القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾.
يعنى جلَّ ثناؤُه بقولِه: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: مُبدِعُها. وإنما هو مُفْعِلٌ، فصُرِفَ إلى فعيلٍ، كما صُرِفَ المؤلمُ إلى الأليمِ، والمسمعُ إلى السميعِ.
ومعنى المبُدعِ: المُنْشِئُ والمُحْدِثُ ما لم يَسبِقْه إلى إنشاءِ مثلِه وإحداثِه أحدٌ. ولذلك سُمِّىَ المُبْتدِعُ في الدينِ مُبتدِعًا؛ لإحداثِه فيه ما لم يَسبِقْه إليه غيرُه. وكذلك كلُّ مُحدِثٍ فعلًا أو قولًا لم يَتَقدمْه فيه مُتَقدِّمٌ، فإن العربَ تُسَميه مُبتدعًا، مِن ذلك قولُ أعْشَى بنى ثَعْلبةَ في مدحِ هَوْذةَ بنِ علىٍّ الحنَفىِّ:
يُرْعِى إلى قَوْلِ ساداتِ الرجالِ إذا … أبْدَوْا له الحَزْمَ أو ما شاءَه ابْتَدَعا
أى: يُحْدِثُ ما شاء.
وقولُ رُؤْبةَ بنِ العجَّاجِ:
فأيُّها الغاشِى القِذافَ الأَتْيَعا
إن كُنْتَ للهِ التَّقِىَّ الأطْوعَا
فليس وَجْهُ الحقِّ أن تَبَدَّعا
يعنى: أن تُحْدِثَ في الدينِ ما لم يَكُنْ فيه.
فأيُّها الغاشِى القِذافَ الأَتْيَعا
إن كُنْتَ للهِ التَّقِىَّ الأطْوعَا
فليس وَجْهُ الحقِّ أن تَبَدَّعا
يعنى: أن تُحْدِثَ في الدينِ ما لم يَكُنْ فيه.
فمعنى الكلامِ: سُبحانَ اللهِ، أَنَّى يكونُ له ولدٌ وهو مالكُ ما في السماواتِ والأرضِ، تَشْهدُ له جميعُها بدلالتِها عليه بالوَحْدانيةِ، وتُقِرُّ له بالطاعةِ، وهو بارئُها وخالقُها، ومُوجدُها مِن غيرِ أصلٍ، ولا مِثالٍ احْتَذاها عليه!.
وهذا إعلامٌ مِن اللهِ عبادَه أنَّ مما يَشْهَدُ له بذلك المسيحُ الذى أضافوا إلى اللهِ بُنُوَّتَه، وإخبارٌ منه لهم أن الذى ابْتَدع السماواتِ والأرضَ مِن غيرِ أصلٍ، وعلى غيرِ مِثالٍ، هو الذى ابْتَدع المسيحَ مِن غيرِ والدٍ بقُدْرتِه.
وبنحوِ الذى قُلْنا في ذلك قال جماعةٌ مِن أهلِ التأويلِ.
ذِكْرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا المثنى، قال: حدثنا إسحاقُ، قال: حدثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الرَّبيعِ: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾.
لتأويلِ.
ذِكْرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا المثنى، قال: حدثنا إسحاقُ، قال: حدثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الرَّبيعِ: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾. يقولُ: ابْتَدع خلقَها، ولم يَشْرَكْه في خلقِها أحدٌ.
وحدَّثنى موسى، قال: حدثنا عمرٌو، قال: حدثنا أسباطُ، عن السُّدىِّ: ﴿بَدِيعُ
السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾. يَقولُ: ابْتَدعها فخَلَقها، ولم يَخْلُقْ مثلَها شيئًا يتَمثَّلُ به.
.
فإنْ قال لنا قائلٌ: وما معنى قولِه: ﴿وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾؟ وفى أىِّ حالٍ يقولُ للأمرِ الذى يَقْضِيه: كُنْ. أفى حال عدمِه -وتلك حالٌ لا يَجوزُ أمرُه، إذ كان مُحالًا أن يُؤْمرَ إلا مأمورٌ، فإذا لم يكنِ المأمورُ، اسْتَحال الأمرُ، كما محالٌ الأمرُ مِن غيرِ آمرٍ، فكذلك محالٌ الأمرُ مِن آمرٍ إلا لمأْمورٍ- أم يقولُ ذلك له في حالِ وجودِه، وتلك حالٌ لا يجوزُ أمرُه فيها بالحدوثِ؛ لأنه حادِثٌ موجودٌ، ولا يُقالُ للموجودِ: كُنْ موجودًا. إلا بغيرِ مَعْنَى الأمرِ بحدوثِ عَينِه؟.
قيل: قد تَنازَع المتأوِّلون معنى ذلك، ونحن مُخْبِرون بما قالوا فيه، والعللِ التى بها اعتلَّ كلُّ قائلٍ منهم لِقولِه في ذلك، فقال بعضهم: ذلك خبرٌ مِن اللهِ عن أمرِه المحتومِ -على وجهِ القضاءِ لمن قضَى عليه قضاءً مِن خلقِه الموجود- أنه إذا أمرَه بأمرٍ نفَذ فيه قضاؤُه، ومضى فيه أمرُه.
