Sesungguhnya Allah tidak segan membuat perumpamaan seekor nyamuk atau yang lebih kecil dari itu. Adapun orang-orang yang beriman, mereka tahu bahwa itu kebenaran dari Tuhan. Tetapi mereka yang kafir berkata, "Apa maksud Allah dengan perumpamaan ini?" Dengan (perumpamaan) itu banyak orang yang dibiarkan-Nya sesat,13) dan dengan itu banyak (pula) orang yang diberi-Nya petunjuk. Tetapi tidak ada yang Dia sesatkan dengan (perumpamaan) itu selain orang-orang fasik
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ وعزَّ: ﴿إِنَّ اللهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾.
قال أبو جعفرٍ: اختلَف أهلُ التأويلِ في المعنى الذي أنزَل اللهُ جلَّ ثناؤه فيه هذه الآيةَ وفي تأويلِها؛ فقال بعضُهم بما حدَّثَنِي به موسى بنُ هارونَ، قال: حَدَّثَنَا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: حَدَّثَنَا أسباطُ، عن السدِّيِّ في خبرٍ ذَكَره عن أبي مالكٍ، وعن أبي صالحٍ، عن ابن عباسٍ، وعن مرةَ، عن ابنِ مسعودٍ، وعن ناسٍ من أصحابِ النَّبِيِّ ﷺ: لمّا ضرَب اللهُ هذين المثَليْن للمنافقِين - يعني قولَه: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾. وقولَه: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ﴾.
الآياتِ الثلاث - قال المنافقون: اللهُ أعلى وأجلُّ من أن يضرِبَ هذه الأمثالَ.
ِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾. وقولَه: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ﴾.
الآياتِ الثلاث - قال المنافقون: اللهُ أعلى وأجلُّ من أن يضرِبَ هذه الأمثالَ. فأنزَل اللهُ جل ثناؤُه: ﴿إِنَّ اللهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾ إلى قولِه: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾.
وقال آخرون بما حدَّثَنِي به أحمدُ بنُ إبراهيمَ، قال: حَدَّثَنَا قُرادٌ، عن أبي جعفرٍ الرازيِّ، عن الربيعِ بنِ أنسٍ في قولِه تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾ قال: هذا مثلٌ ضَرَبه اللهُ للدنيا؛ أن البعوضةَ تحيا ما جاعتْ، فإذا سمِنتْ ماتتْ، وكذلك مثلُ هؤلاء القومِ الذين ضَرَبَ اللهُ لهم هذا المثلَ في القرآنِ، إذا امتلئوا من الدنيا رِيًّا، أخَذهم اللهُ عند ذلك.
ا جاعتْ، فإذا سمِنتْ ماتتْ، وكذلك مثلُ هؤلاء القومِ الذين ضَرَبَ اللهُ لهم هذا المثلَ في القرآنِ، إذا امتلئوا من الدنيا رِيًّا، أخَذهم اللهُ عند ذلك. قال: ثم تلا ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ الآية [الأنعام: ٤٤].
حَدَّثَنَا المُثَنَّى، قال: حَدَّثَنَا إسحاقُ بنُ الحجاجِ، قال: حَدَّثَنَا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ بنِ أنسٍ بنحوِه، إلّا أنه قال: فإذا خلت آجالُهم، وانْقَطَعت مُدَّتُهم، صاروا كالبعوضةِ تحيا ما جاعت وتموتُ إذا رَوِيت، فكذلك هؤلاءِ الذين ضرَب اللهُ لهم هذا المثلَ، إذا امتلَئوا مِن الدنيا رِيًّا أخذَهم اللهُ فأهلَكهم، فذلك قولُه: ﴿حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾ [الأنعام: ٤٤].
الدنيا رِيًّا أخذَهم اللهُ فأهلَكهم، فذلك قولُه: ﴿حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾ [الأنعام: ٤٤].
وقال آخرون بما حَدَّثَنَا به بشرٌ، قال: حَدَّثَنَا يزيدُ بن زريعٍ، عن سعيدٍ، عن قتادةَ قولَه: ﴿إِنَّ اللهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾ أي: إن اللهَ لا يستحيي من الحقِّ أن يَذْكُرَ منه شيئًا ما، قَلَّ منه أو كثُرَ، إن اللهَ جل ذكره لما ذكَر في كتابِه الذبابَ والعنكبوتَ، قال أهلُ الضلالةِ: ما أراد اللهُ من ذِكْرِ هذا؟ فأنزَل اللهُ: ﴿إِنَّ اللهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾.
وحَدَّثَنَا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزَّاقِ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادةَ، قال: لمّا ذكَر اللهُ العنكبوتَ والذبابَ، قال المشركون: ما بالُ العنكبوتِ والذبابِ يُذْكَران؟
ال: أخبرنا عبدُ الرزَّاقِ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادةَ، قال: لمّا ذكَر اللهُ العنكبوتَ والذبابَ، قال المشركون: ما بالُ العنكبوتِ والذبابِ يُذْكَران؟ فأنزَل اللهُ: ﴿إِنَّ اللهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾.
قال أبو جعفرٍ: وقد ذهَب كلُّ قائلٍ ممن ذَكَرْنا قولَه في هذه الآيةِ وفي المعنى الذي أُنزلت فيه مذهبًا، غيرَ أن أوْلى ذلك بالصوابِ وأشبهَه بالحقِّ ما ذَكَرْنا مِن قولِ ابنِ مسعودٍ وابنِ عباسٍ، وذلك أنْ اللهَ أخبرَ عبادَه أنه لا يستحيي أن يَضْرِبَ مثلًا
ما بعوضةً فما فوقها، عقيبَ أمثالٍ قد تَقَدَّمَت في هذه السورةِ ضرَبها للمنافقِين دونَ الأمثالِ التي ضرَبها في سائرِ السور غيرِها - فلأنْ يكونَ هذا القولُ، أعني قولَه: ﴿إِنَّ اللهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا﴾.
