٣٣] . ونُورِثُ نَجْعَلُ وَارِثًا، أَيْ نُعْطِي الْإِرْثَ. وَحَقِيقَةُ الْإِرْثِ: انْتِقَالُ مَالِ الْقَرِيبِ إِلَى قَرِيبِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ لِأَنَّهُ أَوْلَى النَّاسِ بِمَالِهِ فَهُوَ انْتِقَالٌ مُقَيَّدٌ بِحَالَةٍ. وَاسْتُعِيرَ هُنَا لِلْعَطِيَّةِ الْمُدَّخَرَةِ لِمُعْطَاهَا، تَشْبِيهًا بِمَالِ الِمَوْرُوثِ الَّذِي يَصِيرُ إِلَى وَارِثِهِ آخِرَ الْأَمر. وَقَرَأَ الجمور نُورِثُ بِسُكُونِ الْوَاوِ بَعْدَ الضَّمَّةِ وَتَخْفِيفِ الرَّاءِ، وَقَرَأَهُ رُوَيْسٌ عَنْ يَعْقُوبَ: نُوَرِّثُ- بِفَتْحِ الْوَاوِ تَشْدِيد الرَّاءِ- مِنْ ورّثه المضاعف.

Ayat yang dirujuk di sini

Potongan tafsir di atas mengutip ayat-ayat berikut (dideteksi dengan aturan teks ﴿…﴾, bukan model bahasa).

QS 6:92QS 70:34QS 7:169QS 25:68QS 107:5