Tanya Kitab
Daftar surahSurah Al-Baqarah › Ayat 178

QS 2:178

Surah Al-Baqarah (البقرة) ayat 178

2:178
يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ كُتِبَ عَلَيۡكُمُ ٱلۡقِصَاصُ فِي ٱلۡقَتۡلَىۖ ٱلۡحُرُّ بِٱلۡحُرِّ وَٱلۡعَبۡدُ بِٱلۡعَبۡدِ وَٱلۡأُنثَىٰ بِٱلۡأُنثَىٰۚ فَمَنۡ عُفِيَ لَهُۥ مِنۡ أَخِيهِ شَيۡءٞ فَٱتِّبَاعُۢ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَأَدَآءٌ إِلَيۡهِ بِإِحۡسَٰنٖۗ ذَٰلِكَ تَخۡفِيفٞ مِّن رَّبِّكُمۡ وَرَحۡمَةٞۗ فَمَنِ ٱعۡتَدَىٰ بَعۡدَ ذَٰلِكَ فَلَهُۥ عَذَابٌ أَلِيمٞ
Wahai orang-orang yang beriman! Diwajibkan atas kamu (melaksanakan) kisas59) berkenaan dengan orang yang dibunuh. Orang merdeka dengan orang merdeka, hamba sahaya dengan hamba sahaya, perempuan dengan perempuan. Tetapi barang siapa memperoleh maaf dari saudaranya, hendaklah dia mengikutinya dengan baik, dan membayar diat (tebusan) kepadanya dengan baik (pula). Yang demikian itu adalah keringanan dan rahmat dari Tuhanmu. Barang siapa melampaui batas setelah itu, maka ia akan mendapat azab yang sangat pedih
Tanya tentang ayat ini
← Ayat 177Ayat 179 →

Tafsir dalam korpus (115 potongan)

QS 2:178 (jilid 3 hlm. 93) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 3 · hlm. 93 · #52673
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى﴾. يعني جلَّ ذِكرُه بقولِه: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾: فُرِض عليكم. فإن قال قائلٌ: أَفرضٌ على وليِّ القتيلِ القِصاصُ مِن قاتِل وَلِيِّه؟ قيل: لَا، ولكنَّه مباحٌ له ذلك، والعفوُ، وأخذُ الدِّيَةِ. فإن قال: وكيفَ قال: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ﴾؟ قيل: إن معنَى ذلك على خلافِ ما ذهَبتَ إليه، وإنما معناه: يا أيها الذين آمَنوا كُتب عليكم في القتْلَى قِصاصٌ؛ الحرُّ بالحرِّ، والعبدُ بالعبدِ، والأُنْثى كفْءُ الأنثى.
QS 2:178 (jilid 3 hlm. 93) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 3 · hlm. 93 · #52674
ك على خلافِ ما ذهَبتَ إليه، وإنما معناه: يا أيها الذين آمَنوا كُتب عليكم في القتْلَى قِصاصٌ؛ الحرُّ بالحرِّ، والعبدُ بالعبدِ، والأُنْثى كفْءُ الأنثى. أي أن الحرَّ إذا قتَل الحرَّ، فدمُ القاتلِ كفءٌ لدمِ القتيلِ بالقِصاصِ منه دونَ غيرِه مِن الناسِ، ولا تُجاوِزوا بالقتلِ إلى غيرِه ممن لم يقتُلْ؛ فإنه حرامٌ عليكم أن تقتُلوا بقتيلِكم غيرَ قاتلِه. والفرضُ الذي فرَضه اللهُ علينا في القِصاصِ هو ما وصَفتُ، من تَرْكِ المجاوزةِ بالقِصاصِ قتلَ القاتلِ بقتيلِه إلى غيرِه، لا أنه وجَب علينا القِصاصُ فرضًا، وجوبَ فرضِ الصلاةِ والصيامِ، حتى لا يكونَ لنا تركُه، ولو كان ذلك فرضًا لا يجوزُ لنا تركُه لم يكنْ لقولِه: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾. معنًى مفهومٌ؛ لأنه لا عفوَ بعدَ القِصاصِ فيقالَ: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾. وقد قيل: إن معنى القِصاصِ في هذه الآيةِ مُقاصَّةُ دِياتِ بعضِ القتْلَى بدِياتِ بعضٍ.
QS 2:178 (jilid 3 hlm. 94) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 3 · hlm. 94 · #52675
بعدَ القِصاصِ فيقالَ: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾. وقد قيل: إن معنى القِصاصِ في هذه الآيةِ مُقاصَّةُ دِياتِ بعضِ القتْلَى بدِياتِ بعضٍ. وذلك أن الآيةَ عندَهم نزَلتْ في حزبين تحاربوا على عهدِ رسولِ اللهِ ﷺ، فقتَل بعضُهم بعضًا، فأُمِر النبيُّ ﷺ أن يُصلِحَ بينَهم، بأن يُسقِطَ ديَاتِ نساءِ أحدِ الحزبين بدياتِ نساءِ الآخرين، ودياتِ رجالِهم بدياتِ رجالِهم، ودياتِ عبيدِهم بدياتِ عبيدِهم، قِصاصًا. فذلك عندَهم مَعنى القِصاص في هذه الآيةِ. فإن قال قائلُ: فإنّه جلَّ ثناؤُه قال: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى﴾. أفما لنا أن نقتصَّ للحُرِّ إلَّا من الحُرِّ، ولَا للأُنثى إلَّا من الأُنثى؟ قيل: بلى، لنا أن نقتصَّ للحرِّ من العبدِ، وللأنثى من الذكرِ، يقولُ جلَّ ثناؤُه: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا﴾ [الإسراء: ٣٣].
QS 2:178 (jilid 3 hlm. 94) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 3 · hlm. 94 · #52676
ا أن نقتصَّ للحرِّ من العبدِ، وللأنثى من الذكرِ، يقولُ جلَّ ثناؤُه: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا﴾ [الإسراء: ٣٣]. وبالنقلِ المستفيضِ عن رسولِ اللهِ ﷺ أنه قال: "المؤمنون تتكافأُ دماؤُهم". فإن قال: فإذ كان ذلك كذلك، فما وجهُ تأويلِ هذه الآيةِ؟ قيل: اخْتَلفَ أهلُ التأويلِ في ذلك؛ فقال بعضُهم: نزَلتْ هذه الآيةُ في قومٍ كانوا إذا قتَل الرجلَ منهم عبدُ قومٍ آخرين، لم يرضَوْا من قتيلِهم بدمِ قاتلِه، من أجلِ أنه عبدٌ حتى يقتُلُوا به سيدَه، وإذا قتَلتِ المرأةُ من غيرِهم رجلًا منهم، لم يرضَوْا بالقِصاصِ بالمرأةِ القاتلةِ حتى يقتُلوا رجلًا من رهطِ المرأةِ وعشيرَتِها، فأَنْزَل اللهُ جلَّ وعزَّ هذه الآيةَ، فأَعْلَمهم أن الذي فُرِض لهم من القِصاصِ أن يقتُلوا بالرجلِ الرجلَ القاتلَ دونَ غيرِه، وبالأُنثى الأُنثى القاتلةَ دونَ غيرِها من الرجالِ، وبالعبدِ العبدَ القاتلَ دونَ غيرِه من الأحرارِ، ونهاهم أن يتعدَّوا القاتلَ إلى غيرِه في القِصاصِ. ذِكرُ من قال ذلك
QS 2:178 (jilid 3 hlm. 95) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 3 · hlm. 95 · #52677
ثى القاتلةَ دونَ غيرِها من الرجالِ، وبالعبدِ العبدَ القاتلَ دونَ غيرِه من الأحرارِ، ونهاهم أن يتعدَّوا القاتلَ إلى غيرِه في القِصاصِ. ذِكرُ من قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ المُثَنَّى، قال: حدثنا أبو الوليدِ، وحدثنا المُثَنَّى، قال: حدثنا الحجاجُ، قالَا جميعًا: حدثنا حمادٌ، عن داودَ بنِ أبي هندٍ، عن الشَّعْبيِّ في قولِه: ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى﴾. قال: نزَلت في قبيلتين من قبائِلِ العربِ اقْتتلَتا قتالَ عِمِّيَّةٍ، فقالوا: نقتُلُ بعبدِنا فلانَ بنَ فلانٍ، وبفلانةَ فلانَ بنَ فلانٍ.
QS 2:178 (jilid 3 hlm. 95) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 3 · hlm. 95 · #52678
بِالْأُنْثَى﴾. قال: نزَلت في قبيلتين من قبائِلِ العربِ اقْتتلَتا قتالَ عِمِّيَّةٍ، فقالوا: نقتُلُ بعبدِنا فلانَ بنَ فلانٍ، وبفلانةَ فلانَ بنَ فلانٍ. فأَنْزَل اللهُ: ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى﴾. حدثنا بشرٌ، قال: حدثنا يزيدُ، عن سعيدٍ، عن قتادةَ قولَه: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى﴾: وكان أهل الجاهليةِ فيهم بغيٌ وطاعةٌ للشيطانِ، فكان الحيُّ إذا كان فيهم عزةٌ ومنَعةٌ، فقتَل عبدُ قومٍ آخرين عبدًا لهم، قالوا: لا نقتُلُ به إلَّا حُرًّا. تَعزُّزًا، لفضلِهم على غيرِهم في أنفسِهم، وإذا قُتِلتْ لهم امرأةٌ قتَلتْها امرأةُ قومٍ آخرين، قالوا: لا نقتُلُ بها إلَّا رجلًا.
QS 2:178 (jilid 3 hlm. 96) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 3 · hlm. 96 · #52679
تُلُ به إلَّا حُرًّا. تَعزُّزًا، لفضلِهم على غيرِهم في أنفسِهم، وإذا قُتِلتْ لهم امرأةٌ قتَلتْها امرأةُ قومٍ آخرين، قالوا: لا نقتُلُ بها إلَّا رجلًا. فأَنْزَل اللهُ هذه الآيةَ يُخْبرُهم أن العبدَ بالعبدِ، والأنثى بالأنثى، فنهاهم عن البَغْيِ، ثم أَنْزَل اللهُ جلَّ ثناؤُه في سورةِ "المائدة" بعدَ ذلك فقال: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة: ٤٥]. حدثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزَّاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ قال: لم يكنْ لمن قبلَنا دِيةٌ، إنما هو القتلُ أو العفوُ إلى أهلِه، فنزَلتْ هذه الآيةُ في قومٍ كانوا أكثرَ مِن غيرِهم، وكانوا إذا قُتِل من الحيِّ الكثيرِ عبدٌ قالوا: لا نقتُلُ به إلَّا حرًّا. وإذا قُتلتْ منهم امرأةٌ قالوا: لا نقتُلُ بها إلَّا رجلًا.
QS 2:178 (jilid 3 hlm. 96) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 3 · hlm. 96 · #52680
أكثرَ مِن غيرِهم، وكانوا إذا قُتِل من الحيِّ الكثيرِ عبدٌ قالوا: لا نقتُلُ به إلَّا حرًّا. وإذا قُتلتْ منهم امرأةٌ قالوا: لا نقتُلُ بها إلَّا رجلًا. فأَنْزَل اللهُ تعالى: ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى﴾. حدَّثني محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: حدثنا معتمرٌ، قال: سمِعتُ داودَ، عن عامرٍ في هذه الآيةِ: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى﴾. قال: إنما ذلك في قتالِ عِمِّيةٍ، إذا أُصِيبَ مِن هؤلاءِ عبدٌ ومن هؤلاءِ عبدٌ تَكافَأ، وفي المرأتين كذلك، وفي الحُرَّين كذلك، هذا معناه إن شاء اللهُ. وحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: قد دخَل في قولِ اللهِ: ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ﴾ الرجلُ بالمرأةِ، والمرأةُ بالرجلِ.
QS 2:178 (jilid 3 hlm. 97) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 3 · hlm. 97 · #52681
ال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: قد دخَل في قولِ اللهِ: ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ﴾ الرجلُ بالمرأةِ، والمرأةُ بالرجلِ. وقال عطاءٌ: ليس بينَهما فَضلٌ. وقال آخرون: بل نزَلتْ هذه الآيةُ في فريقين كان بينَهم قتالٌ على عهدِ رسولِ اللهِ ﷺ، فقُتل مِن كلَا الفريقين جماعةٌ من الرجالِ والنساءِ، فأُمِر النبيُّ ﷺ أن يُصلِحَ بينَهم، بأن يجعَلَ ديَاتِ النساءِ من كلِّ واحدٍ من الفريقين قِصاصًا بدياتِ النساءِ من الفريقِ الآخرِ، ودياتِ الرجالِ بالرجالِ، ودياتِ العبيدِ بالعبيدِ، فذلك معنى قولِه: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾. ذِكرُ من قال ذلك حدَّثنا موسى، قال: حدثنا عمرُو، قال: حدثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ قولَه: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى﴾.
QS 2:178 (jilid 3 hlm. 97) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 3 · hlm. 97 · #52682
نا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ قولَه: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى﴾. قال: اقتتَل أهلُ ماءين من العربِ، أحدُهما مسلمٌ والآخرُ مُعاهَدٌ، في بعضِ ما يكونُ بينَ العربِ من الأمرِ، فأَصْلحَ بينَهم النبيُّ ﷺ وقد كانوا قَتَلوا الأحرارَ والعبيدَ والنساءَ - على أن يؤدِّيَ الحرُّ ديةَ الحرِّ، والعبدُ ديةَ العبدِ، والأنثى ديةَ الأنثى، فقاصَّهم بعضَهم مِن بعضٍ. حدثني المُثَنَّى، قال: حدثنا سويدُ بنُ نصرٍ، قال: أخبَرنا عبدُ اللهِ بنُ المباركِ، عن سفيانَ، عن السُّديِّ، عن أبي مالكٍ، قال: كان بينَ حَيَّيْن من الأنصارِ قتالٌ، كان لأحدِهما على الآخرِ الطَّوْلُ، فكأنَّهم طلَبوا الفضلَ، فجاء النبيُّ ﷺ ليصلِحَ بينَهم، فنزَلتْ هذه الآيةُ: ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى﴾.
QS 2:178 (jilid 3 hlm. 98) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 3 · hlm. 98 · #52683
، فكأنَّهم طلَبوا الفضلَ، فجاء النبيُّ ﷺ ليصلِحَ بينَهم، فنزَلتْ هذه الآيةُ: ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى﴾. فجعَل النبيُّ ﷺ الحرَّ بالحرِّ، والعبدَ بالعبدِ، والأنثى بالأنثى. حدثنا المُثَنَّى، قال: حدثنا سويدُ بنُ نصرٍ، قال: أخبرَنا ابنُ المباركِ، عن شعبةَ، عن أبي بشرِ، قال: سمِعتُ الشَّعْبيَّ يقولُ في هذه الآيةِ: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾. قال: نزَلتْ في قتالِ عِمِّيَّةٍ - قال شعبةُ: كأنَّه في صلحٍ - قال: اصْطَلحُوا على هذا. حدثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال. حدثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: حدثنا شعبةُ، عن أبي بشرٍ، قال: سمِعتُ الشَّعْبيَّ يقولُ في هذه الآيةِ: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى﴾. قال: نزَلتْ في قتالِ عِمِّيةٍ، قتالٌ كان على عهدِ النبيِّ ﷺ. وقال آخرون.
QS 2:178 (jilid 3 hlm. 98) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 3 · hlm. 98 · #52684
ْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى﴾. قال: نزَلتْ في قتالِ عِمِّيةٍ، قتالٌ كان على عهدِ النبيِّ ﷺ. وقال آخرون. بل ذلك أمرٌ مِن اللهِ بمقاصَّةِ ديةِ الحرِّ وديةِ العبدِ، وديةِ الذكرِ وديةِ الأُنثى، في قتلِ العمدِ، إن اقتُصَّ للقتيلِ من القاتلِ، والتراجعِ بالفضلِ والزيادةِ بين ديتيِ القتيلِ والمقتصِّ منه. ذِكرُ من قال ذلك حُدِّثت عن عمارِ بنِ الحسنِ، قال: حدثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرَّبيعِ قولَه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى﴾.
QS 2:178 (jilid 3 hlm. 99) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 3 · hlm. 99 · #52685
ه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى﴾. قال: حُدِّثنا عن عليٍّ بنِ أبي طالبٍ أنه كان يقولُ: أيُّما حرٍّ قتَل عبدًا فهو به قَوَدٌ، فإن شاءَ موالى العبدِ أن يقتُلوا الحرَّ قتَلوه وقاصُّوهم بثمنِ العبدِ من دِيةِ الحرِّ، وأدَّوا إلى أولياءِ الحرِّ بقيةَ دِيَتِه، وأيُّ عبدٍ قتَل حرًّا فهو به قَوَدٌ، فإن شاء أولياءُ الحرِّ قتَلوا العبدَ وقاصُّوهم بثمنِ العبدِ، وأخَذوا بقيةَ ديةِ الحرِّ، وإن شاءُوا أخَذُوا الديةَ كلَّها واستحيَوُا العبدَ، وأيُّ حرٍّ قتَل امرأةً فهو بها قَوَدٌ، فإن شاء أولياءُ المرأةِ قتَلُوه وأدَّوا نصفَ الديةِ إلى أولياءِ الحُرِّ، وأيُّ امرأةٍ قتَلتْ حرًّا فهي به قَوَدٌ، فإن شاء أولياءُ الحرِّ قتَلُوها وأخَذوا نصفَ الديةِ، وإن شاءوا أخَذوا الديةَ كلَّها واسْتحْيَوْها، وإن شاءُوا عفَوْا.
QS 2:178 (jilid 3 hlm. 99) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 3 · hlm. 99 · #52686
رأةٍ قتَلتْ حرًّا فهي به قَوَدٌ، فإن شاء أولياءُ الحرِّ قتَلُوها وأخَذوا نصفَ الديةِ، وإن شاءوا أخَذوا الديةَ كلَّها واسْتحْيَوْها، وإن شاءُوا عفَوْا. حدثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: حدثنا هشامُ بنُ عبدِ الملكِ، قال: حدثنا حمادُ ابنُ سلَمةَ، عن قتادةَ، عن الحسنِ، أن عليًّا قال في رجلٍ قتَل امرأتَه، قال: إن شاءُوا قتَلوه وغَرِموا نصفَ الديَةِ. حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: حدثنا يحيى بنُ سعيدٍ، عن عوفٍ، عن الحسنِ، قال: لا يُقتَلُ الرجلُ بالمرأةِ حتى يُعطُوا نصفَ الديَةِ. حدثنا ابنُ حُميدٍ، قال: حدثنا جريرٌ، عن مغيرةَ، عن سماكٍ، عن الشَّعْبيِّ، قال في رجلٍ قتَل امرأتَه عمدًا، فأتَوا به عليًّا، فقال: إن شئتُم فاقتُلوه وردُّوا فضلَ ديةِ الرجلِ على ديَةِ المرأةِ.
QS 2:178 (jilid 3 hlm. 100) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 3 · hlm. 100 · #52687
غيرةَ، عن سماكٍ، عن الشَّعْبيِّ، قال في رجلٍ قتَل امرأتَه عمدًا، فأتَوا به عليًّا، فقال: إن شئتُم فاقتُلوه وردُّوا فضلَ ديةِ الرجلِ على ديَةِ المرأةِ. وقال آخرون: بل نزَلتْ هذه الآيةُ في حالِ ما نزَلتْ والقومُ لا يقتُلون الرجلَ بالمرأةِ، ولكنهم كانوا يقتُلونَ الرجلَ بالرجلِ، والمرأةَ بالمرأةِ، حتى سوَّى اللهُ بين حكمِ جميعِهم بقولِه: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: ٤٥]. فجعَل جميعَهم قَوَدًا بعضَهم ببعضٍ. ذِكرُ من قال ذلك حدثنا المُثَنَّى، قال: حدثنا أبو صالحٍ، قال: حدثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليِّ بنِ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى﴾: وذلك أنهم كانوا لا يقتُلون الرجلَ بالمرأةِ، ولكن يقتُلون الرجلَ بالرجلِ، والمرأةَ بالمرأةِ، فأَنْزَل اللهُ سبحانه: ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾.
