Maka apabila kamu bertemu dengan orang-orang kafir (di medan perang), maka pukullah batang leher mereka. Selanjutnya apabila kamu telah mengalahkan mereka, tawanlah mereka, dan setelah itu kamu boleh membebaskan mereka atau menerima tebusan, sampai perang selesai. Demikianlah, dan sekiranya Allah menghendaki, niscaya Dia membinasakan mereka, tetapi Dia hendak menguji kamu satu sama lain. Dan orang-orang yang gugur di jalan Allah, maka Allah tidak akan menyia-nyiakan amal mereka
َثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾؛ فقال بعضُهم: هو منسوخٌ نسَخه قولُه: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥]. وقولُه: ﴿فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ﴾ [الأنفال: ٥٧].
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابن حميدٍ وابنُ عيسى الدَّامَغانيُّ، قالا: ثنا ابن المباركِ، عن ابن جُرَيجٍ أنه كان يقولُ في قولِه: ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾: نسَخها قولُه: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ
حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾.
حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن السديِّ: ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾.
ُشْرِكِينَ
حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾.
حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن السديِّ: ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾. قال: نسَخها: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾.
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾: نسَخها قولُه: ﴿فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ﴾.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ إلى قولِه: ﴿وَإِمَّا فِدَاءً﴾: كان المسلمون إذا لقُوا المشرِكين قاتَلوهم، فإذا أسَروا منهم أسيرًا، فليس لهم إلا أن يُفادُوه، أو يَمُنُّوا عليه ثم يرسِلوه، فنَسَخ ذلك بعدُ قولُه: ﴿فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ﴾.
لهم إلا أن يُفادُوه، أو يَمُنُّوا عليه ثم يرسِلوه، فنَسَخ ذلك بعدُ قولُه: ﴿فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ﴾. أي: عِظْ بهم مَن سواهم من الناسِ، ﴿لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾.
حدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن عبد الكريمِ الجَزَريِّ، قال: كُتِب إلى أبي بكرٍ ﵁ في أسيرٍ أُسِر، فذُكِر أنهم التمَسوه بفداءٍ كذا وكذا، فقال أبو بكرٍ: اقتُلوه، لَقَتْلُ رجلٍ من المشركين أحبُّ إليَّ من كذا وكذا.
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ﴾ إلى آخرِ الآيةِ. قال: الفداءُ منسوخٌ، نسَختها: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ﴾ [التوبة: ٥] إلى: ﴿كُلَّ مَرْصَدٍ﴾ [التوبة: ٥].
َ الرِّقَابِ﴾ إلى آخرِ الآيةِ. قال: الفداءُ منسوخٌ، نسَختها: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ﴾ [التوبة: ٥] إلى: ﴿كُلَّ مَرْصَدٍ﴾ [التوبة: ٥]. قال: فلم يبقَ لأحدٍ من المشركين عهدٌ ولا حرمةٌ بعدَ "براءة"، وانسلاخِ الأشهرِ الحُرمِ.
حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا مُعاذٍ يقولُ: أخبرَنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾: هذا منسوخٌ، نسَخه قولُه: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾. فلم يبقَ لأحدٍ من المشركين عهدٌ ولا ذمَّةٌ بعدَ "براءة".
وقال آخرون: هي محكمةٌ، وليست بمنسوخةٍ.
ُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾. فلم يبقَ لأحدٍ من المشركين عهدٌ ولا ذمَّةٌ بعدَ "براءة".
وقال آخرون: هي محكمةٌ، وليست بمنسوخةٍ. وقالوا: لا يجوزُ قتلُ الأسيرِ، وإنما يجوز المن عليه والفداءُ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا أبو عتَابٍ سهلُ بنُ حمادٍ، [قال: ثنا شعبةُ]، قال: ثنا خُلَيدُ بن جعفرٍ، عن الحسنِ، قال: أُتِىَ الحجاج بأُسارَى، فدفَع إلى ابن عمرَ رجلًا يقتُلُه، فقال ابن عمرَ: ليس بهذا أُمرنا، قال الله ﷿: ﴿إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾. قال: البكاءُ بين يديه. فقال الحسنُ: لو كان
هذا وأصحابُه لابتدَروا إليهم.
حدَّثنا ابن حميد وابن عيسى الدامغانيُّ، قالا: ثنا ابن المباركِ، عن ابن جُرَيجٍ، عن عطاءٍ أنه كان يكره قتل المشركِ صَبْرًا.
وأصحابُه لابتدَروا إليهم.
حدَّثنا ابن حميد وابن عيسى الدامغانيُّ، قالا: ثنا ابن المباركِ، عن ابن جُرَيجٍ، عن عطاءٍ أنه كان يكره قتل المشركِ صَبْرًا. قال ويتلو هذه الآيةَ: ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾.
حدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن الحسنِ، قال: لا تُقتَلُ الأُسارى إلا في الحرب؛ يُهيَّبُ بهم العدوُّ.
قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمر، قال: كان عمرُ بنُ عبدِ العزيزِ يَفديهم الرجلَ بالرجلِ، وكان الحسنُ يكرَهُ أن يُفادَى بالمالِ.
قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن رجل من أهلِ الشامِ ممن كان يحرُسُ عمرَ بنَ عبدِ العزيزِ، وهو من بني أسدٍ، قال: ما رأيتُ عمرَ ﵀ قتل أسيرًا إلا واحدًا من التُّركِ؛ كان جِيء بأُسارى من التركِ، فأمَر بهم أن يُسترَقُّوا، فقال رجلٌ ممن جاء بهم: يا أمير المؤمنين، لو كنتَ رأيتَ هذا - لأحدِهم - وهو يقتل المسلمين لكثُر بكاؤُك عليهم. فقال عمرُ: فدونَك فاقتُلْه.
يُسترَقُّوا، فقال رجلٌ ممن جاء بهم: يا أمير المؤمنين، لو كنتَ رأيتَ هذا - لأحدِهم - وهو يقتل المسلمين لكثُر بكاؤُك عليهم. فقال عمرُ: فدونَك فاقتُلْه. فقام إليه فقتَله.
والصوابُ مِن القولِ عندَنا في ذلك أن هذه الآيةَ محكمةٌ غيرُ منسوخةٍ، وذلك أن صفة الناسخ والمنسوخ ما قد بينا في غير موضعٍ [مِن كُتُبِنا] أنه ما لم يَجْزِ اجتماعُ حكمَيْهما في حالٍ واحدةٍ، أو ما قامت الحجة بأنَّ أحدهما ناسخٌ الآخرَ، وغيرُ مستنكَرٍ أن يكون جَعْلُ الخيارِ في المنِّ والفداءِ والقتلِ إلى رسولِ اللهِ ﷺ، وإلى القائمين بعده بأمر الأمةِ، وإن لم يكنِ القتلُ مذكورًا في هذه الآيةِ؛ لأنه قد أُذِن بقتلِهم في آيةٍ أخرى، وذلك قولُه: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ الآية.
وإن لم يكنِ القتلُ مذكورًا في هذه الآيةِ؛ لأنه قد أُذِن بقتلِهم في آيةٍ أخرى، وذلك قولُه: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ الآية. بل ذلك كذلك؛ لأن رسولَ اللهِ ﷺ كذلك كان يفعَلُ في من صار أسيرًا في يدِه من أهلِ الحربِ، فيقتُلُ بعضًا، ويُفادِى ببعضٍ، ويمُنُّ على بعضٍ، مثلَ يومِ بدرٍ؛ قتَل عقبةَ بنَ أبي مُعَيطٍ وقد أُتِى به أسيرًا، وقتَل بني قُرَيظةَ وقد نزَلوا على حكمِ سعدٍ، وصاروا في يدِه سِلمًا، وهو على فدائِهم والمنِّ عليهم قادرٌ، وفادَى بجماعةٍ أُسارى المشركين الذين أُسروا ببدرٍ، ومنَّ على ثُمامةَ بن أُثَالٍ الحنفىٍ وهو أسيرٌ في يده، ولم يزَلْ ذلك ثابتًا من سِيَرِه في أهل الحربِ، من لَدُنْ أذِن اللهُ له بحربِهم إلى أن قبَضه إليه ﷺ، دائمًا ذلك فيهم.
ُثَالٍ الحنفىٍ وهو أسيرٌ في يده، ولم يزَلْ ذلك ثابتًا من سِيَرِه في أهل الحربِ، من لَدُنْ أذِن اللهُ له بحربِهم إلى أن قبَضه إليه ﷺ، دائمًا ذلك فيهم. وإنما ذكر جلَّ ثناؤُه في هذه الآيةِ المنَّ والفداءَ في الأُسارى، فخصَّ ذكرَهما فيها؛ لأن الأمرَ بقتلِهما والإذنَ منه بذلك قد كان تقدَّم في سائرِ آيِ تنزيلِه مكرَّرًا، فأعلَم نبيَّه ﷺ بما ذكَر في هذه الآيةِ من المنِّ والفداءِ ما له فيهم، مع القتلِ.
وقولُه: ﴿حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فإذا لقِيتم الذين كفَروا فاضرِبوا رقابَهم، وافعَلوا بأَسراهم ما بيَّنتُ لكم، حتى تضعَ الحربُ آثَامَها وأثقالَ أهلِها المشرِكين بالله، بأن يتوبوا إلى الله من شركِهم فيؤمنوا به وبرسولِه،
ويطيعوه في أمرِه ونهيِه، فذلك وضعُ الحربِ أوزارَها. وقيل: ﴿حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا﴾. والمعنى: حتى تُلْقِىَ الحربُ أوزارَ أهلِها.