م: ذلك خبرٌ مِن اللهِ عن أمرِه المحتومِ -على وجهِ القضاءِ لمن قضَى عليه قضاءً مِن خلقِه الموجود- أنه إذا أمرَه بأمرٍ نفَذ فيه قضاؤُه، ومضى فيه أمرُه. نَظِيرُ أمرِه مَن أمَر مِن بنى إسرائيلَ بأن يكونوا قِرَدةَ خاسِئين، وهم موجودون في حالِ أمرِه إيَّاهم بذلك، وحَتْمِ قضائِه عليهم بما
قضَى فيهم، وكالذى خسَف به وبدارِه الأرضَ، وما أشْبَه ذلك مِن أمرِه وقضائِه، في من كان موجودًا مِن خلقِه في حالِ أمرِه المحتومِ عليه. فوجَّه قائِلو هذا القولِ قولَه: ﴿وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾. إلى الخصوصِ دونَ العمومِ.
وقال آخرون: بل الآيةُ عامٌّ ظاهِرُها، فليس لأحدٍ أن يُحِيلَها إلى باطنٍ بغيرِ حُجَّةٍ يجبُ التسليمُ لها. وقالوا: إن اللهَ جلَّ ثناؤُه عالمٌ بكلِّ ما هو كائنٌ قبلَ كونِه، فلما كان ذلك كذلك، كانت الأشياءُ التى لم تَكُن -وهى كائنةٌ، لعلمِه بها قبل كونِها- نَظائرَ التى هى موجودةٌ، فجاز أن يَقولَ لها: كونى.
ئنٌ قبلَ كونِه، فلما كان ذلك كذلك، كانت الأشياءُ التى لم تَكُن -وهى كائنةٌ، لعلمِه بها قبل كونِها- نَظائرَ التى هى موجودةٌ، فجاز أن يَقولَ لها: كونى. ويَأمرَها بالخروجِ مِن حالِ العدمِ إلى حالِ الوجودِ، لتَصوُّرِ جميعِها له، ولعلمِه بها في حالِ العدمِ.
وقال آخرون: بل الآيةُ وإن كان ظاهِرُها ظاهِرَ عمومٍ، فتأويلُها الخصوصُ؛ لأن الأمرَ غيرُ جائزٍ إلا لمأمورٍ على ما وصَفْتُ قبلُ. قالوا: وإذْ كان ذلك كذلك، فالآيةُ تأويلُها: وإذا قضى أمرًا؛ من إحياءِ مَيِّتٍ، أو إماتةِ حىٍّ، ونحوِ ذلك، فإنما يقولُ للحى: كُنْ مَيتًا. وللميتِ: كُنْ حيًّا. وما أشْبَه ذلك مِن الأمرِ.
وقال آخرون: بل ذلك مِن اللهِ جلّ ثناؤُه خبرٌ عن جميعِ ما يُنْشِئُه ويُكَوِّنُه، أنه إذا قضاه وخلَقه وأنشَأه كان ووُجِدَ. ولا قولَ هنالك عندَ قائلى هذه المقالةِ إلا وجودُ المخلوقِ، وحدوثُ المَقْضىِّ. وقالوا: إنما قولُ اللهِ: ﴿وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾.
دَ قائلى هذه المقالةِ إلا وجودُ المخلوقِ، وحدوثُ المَقْضىِّ. وقالوا: إنما قولُ اللهِ: ﴿وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾. نَظيرُ قولِ القائلِ: قال فلانٌ برأْسِه، وقال بيدِه. إذا حرَّك رأسَه وأوْمأ بيدِه، ولم يَقُلْ شيئًا. وكما قال أبو النَّجْمِ:
قد قالتِ الأنْساعُ للبَطْنِ الْحَقِ
قِدْمًا فآضَتْ كالفَنِيقِ المُحنِقِ
ولا قولَ هنالك، إنما عَنَى أن الظَّهْرَ قد لحق بالبطنِ. وكما قال عمرُو بنُ حُممةَ الدَّوْسِىُّ:
فأصْبَحْتُ [مِثْلَ النّسْرِ طارَتْ فراخُه] … إذا رَامَ تَطْيَارًا يُقالُ له قَعِ
ولا قولَ هنالك، وإنما معناه: إذا رام طَيَرانًا وقَع. وكما قال الآخرُ:
امْتَلأَ الحَوْضُ وقال قَطْنِى
مَهْلًا رُوَيْدًا قَدْ مَلأْتَ بَطْنى
وأولى الأقوالِ بالصوابِ في قولِه: ﴿وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾.
وقال قَطْنِى
مَهْلًا رُوَيْدًا قَدْ مَلأْتَ بَطْنى
وأولى الأقوالِ بالصوابِ في قولِه: ﴿وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾. أن يُقالَ: هو عامٌّ في كلِّ ما قضاه اللهُ ودبَّره، لأن ظاهِرَ ذلك ظاهِرُ عمومٍ، وغيرُ جائزٍ إحالةُ الظاهرِ إلى الباطنِ مِن التأويلِ بغيرِ برهانٍ؛ لما قد بَينَّا في كتابِنا "كتابِ البيان عن أصولِ الأحكامِ". وإذ كان ذلك كذلك، فأمرُ اللهِ تعالى
ذكرُه للشئِ إذا أراد تكوينَه موجودًا بقولِه: ﴿كُنْ﴾. في حالِ إرادتِه جل ثناؤُه إيّاه مُكَوَّنًا، لا يَتقدَّمُ وجودَ الذى أراد إيجادَه وتكوينَه، إرادتَه إيَّاه، ولا أمرَه بالكونِ والوجودِ - ولا يَتأخَّرُ عنه، فغيرُ جائزٍ أن يكونَ الشئُ مأمورًا بالوجودِ مرادًا كذلك إلا وهو موجودٌ، ولا أن يكونَ موجودًا إلا وهو مأمورٌ بالوجودِ مرادٌ كذلك. ونظيرُ قولِه: ﴿وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾.