للمنافقِين دونَ الأمثالِ التي ضرَبها في سائرِ السور غيرِها - فلأنْ يكونَ هذا القولُ، أعني قولَه: ﴿إِنَّ اللهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا﴾. جوابًا لنكيرِ الكفارِ والمنافقين ما ضرَب اللهُ لهم مِن الأمثالِ في هذه السورةِ، أحقُّ وأولى من أن يكَونَ ذلك جوابًا لنكيرِهم ما ضرَب اللهُ لهم من الأمثالِ في غيرِها من السورِ.
فإن ظنَّ ظانٌّ أنه إنما وجَب أن يكونَ ذلك جوابًا لنكيرِهم ما ضرَب من الأمثالِ في سائرِ السُّورِ؛ لأنَّ الأمثالَ التي ضرَبها اللهُ لهم ولآلهتِم في سائرِ السورِ أمثالٌ في مُوافقةِ المعنى لما أَخبَر اللهُ عنه أنه لا يستحيي أن يضربَه مثلًا؛ إذ كان بعضُها تمثيلًا لآلهتِهم بالعنكبوتِ، وبعضُها تشبيهًا لها في الضعفِ والمهانةِ بالذبابِ، وليس ذكرُ شيْءٍ من ذلك بموجودٍ في هذه السورةِ فيجوزَ أن يقالَ: إن اللهَ لا يستحيي أن [يضربَه مثلًا].
بعضُها تشبيهًا لها في الضعفِ والمهانةِ بالذبابِ، وليس ذكرُ شيْءٍ من ذلك بموجودٍ في هذه السورةِ فيجوزَ أن يقالَ: إن اللهَ لا يستحيي أن [يضربَه مثلًا]. فإن ذلك بخلافِ ما ظنَّ، وذلك أن قولَ اللهِ جلَّ ثناؤه: ﴿إِنَّ اللهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾ إنما هو خبرٌ منه جلَّ ذِكْرُه أنه لا يستحيي أن يضربَ في الحقِّ من االأمثالِ صغيرِها وكبيرِها ابتلاءً بذلك عبادَه، واختبارًا منه لهم، ليَميزَ به أهلَ الإيمانِ والتصديقِ به من أهلِ الضلالةِ والكفرِ به، إضلالًا منه به لقومٍ وهدايةً منه به لآخرين.
كما حدَّثَنِي محمدُ بنُ عمرِو، قال: حَدَّثَنَا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿مَثَلًا مَا بَعُوضَةً﴾: يعني الأمثالَ صغيرَها وكبيرَها، يؤمنُ بها المؤمنون، ويعلَمون أنَّها الحقُّ مِن ربِّهم، ويهديهم اللهُ بها،
ويَضِلُّ بها الفاسقون.
َلًا مَا بَعُوضَةً﴾: يعني الأمثالَ صغيرَها وكبيرَها، يؤمنُ بها المؤمنون، ويعلَمون أنَّها الحقُّ مِن ربِّهم، ويهديهم اللهُ بها،
ويَضِلُّ بها الفاسقون. يقولُ: يعرِفُه المؤمنون فيؤمنون به، ويعرِفُه الفاسقون فيكفرون به.
حدَّثني المُثَنَّى، قال: حدَّثنا أبو حذيفةَ، قال: حدَّثنا شبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ بمثلِه.
وحدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثني حجاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ، عن مجاهدٍ نحوَه.
لا أنه جلَّ ذِكْرُه قصَد الخبرَ عن عينِ البعوضةِ أنه لا يستحيي مِن ضربِ المثلِ بها، ولكنَّ البعوضةَ لما كانت أضعفَ الخلقِ - كما حدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثنا أبو سفيانَ، عن مَعمرٍ، عن قتادةَ، قال: البعوضَةُ أضعفُ ما خلَق اللهُ.
لما كانت أضعفَ الخلقِ - كما حدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثنا أبو سفيانَ، عن مَعمرٍ، عن قتادةَ، قال: البعوضَةُ أضعفُ ما خلَق اللهُ.
وحدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثني حجاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ نحوَه - خصَّها اللهُ بالذكرِ في القلةِ، فأخبَر أنه لا يستحيي أن يَضْرِبَ أقلَّ الأمثالِ في الحقِّ وأحقرَها وأعلاها إلى غيرِ نهايةٍ في الارتفاعِ، جوابًا منه جلَّ ذِكْرُه لمن أنكَر من منافقِي خلقِه ما ضرَب لهم من المثلِ بمُوقِدِ النارِ، والصَّيِّبِ من السماءِ على ما نَعَتهما به من نَعْتِهما.
فإن قال لنا قائلٌ: وأين ذِكْرُ نكيرِ المنافقِين الأمثالَ التي وصفْتَ الذي هذا الخبرُ
جوابُه، فنعلمَ أنَّ القولَ في ذلك ما قلتَ؟
قيل: الدَّلالةُ على ذلك بَيِّنةٌ في قولِه جل ذكرُه: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللهُ بِهَذَا مَثَلًا﴾.
َمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللهُ بِهَذَا مَثَلًا﴾. وإن القومَ الذين ضرَب لهم الأمثالَ في الآيتيْن المتقدِّمتيْن - اللتين مثَّلَ ما عليه المنافقون مقيمون فيهما بِمُوقِدِ النارِ وبالصَّيِّبِ من السماءِ على ما وصَف من ذلك قبلَ قولِه ﴿إِنَّ اللهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا﴾ - قد أنكَروا المثلَ، وقالوا: ﴿مَاذَا أَرَادَ اللهُ بِهَذَا مَثَلًا﴾. فأوضَحَ خطأَ قِيلِهم ذلك، وقبَّح لهم ما نطَقوا به وأخبرَهم بحكمِهم في قِيلِهم ما قالوا منه، وأنه ضلالٌ وفسوقٌ، وأن الصوابَ والهدَى ما قاله المؤمنون دونَ ما قالوه.
وأما تأويلُ: ﴿إِنَّ اللهَ لَا يَسْتَحْيِي﴾. فإن بعضَ المنسوبين إلى المعرفةِ بلغةِ العربِ كان يتأولُ معنى ﴿إِنَّ اللهَ لَا يَسْتَحْيِي﴾: إن اللهَ لا يخشَى أن يضربَ مثلًا.
اللهَ لَا يَسْتَحْيِي﴾. فإن بعضَ المنسوبين إلى المعرفةِ بلغةِ العربِ كان يتأولُ معنى ﴿إِنَّ اللهَ لَا يَسْتَحْيِي﴾: إن اللهَ لا يخشَى أن يضربَ مثلًا. ويَستشهدُ على ذلك من قولِه بقولِ اللهِ جلَّ وعزَّ: ﴿وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ﴾ [الأحزاب: ٣٧]. ويَزْعُمُ أن معنى ذلك: وتستحيي الناسَ واللهُ أحقُّ أن تستحييَه. فيقولُ: الاستحياءُ بمعنى الخشيةِ، والخشيةُ بمعنى الاستحياءِ.
وأما معنى قولِه: ﴿أَنْ يَضْرِبَ﴾. فهو: أن يُبَيِّنَ ويصفَ. كما قال جلَّ ثناؤه: ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ [الروم: ٢٨]. بمعنى: وصَف لكم. وكما قال الكميتُ:
وذلك ضربُ أخماسٍ أُرِيدتْ … لأسداسٍ عسى ألا تكونا
بمعنى وصفِ أخماسٍ. والمثلُ الشَّبهُ، يقالُ: هذا مِثْلُ الشيْءِ ومَثَلُه، كما يقال: شِبْهُه وشَبَهُه.
ذلك ضربُ أخماسٍ أُرِيدتْ … لأسداسٍ عسى ألا تكونا
بمعنى وصفِ أخماسٍ. والمثلُ الشَّبهُ، يقالُ: هذا مِثْلُ الشيْءِ ومَثَلُه، كما يقال: شِبْهُه وشَبَهُه. ومنه قولُ كعبِ بنِ زهيرٍ:
كانت مواعيدُ عُرْقوبٍ لها مَثلًا … وما مواعيدُها إلا الأباطيلُ
يعني شَبَهًا.
فمعنى قولِه إذن: ﴿إِنَّ اللهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا﴾: إن اللهَ لا يخشَى أن يصِفَ شبهًا لما شَبَّه به.
وأما ﴿مَا﴾ التي مع "مَثل" فإنها بمعنى الذي؛ لأن معنى الكلامِ: إن اللهَ لا يستحيي أن يضربَ الذي هو بعوضةً في الصِّغرِ والقِلةِ فما فوقَها مَثلًا.
فإن قال قائلٌ: فإن كان القولُ في ذلك ما قلتَ، فما وجهُ نصبِ "البعوضة"، وقد علمتَ أن تأويلَ الكلامِ على ما تأوّلتَ: أن اللهَ لا يستحيي أن يضربَ مثَلًا الذي هو بعوضةً؛ فالبعوضةُ على قولِك في محلِّ الرفعِ، فأنَّى أتاها النصبُ؟
قيل: أتاها النصبُ من وجهين، أحدُهما: مِن أن ﴿مَا﴾ لما كانت في محلِّ نصبٍ بقولِه: ﴿يَضْرِبَ﴾ وكانتِ البعوضةُ لها صلةً، عُرِّبت بتعريبِها فأُلزِمتْ
صبُ؟
قيل: أتاها النصبُ من وجهين، أحدُهما: مِن أن ﴿مَا﴾ لما كانت في محلِّ نصبٍ بقولِه: ﴿يَضْرِبَ﴾ وكانتِ البعوضةُ لها صلةً، عُرِّبت بتعريبِها فأُلزِمتْ
إعْرابَها، كما قال حسانُ بنُ ثابتٍ:
[وكفى] بنا فضلًا على مَن غيرِنا … حبُّ النبيِّ محمدٍ إيانا
فعُرِّب "غير" بإعرإب "مَن"، والعربُ تفعلُ ذلك خاصةً في "مَن" و"ما"؛ تُعَرِّبُ صِلاتِهما بإعرابِهمَا؛ لأنهما يكونان معرِفةً أحيانا ونكرةً أحيانًا.
وأما الوجهُ الآخرُ: فأن يكونَ معنى الكلام: إن اللهَ لا يستحيي أن يضربَ مثلًا ما بينَ بعوضةٍ إلى ما فوقَها. ثم حذَف ذِكْرَ "بينَ" و"إلى"؛ إذْ كان في نصبِ "البعوضة" ودخولِ الفاءِ في ﴿مَا﴾ الثانيةِ دَلالةٌ عليهما، كما قالتِ العربُ: مُطِرْنا ما زُبالةَ فالثَّعْلَبِيَّةَ. و: له عشرون ما ناقةً فجَملًا. و: هي أحسنُ الناسِ ما قرنًا فقدمًا. يعنون بذلك: [ما بيْنَ]
قَرْنِها إلى قَدمِها. وكذلك يقولون في كلِّ ما حسُن فيه من الكلامِ دخولُ "ما" بين كذا إلى كذا.
