Tanya Kitab
Daftar surahSurah Al-Baqarah › Ayat 15

QS 2:15

Surah Al-Baqarah (البقرة) ayat 15

2:15
ٱللَّهُ يَسۡتَهۡزِئُ بِهِمۡ وَيَمُدُّهُمۡ فِي طُغۡيَٰنِهِمۡ يَعۡمَهُونَ
Allah akan memperolok-olokkan mereka dan membiarkan mereka terombang-ambing dalam kesesatan
Tanya tentang ayat ini
← Ayat 14Ayat 16 →

Tafsir dalam korpus (51 potongan)

QS 2:15 (jilid 1 hlm. 312) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 312 · #50284
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿اللهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾. قال أبو جَعفرٍ: اخْتُلِف في صفةِ استهزاءِ اللهِ تعالى ذكرُه الذي ذكَر أنه فاعلُه بالمنافقين الذين وصَف صفتَهم؛ فقال بعضهم: استهزاؤُه بهم كالذي أخْبرنا تبارك اسمُه أنه فاعلٌ بهم يومَ القيامةِ في قولِه تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ (١٣) يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ [الحديد: ١٣، ١٤] الآية. وكالذي أخبرنا أنه فعَل بالكفارِ بقولِه: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا﴾ [آل عمران: ١٧٨].
QS 2:15 (jilid 1 hlm. 312) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 312 · #50285
: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا﴾ [آل عمران: ١٧٨]. فهذا وما أشْبهه من استهزاءِ اللهِ تعالى ذكرُه وسخريتِه ومكرِه وخديعتِه للمنافقين وأهلِ الشركِ به، عندَ قائلي هذا القولِ ومتأوِّلي هذا التأويلِ. وقال آخرون: بل استهزاؤُه بهم توبيخُه إياهم، ولومُه لهم على ما ركِبوا من معاصيه والكفرِ به، كما يقالُ: إن فلانًا ليُهْزَأُ منه اليومَ، ويُسخرُ منه. يُرادُ به توبيخُ الناسِ إيَّاه ولومُهم له. أو إهلاكُه إيَّاهم وتدميرُه بهم، كما قال عَبِيدُ بنُ الأبْرَصِ: سَائِلْ بنا حُجْرَ ابنِ أُمِّ قَطَامِ إذْ … ظلَّت به السُّمْرُ النواهِلُ تَلعبُ فزعَموا أن السُّمْرَ - وهي القَنَا - لا لَعِبَ منها، ولكنها لما قتَلَتهم وشرَّدتهم، جعَل ذلك من فعلِها لعبًا بمن فعَلَت ذلك به.
QS 2:15 (jilid 1 hlm. 313) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 313 · #50286
مْرُ النواهِلُ تَلعبُ فزعَموا أن السُّمْرَ - وهي القَنَا - لا لَعِبَ منها، ولكنها لما قتَلَتهم وشرَّدتهم، جعَل ذلك من فعلِها لعبًا بمن فعَلَت ذلك به. قالوا: فكذلك استهزاءُ الله جلَّ ثناؤُه بمَن اسْتَهزَأ به من أهلِ النِّفاقِ والكفرِ به، إما إهلاكُه إيَّاهم وتدميرُه بهم، وإما إملاؤُه لهم ليأخُذَهم في حالِ أمنِهم عندَ أنفسِهم بَغتةً، أو توبيخُه لهم ولائمتُه إيَّاهم. قالوا: وكذلك معنى المكرِ منه والخديعةِ والسُّخريةِ. وقال آخرون: قولُه: ﴿يُخَادِعُونَ اللهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ﴾. على الجوابِ، كقولِ الرجلِ لمن كان يخدَعُه إذا ظَفِر به: أنا الذي خدَعتُك. ولم تكنْ منه خديعةٌ، ولكن قال ذلك إذ صار الأمرُ إليه. قالوا: وكذلك قولُه: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللهُ﴾ [آل عمران: ٥٤]، و ﴿اللهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾. على الجوابِ، واللهُ لا يكونُ منه المكرُ ولا الهُزْءُ.
QS 2:15 (jilid 1 hlm. 313) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 313 · #50287
قالوا: وكذلك قولُه: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللهُ﴾ [آل عمران: ٥٤]، و ﴿اللهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾. على الجوابِ، واللهُ لا يكونُ منه المكرُ ولا الهُزْءُ. والمعنى عندَهم أن المكرَ والهُزْءَ حاقَ بهم. وقال آخرون: قولُه: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ (١٤) اللهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾. وقولُه: ﴿يُخَادِعُونَ اللهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ [النساء: ١٤٢]،. وقولُه: ﴿فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللهُ مِنْهُمْ﴾ [التوبة: ٧٩]. و ﴿نَسُوا اللهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ [التوبة: ٦٧]. وما أشْبه ذلك - إخبارٌ من اللهِ جلَّ ثناؤُه أنه مجازِيهم جزاءَ الاستهزاءِ، ومعاقبُهم عقوبةَ الخِداعِ، فأخْرج خبرَه عن جزائِه إيَّاهم وعقابِه لهم، مُخْرَجَ خبرِه عن فعلِهم الذي عليه استحقُّوا العقابَ في اللفظِ، وإن اخْتَلف المعنَيان، كما قال جلَّ ثناؤُه: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠].
QS 2:15 (jilid 1 hlm. 314) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 314 · #50288
عن فعلِهم الذي عليه استحقُّوا العقابَ في اللفظِ، وإن اخْتَلف المعنَيان، كما قال جلَّ ثناؤُه: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠]. ومعلومٌ أن الأُولَى من صاحِبها سيئةٌ، إذ كانت منه للهِ ﵎ معصيةً، وأن الأخرى عَدْلٌ؛ لأنها من اللهِ جزاءٌ للعاصي على المعصيةِ، فهما - وإن اتَّفق لفظاهما - مختلفتا المعنى، وكذلك قولُه: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ١٩٤]. فالعُدْوانُ الأولُ ظلمٌ، والثاني جزاءٌ لا ظلمٌ، بل هو عَدلٌ؛ لأنه عقوبةٌ للظالمِ على ظلمِه، وإن وافق لفظُه لفظَ الأولِ.
QS 2:15 (jilid 1 hlm. 314) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 314 · #50289
دُوا عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ١٩٤]. فالعُدْوانُ الأولُ ظلمٌ، والثاني جزاءٌ لا ظلمٌ، بل هو عَدلٌ؛ لأنه عقوبةٌ للظالمِ على ظلمِه، وإن وافق لفظُه لفظَ الأولِ. وإلى مثلِ هذا المعنى وَجَّهوا كلَّ ما في القرآنِ من نظائرِ ذلك، مما هو خبرٌ عن مكرِ اللهِ جلَّ وعزَّ بقومٍ، وما أشْبَه ذلك. وقال آخرون: إن معنى ذلك أن اللهَ جلَّ ثناؤُه أخْبر عن المنافقين أنهم إذا خَلَوْا إلى مَرَدتِهم قالوا: إنا معكم على دينِكم في تكذيب محمدٍ ﷺ وما جاء به، وإنما نحن - بما نُظهرُ لهم من قولِنا لهم: صدَّقْنا بمحمدٍ ﷺ وما جاء به - مستهزِئون. يعنُون أنَّا نُظهرُ لهم ما هو عندَنا باطلٌ لا حَقٌّ ولا هُدًى.
QS 2:15 (jilid 1 hlm. 314) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 314 · #50290
ه، وإنما نحن - بما نُظهرُ لهم من قولِنا لهم: صدَّقْنا بمحمدٍ ﷺ وما جاء به - مستهزِئون. يعنُون أنَّا نُظهرُ لهم ما هو عندَنا باطلٌ لا حَقٌّ ولا هُدًى. قالوا: وذلك هو معنًى من معاني الاستهزاءِ، فأخْبر اللهُ أنه يَسْتهزئُ بهم، فيُظهرُ لهم من أحكامِه في الدنيا خلافَ الذي لهم عندَه في الآخرةِ، كما أظْهروا للنبيِّ ﷺ والمؤمنين في الدينِ ما هم على خلافِه في سرائرِهم. والصوابُ في ذلك من القولِ والتأويلِ عندَنا أن معنى الاستهزاءِ في كلامِ العربِ إظهارُ المستهزِئ للمستهزَأ به من القولِ والفعلِ ما يُرْضِيه ويُوافِقُه ظاهرًا، وهو بذلك من قيلِه وفعلِه به مُوَرِّطُه مساءَتَه باطنًا، وكذلك معنى الخِداعِ والسُّخريةِ والمكرِ.