QS 2:178 (jilid 3 hlm. 100) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 3 · hlm. 100 · #52688
أُنْثَى﴾: وذلك أنهم كانوا لا يقتُلون الرجلَ بالمرأةِ، ولكن يقتُلون الرجلَ بالرجلِ، والمرأةَ بالمرأةِ، فأَنْزَل اللهُ سبحانه: ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾. فجعَل الأحرارَ في القِصاصِ سواءً فيما بينَهم في العمدِ، رجالُهم ونساؤُهم، في النفسِ وما دونَ النفسِ، وجعَل العبيدَ مُستوين فيما بينَهم في العمدِ، في النفسِ وما دونَ النفسِ، رجالُهم ونساؤُهم. قال أبو جعفرٍ: فإذا كان مُختَلَفًا الاختلافُ الذي وصَفتُ فيما نزَلتْ فيه هذه الآيةُ، فالواجبُ علينا استعمالُها فيما دلَّت عليه من الحكمِ بالخبرِ القاطِعِ العذرَ. وقد تَظاهرتِ الأخبارُ عن رسولِ اللهِ ﷺ بالنقلِ العامِّ أن نفْسَ الرجلِ الحرِّ قوَدٌ قِصاصًا بنفسِ المرأةِ الحرَّةِ.
QS 2:178 (jilid 3 hlm. 100) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 3 · hlm. 100 · #52689
ن الحكمِ بالخبرِ القاطِعِ العذرَ. وقد تَظاهرتِ الأخبارُ عن رسولِ اللهِ ﷺ بالنقلِ العامِّ أن نفْسَ الرجلِ الحرِّ قوَدٌ قِصاصًا بنفسِ المرأةِ الحرَّةِ. فإذ كان ذلك كذلك - وإن كانت الأمَّةُ مختلفةً في التراجُعِ بفضلِ ما بينَ ديةِ الرجلِ والمرأةِ، على ما قد بيَّنا من قولِ عليٍّ وغيرِه - وكان واضحًا فسادُ قولِ من قالَ بالقِصاصِ في ذلك، والتراجعِ بفضلِ ما بينَ الدِّيتين، بإجماعِ جميعِ أهلِ الإسلامِ على أن حرامًا على الرجلِ أن يُتلِفَ من جسدِه عضوًا بعوضٍ يأخُذُه على إتلافِه - [فدعْ ما] جميعَه - وعلى أن حرامًا على غيرِه إتلافُ شيْءٍ منه - مثلَ الذي حُرِّمَ من ذلك عليهِ بعوضٍ يُعطيه عليه - فالواجبُ أن تكونَ نفسُ الرجلِ الحرِّ بنفسِ المرأةِ الحرَّةِ قوَدًا. وإذا كان ذلك كذلك، كان بَيِّنًا بذلك أنه لم يُرِدْ بقولِه: ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى﴾.
QS 2:178 (jilid 3 hlm. 101) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 3 · hlm. 101 · #52690
الحرَّةِ قوَدًا. وإذا كان ذلك كذلك، كان بَيِّنًا بذلك أنه لم يُرِدْ بقولِه: ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى﴾. ألا يُقادَ العبدُ بالحرِّ، ولا ألا تُقتلَ الأُنثى بالذَّكرِ، ولا الذَّكرُ بالأُنثى. وإذا كان كذلك، كان بَيِّنًا - [على ما ذكَرنا] - أن الآيةَ معنيٌّ بها أحدُ المعنيين الآخرين؛ إمّا [ما قلنا] من ألا يُعَدَّى بالقِصاصِ إلى غيرِ القاتلِ والجانِي، فيُؤخذَ بالأنثى الذكرُ، وبالعبدِ الحرُّ. وإما القولُ الآخرُ، وهو أن تكونَ الَايةُ نزَلتْ في قومٍ بأعْيانِهم خاصَّةً، أُمِرَ النبيُّ ﷺ أن يجعَلَ دياتِ قتلَاهم قِصاصًا. بعضُها من بعضٍ، كما قاله السُّديُّ ومَن ذكَرنا قولَه. وقد أجْمع الجميعُ - لا خلافَ بينَهم - على أن المقُاصَّةَ في الحقوقِ غيرُ واجبةٍ، وأَجْمعوا على أنَّ اللهَ ﷿ لمْ يقضِ في ذلك قضاءً ثم نسَخه. وإذا كان كذلك، وكان قولُه جلَّ ثناؤُه: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ﴾.
QS 2:178 (jilid 3 hlm. 101) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 3 · hlm. 101 · #52691
لحقوقِ غيرُ واجبةٍ، وأَجْمعوا على أنَّ اللهَ ﷿ لمْ يقضِ في ذلك قضاءً ثم نسَخه. وإذا كان كذلك، وكان قولُه جلَّ ثناؤُه: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ﴾. ينبئُ على أنه فرضٌ، كان معلومًا أن القولَ خلافُ ما قالَه قائلُ هذه المقالَةِ؛ لأنَّ ما كان فرضًا على أهلِ الحقوقِ أن يفعَلوه، فلا خِيارَ لهم فيه، والجميعُ مجمِعون على أن لأهلِ الحقوقِ الخِيارَ في مقاصَّتِهم حقوقَهم بعضَها من بعضٍ. فإذْ تبيَّن فسادُ هذا الوجهِ الذي ذكَرنا، فالصحيحُ من القولِ في ذلك هو ما قلنا. فإن قال قائلٌ: إذ ذكَرتَ أن معنى قولِه: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ﴾. بمعنى: فُرِضَ عليكم القِصاصُ. ولا يُعرفُ لقولِ القائلِ: كتَب. معنًى إلَّا بمعنى.
QS 2:178 (jilid 3 hlm. 102) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 3 · hlm. 102 · #52692
قال قائلٌ: إذ ذكَرتَ أن معنى قولِه: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ﴾. بمعنى: فُرِضَ عليكم القِصاصُ. ولا يُعرفُ لقولِ القائلِ: كتَب. معنًى إلَّا بمعنى. خطَّ ذلك ورسَم خطًّا وكتابًا، فما برهانُك على أن معنَى قولِه: ﴿كُتِبَ﴾: فُرِض؟ قيل: ذلك في كلامِ العربِ موجودٌ، وفي أشعارِهم مستفيضٌ، ومنه قولُ الشاعرِ: كُتِب القتلُ والقتالُ علينا … وعلى المحصناتِ جرُّ الذيولِ وقولُ نابغةِ بني جَعْدةَ: يا بنتَ عمِّي كتابُ اللهِ أَخْرَجني … [عنكم فهل] أمنعَنَّ اللهَ ما فعَلا وذلك أكثرُ في أشعارِهم وكلامِهم من أن يُحصَى. غيرَ أن ذلك وإن كان بمعنى "فُرِض"، فإنه عندِي مأخوذٌ من الكتابِ الذي هو رسمٌ وخطٌّ، وذلك أن اللهَ جلَّ ثناؤُه قد كتَبَ جميعَ ما فَرَض على عبادِه، وجميعَ ما هُم عامِلوه في اللوحِ المحفوظِ، فقال جلَّ ذكرُه في القرآنِ: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ (٢١) فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ [البروج: ٢١، ٢٢]. وقال: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (٧٧) فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ﴾ [الواقعة: ٧٧، ٧٨].
QS 2:178 (jilid 3 hlm. 103) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 3 · hlm. 103 · #52693
َلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ (٢١) فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ [البروج: ٢١، ٢٢]. وقال: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (٧٧) فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ﴾ [الواقعة: ٧٧، ٧٨]. [فأَخْبرَ أن القرآنَ في اللَّوحِ المحفوظِ، وفي كتابٍ مكنونٍ]. فقد تبينَ بذلك أن كلَّ ما فرَضَه علينا في اللوحِ المحفوظِ مكتوبٌ. فمعنى قولِه - إذ كان ذلك كذلك -: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ﴾: كُتب عليكم في اللوحِ المحفوظِ القِصاصُ في القتلَى فرضًا، ألا تقْتُلوا بالمقتولِ غيرَ قاتلِه. وأما "القِصاصُ"، فإنه من قولِ القائلِ: قاصصْتُ فلانًا حَقِّي قِبَلَه من حقِّه قِبَلي، [وقاصَّني] (١) قِصاصًا ومُقاصَّةً. فقَتلُ القاتِلِ بالذي قتَله قِصاصٌ به؛ لأنه مفعولٌ به مثلُ الذي فعَل مِن قتلِه، وإن كان أحدُ الفعلين عُدوانًا والآخرُ حقًّا، فهما وإن اخْتَلفا من هذا الوجهِ، فهما متَّفِقانِ في أن كلَّ واحدٍ قد فعَل بصاحبِه مثلَ الذي فعَل صاحبُه به.
QS 2:178 (jilid 3 hlm. 103) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 3 · hlm. 103 · #52694
كان أحدُ الفعلين عُدوانًا والآخرُ حقًّا، فهما وإن اخْتَلفا من هذا الوجهِ، فهما متَّفِقانِ في أن كلَّ واحدٍ قد فعَل بصاحبِه مثلَ الذي فعَل صاحبُه به. وجعَل فعْلَ وليِّ القتيلِ الأولِ إذا قتَل قاتلَ ولِيِّه قِصاصًا، إذ كان بسببِ قتيله استحقَّ قتلَ مَن قتَلَه، فكأنَّ وليَّه المقتولَ هو الذي وَلِي قتلَ قاتلِه، فاقتصَّ منه. وأمَّا "القتلَى" فإنها جمعُ قتيلٍ، كما الصرعَى جمعُ صَريعٍ، والجرحَى جمعُ جريحٍ. وإنما يُجمعُ الفَعِيلُ على الفَعْلَى ما كان صفةً للموصوفِ به، بمعنى الزَّمانةِ والضررِ الذي لا يقدِرُ معه صاحبُه على البَراحِ من موضِعِه ومصرَعِه، نحوُ: القتلى في معاركِهم، والصرْعَى في أماكِنِهم، والجرحَى، وما أشبهَ ذلك. فتأويلُ الكلامِ إذن: فُرِض عليكم أيها المؤمنون القِصاصُ في القَتلَى، أن يقتصَّ الحرُّ بالحرِّ، والعبدُ بالعبدِ، والأنثى بالأنثى. ثم ترَك ذكْرَ "أن يقتصَّ"، اكتفاءً بدلالةِ قولِه: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ﴾. عليه [من ذكرِه].
QS 2:178 (jilid 3 hlm. 104) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 3 · hlm. 104 · #52695
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾. اختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم: تأويلُه: فمَن تُرِك له من القَتَلةِ ظُلمًا من الواجبِ كان لأخيه عليه من القِصاصِ - وهو الشيْءُ الذي قال اللهُ: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾ - فاتِّباعٌ بالمعروفِ من العافِي للقاتلِ بالواجبِ له قِبَلَه من الديةِ، وأداءٌ من المعفوِّ عنه ذلك إليه بإحسانٍ. ذِكرُ من قال ذلك حدثنا أبو كُريبٍ وأحمدُ بنُ حمادٍ الدُّولَابيُّ، قالا: حدثنا سفيانُ بنُ عُيينةَ، عن عمرٍو، عن مجاهدٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾: فالعفوُ أن يقبَلَ الدِّيةَ في العمدِ، واتباعٌ بالمعروفِ، أن يطلُبَ هذا بمعروفٍ ويؤدِّيَ هذا بإحسانٍ.
QS 2:178 (jilid 3 hlm. 104) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 3 · hlm. 104 · #52696
عباسٍ: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾: فالعفوُ أن يقبَلَ الدِّيةَ في العمدِ، واتباعٌ بالمعروفِ، أن يطلُبَ هذا بمعروفٍ ويؤدِّيَ هذا بإحسانٍ. حدثني المُثَنَّى، قال: حدثنا حجَّاجُ بنُ المنهالِ، قال: حدثنا حمادُ بنُ سَلَمةَ، قال: أخبَرنا عَمرُو بنُ دينارٍ، عن جابرِ بنِ زيدٍ، عن ابنِ عباسٍ أنه قال في قولِه: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ فقال: هو العمدُ يَرْضَى أهلُه بالديةِ، ﴿فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ أُمِر به الطالبُ، ﴿وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ من المطلوبِ. حدثنا محمدُ بنُ عليِّ بنِ الحسنِ بنِ شقيقٍ، قال: حدثنا أبي، وحدثني المُثَنَّى، قال: حدثنا سويدُ بنُ نصرٍ، قالا جميعًا: أخبرنا ابنُ المباركِ، عن محمدِ بنِ مُسلمٍ، عن عمرِو بنِ دينارٍ: عن مجاهدٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: الذي يقبَلُ الديةَ ذلك منه عفوٌ، فاتباعٌ بالمعروفِ، ويؤدِّي إليه الذي عُفي له من أخيه بإحسانٍ.
QS 2:178 (jilid 3 hlm. 105) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 3 · hlm. 105 · #52697
مٍ، عن عمرِو بنِ دينارٍ: عن مجاهدٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: الذي يقبَلُ الديةَ ذلك منه عفوٌ، فاتباعٌ بالمعروفِ، ويؤدِّي إليه الذي عُفي له من أخيه بإحسانٍ. حدثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: حدثني أبي، قال: حدثني عمي، قال: حدثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾: وهي الديةُ، أن يُحسِنَ الطالبُ الطلبَ، ﴿وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾، وهو أن يحسِنَ المطلوبُ الأداءَ. حدثني محمدُ بنُ عَمرٍو، قال: حدثنا أبو عاصمٍ، قال: حدثنا عيسى، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾: والعَفُوُّ الذي يعفو عن الدَّمِ ويأخذُ الدِّيةَ. حدثني سفيانُ، قال: حدثنا أبي، عن سفيانَ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾.
QS 2:178 (jilid 3 hlm. 106) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 3 · hlm. 106 · #52698
ذي يعفو عن الدَّمِ ويأخذُ الدِّيةَ. حدثني سفيانُ، قال: حدثنا أبي، عن سفيانَ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾. قال: الديةُ. حدثنا ابنُ وكيعٍ، قال: حدثنا أبي، عن يزيدَ بنِ إبراهيمَ، عن الحسنِ: ﴿وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾. قال: على هذا الطالبِ أن يطلُبَ بالمعروفِ، وعلى هذا المطلوبِ أن يؤدِّيَ بإحسانٍ. حدثني المُثَنَّى، قال: حدثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾: والعَفُوُّ الذي يعفُو عن الدَّمِ ويأخُذُ الديةَ. حدثني محمدُ بنُ المُثَنَّى، قال: حدثنا أبو الوليدِ، قال: حدثنا حمادٌ، عن داودَ ابنِ أبي هندٍ، عن الشَّعْبيِّ في قولِه: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾.
QS 2:178 (jilid 3 hlm. 106) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 3 · hlm. 106 · #52699
أبو الوليدِ، قال: حدثنا حمادٌ، عن داودَ ابنِ أبي هندٍ، عن الشَّعْبيِّ في قولِه: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾. قال: هو العمدُ يَرضَى أهلُه بالدِّيةِ. حدثني المُثَنَّى، قال: حدثنا الحجاجُ، قال: حدثنا حمادٌ، عن داودَ، عن الشعبيِّ مثلَه. حدثنا بشرٌ، قال: حدثنا يزيدُ، قال: حدثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾. يقولُ: من قَتَل عمدًا فعُفي عنه، وقُبِلت منه الديةُ، يقولُ: ﴿فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾. فأمَر المتَّبِعَ أن يتَّبِعَ بالمعروفِ، وأمَر المؤدِّيَ أن يؤدِّيَ بإحسانٍ، فالعمدُ قَودٌ إليه قِصاصٌ، لا عَقْلَ فيه، إلَّا أن يرضَوْا بالديةِ، فإن رَضُوا بالديةِ فمائةُ خَلِفةٍ، فإن قالوا: لا نرضَى إلَّا بكذَا وكذَا.
QS 2:178 (jilid 3 hlm. 107) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 3 · hlm. 107 · #52700
إحسانٍ، فالعمدُ قَودٌ إليه قِصاصٌ، لا عَقْلَ فيه، إلَّا أن يرضَوْا بالديةِ، فإن رَضُوا بالديةِ فمائةُ خَلِفةٍ، فإن قالوا: لا نرضَى إلَّا بكذَا وكذَا. فذلك لهم. حدثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزَّاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾. قال: يَتَّبعُ الطالبُ بالمعروفِ، ويؤدِّي المطلوبُ بإحسانٍ. حُدِّثت عن عمارِ بنِ الحسنِ، قال: حدثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرَّبيعِ في قولِه: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾. يقولُ: فمن قتَل عمدًا فعُفِيَ عنه، وأُخذتْ منه الدِّيةُ، يقولُ: ﴿فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾.
QS 2:178 (jilid 3 hlm. 107) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 3 · hlm. 107 · #52701
ِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾. يقولُ: فمن قتَل عمدًا فعُفِيَ عنه، وأُخذتْ منه الدِّيةُ، يقولُ: ﴿فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾. أمَر صاحبَ الدِّيةِ الذي يأخُذُها أن يتبِعَ بالمعروفِ، وأمَر المؤدِّيَ أن يؤدِّيَ بإحسانٍ. حدثنا القاسمُ، قال: حدثنا الحسينُ، قال: حدثني حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، قال: قلتُ لعطاءٍ: قولُه: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾. قال: ذلك إذا أخَذ الدِّيةَ، فهو عَفوُه. [حدثنا القاسمُ، قال: حدثنا الحسينُ]، قال: حدثني حجاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ، قال: أخبَرني القاسمُ. بنُ أبي بَزَّةَ، عن مجاهدٍ، قال: إذا قبِل الديةَ فقد عفَا عن القِصاصِ، فذلك قولُه: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾.
QS 2:178 (jilid 3 hlm. 108) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 3 · hlm. 108 · #52702
ٍ، قال: أخبَرني القاسمُ. بنُ أبي بَزَّةَ، عن مجاهدٍ، قال: إذا قبِل الديةَ فقد عفَا عن القِصاصِ، فذلك قولُه: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾. قال ابنُ جُريجٍ: وأخبرني الأعرجُ، عن مجاهدٍ مثلَ ذلك، وزادَ فيه: فإذا قبِل الديةَ فإنَّ عليه أن يتَّبعَ بالمعروفِ، وعلى الذي عُفِيَ عنه أن يؤدِّيَ بإحسانٍ. حدثني المُثَنَّى، قال: حدثنا مسلمُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا أبو عَقيلٍ، قال: قال الحسنُ: أخذُ الديةِ عفوٌ حسنٌ. حدثنا يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾. قال: أنت أيها المعفوُّ عنه. وقال آخرون: معنى قولِه: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ﴾: فمَن فضَل له فضْلٌ، وبقِيتْ له بقيَّةٌ.
QS 2:178 (jilid 3 hlm. 108) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 3 · hlm. 108 · #52703
: ﴿وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾. قال: أنت أيها المعفوُّ عنه. وقال آخرون: معنى قولِه: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ﴾: فمَن فضَل له فضْلٌ، وبقِيتْ له بقيَّةٌ. وقالوا: معنى قولِه: ﴿مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾: من ديةِ أخيه شيْءٌ، أو من أَرْشِ جراحتِه، فاتباعٌ منه القاتلَ أو الجارحَ الذي بقِيَ ذلك قِبَلَه بمعروفٍ، وأداءٌ من القاتلِ أو الجارحِ إليه ما بقِي قِبَلَه له من ذلك بإحسانٍ. وهذا قولُ من زعَم أن هذه الآيةَ نزَلتْ - أعني قولَه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ - في الذين تحارَبوا على عهدِ رسولِ اللهِ ﷺ، فأُمِر رسولُ اللهِ ﷺ أن يُصلِحَ بينَهم، فَتُقاصَّ دياتُ بعضِهم من بعضٍ، ويُردَّ بعضُهم على بعضٍ بفضلٍ إن بقِيَ لهم قِبلَ الآخرين. وأحسَبُ أن قائِلي هذا القولِ وجَّهوا تأويلَ العفوِ في هذا الموضعِ إلى الكثرةِ، من قولِ اللهِ: ﴿حَتَّى عَفَوْا﴾ [الأعراف: ٩٥].