هي أحسنُ الناسِ ما قرنًا فقدمًا. يعنون بذلك: [ما بيْنَ]
قَرْنِها إلى قَدمِها. وكذلك يقولون في كلِّ ما حسُن فيه من الكلامِ دخولُ "ما" بين كذا إلى كذا. ينصِبون الأولَ والثانيَ، ليدلَّ النصبُ [في الأسماءِ] على المحذوفِ من الكلامِ. فكذلك ذلك في قولهِ: ﴿مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾.
وقد زعمَ بعضُ أهلِ العربيةِ أن ﴿مَا﴾ التي مع "المثَل" صِلةٌ في الكلامِ بمعنى التَّطوُّلِ، وأن معنى الكلامِ: إن اللهَ لا يستحيي أن يضربَ بعوضةً مثلًا فما فوقَها. فعلى هذا التأويلِ يجبُ أن تكونَ "البعوضة" منصوبةً بـ ﴿يَضْرِبَ﴾، وأن تكونَ ﴿مَا﴾ الثانية التي في ﴿فَمَا فَوْقَهَا﴾ معطوفةً على البعوضةِ لا على ﴿مَا﴾.
وأما تأويلُ قولِه: ﴿فَمَا فَوْقَهَا﴾. [فهو: ما] هو أعظمُ منها عندِي؛ لما ذَكَرْنا قبلُ من قولِ قتادةَ وابنِ جُريجٍ أن البعوضةَ أضعفُ خلقِ اللهِ، فإن كانت أضعفَ خلقِ اللهِ فهي نهايةٌ في القلةِ والضعفِ، وإذا كانت كذلك فلا شكَّ أن ما فوقَ أضعفِ الأشياءِ لا يكونُ إلا أقوَى منه.
َ أضعفُ خلقِ اللهِ، فإن كانت أضعفَ خلقِ اللهِ فهي نهايةٌ في القلةِ والضعفِ، وإذا كانت كذلك فلا شكَّ أن ما فوقَ أضعفِ الأشياءِ لا يكونُ إلا أقوَى منه. فقد يجبُ أن يكونَ المعنى على ما قالاه: فما فوقَها في العِظَمِ والكِبَرِ، إذ كانتِ البعوضةُ نهايةً في الضعفِ والقلةِ.
وقيل في تأويلِ قولِه: ﴿فَمَا فَوْقَهَا﴾: في الصِّغَرِ والقلةِ. كما يُقالُ في الرجلِ يذكرُه الذاكرُ فيصِفُه باللؤمِ والشحِّ، فيقولُ السامعُ: نعم، وفوقَ ذلك. يعني
به فوقَ الذي وصفتَ في الشحِّ واللؤمِ.
وهذا قولٌ خلافُ تأويلِ أهلِ العلمِ الذين تُرتضَى معرفتُهم بتأويلِ القرآنِ، فقد تَبيَّنَ إذن بما وصفْنا أن معنى الكلامِ: إن اللهَ لا يستحيي أن يصِفَ شبهًا لما شَبَّه به الذي هو ما بينَ بعوضةٍ إلى ما فوقَ "البعوضةِ".
القرآنِ، فقد تَبيَّنَ إذن بما وصفْنا أن معنى الكلامِ: إن اللهَ لا يستحيي أن يصِفَ شبهًا لما شَبَّه به الذي هو ما بينَ بعوضةٍ إلى ما فوقَ "البعوضةِ". فأما تأويلُ الكلامِ لو رُفعتِ "البعوضة"، فغيرُ جائزٍ في ﴿مَا﴾، إلا ما قلنا من أن تكونَ اسمًا لا صلةً، بمعنى التطولِ.
القولُ في تأويلِ قولِ اللهِ جلّ ثناؤُه: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللهُ بِهَذَا مَثَلًا﴾.
يعني بقولِه جلّ ذكرُه: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾: فأما الذين صدَّقوا اللهَ ورسولَه.
وقولُه: ﴿فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ﴾.
لرحمنِ، وأنه الحقُّ من اللهِ، ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللهُ بِهَذَا مَثَلًا﴾.
وقولُه: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾. يعني: الذين جحَدوا آياتِ اللهِ، وأنكَروا ما عرَفوا، وستَروا ما عَلِموا أنه الحقُّ. وذلك صفةُ المنافقين، وإيَّاهم عنَى اللهُ جلّ ثناؤُه ومَن كان من نُظرائِهم وشركائِهم من المشركين مِن أهلِ الكتابِ وغيرِهم، بهذه الآيةِ: ﴿فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللهُ بِهَذَا مَثَلًا﴾.
كما قد ذَكَرْنا قبلُ من الخبرِ الذي روَيْناه عن مجاهدٍ الذي حَدَّثنا به محمدُ ابنُ عمرٍو، قال: حدثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ الآية.
عمرٍو، قال: حدثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ الآية. قال: يؤمنُ بها المؤمنون، ويعلَمون أنها الحقُّ من ربِّهم، ويهديهم اللهُ بها، ويَضِلُّ بها الفاسقون.
يقولُ: يعرِفُه المؤمنون فيؤمنون به، ويعرِفُه الفاسقون فيكفرون به.
وتأويلُ قولِه: ﴿مَاذَا أَرَادَ اللهُ بِهَذَا مَثَلًا﴾: ما الذي أراد اللهُ بهذا المثَلِ مثلًا؟ فـ "ذا" الذي مع "ما" في معنى "الذي"، وأرادَ صلته، و "هذا" إشارةٌ إلى "المثل".
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا﴾.