QS 2:15 (jilid 1 hlm. 315) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 315 · #50291
أ به من القولِ والفعلِ ما يُرْضِيه ويُوافِقُه ظاهرًا، وهو بذلك من قيلِه وفعلِه به مُوَرِّطُه مساءَتَه باطنًا، وكذلك معنى الخِداعِ والسُّخريةِ والمكرِ. فإذ كان ذلك كذلك، وكان اللهُ جلَّ ثناؤُه قد جعَل لأهلِ النِّفاقِ في الدنيا من الأحكامِ - بما أظْهروا بألسنتِهم من الإقرارِ باللهِ وبرسولِه وبما جاء به من عندِ اللهِ، المُدْخِلِهم في عِدادِ مَن يشمَلُهم اسمُ الإسلامِ، وإن كانوا لغيرِ ذلك مُستبطِنين -أحكامَ المسلمين المصدِّقين إقرارَهم بألسنتِهم بذلك، بضمائرِ قلوبهم، وصَحائحِ عزائمِهم، وحميدِ أفعالِهم المحققةِ لهم صحةَ إيمانِهم، مع علمِ الله جلَّ وعزَّ بكذبِهم، واطلاعِه على خُبْثِ اعتقادِهم، وشكِّهم فيما ادَّعَوا بألسنتِهم أنهم به مصدِّقون، حتى ظنُّوا في الآخِرةِ - إذ حُشِروا في عِدادِ من كانوا في عِدادِهم في الدنيا - أنّهم وارِدُون مَوْرِدَهم، وداخِلون مَدْخَلَهم، واللهُ ﷻ مع إظهارِه ما قد أظْهر لهم من الأحكامِ المُلْحِقتِهم في عاجلِ الدنيا وآجلِ الآخرةِ
QS 2:15 (jilid 1 hlm. 315) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 315 · #50292
ي الدنيا - أنّهم وارِدُون مَوْرِدَهم، وداخِلون مَدْخَلَهم، واللهُ ﷻ مع إظهارِه ما قد أظْهر لهم من الأحكامِ المُلْحِقتِهم في عاجلِ الدنيا وآجلِ الآخرةِ إلى حالِ تمييزِه بينَهم وبينَ أوليائِه، وتفريقِه بينهم وبينهم - مُعِدٌّ لهم من أليمِ عقابِه ونَكالِ عذابِه، ما أعدَّ منه لأعْدى أعدائِه، وشرِّ عبادِه، حتى ميَّز بينهم وبينَ أوليائِه، فألحَقهم من طبقاتِ جحيمِه بالدركِ الأسفلِ [من النارِ] - كان معلومًا أنه جلَّ ثناؤُه بذلك من فعلِه بهم، وإن كان جزاءً لهم على أفعالِهم، وعدلًا ما فعَل من ذلك بهم؛ لاستحقاقِهم إيًّاه منه بعصيانِهم له كان بهم بما أظهَر لهم من الأمورِ التي أظْهرها لهم من إلحاقِه أحكامَهم في الدنيا بأحكامِ أوليائِه وهم له أعداءٌ، وحشرِه إيّاهم في الآخرةِ مع المؤمنين وهم به من المكذِّبين، إلى أن ميَّز بينَهم [وبينَهم - مستهزِئًا بهم] وساخرًا، ولهم خادِعًا، وبهم ماكرًا؛ إذ كان معنى الاستهزاءِ والسُّخريةِ والمكرِ والخديعةِ ما وصَفنا قبلُ، دونَ أن يكونَ ذلك معناه في حالٍ فيها
QS 2:15 (jilid 1 hlm. 316) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 316 · #50293
ئًا بهم] وساخرًا، ولهم خادِعًا، وبهم ماكرًا؛ إذ كان معنى الاستهزاءِ والسُّخريةِ والمكرِ والخديعةِ ما وصَفنا قبلُ، دونَ أن يكونَ ذلك معناه في حالٍ فيها المستهزِئُ بصاحبِه له ظالمٌ، أو عليه فيها عادلٌ، بل ذلك معناه في كلِّ أحوالِه، إذا وُجدَت الصفاتُ التي قدَّمنا ذكرَها في معنى الاستهزاءِ وما أشْبَهه من نظائِرِه. وبنحوِ ما قلنا فيه رُوي الخبرُ عن ابنِ عباسٍ. حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: حدَّثنا عثمانُ بنُ سعيدٍ، قال: حدَّثنا بشرُ بنُ عُمارةَ، عن أبي رَوْقٍ، عن الضحَّاكِ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿اللهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾. قال: يسخَرُ بهم للنِّقمةِ منهم. وأمّا الذين زعَموا أن قولَ اللهِ جلّ ثناؤُه: ﴿اللهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾. إنما هو على وجهِ الجوابِ، وأنه لم يكنْ من اللهِ استهزاءٌ ولا مكرٌ ولا خديعةٌ، فنافون عن اللهِ جلّ ثناؤُه ما قد أثْبَته اللهُ جلّ ثناؤُه لنفسِه وأوْجَبه لها.
QS 2:15 (jilid 1 hlm. 317) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 317 · #50294
على وجهِ الجوابِ، وأنه لم يكنْ من اللهِ استهزاءٌ ولا مكرٌ ولا خديعةٌ، فنافون عن اللهِ جلّ ثناؤُه ما قد أثْبَته اللهُ جلّ ثناؤُه لنفسِه وأوْجَبه لها. وسواءٌ قال قائلٌ: لم يكنْ من اللهِ جلَّ ذكرُه استهزاءٌ ولا مكرٌ ولا سُخريةٌ بمن أخْبَر أنه يَسْتَهزِئُ ويسخَرُ ويمكُرُ به. أو قال: لم يخسِفِ اللهُ بمن أخْبَر أنه خسَف به من الأممِ، ولم يُغرقْ من أخْبَر أنه غرّقه منهم. ويقالُ لقائلِ ذلك: إن اللهَ جلَّ ثناؤُه أخْبَرنا أنه مكَر بقومٍ مضَوا قبلَنا لم نَرَهم، وأخْبَر عن آخرين أنه خسَف بهم، وعن آخرين أنه غرّقهم، فصدَّقْنا اللهَ جلّ ثناؤُه فيما أخْبَرنا به من ذلك، ولم نفرِّقْ بين شيْءٍ منه، فما برهانُك على تفريقِك ما فرَّقْتَ بينَه، بزعمِك أنه قد غرّق وخسَف بمن قد أخْبَر أنه غرّقه وخسَف به، ولم يمكُرْ بمن أخْبَر أنه قد مكَر به؟
QS 2:15 (jilid 1 hlm. 317) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 317 · #50295
يْءٍ منه، فما برهانُك على تفريقِك ما فرَّقْتَ بينَه، بزعمِك أنه قد غرّق وخسَف بمن قد أخْبَر أنه غرّقه وخسَف به، ولم يمكُرْ بمن أخْبَر أنه قد مكَر به؟ ثم يُعكَس القولُ عليه في ذلك، فلن يقولَ في أحدِهما شيئًا إلا أُلْزِم في الآخرِ مثلَه. فإن لجَأ إلى أن يقولَ: إن الاستهزاءَ عبثٌ ولعبٌ، وذلك عن اللهِ ﷿ منفيٌّ. قيل له: إن كان الأمرُ عندَك على ما وصَفْتَ من معنى الاستهزاءِ، أفَلسْتَ تقولُ: اللهُ يَسْتَهْزِئُ بهم، وسخِر اللهُ منهم، ومكَر اللهُ بهم. وإن لم يكنْ من اللهِ عندَك هُزْءٌ ولا سخريةٌ؟ فإن قال: لا. كذَّب بالقرآنِ، وخرَج من ملَّةِ الإسلامِ. وإن قال: بلى. قيل له: أفتقولُ من الوجهِ الذي قلت: ﴿اللهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾، ﴿سَخِرَ اللهُ مِنْهُمْ﴾: يلعَبُ اللهُ بهم ويعبَثُ. ولا لعبَ من اللهِ ولا عبثَ؟ فإن قال: نعم. وصَف اللهَ بما قد أجْمَع المسلمون على نفيِه عنه، وعلى تخطئةِ واصفِه به، وأضاف إليه ما قد قامت الحجةُ من العقولِ على ضلالِ مُضيفِه إليه.
QS 2:15 (jilid 1 hlm. 318) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 318 · #50296
فإن قال: نعم. وصَف اللهَ بما قد أجْمَع المسلمون على نفيِه عنه، وعلى تخطئةِ واصفِه به، وأضاف إليه ما قد قامت الحجةُ من العقولِ على ضلالِ مُضيفِه إليه. وإن قال: لا أقولُ: يلعبُ اللهُ بهم، ولا يعبَثُ. وقد أقولُ: يَسْتهزِئُ بهم، ويسخَرُ منهم. قيل: فقد فرَّقت بين معنى اللعبِ والعبثِ، والهُزْء والسخريةِ، والمكرِ والخديعةِ، ومن الوجهِ الذي جاز قيل هذا، ولم يَجُزْ قيلُ هذا، افْتَرق معنياهما، فعُلم أن لكلِّ واحدٍ منهما معنًى غيرَ معنى الآخرِ. وللكلامِ في هذا النوعِ موضعٌ غيرُ هذا، كرِهنا إطالَة الكتابِ باستقصائِه، وفيما ذكَرْنا كفايةٌ لمن وُفِّق لفَهمِه.