QS 2:178 (jilid 3 hlm. 109) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 3 · hlm. 109 · #52704
قِيَ لهم قِبلَ الآخرين. وأحسَبُ أن قائِلي هذا القولِ وجَّهوا تأويلَ العفوِ في هذا الموضعِ إلى الكثرةِ، من قولِ اللهِ: ﴿حَتَّى عَفَوْا﴾ [الأعراف: ٩٥]. فكأنَّ معنى الكلامِ عندَهم: فمن كثُر له قِبلَ أخيه القاتلِ شيْءٌ. ذِكرُ من قال ذلك حدثني موسى، قال: حدثنا عمرٌو، قال: حدثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾. يقولُ: بقِيَ له من ديةِ أخيه شيْءٌ، أو من أَرْشِ جراحتِه، فلْيتَّبعْ بمعروفٍ، ولْيؤدِّ إليه الآخرُ بإحسانٍ. والواجبُ على تأويلِ القولِ الذي رَوَينا عن عليٍّ والحسنِ في قولِه: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ﴾.
QS 2:178 (jilid 3 hlm. 109) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 3 · hlm. 109 · #52705
فلْيتَّبعْ بمعروفٍ، ولْيؤدِّ إليه الآخرُ بإحسانٍ. والواجبُ على تأويلِ القولِ الذي رَوَينا عن عليٍّ والحسنِ في قولِه: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ﴾. أنه بمعنى: مُقاصَّةِ ديةِ نفسِ الذَّكرِ مِن ديةِ نفسِ الأنثى، والعبدِ من الحرِّ، والتراجعِ بفضلِ ما بينَ ديتى أنفُسِهما - أن يكونَ معنى قولِه: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾: فمَن عُفي له منَ الواجبِ لأخيه عليه من قِصاصِ ديةِ نفسِ (١) أحدِهما بديةِ نفسِ الآخرِ، إلى الرضَا بديةِ نفسِ المقتولِ، فاتباعٌ من الوليِّ بالمعروفِ، وأداءٌ من القاتلِ إليه بإحسانٍ. وأوْلى الأقوالِ عندي بالصوابِ في قولِه: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾: فمَن صُفِح له مِن الواجِبِ كان لأخيه عليه من القَوَدِ، عن شيْءٍ من الواجبِ على ديةٍ يأخُذُها منه، فاتباعٌ بالمعروفِ من العافي عن الدَّمِ الراضِي بالدِّيةِ من دمِ ولِيِّه، وأداءٌ إليه من القاتلِ بإحسانٍ.
QS 2:178 (jilid 3 hlm. 109) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 3 · hlm. 109 · #52706
، عن شيْءٍ من الواجبِ على ديةٍ يأخُذُها منه، فاتباعٌ بالمعروفِ من العافي عن الدَّمِ الراضِي بالدِّيةِ من دمِ ولِيِّه، وأداءٌ إليه من القاتلِ بإحسانٍ. لما قد بيَّنَّا من العللِ فيما مضَى قبلُ، من أنَّ معنى قولِ اللهِ تعالى ذكرُه: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ﴾. إنما هو القِصاصُ من النفوسِ القاتلةِ أو الجارحةِ والشَّاجَّةِ عمدًا، فكذلك العفوُ أيضًا عن ذلك. وأما معنَى قولِه: ﴿فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾. فإنه يعني: فاتباعٌ على ما أوجبَه اللهُ له من الحقِّ قِبَلَ [قاتلِ وَليِّه]، من غيرِ أن يزدادَ عليه ما ليس له عليه في أسنانِ الفرائضِ أو غيرِ ذلك، أو يكلِّفَه ما لم يوجِبْه اللهُ له عليه. كما حدثني بشرٌ، قال: حدثنا يزيدُ، عن سعيدٍ، عن قتادةَ، قال: بلَغنا عن نبيِّ اللهِ ﷺ أنه قال: "مَن زاد أو ازداد بعيرًا - يعني في إبلِ الدِّياتِ وفرائضِها - فمِن أمرِ الجاهليةِ".
QS 2:178 (jilid 3 hlm. 110) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 3 · hlm. 110 · #52707
يزيدُ، عن سعيدٍ، عن قتادةَ، قال: بلَغنا عن نبيِّ اللهِ ﷺ أنه قال: "مَن زاد أو ازداد بعيرًا - يعني في إبلِ الدِّياتِ وفرائضِها - فمِن أمرِ الجاهليةِ". وأما إحسانُ الآخرِ في الأداءِ، فهو أداءُ ما لزِمَه بقتلِه لوليِّ القتيلِ، على ما ألزمَه اللهُ وأوجَبه عليه، من غيرِ أن يبخَسَه حقًّا له قِبَلَه بسببِ ذلك، أو يُحوِجَه إلى اقتضاءٍ ومطالبةٍ. فإن قال لنا قائل: وكيف قِيلَ: ﴿فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾. ولم يقلْ: فاتباعًا بالمعروفِ وأداءً إليه بإحسانٍ. كما قال: ﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ﴾ [محمد: ٤]؟ قيلَ: لو كان التنزيلُ جاءَ بالنصبِ، وكان: فاتباعًا بالمعروفِ وأداءٌ إليه بإحسانٍ. كان جائزًا في العربيةِ صحيحًا على وجهِ الأمرِ، كما يقالُ: ضربًا ضربًا، وإذا لقيتَ فلانًا فتبجيلًا وتعظيمًا. غيرَ أنه جاءَ رفعًا، وهو أفصحُ في كلامِ العربِ من نصبِه.
QS 2:178 (jilid 3 hlm. 110) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 3 · hlm. 110 · #52708
لعربيةِ صحيحًا على وجهِ الأمرِ، كما يقالُ: ضربًا ضربًا، وإذا لقيتَ فلانًا فتبجيلًا وتعظيمًا. غيرَ أنه جاءَ رفعًا، وهو أفصحُ في كلامِ العربِ من نصبِه. وكذلك ذلك في كلِّ ما كانَ نظيرًا له، مما يكونُ فرضًا عامًّا - في مَن قد فَعَل، وفي من لم يفعَلْ إذا فعَل - لا ندبًا وحثًّا. ورفعُه على معنى: فمَن عُفي له من أخيه شيْءٌ، فالأمرُ فيه اتباعٌ بالمعروفِ، وأداءٌ إليه بإحسانٍ. أو: فالقضاءُ والحكمُ فيه اتباعٌ بالمعروفِ. وقال بعضُ أهلِ العربيةِ: رفعُ ذلك على معنى: فمَن عُفي له من أخيه شيْءٌ فعلَيه اتباعٌ بالمعروفِ. وهذا مذهبٌ، والأولُ الذي قلناه هو وجهُ الكلامِ. وكذلك كلُّ ما كان من نظائرِ ذلك في القرآنِ، فإن رفعَه على الوجهِ الذي قلناه، وذلك مثلُ قولِه: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ [المائدة: ٩٥]. وقولِه: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩]. وأما قولُه: ﴿فَضَرْبَ الرِّقَابِ﴾.
QS 2:178 (jilid 3 hlm. 111) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 3 · hlm. 111 · #52709
قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ [المائدة: ٩٥]. وقولِه: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩]. وأما قولُه: ﴿فَضَرْبَ الرِّقَابِ﴾. فإن الصوابَ فيه النصبُ، وهو وجهُ الكلامِ؛ لأنه على وجهِ الحثِّ من اللهِ عبادَه على القتلِ عندَ لقاء العدوِّ، كما يقالُ: إذا لقِيتم العدوَّ فتكبيرًا وتهليلًا. على وجهِ الحضِّ على التكبيرِ، لا على وجهِ الإيجابِ والإلزامِ.
QS 2:178 (jilid 3 hlm. 111) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 3 · hlm. 111 · #52710
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ﴾. يعني جلَّ ثناؤُه بقولِه: ﴿ذَلِكَ﴾: هذا الذي حكَمتُ به وسَنَنتُه لكم، من إباحتي لكم أيتها الأمةُ العفوَ عن القصاصِ من قاتلِ قَتيلِكم، على ديةٍ تأخُذونها، فتملِكُونها مِلكَكم سائرَ أموالِكم، التي كنتُ منَعتُها من قبْلَكم من الأممِ السالفةِ، ﴿تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾. يقولُ: تخفيفٌ مني لكم مما كنتُ ثَقَّلتُه على غيرِكم، بتحريمِ ذلك عليهم، ﴿وَرَحْمَةٌ﴾ منى بكم. كما حدثنا أبو كُريبٍ وأحمدُ بنُ حمادٍ الدُّولابيُّ، قالا: حدثنا سفيانُ، عن عَمرِو بنِ دينارٍ، عن مجاهدٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: كان في بني إسرائيلَ القِصاصُ، ولم تكنْ فيهم الدِّيةُ، فقال اللهُ في هذه الآيةِ: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾. إلى قولِه: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾. فالعفوُ أن يقبَلَ الديةَ في العمدِ، ﴿ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾.
QS 2:178 (jilid 3 hlm. 112) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 3 · hlm. 112 · #52711
ْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾. إلى قولِه: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾. فالعفوُ أن يقبَلَ الديةَ في العمدِ، ﴿ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾. [يقولُ: خفَّفَ عنكم ما كان] على من كان قبلَكم، أن يطلُبَ هذا بمعروفٍ، ويؤدِّيَ هذا بإحسانٍ. حدثنا محمدُ بنُ عليِّ بنِ الحسنِ بنِ شقيقٍ، قال: حدثنا أبي، قال: حدثنا عبدُ اللهِ بنُ المباركِ، عن محمدِ بنِ مُسلمٍ، عن عَمرِو بنِ دينارٍ، عن مجاهدٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: كان مَن قبلَكم يقتُلون القاتلَ بالقتيلِ لَا تُقبلُ منهم الديةُ، فأنْزلَ اللهُ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ﴾ إلى آخرِ الآيةِ، ﴿ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ يقولُ: خفَّفَ عنكم ما كان على من قبلَكم؛ أي الديةُ، لم تكنْ تُقبلُ، فالذي يَقبَلُ الديةَ ذلك منه عَفوٌ (٢).
QS 2:178 (jilid 3 hlm. 112) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 3 · hlm. 112 · #52712
الآيةِ، ﴿ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ يقولُ: خفَّفَ عنكم ما كان على من قبلَكم؛ أي الديةُ، لم تكنْ تُقبلُ، فالذي يَقبَلُ الديةَ ذلك منه عَفوٌ (٢). حدثني المُثَنَّى، قال: حدثنا الحجاجُ بنُ المنهالِ، قال: حدثنا حمادُ بنُ سلمةَ، قال: أخبَرنا عمرٌو بنُ دينارٍ، عن جابرِ بنِ زيدٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ﴾: مما كان على بني إسرائيلَ. يعني: من تَحريمِ الديةِ عليهم (٢). حدثني المُثَنَّى، قال: حدثنا أبو حذيفةَ، قال: حدثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: كان على بني إسرائيلَ قِصاصٌ في القتلى، ليسَ بينَهم ديةٌ في نفسٍ ولا جُرحٍ، وذلك قولُ اللهِ جلَّ وعزَّ: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ﴾ الآية كلها [المائدة: ٤٥].
QS 2:178 (jilid 3 hlm. 113) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 3 · hlm. 113 · #52713
ولا جُرحٍ، وذلك قولُ اللهِ جلَّ وعزَّ: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ﴾ الآية كلها [المائدة: ٤٥]. وخفَّف اللهُ عن أمةِ محمدٍ ﷺ، فقبِل منهمُ الديةَ في النفسِ وفي الجراحةِ، وذلك قولُه: ﴿ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ بينَكم. حدثنا بشرٌ، قال: حدثنا يزيدُ، قال: حدثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ﴾: وإنما هي رحمةٌ رحِمَ اللهُ بها هذه الأمةَ، أَطْعَمهم الديةَ، وأحلَّها لهم، ولم تحِلَّ لأحدٍ قبلَهم، وكان أهلُ التوراةِ إنما هو قِصاصٌ أو عفوٌ، ليس بينَهم أرْشٌ، وكان أهلُ الإنجيلِ إنما هو عفوٌ أُمِروا به، وجعَلَ اللهُ لهذه الأمةِ القوَدَ والعفوَ، والديةَ إن شاءوا، أحلَّها لهم، ولم تكنْ لأمةٍ قبلَهم. حُدِّثت عن عمارِ بنِ الحسنِ، قال: حدثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرَّبيعِ بمثلِه سواءً، غيرَ أنه قال: ليس بينَهما شيْءٌ.
QS 2:178 (jilid 3 hlm. 113) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 3 · hlm. 113 · #52714
م، ولم تكنْ لأمةٍ قبلَهم. حُدِّثت عن عمارِ بنِ الحسنِ، قال: حدثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرَّبيعِ بمثلِه سواءً، غيرَ أنه قال: ليس بينَهما شيْءٌ. حدثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزَّاقِ، قال: أخبرنا مَعمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾. قال: لم تكنْ لمن قبلَنا ديةٌ، إنما هو القتلُ أو العفوُ إلى أهلِه، فنزَلتْ هذه الآيةُ في قومٍ كانوا أكثرَ من غيرِهم. حدثنا القاسمُ، قال: حدثنا الحسينُ، قال: حدثني حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، قال: وأخبَرني عَمرُو بنُ دينارٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: إن بني إسرائيلَ كان كُتِب عليهمُ القِصاصُ، وخُفِّف عن هذه الأمةِ. وتلا عمرُو بنُ دينارٍ: ﴿ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ﴾. وأما على قولِ من قال: القِصاصُ في هذه الآيةِ معناه قِصاصُ الدِّياتِ بعضِها من بعضٍ.
QS 2:178 (jilid 3 hlm. 114) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 3 · hlm. 114 · #52715
ا عمرُو بنُ دينارٍ: ﴿ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ﴾. وأما على قولِ من قال: القِصاصُ في هذه الآيةِ معناه قِصاصُ الدِّياتِ بعضِها من بعضٍ. على ما قاله السُّديُّ، فإنه ينبغي أن يكونَ تأويلُه: هذا الذي فعَلتُ بكم أيها المؤمنون من قصاصِ دياتِ قتلَى بعضِكم بدياتِ بعضٍ، وتَركِ إيجابِ القَودِ من الباقين منكم بقتيلِه الذي قتلَه أو أخذِه بديتِه، تخفيفٌ منِّي عنكم ثِقْلَ ما كان عليكم من حكمي عليكم بالقوَدِ أو الديةِ، ورحمةٌ منِّي لكم.
QS 2:178 (jilid 3 hlm. 114) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 3 · hlm. 114 · #52716
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٧٨)﴾. يعني بقولِه: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ﴾: فمن تَجاوز ما جعَله اللهُ له بعدَ أخذِه الديةَ، اعتداءً وظلمًا، إلى ما لم يَجْعلِ اللهُ له من قتلِ قاتلِ وليِّه وسفكِ دمِه، فله بفعلِه ذلك، [وتقدُّمِه على] ما قد حرمتُه عليه، عذابٌ أليمٌ. وقد بَيَّنتُ معنى الاعتداءِ فيما مضَى بما أغنَى عن إعادَتِه. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذِكرُ من قال ذلك حدثني محمدُ بنُ عَمرٍو، قال: حدثنا أبو عاصمٍ، قال: حدثنا عيسى، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ﴾: فقتَل، ﴿فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. حدثني المُثَنَّى، قال: حدثنا أبو حذيفةَ، قال: حدثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: [﴿فَمَنِ اعْتَدَى﴾: بعد أخذِ الديةِ ﴿فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. حدثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: حدثنا يزيدُ بنُ زُريعٍ، عن سعيدٍ، عن قتادةَ قولَه]: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.
QS 2:178 (jilid 3 hlm. 115) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 3 · hlm. 115 · #52717
َابٌ أَلِيمٌ﴾. حدثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: حدثنا يزيدُ بنُ زُريعٍ، عن سعيدٍ، عن قتادةَ قولَه]: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. يقولُ: فمن اعتدَى بعد أخذِه الديةَ فقَتَلَ، فله عذابٌ أليمٌ. قال: وقد ذُكِر لنا أن رسولَ الله ﷺ كان يقولُ: "لا أُعافي رجلًا قتَل بعدَ أخذِه الديةَ". حدثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزَّاقِ، قال: أخبرنا مَعمرٌ، عن قتادةَ في قولَه: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ﴾. قال: هو القتلُ بعدَ أخذِ الديةِ. يقولُ: مَن قتَل بعدَ أن يأخُذَ الديةَ فعليه القتلُ، لَا تُقبَلُ منه الديةُ. حُدِّثت عن عمارٍ، عن ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرَّبيعِ قولَه: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. يقولُ: فمن اعتدَى بعد أخذِه الديةَ، فله عذابٌ أليمٌ. حدَّثنا سفيانُ بنُ وكيعٍ، قال: حدثنا أبي، عن يزيدَ بنِ إبراهيمَ، عن الحسنِ، قال: كان الرجلُ إذا قتلَ قتيلًا في الجاهليةِ فرَّ إلى قومِه، فيجئُ قومُه فيصالحون عنه بالديةِ.
QS 2:178 (jilid 3 hlm. 116) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 3 · hlm. 116 · #52718
يعٍ، قال: حدثنا أبي، عن يزيدَ بنِ إبراهيمَ، عن الحسنِ، قال: كان الرجلُ إذا قتلَ قتيلًا في الجاهليةِ فرَّ إلى قومِه، فيجئُ قومُه فيصالحون عنه بالديةِ. قال: فيخرُجُ الفارُّ وقد أمِنَ على نفسِه. قال: فيقتَلُ ثم يُرْمَى إليه بالديةِ، فذلك الاعتداءُ. حدَّثني المُثَنَّى، قال: حدثنا مُسلمُ بنُ إبراهيمَ، قال: حدثنا أبو عَقيلٍ، قال: سمِعتُ الحسنَ في هذه الآيةِ: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾. قال: القاتلُ إذا طُلِب فلم يُقدَرْ عليه، وأُخِذ من أوليائِه الديةُ، ثم أَمِن، فأُخِذ فقُتِل. قال الحسنُ: ما أكَل عُدوانٌ. حدَّثني المُثَنَّى، قال: حدثنا مسلمُ بنُ إبراهيمَ، قال: حدثنا القاسمُ، قال: حدثنا هارونُ بنُ سلمانَ، قال: قلت لعكرمةَ: مَن قتَل بعد أخذِه الديةَ؟
QS 2:178 (jilid 3 hlm. 116) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 3 · hlm. 116 · #52719
نٌ. حدَّثني المُثَنَّى، قال: حدثنا مسلمُ بنُ إبراهيمَ، قال: حدثنا القاسمُ، قال: حدثنا هارونُ بنُ سلمانَ، قال: قلت لعكرمةَ: مَن قتَل بعد أخذِه الديةَ؟ قال: إذن يُقتلَ، أما سمِعتَ اللهَ يقولُ: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. حدَّثني موسى، قال: حدثنا عمرٌو، قال: حدثنا أسباطُ، عن السُّديِّ: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ﴾: بعد ما يأخُذُ الديةَ، فيَقْتُلُ ﴿فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: حدثني أبي، قال: حدثني عمي، قال: حدثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ﴾. يقولُ: فمن اعتدى بعدَ أخذِه الديةَ، فله عذابٌ أليمٌ. حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.
QS 2:178 (jilid 3 hlm. 117) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 3 · hlm. 117 · #52720
ه الديةَ، فله عذابٌ أليمٌ. حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. قال: أخَذَ العقلَ، ثم قتَل بعدَ أن أخَذ العقلَ قاتلَ قتيلِه، فله عذابٌ أليمٌ. واخْتَلفوا في معنى "العذاب الأليم" الذي جعَله اللهُ لمن اعْتَدى بعد أخذِه الديةَ من قاتلِ وليِّه؛ فقال بعضُهم: ذلك العذابُ هو القتلُ، بمَن قتَله بعدَ أخذِه الديةَ منه وعفوِه عن القِصاصِ منه بدمِ وليِّه. ذِكرُ من قال ذلك حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ الدَّوْرَقيُّ، قال: حدثنا هشيمٌ، قال: أخبرنا جُويبرٌ، عن الضحَّاكِ في قولِه: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. قال: يُقتلُ، وهو العذابُ الأليمُ.