ومعنى قولِه جل ذكرُه: ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا﴾: يُضلُّ اللهُ به كثيرًا من خلقِه. والهاءُ في ﴿بِهِ﴾ من ذِكْرِ "المثَل". وهذا خبرٌ من اللهِ جلَّ ثناؤه مُبتدأٌ، ومعنى
الكلامِ [قال اللهُ: يُضِلُّ اللهُ] بالمثلِ الذي يضْربُه كثيرًا من أهلِ النفاقِ والكفرِ.
كما حَدَّثني موسى، قال: حدَّثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: حدَّثنا أسباطُ، عن السدِّيِّ في خبرٍ ذكَره عن أبي مالكٍ، وعن أبي صالحٍ، عن ابنِ عباسٍ، وعن مُرَّةَ، عن ابنِ مسعودٍ، وعن ناسٍ من أصحابِ النبيِّ ﷺ: ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا﴾: يعني المنافقين، ﴿وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا﴾: يعني المؤمنين، فيزيدُ هؤلاء ضلالًا إلى ضلالِهم لتكذيبِهم بما قد علِموه حقًّا يقينًا من المثَلِ الذي ضرَبه اللهُ لِما ضرَبه له، وأنه لِما ضرَبه له موافقٌ، فذلك إضلالُ اللهِ إياهم به، ﴿وَيَهْدِي بِهِ﴾ - يعني بالمثلِ - كثيرًا من أهلِ الإيمانِ والتصديقِ، فيزيدهم هدًى إلى هداهم، وإيمانًا إلى
ضرَبه له موافقٌ، فذلك إضلالُ اللهِ إياهم به، ﴿وَيَهْدِي بِهِ﴾ - يعني بالمثلِ - كثيرًا من أهلِ الإيمانِ والتصديقِ، فيزيدهم هدًى إلى هداهم، وإيمانًا إلى إيمانِهم، لتصديقِهم بما قد علِموه حقًّا يقينًا أنه موافقٌ ما ضرَبه اللهُ له مثلًا، وإقرارِهم به، وذلك هدايةُ اللهِ لهم به.
وقد زَعمَ بعضُهم أن ذلك خبرٌ عن قولِ المنافقين، كأنهم قالوا: ما أرادَ اللهُ بمَثَلٍ لا يعرفُه كلُّ أحدٍ، يُضِلُّ به هذا ويهدِي به هذا؟ ثم استؤنِف الكلامُ والخبرُ عن اللهِ، فقال اللهُ: ﴿وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ﴾ وفي ما في سورةِ "المدثر" من قولِ اللهِ: ﴿وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكَافِرُونَ مَاذَا أَرَادَ اللهُ بِهَذَا مَثَلًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [المدثر: ٣١] - ما ينبئُ عن أنه في سورةِ "البقرة" كذلك مبتدأٌ، أعني قولَه: ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا﴾.
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ وعز: ﴿وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ (٢٦)﴾.
وتأويلُ ذلك مَا حَدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: حدَّثنا عمرٌو، قال: حدَّثنا أسباطُ، عن السدِّيِّ في خبرٍ ذَكرَه عن أبي مالكٍ، وعن أبي صالحٍ، عن ابنِ عباسٍ، وعن مُرَّةَ، عن ابنِ مسعودٍ، وعن ناسٍ من أصحابِ النبيِّ ﷺ: ﴿وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ﴾: هم المنافقون.
حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: حدَّثنا يزيدُ، قال: حدَّثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ﴾: فسَقوا فأضلَّهم اللهُ على فسقِهم.
حَدَّثني المُثَنَّى، قال: حدَّثنا إسحاقُ، قال: حدَّثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ بنِ أنسٍ: ﴿وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ﴾: هم أهلُ النفاقِ.
لمُثَنَّى، قال: حدَّثنا إسحاقُ، قال: حدَّثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ بنِ أنسٍ: ﴿وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ﴾: هم أهلُ النفاقِ.
قال أبو جعفرٍ: وأصل الفِسقِ في كلامِ العربِ الخروجُ عن الشيْءِ، يقالُ منه: فَسقَتِ الرُّطَبَةُ، إذا خرَجت من قشرِها؛ ومن ذلك سُميتِ الفأرةُ فُوَيسِقةً؛ لخروجِها عن جحرِها، فكذلك المنافقُ والكافرُ، سُمِّيا فاسقَيْن لخروجِهما عن طاعةِ ربِّهما، ولذلك قال جلَّ ذكرُه في صفةِ إبليسَ: ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ [الكهف: ٥٠].
يْن لخروجِهما عن طاعةِ ربِّهما، ولذلك قال جلَّ ذكرُه في صفةِ إبليسَ: ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ [الكهف: ٥٠]. يعني به: خرَج عن طاعتِه واتباعِ أمرِه.
كما حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: حدَّثنا سلَمةُ، دال: حدَّثني ابنُ إسحاقَ، عن
داودَ بنِ الحصينِ، عن عكرمةَ مولى ابنِ عباسٍ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ [البقرة: ٥٩] أي: بما [تعدَّوا من] أمرِي.
فمعنى قولِه: ﴿وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ﴾: وما يُضِلُّ اللهُ بالمثَلِ الذي يضْرِبُه لأهلِ النفاقِ والضلالِ إلا الخارجِين عن طاعتِه والتاركِين اتباعَ أمرِه، من أهلِ الكفرِ به من أهلِ الكتابِ، وأهلِ الضلالِ من أهلِ النفاقِ.
﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلا يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلا الْفَاسِقِينَ (٢٦) الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (٢٧)﴾
قال السدي في تفسيره، عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس -وعن مرة، عن ابن مسعود، وعن ناس من الصحابة: لما ضرب الله هذين المثلين للمنافقين، يعني قوله: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾ [البقرة: ١٧] وقوله ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ﴾ [البقرة: ١٩] الآيات الثلاث، قال المنافقون: الله أعلى وأجل من أن يضرب هذه الأمثال، فأنزل الله هذه الآية إلى قوله: (هُمُ الْخَاسِرُونَ)
مِنَ السَّمَاءِ﴾ [البقرة: ١٩] الآيات الثلاث، قال المنافقون: الله أعلى وأجل من أن يضرب هذه الأمثال، فأنزل الله هذه الآية إلى قوله: (هُمُ الْخَاسِرُونَ)
وقال عبد الرزاق، عن مَعْمَر، عن قتادة: لما ذكر الله العنكبوت والذباب، قال المشركون: ما بال العنكبوت والذباب يذكران؟ فأنزل الله [تعالى هذه الآية] (إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا).
وقال سعيد، عن قتادة: أي إن الله لا يستحيي من الحق أن يذكر شيئا ما، قل أو كثر، وإن الله حين ذكر في كتابه الذباب والعنكبوت قال أهل الضلالة: ما أراد الله من ذكر هذا؟ فأنزل الله: (إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا)
قلت: العبارة الأولى عن قتادة فيها إشعار أن هذه الآية مكية، وليس كذلك، وعبارة رواية سعيد، عن قتادة أقرب والله أعلم.
َلا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا)
قلت: العبارة الأولى عن قتادة فيها إشعار أن هذه الآية مكية، وليس كذلك، وعبارة رواية سعيد، عن قتادة أقرب والله أعلم. وروى ابن جُرَيج عن مجاهد نحو هذا الثاني عن قتادة.
وقال ابن أبي حاتم: روي عن الحسن وإسماعيل بن أبي خالد نحو قول السدي وقتادة.
وقال أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس في هذه الآية قال: هذا مثل ضربه الله للدنيا؛ إذ
البعوضة تحيا ما جاعت، فإذا سمنت ماتت. وكذلك مثل هؤلاء القوم الذين ضرب لهم هذا المثل في القرآن، إذا امتلؤوا من الدنيا ريا أخذهم الله تعالى عند ذلك، ثم تلا ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٤٤].
هكذا رواه ابن جرير، ورواه ابن أبي حاتم من حديث أبي جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية، بنحوه، فالله أعلم.
لَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٤٤].
هكذا رواه ابن جرير، ورواه ابن أبي حاتم من حديث أبي جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية، بنحوه، فالله أعلم.
فهذا اختلافهم في سبب النزول، وقد اختار ابن جرير ما حكاه السُّدي؛ لأنه أمس بالسورة، وهو مناسب، ومعنى الآية: أنه تعالى أخبر أنه لا يستحيي، أي: لا يستنكف، وقيل: لا يخشى أن يضرب مثلا ما، أي: أيّ مثل كان، بأي شيء كان، صغيرًا كان أو كبيرًا.
و"ما" هاهنا للتقليل وتكون (بَعُوضَةً) منصوبة على البدل، كما تقول: لأضربن ضربًا ما، فيصدق بأدنى شيء [أو تكون "ما" نكرة موصوفة ببعوضة]. واختار ابن جرير أن ما موصولة، و (بَعُوضَةً) معربة بإعرابها، قال: وذلك سائغ في كلام العرب، أنهم يعربون صلة ما ومن بإعرابهما لأنهما يكونان معرفة تارة، ونكرة أخرى، كما قال حسان بن ثابت:
وَكَفَى بِنَا فَضْلا عَلَى مَنْ غَيْرِنَا … ...
م العرب، أنهم يعربون صلة ما ومن بإعرابهما لأنهما يكونان معرفة تارة، ونكرة أخرى، كما قال حسان بن ثابت:
وَكَفَى بِنَا فَضْلا عَلَى مَنْ غَيْرِنَا … ... … حُب النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ إيَّانَا
قال: ويجوز أن تكون (بَعُوضَةً) منصوبة بحذف الجار، وتقدير الكلام: إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا ما بين بعوضة إلى ما فوقها.
[وهذا الذي اختاره الكسائي والفراء. وقرأ الضحاك وإبراهيم بن أبي عبلة ورويت "بعوضة" بالرفع، قال ابن جني: وتكون صلة لما وحذف العائد كما في قوله: ﴿تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ﴾ [الأنعام: ١٥٤] أي: على الذي أحسن هو أحسن، وحكى سيبويه: ما أنا بالذي قائل لك شيئا، أي: يعني بالذي هو قائل لك شيئًا].
وقوله: (فَمَا فَوْقَهَا) فيه قولان: أحدهما: فما دونها في الصغر، والحقارة، كما إذا وصف رجل باللؤم والشح، فيقول السامع: نعم، وهو فوق ذلك، يعني فيما وصفت. وهذا قول الكسائي وأبي عبيدة، قال الرازي: وأكثر المحققين، وفي الحديث: "لو أن الدنيا تزن عند الله جناح بعوضة ما سقى كافرا منها شربة ماء".
ني فيما وصفت. وهذا قول الكسائي وأبي عبيدة، قال الرازي: وأكثر المحققين، وفي الحديث: "لو أن الدنيا تزن عند الله جناح بعوضة ما سقى كافرا منها شربة ماء". والثاني: فما فوقها: فما هو أكبر منها؛ لأنه ليس شيء أحقر ولا أصغر من البعوضة. وهذا [قول قتادة بن دعامة و] اختيار ابن جرير.
[ويؤيده ما رواه مسلم عن عائشة، ﵂: أن رسول الله ﷺ قال: "ما من مسلم يشاك شوكة فما فوقها إلا كتبت له بها درجة ومحيت عنه بها خطيئة"].