QS 2:15 (jilid 1 hlm. 318) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 318 · #50297
القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤه: ﴿وَيَمُدُّهُمْ﴾. قال أبو جعفر: اخْتَلف أهلُ التأويلِ في تأويلِ قولِه: ﴿وَيَمُدُّهُمْ﴾؛ فقال بعضُهم بما حدَّثني به موسى بنُ هارونَ، قال: حدَّثنا عمرٌو، قال: حدَّثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ في خبرٍ ذكَره عن أبي مالكٍ، وعن أي صالحٍ، عن ابنِ عباسٍ، وعن مُرَّةَ، عن ابنِ مسعودٍ، وعن ناسٍ من أصحابِ النبيِّ ﷺ: ﴿وَيَمُدُّهُمْ﴾: يُملي لهم. وقال آخرون بما حدَّثني به المُثَنَّى بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا سويدُ بنُ نصرٍ، عن ابنِ المباركِ، عن ابنِ جُريجٍ قراءةً، عن مجاهدٍ: ﴿وَيَمُدُّهُمْ﴾ قال: يَزيدُهم. وكان بعضُ نحوييِّ البصرةِ يتأوَّلُ ذلك أنه بمعنى: يَمُدُّ لهم. ويزعُمُ أن ذلك نظيرُ قولِ العربِ: الغلامُ يلعَبُ الكِعابَ. [يُراد به: يلعَبُ بالكِعابِ]. قال: وذلك أنهم قد يقولون: قد مدَدْتُ له، وأمْددْتُ له. في غيرِ هذا المعنى، وهو قولُ اللهِ جلَّ وعزَّ: ﴿وَأَمْدَدْنَاهُمْ﴾ [الطور: ٢٢]. وهذا من: أمْدَدناهم.
QS 2:15 (jilid 1 hlm. 319) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 319 · #50298
ذلك أنهم قد يقولون: قد مدَدْتُ له، وأمْددْتُ له. في غيرِ هذا المعنى، وهو قولُ اللهِ جلَّ وعزَّ: ﴿وَأَمْدَدْنَاهُمْ﴾ [الطور: ٢٢]. وهذا من: أمْدَدناهم. قال: ويقالُ: قد مدَّ البحرُ فهو مادٌّ، وأمَدَّ الجُرْحُ فهو مُمِدٌّ. وحُكِي عن يونسَ الجَرْميِّ أنه كان يقولُ: ما كان من الشرَّ فهو: مدَدْتُ، وما كان من الخيرِ فهو: أَمْدَدتُ. ثم قال: وهو كما فسَّرتُ لك، إذا أردتَ أنك ترَكْتَه فهو: مَدَدتُ له، وإذا أردتَ أنك أعْطيتَه قلت: أمْدَدتُ. وأما بعضُ نحوييِّ الكوفةِ فإنه كان يقولُ: كلُّ زيادةٍ حدَثت في الشيْءِ من نفسِه، فهو: مَدَدتُ، بغيرِ ألفٍ، كما تقولُ: مدَّ النهَرُ، [ومدَّه نهَرٌ] آخرُ غيرُه. إذا اتَّصل به فصار منه، وكلُّ زيادةٍ حَدَثت في الشيْءِ من غيرِه فهو بألفٍ، كقولِك: أمدَّ الجُرْحُ؛ لأنَّ المِدَّةَ من غيرِ الجُرحِ، وأمْدَدتُ الجيشَ بمَدَدٍ. وأولى هذه الأقوالِ بالصوابِ في قولِه: ﴿وَيَمُدُّهُمْ﴾. أن يكونَ بمعنى: يزيدُهم.
QS 2:15 (jilid 1 hlm. 319) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 319 · #50299
الجُرْحُ؛ لأنَّ المِدَّةَ من غيرِ الجُرحِ، وأمْدَدتُ الجيشَ بمَدَدٍ. وأولى هذه الأقوالِ بالصوابِ في قولِه: ﴿وَيَمُدُّهُمْ﴾. أن يكونَ بمعنى: يزيدُهم. على وجهِ الإملاءِ والتركِ لهم في عُتوِّهم وتمرُّدِهم، كما وصَف ربُّنا جلَّ ثناؤُه أنه فَعَل بنظرائِهم في قولِه: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الأنعام: ١١٠]. [فكذلك قولُه: ﴿وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾]. يعني: [يَذَرُهم ويَتركُهم فيه، ويُملي] لهم ليزْدادوا إثمًا إلى إثمِهم. ولا وجهَ لقولِ من قال: ذلك بمعنى: يَمُدُّ لهم. لأنَّه [لا تدافُعَ بين] العربِ وأهلِ المعرفةِ بلغتِها أن يستجيزوا قولَ القائلِ: مدَّ النهَرَ نَهَرٌ آخرُ. بمعنى: اتصل به فصار زائدًا [ماءُ المتَّصَلِ] به بماءِ المتَّصِلِ. مِن غيرِ تأوُّلٍ منهم ذلك أن معناه: مدَّ النهَرَ نهَرٌ آخرُ. فكذلك ذلك في قولِه جلّ وعزّ: ﴿وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾.
QS 2:15 (jilid 1 hlm. 320) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 320 · #50300
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فِي طُغْيَانِهِمْ﴾. قال أبو جعفرٍ: والطغيانُ الفُعْلانُ، من قولِك: طغَى فلانٌ يطغَى طُغْيانًا. إذا تجاوَز في الأمرِ حدَّه فبغَى. ومنه قولُ اللهِ جلّ ثناؤُه: ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (٦) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾ [العلق: ٦، ٧] أي: يتجاوزُ حدَّه. ومنه قولُ أُمَيَّةَ بنِ أبي الصَّلْتِ: ودعا اللهَ دعوةً [لاتَ هَنَّا] … بعدَ طُغْيانِه فظلَّ مُشيرَا وإنما عنَى اللهُ جلَّ ثناؤُه بقولِه: ﴿وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِم﴾ أي: يُملي لهم، ويذَرُهم يبغُون في ضلالَتِهم وكفرِهم حَيارَى يتردَّدون. كما حُدِّثت عن المِنْجابِ، قال: حدَّثنا بِشرٌ، عن أبي رَوْقٍ، عن الضحَّاكِ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾.
QS 2:15 (jilid 1 hlm. 321) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 321 · #50301
يارَى يتردَّدون. كما حُدِّثت عن المِنْجابِ، قال: حدَّثنا بِشرٌ، عن أبي رَوْقٍ، عن الضحَّاكِ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾. قال: في كفرِهم يتردَّدون. وحدَّثني موسى بنُ هارون، قال: حدَّثنا عمرٌو، قال: حدَّثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ في خبرٍ ذكَره عن أبي مالكٍ، وعن أبي صالحٍ، عن ابنِ عباسٍ، وعن مُرَّةَ، عن ابنِ مسعودٍ، وعن ناسٍ من أصحابِ النبيِّ ﷺ: ﴿فِي طُغْيَانِهِمْ﴾: في كفرِهم. حدَّثنا بشرٌ، قال: حدَّثنا يزيدُ بنُ زُريعٍ، عن سعيدٍ، عن قتادةَ: ﴿فِي طُغْيَانِهِمْ﴾: في ضلالتِهم. حُدِّثت عن عمارِ بنِ الحسنِ، قال: حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرَّبيعِ: ﴿فِي طُغْيَانِهِمْ﴾: في ضلالتِهم. حدَّثنا يونسُ، قال: أخْبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿فِي طُغْيَانِهِمْ﴾ قال: طغيانُهم كفرُهم وضلالتُهم.
QS 2:15 (jilid 1 hlm. 322) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 322 · #50302
القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿يَعْمَهُونَ (١٥)﴾. قال أبو جعفرٍ: والعَمَهُ نفسُه الضلالُ. يقالُ منه: عمِه فلانٌ يعمَهُ عَمَهانًا وعُموهًا، إذا ضلَّ. ومنه قولُ رؤْبةَ بنِ العجَّاجِ يصفُ مَضَلَّةً من المَهامِهِ: ومَخْفَقٍ من لُهْلُهٍ ولُهْلُهِ من مَهْمَهٍ يَجْتَبْنَهُ في مَهْمَهِ أعْمَى الهُدى بالجاهلين العُمَّهِ والعُمَّهُ جمعُ عامِهٍ، وهم الذين يضلُّون فيه فيتحيَّرون. فمعنى قولِه جلَّ ثناؤُه إذن: ﴿فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾. في ضلالتِهم وكفرِهم الذي قد غمَرَهم دَنَسُه، وعلاهم رِجْسُه، يتردَّدون حَيارَى ضُلَّالًا، لا يجدون إلى المَخْرَجِ منه سبيلًا؛ لأن اللهَ قد طبَع على قلوبِهم، وختَم عليها، وأَعْمَى أبصارَهم عن الهدَى وأغشاها، فلا يُبْصِرونَ رُشْدًا، ولا يهتَدون سبيلًا. وبنحوِ ما قلنا في العَمَهِ جاء تأويلُ المتأوِّلين.