QS 2:178 (jilid 3 hlm. 117) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 3 · hlm. 117 · #52721
ل: حدثنا هشيمٌ، قال: أخبرنا جُويبرٌ، عن الضحَّاكِ في قولِه: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. قال: يُقتلُ، وهو العذابُ الأليمُ. يقولُ: العذابُ المُوجِعُ. حدَّثني يعقوبُ، قال: حدثني هشيمٌ، قال: حدثنا أبو إسحاقَ، عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ أنه قال ذلك. حدَّثني المُثَنَّى، قال: حدثنا مسلمُ بنُ إبراهيمَ، قال: حدثنا القاسمُ، قال: حدثنا هارونُ بنُ سلمانَ، عن عكرمةَ: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. قال: القتلُ. وقال بعضُهم: ذلك العذابُ عقوبةٌ يعاقبُه بها السلطانُ على قدرِ ما يرى من عقوبتِه. ذِكرُ من قال ذلك حدَّثني القاسمُ، قال: حدثنا الحسينُ، قال: حدثني حجاجٌ، قال: قال ابنُ جُريجٍ: أخبرني إسماعيلُ بنُ أميةَ، عن الثَّبَتِ - غيرَ أنه لم ينسِبْه، وقال: ثقةٌ - أن النبيَّ ﷺ أَوْجب بقَسَمٍ أو غيرِه ألا يُعفَى عن رجلٍ عفا عن الدَّمِ، وأخذَ الديةَ، ثم عدَا فقتَل.
QS 2:178 (jilid 3 hlm. 118) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 3 · hlm. 118 · #52722
عن الثَّبَتِ - غيرَ أنه لم ينسِبْه، وقال: ثقةٌ - أن النبيَّ ﷺ أَوْجب بقَسَمٍ أو غيرِه ألا يُعفَى عن رجلٍ عفا عن الدَّمِ، وأخذَ الديةَ، ثم عدَا فقتَل. قال ابنُ جُريجٍ: وأخبرني عبدُ العزيزِ بنُ عمرَ بنِ عبدِ العزيزِ، قال: في كتابٍ لعمرَ عن النبيِّ ﷺ قال: "والاعتداءُ الذي ذكَر اللهُ أن الرجلَ يأخُذُ العقلَ، أو يقتصُّ، أو يقضي السلطانُ فيما بينَ الجرحِ، ثم يعتدي بعضُهم من بعدِ أن يستوعبَ حقَّه، فمن فعَل ذلك فقد اعتدَى، والحكمُ فيه إلى السلطانِ بالذي يرَى فيه من العقوبةِ. قال: ولو عفَا عنه لم يكنْ لأحدٍ من طلبةِ الحقِّ أن يَعْفُوَ، إنَّ هذا من الأمرِ الذي أنزَل اللهُ فيه قولَه: فإن اختَلَفتم في شيْءٍ فردُّوه إلى اللهِ وإلى الرسولِ وإلى أُولي الأمرِ منكم". حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: حدثنا عبدُ الواحدِ بنُ زيادٍ، عن يونسَ، عن الحسنِ، في رجلٍ قَتَل فأُخِذتْ منه الديةُ، ثم إن وَليَّه قتلَ به القاتلَ؟
QS 2:178 (jilid 3 hlm. 119) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 3 · hlm. 119 · #52723
م". حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: حدثنا عبدُ الواحدِ بنُ زيادٍ، عن يونسَ، عن الحسنِ، في رجلٍ قَتَل فأُخِذتْ منه الديةُ، ثم إن وَليَّه قتلَ به القاتلَ؟ قال الحسنُ: تُؤخذُ منه الديةُ التي أخَذ ولا يُقتلُ به. وأولى التأويلين بقولِه: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. تأويلُ مَن قال: فمن اعتدَى بعدَ أخذِه الديةَ، فقتَل قاتلَ وليِّه، فله عذابٌ أليمٌ في عاجلِ الدنيا، وهو القتلُ؛ لأن اللهَ جلَّ ثناؤُه جعَل لوليِّ كلِّ قتيلٍ ظُلمًا السلطانَ على قاتلِ وَليِّه، فقال: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ﴾ [الإسراء: ٣٣]. فإذ كان ذلك كذلك، وكان الجميعُ من أهلِ العلمِ مُجمعين على أن مَن قتَل قاتلَ وليِّه بعدَ عفوِه عنه، وأخذِه منه ديةَ قتيلِه، أنه بقتلِه إيَّاه له ظالمٌ في قتلِه - كان بيِّنًا أن يُولَّى من قتَله ظلمًا كذلك السلطانَ عليه في القصاصِ والعفوِ وأخذِ الديةِ، أيَّ ذلك شاء.
QS 2:178 (jilid 3 hlm. 119) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 3 · hlm. 119 · #52724
قتيلِه، أنه بقتلِه إيَّاه له ظالمٌ في قتلِه - كان بيِّنًا أن يُولَّى من قتَله ظلمًا كذلك السلطانَ عليه في القصاصِ والعفوِ وأخذِ الديةِ، أيَّ ذلك شاء. وإذا كان ذلك كذلك كان معلومًا أن ذلك عذابُه، لأن من أُقيم عليه حدُّه في الدنيا كان ذلك عقوبتَه مِن ذنبِه، ولم يكنْ به مُتَّبعًا في الآخرةِ، على ما قد ثبَت به الخبرُ عن رسولِ اللهِ ﷺ. وأما ما قاله ابنُ جُريجٍ، من أن حكمَ من قتَل قاتلَ وَليِّه بعدَ عفوِه عنه، وأخذِه ديةَ وليِّه المقتولِ، إلى الإمامِ دونَ أولياءِ المقتولِ - فقولٌ خلافٌ لما دلَّ عليه ظاهرُ كتابِ اللهِ، وأَجْمع عليه علماءُ الأمةِ، وذلك أن اللهَ جلَّ ثناؤُه جعَل لوليِّ كُلِّ مقتولٍ ظلمًا السلطانَ دونَ غيرِه، مِن غيرِ أن يخصَّ من ذلك قتيلًا دونَ قتيلٍ، فسواءٌ كان ذلكَ قتيلَ وليِّ مَن قتَله أو غيرَه، ومن خصَّ من ذلك شيئًا سُئِل البرهانَ عليه من أصلٍ أو نظيرٍ، وعُكِس عليه القولُ فيه، ثم لن يقولَ في شيْءٍ من ذلك قولًا إلَّا أُلزِم في الآخَرِ مثلَه.
QS 2:178 (jilid 3 hlm. 120) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 3 · hlm. 120 · #52725
ومن خصَّ من ذلك شيئًا سُئِل البرهانَ عليه من أصلٍ أو نظيرٍ، وعُكِس عليه القولُ فيه، ثم لن يقولَ في شيْءٍ من ذلك قولًا إلَّا أُلزِم في الآخَرِ مثلَه. ثم في إجماعِ الحجةِ على خلافِ ما قال في ذلك مُكتفًى من الاستشهادِ على فسادِه بغيرِه.
QS 2:178-179 (jilid 1 hlm. 489) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 1 · hlm. 489 · #81927
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنْثَى بِالأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٧٨) وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٧٩)﴾ يقول تعالى: (كُتِبَ عَلَيْكُمُ) العدلُ في القصاص -أيّها المؤمنون -حُرّكم بحركم، وعبدكم بعبدكم، وأنثاكم بأنثاكم، ولا تتجاوزوا وتعتدوا، كما اعتدى من قبلكم وغيروا حكم الله فيهم، وسبب ذلك قريظة و [بنو] النضير، كانت بنو النضير قد غزت قريظة في الجاهلية وقهروهم، فكان إذا قتل النضري القرظيَّ لا يقتل به، بل يُفَادَى بمائة وسق من التمر، وإذا قتل القرظي النضري قتل به، وإن فادَوْه فَدَوه بمائتي وسق من التمر ضعْف دية القرظي، فأمر الله بالعدل في القصاص، ولا يتبع سبيل المفسدين
QS 2:178-179 (jilid 1 hlm. 489) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 1 · hlm. 489 · #81928
سق من التمر، وإذا قتل القرظي النضري قتل به، وإن فادَوْه فَدَوه بمائتي وسق من التمر ضعْف دية القرظي، فأمر الله بالعدل في القصاص، ولا يتبع سبيل المفسدين المحرفين، المخالفين لأحكام الله فيهم، كفرا وبغيًا، فقال تعالى: (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأنْثَى بِالأنْثَى). وذكر في [سبب] نزولها ما رواه الإمام أبو محمد بن أبي حاتم: حدثنا أبو زُرْعَة، حدثنا يحيى بن عبد الله بن بُكَير حدثني عبد الله بن لَهيعة، حدثني عطاء بن دينار، عن سعيد بن جبير، في قول الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى) يعني: إذا كان عَمْدا، الحر بالحر.
QS 2:178-179 (jilid 1 hlm. 489) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 1 · hlm. 489 · #81929
ر، عن سعيد بن جبير، في قول الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى) يعني: إذا كان عَمْدا، الحر بالحر. وذلك أن حيَّيْنِ من العرب اقتتلوا في الجاهلية قبل الإسلام بقليل، فكان بينهم قتل وجراحات، حتى قتلوا العبيد والنساء، فلم يأخذ بعضهم من بعض حتى أسلموا، فكان أحد الحيين يتطاول على الآخر في العدة والأموال، فحلفوا ألا يرضوا حتى يقتل بالعبد منا الحر منهم، وبالمرأة منا الرجل منهم، فنزلت فيهم. (الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأنْثَى بِالأنْثَى) منها منسوخة، نسختها ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: ٤٥].
QS 2:178-179 (jilid 1 hlm. 489) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 1 · hlm. 489 · #81930
الرجل منهم، فنزلت فيهم. (الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأنْثَى بِالأنْثَى) منها منسوخة، نسختها ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: ٤٥]. وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله: (وَالأنْثَى بِالأنْثَى) وذلك أنهم لا يقتلون الرجل بالمرأة، ولكن يقتلون الرجل بالرجل، والمرأة بالمرأة فأنزل الله: النفس بالنفس والعين بالعين، فجعل الأحرار في القصاص سواء فيما بينهم من العمد رجالهم ونساؤهم في النفس، وفيما دون النفس، وجعل العبيد مستوين فيما بينهم من العمد في النفس وفيما دون النفس رجالهم ونساؤهم، وكذلك روي عن أبي مالك أنها منسوخة بقوله: ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾.
QS 2:178-179 (jilid 1 hlm. 489) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 1 · hlm. 489 · #81931
نفس، وجعل العبيد مستوين فيما بينهم من العمد في النفس وفيما دون النفس رجالهم ونساؤهم، وكذلك روي عن أبي مالك أنها منسوخة بقوله: ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾. مسألة: مذهب أبي حنيفة أن الحر يقتل بالعبد لعموم آية المائدة، وإليه ذهب الثوري وابن أبي ليلى وداود، وهو مروي عن علي، وابن مسعود، وسعيد بن المسيب، وإبراهيم النخعي، وقتادة، والحكم، وقال البخاري، وعلي بن المديني وإبراهيم النخعي والثوري في رواية عنه: ويقتل السيد بعبده؛ لعموم حديث الحسن عن سمرة: "من قتل عبده قتلناه، ومن جذعه جذعناه، ومن خصاه خصيناه" وخالفهم الجمهور وقالوا: لا يقتل الحر بالعبد؛ لأن العبد سلعة لو قتل خطأ لم تجب فيه دية، وإنما تجب فيه قيمته، وأنه لا يقاد بطرفه ففي النفس بطريق أولى، وذهب الجمهور إلى أن المسلم لا يقتل بالكافر، كما ثبت في البخاري عن علي، قال: قال رسول الله ﷺ: "لا يقتل مسلم بكافر" ولا يصح حديث ولا تأويل يخالف هذا، وأما أبو حنيفة فذهب إلى أنه يقتل به لعموم آية المائدة.
QS 2:178-179 (jilid 1 hlm. 490) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 1 · hlm. 490 · #81932
في البخاري عن علي، قال: قال رسول الله ﷺ: "لا يقتل مسلم بكافر" ولا يصح حديث ولا تأويل يخالف هذا، وأما أبو حنيفة فذهب إلى أنه يقتل به لعموم آية المائدة. مسألة: قال الحسن وعطاء: لا يقتل الرجل بالمرأة لهذه الآية، وخالفهم الجمهور لآية المائدة؛ ولقوله ﵇: "المسلمون تتكافأ دماؤهم" وقال الليث: إذا قتل الرجل امرأته لا يقتل بها خاصة. مسألة: ومذهب الأئمة الأربعة والجمهور أن الجماعة يقتلون بالواحد؛ قال عمر بن الخطاب ﵁ في غلام قتله سبعة فقتلهم، وقال: لو تمالأ عليه أهل صنعاء لقتلتهم، ولا يعرف له في زمانه مخالف من الصحابة، وذلك كالإجماع. وحكي عن الإمام أحمد رواية: أن الجماعة لا يقتلون بالواحد، ولا يقتل بالنفس إلا نفس واحدة. وحكاه ابن المنذر عن معاذ وابن الزبير، وعبد الملك بن مروان والزهري ومحمد بن سيرين وحبيب بن أبي ثابت؛ ثم قال ابن المنذر: وهذا أصح، ولا حجة لمن أباح قتل الجماعة.
QS 2:178-179 (jilid 1 hlm. 490) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 1 · hlm. 490 · #81933
المنذر عن معاذ وابن الزبير، وعبد الملك بن مروان والزهري ومحمد بن سيرين وحبيب بن أبي ثابت؛ ثم قال ابن المنذر: وهذا أصح، ولا حجة لمن أباح قتل الجماعة. وقد ثبت عن ابن الزبير ما ذكرناه، وإذا اختلف الصحابة فسبيله النظر. وقوله: (فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ) قال مجاهد عن ابن عباس: (فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ) فالعفو: أن يَقبل الدية في العمد، وكذا روي عن أبي العالية، وأبي الشعثاء، ومجاهد، وسعيد بن جبير، وعطاء، والحسن، وقتادة، ومقاتل بن حيان. وقال الضحاك عن ابن عباس: (فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ) يقول: فمن ترك له من أخيه شيء يعني: [بعد] أخذ الدّية بعد استحقاق الدم، وذلك العفو (فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ) يقول: فعلى الطالب اتباع بالمعروف إذا قَبِل الدية (وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ) يعني: من القاتل من غير ضرر ولا مَعْك، يعني: المدافعة.
QS 2:178-179 (jilid 1 hlm. 490) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 1 · hlm. 490 · #81934
ِالْمَعْرُوفِ) يقول: فعلى الطالب اتباع بالمعروف إذا قَبِل الدية (وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ) يعني: من القاتل من غير ضرر ولا مَعْك، يعني: المدافعة. وروى الحاكم من حديث سفيان، عن عمرو، عن مجاهد، عن ابن عباس: ويؤدي المطلوب بإحسان. وكذا قال سعيد بن جُبَير، وأبو الشعثاء جابر بن زَيد، والحسن، وقتادة، وعطاء الخراساني، والربيع بن أنس، والسدي، ومقاتل بن حيان. مسألة: قال مالك ﵀ -في رواية ابن القاسم عنه وهو المشهور، وأبو حنيفة وأصحابه والشافعي في أحد قوليه: ليس لولي الدم أن يعفو على الدية إلا برضا القاتل، وقال الباقون: له أن يعفو عليها وإن لم يرض القاتل، وذهب طائفة من السلف إلى أنه ليس للنساء عفو، منهم الحسن، وقتادة، والزهري، وابن شبرمة، والليث، والأوزاعي، وخالفهم الباقون. وقوله: (ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ) يقول تعالى: إنما شرع لكم أخذ الدية في العمد تخفيفًا من الله عليكم ورحمة بكم، مما كان محتوما على الأمم قبلكم من القتل أو العفو، كما قال سعيد بن منصور:
QS 2:178-179 (jilid 1 hlm. 491) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 1 · hlm. 491 · #81935
يقول تعالى: إنما شرع لكم أخذ الدية في العمد تخفيفًا من الله عليكم ورحمة بكم، مما كان محتوما على الأمم قبلكم من القتل أو العفو، كما قال سعيد بن منصور: حدثنا سفيان، عن عمرو بن دينار، أخبرني مجاهد، عن ابن عباس، قال: كتب على بني إسرائيل القصاص في القتلى، ولم يكن فيهم العفو، فقال الله لهذه الأمة (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأنْثَى بِالأنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ) فالعفو أن يقبل الدية في العمد، ذلك تخفيف [من ربكم ورحمة] مما كتب على من كان قبلكم، (فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان). وقد رواه غير واحد عن عمرو [بن دينار] وأخرجه ابن حبان في صحيحه، عن عمرو بن دينار، به.
QS 2:178-179 (jilid 1 hlm. 491) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 1 · hlm. 491 · #81936
] مما كتب على من كان قبلكم، (فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان). وقد رواه غير واحد عن عمرو [بن دينار] وأخرجه ابن حبان في صحيحه، عن عمرو بن دينار، به. [وقد رواه البخاري والنسائي عن ابن عباس]؛ ورواه جماعة عن مجاهد عن ابن عباس، بنحوه. وقال قتادة: (ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ) رحم الله هذه الأمة وأطعمهم الدية، ولم تحل لأحد قبلهم، فكان أهل التوراة إنما هو القصاص وعفو ليس بينهم أرش وكان أهل الإنجيل إنما هو عفو أمروا به، وجعل لهذه الأمة القصاص والعفو والأرش. وهكذا روي عن سعيد بن جبير، ومقاتل بن حيان، والربيع بن أنس، نحو هذا. وقوله: (فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ) يقول تعالى: فمن قتل بعد أخذ الدية أو قبولها، فله عذاب من الله أليم موجع شديد.
QS 2:178-179 (jilid 1 hlm. 491) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 1 · hlm. 491 · #81937
، نحو هذا. وقوله: (فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ) يقول تعالى: فمن قتل بعد أخذ الدية أو قبولها، فله عذاب من الله أليم موجع شديد. وكذا رُوي عن ابن عباس، ومجاهد، وعطاء، وعكرمة، والحسن، وقتادة، والربيع بن أنس، والسدي، ومقاتل بن حيان: أنه هو الذي يقتل بعد أخذ الدية، كما قال محمد بن إسحاق، عن الحارث بن فضيل، عن سفيان بن أبي العوجاء، عن أبي شريح الخزاعي: أن النبي ﷺ قال: "من أصيب بقتل أو خَبْل فإنه يختار إحدى ثلاث: إما أن يقتص، وإما أن يعفو، وإما أن يأخذ الدية؛ فإن أراد الرابعة فخذوا على يديه.
QS 2:178-179 (jilid 1 hlm. 491) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 1 · hlm. 491 · #81938
الخزاعي: أن النبي ﷺ قال: "من أصيب بقتل أو خَبْل فإنه يختار إحدى ثلاث: إما أن يقتص، وإما أن يعفو، وإما أن يأخذ الدية؛ فإن أراد الرابعة فخذوا على يديه. ومن اعتدى بعد ذلك فله نار جهنم خالدا فيها" رواه أحمد. وقال سعيد بن أبي عَرُوبَة، عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة، قال: قال رسول الله ﷺ: "لا أعافي رجلا قتل بعد أخذ الدية -يعني: لا أقبل منه الدية -بل أقتله". وقوله: (وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ) يقول تعالى: وفي شَرْع القصاص لكم -وهو قتل القاتل -حكمة عظيمة لكم، وهي بقاء المُهَج وصَوْنها؛ لأنه إذا علم القاتلُ أنه يقتل انكفّ عن صنيعه، فكان في ذلك حياة النفوس. وفي الكتب المتقدمة: القتلُ أنفى للقتل.
QS 2:178-179 (jilid 1 hlm. 492) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 1 · hlm. 492 · #81939
ة عظيمة لكم، وهي بقاء المُهَج وصَوْنها؛ لأنه إذا علم القاتلُ أنه يقتل انكفّ عن صنيعه، فكان في ذلك حياة النفوس. وفي الكتب المتقدمة: القتلُ أنفى للقتل. فجاءت هذه العبارة في القرآن أفصح، وأبلغ، وأوجز. (وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ) قال أبو العالية: جعل الله القصاص حياة، فكم من رجل يريد أن يقتُل، فتمنعه مخافة أن يُقتل. وكذا روي عن مجاهد، وسعيد بن جبير، وأبي مالك، والحسن، وقتادة، والربيع بن أنس، ومقاتل بن حيان، (يَا أُولِي الألْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) يقول: يا أولي العقول والأفهام والنهى، لعلكم تنزجرون فتتركون محارم الله ومآثمه، والتقوى: اسم جامع لفعل الطاعات وترك المنكرات.