لا وهو موجودٌ، ولا أن يكونَ موجودًا إلا وهو مأمورٌ بالوجودِ مرادٌ كذلك. ونظيرُ قولِه: ﴿وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾. قولُه: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ﴾ [الروم: ٢٥]. بأن خروجَ القومِ مِن قبورِهم لا يَتقدَّمُ دُعاءَ اللهِ إيَّاهم ولا يتأخَّرُ عنه.
ويُسألُ مَن زعَم أن قولَه: ﴿وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ خاصٌّ في التأويلِ -اعْتِلالًا بأن أمْرَ غيرِ الموجودِ غيرُ جائزٍ- عن دَعْوةِ أهلِ القبورِ، أقبْلَ خُروجِهم مِن قبورِهم أم بعدَه، أم هى في خاصٍّ مِن الخلقِ؟ فلن يقولَ في ذلك قولًا إلا أُلْزِم في الآخَرِ مثلَه.
وأمَّا الذين زعَموا أن معنى قولِه جل ثناؤُه: ﴿فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾. نظيرُ قولِ القائلِ: قال فلانٌ برأسِه أو بيدِه. إذا حرَّكه أو أوْمَأ.
الذين زعَموا أن معنى قولِه جل ثناؤُه: ﴿فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾. نظيرُ قولِ القائلِ: قال فلانٌ برأسِه أو بيدِه. إذا حرَّكه أو أوْمَأ. ونَظيرُ قولِ الشاعرِ [مُخبرًا عن ناقتِه]:
تقولُ إذا دَرَأْتُ لها وَضِينِى … أهذا دِينُه أبدًا ودِينِى
وما أشْبَهَ ذلك، فإنهم لا صوابَ اللغةِ أصابوا، ولا كتابَ اللهِ وما دلَّت على صحتِه الأدلةُ اتَّبَعُوا، فيُقالُ لقائلى ذلك: إن اللهَ تعالى ذكرُه أخْبَر عن نفسِه أنه إذا قضَى أمرًا قال له: كُنْ. أفتُنْكِرون أن يكونَ قائلًا ذلك؟ فإن أنْكَروه كذَّبوا بالقرآنِ، وخرَجوا مِن الملةِ.
وإن قالوا: بل نُقِرُّ به، ولكنا نَزْعُمُ أن ذلك نظيرُ قولِ القائلِ: قال الحائطُ فمال.
قائلًا ذلك؟ فإن أنْكَروه كذَّبوا بالقرآنِ، وخرَجوا مِن الملةِ.
وإن قالوا: بل نُقِرُّ به، ولكنا نَزْعُمُ أن ذلك نظيرُ قولِ القائلِ: قال الحائطُ فمال. ولا قولَ هنالك، وإنما ذلك خبرٌ عن مَيْلِ الحائطِ.
قيل لهم: أفتُجِيزون للمُخْبِرِ عن الحائطِ بالمَيْلِ أن يقولَ: إنما قولُ الحائطِ إذا أراد أن يَميلَ أن يقولَ هكذا فيَمِيلَ؟
فإن أجازوا ذلك، خرَجوا مِن معروفِ كلامِ العربِ، وخالفُوا مَنْطِقَها وما يُعْرَفُ فى لسانِها.
وإن قالوا: ذلك غيرُ جائزٍ. قيل لهم: إن اللهَ تعالى ذكرُه أخْبرَ عن نفسِه أن قولَه للشئِ إذا أراده أن يقولَ له: كُنْ. فيكونُ. فأعْلَم عبادَه قولَه الذى يكونُ به الشئُ، ووصَفه ووكَّده. وذلك عندَكم غيرُ جائزٍ فى العبارةِ عما لا كلامَ له ولا بيانَ، فى مثلِ قولِ القائلِ: قال الحائطُ فمال. فكيف لم تَعْلَموا بذلك فَرْقَ ما بينَ قولِ اللهِ: ﴿وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾. وقولِ القائلِ: قال الحائطُ فمال؟
ل. فكيف لم تَعْلَموا بذلك فَرْقَ ما بينَ قولِ اللهِ: ﴿وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾. وقولِ القائلِ: قال الحائطُ فمال؟ وللبيانِ عن فسادِ هذه المَقالةِ موضعٌ غيرُ هذا، نَأْتِى فيه على القولِ بما
فيه الكِفايةُ إن شاء اللهُ.
وإذْ كان الأمرُ فى قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾. هو ما وصَفْنا، مِن أن حالَ أمْرِه الشئَ بالوجودِ حالُ وجودِ المأمورِ بالوجودِ، فَبَيِّنٌ بذلك أن الذى هو أولى بقولِه: ﴿فَيَكُونُ﴾. [أن يكونَ رفعًا] على العطفِ على قولِه: ﴿يَقُولُ﴾. لأن القولَ والكونَ حالُهما واحدةٌ. وهو نظيرُ قولِ القائلِ: تاب فلانٌ فاهْتَدَى، واهْتَدَى فلانٌ فتاب. لأنه لا يكونُ تائبًا إلا وهو مُهْتَدٍ، ولا مُهْتَدِيًا إلا وهو تائبٌ.