QS 2:15 (jilid 1 hlm. 323) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 323 · #50303
بِهم، وختَم عليها، وأَعْمَى أبصارَهم عن الهدَى وأغشاها، فلا يُبْصِرونَ رُشْدًا، ولا يهتَدون سبيلًا. وبنحوِ ما قلنا في العَمَهِ جاء تأويلُ المتأوِّلين. حدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: حدَّثنا عمرٌو، قال: حدَّثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ في خبرٍ ذكَره عن أبي مالكٍ، وعن أبي صالحٍ، عن ابنِ عباسٍ، وعن مُرَّةَ، عن ابنِ مسعودٍ، وعن ناسٍ من أصحابِ النبيِّ ﷺ: ﴿يَعْمَهُونَ﴾: يتمادَوْن في كفرِهم. حدَّثني المُثَنَّى بنُ إبراهِيمَ، قال: حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، عن معاويةَ بنِ صالحٍ، عن عليٍّ بنِ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿يَعْمَهُونَ﴾. قال: يتمادَوْن. حُدِّثت عن المِنْجابِ، قال: حدَّثنا بشرٌ، عن أبي رَوْقٍ، عن الضحَّاكِ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿يَعْمَهُونَ﴾.
QS 2:15 (jilid 1 hlm. 323) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 323 · #50304
ِ عباسٍ: ﴿يَعْمَهُونَ﴾. قال: يتمادَوْن. حُدِّثت عن المِنْجابِ، قال: حدَّثنا بشرٌ، عن أبي رَوْقٍ، عن الضحَّاكِ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿يَعْمَهُونَ﴾. قال: يتردَّدون. حدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثني حجَّاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ، قال: قال ابنُ عباسٍ: ﴿يَعْمَهُونَ﴾: المتلدِّدُ. حدَّثنا محمدُ بنُ عمرٍو، قال: حدَّثنا أبو عاصمٍ، قال: حدَّثنا عيسى بنُ ميمونٍ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾. قال: يتردَّدون. حدَّثني المُثَنَّى، قال: حدَّثنا أبو حُذيفَة، قال حدَّثنا شِبلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه. حدَّثنا سفيانُ بنُ وكيعٍ، قال: حدَّثنا أبي، عن سفيانَ، عن رجلٍ، عن مجاهدٍ مثلَه. حدَّثني المُثَنَّى، قال: حدَّثنا سويدُ بنُ نصرٍ، عن ابنِ المباركِ، عن ابنِ جُريجٍ قراءةً، عن مجاهدٍ مثلَه. حُدِّثت عن عمارٍ، قال: حدَّثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرَّبيعِ: ﴿يَعْمَهُونَ﴾ قال: يتردَّدون.
QS 2:14-15 (jilid 1 hlm. 182) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 1 · hlm. 182 · #80881
﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ (١٤) اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١٥)﴾ يقول [الله] تعالى: وإذا لقي هؤلاء المنافقون المؤمنين قالوا: (آمَنَّا) أي: أظهروا لهم الإيمان والموالاة والمصافاة، غرورًا منهم للمؤمنين ونفاقا ومصانعة وتقية، ولِيَشركوهم فيما أصابوا من خير ومغنم، (وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ) يعني: وإذا انصرفوا وذهبوا وخلصوا إلى شياطينهم. فضمن (خَلَوْا) معنى انصرفوا؛ لتعديته بإلى، ليدل على الفعل المضمر والفعل الملفوظ به.
QS 2:14-15 (jilid 1 hlm. 182) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 1 · hlm. 182 · #80882
َى شَيَاطِينِهِمْ) يعني: وإذا انصرفوا وذهبوا وخلصوا إلى شياطينهم. فضمن (خَلَوْا) معنى انصرفوا؛ لتعديته بإلى، ليدل على الفعل المضمر والفعل الملفوظ به. ومنهم من قال: "إلى" هنا بمعنى "مع"، والأول أحسن، وعليه يدور كلام ابن جرير. وقال السدي عن أبي مالك: (خَلَوْا) يعني: مضوا، و (شَيَاطِينِهِمْ) يعني: سادتهم وكبراءهم ورؤساءهم من أحبار اليهود ورؤوس المشركين والمنافقين. قال السدي في تفسيره، عن أبي مالك وعن أبي صالح، عن ابن عباس، وعن مرّة عن ابن مسعود، عن ناس من أصحاب النبي ﷺ: (وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ) يعني: هم رؤوسهم من الكفر. وقال الضحاك عن ابن عباس: وإذا خلوا إلى أصحابهم، وهم شياطينهم. وقال محمد بن إسحاق، عن محمد بن أبي محمد، عن عِكْرِمة أو سعيد بن جُبَيْر، عن ابن عباس: (وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ) من يهود الذين يأمرونهم بالتكذيب وخلاف ما جاء به الرسول. وقال مجاهد: (وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ) إلى أصحابهم من المنافقين والمشركين.
QS 2:14-15 (jilid 1 hlm. 183) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 1 · hlm. 183 · #80883
نِهِمْ) من يهود الذين يأمرونهم بالتكذيب وخلاف ما جاء به الرسول. وقال مجاهد: (وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ) إلى أصحابهم من المنافقين والمشركين. وقال قتادة: (وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ) قال: إلى رؤوسهم، وقادتهم في الشرك، والشر. وبنحو ذلك فسَّره أبو مالك، وأبو العالية والسدي، والرّبيع بن أنس. قال ابن جرير: وشياطين كل شيء مَرَدَتُه، وتكون الشياطين من الإنس والجن، كما قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾ [الأنعام: ١١٢]. وفي المسند عن أبي ذر قال: قال رسول الله ﷺ: "نعوذ بالله من شياطين الإنس والجن". فقلت: يا رسول الله، وللإنس شياطين؟
QS 2:14-15 (jilid 1 hlm. 183) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 1 · hlm. 183 · #80884
الْقَوْلِ غُرُورًا﴾ [الأنعام: ١١٢]. وفي المسند عن أبي ذر قال: قال رسول الله ﷺ: "نعوذ بالله من شياطين الإنس والجن". فقلت: يا رسول الله، وللإنس شياطين؟ قال: "نعم". وقوله تعالى: (قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ) قال محمد بن إسحاق، عن محمد بن أبي محمد، عن عكرمة، أو سعيد بن جبير، عن ابن عباس: أي إنا على مثل ما أنتم عليه (إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ) أي: إنما نحن نستهزئ بالقوم ونلعب بهم. وقال الضحاك، عن ابن عباس: قالوا إنما نحن مستهزئون ساخرون بأصحاب محمد ﷺ. وكذلك قال الرّبيع بن أنس، وقتادة. وقوله تعالى جوابًا لهم ومقابلة على صنيعهم: (اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ)
QS 2:14-15 (jilid 1 hlm. 183) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 1 · hlm. 183 · #80885
وكذلك قال الرّبيع بن أنس، وقتادة. وقوله تعالى جوابًا لهم ومقابلة على صنيعهم: (اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ) وقال ابن جرير: أخبر الله تعالى أنه فاعل بهم ذلك يوم القيامة، في قوله: ﴿يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ﴾ الآية [الحديد: ١٣]، وقوله تعالى: ﴿وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ [آل عمران: ١٧٨].
QS 2:14-15 (jilid 1 hlm. 183) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 1 · hlm. 183 · #80886
َذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ [آل عمران: ١٧٨]. قال: فهذا وما أشبهه، من استهزاء الله، تعالى ذكره، وسخريته ومكره وخديعته للمنافقين، وأهل الشرك به عند قائل هذا القول، ومتأول هذا التأويل. قال: وقال آخرون: بل استهزاؤه بهم توبيخه إياهم، ولومه لهم على ما ركبوا من معاصيه، والكفر به. قال: وقال آخرون: هذا وأمثاله على سبيل الجواب، كقول الرّجل لمن يخدعه إذا ظفر به: أنا الذي خدعتك.
QS 2:14-15 (jilid 1 hlm. 183) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 1 · hlm. 183 · #80887
ه إياهم، ولومه لهم على ما ركبوا من معاصيه، والكفر به. قال: وقال آخرون: هذا وأمثاله على سبيل الجواب، كقول الرّجل لمن يخدعه إذا ظفر به: أنا الذي خدعتك. ولم تكن منه خديعة، ولكن قال ذلك إذ صار الأمر إليه، قالوا: وكذلك قوله: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [آل عمران: ٥٤] و (اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ) على الجواب، والله لا يكون منه المكر ولا الهزء، والمعنى: أن المكر والهُزْء حَاق بهم. وقال آخرون: قوله: (إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ * اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ) وقوله ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ [النساء: ١٤٢]، وقوله ﴿فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ﴾ [التوبة: ٧٩] و ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ [التوبة: ٦٧] وما أشبه ذلك، إخبار من الله تعالى أنه يجازيهم جَزَاءَ الاستهزاء، ويعاقبهم عقوبة الخداع فأخرج خبره عن جزائه إياهم وعقابه لهم مُخرج خبره عن فعلهم الذي عليه استحقوا العقاب في اللفظ، وإن اختلف المعنيان كما قال تعالى: ﴿وَجَزَاءُ
QS 2:14-15 (jilid 1 hlm. 184) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 1 · hlm. 184 · #80888
عقوبة الخداع فأخرج خبره عن جزائه إياهم وعقابه لهم مُخرج خبره عن فعلهم الذي عليه استحقوا العقاب في اللفظ، وإن اختلف المعنيان كما قال تعالى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠] وقوله تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ١٩٤]، فالأول ظلم، والثاني عدل، فهما وإن اتفق لفظاهما فقد اختلف معناهما. قال: وإلى هذا المعنى وَجَّهوا كل ما في القرآن من نظائر ذلك. قال: وقال آخرون: إن معنى ذلك: أنّ الله أخبر عن المنافقين أنهم إذا خَلَوا إلى مَرَدَتِهم قالوا: إنا معكم على دينكم، في تكذيب محمد ﷺ وما جاء به، وإنما نحن بما يظهر لهم -من قولنا لهم: صدقنا بمحمد، ﵇، وما جاء به مستهزئون؛ فأخبر الله تعالى أنه يستهزئ بهم، فيظهر لهم من أحكامه في الدنيا، يعني من عصمة دمائهم وأموالهم خلاف الذي لهم عنده في الآخرة، يعني من العذاب والنكال.