رسولِه،
ويطيعوه في أمرِه ونهيِه، فذلك وضعُ الحربِ أوزارَها. وقيل: ﴿حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا﴾. والمعنى: حتى تُلْقِىَ الحربُ أوزارَ أهلِها. وقيل: معنى ذلك: حتى يضعَ المحاربُ أوزارَه.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا﴾. قال: حتى يخرج عيسى ابن مريمَ، فيُسلمَ كلُّ يهوديٍّ ونصرانيٍّ وصاحبِ ملةٍ، وتأمَنَ الشاةُ من الذئبِ، ولا تَقرِضَ فأرةٌ جرابًا، وتذهبَ العداوةُ من الأشياءِ كلِّها؛ ذلك ظهور الإسلامِ على الدينِ كلِّه، وينعَمَ الرجلُ المسلمُ، حتى تقطُرَ رجلُه دمًا إذا وضَعها.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قولَه: ﴿حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا﴾: حتى لا يكونَ شركٌ.
تقطُرَ رجلُه دمًا إذا وضَعها.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قولَه: ﴿حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا﴾: حتى لا يكونَ شركٌ.
حدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا﴾. قال: حتى لا يكونَ شركٌ.
ذكرُ مَن قال: عُنِى بالحربِ في هذا الموضعِ المحاربون
حدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿حَتَّى تَضَعَ
الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا﴾. قال: الحربُ: مَن كان يقاتِلُهم، سمَّاهم حربًا.
وقولُه: ﴿ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ﴾.
﴿حَتَّى تَضَعَ
الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا﴾. قال: الحربُ: مَن كان يقاتِلُهم، سمَّاهم حربًا.
وقولُه: ﴿ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: هذا الذي أمَرتُكم به أيُّها المؤمنون من قتلِ المشركين إذا لقيتموهم في حربٍ، وشدِّهم وثاقًا بعدَ قهرِهم، وأسرِهم، و المنِّ والفداءِ حتى تَضَعَ الحربُ أوزارَها - هو الحقُّ الذي ألزَمكم ربُّكم، ولو يشاءُ ربُّكم ويريدُ لانتَصَر من هؤلاء المشركين الذين بيَّن هذا الحكمَ فيهم بعقوبةٍ منه لهم عاجلةٍ، وكفاكم ذلك كلَّه، ولكنه تعالى ذكرُه كرِه الانتصارَ منهم وعقوبتَهم عاجلًا، إلا بأيديكم أيُّها المؤمنون؛ ﴿لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ﴾.
لهم عاجلةٍ، وكفاكم ذلك كلَّه، ولكنه تعالى ذكرُه كرِه الانتصارَ منهم وعقوبتَهم عاجلًا، إلا بأيديكم أيُّها المؤمنون؛ ﴿لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ﴾. يقولُ: ليختبرَكم بهم فيعلمَ المجاهدين منكم والصابرين، ويبلوَهم بكم فيعاقبَ بأيديكم مَن شاء منهم، [ويَعِظَ مَن شَاء منهم] بمَن أهلَك بأيديكم من شاء منهم حتى يُنيبَ إلى الحقِّ.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ﴾: أي واللهِ، بجنودِه الكثيرةِ، كلُّ خلقِه له جندٌ، ولو سلَّط أضعفَ خلقِه لكان جندًا.
وقولُه: (والذين قاتَلوا في سبيلِ اللهِ). اختلفت القرأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرَأته عامةُ قرأةِ الحجازِ والكوفةِ: (والذين قاتَلوا). بمعنى: حارَبوا المشركين وجاهَدوهم. بالألفِ. وكان الحسنُ البصريُّ فيما ذُكِر عنه يقرؤه: (قُتِّلوا) بضمِّ القافِ وتشديدِ التاءِ. بمعنى أنه قتلهم المشركون بعضَهم بعدَ بعضٍ، غيرَ أنه لم يُسمَّ الفاعلون.
الحسنُ البصريُّ فيما ذُكِر عنه يقرؤه: (قُتِّلوا) بضمِّ القافِ وتشديدِ التاءِ. بمعنى أنه قتلهم المشركون بعضَهم بعدَ بعضٍ، غيرَ أنه لم يُسمَّ الفاعلون. وذُكِر عن الجحدريِّ عاصمٍ أنه كان يقرَأُ: (قَتَلُوا) بفتحِ القافِ وتخفيف التاءِ. بمعنى: والذين قتَلوا المشركين باللهِ. وكان أبو عمرٍو يقرؤُه: وَالَّذِينَ قُتِلُوا بضمِّ القافِ وتخفيفِ التاءِ. بمعنى: والذين قتَلهم المشركون. ثم أسقَط الفاعلين، فجعَلهم لم يسمَّ فاعلُ ذلك بهم.
وأولى القراءاتِ بالصوابِ قراءةُ من قرَأه: (وَالَّذِينَ قاتَلُوا)؛ لاتفاقِ الحجةِ من القرأةِ، وإن كان لجميعِها وجوهٌ مفهومةٌ.