فأخبر أنه لا يستصغر شيئًا يَضْرب به مثلا ولو كان في الحقارة والصغر كالبعوضة، كما [لم يستنكف عن خلقها كذلك لا يستنكف من] ضرب المثل بالذباب والعنكبوت في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾ [الحج: ٧٣]، وقال: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ
كما قال: ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ الآية [الروم: ٢٨]. وقال: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا رَجُلا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ [وَرَجُلا سَلَمًا لِرَجُلٍ]﴾ الآية [الزمر: ٢٩]، وقد قال تعالى: ﴿وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلا الْعَالِمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٣] وفي القرآن أمثال كثيرة.
قال بعض السلف: إذا سمعت المثل في القرآن فلم أفهمه بكيت على نفسي؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلا الْعَالِمُونَ﴾
وقال مجاهد قوله: (إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا) الأمثال صغيرها وكبيرها يؤمن بها المؤمنون ويعلمون أنها الحق من ربهم، ويهديهم الله بها.
وقال قتادة: (فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ) أي: يعلمون أنه كلام الرحمن، وأنه من عند الله.
َا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلا هُوَ﴾ [المدثر: ٣١]،
وكذلك قال هاهنا: (يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلا الْفَاسِقِينَ)
قال السدي في تفسيره، عن أبي مالك وعن أبي صالح، عن ابن عباس -وعن مرة، عن ابن مسعود، وعن ناس من الصحابة: (يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا) يعني: المنافقين، (وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا) يعني المؤمنين، فيزيد هؤلاء ضلالة إلى ضلالهم لتكذيبهم بما قد علموه حقًا يقينًا، من المثل الذي ضربه الله بما ضربه لهم وأنه لما ضربه له موافق، فذلك إضلال الله إياهم به (وَيَهْدِي بِهِ) يعني بالمثل كثيرًا من أهل الإيمان والتصديق، فيزيدهم هدى إلى هداهم وإيمانًا إلى إيمانهم، لتصديقهم بما قد علموه حقًا يقينًا أنه موافق ما ضربه الله له مثلا وإقرارهم به، وذلك هداية من الله لهم به (وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلا الْفَاسِقِينَ) قال: هم المنافقون.
قد علموه حقًا يقينًا أنه موافق ما ضربه الله له مثلا وإقرارهم به، وذلك هداية من الله لهم به (وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلا الْفَاسِقِينَ) قال: هم المنافقون.
وقال أبو العالية: (وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلا الْفَاسِقِينَ) قال: هم أهل النفاق. وكذا قال الربيع بن أنس.
وقال ابن جريج عن مجاهد، عن ابن عباس: (وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلا الْفَاسِقِينَ) يقول: يعرفه الكافرون فيكفرون به.
وقال قتادة: (وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلا الْفَاسِقِينَ) فسقوا، فأضلهم الله على فسقهم.
وقال ابن أبي حاتم: حُدّثتُ عن إسحاق بن سليمان، عن أبي سِنان، عن عمرو بن مرة، عن مصعب بن سعد، عن سعد (يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا) يعني الخوارج.
وقال شعبة، عن عمرو بن مرة، عن مصعب بن سعد، قال: سألت أبي فقلت: قوله تعالى: (الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ) إلى آخر الآية، فقال: هم الحرورية.
مرة، عن مصعب بن سعد، قال: سألت أبي فقلت: قوله تعالى: (الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ) إلى آخر الآية، فقال: هم الحرورية. وهذا الإسناد إن صح عن سعد بن أبي وقاص، ﵁، فهو تفسير على المعنى، لا أن الآية أريد منها التنصيص على الخوارج، الذين خرجوا على عليٍّ بالنهروان، فإن أولئك لم يكونوا حال نزول الآية، وإنما هم داخلون بوصفهم فيها مع من دخل؛ لأنهم سموا خوارج لخروجهم على طاعة الإمام والقيام بشرائع الإسلام.
والفاسق في اللغة: هو الخارج عن الطاعة أيضًا. وتقول العرب: فسقت الرطبة: إذا خرجت من قشرتها؛ ولهذا يقال للفأرة: فويسقة، لخروجها عن جُحْرها للفساد.
لام.
والفاسق في اللغة: هو الخارج عن الطاعة أيضًا. وتقول العرب: فسقت الرطبة: إذا خرجت من قشرتها؛ ولهذا يقال للفأرة: فويسقة، لخروجها عن جُحْرها للفساد. وثبت في الصحيحين، عن عائشة أن رسول الله ﷺ قال: "خمس فواسق يُقتلن في الحل والحرم: الغراب، والحدأة، والعقرب، والفأرة، والكلب العقور".
فالفاسق يشمل الكافر والعاصي، ولكن فسْق الكافر أشد وأفحش، والمراد من الآية الفاسق الكافر، والله أعلم، بدليل أنه وصفهم بقوله: (الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الأرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ)
وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾ [الرعد: ١٩ - ٢٥].
وقد اختلف أهل التفسير في معنى العهد الذي وصف هؤلاء الفاسقين بنقضه، فقال بعضهم: هو وصية الله إلى خلقه وأمره إياهم بما أمرهم به من طاعته، ونهيه إياهم عما نهاهم عنه من معصيته في كتبه، وعلى لسان رسله، ونقضهم ذلك هو تركهم العمل به.