QS 2:14-15 (jilid 1 hlm. 184) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 1 · hlm. 184 · #80889
ون؛ فأخبر الله تعالى أنه يستهزئ بهم، فيظهر لهم من أحكامه في الدنيا، يعني من عصمة دمائهم وأموالهم خلاف الذي لهم عنده في الآخرة، يعني من العذاب والنكال. ثم شرع ابن جرير يوجه هذا القول وينصره؛ لأن المكر والخداع والسخرية على وجه اللعب والعبث منتف عن الله، ﷿، بالإجماع، وأما على وجه الانتقام والمقابلة بالعدل والمجازاة فلا يمتنع ذلك. قال: وبنحو ما قلنا فيه روي الخبر عن ابن عباس: حدثنا أبو كُرَيْب، حدثنا عثمان، حدثنا بشر، عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن عباس، في قوله تعالى: (اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ) قال: يسخر بهم للنقمة منهم. وقوله تعالى: (وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ) قال السدي: عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس، وعن مرّة، عن ابن مسعود، وعن أناس من الصحابة [قالوا] يَمدهم: يملي لهم. وقال مجاهد: يزيدهم.
QS 2:14-15 (jilid 1 hlm. 184) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 1 · hlm. 184 · #80890
ْمَهُونَ) قال السدي: عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس، وعن مرّة، عن ابن مسعود، وعن أناس من الصحابة [قالوا] يَمدهم: يملي لهم. وقال مجاهد: يزيدهم. قال ابن جرير: والصواب يزيدهم على وجه الإملاء والترك لهم في عُتُوّهم وتَمَرّدهم، كما قال: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الأنعام: ١١٠]. والطغيان: هو المجاوزة في الشيء. كما قال: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ﴾ [الحاقة: ١١]، وقال الضحاك، عن ابن عباس: (فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ) في كفرهم يترددون. وكذا فسره السدي بسنده عن الصحابة، وبه يقول أبو العالية، وقتادة، والرّبيع بن أنس، ومجاهد، وأبو مالك، وعبد الرحمن بن زيد: في كفرهم وضلالتهم. قال ابن جرير: والعَمَه: الضلال، يقال: عمه فلان يَعْمَه عَمَهًا وعُمُوهًا: إذا ضل.
QS 2:14-15 (jilid 1 hlm. 185) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 1 · hlm. 185 · #80891
يع بن أنس، ومجاهد، وأبو مالك، وعبد الرحمن بن زيد: في كفرهم وضلالتهم. قال ابن جرير: والعَمَه: الضلال، يقال: عمه فلان يَعْمَه عَمَهًا وعُمُوهًا: إذا ضل. قال: وقوله: (فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ) في ضلالهم وكفرهم الذي غمرهم دَنَسُه، وعَلاهم رجْسه، يترددون [حيارى] ضُلالا لا يجدون إلى المخرج منه سبيلا؛ لأن الله تعالى قد طبع على قلوبهم وختم عليها، وأعمى أبصارهم عن الهدى وأغشاها، فلا يبصرون رُشْدًا، ولا يهتدون سبيلا. [وقال بعضهم: العمى في العين، والعمه في القلب، وقد يستعمل العمى في القلب -أيضا-: قال الله تعالى: ﴿فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج: ٤٦] ويقال: عمه الرجل يعمه عموها فهو عمه وعامه، وجمعه عمّه، وذهبت إبله العمهاء: إذا لم يدر أين ذهبت.
QS 2:15 (jilid 1 hlm. 59) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 59 · #95915
قوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ لم يبين هنا شيئا من استهزائه بهم. وذكر بعضه في سورة الحديد في قوله: ﴿قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُوراً﴾. •
QS 2:15 (jilid 1 hlm. 293) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 293 · #108319
[سُورَة الْبَقَرَة (٢) : آيَة ١٥] اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١٥) اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ. لَمْ تُعْطَفْ هَاتِهِ الْجُمْلَةُ عَلَى مَا قَبْلَهَا لِأَنَّهَا جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنَافًا بَيَانِيًّا جَوَابًا لِسُؤَالٍ مُقَدَّرٍ، وَذَلِكَ أَنَّ السَّامِعَ لِحِكَايَةِ قَوْلِهِمْ للْمُؤْمِنين آمَنَّا [الْبَقَرَة: ١٤] وَقَوْلِهِمْ لِشَيَاطِينِهِمْ إِنَّا مَعَكُمْ [الْبَقَرَة: ١٤] إِلَخْ. يَقُولُ لَقَدْ رَاجَتْ حِيلَتُهُمْ عَلَى الْمُسْلِمِينَ الْغَافِلِينَ عَنْ كَيْدِهِمْ وَهَلْ يَتَفَطَّنُ مُتَفَطِّنٌ فِي الْمُسْلِمِينَ لِأَحْوَالِهِمْ فَيُجَازِيهِمْ عَلَى اسْتِهْزَائِهِمْ، أَوْ هَلْ يَرُدُّ لَهُمْ مَا رَامُوا مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَمَنِ الَّذِي يَتَوَلَّى مُقَابَلَةَ صُنْعِهِمْ فَكَانَ لِلِاسْتِئْنَافِ بِقَوْلِهِ: اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ غَايَةُ الْفَخَامَةِ وَالْجَزَالَةِ، وَهُوَ أَيْضًا وَاقِعٌ مَوْقِعَ الِاعْتِرَاضِ
QS 2:15 (jilid 1 hlm. 293) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 293 · #108320
مْ فَكَانَ لِلِاسْتِئْنَافِ بِقَوْلِهِ: اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ غَايَةُ الْفَخَامَةِ وَالْجَزَالَةِ، وَهُوَ أَيْضًا وَاقِعٌ مَوْقِعَ الِاعْتِرَاضِ وَالْأَكْثَرُ فِي الِاعْتِرَاضِ تَرْكُ الْعَاطِفِ. وَذِكْرُ يَسْتَهْزِئُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَضْمُونَ الْجُمْلَةِ مُجَازَاةٌ عَلَى اسْتِهْزَائِهِمْ. وَلِأَجَلِ اعْتِبَارِ الِاسْتِئْنَافِ قُدِّمَ اسْمُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى الْخَبَرِ الْفِعْلِيِّ. وَلم يقل يستهزىء اللَّهُ بِهِمْ لِأَنَّ مِمَّا يَجُولُ فِي خَاطِرِ السَّائِلِ أَنْ يَقُولَ مَنِ الَّذِي يَتَوَلَّى مُقَابَلَةَ سُوءِ صَنِيعِهِمْ فَأُعْلِمَ أَنَّ الَّذِي يَتَوَلَّى ذَلِكَ هُوَ رَبُّ الْعِزَّةِ تَعَالَى، وَفِي ذَلِكَ تَنْوِيهٌ بِشَأْنِ الْمُنْتَصِرِ لَهُمْ وَهُمُ الْمُؤْمِنُونَ كَمَا قَالَ تَعَالَى: إِنَّ اللَّهَ يُدافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا [الْحَج: ٣٨] فَتَقْدِيمُ الْمُسْنَدِ إِلَيْهِ عَلَى الْخَبَرِ الْفِعْلِيِّ هُنَا لِإِفَادَةِ تَقَوِّي الْحُكْمِ لَا مَحَالَةَ ثُمَّ
QS 2:15 (jilid 1 hlm. 293) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 293 · #108321
الَّذِينَ آمَنُوا [الْحَج: ٣٨] فَتَقْدِيمُ الْمُسْنَدِ إِلَيْهِ عَلَى الْخَبَرِ الْفِعْلِيِّ هُنَا لِإِفَادَةِ تَقَوِّي الْحُكْمِ لَا مَحَالَةَ ثُمَّ يُفِيدُ مَعَ ذَلِكَ قَصْرُ الْمُسْنَدِ عَلَى الْمُسْنَدِ إِلَيْهِ فَإِنَّهُ لَمَّا كَانَ تَقْدِيمُ الْمُسْنَدِ إِلَيْهِ عَلَى الْمُسْنَدِ الْفِعْلِيِّ فِي سِيَاقِ الْإِيجَابِ يَأْتِي لِتَقَوِّي الْحُكْمِ وَيَأْتِي لِلْقَصْرِ عَلَى رَأْيِ الشَّيْخِ عَبْدِ الْقَاهِرِ وَصَاحِبِ «الْكَشَّافِ» كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ فِي سُورَةِ الْمُزَّمِّلِ [٢٠] ، كَانَ الْجَمْعُ بَيْنَ قَصْدِ التَّقَوِّي وَقَصْدِ التَّخْصِيصِ جَائِزًا فِي مَقَاصِدِ الْكَلَامِ الْبَلِيغِ وَقَدْ جَوَّزَهُ فِي «الْكَشَّافِ» عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: فَلا يَخافُ بَخْساً وَلا رَهَقاً فِي سُورَةِ الْجِنِّ [١٣] ، لِأَنَّ مَا يُرَاعِيهِ الْبَلِيغُ مِنَ الْخُصُوصِيَّاتِ لَا يَتْرُكُ حَمْلَ الْكَلَامِ الْبَلِيغِ عَلَيْهِ
QS 2:15 (jilid 1 hlm. 293) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 293 · #108322
اً وَلا رَهَقاً فِي سُورَةِ الْجِنِّ [١٣] ، لِأَنَّ مَا يُرَاعِيهِ الْبَلِيغُ مِنَ الْخُصُوصِيَّاتِ لَا يَتْرُكُ حَمْلَ الْكَلَامِ الْبَلِيغِ عَلَيْهِ فَكَيْفَ بِأَبْلَغِ كَلَامٍ، وَلِذَلِكَ يُقَالُ النُّكَتُ لَا تَتَزَاحَمُ. كَانَ الْمُنَافِقُونَ يَغُرُّهُمْ مَا يَرَوْنَ مِنْ صَفْحِ النَّبِيءِ ﷺ عَنْهُمْ وَإِعْرَاضِ الْمُؤْمِنِينَ عَنِ التَّنَازُلِ لَهُمْ فَيَحْسَبُونَ رَوَاجَ حِيلَتِهِمْ وَنِفَاقِهِمْ وَلِذَلِكَ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ: لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ [المُنَافِقُونَ: ٨] فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ [المُنَافِقُونَ: ٨] فَتَقْدِيمُ اسْمِ الْجَلَالَةِ لِمُجَرَّدِ الِاهْتِمَامِ لَا لِقَصْدِ التَّقَوِّي إِذْ لَا مُقْتَضَى لَهُ.