ُهما واحدةٌ. وهو نظيرُ قولِ القائلِ: تاب فلانٌ فاهْتَدَى، واهْتَدَى فلانٌ فتاب. لأنه لا يكونُ تائبًا إلا وهو مُهْتَدٍ، ولا مُهْتَدِيًا إلا وهو تائبٌ. فكذلك لا يكونُ أن يَكونَ اللهُ آمِرًا شيئًا بالوجودِ إلا وهو موجودٌ، ولا موجودًا إلا وهو آمِرُه بالوجودِ.
ولذلك اسْتَجاز مَن استجاز نَصْبَ (فيكونَ) مَن قرَأ: (إنما قولُنا لشيءٍ إذا أرَدْناه أن نقولَ له كنْ فيكونَ) [النحل: ٤٠]. بالمعنى الذى وصَفْنا على معنى: أن نقولَ فيكونَ.
وأمَّا رَفْعُ مَن رفَع ذلك، فإنه رأَى أن الخبرَ قد تمَّ عندَ قولِه: ﴿إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ﴾. إذ كان معلومًا أن اللهَ إذا حتَم قضاءَه على شيءٍ، كان المحتومُ عليه موجودًا، ثم ابْتَدَأ بقولِه: ﴿فَيَكُونُ﴾. كما قال جلَّ ثناؤُه: ﴿لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ﴾ [الحج: ٥].
ن المحتومُ عليه موجودًا، ثم ابْتَدَأ بقولِه: ﴿فَيَكُونُ﴾. كما قال جلَّ ثناؤُه: ﴿لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ﴾ [الحج: ٥]. وكما قال ابنُ أحْمرَ:
يُعالِجُ عاقِرًا أَعْيَتْ علَيه … لِيُلْقِحَها فيَنْتِجُها حُوَارَا
يُريدُ: فإذا هو يَنْتِجُها حُوَارَا.
فمعنى الآيةِ: وقالوا اتَّخَذ اللهُ ولدًا. سبحانَه أن يكونَ له ولدٌ، بل هو مالكُ السماواتِ والأرضِ وما فيهما، كلُّ ذلك له مُقِرٌّ بالعبوديَّةِ، بدلالتِه على وَحْدانيتِه. فأنَّى يكونُ له ولدٌ، وهو ابْتَدَع السماواتِ والأرضَ مِن غيرِ أصلٍ، كما الذى ابْتَدَع المسيحَ مِن غيرِ والدٍ بقدرتِه وسلطانِه، الذى لا يَتَعَذَّرُ عليه به شيءٌ أراده، بل إنما يقولُ له إذا قضاه فأراد تكوينَه: كُنْ.
لٍ، كما الذى ابْتَدَع المسيحَ مِن غيرِ والدٍ بقدرتِه وسلطانِه، الذى لا يَتَعَذَّرُ عليه به شيءٌ أراده، بل إنما يقولُ له إذا قضاه فأراد تكوينَه: كُنْ. فيكونُ موجودًا كما أراده وشاءَه، فكذلك كان ابتداعُه المسيحَ وإنشاؤُه، إذ أراد خَلْقَه مِن غيرِ والدٍ.
القولُ فى تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ﴾.
اخْتَلَف أهلُ التأويلِ فى مَن عنَى اللهُ بقولِه: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللهُ﴾؛ فقال بعضُهم: عنَى اللهُ بذلك النَّصارَى.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: حدثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مُجاهِدٍ فى قولِ اللهِ: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ﴾.
عاصمٍ، عن عيسى، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مُجاهِدٍ فى قولِ اللهِ: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ﴾. قال: النَّصارَى تَقولُه.
وحدَّثنى المثنى، قال: حدثنا أبو حُذَيفةَ، قال: حدثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مُجاهِدٍ مثلَه، وزاد فيه: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾: النصارى.
وقال آخَرون: بل عنى اللهُ بذلك اليهودَ الذين كانوا فى زمانِ رسولِ اللهِ ﷺ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: حدَّثنا يونُسُ بنُ بُكَيْرٍ، وحدَّثنا ابنُ حُمَيْدٍ، قال: حدثنا سَلَمةُ بنُ الفضلِ، قالا جميعًا: حدثنا محمدُ بنُ إسحاقَ، قال: حدَّثنى محمدُ بنُ أبى محمدٍ مولى زيدِ بن ثابتٍ، قال: حدَّثنى سعيدُ بنُ جُبَيْرٍ، أو عِكْرمةُ، عن ابنِ عباسٍ، قال: قال رافعُ بن حُريمِلةَ لرسولِ اللهِ ﷺ: إن كنتَ رسولًا مِن عندِ اللهِ كما تقولُ، فقلْ للهِ فلْيُكَلِّمْنا حتى نَسْمَعَ كلامَه.
ةُ، عن ابنِ عباسٍ، قال: قال رافعُ بن حُريمِلةَ لرسولِ اللهِ ﷺ: إن كنتَ رسولًا مِن عندِ اللهِ كما تقولُ، فقلْ للهِ فلْيُكَلِّمْنا حتى نَسْمَعَ كلامَه. فأنْزَل اللهُ فى ذلك مِن قولِه: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ﴾. الآية كلها.
