(Ingatlah) ketika kamu lari dan tidak menoleh kepada siapa pun, sedang Rasul (Muhammad) yang berada di antara (kawan-kawan)mu yang lain memanggil kamu (kelompok yang lari), karena itu Allah menimpakan kepadamu kesedihan demi kesedihan,154) agar kamu tidak bersedih hati (lagi) terhadap apa yang luput dari kamu dan terhadap apa yang menimpamu. Dan Allah Mahateliti atas apa yang kamu kerjakan
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ﴾.
يعنى بذلك تعالى ذكرُه: ولقد عفا عنكم أيُّها المؤمنون إذ لم يَسْتَأْصِلْكم إهلاكًا منه جميعكم بذنوبِكم وهربِكم [عن عدوِّكم] إذ تُصْعِدُون ولا تلوون على أحدٍ.
واخْتَلَفَتِ القرأةُ في قراءة ذلك؛ فقرَأَته عامةُ قرأةِ أهلِ الحجازِ والعراقِ والشامِ سوى الحسن البصريِّ: ﴿إِذْ تُصْعِدُونَ﴾ بضمِّ التاءِ وكسرِ العينِ. وبه القراءةُ عندَنا؛ لإجماعِ الحُجَّةِ من القرأةِ على القراءةِ به، واستنكارِهم ما خالَفه.
ورُوِى عن الحسنِ البصريِّ ﵀ أنه كان يَقْرَأَ: (إِذْ تَصْعَدُونَ) بفتحِ التاءِ والعينِ.
حدَّثني بذلك أحمدُ بنُ يوسُفَ، قال: ثنا القاسمُ بنُ سلَّامٍ، قال: ثنا حجاجٌ، عن هارونَ، عن يونُسَ بن عُبيدٍ، عن الحسنِ.
عَدُونَ) بفتحِ التاءِ والعينِ.
حدَّثني بذلك أحمدُ بنُ يوسُفَ، قال: ثنا القاسمُ بنُ سلَّامٍ، قال: ثنا حجاجٌ، عن هارونَ، عن يونُسَ بن عُبيدٍ، عن الحسنِ.
فأما الذين قرَءوا: ﴿تُصْعِدُونَ﴾ بضمِّ التاءِ وكسرِ العينِ، فإنهم وجَّهوا معنى الله ذلك إلى أن القومَ حينَ انْهَزَموا عن عدوِّهم، أخَذُوا في الوادى هارِبين، وذكَروا أن ذلك في قراءةِ أبيٍّ: (إذ تُصْعِدون في الوادي).
حدَّثنا بذلك أحمدُ بنُ يوسُفَ، قال: ثنا أبو عُبيدٍ، قال: ثنا حجاجٌ، عن هارونَ.
قالوا: فالهربُ في مستوى الأرضِ وبطونِ الأوديةِ والشِّعابِ إصعادٌ لا صُعودٌ. قالوا: وإنما يَكونُ الصعودُ على الجبالِ والسَّلاليمِ والدَّرَجِ؛ لأن معنى الصعودِ الارتقاءُ والارتفاعُ على الشيءِ عُلُوًّا.
قالوا: فأما الأخذُ في مستوى الأرضِ والهبوطِ، فإنما هو إصعادٌ، كما يقالُ: أصْعَدْنا من مكةَ.
أن معنى الصعودِ الارتقاءُ والارتفاعُ على الشيءِ عُلُوًّا.
قالوا: فأما الأخذُ في مستوى الأرضِ والهبوطِ، فإنما هو إصعادٌ، كما يقالُ: أصْعَدْنا من مكةَ. إذا ابْتَدَأْتَ في السفرِ منها والخروجِ وأصْعَدْنا من الكوفةِ إلى خُراسانَ، بمعنى: خرَجْنا منها سفرًا إليها، [وابْتَدَأْنا منها الخروجَ] إليها.
قالوا: وإنما جاء تأويلُ أكثرِ أهلِ التأويلِ بأن القومَ أخَذوا عندَ انهزامِهم عن عدوِّهم في بطنِ الوادى.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قوله: ﴿إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ﴾.
للهِ".
وأما الحسنُ ﵀ فإنى أُراه ذهَب في قراءتِه: (إِذْ تَصْعَدُونَ). بفتحِ التاءِ والعينِ، إلى أنَّ القومَ حينَ انْهَزَموا عن المشركين صعِدوا الجبلَ. وقد قال ذلك عددٌ مِن أهلِ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ، قال: لما شدَّ المشركون على المسلمين بأحدٍ فهزَموهم، دخَل بعضُهم المدينةَ، وانْطَلَق بعضُهم فوقَ الجبلِ إلى الصخرةِ، فقاموا عليها، وجعل رسولُ اللهِ يَدْعو الناسَ: "إليَّ عبادَ اللهِ، إلى عبادَ اللهِ".
، دخَل بعضُهم المدينةَ، وانْطَلَق بعضُهم فوقَ الجبلِ إلى الصخرةِ، فقاموا عليها، وجعل رسولُ اللهِ يَدْعو الناسَ: "إليَّ عبادَ اللهِ، إلى عبادَ اللهِ". فذكَر اللهُ صعودَهم على الجبلِ، ثم ذكَر دعاءَ النبيِّ ﷺ إياهم، فقال: (إذْ تَصْعدون ولا تَلْوون على أحدٍ والرسولُ يَدْعوكم في أُخراكم).
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مُجاهدٍ، قال: انحازوا إلى النبيِّ ﷺ، فجعَلوا يَصْعَدون في الجبلِ، والرسولُ يَدْعوهم في أُخْراهم.
حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مُجاهدٍ مثلَه.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، قال: قال ابن عباسٍ قولَه: (إذ تَصْعَدون ولا تَلْوُون على أحدٍ).
، عن مُجاهدٍ مثلَه.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، قال: قال ابن عباسٍ قولَه: (إذ تَصْعَدون ولا تَلْوُون على أحدٍ). قال: صَعِدوا في الجبلِ فِرارًا.
قال أبو جعفرٍ: وقد ذكَرْنا أن أولى القراءتين بالصوابِ قراءةُ مَن قرَأ: ﴿إِذْ تُصْعِدُونَ﴾ بضمِّ التاءِ وكسرِ العينِ، بمعنى السَّيرِ والهربِ في مستوى الأرضِ أو في المَهابطِ؛ لإجماعِ الحُجَّةِ على أنَّ ذلك هو القراءةُ الصحيحةُ، ففي إجماعِها على ذلك الدليلُ الواضحُ على أن أولى التأويلين بالآية تأويلُ مَن قال: أَصْعَدوا في الوادى ومضَوْا فيه. دونَ قولِ مَن قال: صعِدوا على الجبلِ.
وأما قولُه: ﴿وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ﴾. فإنه يعنى: ولا تَعْطِفون على أحدٍ منكم، ولا يَلْتَفِتُ بعضُكم إلى بعضٍ؛ هربًا مِن عدوِّكم مُصْعِدين في الوادي.
ويعنى بقولِه: ﴿وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ﴾: ورسولُ اللهِ يَدْعوكم أيُّها المؤمنون به من أصحابِه ﴿فِي أُخْرَاكُمْ﴾.
مُصْعِدين في الوادي.
ويعنى بقولِه: ﴿وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ﴾: ورسولُ اللهِ يَدْعوكم أيُّها المؤمنون به من أصحابِه ﴿فِي أُخْرَاكُمْ﴾. يعنى أنه يُنادِيكم مِن خلفِكم: "إليَّ عبادَ اللهِ، إليَّ عبادَ اللهِ".
كما حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُرَيْجٍ، قال: قال ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ﴾: "أي عبادَ اللهِ ارْجِعوا، أي عبادَ اللهِ، ارْجِعوا".
حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَالرَّسُولُ
يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ﴾: رأَوْا نبيَّ اللَّهِ يَدْعوهم: "أي عبادَ اللهِ".
حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضَّلِ، قال: ثنا أسْباطُ، عن السديِّ مثلَه.
[حدَّثني المثنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيعِ مثلَه].
ل: ثنا أحمدُ بنُ المفضَّلِ، قال: ثنا أسْباطُ، عن السديِّ مثلَه.
[حدَّثني المثنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيعِ مثلَه].
حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ قال: أَنَّبَهم اللهُ بالفرارِ عن نبيِّهم وهو يَدْعُوهم، لا يَعْطِفون عليه لدعائِه إياهم، فقال: ﴿إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ﴾.
حدَّثني يونُسُ، قال: أَخْبَرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِ اللهِ: ﴿وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ﴾: هذا يومَ أُحُدٍ حِينَ انْكَشَف الناسُ عنه.
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَا أَصَابَكُمْ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (١٥٣)﴾.
يعنى بقوله جلَّ وعزَّ: ﴿فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ﴾ يَعْنى: فجازاكم بقرارِكم عن نبيِّكم، وفشَلِكم عن عدوّكم، ومعصيتِكم ربَّكم، ﴿غَمًّا بِغَمٍّ﴾. يقولُ: غَمًّا على غمٍّ.