QS 2:15 (jilid 1 hlm. 294) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 294 · #108323
لْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ [المُنَافِقُونَ: ٨] فَتَقْدِيمُ اسْمِ الْجَلَالَةِ لِمُجَرَّدِ الِاهْتِمَامِ لَا لِقَصْدِ التَّقَوِّي إِذْ لَا مُقْتَضَى لَهُ. وَفِعْلُ: يَسْتَهْزِئُ الْمُسْنَدُ إِلَى اللَّهِ لَيْسَ مُسْتَعْمَلًا فِي حَقِيقَتِهِ لِأَنَّ الْمُرَادَ هُنَا أَنَّهُ يَفْعَلُ بِهِمْ فِي الدُّنْيَا مَا يُسَمَّى بِالِاسْتِهْزَاءِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ وَلَمْ يَقَعِ اسْتِهْزَاءٌ حَقِيقِيٌّ فِي الدُّنْيَا فَهُوَ إِمَّا تَمْثِيلٌ لِمُعَامَلَةِ اللَّهِ إِيَّاهُمْ فِي مُقَابَلَةِ اسْتِهْزَائِهِمْ بِالْمُؤْمِنِينَ، بِمَا بشبه فِعْلَ الْمُسْتَهْزِئِ بِهِمْ وَذَلِكَ بِالْإِمْلَاءِ لَهُمْ حَتَّى يَظُنُّوا أَنَّهُمْ سَلِمُوا مِنَ الْمُؤَاخَذَةِ عَلَى اسْتِهْزَائِهِمْ فَيَظُنُّوا أَنَّ اللَّهَ رَاضٍ عَنْهُمْ أَوْ أَنَّ أَصْنَامَهُمْ نَفَعُوهُمْ حَتَّى إِذَا نَزَلَ بِهِمْ عَذَابُ الدُّنْيَا مِنَ الْقَتْلِ وَالْفَضْحِ عَلِمُوا خِلَافَ مَا تَوَهَّمُوا فَكَانَ ذَلِكَ
QS 2:15 (jilid 1 hlm. 294) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 294 · #108324
نَّ أَصْنَامَهُمْ نَفَعُوهُمْ حَتَّى إِذَا نَزَلَ بِهِمْ عَذَابُ الدُّنْيَا مِنَ الْقَتْلِ وَالْفَضْحِ عَلِمُوا خِلَافَ مَا تَوَهَّمُوا فَكَانَ ذَلِكَ كَهَيْئَةِ الِاسْتِهْزَاءِ بِهِمْ. وَالْمُضَارِعُ فِي قَوْلِهِ: يَسْتَهْزِئُ لِزَمَنِ الْحَالِ. وَلَا يُحْمَلُ عَلَى اتِّصَافِ اللَّهِ بِالِاسْتِهْزَاءِ حَقِيقَةً عِنْدَ الْأَشَاعِرَةِ لِأَنَّهُ لَمْ يَقَعْ مِنَ اللَّهِ مَعْنَى الِاسْتِهْزَاءِ فِي الدُّنْيَا، وَيُحَسِّنُ هَذَا التَّمْثِيلَ مَا فِيهِ مِنَ الْمُشَاكَلَةِ.
QS 2:15 (jilid 1 hlm. 294) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 294 · #108325
ْأَشَاعِرَةِ لِأَنَّهُ لَمْ يَقَعْ مِنَ اللَّهِ مَعْنَى الِاسْتِهْزَاءِ فِي الدُّنْيَا، وَيُحَسِّنُ هَذَا التَّمْثِيلَ مَا فِيهِ مِنَ الْمُشَاكَلَةِ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ حَقِيقَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِأَنْ يَأْمُرَ بِالِاسْتِهْزَاءِ بِهِمْ فِي الْمَوْقِفِ وَهُوَ نَوْعٌ مِنَ الْعِقَابِ فَيَكُونُ الْمُضَارِعُ فِي يَسْتَهْزِئُ لِلِاسْتِقْبَالِ، وَإِلَى هَذَا الْمَعْنَى نَحَا ابْنُ عَبَّاسٍ وَالْحَسَنُ فِي نَقْلِ ابْنِ عَطِيَّةَ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُرَادًا بِهِ جَزَاءُ اسْتِهْزَائِهِمْ مِنَ الْعَذَابِ أَوْ نَحْوِهِ مِنَ الْإِذْلَالِ وَالتَّحْقِيرِ وَالْمَعْنَى يُذِلُّهُمْ وَعَبَّرَ عَنْهُ بِالِاسْتِهْزَاءِ مَجَازًا وَمُشَاكَلَةً، أَوْ مُرَادًا بِهِ مَآلُ الِاسْتِهْزَاءِ مِنْ رُجُوعِ الْوَبَالِ عَلَيْهِمْ.
QS 2:15 (jilid 1 hlm. 294) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 294 · #108326
ى يُذِلُّهُمْ وَعَبَّرَ عَنْهُ بِالِاسْتِهْزَاءِ مَجَازًا وَمُشَاكَلَةً، أَوْ مُرَادًا بِهِ مَآلُ الِاسْتِهْزَاءِ مِنْ رُجُوعِ الْوَبَالِ عَلَيْهِمْ. وَهَذَا كُلُّهُ وَإِنْ جَازَ فَقَدْ عَيَّنَهُ هُنَا جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ كَمَا نَقَلَ ابْنُ عَطِيَّةَ وَالْقُرْطُبِيُّ وَعَيَّنَهُ الْفَخْرُ الرَّازِيُّ وَالْبَيْضَاوِيُّ وَعَيَّنَهُ الْمُعْتَزِلَةُ أَيْضًا لِأَنَّ الِاسْتِهْزَاءَ لَا يَلِيقُ إِسْنَادُهُ إِلَى اللَّهِ حَقِيقَةً لِأَنَّهُ فِعْلٌ قَبِيحٌ يُنَزَّهُ اللَّهَ تَعَالَى عَنْهُ كَمَا فِي «الْكَشَّافِ» وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى الْمُتَعَارَفِ بَيْنَ النَّاسِ. وَجِيءَ فِي حِكَايَةِ كَلَامِهِمْ بِالْمُسْنَدِ الِاسْمِيِّ فِي قَوْلِهِمْ إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ [الْبَقَرَة: ١٤] لِإِفَادَةِ كَلَامِهِمْ مَعْنَى دَوَامِ صُدُورِ الِاسْتِهْزَاءِ مِنْهُمْ وَثَبَاتِهِ بِحَيْثُ لَا يُحَوَّلُونَ عَنْهُ.