وقال آخَرون: بل عنَى اللهُ بذلك مُشْرِكى العربِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: حدثنا يَزيدُ بنُ زُرَيْعٍ، قال: حدثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ﴾: وهم كفارُ العربِ.
وحدَّثنى المثنى، قال: حدثنا إسحاقُ، قال: حدثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللهُ﴾.
.
وحدَّثنى المثنى، قال: حدثنا إسحاقُ، قال: حدثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللهُ﴾. قال: هم كفارُ العربِ.
وحدَّثنى موسى، قال: حدثنا عمرٌو، قال: حدثنا أسباطُ، عن السُّدىِّ: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللهُ﴾: أما الذين لا يعلَمون فهم العربُ.
وأوْلَى هذه الأقوالِ بالصحةِ والصوابِ قولُ القائلِ: إن اللهَ تعالى ذكرُه عَنَى بقولِه: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾. النَّصارَى دونَ غيرِهم؛ لأن ذلك فى سياقِ خبرِ اللهِ عنهم، وعن افترائِهم عليه، وادِّعائهم له ولدًا، فقال جلَّ ثناؤُه مخبرًا عنهم فيما أخْبَر عنهم مِن ضلالتِهم، أنهم مع افترائِهم على اللهِ الكذبَ بقولِهم: ﴿اتَّخَذَ اللهُ وَلَدًا﴾. تَمنَّوا على اللهِ الأباطيلَ، فقالوا جَهْلًا منهم باللهِ، وبمنزلتِهم عندَه، وهم باللهِ مُشْرِكون: ﴿لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللهُ﴾ كما يُكَلِّمُ رسلَه وأنبياءَه، ﴿أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ﴾ كما أتَتْهم.
منهم باللهِ، وبمنزلتِهم عندَه، وهم باللهِ مُشْرِكون: ﴿لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللهُ﴾ كما يُكَلِّمُ رسلَه وأنبياءَه، ﴿أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ﴾ كما أتَتْهم. ولا يَنْبَغِى للهِ أن يُكَلِّمَ إلَّا أولياءَه، ولا يؤْتِىَ آيةً مُعْجِزةً على دَعْوَى مُدَّعٍ إلا لمَن كان مُحِقًّا فى دعواه، وداعيًا إلى دينِه وتوحيدِه. فأما مَن كان كاذبًا فى دعواه، وداعيًا إلى الفِريةِ عليه، وادِّعاءِ البنين والبناتِ له، فغيرُ جائزٍ أن يُكَلِّمَه جل ثناؤُه، أو يُؤْتِيَه آيةً مُعْجِزةً تكونُ مُؤَيدةً كَذِبَه وفِريتَه عليه.
فأمَّا الزاعمُ أنَّ اللهَ عَنَى بقولِه: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾. العربَ، فإنه قائلٌ قولًا لا خبرَ بصحتِه، ولا بُرهانَ على حقيقتِه فى ظاهرِ الكتابِ. والقولُ إذا صار إلى ذلك، كان واضحًا خطؤُه؛ لأنه ادَّعَى ما لا برهانَ على صحتِه. وادِّعاءُ مثلِ ذلك لن يَتَعذرَ على أحدٍ.
وأما معنى قولِه: ﴿لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللهُ﴾. فإنه بمعنى: هَلَّا يُكَلِّمُنا اللهُ.
ما لا برهانَ على صحتِه. وادِّعاءُ مثلِ ذلك لن يَتَعذرَ على أحدٍ.
وأما معنى قولِه: ﴿لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللهُ﴾. فإنه بمعنى: هَلَّا يُكَلِّمُنا اللهُ. كما
قال الأشْهَبُ بنُ رُمَيْلةَ:
تَعُدُّونَ عَقْرَ النِّيبِ أفْضَلَ مَجْدِكُمْ … بَنِى ضَوْطَرَى لَوْلا الكَمِىَّ المُقَنَّعا
يعنى: هلَّا تَعُدُّون الكمىَّ المُقَنَّعَا.
وكما حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخْبَرنا مَعْمرٌ، عن قتادةَ فى قولِه: ﴿لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللهُ﴾. قال: فهلَّا يُكَلِّمُنا اللهُ.
وأمَّا "الآيَةُ"، فقد [بيَّنتُ فيما مضى قبلُ] أنها العلامةُ.
َعْمرٌ، عن قتادةَ فى قولِه: ﴿لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللهُ﴾. قال: فهلَّا يُكَلِّمُنا اللهُ.
وأمَّا "الآيَةُ"، فقد [بيَّنتُ فيما مضى قبلُ] أنها العلامةُ. وإنما أخْبَر اللهُ عنهم أنهم قالوا: هلَّا تَأْتينا آيةٌ على ما نُرِيدُ ونَسْألُ، كما أَتَت الأنبياءَ والرسلَ، فقال اللهُ جلَّ ثناؤُه: ﴿كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ﴾.
القولُ فى تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ﴾.
اخْتَلف أهلُ التأويلِ فى من عَنَى اللهُ بقولِه: ﴿كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ﴾؛ فقال بعضُهم فى ذلك بما حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: حدثنا أبو عاصمٍ، قال: حدثنا عيسى، عن ابنِ أبى نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ﴾: هم
اليهودُ.