وسمَّى العقوبةَ التي عاقَبَهم بها مِن تسليطٍ عدوِّهم عليهم، حتى نال منهم ما نال، ثوابًا، إذ كان جزاءً من عملهم الذي سخطه ولم يَرْضَه منهم، فدلَّ بذلك تعالى ذكرُه أن كلَّ عِوَضٍ كان لمُعَوَّضٍ مِن شيءٍ مِن العملِ، خيرًا كان أو شرًّا، أو العوضِ الذي بذله رجلٌ لرجلٍ، أو يدٍ سلَفَت له إليه، فإنه مستحقٌّ اسمَ ثوابٍ، كان ذلك العِوَضُ تَكْرِمةً أو عقوبةً، ونظيرُ ذلك قولُ الشاعرِ:
[أخافُ زيادًا] أن يكونَ عطاؤُه … أداهِمَ سُودًا أو مُحَدْرَجةً سُمْرَا
فجعَل العطاءَ القيودَ، وذلك كقولِ القائلِ لآخرَ سلَف إليه منه مكروهٌ: لأُجازيَنَّك على أفعالِك، ولأُثِيبَنَّك ثوابَك.
مَ سُودًا أو مُحَدْرَجةً سُمْرَا
فجعَل العطاءَ القيودَ، وذلك كقولِ القائلِ لآخرَ سلَف إليه منه مكروهٌ: لأُجازيَنَّك على أفعالِك، ولأُثِيبَنَّك ثوابَك.
وأما قولُه: ﴿غَمًّا بِغَمٍّ﴾. فإنه قيل: ﴿غَمًّا بِغَمٍّ﴾. ومعناه: غَمًّا على غَمٍّ. كما قال: ﴿وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه: ٧١]. بمعنى: ولأُصَلِّبَنَّكم على جذوعِ النخلِ. وإنما جاز ذلك لأن معنى قولِ القائلِ: أثابك اللهُ غمًّا على غمٍّ: جزاك اللهُ عَمًّا بعد غمٍّ تقدَّمه. فكان كذلك معنى: ﴿فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ﴾. لأن معناه: فجزاكم عَمًّا بعقب غمٍّ تقدَّمه. وهو نظيرُ قولِ القائلِ: نزَلْتُ ببنى فلانٍ، ونزَلْتُ على بنى فلانٍ، وضرَبْتُه بالسيفِ، وعلى السيفِ.
واخْتَلَف أهلُ التأويلِ في الغمِّ الذي أُثِيب القومُ على الغمِّ، وما كان غمُّهم الأول والثاني؟ فقال بعضُهم: أما الغَمُّ الأولُ، فكان ما تحَدَّث به القومُ أن نبيَّهم ﷺ قد قُتِل.
الغمِّ الذي أُثِيب القومُ على الغمِّ، وما كان غمُّهم الأول والثاني؟ فقال بعضُهم: أما الغَمُّ الأولُ، فكان ما تحَدَّث به القومُ أن نبيَّهم ﷺ قد قُتِل. وأما الغمُّ الآخرُ، فإنه كان ما كان نالَهم مِن القتلِ والجراحِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ﴾: كانوا تحَدَّثوا يومَئذٍ أن نبيَّ اللهِ ﷺ أُصيب، وكان الغمُّ الآخرُ قتلَ أصحابِهم، والجِراحاتِ التي أصابَتْهم. قال: وذُكِر لنا أنه قُتِل يومَئذٍ سبعون رجلًا
مِن أصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ؛ ستةٌ وستون من الأنصارٍ، وأربعةٌ مِن المهاجرين. وقولُه: ﴿لِكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ﴾. يقولُ: على ما فاتكم من غَنيمةِ القومِ، ﴿وَلَا مَا أَصَابَكُمْ﴾ في أنفسِكم مِن القتلِ والجِراحاتِ.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مُجاهدٍ في قولِه: ﴿فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ﴾.
مِن القتلِ والجِراحاتِ.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مُجاهدٍ في قولِه: ﴿فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ﴾. قال: فرَّةً بعد فرَّةٍ الأولى حينَ سمِعوا الصوتَ أن محمدًا قد قُتِل، فرجَع الكفارُ فضرَبوهم مُدْبِرِين، حتى قتَلوا منهم سبعين رجلًا، ثم انْحازوا إلى النبيِّ ﷺ، فجعَلوا يَصْعَدون في الجبلِ والرسولُ يَدْعُوهم في أُخْراهم.
حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مُجاهدٍ نحوَه.
وقال آخرون: بل غمُّهم الأولُ كان قَتْلَ مَن قُتِل منهم، وجَرْحَ مَن جُرِح منهم، والغمُّ الثاني كان مِن سَماعِهم صوتَ القائلِ: قُتِل محمدٌ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أَخْبَرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿غَمًّا بِغَمٍّ﴾.
لِ: قُتِل محمدٌ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أَخْبَرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿غَمًّا بِغَمٍّ﴾. قال: الغمُّ الأولُ الجِراحُ والقتلُ، والغمُّ الثاني حينَ سمِعوا أن النبيَّ ﷺ قد قُتِل، فأنْساهم الغمُّ الآخرُ ما أصابهم مِن الجراحِ
والقتلِ، وما كانوا يَرْجُون مِن الغَنيمةِ، وذلك حينَ يقولُ: ﴿لِكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَا أَصَابَكُمْ﴾.
حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ: ﴿فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ﴾.
ى مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَا أَصَابَكُمْ﴾.
حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ: ﴿فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ﴾. قال: الغمُّ الأولُ الجراحُ والقتلُ، والغمُّ الآخرُ حينَ سمِعوا أن رسولَ اللهِ ﷺ قد قُتِل، فأنْساهم الغمُّ الآخرُ ما أصابهم مِن الجراحِ والقتلِ، وما كانوا يَرْجون مِن الغَنيمةِ، وذلك حينَ يقولُ اللهُ: ﴿لِكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَا أَصَابَكُمْ﴾.
وقال آخرون: بل الغمُّ الأولُ كان ما فاتهم من الفتحِ والغَنيمةِ، والثاني إشرافُ أبي سفيانَ عليهم في الشِّعْبِ، وذلك أن أبا سفيانَ - فيما زعم بعضُ أهلِ السِّيَرِ - لمَّا أصاب مِن المسلمين ما أصاب، وهرَب المسلمون، جاء حتى أشْرَف عليهم وفيهم رسولُ اللهِ ﷺ في شِعْب أُحُدٍ الذي كانوا وألُوا إليه عند الهزيمةِ، فخافوا أن يَصْطَلِمَهم أبو سفيانَ وأصحابُه.
ذكرُ [من قال ذلك]
تى أشْرَف عليهم وفيهم رسولُ اللهِ ﷺ في شِعْب أُحُدٍ الذي كانوا وألُوا إليه عند الهزيمةِ، فخافوا أن يَصْطَلِمَهم أبو سفيانَ وأصحابُه.
ذكرُ [من قال ذلك]
حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا أسْباط، عن السديِّ، قال: انْطَلَق رسولُ اللهِ ﷺ يومَئذٍ يَدْعو الناسَ، حتى انْتَهَى إلى أصحابِ الصخرةِ، فلمَّا رأَوْه وضَع رجلٌ سهمًا في قوسِه، فأراد أن يَرْمِيَه، فقال: "أنا رسولُ اللهِ". ففرِحوا بذلك حينَ وجَدوا رسولَ اللهِ حيًّا، وفرِح رسولُ اللهِ ﷺ حينَ رأَى
أن في أصحابِه مَن يَمْتَنِعُ. فلمَّا اجْتَمَعوا وفيهم رسولُ اللهِ ﷺ ذَهَب عنهم الحَزَنُ، فأقْبَلوا يَذْكُرون الفتحَ وما فاتهم منه، ويَذْكُرون أصحابَهم الذين قُتِلوا. فأقْبَل أبو سفيانَ حتى أشْرَف عليهم، فلمَّا نظَروا إليه، نَسُوا ذلك الذي كانوا عليه، وهمَّهم أبو سفيانَ، فقال رسولُ اللهِ ﷺ: "ليس لهم أن يَعْلُونا، اللهم إن تُقْتَلْ هذه العِصابةُ لا تُعْبَدْ".
نظَروا إليه، نَسُوا ذلك الذي كانوا عليه، وهمَّهم أبو سفيانَ، فقال رسولُ اللهِ ﷺ: "ليس لهم أن يَعْلُونا، اللهم إن تُقْتَلْ هذه العِصابةُ لا تُعْبَدْ". ثم ندَب أصحابَه، فرمَوْهم بالحجارةِ حتى أنْزَلُوهم، فقال أبو سفيانَ يومَئذٍ: اعْلُ هُبَلُ، حَنْظلةُ بحَنْظلةَ، ويومٌ بيومِ بدرٍ. وقتَلوا يومَئذٍ حنظلةَ بنَ الراهبِ، وكان جُنُبًا فغسَّلَته الملائكةُ، وكان حَنْظلةُ بنُ أبي سفيانَ قُتِل يومَ بدرٍ. وقال أبو سفيانَ: لنا العُزَّى، ولا عُزَّى لكم. فقال رسولُ اللهِ ﷺ لعمرَ: "قلِ: اللهُ مولانا ولا مَوْلى لكم". فقال أبو سفيانَ: أفيكم محمدٌ؟ قالوا: نعم. قال: أمَا إنها قد كانت فيكم مُثْلَةٌ، ما أمَرْتُ بها ولا نهَيْتُ عنها، ولا سرَّتْنى ولا ساءَتْني. فذكَر اللهُ إِسْرَافَ أبي سفيانَ عليهم، فقال: ﴿فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَا أَصَابَكُمْ﴾.