QS 2:178 (jilid 2 hlm. 134) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 134 · #111120
[سُورَة الْبَقَرَة (٢) : آيَة ١٧٨] يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ فِي الْقَتْلى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثى بِالْأُنْثى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّباعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَداءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسانٍ ذلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدى بَعْدَ ذلِكَ فَلَهُ عَذابٌ أَلِيمٌ (١٧٨) أُعِيد الْخطاب بيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِأَنَّ هَذَا صِنْفٌ مِنَ التَّشْرِيعِ لِأَحْكَامٍ ذَاتِ بَالٍ فِي صَلَاحِ الْمُجْتَمَعِ الْإِسْلَامِيِّ وَاسْتِتْبَابِ نِظَامِهِ وَأَمْنِهِ حِينَ صَارَ الْمُسْلِمُونَ بَعْدَ الْهِجْرَةِ جَمَاعَةً ذَاتَ اسْتِقْلَالٍ بِنَفْسِهَا وَمَدِينَتِهَا، فَإِنَّ هَاتِهِ الْآيَاتِ كَانَتْ مِنْ أَوَّلِ مَا أُنْزِلَ بِالْمَدِينَةِ عَامَ الْهِجْرَةِ كَمَا ذَكَرَهُ الْمُفَسِّرُونَ فِي سَبَبِ نُزُولِهَا فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى بَعْدَ هَذَا: وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ
QS 2:178 (jilid 2 hlm. 134) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 134 · #111121
لْهِجْرَةِ كَمَا ذَكَرَهُ الْمُفَسِّرُونَ فِي سَبَبِ نُزُولِهَا فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى بَعْدَ هَذَا: وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ [الْبَقَرَة: ١٩٠] الْآيَةَ. تِلْكَ أَحْكَامٌ مُتَتَابِعَةٌ مِنْ إِصْلَاحِ أَحْوَالِ الْأَفْرَادِ وَأَحْوَالِ الْمُجْتَمَعِ، وَابْتُدِئَ بِأَحْكَامِ الْقِصَاصِ، لِأَنَّ أَعْظَمَ شَيْءٍ مِنِ اخْتِلَالِ الْأَحْوَالِ اخْتِلَالُ حِفْظِ نُفُوسِ الْأُمَّةِ، وَقَدْ أَفْرَطَ الْعَرَبُ فِي إِضَاعَةِ هَذَا الْأَصْلِ، يَعْلَمُ ذَلِكَ مَنْ لَهُ إِلْمَامٌ بِتَارِيخِهِمْ وَآدَابِهِمْ وَأَحْوَالِهِمْ، فَقَدْ بَلَغَ بِهِمْ تَطَرُّفُهُمْ فِي ذَلِكَ إِلَى وَشْكِ الْفَنَاءِ لَوْ طَالَ ذَلِكَ فَلَمْ يَتَدَارَكْهُمُ اللَّهُ فِيهِ بِنِعْمَةِ الْإِسْلَامِ،
QS 2:178 (jilid 2 hlm. 134) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 134 · #111122
فَقَدْ بَلَغَ بِهِمْ تَطَرُّفُهُمْ فِي ذَلِكَ إِلَى وَشْكِ الْفَنَاءِ لَوْ طَالَ ذَلِكَ فَلَمْ يَتَدَارَكْهُمُ اللَّهُ فِيهِ بِنِعْمَةِ الْإِسْلَامِ، فَكَانُوا يُغِيرُ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ لِغَنِيمَةِ أَنْعَامِهِ وَعَبِيدِهِ وَنِسَائِهِ فَيُدَافِعُ الْمُغَارُ عَلَيْهِ وَتَتْلَفُ نُفُوسٌ بَيْنَ الْفَرِيقَيْنِ ثُمَّ يَنْشَأُ عَنْ ذَلِكَ طَلَبُ الثَّارَاتِ فَيَسْعَى كُلُّ مَنْ قُتِلَ لَهُ قَتِيلٌ فِي قَتْلِ قَاتِلِ وَلِيِّهِ وَإِنْ أَعْوَزَهُ ذَلِكَ قَتَلَ بِهِ غَيْرَهُ مِنْ وَاحِدٍ كُفْءٍ لَهُ، أَو عدد يَرَاهُمْ لَا يُوَازُونَهُ وَيُسَمُّونَ ذَلِكَ بِالتَّكَايُلِ فِي الدَّمِ أَيْ كَأَنَّ دَمَ الشَّرِيفِ يُكَالُ بِدِمَاءٍ كَثِيرَةٍ فَرُبَّمَا قَدَّرُوهُ بِاثْنَيْنِ أَوْ بِعَشَرَةٍ أَوْ بِمِائَةٍ، وَهَكَذَا يَدُورُ الْأَمْرُ وَيَتَزَايَدُ تَزَايُدًا فَاحِشًا حَتَّى يَصِيرَ تَفَانِيًا قَالَ زُهَيْرٌ: تَدَارَكْتُمَا عَبْسًا وَذُبْيَانَ بَعَدَ مَا ...
QS 2:178 (jilid 2 hlm. 135) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 135 · #111123
كَذَا يَدُورُ الْأَمْرُ وَيَتَزَايَدُ تَزَايُدًا فَاحِشًا حَتَّى يَصِيرَ تَفَانِيًا قَالَ زُهَيْرٌ: تَدَارَكْتُمَا عَبْسًا وَذُبْيَانَ بَعَدَ مَا ... تَفَانَوْا وَدَقُّوا بَيْنَهُمْ عِطْرَ مَنْشِمِ وَيَنْتَقِلُ الْأَمْرُ مِنْ قَبِيلَةٍ إِلَى قَبِيلَةٍ بِالْوَلَاءِ وَالنَّسَبِ وَالْحِلْفِ وَالنُّصْرَةِ، حَتَّى صَارَتِ الْإِحَنُ فَاشِيَّةً فَتَخَاذَلُوا بَيْنَهُمْ وَاسْتَنْصَرَ بَعْضُ الْقَبَائِلِ عَلَى بَعْضٍ فَوَجَدَ الْفُرْسُ وَالرُّومُ مَدْخَلًا إِلَى التَّفْرِقَةِ بَيْنَهُمْ فَحَكَمُوهُمْ وَأَرْهَبُوهُمْ، وَإِلَى هَذَا الْإِشَارَةُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ ...
QS 2:178 (jilid 2 hlm. 135) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 135 · #111124
ْنَهُمْ فَحَكَمُوهُمْ وَأَرْهَبُوهُمْ، وَإِلَى هَذَا الْإِشَارَةُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ ... حَتَّى فَأَنْقَذَكُمْ مِنْها [آل عمرَان: ١٠٣] أَيْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً بِأَسْبَابِ الْغَارَاتِ وَالْحُرُوبِ فَأَلَفَّ بَيْنَكُمْ بِكَلِمَةِ الْإِسْلَامِ، وَكُنْتُمْ عَلَى وَشْكِ الْهَلَاكِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهُ فَضَرَبَ مَثَلًا لِلْهَلَاكِ الْعَاجِلِ الَّذِي لَا يُبْقِي شَيْئًا بِحُفْرَةِ النَّارِ فَالْقَائِمُ عَلَى حَافَّتِهَا لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْهَلَاكِ إِلَّا أَقَلُّ حَرَكَةٍ.
QS 2:178 (jilid 2 hlm. 135) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 135 · #111125
الْعَاجِلِ الَّذِي لَا يُبْقِي شَيْئًا بِحُفْرَةِ النَّارِ فَالْقَائِمُ عَلَى حَافَّتِهَا لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْهَلَاكِ إِلَّا أَقَلُّ حَرَكَةٍ. فَمَعْنَى كُتِبَ عَلَيْكُمُ أَنَّهُ حَقٌّ لَازِمٌ لِلْأُمَّةِ لَا مَحِيدَ عَنِ الْأَخْذِ بِهِ فَضَمِيرُ عَلَيْكُمُ لِمَجْمُوعِ الْأُمَّةِ عَلَى الْجُمْلَةِ لِمَنْ تَوَجَّهَ لَهُ حَقُّ الْقِصَاصِ وَلَيْسَ الْمُرَادُ عَلَى كُلِّ فَرْدٍ فَرْدٍ الْقِصَاصُ، لِأَنَّ وَلِيَّ الدَّمِ لَهُ الْعَفْوُ عَنْ دَمِ وَلِيِّهِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّباعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَصْلُ الْكِتَابَةِ نَقْشُ الْحُرُوفِ فِي حَجَرٍ أَوْ رَقٍّ أَوْ ثَوْبٍ وَلَمَّا كَانَ ذَلِكَ النَّقْشُ يُرَادُ بِهِ التَّوَثُّق بِمَا نُقِشَ بِهِ دوَام تَذَكُّرِهِ أَطْلَقَ كتب على معنى حَقَّ وَثَبَتَ أَيْ حَقَّ لِأَهْلِ الْقَتِيلِ.
QS 2:178 (jilid 2 hlm. 135) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 135 · #111126
انَ ذَلِكَ النَّقْشُ يُرَادُ بِهِ التَّوَثُّق بِمَا نُقِشَ بِهِ دوَام تَذَكُّرِهِ أَطْلَقَ كتب على معنى حَقَّ وَثَبَتَ أَيْ حَقَّ لِأَهْلِ الْقَتِيلِ. وَالْقِصَاصُ اسْمٌ لِتَعْوِيضِ حَقِّ جِنَايَةٍ أَوْ حَقِّ غُرْمٍ عَلَى أَحَدٍ بِمِثْلِ ذَلِكَ مِنْ عِنْدِ الْمَحْقُوقِ إِنْصَافًا وَعَدْلًا، فَالْقِصَاصُ يُطْلَقُ عَلَى عُقُوبَةِ الْجَانِي بِمِثْلِ مَا جَنَى، وَعَلَى مُحَاسَبَةِ رَبِّ الدَّيْنِ بِمَا عَلَيْهِ لِلْمَدِينِ مِنْ دَيْنٍ يَفِي بِدَيْنِهِ، فَإِطْلَاقَاتُهُ كُلُّهَا تَدُلُّ عَلَى التَّعَادُلِ وَالتَّنَاصُفِ فِي الْحُقُوقِ وَالتَّبِعَاتِ الْمَعْرُوضَةِ لِلْغَمْصِ.
QS 2:178 (jilid 2 hlm. 135) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 135 · #111127
دَيْنٍ يَفِي بِدَيْنِهِ، فَإِطْلَاقَاتُهُ كُلُّهَا تَدُلُّ عَلَى التَّعَادُلِ وَالتَّنَاصُفِ فِي الْحُقُوقِ وَالتَّبِعَاتِ الْمَعْرُوضَةِ لِلْغَمْصِ. وَهُوَ بِوَزْنِ فِعَالٍ وَهُوَ وَزْنُ مَصْدَرِ فَاعَلَ مِنَ الْقَصِّ وَهُوَ الْقَطْعُ وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ: طَائِرٌ مَقْصُوصُ الْجَنَاحِ وَمِنْهُ سُمِّيَ الْمِقَصُّ لِآلَةِ الْقَصِّ أَيِ الْقَطْعِ وَقُصَّةُ الشَّعْرِ بِضَمِّ الْقَافِ مَا يُقَصُّ مِنْهُ لِأَنَّهُ يَجْرِي فِي حَقَّيْنِ مُتَبَادِلَيْنِ بَيْنَ جَانِبَيْنِ يُقَالُ قَاصَّ فُلَانٍ فُلَانًا إِذَا طَرَحَ مِنْ دَيْنٍ فِي ذِمَّتِهِ مِقْدَارًا بدين لَهُ فِي ذِمَّةِ الْآخَرِ فَشُبِّهَ التَّنَاصُفُ بِالْقَطْعِ لِأَنَّهُ يَقْطَعُ النِّزَاعَ النَّاشِبَ قَبْلَهُ، فَلِذَلِكَ سُمِّيَ الْقَوْدُ وَهُوَ تَمْكِينُ وَلِيِّ الْمَقْتُولِ مِنْ قَتْلِ قَاتِلِ مَوْلَاهُ قِصَاصًا قَالَ تَعَالَى: وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ [الْبَقَرَة: ١٧٩] ، وَسُمِّيتْ عُقُوبَةُ مَنْ يَجْرَحُ أَحَدًا جُرْحًا عَمْدًا
QS 2:178 (jilid 2 hlm. 136) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 136 · #111128
َاتِلِ مَوْلَاهُ قِصَاصًا قَالَ تَعَالَى: وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ [الْبَقَرَة: ١٧٩] ، وَسُمِّيتْ عُقُوبَةُ مَنْ يَجْرَحُ أَحَدًا جُرْحًا عَمْدًا عُدْوَانًا بِأَنْ يَجْرَحَ ذَلِكَ الْجَارِحَ مِثْلَ مَا جَرَحَ غَيْرَهُ قِصَاصًا قَالَ تَعَالَى: وَالْجُرُوحَ قِصاصٌ [الْمَائِدَة: ٤٥] وَسَمُّوا مُعَامَلَةَ الْمُعْتَدِي بِمِثْلِ جُرْمِهِ قِصَاصًا وَالْحُرُماتُ قِصاصٌ [الْبَقَرَة: ١٩٤] ، فَمَاهِيَّةُ الْقِصَاصِ تَتَضَمَّنُ مَاهِيَّةَ التَّعْوِيضِ وَالتَّمَاثُلِ.
QS 2:178 (jilid 2 hlm. 136) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 136 · #111129
ْتَدِي بِمِثْلِ جُرْمِهِ قِصَاصًا وَالْحُرُماتُ قِصاصٌ [الْبَقَرَة: ١٩٤] ، فَمَاهِيَّةُ الْقِصَاصِ تَتَضَمَّنُ مَاهِيَّةَ التَّعْوِيضِ وَالتَّمَاثُلِ. فَقَوْلُهُ تَعَالَى: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ فِي الْقَتْلى يَتَحَمَّلُ مَعْنَى الْجَزَاءِ عَلَى الْقَتْلِ بِالْقَتْلِ لِلْقَاتِلِ وَتَتَحَمَّلُ مَعْنَى التَّعَادُلِ وَالتَّمَاثُلِ فِي ذَلِكَ الْجَزَاءِ بِمَا هُوَ كَالْعِوَضِ لَهُ وَالْمِثْلِ، وَتَتَحَمَّلُ مَعْنَى أَنَّهُ لَا يُقْتَلُ غَيْرُ الْقَاتِلِ مِمَّنْ لَا شَرِكَةَ لَهُ فِي قَتْلِ الْقَتِيلِ فَأَفَادَ قَوْلُهُ: كُتِبَ عَلَيْكُمُ حَقَّ الْمُؤَاخَذَةِ بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي قَتْلِ الْقَتْلَى فَلَا يَذْهَبُ حَقُّ قَتِيلٍ بَاطِلًا وَلَا يُقْتَلُ غَيْرُ الْقَاتِلِ بَاطِلًا، وَذَلِكَ إِبْطَالٌ لِمَا كَانُوا عَلَيْهِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مِنْ إِهْمَالِ دَمِ الْوَضِيعِ إِذَا قَتَلَهُ الشَّرِيفُ وَإِهْمَالِ حَقِّ الضَّعِيفِ إِذَا قَتَلَهُ الْقَوِيُّ الَّذِي يُخْشَى قَوْمُهُ، وَمِنْ
QS 2:178 (jilid 2 hlm. 136) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 136 · #111130
يَّةِ مِنْ إِهْمَالِ دَمِ الْوَضِيعِ إِذَا قَتَلَهُ الشَّرِيفُ وَإِهْمَالِ حَقِّ الضَّعِيفِ إِذَا قَتَلَهُ الْقَوِيُّ الَّذِي يُخْشَى قَوْمُهُ، وَمِنْ تَحَكُّمِهِمْ بِطَلَبِ قَتْلِ غَيْرِ الْقَاتِلِ إِذَا قَتَلَ أَحَدٌ رَجُلًا شَرِيفًا يَطْلُبُونَ قَتْلَ رَجُلٍ شَرِيفٍ مِثْلِهِ بِحَيْثُ لَا يَقْتُلُونَ الْقَاتِلَ إِلَّا إِذَا كَانَ بَوَاءً للمقتول أَي كف ءا لَهُ فِي الشَّرَفِ وَالْمَجْدِ وَيَعْتَبِرُونَ قِيمَةَ الدِّمَاءِ مُتَفَاوِتَةً بِحَسب تفَاوت السودد وَالشَّرَفِ وَيُسَمُّونَ ذَلِكَ التَّفَاوُتَ تَكَايُلًا مِنَ الْكَيْلِ، قَالَتِ ابْنَةُ بَهْدَلِ بْنِ قَرَقَةَ الطَّائِيِّ تَسْتَثِيرُ رَهْطَهَا عَلَى قَتْلِ رَجُلٍ قَتَلَ أَبَاهَا وَتَذْكُرُ أَنَّهَا مَا كَانَتْ تَقْنَعُ بِقَتْلِهِ بِهِ لَوْلَا أَنَّ الْإِسْلَامَ أَبْطَلَ تَكَايُلَ الدِّمَاءِ: أَمَا فِي بَنِي حِصْنٍ مِنِ ابْنِ كَرِيهَةَ ... مِنَ الْقَوْمِ طَلَّابِ التِّرَاتِ غَشَمْشَمِ فَيَقْتُلُ جَبْرًا بِامْرِئٍ لَمْ يَكُنْ لَهُ ...
QS 2:178 (jilid 2 hlm. 136) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 136 · #111131
مَاءِ: أَمَا فِي بَنِي حِصْنٍ مِنِ ابْنِ كَرِيهَةَ ... مِنَ الْقَوْمِ طَلَّابِ التِّرَاتِ غَشَمْشَمِ فَيَقْتُلُ جَبْرًا بِامْرِئٍ لَمْ يَكُنْ لَهُ ... بَوَاءً وَلَكِنْ لَا تَكَايُلَ بِالدَّمِ (١) قَالَ النَّبِيءُ ﷺ «الْمُسْلِمُونَ تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ» . وَقَدْ ثَبَتَ بِهَذِهِ الْآيَةِ شَرْعُ الْقِصَاصِ فِي قَتْلِ الْعَمْدِ، وَحِكْمَةُ ذَلِكَ رَدْعُ أَهْلِ الْعُدْوَانِ عِنْدَ الْإِقْدَامِ عَلَى قَتْلِ الْأَنْفُسِ إِذَا عَلِمُوا أَنَّ جَزَاءَهُمُ الْقَتْلُ، فَإِنَّ الْحَيَاةَ أَعَزُّ شَيْءٍ عَلَى الْإِنْسَانِ فِي الْجِبِلَّةِ فَلَا تُعَادِلُ عُقُوبَةٌ الْقَتْلَ فِي الرَّدْعِ وَالِانْزِجَارِ، وَمِنْ حِكْمَةِ ذَلِكَ تَطْمِينُ أَوْلِيَاءِ الْقَتْلَى بِأَنَّ الْقَضَاءَ يَنْتَقِمُ لَهُمْ مِمَّنِ اعْتَدَى عَلَى قَتِيلِهِمْ قَالَ تَعَالَى: وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطاناً فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كانَ مَنْصُوراً [الْإِسْرَاء: ٣٣] أَيْ لِئَلَّا
QS 2:178 (jilid 2 hlm. 136) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 136 · #111132
َى: وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطاناً فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كانَ مَنْصُوراً [الْإِسْرَاء: ٣٣] أَيْ لِئَلَّا يَتَصَدَّى أَوْلِيَاءُ الْقَتِيلِ لِلِانْتِقَامِ مِنْ قَاتِلِ مَوْلَاهُمْ بِأَنْفُسِهِمْ لِأَنَّ ذَلِكَ يُفْضِي إِلَى صُورَةِ الْحَرْبِ بَيْنَ رَهْطَيْنِ فَيَكْثُرُ فِيهِ إِتْلَافُ الْأَنْفُسِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْكَلَامِ عَلَى صَدْرِ الْآيَةِ، وَيَأْتِي عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ [الْبَقَرَة: ١٧٩] . وَأَوَّلُ دَمٍ أُقِيدَ بِهِ فِي الْإِسْلَامِ دَمُ رَجُلٍ مِنْ هُذَيْلٍ قَتَلَهُ رَجُلٌ مِنْ بَنِي لَيْثٍ فَأَقَادَ مِنْهُ النَّبِيءُ ﷺ وَهُوَ سَائِرٌ إِلَى فَتْحِ الطَّائِفِ بِمَوْضِعٍ يُقَالُ لَهُ: بَحْرَةَ الرُّغَاءِ فِي طَرِيقِ الطَّائِفِ وَذَلِكَ سَنَةَ ثَمَانٍ مِنَ الْهِجْرَةِ.