عمرٍو، قال: حدثنا أبو عاصمٍ، قال: حدثنا عيسى، عن ابنِ أبى نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ﴾: هم
اليهودُ.
وحدَّثنى المثنى، قال: حدثنا أبو حذيفةَ، قال: حدثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبى نجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: الذين من قبلهم اليهودُ.
وقال آخرون: هم اليهودُ والنصارى؛ لأن الذين لا يَعْلَمون هم العربُ.
ذِكْرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: حدثنا يزيدُ بنُ زُرَيعٍ قال: حدثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: ﴿الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾. يعنى: اليهودُ والنصارى وغيرُهم.
وحدَّثنى موسى، قال: حدثنا عمرٌو، قال: حدثنا أسباطُ، عن السدىِّ، قال: قالوا -يعنى العربَ- كما قالت اليهودُ والنصارى مِن قبلِهم.
وحدَّثنى المثنى، قال: حدثنا إسحاقُ، قال: حدثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ: ﴿كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ﴾.
هم.
وحدَّثنى المثنى، قال: حدثنا إسحاقُ، قال: حدثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ: ﴿كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ﴾. يعنى: اليهودُ والنصارى.
قال أبو جعفرٍ: قد دَلَّلنا على أن الذين عَنَى اللهُ تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللهُ﴾. هم النصارى، فالذين قالت النصارى مثْلَ
قولِهم هم اليهودُ؛ [لأن اليهودَ] سأَلت موسى ﵇ أن يُرِيَهم ربَّهم جهرةً، وأن يُسْمِعَهم كلامَ ربِّهم -كما قد بيَّنا فيما مَضَى مِن كتابِنا هذا - وسألوا مِن الآياتِ ما ليس لهم مسألتُه تَحكُّمًا منهم على ربِّهم، وكذلك تَمَنَّت النصارى على ربِّها تَحكُّمًا منها عليه، أن يُسْمِعَهم كلامَه، ويُرِيَهم ما أرادوا مِن الآياتِ، فأخْبَر اللهُ جلَّ ثناؤُه عنهم أنهم قالوا مِن القولِ في ذلك مِثْلَ الذى قالَتْه اليهودُ، وتَمنَّت على ربِّها مِثْلَ أمانيِّها، وأن قولَهم الذى قالوه مِن ذلك إنما يُشابهُ قولَ اليهودِ، مِن أجلِ تَشابُهِ قلوبِهم في الضلالةِ والكفرِ
اليهودُ، وتَمنَّت على ربِّها مِثْلَ أمانيِّها، وأن قولَهم الذى قالوه مِن ذلك إنما يُشابهُ قولَ اليهودِ، مِن أجلِ تَشابُهِ قلوبِهم في الضلالةِ والكفرِ باللهِ. فهم وإن اخْتَلفتْ مذاهبُهم في كذبِهم على اللهِ، وافترائِهم عليه، فقلوبُهم متشابهةٌ في الكفرِ بربِّهم والفِريةِ عليه، وتَحكُّمِهم على أنبياءِ اللهِ ورسلِه ﵈. وبمثلِ ما قلنا في ذلك قال مجاهدٌ.
حدَّثنى المثنى، قال: حدَّثنا أبو حذيفةَ، قال: حدَّثنا شِبلٌ، عن ابنِ أبى نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ﴾: قلوبُ النصارى واليهودِ.
وقال غيرُه: معنى ذلك: تَشابَهت قلوبُ كفارِ العربِ واليهودِ والنصارى وغيرِهم.
ذِكْرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: حدَّثنا يزيدُ، قال: حدَّثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ﴾. يعنى العربَ واليهودَ والنصارى وغيرَهم.
وحدَّثنى المثنى، حدثنا إسحاقُ، قال: حدثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ مثلَه.
وغيرُ جائزٍ في قولِه: ﴿تَشَابَهَتْ﴾.
واليهودَ والنصارى وغيرَهم.
وحدَّثنى المثنى، حدثنا إسحاقُ، قال: حدثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ مثلَه.
وغيرُ جائزٍ في قولِه: ﴿تَشَابَهَتْ﴾. التَّثْقِيلُ؛ لأن التاءَ في أوَّلِها زائدةٌ، أُدْخِلت لقولِه: "تفاعَل". فإن ثُقِّلت صارت تاءَيْن، ولا يَجوزُ إدْخالُ تاءَيْن زائِدَتين علامةً لمعنًى واحدٍ، وإنما يَجوزُ ذلك في الاستقبالِ، لاختلافِ معنَى دُخولِهما؛ لأن إحداهما تَدْخُلُ عَلَمًا للاستقبالِ، والأُخْرَى منهما التى في "تفاعَل"، ثم تُدْغمُ إحداهما في الأخرى فتُثَقَّلُ، فيقالُ: تَشَّابَهُ بعدَ اليومِ قلوبُنا.
فمعنَى الآيةِ: وقالت النصارى الجُهَّالُ باللهِ وبعَظمتِه: هَلَّا يُكَلمُنا اللهُ ربُّنا، كما كَلَّم أنبياءَه ورسلَه، أو تَجيئُنا علامةٌ مِن اللهِ نَعْرِفُ بها صدقَ ما نحن عليه، على ما نَسْألُ ونُريدُ.