اءَتْني. فذكَر اللهُ إِسْرَافَ أبي سفيانَ عليهم، فقال: ﴿فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَا أَصَابَكُمْ﴾. الغمُّ الأولُ ما فاتهم من الغَنيمةِ والفتحِ، والغمُّ الثاني إشرافُ العدوِّ عليهم ﴿لِكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ﴾ مِن الغنيمةِ ﴿وَلَا مَا أَصَابَكُمْ﴾ من القتلِ حينَ تَذْكُرون. فشغَلهم أبو سفيانَ.
حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: ثني ابن شهابٍ الزهريُّ، ومحمدُ بنُ يحيى بن حَبَّانَ، وعاصمُ بنُ عمرَ بن قَتادةَ، والحصينُ بنُ عبدِ الرحمنِ بن عمرِو بن سعدِ بن مُعاذٍ، وغيرُهم من علمائِنا فيما ذكَروا مِن حديثِ أُحُدٍ، قالوا: كان المسلمون في ذلك اليومِ - لِمَا أصابهم فيه مِن شدةِ البلاءِ - أثلاثًا؛ ثلثٌ قَتِيلٌ،
عاذٍ، وغيرُهم من علمائِنا فيما ذكَروا مِن حديثِ أُحُدٍ، قالوا: كان المسلمون في ذلك اليومِ - لِمَا أصابهم فيه مِن شدةِ البلاءِ - أثلاثًا؛ ثلثٌ قَتِيلٌ،
وثلثٌ جَريحٌ، وثلثٌ مُنْهَزِمٌ وقد تَلَغَّبَتْه الحربُ حتى ما يَدْرِيَ مَا يَصْنَعُ، وحتى خلَص العدوُّ إلى رسولِ اللهِ فدُثَّ بالحجارةِ، حتى وقَع لشِقِّه، وأُصِيبَتْ رَبَاعِيتُه، وشُجَّ في وَجْنتِه، وكُلِمَت شَفَتُه، وكان الذي أصابه عُتْبةُ بنُ أبي وَقَّاصٍ. وقاتَل مُصْعَبُ بن عُميرٍ دونَ رسولِ اللهِ ﷺ ومعه لِواؤُه حتى قُتِل، وكان الذي أصابه ابن قَمِيئَةَ الليثيُّ وهو يَظُنُّ أنه رسولُ اللهِ ﷺ، فرجَع إلى قريشٍ فقال: قد قتَلْتُ محمدًا.
حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاق، قال: فكان أولَ مَن عرَف رسولَ اللهِ ﷺ بعدَ الهزيمةِ وقولِ الناسِ: قُتل رسولُ اللهِ ﷺ.
َلْتُ محمدًا.
حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاق، قال: فكان أولَ مَن عرَف رسولَ اللهِ ﷺ بعدَ الهزيمةِ وقولِ الناسِ: قُتل رسولُ اللهِ ﷺ. كما حدَّثني ابن شهابٍ الزهريُّ - كعب بنُ مالكٍ أخو بني سلِمةَ، قال: عَرَفْتُ عَيْنَيْه تَزْهَران تحتَ المِغْفَرِ، فنادَيْتُ بأعْلَى صوتى: يا مَعْشرَ المسلمين، أبْشِروا، هذا رسولُ اللهِ ﷺ. فأشار إليَّ رسولُ اللهِ ﷺ: أن أنْصِتْ. فلمَّا عرَف المسلمون رسولَ اللهِ ﷺ انهَضوا به، ونهَض نحوَ الشِّعْبِ معه عليُّ بنُ أبى طالبٍ وأبو بكرِ بنُ أبي قُحافةَ وعمرُ بنُ الخطابِ وطلحةُ بن عُبيدِ اللهِ والزبيرُ بنُ العوَّامِ والحارثُ بنُ الصِّمَّةِ، في رَهْطٍ مِن المسلمين، قال: فبينا رسولُ اللهِ ﷺ في الشِّعْبِ، ومعه أولئك النفرُ مِن أصحابِه، إذ علَت عاليةٌ مِن قريشٍ الجبلَ، فقال رسولُ اللهِ ﷺ: "اللهم إنه لا يَنْبَغِى لهم أن يَعْلُونا".
اللهِ ﷺ في الشِّعْبِ، ومعه أولئك النفرُ مِن أصحابِه، إذ علَت عاليةٌ مِن قريشٍ الجبلَ، فقال رسولُ اللهِ ﷺ: "اللهم إنه لا يَنْبَغِى لهم أن يَعْلُونا". فقاتَل عمرُ بن الخطابِ ورهْطٌ معه مِن المهاجرين حتى أهْبَطوهم عن
الجبلِ، ونهَض رسولُ اللهِ ﷺ إلى صخرةٍ من الجبلِ ليَعْلُوَها، وكان رسولُ اللهِ ﷺ قد بدَّن، وظاهرَ بينَ دِرْعَيْن، فلمَّا ذهَب ليَنْهَضَ، فلم يَسْتَطِعْ، جلَس تحتَه طلحةُ بن عُبيدِ اللهِ، فنهَض حتى اسْتَوَى عليها.
ثم إنَّ أبا سفيانَ حينَ أراد الانصرافَ أشْرَف على الجبلِ، ثم صرَخ بأعلى صوتِه: أَنْعَمَتْ فعالِ، إنَّ الحربَ سِجالٌ، يومٌ بيومِ بدرٍ، اعْلُ هُبَلُ. أَيْ: ظهَر دينُك. فقال رسولُ اللهِ ﷺ لعمرَ: "قُمْ فَأَجِبْه، فقُلْ: اللهُ أَعْلَى وَأَجَلُّ، لا سَواءَ، قَتْلانا في الجنةِ، وقَتْلاكم في النارِ". فلمَّا أجاب عمرُ ﵁ أبا سفيانَ، قال له أبو سفيانَ: هَلُمَّ إليَّ ياعمرُ، فقال له رسولُ اللهِ ﷺ: "ائْتِه فانْظُرْ ما شأنُه"؟
نةِ، وقَتْلاكم في النارِ". فلمَّا أجاب عمرُ ﵁ أبا سفيانَ، قال له أبو سفيانَ: هَلُمَّ إليَّ ياعمرُ، فقال له رسولُ اللهِ ﷺ: "ائْتِه فانْظُرْ ما شأنُه"؟ فجاءَه فقال له أبو سفيانَ: أَنْشُدُك الله يا عمرُ، أقتَلْنا محمدًا؟ فقال عمرُ: اللهمَّ لا، وإنه لَيَسْمَعُ كلامَك الآنَ. فقال: أنت أصدقُ عندى مِن ابن قَمِيئَةَ وأبرُّ. لقولِ ابن قَمِيئةَ لهم: إنى قد قتَلْتُ محمدًا. ثم نادىَ أبو سفيانَ، فقال: إنه قد كان في قَتْلاكم مُثَلٌ، واللهِ ما رضِيتُ ولا سخِطْتُ، وما نهَيْتُ ولا أمَرْتُ.
حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ: ﴿فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَا أَصَابَكُمْ﴾، أي: كَرْبًا بعدَ كَرْبٍ، قَتْلُ مَن قُتِل من إخوانِكم، وعلوُّ عدوِّكم عليكم، وما وقَع في أنفسِكم مِن
قولِ مَن قال: قُتِل نبيُّكم.
ا مَا أَصَابَكُمْ﴾، أي: كَرْبًا بعدَ كَرْبٍ، قَتْلُ مَن قُتِل من إخوانِكم، وعلوُّ عدوِّكم عليكم، وما وقَع في أنفسِكم مِن
قولِ مَن قال: قُتِل نبيُّكم. فكان ذلك مما تَتابَع عليكم ﴿غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ﴾ مِن ظهورِكم على عدوِّكم بعد أن رأيْتُموه بأعينِكم، ﴿وَلَا مَا أَصَابَكُمْ﴾ مِن قتلِ إخوانِكم حين فرَّجْتُ بذلك الكربَ عنكم، ﴿وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾. وكان الذي فرَّج به عنهم ما كانوا فيه من الكربِ والغمِّ الذي أصابهم أن الله تعالى ذكرُه ردَّ عنهم كِذْبةَ الشيطانِ بقتلِ نبيِّهم، فلمَّا رأَوْا رسولَ اللهِ ﷺ حيًّا بينَ أظْهُرِهم، وإن عليهم ما فاتهم مِن القومِ بعدَ الظهورِ عليهم، والمصيبةِ التي أصابَتْهم في إخوانِهم، حينَ صرَف اللهُ القتلَ عن نبيِّهم ﷺ.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ: ﴿فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ﴾.