وإذ كان ذلك أولى القراءاتِ عندَنا بالصوابِ، فتأويلُ الكلامِ: والذين قاتَلوا منكم أيها المؤمنون أعداءَ اللهِ من الكفارِ في دينِ اللهِ، وفى نُصرةِ ما بُعِث به رسولُه محمدٌ ﷺ من الهدى، فجاهَدوهم في ذلك، ﴿فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ﴾ فلن يجعَلَ اللهُ أعمالَهم التي عمِلوها في الدنيا ضلالًا عليهم، كما أضلَّ أعمالَ الكافرين.
ﷺ من الهدى، فجاهَدوهم في ذلك، ﴿فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ﴾ فلن يجعَلَ اللهُ أعمالَهم التي عمِلوها في الدنيا ضلالًا عليهم، كما أضلَّ أعمالَ الكافرين.
وذُكِر أن هذه الآيةَ عُنِى بها أهلُ أُحدٍ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ
اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ﴾: ذُكِر لنا أن هذه الآيةَ أُنزِلت يومَ أُحدٍ ورسولُ اللهِ ﷺ في الشِّعبِ، وقد فَشَت فيهم الجراحاتُ والقتلُ، وقد نادَى المشركون يومَئذٍ: اعْلُ هُبَلُ. فنادَى المسلمون: اللهُ أعلى وأجلُّ. فنادَى المشركون: يومٌ بيومٍ، إن الحرب سِجالٌ، إن لنا عُزَّى ولا عُزَّى لكم. قال رسولُ اللهِ ﷺ: "اللَّهُ مَوْلانا ولَا مَوْلَى لكم، إن القَتْلَى مختلِفَةٌ؛ أمَّا قتلانا فأحياءٌ يُرزَقون، وأما قتلاكم ففى النارِ يُعذبون".
حدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ﴾.
ِ يُعذبون".
حدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ﴾. قال: الذين قُتِلوا يومَ أُحدٍ.
(٧) وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ (٨) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ (٩)﴾.
يقول تعالى مرشدا للمؤمنين إلى ما يعتمدونه في حروبهم مع المشركين: (فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ) أي: إذا واجهتموهم فاحصدوهم حصدا بالسيوف، (حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا) أي: أهلكتموهم قتلا (فشدوا) [وثاق] الأسارى الذين تأسرونهم، ثم أنتم بعد انقضاء الحرب وانفصال المعركة مخيرون في أمرهم، إن شئتم مننتم عليهم فأطلقتم أساراهم مجانا، وإن شئتم فاديتموهم بمال تأخذونه منهم وتشاطرونهم عليه.
تم بعد انقضاء الحرب وانفصال المعركة مخيرون في أمرهم، إن شئتم مننتم عليهم فأطلقتم أساراهم مجانا، وإن شئتم فاديتموهم بمال تأخذونه منهم وتشاطرونهم عليه. والظاهر أن هذه الآية نزلت بعد وقعة بدر، فإن الله، سبحانه، عاتب المؤمنين على الاستكثار من الأسارى يومئذ ليأخذوا منهم الفداء، والتقلل من القتل يومئذ فقال: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ * لَوْلا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [الأنفال: ٦٧، ٦٨].
ثم قد ادعى بعض العلماء أن هذه الآية -المخيرة بين مفاداة الأسير والمن عليه-منسوخة بقوله تعالى: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ [وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ]﴾ الآية [التوبة: ٥]، رواه العوفي عن ابن عباس. وقاله قتادة، والضحاك، والسدي، وابن جُرَيْج.
وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ]﴾ الآية [التوبة: ٥]، رواه العوفي عن ابن عباس. وقاله قتادة، والضحاك، والسدي، وابن جُرَيْج.
وقال الآخرون -وهم الأكثرون-: ليست بمنسوخة.
ثم قال بعضهم: إنما الإمام مُخَيَّر بين المن على الأسير ومفاداته فقط، ولا يجوز له قتله.
وقال آخرون منهم: بل له أن يقتله إن شاء، لحديث قتل النبي ﷺ النضر بن الحارث وعقبة بن أبي مُعَيط من أسارى بدر، وقال ثمامة بن أثال لرسول الله ﷺ حين قال له: "ما عندك يا ثمامة؟ " فقال: إن تَقْتَلْ تَقْتُلْ ذا دَمٍ، وإن تمنن تمنن على شاكر، وإن كنت تريد المال فَسَلْ تُعطَ منه ما شئت.
وزاد الشافعي، ﵀، فقال: الإمام مخير بين قتله أو المن عليه، أو مفاداته أو استرقاقه أيضا. وهذه المسألة مُحَرّرة في علم الفروع، وقد دللنا على ذلك في كتابنا "الأحكام"، ولله الحمد والمنة.
وقوله: (حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا) قال مجاهد: حتى ينزل عيسى ابن مريم
[﵇].
لفروع، وقد دللنا على ذلك في كتابنا "الأحكام"، ولله الحمد والمنة.
وقوله: (حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا) قال مجاهد: حتى ينزل عيسى ابن مريم
[﵇]. وكأنه أخذه من قوله ﷺ: "لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق حتى يقاتل آخرهم الدجال".