ظمتِه: هَلَّا يُكَلمُنا اللهُ ربُّنا، كما كَلَّم أنبياءَه ورسلَه، أو تَجيئُنا علامةٌ مِن اللهِ نَعْرِفُ بها صدقَ ما نحن عليه، على ما نَسْألُ ونُريدُ. قال اللهُ جلَّ ثناؤُه: فكما قال هؤلاء الجَهَلةُ مِن النصارى وَتمنَّوا على ربِّهم، قال مَن قَبْلَهم مِن اليهودِ، فسألوا ربَّهم أن يُرِيَهم نفسَه جَهْرةً، ويُؤْتِيَهم آيةً، واحْتَكموا عليه وعلى رسلِه، وتَمنَّوا الأمانِىَّ، فاشْتَبهت قلوبُ اليهودِ والنصارى في تَمرُّدِهم على اللهِ، وقِلَّةِ مَعرِفتِهم بعظمتِه، وجُرْأتِهم على أنبيائِه ورسلِه، كما اشْتَبهت أقوالُهم التى قالوها.
﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ (١١٦) بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (١١٧)﴾
اشتملت هذه الآية الكريمة، والتي تليها على الرد على النصارى - عليهم لعائن الله-وكذا من أشبههم من اليهود ومن مشركي العرب، ممن جعل الملائكة بنات الله، فأكذب الله جميعهم في دعواهم وقولهم: إن لله ولدا. فقال تعالى: (سُبْحَانَهُ) أي: تعالى وتقدس وتنزه عن ذلك علوًا كبيرًا (بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ) أي: ليس الأمر كما افتروا، وإنما له ملك السماوات والأرض، وهو المتصرف فيهم، وهو خالقهم ورازقهم، ومُقَدِّرهم ومسخرهم، ومسيرهم ومصرفهم، كما يشاء، والجميع عبيد له وملك له، فكيف يكون له ولد منهم، والولد إنما يكون متولدًا من شيئين متناسبين، وهو ﵎ ليس له نظير، ولا مشارك في عظمته وكبريائه ولا صاحبة له، فكيف يكون له ولد!
ِ فَرْدًا﴾ [مريم: ٨٨ - ٩٥] وقال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [سورة الإخلاص].
فقرر تعالى في هذه الآيات الكريمة أنه السيد العظيم، الذي لا نظير له ولا شبيه له، وأن جميع الأشياء غيره مخلوقة له مربوبة، فكيف يكون له منها ولد! ولهذا قال البخاري في تفسير هذه الآية من البقرة: حدثنا أبو اليمان، أخبرنا شعيب، عن عبد الله بن أبي حُسَين، حدثنا نافع بن جبير -هو ابن مطعم-عن ابن عباس، عن النبي ﷺ قال: "قال الله تعالى: كَذَّبني ابن آدم ولم يكن له ذلك، وشتمني ولم يكن له ذلك، فأما تكذيبه إيَّاي فيزعم أني لا أقدر أن أعيده كما كان، وأما شتمه إياي فقوله: لي ولد.
ه تعالى: كَذَّبني ابن آدم ولم يكن له ذلك، وشتمني ولم يكن له ذلك، فأما تكذيبه إيَّاي فيزعم أني لا أقدر أن أعيده كما كان، وأما شتمه إياي فقوله: لي ولد. فسبحاني أن أتخذ صاحبة أو ولدا".
انفرد به البخاري من هذا الوجه.
وقال ابن مَرْدُويه: حدثنا أحمد بن كامل، حدثنا محمد بن إسماعيل الترمذي، حدثنا إسحاق بن محمد الفَرْوي، حدثنا مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: "يقول الله ﷿: كذبني ابن آدم ولم ينبغ له أن يكذبني، وشتمني ولم ينبغ له أن يشتمني، أما تكذيبه إياي فقوله: لن يعيدني كما بدأني. وليس أول الخلق بأهون علي من إعادته. وأما شتمه إياي فقوله: اتخذ الله ولدا.
، وشتمني ولم ينبغ له أن يشتمني، أما تكذيبه إياي فقوله: لن يعيدني كما بدأني. وليس أول الخلق بأهون علي من إعادته. وأما شتمه إياي فقوله: اتخذ الله ولدا. وأنا الله الأحد الصمد، لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوًا أحد".
وفي الصحيحين عن رسول الله ﷺ أنه قال: "لا أحد أصبر على أذى سمعه من الله؛ إنهم يجعلون له ولدا، وهو يرزقهم ويعافيهم".
وقوله: (كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ) قال ابن أبي حاتم: أخبرنا أبو سعيد الأشج، حدثنا أسباط، عن مطرف، عن عطية، عن ابن عباس، قال: (قَانِتينَ) مصلين.
وقال عكرمة وأبو مالك: (كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ) مُقرُّون له بالعبودية. وقال سعيد بن جبير: (كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ) يقول: الإخلاص. وقال الربيع بن أنس: يقول كل له قائم يوم القيامة.
ٌّ لَهُ قَانِتُونَ) مُقرُّون له بالعبودية. وقال سعيد بن جبير: (كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ) يقول: الإخلاص. وقال الربيع بن أنس: يقول كل له قائم يوم القيامة. وقال السدي: (كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ) يقول: له مطيعون يوم القيامة.
وقال خَصيف، عن مجاهد: (كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ) قال: مطيعون، كن إنسانًا فكان، وقال: كن حمارًا فكان.