م في إخوانِهم، حينَ صرَف اللهُ القتلَ عن نبيِّهم ﷺ.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ: ﴿فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ﴾. قال ابن جُرَيجٍ: قال مجاهدٌ: أصاب الناسَ حُزْنٌ وغَمٌّ على ما أصابهم في أصحابِهم الذين قُتِلوا، فلمَّا توَلَّجوا في الشَّعْبِ [وهم فلٌّ مُصابون]، وقف أبو سفيانَ وأصحابُه ببابِ الشِّعْبِ، فظنَّ المؤمنون أنهم سوف يَمِيلون عليهم فيقْتُلونهم أيضًا، فأصابهم حزنٌ في ذلك أنساهم حُزنَهم في أصحابهم، فذلك قولُه: ﴿فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ﴾. قال ابن جُريجٍ: قولُه: ﴿عَلَى مَا فَاتَكُمْ﴾. يقولُ: على ما فاتكم مِن غَنائِمِ القومِ، ﴿وَلَا مَا أَصَابَكُمْ﴾ في أنفسِكم.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، قال:
أَخْبرَني عبدُ اللهِ بنُ كَثيرٍ، عن عُبيدِ بن عُميرٍ قال: جاء أبو سفيانَ بنُ حربٍ ومَن معه حتى وقَف بالشِّعْبِ، ثم نادَى: أفى القوم ابن أَبي كَبْشَةَ؟
َخْبرَني عبدُ اللهِ بنُ كَثيرٍ، عن عُبيدِ بن عُميرٍ قال: جاء أبو سفيانَ بنُ حربٍ ومَن معه حتى وقَف بالشِّعْبِ، ثم نادَى: أفى القوم ابن أَبي كَبْشَةَ؟ فسكَتوا، فقال أبو سفيانَ: قُتِل وربِّ الكعبةِ. ثم قال: أفى القومِ ابن أبي قُحافةَ؟ فسكَتوا، فقال: قتِل وربِّ الكعبةِ. ثم قال: أفى القوم ابن الخطابِ؟ فسكَتوا، فقال: قُتل وربِّ الكعبةِ. ثم قال أبو سفيانَ اعْلُ هُبَلُ، يومٌ بيومِ بدرٍ، [والحربُ سجالٌ] وحَنْظلةُ بحنظلةَ، وأنتم واجِدون في القومِ مُثَلًا لم تكُنْ عن رأى سَراتِنا وخِيارِنا، ولم نَكْرَهُه حين رأَيْناه.
، يومٌ بيومِ بدرٍ، [والحربُ سجالٌ] وحَنْظلةُ بحنظلةَ، وأنتم واجِدون في القومِ مُثَلًا لم تكُنْ عن رأى سَراتِنا وخِيارِنا، ولم نَكْرَهُه حين رأَيْناه. فقال النبيُّ ﷺ لعمرَ بن الخطابِ: "قُم فنادِ، فقل: اللهُ أَعْلَى وأجَلُّ، نعم، هذا رسولُ اللهِ، وهذا أبو بكرٍ، وهأنذا، لا يَسْتَوِى أصحابُ النارِ وأصحابُ الجنةِ، أصحابُ الجنةِ هم الفائزون، قَتْلانا في الجنةِ، وقَتْلاكم في النارِ".
وقال آخرون في ذلك بما حدَّثني به محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ﴾: فرجَعوا فقالوا: واللهِ لَتَأْتِيَنَّهم، ثم لَنَقْتُلَنَّهم، قد جرَحوا منا. فقال رسولُ اللهِ ﷺ: "مَهْلًا، فإنما أصابكم الذي أصابكم من أجلِ أنكم عصَيْتُمونى".
فقالوا: واللهِ لَتَأْتِيَنَّهم، ثم لَنَقْتُلَنَّهم، قد جرَحوا منا. فقال رسولُ اللهِ ﷺ: "مَهْلًا، فإنما أصابكم الذي أصابكم من أجلِ أنكم عصَيْتُمونى". فبينما هم كذلك، إذ أتاهم القومُ قد ائْتَشبوا، وقد اخْتَرَطوا سيوفَهم، فكان عمُّ الهزيمةِ وغَمُّهم حينَ أتَوْهم، ﴿لِكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ﴾ مِن القتلِ ﴿وَلَا مَا أَصَابَكُمْ﴾ مِن الجِراحةِ، ﴿فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلَا تَحْزَنُوا﴾ الآية. وهو يومُ أحدٍ.
وأولى هذه الأقوالِ بتأويلِ الآية قولُ مَن قال: معنى قولِه: ﴿فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ﴾ [فأثابكم بغمِّكم] أيُّها المؤمنون بحرمانِ اللهِ إياكم غَنيمةَ المشركين والظُّفَرَ بهم والنصرَ عليهم، وما أصابكم من القتلِ والجراحِ يومئذٍ - بعدَ الذي كان قد أَراكم في كلِّ ذلك ما تُحبُّون - بمعصيتِكم ربَّكم، وخلافِكم أمرَ نبيِّكم ﷺ؛ غمَّ ظنِّكم أن نبيَّكم ﷺ قد قُتِل، وميلَ العدوِّ عليكم بعدَ فُلولِكم منهم.
أَراكم في كلِّ ذلك ما تُحبُّون - بمعصيتِكم ربَّكم، وخلافِكم أمرَ نبيِّكم ﷺ؛ غمَّ ظنِّكم أن نبيَّكم ﷺ قد قُتِل، وميلَ العدوِّ عليكم بعدَ فُلولِكم منهم.
والذي يَدُلُّ على أن ذلك أولى بتأويلِ الآية مما خالَفه [من الأقوالِ] قولُه: ﴿لِكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَا أَصَابَكُمْ﴾. والفائتُ لا شَكَّ أنه هو ما كانوا رجَوا الوصولَ إليه مِن غيرِهم، إمَّا مِن ظهورٍ عليهم بغلَبِهم، وإما مِن غنيمةٍ يَحْتارُونها، وأن قولَه: ﴿إِوَلَا مَا أَصَابَكُمْ﴾ هو ما أصابهم إما في أبدانِهم، وإما في إخوانِهم.
فإذ كان ذلك كذلك، فمعلومٌ أن الغمَّ الثانيَ هو معنًى غيرُ هذين؛ لأن الله جلَّ ثناؤُه أخْبَر عبادَه المؤمنين به مِن أصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ، أنه أثابهم غمًّا [بعدَ غمٍّ]؛ لئلا يُحْزِنَهم ما نالهم مِن الغمِّ الناشئِ عما فاتهم مِن غيرِهم، ولا ما أصابهم قبلَ ذلك في أنفسِهم، وهو الغمُّ الأولُ على ما قد بَيَّناه قبلُ.
غمٍّ]؛ لئلا يُحْزِنَهم ما نالهم مِن الغمِّ الناشئِ عما فاتهم مِن غيرِهم، ولا ما أصابهم قبلَ ذلك في أنفسِهم، وهو الغمُّ الأولُ على ما قد بَيَّناه قبلُ.
وأما قولُه: ﴿لِكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَا أَصَابَكُمْ﴾، فإِن تأويلَه على ما قد بيَّنْتُ مِن أنه لكيلا تَحْزَنوا على ما فاتكم فلم تُدْرِكوه مما كنتم تَرْجون إدراكَه من عدوِّكم من الظَّفَر عليهم والظهورِ، وحِيازةِ غنائمِهم، ولا ما أصابكم في أنفسِكم من جرحِ مَن جُرح وقَتْلِ مَن قُتِل مِن إخوانِكم.
وقد ذكَرْنا اختلافَ أهلِ التأويلِ فيه قبلُ على السبيلِ التي اخْتَلَفوا فيه.
وكما حدَّثني يونُسُ، قال: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿لِكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَا أَصَابَكُمْ﴾. قال: على ما فاتكم مِن الغَنيمةِ التي كنتم تَرْجُون، وَلَا تَحْزَنُوا على ما أصَابكم مِن الهزيمةِ.
وأما قولُه: ﴿وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾.
قال: على ما فاتكم مِن الغَنيمةِ التي كنتم تَرْجُون، وَلَا تَحْزَنُوا على ما أصَابكم مِن الهزيمةِ.
وأما قولُه: ﴿وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾. فإنه يعنى جلَّ ذكرُه: واللهُ بالذي تَعْمَلون أيُّها المؤمنون - مِن إصْعادِكم في الوادى هَرَبًا مِن عدوِّكم، وانهزِامِكم، وتَرْككم نبيَّكم وهو يَدْعُوكم في أُخْراكم، وحُزْنِكم على ما فاتكم من عدوِّكم، وما أصابكم في أنفسِكم منهم - ذو خبرةٍ وعلمٍ، وهو مُحْصٍ ذلك كلَّه عليكم حتى يُجازيَكم به؛ المُحْسِن منكم بإحْسانِه، والمسيء بإساءتِه، أو يَعْفُو عنه.
ْوُونَ عَلَى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا مَا أَصَابَكُمْ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (١٥٣)﴾
يحذر تعالى عباده المؤمنين عن طاعة الكافرين والمنافقين فإن طاعتهم تورث الردى في الدنيا والآخرة؛ ولهذا قال: (إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ).
ثم أمرهم بطاعته وموالاته، والاستعانة به، والتوكل عليه، فقال: (بَلِ اللَّهُ مَوْلاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ).
ثم بشرهم بأنه سَيُلقي في قلوب أعدائهم الخوف منهم والذلة لهم، بسبب كفرهم وشركهم، مع ما ادخره لهم في الدار الآخرة من العذاب والنَّكال، فقال: (سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنزلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ).
َهُورًا، وَأُحِلَّتْ لِي الْغَنَائِمُ، وَأُعْطِيتُ الشَّفَاعَة وَكَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً وَبُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ عَامَّةً.
وقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن أبي عَدِيّ عن سليمان -يعني التيمي-عن سَيّار، عن أبي أمامة؛ أن رسول الله ﷺ قال: "فَضَّلَني [رَبِّي] عَلَى الأنْبِيَاء -أو قال: عَلَى الأمَمِ-بأَرْبَعٍ" قال "أُرْسِلْتُ إلَى النَّاسِ كَافَّةً وَجُعِلَتْ لِيَ الأرْضُ كُلُّهَا وَلأمَّتِي مَسْجِدًا وَطَهُورًا فَأيْنَمَا أدْرَكَتْ رَجُلا مِنْ أُمَّتِي الصَّلاةُ فَعِنْدَهُ مَسْجِدُهُ و طَهُوُرهُ، ونُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَة شَهْرٍ يَقْذِفُهُ فِي قُلُوبِ أَعْدَائِي وأحَل لِيَ الغنائِم".
ورواه الترمذي من حديث سليمان التيمي، عن سَيَّار القُرَشي الأموي مولاهم الدمشقي -سكن البصرة-عن أبي أمامة صُدَيّ بن عَجْلان، ﵁، به.
حَل لِيَ الغنائِم".
ورواه الترمذي من حديث سليمان التيمي، عن سَيَّار القُرَشي الأموي مولاهم الدمشقي -سكن البصرة-عن أبي أمامة صُدَيّ بن عَجْلان، ﵁، به. وقال: حسن صحيح.
وقال سعيد بن منصور: أخبرنا ابن وَهْب، أخبرني عمرو بن الحارث: أن أبا يونس حدثه، عن أبي هريرة؛ أن رسول الله ﷺ قال: "نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ عَلَى الْعَدُوِّ".
ورواه مسلم من حديث ابن وهب.
وروى الإمام أحمد: حدثنا حسين بن محمد، حدثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق عن أبي بُرْدَة، عن أبيه أبي موسى قال: قال رسول الله ﷺ: "أُعْطِيتُ خَمْسًا: بُعِثْتُ إلَى الأحْمَرِ وَالأسْوَدِ، وَجعلَتْ لِيَ الأرْض طَهُورًا ومَسْجِدًا، وأُحِلَّتْ لِيَ الْغَنَائِم وَلَمْ تَحِل لِمَنْ كَانَ قَبْلِي، ونُصِرْتُ بِالرُّعْبِ شَهْرًا، وأُعْطِيتُ الشَّفَاعَةَ، وَلَيْسَ مِنْ نَبِيٍّ إلا وَقَدْ سَأَل شَفَاعَتَهُ، وإنِّي اخْتَبَأتُ شَفَاعَتِي، ثُمَّ جَعَلْتُهَا لِمَنْ مَاتَ لا يُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئًا".
تفرد به أحمد.
سَ مِنْ نَبِيٍّ إلا وَقَدْ سَأَل شَفَاعَتَهُ، وإنِّي اخْتَبَأتُ شَفَاعَتِي، ثُمَّ جَعَلْتُهَا لِمَنْ مَاتَ لا يُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئًا".
تفرد به أحمد.
وروى العَوْفيّ، عن ابن عباس في قوله: (سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ) قال: قذف الله في قلب أبي سفيان الرعب، فرجع إلى مكة، فقال النبي ﷺ: "إنَّ أبَا سُفْيَانَ قَدْ أَصَابَ مِنْكُمْ طَرَفا، وَقَدْ رَجَعَ، وقَذَفَ الله فِي قَلْبِهِ الرُّعْبِ". رواه ابن أبي حاتم.
وقوله: (وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ) قال ابن عباس: وعدهم الله النصر.
ي قَلْبِهِ الرُّعْبِ". رواه ابن أبي حاتم.
وقوله: (وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ) قال ابن عباس: وعدهم الله النصر.
وقد يستدل بهذه الآية على أحد القولين المتقدمين في قوله: (إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ * بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ) أن ذلك كان يوم أحد لأن عدوهم كان ثلاثة آلاف مقاتل، فلما واجهوهم كان الظفر والنصر أول النهار للإسلام، فلما حصل ما حصل من عصيان الرُّماة وفشل بعض المقاتلة، تأخر الوعد الذي كان مشروطا بالثبات والطاعة؛ ولهذا قال: (وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ) أي: أول النهار (إِذْ تَحُسُّونَهُمْ) أي: تقتلونهم (بِإِذْنِهِ) أي: بتسليطه إياكم عليهم (حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ) وقال ابن جريج: قال ابن عباس: الفشل الجبن، (وَتَنَازَعْتُمْ
تَحُسُّونَهُمْ) أي: تقتلونهم (بِإِذْنِهِ) أي: بتسليطه إياكم عليهم (حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ) وقال ابن جريج: قال ابن عباس: الفشل الجبن، (وَتَنَازَعْتُمْ فِي الأمْرِ وَعَصَيْتُمْ) كما وقع للرماة (مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ) وهو الظفر منهم (مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا) وهم الذين رغبوا في المغنم حين رأوا الهزيمة (وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ) ثم أدالهم عليكم ليختبركم ويمتحنكم (وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ) أي: غفر لكم ذلك الصَّنِيع، وذلك -والله أعلم-لكثرة عَدد العدو وعُدَدهم، وقلة عَدد المسلمين وعُدَدهم.
قال ابن جريج: قوله: (وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ) قال: لم يستأصلكم. وكذا قال محمد بن إسحاق، رواهما ابن جرير (وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ).
وقال الإمام أحمد: حدثنا سليمان بن داود أخبرنا عبد الرحمن ابن أبي الزناد، عن أبيه، عن عُبَيد الله عن ابن عباس أنه قال: ما نَصَرَ الله في مَوْطِن كما نصره يوم أحد.
أحمد: حدثنا سليمان بن داود أخبرنا عبد الرحمن ابن أبي الزناد، عن أبيه، عن عُبَيد الله عن ابن عباس أنه قال: ما نَصَرَ الله في مَوْطِن كما نصره يوم أحد. قال: فأنكرنا ذلك، فقال ابن عباس: بيني وبين من أنكر ذلك كتابُ الله، إن الله يقول في يوم أحد: (وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ) يقول ابن عباس: والحَسُّ: القتل (حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الأمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الآخِرَةَ) الآية وإنما عنى بهذا الرماة، وذلك أن النبي ﷺ أقامهم في موضع، ثم قال: "احْمُوا ظُهُورَنَا، فَإنْ رَأيْتُمُونَا نقتل فَلا تَنْصُرُونَا وَإنْ رَأَيْتُمُونَا قَدْ غَنِمْنَا فَلا تُشْرِكُونَا.
لنبي ﷺ أقامهم في موضع، ثم قال: "احْمُوا ظُهُورَنَا، فَإنْ رَأيْتُمُونَا نقتل فَلا تَنْصُرُونَا وَإنْ رَأَيْتُمُونَا قَدْ غَنِمْنَا فَلا تُشْرِكُونَا. فلما غنم النبي ﷺ وأباحُوا عسكر المشركين أكبّت الرُّماة جميعا [ودخلوا] في العسكر ينهبون، ولقد التقت صفوف أصحاب رسول الله ﷺ، فَهُم هكذا -وشبك بين يديه-وانتشبوا، فلما أخل الرماة تلك الخلة التي كانوا فيها، دخلت الخيل من ذلك الموضع على أصحاب رسول الله ﷺ، فضرب بعضهم بعضا والتبسوا، وقُتل من المسلمين ناس
كثير، وقد كان لرسول الله ﷺ وأصحابه أول النهار، حتى قُتِل من أصحاب لواء المشركين سبعة أو تسعةٌ، وجال المسلمون جَوْلَةً نحو الجبل ولم يبلغوا -حيث يقول الناس-الغار، إنما كان تحت المِهْراس، وصاح الشيطان: قُتل محمد، فلم يُشَك فيه أنه حق، فما زلنا كذلك ما نَشُك أنه حق، حتى طلع رسول الله ﷺ بين السعدين، نعرفه بتلفته إذا مشى -قال: ففرحنا حتى كأنه لم يصبنا ما أصابنا-قال: فَرَقِيَ نحونا وهو يقول: "اشتد غَضَبَ اللهِ عَلَى قَوْمٍ دَمَّوْا وَجْهَ رَسُولِ اللهِ".
بتلفته إذا مشى -قال: ففرحنا حتى كأنه لم يصبنا ما أصابنا-قال: فَرَقِيَ نحونا وهو يقول: "اشتد غَضَبَ اللهِ عَلَى قَوْمٍ دَمَّوْا وَجْهَ رَسُولِ اللهِ". ويقول مرة أخرى: "اللَّهم إنه ليس لَهم أنْ يَعْلُونَا". حتى انتهى إلينا، فمكث ساعة، فإذا أبو سفيان يصيح في أسفل الجبل: اعْلُ هبل، مرتين -يعني آلهته-أين ابن أبي كَبْشة؟ أين ابن أبي قحَافة؟ أين ابن الخطاب؟ فقال عمر: يا رسول الله، ألا أجيبه؟ قال: "بلى" قال: فلما قال: اعل هبل. قال عمر: الله أعلى وأجل. فقال أبو سفيان: قد أنعمت عينها فعَادِ عنها أو: فَعَالِ! فقال: أين ابن أبي كبشة؟ أين ابن أبي قُحَافة؟ أين ابن الخطاب؟ فقال عمر: هذا رسول الله، وهذا أبو بكر، وها أنا ذا عمر. قال: فقال أبو سفيان: يوم بيوم بدر، الأيام دُوَل، وإن الحرب سِجَال. قال: فقال عمر: لا سواء، قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار. قال إنكم تزعمون ذلك، لقد خِبْنا إذا وخَسِرْنا ثم قال أبو سفيان: إنكم ستجدون في قتلاكم مثلة ولم يكن ذلك على رأي سراتنا.