وقال الإمام أحمد: حدثنا الحكم بن نافع، حدثنا إسماعيل بن عياش، عن إبراهيم بن سليمان، عن الوليد بن عبد الرحمن الجُرَشي، عن جُبَير بن نُفيَر؛ أن سلمة بن نُفيَل أخبرهم: أنه أتى رسول الله ﷺ فقال: إني سَيَّبْتُ الخيل، وألقيت السلاح، ووضعت الحرب أوزارها، وقلت: "لا قتال" فقال له النبي ﷺ: "الآن جاء القتال، لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الناس يُزيغ الله قلوب أقوام فيقاتلونهم: ويرزقهم الله منهم، حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك.
النبي ﷺ: "الآن جاء القتال، لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الناس يُزيغ الله قلوب أقوام فيقاتلونهم: ويرزقهم الله منهم، حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك. ألا إن عُقْرَ دار المؤمنين الشام، والخيلُ معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة".
وهكذا رواه النسائي من طريقين، عن جُبَيْر بن نُفَير، عن سلمة بن نُفَيْل السكوني، به.
وقال أبو القاسم البغوي: حدثنا داود بن رُشَيْد، حدثنا الوليد بن مسلم، عن محمد بن مهاجر، عن الوليد بن عبد الرحمن الجُرَشي، عن جبير بن نُفَير، عن النواس بن سمعان قال: لما فتح على رسول الله ﷺ فَتْح فقالوا: يا رسول الله، سيبت الخيل، ووضعت السلاح، ووضعت الحرب أوزارها، قالوا: لا قتال، قال: "كذبوا، الآن، جاء القتال، لا يزال الله يُرَفِّع قلوب قوم يقاتلونهم، فيرزقهم منهم، حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك، وعُقْر دار المسلمين بالشام".
وهكذا رواه الحافظ أبو يعلى الموصلي عن داود بن رُشَيْد، به. والمحفوظ أنه من رواية سلمة بن نُفَيْل كما تقدم.
وهم على ذلك، وعُقْر دار المسلمين بالشام".
وهكذا رواه الحافظ أبو يعلى الموصلي عن داود بن رُشَيْد، به. والمحفوظ أنه من رواية سلمة بن نُفَيْل كما تقدم. وهذا يقوي القول بعدم النسخ، كأنه شرع هذا الحكم في الحرب إلى ألا يبقى حرب.
وقال قتادة: (حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا) حتى لا يبقى شرك. وهذا كقوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٣]. ثم قال بعضهم: (حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا) أي: أوزار المحاربين، وهم المشركون، بأن يتوبوا إلى الله ﷿. وقيل: أوزار أهلها بأن يبذلوا الوسع في طاعة الله، ﷿.
وقوله: (ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لانْتَصَرَ مِنْهُمْ) أي: هذا ولو شاء الله لانتقم من الكافرين بعقوبة ونَكَال من عنده، (وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ) أي: ولكن شرع لكم الجهاد وقتال الأعداء ليختبركم، ويبلو أخباركم.
ه لانتقم من الكافرين بعقوبة ونَكَال من عنده، (وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ) أي: ولكن شرع لكم الجهاد وقتال الأعداء ليختبركم، ويبلو أخباركم. كما ذكر حكمته في شرعية الجهاد في سورتي "آل عمران" و "براءة" في قوله: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٢].
وقال في سورة براءة: ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ * وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: ١٤، ١٥].
ثم لما كان من شأن القتال أن يُقتل كثيرٌ من المؤمنين، قال: (وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ) أي: لن يذهبها بل يكثرها وينميها ويضاعفها.
ال أن يُقتل كثيرٌ من المؤمنين، قال: (وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ) أي: لن يذهبها بل يكثرها وينميها ويضاعفها. ومنهم من يجري عليه عمله في طول بَرْزَخه، كما ورد بذلك الحديث الذي رواه الإمام أحمد في مسنده، حيث قال:
حدثنا زيد بن يحيى الدمشقي، حدثنا ابن ثوبان، عن أبيه، عن مكحول، عن كثير بن مُرّة، عن قيس الجذامي -رجل كانت له صحبة-قال: قال رسول الله ﷺ: "يعطى الشهيد ست خصال عند أول قطرة من دمه: يُكَفر عنه كل خطيئة، ويرى مقعده من الجنة، ويزوج من الحور العين، ويؤمن من الفزع الأكبر، ومن عذاب القبر، ويحلى حُلَّة الإيمان".
ال عند أول قطرة من دمه: يُكَفر عنه كل خطيئة، ويرى مقعده من الجنة، ويزوج من الحور العين، ويؤمن من الفزع الأكبر، ومن عذاب القبر، ويحلى حُلَّة الإيمان". تفرد به أحمد ﵀.