QS 2:178 (jilid 2 hlm. 137) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 137 · #111133
ﷺ وَهُوَ سَائِرٌ إِلَى فَتْحِ الطَّائِفِ بِمَوْضِعٍ يُقَالُ لَهُ: بَحْرَةَ الرُّغَاءِ فِي طَرِيقِ الطَّائِفِ وَذَلِكَ سَنَةَ ثَمَانٍ مِنَ الْهِجْرَةِ. وفِي مِنْ قَوْلِهِ: فِي الْقَتْلى، لِلظَّرْفِيَّةِ الْمَجَازِيَّةِ وَالْقِصَاصُ لَا يَكُونُ فِي ذَوَاتِ الْقَتْلَى، فَتَعَيَّنَ تَقْدِيرُ مُضَافٍ وَحَذْفُهُ هُنَا لِيَشْمَلَ الْقصاص سَائِر شؤون الْقَتْلَى وَسَائِرَ مَعَانِي الْقِصَاصِ فَهُوَ إِيجَازٌ وَتَعْمِيمٌ. وَجَمْعُ الْقَتْلى بِاعْتِبَارِ جَمْعِ الْمُخَاطَبِينَ أَيْ فِي قَتْلَاكُمْ، وَالتَّعْرِيفُ فِي الْقَتْلَى تَعْرِيفُ الْجِنْسِ، وَالْقَتِيلُ هُوَ مَنْ يَقْتُلُهُ غَيْرُهُ مِنَ النَّاسِ وَالْقَتْلُ فِعْلُ الْإِنْسَانِ إِمَاتَةَ إِنْسَانٍ آخَرَ فَلَيْسَ الْمَيِّتُ بِدُونِ فِعْلِ فَاعِلٍ قَتِيلًا.
QS 2:178 (jilid 2 hlm. 137) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 137 · #111134
مَنْ يَقْتُلُهُ غَيْرُهُ مِنَ النَّاسِ وَالْقَتْلُ فِعْلُ الْإِنْسَانِ إِمَاتَةَ إِنْسَانٍ آخَرَ فَلَيْسَ الْمَيِّتُ بِدُونِ فِعْلِ فَاعِلٍ قَتِيلًا. وَجُمْلَةُ الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثى بِالْأُنْثى بَيَانٌ وَتَفْصِيلٌ لِجُمْلَةِ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ فِي الْقَتْلى فَالْبَاءُ فِي قَوْلِهِ: بِالْحُرِّ وَمَا بَعْدَهُ، مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ مَعْنَى الْقِصَاصِ وَالتَّقْدِيرِ الْحُرُّ يَقْتَصُّ أَوْ يُقْتَلُ بِالْحُرِّ إِلَخْ وَمَفْهُومُ الْقَيْدِ مَعَ مَا فِي الْحُرِّ وَالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى مِنْ مَعْنَى الْوَصْفِيَّةِ يَقْتَضِي أَنَّ الْحُرَّ يُقْتَلُ بِالْحُرِّ لَا بِغَيْرِهِ وَالْعَبْدَ يُقْتَلُ بِالْعَبْدِ لَا بِغَيْرِهِ، وَالْأُنْثَى تُقْتَلُ بِالْأُنْثَى لَا بِغَيْرِهَا.
QS 2:178 (jilid 2 hlm. 137) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 137 · #111135
أَنَّ الْحُرَّ يُقْتَلُ بِالْحُرِّ لَا بِغَيْرِهِ وَالْعَبْدَ يُقْتَلُ بِالْعَبْدِ لَا بِغَيْرِهِ، وَالْأُنْثَى تُقْتَلُ بِالْأُنْثَى لَا بِغَيْرِهَا. وَقَدِ اتَّفَقَ عُلَمَاءُ الْإِسْلَامِ عَلَى أَنَّ هَذَا الْمَفْهُومَ غَيْرُ مَعْمُولٍ بِهِ بِاطِّرَادٍ، لَكِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي الْمِقْدَارِ الْمَعْمُولِ بِهِ مِنْهُ بِحَسَبِ اخْتِلَافِ الْأَدِلَّةِ الثَّابِتَةِ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَفِي الْمُرَادِ مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ وَمَحْمَلِ مَعْنَاهَا، فَفِي «الْمُوَطَّأِ» «قَالَ مَالِكٌ أَحْسُنُ مَا سَمِعْتُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ فَهَؤُلَاءِ الذُّكُورُ وَقَوْلَهُ: وَالْأُنْثى بِالْأُنْثى أَنَّ الْقِصَاصَ يَكُونُ بَيْنَ الْإِنَاثِ كَمَا يَكُونُ بَيْنَ الذُّكُورِ وَالْمَرْأَةُ الْحُرَّةُ تُقْتَلُ بِالْمَرْأَةِ الْحُرَّةِ كَمَا يُقْتَلُ الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْأَمَةُ تُقْتَلُ بِالْأَمَةِ كَمَا يُقْتَلُ الْعَبْدُ
QS 2:178 (jilid 2 hlm. 137) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 137 · #111136
َالْمَرْأَةُ الْحُرَّةُ تُقْتَلُ بِالْمَرْأَةِ الْحُرَّةِ كَمَا يُقْتَلُ الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْأَمَةُ تُقْتَلُ بِالْأَمَةِ كَمَا يُقْتَلُ الْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْقِصَاصُ يَكُونُ بَيْنَ النِّسَاءِ كَمَا يكون يبن الرِّجَالِ. وَالْقِصَاصُ أَيْضًا يَكُونُ بَيْنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ» . أَيْ وَخُصَّتِ الْأُنْثَى بِالذِّكْرِ مَعَ أَنَّهَا مَشْمُولَةٌ لِعُمُومِ الْحُرِّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدِ لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ أَنَّ صِيغَةَ التَّذْكِيرِ فِي قَوْلِهِ: الْحُرُّ وَقَوْلِهِ: الْعَبْدُ مُرَادٌ بِهَا خُصُوصُ الذُّكُورِ. قَالَ الْقُرْطُبِيُّ عَنْ طَائِفَةٍ إِنَّ الْآيَةَ جَاءَتْ مُبَيِّنَةً لِحُكْمِ النَّوْعِ إِذَا قَتَلَ نَوْعَهُ فَبَيَّنَتْ حُكْمَ الْحُرِّ
QS 2:178 (jilid 2 hlm. 137) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 137 · #111137
لذُّكُورِ. قَالَ الْقُرْطُبِيُّ عَنْ طَائِفَةٍ إِنَّ الْآيَةَ جَاءَتْ مُبَيِّنَةً لِحُكْمِ النَّوْعِ إِذَا قَتَلَ نَوْعَهُ فَبَيَّنَتْ حُكْمَ الْحُرِّ إِذَا قَتَلَ حُرًّا وَالْعَبْدِ إِذَا قَتَلَ عَبْدًا وَالْأُنْثَى إِذَا قَتَلَتْ أُنْثَى وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِأَحَدِ النَّوْعَيْنِ إِذَا قَتَلَ الْآخَرَ، فَالْآيَةُ مُحْكَمَةٌ وَفِيهَا إِجْمَالٌ يُبَيِّنُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أَنَّ النَّفْسَ [الْمَائِدَة: ٤٥] الْآيَة اهـ.
QS 2:178 (jilid 2 hlm. 138) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 138 · #111138
َ، فَالْآيَةُ مُحْكَمَةٌ وَفِيهَا إِجْمَالٌ يُبَيِّنُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أَنَّ النَّفْسَ [الْمَائِدَة: ٤٥] الْآيَة اهـ. وَعَلَى هَذَا الْوَجْهِ فَالتَّقْيِيدُ لِبَيَانِ عَدَمِ التَّفَاضُلِ فِي أَفْرَادِ النَّوْعِ، وَلَا مَفْهُومَ لَهُ فِيمَا عَدَا ذَلِكَ مِنْ تَفَاضُلِ الْأَنْوَاعِ إِثْبَاتًا وَلَا نَفْيًا، وَقَالَ الشَّعْبِيُّ: نَزَلَتْ فِي قَوْمٍ قَالُوا: لَنَقْتُلَنَّ الْحُرَّ بِالْعَبْدِ وَالذَّكَرَ بِالْأُنْثَى، وَذَلِكَ وَقَعَ فِي قِتَالٍ بَيْنَ حَيَّيْنِ مِنَ الْأَنْصَارِ، وَلَمْ يَثْبُتْ هَذَا الَّذِي رَوَاهُ وَهُوَ لَا يُغْنِي فِي إِقَامَةِ مَحْمَلِ الْآيَةِ.
QS 2:178 (jilid 2 hlm. 138) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 138 · #111139
َلِكَ وَقَعَ فِي قِتَالٍ بَيْنَ حَيَّيْنِ مِنَ الْأَنْصَارِ، وَلَمْ يَثْبُتْ هَذَا الَّذِي رَوَاهُ وَهُوَ لَا يُغْنِي فِي إِقَامَةِ مَحْمَلِ الْآيَةِ. وَعَلَى هَذَيْنِ التَّأْوِيلَيْنِ لَا اعْتِبَارَ بِعُمُومِ مَفْهُومِ الْقَيْدِ لِأَنَّ شَرْطَ اعْتِبَارِهِ أَلَّا يَظْهَرَ لِذِكْرِ الْقَيْدِ سَبَبٌ إِلَّا الِاحْتِرَازَ عَنْ نَقِيضِهِ، فَإِذَا ظَهَرَ سَبَبٌ غَيْرُ الِاحْتِرَازِ بَطَلَ الِاحْتِجَاجُ بِالْمَفْهُومِ، وَحِينَئِذٍ فَلَا دَلَالَةَ فِي الْآيَةِ عَلَى أَلَّا يُقْتَلَ حُرٌّ بِعَبْدٍ وَلَا أُنْثَى بِذَكَرٍ وَلَا عَلَى عَكْسِ ذَلِكَ، وَإِنَّ دَلِيلَ الْمُسَاوَاةِ بَيْنَ الْأُنْثَى وَالذَّكَرِ وَعَدَمِ الْمُسَاوَاةِ بَيْنَ الْعَبْدِ وَالْحُرِّ عِنْدَ مَنْ نَفَى الْمُسَاوَاةَ مُسْتَنْبَطٌ مِنْ أَدِلَّةٍ أُخْرَى.
QS 2:178 (jilid 2 hlm. 138) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 138 · #111140
بَيْنَ الْأُنْثَى وَالذَّكَرِ وَعَدَمِ الْمُسَاوَاةِ بَيْنَ الْعَبْدِ وَالْحُرِّ عِنْدَ مَنْ نَفَى الْمُسَاوَاةَ مُسْتَنْبَطٌ مِنْ أَدِلَّةٍ أُخْرَى. الثَّالِثُ: نُقِلَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ هَذَا كَانَ حُكْمًا فِي صَدْرِ الْإِسْلَامِ ثُمَّ نُسِخَ بِآيَةِ الْمَائِدَةِ أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ [الْمَائِدَة: ٤٥] وَنَقَلَهُ فِي «الْكَشَّافِ» عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ وَالنَّخَعِيِّ وَالثَّوْرِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ، وَرَدَّهُ ابْنُ عَطِيَّةَ وَالْقُرْطُبِيُّ بِأَنَّ آيَةَ الْمَائِدَةِ حِكَايَةٌ عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ فَكَيْفَ تَصْلُحُ نَسْخًا لِحُكْمٍ ثَبَتَ فِي شَرِيعَةِ الْإِسْلَامِ، أَيْ حَتَّى عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ شَرْعَ مَنْ قَبْلَنَا شَرْعٌ لَنَا فَمَحَلُّهُ مَا لم يَأْتِي فِي شَرْعِنَا خِلَافُهُ.
QS 2:178 (jilid 2 hlm. 138) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 138 · #111141
فِي شَرِيعَةِ الْإِسْلَامِ، أَيْ حَتَّى عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ شَرْعَ مَنْ قَبْلَنَا شَرْعٌ لَنَا فَمَحَلُّهُ مَا لم يَأْتِي فِي شَرْعِنَا خِلَافُهُ. وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ فِي «الْأَحْكَامِ» عَنِ الْحَنَفِيَّةِ: إِنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: فِي الْقَتْلى هُوَ نِهَايَةُ الْكَلَامِ وَقَوْلَهُ: الْحُرُّ بِالْحُرِّ جَاءَ بَعْدَ ذَلِكَ وَقَدْ ثَبَتَ عُمُومُ الْمُسَاوَاةِ بِقَوْلِهِ: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ فِي الْقَتْلى لِأَنَّ الْقَتْلَى عَامٌّ وَخُصُوصُ آخِرِ الْآيَةِ لَا يُبْطِلُ عُمُومَ أَوَّلِهَا، وَلِذَلِكَ قَالُوا يُقْتَلُ الْحُرُّ بِالْعَبْدِ، قُلْتُ: يَرِدُ عَلَى هَذَا أَنَّهُ لَا فَائِدَةَ فِي التَّفْصِيلِ لَوْ لَمْ يَكُنْ مَقْصُودًا وَأَنَّ الْكَلَامَ بِأَوَاخِرِهِ فَالْخَاصُّ يُخَصِّصُ الْعَامَّ لَا مَحَالَةَ، وَأَنَّهُ لَا مَحِيصَ مِنِ اعْتِبَارِ كَوْنِهِ تَفْصِيلًا إِلَّا أَنْ يَقُولُوا إِنَّ ذَلِكَ كَالتَّمْثِيلِ، وَالْمَنْقُولُ عَنِ الْحَنَفِيَّةِ فِي «الْكَشَّافِ» هُوَ
QS 2:178 (jilid 2 hlm. 138) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 138 · #111142
حِيصَ مِنِ اعْتِبَارِ كَوْنِهِ تَفْصِيلًا إِلَّا أَنْ يَقُولُوا إِنَّ ذَلِكَ كَالتَّمْثِيلِ، وَالْمَنْقُولُ عَنِ الْحَنَفِيَّةِ فِي «الْكَشَّافِ» هُوَ مَا ذَكَرْنَاهُ آنِفًا. وَيَبْقَى بَعْدَ هَاتِهِ التَّأْوِيلَاتِ سُؤَالٌ قَائِمٌ عَنْ وَجْهِ تَخْصِيصِ الْأُنْثَى بَعْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَهَلْ تَخْرُجُ الْأُنْثَى عَنْ كَوْنِهَا حُرَّةً أَوْ أَمَةً بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدِ الْجِنْسَانِ إِذْ لَيْسَ صِيغَةُ الذُّكُورِ فِيهَا لِلِاحْتِرَازِ عَنِ النِّسَاءِ مِنْهُمْ فَإِنَّ (الْ) لَمَّا صَيَّرَتْهُ اسْمَ جِنْسٍ صَارَ الْحُكْمُ عَلَى الْجِنْسِ وَبَطَلَ مَا فِيهِ مِنْ صِيغَةِ تَأْنِيثٍ كَمَا يَبْطُلُ مَا فِيهِ مِنْ صِيغَةِ جَمْعٍ إِنْ كَانَتْ فِيهِ.
QS 2:178 (jilid 2 hlm. 139) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 139 · #111143
سْمَ جِنْسٍ صَارَ الْحُكْمُ عَلَى الْجِنْسِ وَبَطَلَ مَا فِيهِ مِنْ صِيغَةِ تَأْنِيثٍ كَمَا يَبْطُلُ مَا فِيهِ مِنْ صِيغَةِ جَمْعٍ إِنْ كَانَتْ فِيهِ. وَلِأَجْلِ هَذَا الْإِشْكَالِ سَأَلْتُ الْعَلَّامَةَ الْجِدَّ الْوَزِيرَ ﵀ عَنْ وَجْهِ مَجِيءِ هَذِهِ الْمُقَابَلَةِ الْمُشْعِرَةِ بِأَلَّا يُقْتَصَّ مِنْ صِنْفٍ إِلَّا لِقَتْلِ مُمَاثِلِهِ فِي الصِّفَةِ فَتَرَكَ لِي وَرَقَةً بِخَطِّهِ فِيهَا مَا يَأْتِي: الظَّاهِرُ وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ أَنَّ الْآيَةَ (يَعْنِي آيَةَ سُورَةِ الْمَائِدَةِ) نَزَلَتْ إِعْلَامًا بِالْحُكْمِ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ تَأْنِيسًا وَتَمْهِيدًا لِحُكْمِ الشَّرِيعَةِ الْإِسْلَامِيَّةِ، وَلِذَلِكَ تَضَمَّنَتْ إِنَاطَةَ الْحُكْمِ بِلَفْظِ النَّفْسِ الْمُتَنَاوَلِ لِلذَّكَرِ وَالْأُنْثَى الْحُرِّ وَالْعَبْدِ الصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ، وَلَمْ تَتَضَمَّنْ حُكْمًا لِلْعَبِيدِ وَلَا لِلْإِنَاثِ، وَصُدِّرَتْ بِقَوْلِهِ وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها [الْمَائِدَة: ٤٥] ،
QS 2:178 (jilid 2 hlm. 139) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 139 · #111144
َّغِيرِ وَالْكَبِيرِ، وَلَمْ تَتَضَمَّنْ حُكْمًا لِلْعَبِيدِ وَلَا لِلْإِنَاثِ، وَصُدِّرَتْ بِقَوْلِهِ وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها [الْمَائِدَة: ٤٥] ، وَالْآيَةُ الثَّانِيَةُ (يَعْنِي آيَةَ سُورَةِ الْبَقَرَةِ) صُدِّرَتْ بِقَوْلِهِ: كُتِبَ عَلَيْكُمُ وَنَاطَ الْحُكْمُ فِيهَا بِالْحُرِّيَّةِ الْمُتَنَاوِلَةِ لِلْأَصْنَافِ كُلِّهَا ثُمَّ ذَكَرَ حُكْمَ الْعَبِيدِ وَالْإِنَاثِ رَدًّا عَلَى مَنْ يَزْعُمُ أَنَّهُ لَا يُقْتَصُّ لَهُمْ، وَخَصَّصَ الْأُنْثَى بِالْأُنْثَى لِلدَّلَالَةِ على أَن عدمهَا مَعْصُومٌ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ إِذَا اقْتَصَّ لَهَا مِنَ الْأُنْثَى وَلَمْ يَقْتَصَّ لَهَا مِنَ الذَّكَرِ صَارَ الدَّمُ مَعْصُومًا تَارَةً لِذَاتِهِ غَيْرَ مَعْصُومٍ أُخْرَى وَهَذَا مِنْ لُطْفِ التَّبْلِيغِ حَيْثُ كَانَ الْحُكْمُ مُتَضَمِّنًا لِدَلِيلِهِ، فَقَوْلُهُ: كَتَبَ الْقَتْلَ وَالْقِتَالَ عَلَيْنَا ...