QS 2:15 (jilid 1 hlm. 294) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 294 · #108327
مُسْتَهْزِؤُنَ [الْبَقَرَة: ١٤] لِإِفَادَةِ كَلَامِهِمْ مَعْنَى دَوَامِ صُدُورِ الِاسْتِهْزَاءِ مِنْهُمْ وَثَبَاتِهِ بِحَيْثُ لَا يُحَوَّلُونَ عَنْهُ. وَجِيءَ فِي قَوْلِهِ: اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ بِإِفَادَةِ التَّجَدُّدِ مِنَ الْفِعْلِ الْمُضَارِعِ أَيْ تَجَدُّدِ إِمْلَاءِ اللَّهِ لَهُمْ زَمَانًا إِلَى أَنْ يَأْخُذَهُمُ الْعَذَابُ، لِيَعْلَمَ الْمُسْلِمُونَ أَنَّ مَا عَلَيْهِ أَهْلُ النِّفَاقِ مِنَ النِّعْمَةِ إِنَّمَا هُوَ إِمْلَاءٌ وَإِنْ طَالَ كَمَا قَالَ تَعَالَى: لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ مَتاعٌ قَلِيلٌ [آل عمرَان: ١٩٦] . وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ. يَتَعَيَّنُ أَنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلَى اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ. و (يمد) فِعْلٌ مُشْتَقٌّ مِنَ الْمَدَدِ وَهُوَ الزِّيَادَةُ، يُقَالُ مَدَّهُ إِذَا زَادَهُ وَهُوَ الْأَصْلُ فِي
QS 2:15 (jilid 1 hlm. 295) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 295 · #108328
وفٌ عَلَى اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ. و (يمد) فِعْلٌ مُشْتَقٌّ مِنَ الْمَدَدِ وَهُوَ الزِّيَادَةُ، يُقَالُ مَدَّهُ إِذَا زَادَهُ وَهُوَ الْأَصْلُ فِي الِاشْتِقَاقِ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ إِلَى الْهَمْزَةِ لِأَنَّهُ مُتَعَدٍّ، وَدَلِيلُهُ أَنَّهُمْ ضَمُّوا الْعَيْنَ فِي الْمُضَارِعِ عَلَى قِيَاسِ الْمُضَاعَفِ الْمُتَعَدِّي، وَقَدْ يَقُولُونَ أَمَدَّهُ بِهَمْزَةِ التَّعْدِيَةِ عَلَى تَقْدِيرِ جَعَلَهُ ذَا مَدَدٍ ثُمَّ غَلَبَ اسْتِعْمَالُ مَدَّ فِي الزِّيَادَةِ فِي ذَاتِ الْمَفْعُولِ نَحْوُ مَدَّ لَهُ فِي عُمُرِهِ وَمَدَّ الْأَرْضَ أَيْ مَطَّطَهَا وَأَطَالَهَا، وَغَلَبَ اسْتِعْمَالُ أَمَدَّ الْمَهْمُوزِ فِي الزِّيَادَةِ لِلْمَفْعُولِ مِنْ أَشْيَاءَ يَحْتَاجُهَا نَحْوُ أَمَدَّهُ بِجَيْشٍ: أَمَدَّكُمْ بِأَنْعامٍ وَبَنِينَ [الشُّعَرَاء: ١٣٣] .
QS 2:15 (jilid 1 hlm. 295) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 295 · #108329
مَهْمُوزِ فِي الزِّيَادَةِ لِلْمَفْعُولِ مِنْ أَشْيَاءَ يَحْتَاجُهَا نَحْوُ أَمَدَّهُ بِجَيْشٍ: أَمَدَّكُمْ بِأَنْعامٍ وَبَنِينَ [الشُّعَرَاء: ١٣٣] . وَإِنَّمَا اسْتُعْمِلَ هَذَا فِي مَوْضِعِ الْآخَرِ عَلَى الْأَصْلِ فَلِذَلِكَ قِيلَ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا فِي الِاسْتِعْمَالِ وَقِيلَ يَخْتَصُّ أَمَدَّ الْمَهْمُوزُ بِالْخَيرِ نَحْو: أَتُمِدُّونَنِ بِمالٍ [النَّمْل: ٣٦] أَنَّما نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مالٍ [الْمُؤْمِنُونَ: ٥٥] ، وَيَخْتَصُّ مَدَّ بِغَيْرِ الْخَيْرِ وَنُقِلَ ذَلِكَ عَنْ أَبِي عَلِيٍّ الْفَارِسِيِّ فِي كِتَابِ «الْحُجَّةِ» ، وَنَقَلَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ عَنْ يُونُسَ بْنِ حَبِيبٍ، إِلَّا الْمُعَدَّى بِاللَّامِ فَإِنَّهُ خَاصٌّ بِالزِّيَادَةِ فِي الْعُمُرِ وَالْإِمْهَالِ فِيهِ عِنْدَ الزَّمَخْشَرِيِّ وَغَيْرِهِ خِلَافًا لِبَعْضِ اللُّغَوِيِّينَ فَاسْتَغْنَوْا بِذِكْرِ اللَّامِ الْمُؤْذِنَةِ بِأَنَّ ذَلِكَ لِلنَّفْعِ وَلِلْأَجَلِ (بِسُكُونِ الْجِيمِ) عَنِ التَّفْرِقَةِ بِالْهَمْزِ
QS 2:15 (jilid 1 hlm. 295) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 295 · #108330
ُّغَوِيِّينَ فَاسْتَغْنَوْا بِذِكْرِ اللَّامِ الْمُؤْذِنَةِ بِأَنَّ ذَلِكَ لِلنَّفْعِ وَلِلْأَجَلِ (بِسُكُونِ الْجِيمِ) عَنِ التَّفْرِقَةِ بِالْهَمْزِ رُجُوعًا لِلْأَصْلِ لِئَلَّا يَجْمَعُوا بَيْنَ مَا يَقْتَضِي التَّعْدِيَةَ وَهُوَ الْهَمْزَةُ وَبَيْنَ مَا يَقْتَضِي الْقُصُورَ وَهُوَ لَامُ الْجَرِّ، وَكُلُّ هَذَا مِنْ تَأْثِيرِ الْأَمْثِلَةِ عَلَى النَّاظِرِينَ وَهِيَ طَرِيقَةٌ لَهُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَفْعَالِ الَّتِي يَتَفَرَّعُ مَعْنَاهَا الْوَضْعِيُّ إِلَى مَعَانٍ جُزْئِيَّةٍ لَهُ أَوْ مُقَيَّدَةٍ أَوْ مَجَازِيَّةٍ أَنْ يَخُصُّوا بَعْضَ لُغَاتِهِ أَوْ بَعْضَ أَحْوَالِهِ بِبَعْضِ تِلْكَ الْمَعَانِي جَرْيًا وَرَاءَ التَّنْصِيصِ فِي الْكَلَامِ وَدَفْعِ اللَّبْسِ بِقَدْرِ الْإِمْكَانِ.
QS 2:15 (jilid 1 hlm. 295) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 295 · #108331
َ لُغَاتِهِ أَوْ بَعْضَ أَحْوَالِهِ بِبَعْضِ تِلْكَ الْمَعَانِي جَرْيًا وَرَاءَ التَّنْصِيصِ فِي الْكَلَامِ وَدَفْعِ اللَّبْسِ بِقَدْرِ الْإِمْكَانِ. وَهَذَا مِنْ دَقَائِقِ اسْتِعْمَالِ اللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ، فَلَا يُقَالُ إِنَّ دَعْوَى اخْتِصَاصِ بَعْضِ الِاسْتِعْمَالَاتِ بِبَعْضِ الْمَعَانِي هِيَ دَعْوَى اشْتِرَاكٍ أَوْ دَعْوَى مَجَازٍ وَكِلَاهُمَا خِلَافُ الْأَصْلِ كَمَا أَوْرَدَ عَبْدُ الْحَكِيمِ لِأَنَّ ذَلِكَ التَّخْصِيصَ كَمَا عَلِمْتَ اصْطِلَاحٌ فِي الِاسْتِعْمَالِ لَا تَعَدُّدُ وَضْعٍ وَلَا اسْتِعْمَالٌ فِي غَيْرِ الْمَعْنَى الْمَوْضُوعِ لَهُ وَنَظِيرُ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ فَرَقَ وَفَرَّقَ وَوَعَدَ وَأَوْعَدَ وَنَشَدَ وَأَنْشَدَ وَنَزَّلَ (الْمُضَاعَفُ) وَأَنْزَلَ، وَقَوْلُهُمِ الْعِثَارُ مَصْدَرُ عَثَرَ إِذْ أُرِيدَ بِالْفِعْلِ الْحَقِيقَةُ، وَالْعُثُورُ مَصْدَرُ عَثَرَ إِذْ أُرِيدَ بِالْفِعْلِ الْمَجَازُ وَهُوَ الِاطِّلَاعُ، وَقَدْ فَرَّقَتِ الْعَرَبُ فِي مَصَادِرِ الْفِعْلِ
QS 2:15 (jilid 1 hlm. 295) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 295 · #108332