حديث آخر: قال أحمد أيضا: حدثنا الحكم بن نافع، حدثنا إسماعيل بن عياش، عن بَحِير ابن سعيد، عن خالد بن مَعْدان، عن المقدام بن معد يكرب الكندي قال: قال رسول الله ﷺ: "إن للشهيد عند الله ست خصال: أن يغفر له في أول دَفْعَة من دمه، ويرى مقعده من الجنة، ويحلى حُلَّة الإيمان، ويزوج من الحور العين، ويجار من عذاب القبر، ويَأمَن من الفزع الأكبر، ويوضع على رأسه تاج الوقار، الياقوتة منه خير من الدنيا وما فيها، ويزوج اثنتين وسبعين زوجة من الحور العين، ويُشَفَّع في سبعين إنسانا من أقاربه".
وقد أخرجه الترمذي وصححه ابن ماجه.
وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن عَمْرو، وعن أبي قتادة؛ أن رسول الله ﷺ قال: "يُغفر للشهيد كل شيء إلا الدَّيْن". وروي من حديث جماعة من الصحابة، وقال أبو الدرداء: قال رسول الله ﷺ: "يشفع الشهيد في سبعين من أهل بيته".
الله ﷺ قال: "يُغفر للشهيد كل شيء إلا الدَّيْن". وروي من حديث جماعة من الصحابة، وقال أبو الدرداء: قال رسول الله ﷺ: "يشفع الشهيد في سبعين من أهل بيته". ورواه أبو داود. والأحاديث في فضل الشهيد كثيرة جدا.
وقوله: (سيهديهم) أي: إلى الجنة، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ [يونس: ٩].
وقوله: (وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ) أي: أمرهم وحالهم، (وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ) أي: عرفهم بها وهداهم إليها.
قال مجاهد: يهتدي أهلها إلى بيوتهم ومساكنهم، وحيث قسم الله لهم منها، لا يخطئون كأنهم ساكنوها منذ خلقوا، لا يستدلون عليها أحدا.
عرفهم بها وهداهم إليها.
قال مجاهد: يهتدي أهلها إلى بيوتهم ومساكنهم، وحيث قسم الله لهم منها، لا يخطئون كأنهم ساكنوها منذ خلقوا، لا يستدلون عليها أحدا. وروى مالك عن ابن زيد بن أسلم نحو هذا.
وقال محمد بن كعب: يعرفون بيوتهم إذا دخلوا الجنة، كما تعرفون بيوتكم إذا انصرفتم من الجمعة.
وقال مقاتل بن حَيَّان: بلغنا أن الملك الذي كان وُكِّل بحفظ عمله في الدنيا يمشي بين يديه في الجنة، ويتبعه ابن آدم حتى يأتي أقصى منزل هو له، فيعرّفه كل شيء أعطاه الله في الجنة، فإذا انتهى إلى أقصى منزله في الجنة دخل [إلى] منزله وأزواجه، وانصرف الملك عنه ذكرهن ابن أبي حاتم، ﵀.
وقد ورد الحديث الصحيح بذلك أيضا، رواه البخاري من حديث قتادة، عن أبي المتوكل الناجي، عن أبي سعيد الخدري [﵁]؛ أن رسول الله ﷺ قال: "إذا خلص المؤمنون من النار حبسوا بقنطرة بين الجنة والنار، يتقاصّون مظالم كانت بينهم في الدنيا، حتى إذا هُذّبوا ونقوا أذن لهم في دخول الجنة، والذي نفسي بيده، إن أحدهم بمنزله في الجنة أهدى منه بمنزله الذي كان في الدنيا".
ظالم كانت بينهم في الدنيا، حتى إذا هُذّبوا ونقوا أذن لهم في دخول الجنة، والذي نفسي بيده، إن أحدهم بمنزله في الجنة أهدى منه بمنزله الذي كان في الدنيا".
ثم قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ)، كقوله: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ﴾ [الحج: ٤٠]، فإن الجزاء من جنس العمل؛ ولهذا قال: (وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ)، كما جاء في الحديث: "من بَلَّغ ذا سلطان حاجة مَنْ لا يستطيع إبلاغها، ثبت الله قدمه على الصراط يوم القيامة".
ثم قال تعالى: (وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ)، عكس تثبيت الأقدام للمؤمنين الناصرين لله ولرسوله ﷺ، وقد ثبت في الحديث عن رسول الله ﷺ أنه قال: "تَعِس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم، تعس عبد القَطِيفة -[وفي رواية: تعس عبد الخميصة] -تعس وانتكس، وإذا شِيكَ فلا انتقش"، أي: فلا شفاه الله.
ﷺ أنه قال: "تَعِس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم، تعس عبد القَطِيفة -[وفي رواية: تعس عبد الخميصة] -تعس وانتكس، وإذا شِيكَ فلا انتقش"، أي: فلا شفاه الله.
وقوله: (وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ) أي: أحبطها وأبطلها؛ ولهذا قال: (ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنزلَ اللَّهُ) أي: لا يريدونه ولا يحبونه، (فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ)
قوله تعالى: ﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا﴾.
قوله تعالى: (فضرب الرقاب) مصدر نائب عن فعله، وهو بمعنى فعل الأمر، ومعلوم أن صيغ الأمر في اللغة العربية أربع:
وهي فعل الأمر، كقوله تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ الآية.