QS 2:178 (jilid 2 hlm. 139) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 139 · #111145
ومٍ أُخْرَى وَهَذَا مِنْ لُطْفِ التَّبْلِيغِ حَيْثُ كَانَ الْحُكْمُ مُتَضَمِّنًا لِدَلِيلِهِ، فَقَوْلُهُ: كَتَبَ الْقَتْلَ وَالْقِتَالَ عَلَيْنَا ... وَعَلَى الْغَانِيَاتِ جَرُّ الذُّيُولِ حكم جاهلي اهـ. يَعْنِي أَنَّ الْآيَةَ لَمْ يُقْصَدْ مِنْهَا إِلَّا إِبْطَالُ مَا كَانَ عَلَيْهِ أَمْرُ الْجَاهِلِيَّةِ مِنْ تَرْكِ الْقِصَاصِ لِشَرَفٍ أَوْ لِقِلَّةِ اكْتِرَاثٍ، فَقَصَدَتِ التَّسْوِيَةَ بِقَوْلِهِ الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ أَيْ لَا فَضْلَ لِحُرٍّ شَرِيفٍ عَلَى حَرٍّ ضَعِيفٍ وَلَا لِعَبِيدِ السَّادَةِ عَلَى عَبِيدِ الْعَامَّةِ وَقَصَدَتْ مَنْ ذِكْرِ الْأُنْثَى إِبْطَالَ مَا كَانَ عَلَيْهِ الْجَاهِلِيَّةُ مِنْ عَدَمِ الِاعْتِدَادِ بِجِنَايَةِ الْأُنْثَى وَاعْتِبَارِهَا غَيْرَ مُؤَاخَذَةٍ بِجِنَايَاتِهَا، وَأَرَادَ بِقَوْلِهِ: حُكْمٌ جَاهِلِيٌّ أَنَّهُ لَيْسَ جَارِيًا عَلَى أَحْكَامِ الْإِسْلَامِ لِأَنَّ الْبَيْتَ لِعُمَرَ ابْن أَبِي رَبِيعَةَ وَهُوَ شَاعِرٌ
QS 2:178 (jilid 2 hlm. 139) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 139 · #111146
َادَ بِقَوْلِهِ: حُكْمٌ جَاهِلِيٌّ أَنَّهُ لَيْسَ جَارِيًا عَلَى أَحْكَامِ الْإِسْلَامِ لِأَنَّ الْبَيْتَ لِعُمَرَ ابْن أَبِي رَبِيعَةَ وَهُوَ شَاعِرٌ إِسْلَامِيٌّ مِنْ صَدْرِ الدَّوْلَةِ الْأُمَوِيَّةِ. فَإِنْ قُلْتَ: كَانَ الْوَجْهُ أَلَّا يَقُولَ: بِالْأُنْثى الْمُشْعِرُ بِأَنَّ الْأُنْثَى لَا تُقْتَلُ بِالرَّجُلِ مَعَ إِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ عَلَى أَنَّ الْمَرْأَةَ يُقْتَصُّ مِنْهَا لِلرَّجُلِ. قُلْتُ: الظَّاهِرُ أَنَّ الْقَيْدَ خَرَجَ مَخْرَجَ الْغَالِبِ، فَإِنَّ الْجَارِيَ فِي الْعُرْفِ أَنَّ الْأُنْثَى لَا تَقْتُلُ إِلَّا أُنْثَى، إِذْ لَا يَتَثَاوَرُ الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ فَذِكْرُ بِالْأُنْثى خَارِجٌ عَلَى اعْتِبَارِ الْغَالِبِ كَمَخْرَجِ وَصْفِ السَّائِمَةِ فِي قَوْلِ النَّبِيءِ ﷺ «فِي الْغَنَمِ السَّائِمَةِ الزَّكَاةُ»
QS 2:178 (jilid 2 hlm. 139) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 139 · #111147
َذِكْرُ بِالْأُنْثى خَارِجٌ عَلَى اعْتِبَارِ الْغَالِبِ كَمَخْرَجِ وَصْفِ السَّائِمَةِ فِي قَوْلِ النَّبِيءِ ﷺ «فِي الْغَنَمِ السَّائِمَةِ الزَّكَاةُ» وَالْخُلَاصَةُ أَنَّ الْآيَةَ لَا يَلْتَئِمُ مِنْهَا مَعْنًى سَلِيمٌ مِنَ الْإِشْكَالِ إِلَّا مَعْنَى إِرَادَةِ التَّسْوِيَةِ بَيْنَ الْأَصْنَافِ لِقَصْدِ إِبْطَالِ عَوَائِدِ الْجَاهِلِيَّةِ. وَإِذَا تَقَرَّرَ أَنَّ الْآيَةَ لَا دَلَالَةَ لَهَا عَلَى نَفْيِ الْقِصَاصِ بَيْنَ الْأَصْنَافِ الْمُخْتَلِفَةِ وَلَا عَلَى إِثْبَاتِهِ مِنْ جِهَةِ مَا وَرَدَ عَلَى كُلِّ تَأْوِيلٍ غَيْرِ ذَلِكَ مِنِ انْتِقَاضٍ بِجِهَةٍ أُخْرَى، فَتَعَيَّنَ أَنَّ قَوْلَهُ: الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثى بِالْأُنْثى مَحْمَلُهُ الَّذِي لَا شَكَّ فِيهِ هُوَ مُسَاوَاةُ أَفْرَادِ كُلِّ صِنْفٍ بَعْضِهَا مَعَ بَعْضٍ دُونَ تَفَاضُلٍ بَيْنَ الْأَفْرَادِ، ثُمَّ أَدِلَّةُ الْعُلَمَاءِ فِي تَسْوِيَةِ الْقِصَاصِ بَيْنَ
QS 2:178 (jilid 2 hlm. 140) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 140 · #111148
اوَاةُ أَفْرَادِ كُلِّ صِنْفٍ بَعْضِهَا مَعَ بَعْضٍ دُونَ تَفَاضُلٍ بَيْنَ الْأَفْرَادِ، ثُمَّ أَدِلَّةُ الْعُلَمَاءِ فِي تَسْوِيَةِ الْقِصَاصِ بَيْنَ بَعْضِ الْأَصْنَافِ مَعَ بَعْضٍ الذُّكُورِ بِالْإِنَاثِ وَفِي عَدَمِهَا كَعَدَمِ تَسْوِيَةِ الْأَحْرَارِ بِالْعَبِيدِ عِنْدَ الَّذِينَ لَا يُسَوُّونَ بَيْنَ صِنْفَيْهِمَا خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ وَالثَّوْرِيِّ وَابْنِ أَبِي لَيْلَى وَدَاوُدَ أَدِلَّةٌ أُخْرَى غَيْرُ هَذَا الْقَيْدِ الَّذِي فِي ظَاهِرِ الْآيَةِ، فَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ فَأَخَذَ بِعُمُومِ قَوْلِهِ: الْقَتْلى وَلَمْ يُثْبِتْ لَهُ مُخَصِّصًا وَلَمْ يَسْتَثْنِ مِنْهُ إِلَّا الْقِصَاصَ بَيْنَ الْمُسْلِمِ وَالْكَافِرِ الْحَرْبِيِّ وَاسْتِثْنَاؤُهُ لَا خِلَافَ فِيهِ، وَوَجْهُهُ أَنَّ الْحَرْبِيَّ غَيْرُ مَعْصُومِ الدَّمِ، وَأَمَّا الْمَعَاهَدُ فَفِي حُكْمِ قَتْلِ الْمُسْلِمِ إِيَّاهُ مَذَاهِبُ، وَأَمَّا الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ فَنَفَيَا الْقِصَاصَ مِنَ الْمُسْلِمِ
QS 2:178 (jilid 2 hlm. 140) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 140 · #111149
ّمِ، وَأَمَّا الْمَعَاهَدُ فَفِي حُكْمِ قَتْلِ الْمُسْلِمِ إِيَّاهُ مَذَاهِبُ، وَأَمَّا الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ فَنَفَيَا الْقِصَاصَ مِنَ الْمُسْلِمِ لِلذِّمِّيِّ وَالْمُعَاهَدِ وَأَخَذَا بِحَدِيثِ «لَا يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ» ، وَمَالِكٌ وَاللَّيْثُ قَالَا لَا قِصَاصَ مِنَ الْمُسْلِمِ إِذَا قَتَلَ الذِّمِّيَّ وَالْمُعَاهَدَ قَتْلَ عُدْوَانٍ وَأَثْبَتَا الْقِصَاصَ مِنْهُ إِذَا قَتَلَ غِيلَةً. وَأَمَّا الْقِصَاصُ بَيْنَ الْحُرِّ وَالْعَبْدِ فِي قَطْعِ الْأَطْرَافِ فَلَيْسَ مِنْ مُتَعَلِّقَاتِ هَذِهِ الْآيَةِ وَسَيَأْتِي عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَالْجُرُوحَ قِصاصٌ [الْمَائِدَة: ٤٥] فِي سُورَةِ الْعُقُودِ.
QS 2:178 (jilid 2 hlm. 140) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 140 · #111150
َافِ فَلَيْسَ مِنْ مُتَعَلِّقَاتِ هَذِهِ الْآيَةِ وَسَيَأْتِي عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَالْجُرُوحَ قِصاصٌ [الْمَائِدَة: ٤٥] فِي سُورَةِ الْعُقُودِ. وَنَفَى مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ الْقِصَاصَ مِنَ الْحُرِّ لِلْعَبْدِ اسْتِنَادًا لِعَمَلِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ وَسُكُوتِ الصَّحَابَةِ، وَاسْتِنَادًا لِآثَارٍ مَرْوِيَّةٍ، وَقِيَاسًا عَلَى انْتِفَاءِ الْقِصَاصِ مِنَ الْحُرِّ فِي إِصَابَةِ أَطْرَافِ الْعَبْدِ فَالنَّفْسُ أَوْلَى بِالْحِفْظِ.
QS 2:178 (jilid 2 hlm. 140) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 140 · #111151
ِنَادًا لِآثَارٍ مَرْوِيَّةٍ، وَقِيَاسًا عَلَى انْتِفَاءِ الْقِصَاصِ مِنَ الْحُرِّ فِي إِصَابَةِ أَطْرَافِ الْعَبْدِ فَالنَّفْسُ أَوْلَى بِالْحِفْظِ. وَالْقِصَاصُ مِنَ الْعَبْدِ لِقَتْلِهِ الْحُرَّ ثَابِتٌ عِنْدَهُمَا بِالْفَحْوَى، وَالْقِصَاصُ مِنَ الذَّكَرِ لِقَتْلِ الْأُنْثَى ثَابِتٌ بِلَحْنِ الْخِطَابِ. فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّباعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَداءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسانٍ ذلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ. الْفَاءُ لِتَفْرِيعِ الْإِخْبَارِ أَيْ لِمُجَرَّدِ التَّرْتِيبِ اللَّفْظِيِّ لَا لِتَفْرِيعِ حُصُولِ مَا تَضَمَّنَتْهُ الْجُمْلَةُ الْمَعْطُوفَةُ بِهَا عَلَى حُصُولِ مَا تَضَمَّنَتْهُ مَا قَبْلَهَا، وَالْمَقْصُودُ بَيَانُ أَنَّ أَخْذَ الْوَلِيِّ بِالْقِصَاصِ الْمُسْتَفَادِ مِنْ صُوَرِ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ فِي الْقَتْلى لَيْسَ وَاجِبًا عَلَيْهِ وَلَكِنَّهُ حَقٌّ لَهُ فَقَطْ لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ مِنْ قَوْلِهِ: كُتِبَ عَلَيْكُمُ أَنَّ الْأَخْذَ
QS 2:178 (jilid 2 hlm. 140) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 140 · #111152
ُ الْقِصاصُ فِي الْقَتْلى لَيْسَ وَاجِبًا عَلَيْهِ وَلَكِنَّهُ حَقٌّ لَهُ فَقَطْ لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ مِنْ قَوْلِهِ: كُتِبَ عَلَيْكُمُ أَنَّ الْأَخْذَ بِهِ وَاجِبٌ عَلَى وَلِيِّ الْقَتِيلِ، وَالتَّصَدِّي لِتَفْرِيعِ ذِكْرِ هَذَا بَعْدَ ذِكْرِ حَقِّ الْقِصَاصِ لِلْإِيمَاءِ إِلَى أَنَّ الْأَوْلَى بِالنَّاسِ قَبُولُ الصُّلْحِ اسْتِبْقَاءً لِأَوَاصِرِ أُخُوَّةِ الْإِسْلَامِ. قَالَ الْأَزْهَرِيُّ: «هَذِهِ آيَةٌ مُشْكِلَةٌ وَقَدْ فَسَّرُوهَا تَفْسِيرًا قَرَّبُوهُ عَلَى قَدْرِ أَفْهَامِ أَهْلِ عَصْرِهِمْ» ثُمَّ أَخَذَ الْأَزْهَرِيُّ فِي تَفْسِيرِهَا بِمَا لَمْ يَكْشِفْ مَعْنًى وَمَا أَزَالَ إِشْكَالًا، وَلِلْمُفَسِّرِينَ مَنَاحٍ كَثِيرَةٌ فِي تَفْسِيرِ أَلْفَاظِهَا ذَكَرَ الْقُرْطُبِيُّ خَمْسَةً مِنْهَا، وَذَكَرَ فِي «الْكَشَّافِ» تَأْوِيلًا آخَرَ، وَذَكَرَ الطَّيِّبِيُّ تَأْوِيلَيْنِ رَاجِعَيْنِ إِلَى تَأْوِيلِ «الْكَشَّافِ» ، وَاتَّفَقَ جَمِيعُهُمْ على أَن الْمَقْصد مِنْهَا
QS 2:178 (jilid 2 hlm. 141) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 141 · #111153
ِ» تَأْوِيلًا آخَرَ، وَذَكَرَ الطَّيِّبِيُّ تَأْوِيلَيْنِ رَاجِعَيْنِ إِلَى تَأْوِيلِ «الْكَشَّافِ» ، وَاتَّفَقَ جَمِيعُهُمْ على أَن الْمَقْصد مِنْهَا التَّرْغِيبُ فِي الْمُصَالَحَةِ عَنِ الدِّمَاءِ، وَيَنْبَغِي أَلَّا نَذْهَبَ بِأَفْهَامِ النَّاظِرِ طَرَائِقَ قِدَدًا، فَالْقَوْلُ الْفَصْلُ أَنْ نقُول: إِن مَا صدق مَنْ فِي قَوْلِهِ: فَمَنْ عُفِيَ لَهُ هُوَ وَلِيُّ الْمَقْتُولِ وَإِنَّ الْمُرَادَ بِأَخِيهِ هُوَ الْقَاتِل وَصفا بِأَنَّهُ أَخٌ تَذْكِيرًا بِأُخُوَّةِ الْإِسْلَامِ وَتَرْقِيقًا لِنَفْسِ وَلِيِّ الْمَقْتُولِ لِأَنَّهُ إِذَا اعْتَبَرَ الْقَاتِلَ أَخًا لَهُ كَانَ مِنَ الْمُرُوءَةِ أَلَّا يَرْضَى بِالْقَوْدِ مِنْهُ لِأَنَّهُ كَمَنْ رَضِيَ بِقَتْلِ أَخِيهِ، وَلَقَدْ قَالَ بَعْضُ الْعَرَبِ: قَتَلَ أَخُوهُ ابْنًا لَهُ عَمْدًا فَقُدِّمَ إِلَيْهِ لِيَقْتَادَ مِنْهُ فَأَلْقَى السَّيْفَ وَقَالَ: أَقُولُ لِلنَّفْسِ تَأْسَاءً وَتَعْزِيَةً ...
QS 2:178 (jilid 2 hlm. 141) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 141 · #111154
: قَتَلَ أَخُوهُ ابْنًا لَهُ عَمْدًا فَقُدِّمَ إِلَيْهِ لِيَقْتَادَ مِنْهُ فَأَلْقَى السَّيْفَ وَقَالَ: أَقُولُ لِلنَّفْسِ تَأْسَاءً وَتَعْزِيَةً ... إِحْدَى يَدَيَّ أَصَابَتْنِي وَلَمْ تُرِدِ كِلَاهُمَا خَلَفٌ مِنْ فَقْدِ صَاحِبِهِ ... هَذَا أَخِي حِينِ أَدْعُوهُ وَذَا وَلَدي وَمَا صدق شَيْءٌ هُوَ عرض الصُّلْحِ، وَلَفْظُ شَيْءٍ اسْمٌ مُتَوَغِّلٌ فِي التَّنْكِيرِ دَالٌّ عَلَى نَوْعِ مَا يَصْلُحُ لَهُ سِيَاقُ الْكَلَامِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ حُسْنُ مَوْقِعِ كَلِمَةِ شَيْءٍ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ [الْبَقَرَة: ١٥٥] . وَمَعْنَى عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ أَنَّهُ أَعْطَى الْعَفْوَ أَيِ الْمَيْسُورَ عَلَى الْقَاتِلِ مِنْ عِوَضِ الصُّلْحِ.
QS 2:178 (jilid 2 hlm. 141) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 141 · #111155
وَالْجُوعِ [الْبَقَرَة: ١٥٥] . وَمَعْنَى عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ أَنَّهُ أَعْطَى الْعَفْوَ أَيِ الْمَيْسُورَ عَلَى الْقَاتِلِ مِنْ عِوَضِ الصُّلْحِ. وَمِنْ مَعَانِي الْعَفْوِ أَنَّهُ الْمَيْسُورُ مِنَ الْمَالِ الَّذِي لَا يُجْحِفُ بِبَاذِلِهِ وَقَدْ فُسِّرَ بِهِ الْعَفْوُ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: خُذِ الْعَفْوَ [الْأَعْرَاف: ١٩٩] ، وَإِيثَارُ هَذَا الْفِعْلِ لِأَنَّهُ يُؤْذِنُ بِمُرَاعَاةِ التَّيْسِيرِ وَالسَّمَاحَةِ وَهِيَ مِنْ خُلُقِ الْإِسْلَامِ فَهَذَا تَأْكِيدٌ لِلتَّرْغِيبِ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: مِنْ أَخِيهِ، وَالتَّعْبِيرُ عَنْ عِوَضِ الدَّمِ بِشَيْءٍ لِأَنَّ الْعِوَضَ يَخْتَلِفُ فَقَدْ يُعْرَضُ عَلَى وَلِيِّ الدَّمِ مَالٌ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ وَقَدْ يُعْرَضُ عَلَيْهِ إِبِلٌ أَوْ عَرُوضٌ أَوْ مُقَاصَّةُ دِمَاءٍ بَيْنَ الْحَيَّيْنِ إِذْ لَيْسَ الْعِوَضُ فِي قَتْلِ الْعَمْدِ مُعَيَّنًا كَمَا هُوَ فِي دِيَةِ قَتْلِ الْخَطَأِ.
QS 2:178 (jilid 2 hlm. 141) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 141 · #111156
أَوْ عَرُوضٌ أَوْ مُقَاصَّةُ دِمَاءٍ بَيْنَ الْحَيَّيْنِ إِذْ لَيْسَ الْعِوَضُ فِي قَتْلِ الْعَمْدِ مُعَيَّنًا كَمَا هُوَ فِي دِيَةِ قَتْلِ الْخَطَأِ. (واتّباع) وَ (أَدَاءٌ) مَصْدَرَانِ وَقَعَا عِوَضًا عَنْ فِعْلَيْنِ وَالتَّقْدِيرُ: فَلْيَتَّبِعِ اتِّبَاعًا وَلْيُؤَدِّ أَدَاءً فَعَدَلَ عَنْ أَنْ يَنْصِبَ عَلَى الْمَفْعُولِيَّةِ الْمُطْلَقَةِ إِلَى الرَّفْعِ لِإِفَادَةِ مَعْنَى الثَّبَاتِ وَالتَّحْقِيقُ الْحَاصِلُ بِالْجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ كَمَا عَدَلَ إِلَى الرَّفْعِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: قالَ سَلامٌ [هود: ٦٩] بَعْدَ قَوْلِهِ: قالُوا سَلاماً [هود: ٦٩] ، وَقَدْ تَقَدَّمَ تَطَوُّرُ الْمَصْدَرِ الَّذِي أَصْلُهُ مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ إِلَى مَصِيرِهِ مَرْفُوعًا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: الْحَمْدُ لِلَّهِ [الْفَاتِحَة: ٢] ، فَنَظْمُ الْكَلَامِ: فَاتِّبَاعٌ حَاصِلٌ مِمَّنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ وَأَدَاءٌ
QS 2:178 (jilid 2 hlm. 141) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 141 · #111157
ْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: الْحَمْدُ لِلَّهِ [الْفَاتِحَة: ٢] ، فَنَظْمُ الْكَلَامِ: فَاتِّبَاعٌ حَاصِلٌ مِمَّنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ وَأَدَاءٌ حَاصِلٌ مِنْ أَخِيهِ إِلَيْهِ، وَفِي هَذَا تَحْرِيضٌ لِمَنْ عُفِيَ لَهُ عَلَى أَنْ يَقْبَلَ مَا عُفِيَ لَهُ وَتَحْرِيضٌ لِأَخِيهِ عَلَى أَدَاءِ مَا بَذَلَهُ بِإِحْسَانٍ. وَالِاتِّبَاعُ مُسْتَعْمَلٌ فِي الْقَبُولِ وَالرِّضَا، أَيْ فَلْيَرْضَ بِمَا عُفِيَ لَهُ كَقَوْلِ النَّبِيءِ ﷺ: «وَإِذَا أُتْبِعَ أَحَدُكُمْ عَلَى مَلِيءٍ فَلْيَتْبَعْ» . وَالضَّمِيرُ الْمُقَدَّرُ فِي (اتِّبَاعٌ) عَائِد إِلَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ وَالضَّمِيرُ الْمُقَدَّرُ فِي أَدَاءٌ عَائِدٌ إِلَى (أَخِيه) ، وَالْمعْنَى: فليرضى بِمَا بَذَلَ لَهُ مِنَ الصُّلْحِ الْمُتَيَسَّرِ، وَلْيُؤَدِّ بَاذِلُ الصُّلْحِ مَا بَذَلَهُ دُونَ مُمَاطَلَةٍ وَلَا نَقْصٍ، وَالضَّمِيرُ الْمَجْرُورُ بِاللَّامِ وَالضَّمِيرُ الْمَجْرُورُ بِإِلَى عَائِدَانِ عَلَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ.