الْحَقِيقَةُ، وَالْعُثُورُ مَصْدَرُ عَثَرَ إِذْ أُرِيدَ بِالْفِعْلِ الْمَجَازُ وَهُوَ الِاطِّلَاعُ، وَقَدْ فَرَّقَتِ الْعَرَبُ فِي مَصَادِرِ الْفِعْلِ الْوَاحِدِ وَفِي جُمُوعِ الِاسْمِ الْوَاحِدِ لِاخْتِلَافِ الْقُيُودِ. وَتَعْدِيَةُ فِعْلِ (يَمُدُّ) إِلَى ضَمِيرِهِمُ الدَّالِّ عَلَى أَدَبٍ أَوْ ذَوْقٍ مَعَ أَنَّ الْمَدَّ إِنَّمَا يَتَعَدَّى إِلَى الطُّغْيَانِ جَاءَتْ عَلَى طَرِيقَةِ الْإِجْمَالِ الَّذِي يَعْقُبُهُ التَّفْصِيلُ لِيَتَمَكَّنَ التَّفْصِيلُ فِي ذِهْنِ السَّامِعِ مِثْلُ طَرِيقَةِ بَدَلِ الِاشْتِمَالِ وَجَعَلَ الزَّجَّاجُ وَالْوَاحِدِيُّ أَصْلَهُ وَيَمُدُّ لَهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ فَحَذَفَ لَامَ الْجَرِّ وَاتَّصَلَ الْفِعْلُ بِالْمَجْرُورِ عَلَى طَرِيقَةِ نَزْعِ الْخَافِضِ وَلَيْسَ بِذَلِكَ. وَالطُّغْيَانُ مَصْدَرٌ بِوَزْنِ الْغُفْرَانِ وَالشُّكْرَانِ، وَهُوَ مُبَالَغَةٌ فِي الطَّغْيِ وَهُوَ الْإِفْرَاطُ فِي
QS 2:15 (jilid 1 hlm. 296) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 296 · #108333
ِ الْخَافِضِ وَلَيْسَ بِذَلِكَ. وَالطُّغْيَانُ مَصْدَرٌ بِوَزْنِ الْغُفْرَانِ وَالشُّكْرَانِ، وَهُوَ مُبَالَغَةٌ فِي الطَّغْيِ وَهُوَ الْإِفْرَاطُ فِي الشَّرِّ وَالْكِبْرِ وَتَعْلِيقُ فِعْلِ يَمُدُّهُمْ هُنَا بِضَمِيرِ الذَّوَاتِ تَعْلِيقٌ إِجْمَالِيٍّ يُفَسِّرُهُ قَوْلُهُ: فِي طُغْيانِهِمْ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عَلَى تَقْدِيرِ لَامٍ مَحْذُوفَةٍ أَيْ يَمُدُّ لَهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ أَيْ يُمْهِلُهُمْ فَيَكُونُ نَحْوَ بَعْضِ مَا فُسِّرَ بِهِ قَوْلُهُ: اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَهَذَا قَوْلُ الزَّجَّاجِ وَالْوَاحِدِيِّ وَفِيهِ بُعْدٌ. وَالْعَمَهُ انْطِمَاسُ الْبَصِيرَةِ وَتَحَيُّرُ الرَّأْيِ وَفِعْلُهُ عَمِهَ فَهُوَ عَامِهٌ وَأَعْمَهُ. وَإِسْنَادُ الْمَدِّ فِي الطُّغْيَانِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى عَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ:
QS 2:15 (jilid 1 hlm. 296) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 296 · #108334
لُهُ عَمِهَ فَهُوَ عَامِهٌ وَأَعْمَهُ. وَإِسْنَادُ الْمَدِّ فِي الطُّغْيَانِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى عَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: وَيَمُدُّهُمْ إِسْنَادُ خَلْقٍ وَتَكْوِينٍ مَنُوطٍ بِأَسْبَابِ التَّكْوِينِ عَلَى سُنَّةِ اللَّهِ تَعَالَى فِي حُصُولِ الْمُسَبَّبَاتِ عِنْدَ أَسْبَابِهَا. فَالنِّفَاقُ إِذَا دَخَلَ الْقُلُوبَ كَانَ مِنْ آثَارِهِ أَنْ لَا يَنْقَطِعَ عَنْهَا، وَلَمَّا كَانَ مِنْ شَأْنِ وَصْفِ النِّفَاقِ أَنْ تُنْمِي عَنْهُ الرَّذَائِلُ الَّتِي قَدَّمْنَا بَيَانهَا كَانَ تكونها فِي نُفُوسِهِمْ مُتَوَلِّدًا مِنْ أَسْبَابٍ شَتَّى فِي طِبَاعِهِمْ مُتَسَلْسِلًا مِنِ ارْتِبَاطِ الْمُسَبَّبَاتِ بِأَسْبَابِهَا وَهِيَ شَتَّى وَمُتَفَرِّعَةٌ وَذَلِكَ بِخُلُقٍ خَاصٍّ بِهِمْ مُبَاشَرَةً وَلَكِنَّ اللَّهَ حَرَمَهُمْ تَوْفِيقَهُ الَّذِي يَقْلَعُهُمْ عَنْ تِلْكَ الجبلة بمحارية نُفُوسِهِمْ، فَكَانَ حِرْمَانُهُ إِيَّاهُمُ التَّوْفِيقَ مُقْتَضِيًا اسْتِمْرَارَ طُغْيَانِهِمْ
QS 2:15 (jilid 1 hlm. 296) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 296 · #108335
ِيقَهُ الَّذِي يَقْلَعُهُمْ عَنْ تِلْكَ الجبلة بمحارية نُفُوسِهِمْ، فَكَانَ حِرْمَانُهُ إِيَّاهُمُ التَّوْفِيقَ مُقْتَضِيًا اسْتِمْرَارَ طُغْيَانِهِمْ وَتَزَايُدَهُ بِالرُّسُوخِ فَإِسْنَادُ ازْدِيَادِهِ إِلَى اللَّهِ لِأَنَّهُ خَالِقُ النُّظُمِ الَّتِي هِيَ أَسْبَابُ ازْدِيَادِهِ، وَهَذَا يُعَدُّ مِنَ الْحَقِيقَةِ الْعَقْلِيَّةِ الشَّائِعَةِ وَلَيْسَ مِنَ الْمَجَازِ لِعَدَمِ مُلَاحَظَةِ خَلْقِ الْأَسْبَابِ بِحَسَبِ مَا تَعَارَفَهُ النَّاسُ مِنْ إِسْنَادِ مَا خَفِيَ فَاعِلُهُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى لِأَنَّهُ الْخَالِقُ لِلْأَسْبَابِ الْأَصْلِيَّةِ وَالْجَاعِلُ لِنَوَامِيسِهَا بِكَيْفِيَّةٍ لَا يَعْلَمُ النَّاسُ سِرَّهَا وَلَا شَاهَدُوا مَنْ تُسْنَدُ إِلَيْهِ عَلَى الْحَقِيقَةِ غَيْرَهُ وَهَذَا بِخِلَافِ نَحْوِ بَنَى الْأَمِير الْمَدِينَة لَا سِيمَا بَعْدَ التَّصْرِيحِ بِالْإِسْنَادِ إِلَيْهِ فِي الْكَلَامِ بِحَيْثُ لَمْ يَبْقَ لِلْبِنَاءِ عَلَى عُرْفِ النَّاسِ مَجَالٌ وَهَذَا بِخِلَافِ
QS 2:15 (jilid 1 hlm. 296) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 296 · #108336
لَا سِيمَا بَعْدَ التَّصْرِيحِ بِالْإِسْنَادِ إِلَيْهِ فِي الْكَلَامِ بِحَيْثُ لَمْ يَبْقَ لِلْبِنَاءِ عَلَى عُرْفِ النَّاسِ مَجَالٌ وَهَذَا بِخِلَافِ نَحْوِ: يَزِيدُكَ وَجْهُهُ حُسْنًا وَسَرَّتْنِي رُؤْيَتُكَ لِأَنَّ ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ فِي الْوَاقِعِ مِنْ فِعْلِ اللَّهِ تَعَالَى إِلَّا أَنَّهُ غَيْرُ مُلْتَفَتٍ إِلَيْهِ فِي الْعُرْفِ فَلِذَلِكَ قَالَ الشَّيْخُ عَبْدُ الْقَاهِرِ: إِنَّهُ مِنَ الْمَجَازِ الَّذِي لَا حَقِيقَةَ لَهُ. وَإِنَّمَا أَضَافَ الطُّغْيَانَ لِضَمِيرِ الْمُنَافِقِينَ وَلَمْ يَقُلْ فِي الطُّغْيَانِ بِتَعْرِيفِ الْجِنْسِ كَمَا قَالَ فِي سُورَةِ الْأَعْرَافِ: [٢٠٢] وَإِخْوانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الغَيِّ إِشَارَةً إِلَى تَفْظِيعِ شَأْنِ هَذَا الطُّغْيَانِ وَغَرَابَتِهِ فِي بَابِهِ وَأَنَّهُمُ اخْتَصُّوا بِهِ حَتَّى صَارَ يُعْرَفُ بِإِضَافَتِهِ إِلَيْهِمْ. والظرف مُتَعَلق بيمدهم ويَعْمَهُونَ جملَة حَالية. [١٦]

Ayat yang dirujuk di sini

Potongan tafsir di atas mengutip ayat-ayat berikut (dideteksi dengan aturan teks ﴿…﴾, bukan model bahasa).

QS 9:79QS 2:194QS 3:54QS 9:67QS 57:13QS 22:46

Dirujuk oleh

Ayat ini dikutip di dalam tafsir ayat-ayat berikut.

QS 2:193QS 3:54