وقال آخرون: بل هي في كفار أهل الكتاب والمنافقين منهم، وعهد الله الذي نقضوه هو ما أخذه الله عليهم في التوراة من العمل بما فيها واتباع محمد ﷺ إذا بعث والتصديق به، وبما جاء به من عند ربهم، ونقضهم ذلك هو جحودهم به بعد معرفتهم بحقيقته وإنكارهم ذلك، وكتمانهم علم ذلك [عن] الناس بعد إعطائهم الله من أنفسهم الميثاق ليبيننه للناس ولا يكتمونه، فأخبر تعالى أنهم نبذوه وراء ظهورهم، واشتروا به ثمنًا قليلا. وهذا اختيار ابن جرير ﵀ وقول مقاتل بن حيان.
وقال آخرون: بل عنى بهذه الآية جميع أهل الكفر والشرك والنفاق.
هم نبذوه وراء ظهورهم، واشتروا به ثمنًا قليلا. وهذا اختيار ابن جرير ﵀ وقول مقاتل بن حيان.
وقال آخرون: بل عنى بهذه الآية جميع أهل الكفر والشرك والنفاق. وعهده إلى جميعهم في توحيده: ما وضع لهم من الأدلة الدالة على ربوبيته، وعهده إليهم في أمره ونهيه ما احتج به لرسله من المعجزات التي لا يقدر أحد من الناس غيرهم أن يأتي بمثلها الشاهدة لهم على صدقهم، قالوا: ونقضهم ذلك: تركهم الإقرار بما ثبتت لهم صحته بالأدلة وتكذيبهم الرسل والكتب مع علمهم أن ما أتوا به حق، وروي أيضًا عن مقاتل بن حيان نحو هذا، وهو حسن، [وإليه مال الزمخشري، فإنه قال: فإن قلت: فما المراد بعهد الله؟
م الرسل والكتب مع علمهم أن ما أتوا به حق، وروي أيضًا عن مقاتل بن حيان نحو هذا، وهو حسن، [وإليه مال الزمخشري، فإنه قال: فإن قلت: فما المراد بعهد الله؟ قلت: ما ركز في عقولهم من الحجة على التوحيد، كأنه أمر وصاهم به ووثقه عليهم وهو معنى قوله: ﴿وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ [الأعراف: ١٧٢] إذ أخذ الميثاق عليهم في الكتب المنزلة عليهم لقوله: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ [البقرة: ٤٠].
وقال آخرون: العهد الذي ذكره [الله] تعالى هو العهد الذي أخذه عليهم حين أخرجهم من
صلب آدم الذي وصف في قوله: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى [شَهِدْنَا]﴾ الآيتين [الأعراف: ١٧٢، ١٧٣] ونقضهم ذلك تركهم الوفاء به.
ِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى [شَهِدْنَا]﴾ الآيتين [الأعراف: ١٧٢، ١٧٣] ونقضهم ذلك تركهم الوفاء به. وهكذا روي عن مقاتل بن حيان أيضًا، حكى هذه الأقوال ابن جرير في تفسيره.
وقال أبو جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، في قوله: (الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ) إلى قوله: (الْخَاسِرُونَ) قال: هي ست خصال من المنافقين إذا كانت فيهم الظَّهْرَة على الناس أظهروا هذه الخصال: إذا حدثوا كذبوا، وإذا وعدوا أخلفوا، وإذا اؤتمنوا خانوا، ونقضوا عهد الله من بعد ميثاقه، وقطعوا ما أمر الله به أن يوصل، وأفسدوا في الأرض، وإذا كانت الظَّهْرَةُ عليهم أظهروا الخصال الثلاث: إذا حدثوا كذبوا، وإذا وعدوا أخلفوا، وإذا اؤتمنوا خانوا.
وكذا قال الربيع بن أنس أيضًا.
دوا في الأرض، وإذا كانت الظَّهْرَةُ عليهم أظهروا الخصال الثلاث: إذا حدثوا كذبوا، وإذا وعدوا أخلفوا، وإذا اؤتمنوا خانوا.
وكذا قال الربيع بن أنس أيضًا. وقال السدي في تفسيره بإسناده، قوله تعالى: (الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ) قال: هو ما عهد إليهم في القرآن فأقروا به ثم كفروا فنقضوه.
وقوله: (وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ) قيل: المراد به صلة الأرحام والقرابات، كما فسره قتادة كقوله تعالى: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ﴾ [محمد: ٢٢] ورجحه ابن جرير.
ما فسره قتادة كقوله تعالى: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ﴾ [محمد: ٢٢] ورجحه ابن جرير. وقيل: المراد أعم من ذلك فكل ما أمر الله بوصله وفعله قطعوه وتركوه.
وقال مقاتل بن حيان في قوله: (أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ) قال في الآخرة، وهذا كما قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾ [الرعد: ٢٥].
وقال الضحاك عن ابن عباس: كل شيء نسبه الله إلى غير أهل الإسلام من اسم مثل خاسر، فإنما يعني به الكفر، وما نسبه إلى أهل الإسلام فإنما يعني به الذنب.
وقال ابن جرير في قوله: (أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ) الخاسرون: جمع خاسر، وهم الناقصون أنفسهم [و] حظوظهم بمعصيتهم الله من رحمته، كما يخسر الرجل في تجارته بأن يوضع من رأس ماله في بيعه، وكذلك الكافر والمنافق خسر بحرمان الله إياه رحمته التي خلقها لعباده في القيامة أحوج ما كانوا إلى رحمته، يقال منه: خسر الرجل يخسر خَسْرًا وخُسْرانًا وخَسارًا، كما قال جرير بن عطية
حرمان الله إياه رحمته التي خلقها لعباده في القيامة أحوج ما كانوا إلى رحمته، يقال منه: خسر الرجل يخسر خَسْرًا وخُسْرانًا وخَسارًا، كما قال جرير بن عطية
إن سَلِيطًا في الخَسَارِ إنَّه … ... … أولادُ قَومٍ خُلقُوا أقِنَّه