انا في الجنة وقتلاكم في النار. قال إنكم تزعمون ذلك، لقد خِبْنا إذا وخَسِرْنا ثم قال أبو سفيان: إنكم ستجدون في قتلاكم مثلة ولم يكن ذلك على رأي سراتنا. قال: ثم أدركَتْه حَمِيَّة الجاهلية فقال: أما إنه إن كان ذلك لم نَكْرهْه.
هذا حديث غريب، وسياق عجيب، وهو من مرسلات ابن عباس، فإنه لم يشهد أحُدًا ولا أبوه.
وقد أخرجه الحاكم في مستدركه عن أبي النَّضْر الفقيه، عن عثمان بن سعيد، عن سليمان بن داود بن علي بن عبد الله بن عباس، به. وهكذا رواه ابن أبي حاتم والبيهقي في دلائل النبوة، من حديث سليمان بن داود الهاشمي، به ولبعضه شواهد في الصحاح وغيرها، فقال الإمام أحمد:
لله بن عباس، به. وهكذا رواه ابن أبي حاتم والبيهقي في دلائل النبوة، من حديث سليمان بن داود الهاشمي، به ولبعضه شواهد في الصحاح وغيرها، فقال الإمام أحمد:
حدثنا عفان، حدثنا حماد، حدثنا عطاء بن السائب عن الشعبي، عن ابن مسعود قال: إن النساء كن يوم أحد، خلْف المسلمين، يُجْهزْن على جَرْحى المشركين، فلو حَلَفت يومئذ رجوت أن أبَر: أنه ليس أحد منا يريد الدنيا، حتى أنزل الله ﷿: (مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ) فلما خالف أصحاب النبي ﷺ وعَصَوا ما أمروا به، أفرد رسول الله ﷺ في تسعة: سبعة من الأنصار، ورجلين من قريش، وهو عاشرهم، فلما رهقُوه [قال: "رَحِمَ اللهُ رجلا رَدَّهُمْ عَنَّا". قال: فقام رجل من الأنصار فقاتل ساعة حتى قتل، فلما رَهقُوه] أيضا قال: "رَحِمَ اللهُ رَجُلا رَدَّهُمْ عَنَّا". فلم يزل يقول ذا حتى قُتِل السبعة، فقال رسول الله ﷺ لصاحبه: "مَا أَنْصَفْنَا أَصْحَابَنَا".
فجاء أبو سفيان فقال: اعْلُ هُبَلُ.
جُلا رَدَّهُمْ عَنَّا". فلم يزل يقول ذا حتى قُتِل السبعة، فقال رسول الله ﷺ لصاحبه: "مَا أَنْصَفْنَا أَصْحَابَنَا".
فجاء أبو سفيان فقال: اعْلُ هُبَلُ. فقال رسول الله ﷺ: "قُولُوا: اللهُ أعْلَى وأجَلُّ". فقالوا: الله أعلى وأجل. فقال أبو سفيان: لنا العُزَّى ولا عُزَّى لكم. فقال رسول الله ﷺ: قُولُوا: "اللهُ مَوْلانَا، وَالْكَافِرُونَ لا مَوْلَى لَهُم". ثم قال أبو سفيان: يومٌ بيوْم بَدْر، يومٌ علينا ويوم لنا ويوم نُسَاءُ ويوم نُسَر. حَنْظَلَةَ بِحَنْظَلَةَ، وفلان بفلان، وفلان بفلان، فقال رسول الله ﷺ: "لا سَوَاء. أمَّا قَتْلانَا فَأْحَيْاءٌ يُرْزَقُونَ، وَقْتَلاكُمْ فِي النَّارِ يُعَذَّبُونَ". قال أبو سفيان: قد كان في القوم مَثُلَةٌ، وإنْ كانَتْ لَعَنْ غير مَلأ منَّا، ما أمرتُ ولا نَهَيْتُ، ولا أحْبَبْتُ ولا كَرِهتُ، ولا ساءني ولا سرَّني. قال: فنظروا فإذا حمزةُ قد بُقِرَ بَطْنُه، وأخذتْ هنْد كَبده فلاكَتْها فلم تستطع أن تأكلها، فقال رسول الله ﷺ: "أكَلَتْ شَيْئًا؟ " قالوا: لا.
ا سرَّني. قال: فنظروا فإذا حمزةُ قد بُقِرَ بَطْنُه، وأخذتْ هنْد كَبده فلاكَتْها فلم تستطع أن تأكلها، فقال رسول الله ﷺ: "أكَلَتْ شَيْئًا؟ " قالوا: لا. قال: "مَا كَانَ اللهُ ليُدْخِلَ شَيْئًا مِنْ حَمْزَةَ فِي النَّارِ".
قال: فوضع رسول الله ﷺ حمزة فَصَلَّى عليه، وَجِيء برجل من الأنصار فَوُضِع إلى جنبه فصلَّى عليه، فَرُفِعَ الأنصاري وتُرِكَ حمزة، ثم جيء بآخر فوضعَه إلى جنب حمزة فصلى [عليه] ثم رُفِعَ وتُرِكَ حمزة، حتى صلَّى عليه يومئذ سبعين صلاة.
تفرد به أحمد أيضًا.
وقال البخاري: حدثنا عُبَيد الله بن موسى، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق: عن البراء قال: لقينا المشركين يومئذ، وأجْلَس النبي ﷺ جَيْشا من الرُّماة، وأمَّر عليهم عبد الله -يعني ابن جُبَيْر-وقال: "لا تَبْرَحُوا إنْ رأيْتُمُونَا ظَهَرْنَا عَلَيْهِمْ فَلا تَبْرَحُوا، وإنْ رَأَيْتُمُوهُمْ ظَهَرُوا عَلَيْنَا فَلا تُعِينُونَا".
ني ابن جُبَيْر-وقال: "لا تَبْرَحُوا إنْ رأيْتُمُونَا ظَهَرْنَا عَلَيْهِمْ فَلا تَبْرَحُوا، وإنْ رَأَيْتُمُوهُمْ ظَهَرُوا عَلَيْنَا فَلا تُعِينُونَا". فلما لقيناهم هربُوا، حتى رأينا النساء يَشْتَددْنَ في الجبل، رَفَعْنَ عن سُوقهن، وقد بدت خَلاخلهن، فأخذوا يقولون: الغنيمةَ الغَنيمة. فقال عبد الله: عَهدَ إليّ النبيّ ﷺ ألا تَبْرَحُوا. فأبَوْا، فلما أبَوْا صَرَفَ وجوههم، فأُصِيب سبعون قتيلا فأشرف أبو سفيان فقال: أفي القوم محمد؟ فقال: "لا تجيبوه". فقال: أفي القوم ابن أبي قحافة؟ فقال: "لا تُجِيبُوهُ". فقال: أفي القوم ابن الخطاب؟ فقال: إن هؤلاء قد قُتِلوا، فلو كانوا أحياء لأجابوا. فلم يملك عُمَرُ نفسه فقال: كَذَبْتَ يَا عَدَوَّ اللهِ، قد أبقى الله لك ما يُحزِنكَ فقال أبو سفيان: اعْل هُبَل. فقال النبي ﷺ: "أجِيبُوهُ". قالوا: ما نقول؟ قال: "قُولُوا: الله أعْلَى وأجَلُّ". فقال أبو سفيان: لنا العُزَّى ولا عُزَّى لكم. فقال النبي ﷺ: "أجِيبُوهُ". قالوا: ما نقول؟
يبُوهُ". قالوا: ما نقول؟ قال: "قُولُوا: الله أعْلَى وأجَلُّ". فقال أبو سفيان: لنا العُزَّى ولا عُزَّى لكم. فقال النبي ﷺ: "أجِيبُوهُ". قالوا: ما نقول؟ قال: "قُولُوا: اللهُ مَوْلانَا، وَلا مَوْلَى لَكُمْ". قال أبو سفيان: يوم بيوم بدر، والحرب سِجَال، وتجدون مَثُلَةً لم آمر بها ولم تسؤني.
تفرد به البخاري من هذا الوجه، ثم رواه عن عَمْرو بن خالد، عن زُهَير بن معاوية عن أبي إسحاق، عن البراء، بنحوه وسيأتي بأبْسط من هذا.
وقال البخاري أيضا: حدثنا عُبَيد الله بن سعيد، حدثنا أبو أسامة، عن هشام بن عُرْوة، عن أبيه،
عن عائشة، ﵂، قالت: لَمَّا كان يوم أُحد هُزِم المشركون، فصَرخَ إبليس: أيْ عباد الله، أخْرَاكم. فَرَجعت أولادهم فاجْتَلَدَتْ هي وأخراهم، فَبَصُرَ حُذَيفة فإذا هو بأبيه اليمان، فقال: أيْ عباد الله، أبي أبي. قال: قالت: فوالله ما احْتَجَزُوا حَتَّى قَتَلُوه، فقال حذيفة: يغفر الله لكم.
هم، فَبَصُرَ حُذَيفة فإذا هو بأبيه اليمان، فقال: أيْ عباد الله، أبي أبي. قال: قالت: فوالله ما احْتَجَزُوا حَتَّى قَتَلُوه، فقال حذيفة: يغفر الله لكم. قال عروة: فوالله ما زَالَتْ في حذيفة بقية خير حتى لقي الله ﷿.