واسم فعل الأمر، كقوله تعالى: ﴿عَلَيكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ الآية.
والفعل المضارع المجزوم بلام الأمر، كقوله تعالى: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ الآية.
والمصدر النائب عن فعله، كقوله تعالى: ﴿فَضَرْبَ الرِّقَابِ﴾ أي: فاضربوا رقابهم.
وقوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ﴾ أي: أوجعتم فيهم قتلًا.
فالإِثخان هو الإِكثار من قتل العدو حتى يضعف ويثقل عن النهوض.
وقوله: ﴿فَشُدُّوا الْوَثَاقَ﴾ أي: فأسروهم، والوثاق، بالفتح والكسر، اسم لما يؤسر به الأسير من قَدٍّ ونحوه.
ِكثار من قتل العدو حتى يضعف ويثقل عن النهوض.
وقوله: ﴿فَشُدُّوا الْوَثَاقَ﴾ أي: فأسروهم، والوثاق، بالفتح والكسر، اسم لما يؤسر به الأسير من قَدٍّ ونحوه.
وما تضمنته هذه الآية الكريمة، من الأمر بقتل الكفار حتى يثخنهم المسلمون، ثم بعد ذلك يأسرونهم، جاء موضحًا في غير هذا الموضع، كقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ﴾ الآية، وقد أمر تعالى بقتلهم في آيات آخر، كقوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ الآية، وقوله: ﴿فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ (١٢)﴾، وقوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً﴾ الآية، وقوله: ﴿فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ﴾ الآية.
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ أي فإما تمنون عليهم مَنًّا، أو تفادونهم فداء.
ومعلوم أن المصدر إذا سيق لتفصيل وجب حذف عامله، كما قال في الخلاصة:
ِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ أي فإما تمنون عليهم مَنًّا، أو تفادونهم فداء.
ومعلوم أن المصدر إذا سيق لتفصيل وجب حذف عامله، كما قال في الخلاصة:
وما لتفصيل كإمَّا مَنَّا ... عامله يحذف حيث عَنَّا
ومنه قول الشاعر:
لأجهدن فإما درء واقعة ... تخشى وإما بلوغ السؤل والأمل
وقال بعض العلماء: هذه الآية منسوخة بالآيات التي ذكرنا قبلها، وممن يروى عنه هذا القول: ابن عباس والسدي وقتادة والضحاك وابن جريج.
وذكر ابن جرير عن أبي بكر ﵁ ما يؤيده.
ونسخ هذه الآية هو مذهب أبي حنيفة ﵀، فإنه لا يجوز عنده المن ولا الفداء، لأن الآية منسوخة عنده، بل يخير عنده الإِمام بين القتل والاسترقاق.
ومعلوم أن آيات السيف النازلة في براءة نزلت بعد سورة القتال هذه.
وأكثر أهل العلم يقولون: إن الآية ليست منسوخة، وأن جميع الآيات المذكورة محكمة، فالإِمام مخير وله أن يفعل ما رآه مصلحة للمسلمين من منٍّ وفداء وقتل واسترقاق.
قالوا: قتل النبي - ﷺ - عقبة بن أبي معيط، والنضر بن الحارث، أسيرين يوم بدر، وأخذ فداء غيرهما من الأسارى.
آه مصلحة للمسلمين من منٍّ وفداء وقتل واسترقاق.
قالوا: قتل النبي - ﷺ - عقبة بن أبي معيط، والنضر بن الحارث، أسيرين يوم بدر، وأخذ فداء غيرهما من الأسارى.
ومَنَّ على ثمامة بن أثال سيد بني حنيفة، وكان يسترق السبي من العرب وغيرهم.
وقال الشوكاني في نيل الأوطار:
والحاصل أنه قد ثبت في جنس أسارى الكفار جواز القتل والمن والفداء والاسترقاق، فمن ادعى أن بعض هذه الأمور تختص ببعض الكفار دون بعض لم يقبل منه ذلك إلا بدليل ناهض يخصص العمومات، والمجوز قائم في مقام المنع، وقول علي وفعله عند بعض المانعين من استرقاق ذكور العرب حجة، وقد استرق
بني ناجية ذكورهم وإناثهم، وباعهم، كما هو مشهور في كتب السير والتواريخ.
ام المنع، وقول علي وفعله عند بعض المانعين من استرقاق ذكور العرب حجة، وقد استرق
بني ناجية ذكورهم وإناثهم، وباعهم، كما هو مشهور في كتب السير والتواريخ. اهـ محل الغرض منه.
ومعلوم أن بني ناجية من العرب.
قال مقيده عفا الله عنه وغفر له:
لم يختلف المسلمون في جواز الملك بالرق.