QS 2:178 (jilid 2 hlm. 142) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 142 · #111158
ا بَذَلَهُ دُونَ مُمَاطَلَةٍ وَلَا نَقْصٍ، وَالضَّمِيرُ الْمَجْرُورُ بِاللَّامِ وَالضَّمِيرُ الْمَجْرُورُ بِإِلَى عَائِدَانِ عَلَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ. وَمَقْصِدُ الْآيَةِ التَّرْغِيبُ فِي الرِّضَا بِأَخْذِ الْعِوَضِ عَنْ دَمِ الْقَتِيلِ بَدَلًا مِنَ الْقِصَاصِ لِتَغْيِيرِ مَا كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يَتَعَيَّرُونَ بِهِ مِنْ أَخْذِ الصُّلْحِ فِي قَتْلِ الْعَمْدِ وَيُعِدُّونَهُ بَيْعًا لِدَمِ مَوْلَاهُمْ كَمَا قَالَ مُرَّةُ الْفَقْعَسِيُّ: فَلَا تَأْخُذُوا عَقْلًا مِنَ الْقَوْمِ إِنَّنِي ... أَرَى الْعَارَ يَبْقَى وَالْمَعَاقِلَ تَذْهَبُ وَقَالَ غَيْرُهُ يَذْكُرُ قَوْمًا لَمْ يَقْبَلُوا مِنْهُ صُلْحًا عَنْ قَتِيلٍ: فَلَوْ أَنَّ حَيًّا يَقْبَلُ الْمَالَ فِدْيَةً ... لسقنا لَهُم سَببا مِنَ الْمَالِ مُفْعَمًا وَلَكِنْ أَبَى قَوْمٌ أُصِيبَ أَخُوهُمْ ...
QS 2:178 (jilid 2 hlm. 142) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 142 · #111159
َنْ قَتِيلٍ: فَلَوْ أَنَّ حَيًّا يَقْبَلُ الْمَالَ فِدْيَةً ... لسقنا لَهُم سَببا مِنَ الْمَالِ مُفْعَمًا وَلَكِنْ أَبَى قَوْمٌ أُصِيبَ أَخُوهُمْ ... رِضَا الْعَارِ فَاخْتَارُوا عَلَى اللَّبَنِ الدَّمَا وَهَذَا كُلُّهُ فِي الْعَفْوِ عَلَى قَتْلِ الْعَمْدِ وَأَمَّا قَتْلُ الْخَطَأِ فَإِنَّ شَأْنَهُ الدِّيَةُ عَنْ عَاقِلَةِ الْقَاتِلِ وَسَيَأْتِي فِي سُورَةِ النِّسَاءِ. وَإِطْلَاقُ وَصْفِ الْأَخِ عَلَى الْمُمَاثِلِ فِي دِينِ الْإِسْلَامِ تَأْسِيسُ أَصْلٍ جَاءَ بِهِ الْقُرْآنُ جَعَلَ بِهِ التَّوَافُقُ فِي الْعَقِيدَةِ كَالتَّوَافُقِ فِي نَسَبِ الْأُخُوَّةِ، وَحَقًّا فَإِنَّ التَّوَافُقَ فِي الدِّينِ آصِرَةٌ نَفْسَانِيَّةٌ وَالتَّوَافُقَ فِي النَّسَبِ آصِرَةٌ جَسَدِيَّةٌ وَالرُّوحُ أَشْرَفُ مِنَ الْجَسَدِ.
QS 2:178 (jilid 2 hlm. 142) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 142 · #111160
وَحَقًّا فَإِنَّ التَّوَافُقَ فِي الدِّينِ آصِرَةٌ نَفْسَانِيَّةٌ وَالتَّوَافُقَ فِي النَّسَبِ آصِرَةٌ جَسَدِيَّةٌ وَالرُّوحُ أَشْرَفُ مِنَ الْجَسَدِ. وَاحْتَجَّ ابْنُ عَبَّاسٍ بِهَذِهِ الْآيَةِ عَلَى الْخَوَارِجِ فِي أَنَّ الْمَعْصِيَةَ لَا تُزِيلُ الْإِيمَانَ، لِأَنَّ اللَّهَ سَمَّى الْقَاتِلَ أَخًا لِوَلِيِّ الدَّمِ وَتِلْكَ أُخُوَّةُ الْإِسْلَامِ مَعَ كَوْنِ الْقَاتِلِ عَاصِيًا. وَقَوْلُهُ: بِالْمَعْرُوفِ الْمَعْرُوفُ هُوَ الَّذِي تَأْلَفُهُ النُّفُوسُ وَتَسْتَحْسِنُهُ فَهُوَ مِمَّا تُسَرُّ بِهِ النُّفُوسُ وَلَا تَشْمَئِزُّ مِنْهُ وَلَا تُنْكِرُهُ، وَيُقَالُ لِضِدِّهِ مُنْكَرٌ وَسَيَأْتِي عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ [آلِ عمرَان: ١١٠] فِي سُورَة آل عِمْرَانَ.
QS 2:178 (jilid 2 hlm. 142) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 142 · #111161
الَى: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ [آلِ عمرَان: ١١٠] فِي سُورَة آل عِمْرَانَ. وَالْبَاءُ فِي قَوْلِهِ: بِالْمَعْرُوفِ لِلْمُلَابَسَةِ أَيْ فَاتِّبَاعٌ مُصَاحِبٌ لِلْمَعْرُوفِ أَيْ رِضًا وَقَبُولٌ، وَحُسْنُ اقْتِضَاءٍ إِنْ وَقَعَ مَطْلٌ، وَقَبُولُ التَّنْجِيمِ إِنْ سَأَلَهُ الْقَاتِلُ. وَالْأَدَاءُ: الدَّفْعُ وَإِبْلَاغُ الْحَقِّ وَالْمُرَادُ بِهِ إِعْطَاءُ مَالِ الصُّلْحِ، وَذَكَرَ مُتَعَلِّقَهُ وَهُوَ قَوْلُهُ إِلَيْهِ الْمُؤْذِنُ بِالْوُصُولِ إِلَيْهِ وَالِانْتِهَاءِ إِلَيْهِ لِلْإِشَارَةِ إِلَى إِبْلَاغِ مَالِ الصُّلْح إِلَى ولي الْمَقْتُولِ بِأَنْ يَذْهَبَ بِهِ إِلَيْهِ وَلَا يُكَلِّفَهُ الْحُضُورَ بِنَفْسِهِ لِقَبْضِهِ أَوْ إِرْسَالَ مَنْ يَقْبِضُهُ، وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُ لَا يَمْطُلُهُ، وَزَادَ ذَلِكَ تَقْرِيرًا بِقَوْلِهِ: بِإِحْسانٍ أَيْ دُونَ غَضَبٍ وَلَا كَلَامٍ كَرِيهٍ أَوْ جَفَاءِ مُعَامَلَةٍ.
QS 2:178 (jilid 2 hlm. 143) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 143 · #111162
ارَةٌ إِلَى أَنَّهُ لَا يَمْطُلُهُ، وَزَادَ ذَلِكَ تَقْرِيرًا بِقَوْلِهِ: بِإِحْسانٍ أَيْ دُونَ غَضَبٍ وَلَا كَلَامٍ كَرِيهٍ أَوْ جَفَاءِ مُعَامَلَةٍ. وَقَوْلُهُ: ذلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ إِشَارَةٌ إِلَى الْحُكْمِ الْمَذْكُورِ وَهُوَ قَبُولُ الْعَفْوِ وَإِحْسَانُ الْأَدَاءِ وَالْعُدُولُ عَنِ الْقِصَاصِ، تَخْفِيفٌ مِنَ اللَّهِ عَلَى النَّاسِ فَهُوَ رَحْمَةٌ مِنْهُ أَيْ أَثَرُ رَحْمَتِهِ، إِذِ التَّخْفِيفُ فِي الْحُكْمِ أَثَرُ الرَّحْمَةِ، فَالْأَخْذُ بِالْقِصَاصِ عَدْلٌ وَالْأَخْذُ بِالْعَفْوِ رَحْمَةٌ. وَلَمَّا كَانَتْ مَشْرُوعِيَّةُ الْقِصَاصِ كَافِيَةً فِي تَحْقِيقِ مَقْصَدِ الشَّرِيعَةِ فِي شَرْعِ الْقِصَاصِ مِنِ ازْدِجَارِ النَّاسِ عَنْ قَتْلِ النُّفُوسِ وَتَحْقِيقِ حِفْظِ حَقِّ الْمَقْتُولِ بِكَوْنِ الْخِيرَةِ لِلْوَلِيِّ كَانَ الْإِذْنُ فِي الْعَفْوِ إِنْ تَرَاضَيَا عَلَيْهِ رَحْمَةً مِنَ اللَّهِ بِالْجَانِبَيْنِ، فَالْعَدْلُ مُقَدَّمٌ وَالرَّحْمَةُ تَأْتِي بَعْدَهُ.
QS 2:178 (jilid 2 hlm. 143) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 143 · #111163
ّ كَانَ الْإِذْنُ فِي الْعَفْوِ إِنْ تَرَاضَيَا عَلَيْهِ رَحْمَةً مِنَ اللَّهِ بِالْجَانِبَيْنِ، فَالْعَدْلُ مُقَدَّمٌ وَالرَّحْمَةُ تَأْتِي بَعْدَهُ. قِيلَ: إِنَّ الْآيَةَ أَشَارَتْ إِلَى مَا كَانَ فِي الشَّرِيعَةِ الْإِسْرَائِيلِيَّةِ مِنْ تَعْيِينِ الْقِصَاصِ مِنْ قَاتِلِ الْعَمْدِ دُونَ الْعَفْوِ وَدُونَ الدِّيَةِ كَمَا ذَكَرَهُ كَثِيرٌ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ وَهُوَ فِي «صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ» عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَهُوَ ظَاهِرُ مَا فِي سِفْرِ الْخُرُوجِ الْإِصْحَاحِ الثَّالِثِ: «مَنْ ضَرَبَ إِنْسَانًا فَمَاتَ يُقْتَلُ قَتْلًا وَلَكِنَّ الَّذِي لَمْ يَتَعَمَّدْ بَلْ أَوْقَعَ اللَّهُ فِي يَدِهِ فَأَنَا أَجْعَلُ لَكَ مَكَانًا يُهْرَبُ إِلَيْهِ وَإِذَا بَغَى إِنْسَانٌ عَلَى صَاحِبِهِ لِيَقْتُلَهُ بِغَدْرٍ فَمِنْ عِنْدِ مَذْبَحِي تَأْخُذُهُ لِلْمَوْتِ» ، وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: إِنَّ حُكْمَ الْإِنْجِيلِ الْعَفْوُ مُطْلَقًا وَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا غَيْرُ ثَابِتٍ فِي شَرِيعَةِ عِيسَى،
QS 2:178 (jilid 2 hlm. 143) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 143 · #111164
ذُهُ لِلْمَوْتِ» ، وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: إِنَّ حُكْمَ الْإِنْجِيلِ الْعَفْوُ مُطْلَقًا وَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا غَيْرُ ثَابِتٍ فِي شَرِيعَةِ عِيسَى، لِأَنَّهُ مَا حَكَى اللَّهُ عَنْهُ إِلَّا أَنَّهُ قَالَ: وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ [آل عمرَان: ٥٠] ، فَلَعَلَّهُ مِمَّا أَخَذَهُ عُلَمَاءُ الْمَسِيحِيَّةِ مِنْ أَمْرِهِ بِالْعَفْوِ وَالتَّسَامُحِ لَكِنَّهُ حُكْمٌ تُنَزَّهُ شَرَائِعُ اللَّهِ عَنْهُ لِإِفْضَائِهِ إِلَى انْخِرَامِ نِظَامِ الْعَالَمِ، وَشَتَّانَ بَيْنَ حَالِ الْجَانِي بِالْقَتْلِ فِي الْإِسْلَامِ يَتَوَقَّعُ الْقِصَاصَ وَيَضَعُ حَيَاتَهُ فِي يَدِ وَلِيِّ دَمِ الْمَقْتُولِ فَلَا يَدْرِي أَيَقْبَلُ الصُّلْحَ أَمْ لَا يَقْبَلُ، وَبَيْنَ مَا لَوْ كَانَ وَاثِقًا بِأَنَّهُ لَا قِصَاصَ عَلَيْهِ فَإِنَّ ذَلِكَ يُجَرِّئُهُ عَلَى قَتْلِ عَدُوِّهِ وَخَصْمِهِ. فَمَنِ اعْتَدى بَعْدَ ذلِكَ فَلَهُ عَذابٌ أَلِيمٌ.
QS 2:178 (jilid 2 hlm. 143) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 143 · #111165
اثِقًا بِأَنَّهُ لَا قِصَاصَ عَلَيْهِ فَإِنَّ ذَلِكَ يُجَرِّئُهُ عَلَى قَتْلِ عَدُوِّهِ وَخَصْمِهِ. فَمَنِ اعْتَدى بَعْدَ ذلِكَ فَلَهُ عَذابٌ أَلِيمٌ. تَفْرِيعٌ عَنْ حُكْمِ الْعَفْوِ لِأَنَّ الْعَفْوَ يَقْتَضِي شُكْرَ اللَّهِ عَلَى أَنْ أَنْجَاهُ بِشَرْعِ جَوَازِ الْعَفْوِ وَبِأَنْ سَخَّرَ الْوَلِيَّ لِلْعَفْوِ، وَمِنَ الشُّكْرِ أَلَّا يَعُودَ إِلَى الْجِنَايَةِ مَرَّةً أُخْرَى، فَإِنْ عَادَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ، وَقَدْ فَسَّرَ الْجُمْهُورُ الْعَذَابَ الْأَلِيمَ بِعَذَابِ الْآخِرَةِ وَالْمُرَادُ تَشْدِيدُ الْعَذَابِ عَلَيْهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَمَنْ عادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ [الْمَائِدَة: ٩٥] ، ثُمَّ لَهُ مِنْ حُكْمِ الْعَفْوِ وَالدِّيَةِ مَا لِلْقَاتِلِ ابْتِدَاءً عِنْدَهِمْ، وَفَسَّرَهُ بَعْضُهُمْ بِعَذَابِ الدُّنْيَا أَعْنِي الْقَتْلَ فَقَالُوا: إِنْ عَادَ الْمَعْفُوُّ عَنْهُ إِلَى
QS 2:178 (jilid 2 hlm. 144) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 144 · #111166
ِ مَا لِلْقَاتِلِ ابْتِدَاءً عِنْدَهِمْ، وَفَسَّرَهُ بَعْضُهُمْ بِعَذَابِ الدُّنْيَا أَعْنِي الْقَتْلَ فَقَالُوا: إِنْ عَادَ الْمَعْفُوُّ عَنْهُ إِلَى الْقَتْلِ مَرَّةً أُخْرَى فَلَا بُدَّ مِنْ قَتْلِهِ وَلَا يُمَكِّنُ الْحَاكِمُ الْوَلِيَّ مِنَ الْعَفْوِ وَنَقَلُوا ذَلِكَ عَنْ قَتَادَةَ وَعِكْرِمَةَ وَالسُّدِّيِّ وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدَبَ عَنِ النَّبِيءِ ﷺ، وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَنَّهُ مَوْكُولٌ إِلَى اجْتِهَادِ الْإِمَامِ.
QS 2:178 (jilid 2 hlm. 144) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 144 · #111167
َبُو دَاوُدَ عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدَبَ عَنِ النَّبِيءِ ﷺ، وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَنَّهُ مَوْكُولٌ إِلَى اجْتِهَادِ الْإِمَامِ. وَالَّذِي يُسْتَخْلَصُ مِنْ أَقْوَالِهِمْ هُنَا سَوَاءٌ كَانَ الْعَذَابُ عَذَابَ الْآخِرَةِ أَوْ عَذَابَ الدُّنْيَا أَنَّ تَكَرُّرَ الْجِنَايَةِ يُوجِبُ التَّغْلِيظَ وَهُوَ ظَاهِرٌ مِنْ مَقَاصِدِ الشَّارِعِ لِأَنَّ الْجِنَايَةَ قَدْ تَصِيرُ لَهُ دُرْبَةً فَعَوْدُهُ إِلَى قَتْلِ النَّفْسِ يُؤْذِنُ بِاسْتِخْفَافِهِ بِالْأَنْفُسِ فَيَجِبُ أَنْ يُرَاحَ مِنْهُ النَّاسُ، وَإِلَى هَذَا نَظَرَ قَتَادَةَ وَمَنْ مَعَهُ، غَيْرَ أَنَّ هَذَا لَا يَمْنَعُ حُكْمَ الْعَفْوِ إِنْ رَضِيَ بِهِ الْوَلِيُّ لِأَنَّ الْحَقَّ حَقُّهُ، وَمَا أَحْسَنَ قَوْلَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بِتَفْوِيضِهِ إِلَى الْإِمَامِ لِيَنْظُرَ هَلْ صَارَ هَذَا الْقَاتِلُ مُزْهِقَ أَنْفُسٍ، وَيَنْبَغِيَ إِنْ عُفِيَ عَنْهُ أَنْ تُشَدَّدَ عَلَيْهِ الْعُقُوبَةُ أَكْثَرَ مِنْ ضَرْبِ
QS 2:178 (jilid 2 hlm. 144) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 144 · #111168
مِ لِيَنْظُرَ هَلْ صَارَ هَذَا الْقَاتِلُ مُزْهِقَ أَنْفُسٍ، وَيَنْبَغِيَ إِنْ عُفِيَ عَنْهُ أَنْ تُشَدَّدَ عَلَيْهِ الْعُقُوبَةُ أَكْثَرَ مِنْ ضَرْبِ مِائَةٍ وَحَبْسِ عَامٍ وَإِنْ لَمْ يَقُولُوهُ لِأَنَّ ذِكْرَ اللَّهِ هَذَا الْحُكْمَ بَعْدَ ذِكْرِ الرَّحْمَةِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ هَذَا الْجَانِيَ غَيْرُ جَدِيرٍ فِي هَاتِهِ الْمَرَّةِ بِمَزِيدِ الرَّحْمَةِ، وَهَذَا مَوْضِعُ نَظَرٍ مِنَ الْفِقْهِ دَقِيقٌ، قَدْ كَانَ الرَّجُلُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ يَقْتُلُ ثُمَّ يَدْفَعُ الدِّيَةَ ثُمَّ يَغْدُرُهُ وَلِيُّ الدَّمِ فَيَقْتُلُهُ وَقَرِيبٌ مِنْ هَذَا قِصَّةُ حُصَيْنِ بْنِ ضَمْضَمٍ الَّتِي أَشَارَ إِلَيْهَا زُهَيْرٌ بِقَوْلِهِ: لَعَمْرِي لِنِعْمَ الْحَيُّ جَرَّ عَلَيْهُمُ ... بِمَا لَا يُوَاتِيهِمْ حُصَيْنُ بن ضَمْضَم [١٧٩]

Ayat yang dirujuk di sini

Potongan tafsir di atas mengutip ayat-ayat berikut (dideteksi dengan aturan teks ﴿…﴾, bukan model bahasa).

QS 5:94QS 5:45QS 5:95QS 17:33QS 47:4

Dirujuk oleh

Ayat ini dikutip di dalam tafsir ayat-ayat berikut.

QS 5:45QS 5:94QS 5:94-95