وقال محمد بن إسحاق: حدثني يحيى بن عَبَّاد بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه، عن جَده أن الزبير بن العوام قال: والله لقد رأيتني أنظر إلى خَدَم [هند] وصواحباتها مُشَمِّرات هوارب ما دون أخْذهن كثير ولا قليل ومالت الرُّماة إلى العسكر حين كَشَفْنا القوم عنه، يريدون النهب وَخَلَّوا ظهورنَا للخيل فأتتنا من أدبارنا، وصرخ صارخ: ألا إنَّ محمدًا قد قُتل.
لا قليل ومالت الرُّماة إلى العسكر حين كَشَفْنا القوم عنه، يريدون النهب وَخَلَّوا ظهورنَا للخيل فأتتنا من أدبارنا، وصرخ صارخ: ألا إنَّ محمدًا قد قُتل. فانكفأنا وانكفأ علينا القوم بعد أن أصَبْنا أصحاب اللواء، حتى ما يدنو منه أحد من القوم.
قال محمد بن إسحاق: فلم يزل لواء المشركين صريعا، حتى أخذته عَمْرَة بنت علقمة الحارثية، فدفعته لقريش فلاثوا به وقال السُّدِّي عن عبد خير قال: قال عبد الله بن مسعود قال: ما كنتُ أرى أن أحدًا من أصحاب رسول الله ﷺ يريد الدنيا حتى نزلت فينا ما نزل يوم أحد (مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الآخِرَةَ).
وقد رُوي من غير وَجْه عن ابن مسعود، وكذا رُوي عن عبد الرحمن بن عَوْف وأبي طلحة، رواهن ابن مَرْدُويَه في تفسيره.
َا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الآخِرَةَ).
وقد رُوي من غير وَجْه عن ابن مسعود، وكذا رُوي عن عبد الرحمن بن عَوْف وأبي طلحة، رواهن ابن مَرْدُويَه في تفسيره.
وقوله: (ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ) قال ابن إسحاق: حدثني القاسم بن عبد الرحمن بن رافع، أحدُ بني عديّ بن النجار قال: انتهى أنسُ بنُ النَّضر، عَمّ أنس بن مالك، إلى عمر بن الخطاب وطلحة بن عُبَيد الله، في رجال من المهاجرين والأنصار، قد ألْقَوْا بأيديهم فقال: ما يخليكم؟ فقالوا: قُتِلَ رسولُ الله ﷺ. قال: فما تصنعون بالحياة بعده؟ قوموا فموتوا على ما مات عليه.
من المهاجرين والأنصار، قد ألْقَوْا بأيديهم فقال: ما يخليكم؟ فقالوا: قُتِلَ رسولُ الله ﷺ. قال: فما تصنعون بالحياة بعده؟ قوموا فموتوا على ما مات عليه. ثم استقبل القومَ فقاتل حتى قُتِل.
وقال البخاري: حدثنا حسان بن حسان، حدثنا محمد بن طلحة، حدثنا حُمَيد، عن أنس بن مالك: أن عمه -يعني أنس بن النضر-غاب عن بدر فقال: غِبْتُ عن أول قتال رسول الله ﷺ، لَئِنْ أشْهدني الله مع رسول الله ﷺ لَيَرَيَنّ الله ما أُجدّ فلقي يومَ أحد، فهُزم الناسُ، فقال: اللهُمّ إني أعتذر إليك مما صنع هؤلاء -يعني المسلمين-وأبرَأ إليك مما جاء به المشركون، فتقدم بسيفه فَلقي سعدَ بن مُعَاذ فقال: أينَ يا سعد؟ إني أجدُ ريح الجنة دون أحد. فمضى فَقُتِل، فما عُرف حتى عَرَفته أخته ببنانه بشامة وبه بضع وثمانون من طَعْنة وضَرْبة ورَمْية بسَهْم.
هذا لفظ البخاري وأخرجه مسلم من حديث ثابت عن أنس، بنحوه.
وقال البخاري [أيضا] حدثنا عبدان، أخبرنا أبو حَمْزَةَ عن عثمان بن مَوْهَب قال: جاء رجل حج البيت، فرأى قوما جلوسا، فقال: من هؤلاء القُعُودُ؟
أنس، بنحوه.
وقال البخاري [أيضا] حدثنا عبدان، أخبرنا أبو حَمْزَةَ عن عثمان بن مَوْهَب قال: جاء رجل حج البيت، فرأى قوما جلوسا، فقال: من هؤلاء القُعُودُ؟ قالوا: هؤلاء قريش. قال: من الشيخ؟ قالوا: ابن عُمَر. فأتاه فقال: إني سائلك عن شيء فحدثني. قال: أنْشُدُك بحرمة هذا البيت أتعلم أنَّ عثمان بن عفان فر يوم أحد؟ قال: نعم. قال: فَتَعْلَمُه تَغَيَّب عن بدر فلم يشهدها؟ قال: نعم. قال: فتعْلم أنه تخلف عن بيعة الرّضْوان فلم يشهَدْها؟ قال: نعم. قال: فكبر، فقال ابن عمر: تَعَالَ لأخبرَك ولأبيَّن لك عما سألتني عنه. أما فراره يوم أحد فأشهد أن الله عفا عنه، وأما تَغَيُّبه عن بدر فإنه كان تحتَه بنتُ النبي ﷺ، وكانت مريضة، فقال له رسول الله ﷺ: "إنَّ لَكَ أَجْرَ رَجُلٍ مِمَّنْ شَهِدَ بَدْرًا وَسَهْمَه". وأما تغيبه عن بيعة الرضوان فلو كان أحد أعزّ ببطن مكة من عثمان لبعثه مكانه، فبعث عثمانَ، فكانت بيعة الرضوان بعد ما ذهب عثمان إلى مكة. فقال النبي ﷺ بيده اليمنى: "هِذِهِ يَدُ عُثْمَان".
ن أحد أعزّ ببطن مكة من عثمان لبعثه مكانه، فبعث عثمانَ، فكانت بيعة الرضوان بعد ما ذهب عثمان إلى مكة. فقال النبي ﷺ بيده اليمنى: "هِذِهِ يَدُ عُثْمَان". فضرب بها على يده، فقال: "هِذِهِ يَدُ عُثْمَان اذْهَبْ بِهَا الآنَ مَعَكَ".
ثم رواه البخاري من وجه آخر عن أبي عَوانة عن عثمان بن عبد الله بن موهب.
وقوله: (إِذْ تُصْعِدُونَ وَلا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ) أي: صرفكم عنهم (إِذْ تُصْعِدُونَ) أي: في الجبل هاربين من أعدائكم.
وقرأ الحسن وقتادة: (إِذْ تُصْعِدُونَ) أي: في الجبل (وَلا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ) أي: وأنتم لا تلوون على أحد من الدَّهَش والخوف والرعب (وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ) أي: وهو قد خلفتموه وراء ظُهوركم يدعوكم إلى تَرْك الفرار من الأعداء، وإلى الرجعة والعودة والكرة.
قال السُّدِّي: لما شَدّ المشركون على المسلمين بأحد فهزموهم، دخل بعضهم المدينة، وانطلق بعضهم فوق الجبل إلى الصخرة فقاموا عليها، وجعل الرسول ﷺ يدعو الناس: "إليَّ عِبَادَ اللهِ، إليَّ عباد الله".
ين بأحد فهزموهم، دخل بعضهم المدينة، وانطلق بعضهم فوق الجبل إلى الصخرة فقاموا عليها، وجعل الرسول ﷺ يدعو الناس: "إليَّ عِبَادَ اللهِ، إليَّ عباد الله". فذكر الله صعودهم على الجبل، ثم ذكر دُعَاء النبي ﷺ إياهم فقال: (إِذْ تُصْعِدُونَ وَلا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ).
وكذا قال ابنُ عباس، وقتادة والربيع، وابن زيد.
وقد قال عبد الله بن الزّبَعْري يذكر هزيمة المسلمين يوم أحد في قصيدته -وهو مشرك بعد لم يسلم-التي يقول في أولها:
يا غُرابَ البَيْنِ أسْمَعْتَ فَقُل … إنما تَنْطقُ شيئًا قَدْ فُعلْ
إنّ للخير وللشر مَدى … وكلا ذلك وجْه وقَبلْ
إلى أن قال:
لَيْتَ أشياخي ببدر شهدوا … جَزَعَ الخزرج من وقع الأسَلْ
حين حَكَّت بقُباء بَرْكها … واستحر القتل في عبد الأشل
ثم خَفّوا عنْدَ ذَاكُم رُقَّصا … رقص الحَفَّان يعلو في الجَبَل
فقتلنا الضعف من أشرافهم … وعَدَلنا مَيْل بدر فاعتدَل
الحفان: صغار النعم.
ل في عبد الأشل
ثم خَفّوا عنْدَ ذَاكُم رُقَّصا … رقص الحَفَّان يعلو في الجَبَل
فقتلنا الضعف من أشرافهم … وعَدَلنا مَيْل بدر فاعتدَل
الحفان: صغار النعم.