وقال ابن أبي نَجِيح، عن مجاهد: (كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ) مطيعون، يقول: طاعة الكافر في سجود ظله وهو كاره.
وهذا القول عن مجاهد -وهو اختيار ابن جرير-يجمع الأقوال كلها، وهو أن القنوت: هو الطاعة والاستكانة إلى الله، وذلك شرعي وقَدري، كما قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ﴾ [الرعد: ١٥].
شرعي وقَدري، كما قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ﴾ [الرعد: ١٥].
وقد وَرَد حديث فيه بيان القنوت في القرآن ما هو المراد به، كما قال ابن أبي حاتم: حدثنا يونُس بن عبد الأعلى، حدثنا ابن وهب، أخبرني عمرو بن الحارث: أن دَرَّاجًا أبا السمح حدثه، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد الخدري، عن رسول الله ﷺ قال: "كل حرف من القرآن يذكر فيه القنوت فهو
الطاعة".
وكذا رواه الإمام أحمد، عن حسن بن موسى، عن ابن لَهِيعة، عن دَرّاج بإسناده، مثله.
ولكن هذا الإسناد ضعيف لا يعتمد عليه. ورفع هذا الحديث منكر، وقد يكون من كلام الصحابي أو مَنْ دونه، والله أعلم. وكثيرًا ما يأتي بهذا الإسناد تفاسير فيها نَكَارَة، فلا يغتر بها، فإن السند ضعيف، والله أعلم.
وقوله تعالى: (بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ) أي: خالقهما على غير مثال سبق، قال مجاهد والسدي: وهو مقتضى اللغة، ومنه يقال للشيء المحدث: بدعة.
ه أعلم.
وقوله تعالى: (بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ) أي: خالقهما على غير مثال سبق، قال مجاهد والسدي: وهو مقتضى اللغة، ومنه يقال للشيء المحدث: بدعة. كما جاء في الصحيح لمسلم: "فإن كل محدثة بدعة [وكل بدعة ضلالة] ". والبدعة على قسمين: تارة تكون بدعة شرعية، كقوله: فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة. وتارة تكون بدعة لغوية، كقول أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ عن جمعه إياهم على صلاة التراويح واستمرارهم: نعْمَتْ البدعةُ هذه.
وقال ابن جرير: وبديع السماوات والأرض: مبدعهما. وإنما هو مُفْعِل فصرف إلى فَعيل، كما صرف المؤلم إلى الأليم، والمسمع إلى السميع. ومعنى المبدع: المنشئ والمحدث ما لم يسبقه إلى إنشاء مثله وإحداثه أحد.
قال: ولذلك سمي المبتدع في الدين مبتدعًا؛ لإحداثه فيه ما لم يسبق إليه غيره، وكذلك كل محدث فعلا أو قولا لم يتقدمه فيه متقدم، فإن العرب تسميه مبتدعا.
د.
قال: ولذلك سمي المبتدع في الدين مبتدعًا؛ لإحداثه فيه ما لم يسبق إليه غيره، وكذلك كل محدث فعلا أو قولا لم يتقدمه فيه متقدم، فإن العرب تسميه مبتدعا. ومن ذلك قول أعشى ثعلبة، في مدح هوذة بن علي الحَنفِي:
يُرعى إلى قَوْل سادات الرّجال إذا … أبدَوْا له الحزْمَ أو ما شاءه ابتدَعا
أي: يحدث ما شاء.
قال ابن جرير: فمعنى الكلام: فسبحان الله أنى يكون لله ولد، وهو مالك ما في السماوات والأرض، تشهد له جميعها بدلالتها عليه بالوَحْدانيّة، وتقر له بالطاعة، وهو بارئها وخالقها وموجدها من غير أصل ولا مثال احتذاها عليه.
مالك ما في السماوات والأرض، تشهد له جميعها بدلالتها عليه بالوَحْدانيّة، وتقر له بالطاعة، وهو بارئها وخالقها وموجدها من غير أصل ولا مثال احتذاها عليه. وهذا إعلام من الله عباده أن ممن يشهد له بذلك المسيح، الذي أضافوا إلى الله بُنُوَّته، وإخبار منه لهم أن الذي ابتدع السماوات والأرض من غير أصل وعلى غير مثال، هو الذي ابتدع المسيح عيسى من غير والد بقدرته.
وهذا من ابن جرير، ﵀، كلام جيد وعبارة صحيحة.
وقوله تعالى: (وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) يبين بذلك تعالى كمال قدرته وعظيم سلطانه، وأنه إذا قَدَّر أمرًا وأراد كونه، فإنما يقول له: كن.
ا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) يبين بذلك تعالى كمال قدرته وعظيم سلطانه، وأنه إذا قَدَّر أمرًا وأراد كونه، فإنما يقول له: كن. أي: مرة واحدة، فيكون، أي: فيوجد على وفق ما أراد، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس: ٨٢] وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [النحل: ٤٠] وقال تعالى: ﴿وَمَا أَمْرُنَا إِلا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ﴾ [القمر: ٥٠]، وقال الشاعر:
إذا ما أراد الله أمرًا فإنَّما … يقول له كن قولة فيكونُ
ونبه تعالى بذلك أيضا على أن خلق عيسى بكلمة: كن، فكان كما أمره الله تعالى، قال [الله] تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آل عمران: ٥٩].