ومعلوم أن سببه أسر المسلمين الكفار في الجهاد، والله ﵎ في كتابه يعبر عن الملك بالرق بعبارة هي أبلغ العبارات في توكيد ثبوت ملك الرقيق، وهي ملك اليمين؛ لأن ما ملكته يمين الإنسان، فهو مملوك له تمامًا، وتحت تصرفه تمامًا، كقوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيمَانُكُمْ﴾، وقوله: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إلا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيرُ مَلُومِينَ (٦)﴾ في سورة ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١)﴾، ﴿سَأَلَ سَائِلٌ﴾، وقوله: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إلا مَا مَلَكَتْ أَيمَانُكُمْ كِتَابَ اللَّهِ عَلَيكُمْ﴾ الآية، وقوله:
مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾، وقوله: ﴿فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيمَانُهُمْ﴾، وقوله: ﴿هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيمَانُكُمْ﴾ الآية.
فالمراد بملك اليمين في جميع هذه الآيات كلها الملك بالرق، والأحاديث والآيات بمثل ذلك يتعذر حصرها، وهي معلومة، فلا ينكر الرق في الإِسلام إلا مكابر أو ملحد، أو من لا يؤمن بكتاب الله ولا بسنة رسوله.
وقد قدمنا حكمة الملك بالرق وإزالة الإِشكال في ملك الرقيق المسلم في سورة بني إسرائيل في الكلام على قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾.
ومن المعلوم أن كثيرًا من أجلاء علماء المسلمين ومحدثيهم الكبار كانوا أرقاء مملوكين، أو أبناء أرقاء مملوكين.
فهذا محمد بن سيرين كان أبوه سيرين عبدًا لأنس بن مالك.
وهذا مكحول كان عبدًا لامرأة من هذيل فأعتقته.
ومثل هذا أكثر من أن يحصى كما هو معلوم.
قاء مملوكين.
فهذا محمد بن سيرين كان أبوه سيرين عبدًا لأنس بن مالك.
وهذا مكحول كان عبدًا لامرأة من هذيل فأعتقته.
ومثل هذا أكثر من أن يحصى كما هو معلوم.
واعلم أن ما يدعيه بعض من المتعصبين لنفي الرق في الإِسلام من أن آية القتال هذه دلت على نفي الرق من أصله؛ لأنها أوجبت واحدًا من أمرين لا ثالث لهما، وهما المن والفداء فقط، فهو استدلال ساقط من وجهين:
أحدهما: أن فيه استدلالًا بالآية على شيء لم يدخل فيها، ولم تتناوله أصلًا، والاستدلال إن كان كذلك فسقوطه كما ترى.
وإيضاح ذلك أن هذه الآية التي فيها تقسيم حكم الأسارى إلى من وفداء، لم تتناول قطعًا إلا الرجال المقاتلين من الكفار؛ لأن قوله: ﴿فَضَرْبَ الرِّقَابِ﴾، وقوله: ﴿حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ﴾ صريح في ذلك كما ترى.
وعلى إثخان هؤلاء المقاتلين رتب بالفاء قوله: ﴿فَشُدُّوا الْوَثَاقَ﴾ الآية.
فظهر أن الآية لم تتناول أنثى ولا صغيرًا ألبتة.
مُوهُمْ﴾ صريح في ذلك كما ترى.
وعلى إثخان هؤلاء المقاتلين رتب بالفاء قوله: ﴿فَشُدُّوا الْوَثَاقَ﴾ الآية.
فظهر أن الآية لم تتناول أنثى ولا صغيرًا ألبتة.
ويزيد ذلك إيضاحًا أن النهي عن قتل نساء الكفار وصبيانهم ثابت عن النبي - ﷺ - ، وأكثر أهل الرق في أقطار الدنيا إنما هو من النساء والصبيان.
ولو كان الذي يدعي نفي الرق من أصله يعترف بأن الآية لا يمكن أن يستدل بها على شيء غير الرجال المقاتلين، لقصر نفي الرق الذي زعمه على الرجال الذين أسروا في حال كونهم مقاتلين، ولو قصره على هؤلاء لم يمكنه أن يقول بنفي الرق من أصله كما ترى.
الوجه الثاني: هو ما قدمنا من الأدلة على ثبوت الرق في الإِسلام.
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا﴾ أي: إذا لقيتم الكفار فاضربوا أعناقهم، ﴿حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ﴾ قتلًا فأسروهم، ﴿حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا﴾ أي: حتى تنتهي الحرب.
هَا﴾ أي: إذا لقيتم الكفار فاضربوا أعناقهم، ﴿حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ﴾ قتلًا فأسروهم، ﴿حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا﴾ أي: حتى تنتهي الحرب.
وأظهر الأقوال في معنى وضع الحرب أوزارها أنه وضع السلاح، والعرب تسمي السلاح وزرًا، وتطلق العرب الأوزار على آلات الحرب وما يساعد فيها كالخيل، ومنه قول الأعشى:
وأعددت للحرب أوزارها ... رماحًا طوالًا وخيلًا ذكورا
وفي معنى أوزار الحرب أقوال آخر معروفة، تركناها؛ لأن هذا أظهرها عندنا. والعلم عند الله تعالى.
•