وقد كان النبي ﷺ قد أفرد في اثنى عشر رجلا من أصحابه، كما قال الإمام أحمد: حدثنا حسن بن موسى، حدثنا زُهَير، حدثنا أبو إسحاق أن البراء بن عازب قال: جعل رسول الله ﷺ على الرماة يوم أحد -وكانوا خمسين رجلا-عبد الله بن جُبير قال: ووضعهم موضعًا وقال: "إنْ رَأَيْتُمُونَا تَخَطَّفَنَا الطَّيْرُ فَلا تَبْرَحُوا حَتَّى أُرْسِلَ إلَيْكُمْ وَإنْ رَأيْتُمُونَا ظَهَرنَا عَلَى الْعَدُوّ وأوَطأناهُمْ فَلا تَبْرَحُوا حَتَّى أُرسِلَ إلَيْكُمْ قال: فهزموهم. قال: فأنا والله رأيت النساء يَشْتددن على الجبل، وقد بدت أسْؤُقُهنّ وخَلاخلُهُن رافعات ثيابهُن، فقال أصحاب عبد الله: الغَنِيمة، أي قوم الغنيمة، ظهر أصحابكم فما تنتظرون؟ قال عبد الله بن جبير: أنسيتم ما قال لكم رسول الله ﷺ؟ فقالوا: إنا والله لَنَأتيَن الناس فَلنُصِبيَنَّ من الغنيمة.
وم الغنيمة، ظهر أصحابكم فما تنتظرون؟ قال عبد الله بن جبير: أنسيتم ما قال لكم رسول الله ﷺ؟ فقالوا: إنا والله لَنَأتيَن الناس فَلنُصِبيَنَّ من الغنيمة. فلما أتوهم صرفت وجوههم فأقبلوا منهزمين، فذلك الذي يدعوهم الرسول في أخراهم، فلم يبق مع رسول الله ﷺ غير اثنى عشر رجلا فأصابوا منا سبعين، وكان رسول الله ﷺ وأصحابُه أصابوا من المشركين يوم بَدْر أربعين ومائة: سبعين أسيرًا وسبعين قتيلا. قال أبو سفيان: أفي القوم محمد؟ أفي القوم محمد؟ أفي القوم محمد؟ -ثلاثا -قال: فنهاهم رسولُ الله ﷺ أن يجيبوه، ثم قال: أفي القوم ابن أبي قُحَافة؟ أفي القوم ابن أبي قحافة؟ أفي القوم ابن الخطاب؟ أفي القوم ابن الخطاب؟ ثم أقبل على أصحابه فقال: أما هؤلاء فقد قتلوا، قد كُفيتُمُوه. فما ملك عُمَر نفسَه أن قال: كذبتَ والله يا عدو الله، إن الذين عَدَدْتَ لأحياء كلهم، وقد بَقى لك ما يسوؤك. فقال يوم بيوم بدر، والحرب سِجَال، إنكم ستجدون في القوم مَثُلَةً لم آمر بها ولم تسؤني ثم أخذ يرتجز، يقول: اعلُ هُبَلْ. اعل هُبَلْ.
د بَقى لك ما يسوؤك. فقال يوم بيوم بدر، والحرب سِجَال، إنكم ستجدون في القوم مَثُلَةً لم آمر بها ولم تسؤني ثم أخذ يرتجز، يقول: اعلُ هُبَلْ. اعل هُبَلْ. فقال رسول الله ﷺ: "ألا تُجِيبُوه؟ " قالوا: يا رسول الله، ما نقول؟ قال: "قُولُوا: الله أعلى وأجل". قال: لنا العُزَّى ولا عزَّى لكم. فقال رسول الله ﷺ: "ألا تُجِيبُوهُ؟ ". قالوا: يا رسول الله، وما نقول؟ قال: "قُولُوا: اللهُ مَوْلانَا وَلا مَوْلَى لَكُمْ".
وقد رواه البخاري من حديث زُهَير بن معاوية مختصرا، ورواه من حديث إسرائيل، عن أبي
إسحاق بأبسط من هذا، كما تقدم. والله أعلم.
وروى البيهقي في دلائل النبوة من حديث عمارة بن غَزِيَّة، عن أبي الزُّبَير، عن جابر قال: انهزم الناس عن رسول الله ﷺ يوم أحد وبقي معه أحد عشر رجلا من الأنصار، وطلحة بن عبيد الله وهو يصعد الجبل، فلقيهم المشركون، فقال: "ألا أحَدٌ لِهَؤُلاءِ؟ " فقال طلحة: أنا يا رسول الله، فقال: "كمَا أنْتَ يَا طَلْحَةُ".
صار، وطلحة بن عبيد الله وهو يصعد الجبل، فلقيهم المشركون، فقال: "ألا أحَدٌ لِهَؤُلاءِ؟ " فقال طلحة: أنا يا رسول الله، فقال: "كمَا أنْتَ يَا طَلْحَةُ". فقال رجل من الأنصار: فأنا يا رسول الله، فقاتل عنه، وصعد رسول الله ﷺ ومن بقي معه، ثم قُتل الأنصاري فلحقوه فقال: "ألا رجُلٌ لِهؤُلاءِ؟ " فقال طلحة مثل قوله، فقال رسول الله ﷺ مثل قوله، فقال رجل من الأنصار: فأنا يا رسول الله، فقاتل عنه وأصحابه يصعدن، ثم قتل فلحقوه، فلم يزل يقول مثل قوله الأول فيقول طلحة: فأنا يا رسول الله، فيحبسه، فيستأذنه رجل من الأنصار للقتال فيأذَنُ له، فيقاتل مثل من كان قبله، حتى لم يبق معه إلا طلحة فَغشَوْهما، فقال رسول الله ﷺ: "مَنْ لِهَؤلاءِ؟ " فقال طلحة: أنا.
نه رجل من الأنصار للقتال فيأذَنُ له، فيقاتل مثل من كان قبله، حتى لم يبق معه إلا طلحة فَغشَوْهما، فقال رسول الله ﷺ: "مَنْ لِهَؤلاءِ؟ " فقال طلحة: أنا. فقاتل مثْل قتال جميع من كان قبله وأصيبت أنامله، فقال: حس، فقال رسول الله: "لوْ قُلْتَ: بِاسْمِ اللهِ، وذَكرت اسْمَ الله، لَرَفَعَتْكَ الملائِكَة والنَّاسُ يَنْظُرونَ إلَيْكَ، حَتَّى تلجَ بِكَ فِي جَوِّ السَّمَاءِ"، ثم صعد رسول الله ﷺ إلى أصحابه وهم مجتمعون.
وقد روى البخاري، عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن وَكِيع، عن إسماعيل، عن قَيْس بن أبي حازم قال: رأيت يد طلحة شلاء وقى بها النبي ﷺ -يعني يوم أحد.
هم مجتمعون.
وقد روى البخاري، عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن وَكِيع، عن إسماعيل، عن قَيْس بن أبي حازم قال: رأيت يد طلحة شلاء وقى بها النبي ﷺ -يعني يوم أحد.
وفي الصحيحين من حديث مُعْتَمر بن سليمان، عن أبيه، عن أبي عُثمان النَّهْدِي قال: لم يبق مع رسول الله ﷺ في بعض تلك الأيام، التي قاتل فيهن رسول الله ﷺ غَيْرُ طلحةَ بن عبيد الله وسعد، عن حَديثهما وقال حماد بن سلمة عن علي بن زيد وثابت عن أنس بن مالك؛ أن رسول الله ﷺ أفرد يوم أحد في سبعة من الأنصار ورجلين من قريش، فلما رَهِقُوه قال: "مَنْ يَرُدُّهُمْ عَنَّا وَلَهُ الْجَنَّةُ -أو: وهو رفيقي في الجنة؟ " فتقدم رجل من الأنصار فقاتل حتى قتل، ثم رهقوه أيضا، فقال: "من يردهم عنا وله الجنة؟ " فتقدم رجل من الأنصار فقاتل حتى قتل.
ةُ -أو: وهو رفيقي في الجنة؟ " فتقدم رجل من الأنصار فقاتل حتى قتل، ثم رهقوه أيضا، فقال: "من يردهم عنا وله الجنة؟ " فتقدم رجل من الأنصار فقاتل حتى قتل. فلم يزل كذلك حتى قتل السبعة، فقال رسول الله ﷺ لصاحبيه: ما أنْصَفْنَا أصْحَابنا".
رواه مسلم عن هُدبة بن خالد، عن حماد بن مسلمة به نحوه.
وقال الحسن بن عرفة: حدثنا ابن مروان بن معاوية، عن هاشم بن هاشم الزهري، قال سمعت سعيد بن المسيَّب يقول: سمعت سعد بن أبي وقاص [﵁] يقول: نَثُل لي
رسول الله ﷺ كنانته يوم أحد قال: "ارْمِ فِدَاكَ أبِي وأُمِّي".
وأخرجه البخاري، عن عبد الله بن محمد، عن مروان بن معاوية.
وقال محمد بن إسحاق حدثني صالح بن كيسان، عن بعض آل سعد، عن سعد بن أبي وقاص؛ أنه رمى يوم أحد دونَ رسول الله ﷺ، قال سعد: فلقد رأيت رسول الله ﷺ يناولني النَّبْلَ ويقول: "ارْمِ فِدَاكَ أبِي وأُمِّي" حتى إنه ليناولني السهم ليس له نصل، فأرمي به.
حد دونَ رسول الله ﷺ، قال سعد: فلقد رأيت رسول الله ﷺ يناولني النَّبْلَ ويقول: "ارْمِ فِدَاكَ أبِي وأُمِّي" حتى إنه ليناولني السهم ليس له نصل، فأرمي به.
وثبت في الصحيحين من حديث إبراهيم بن سعد عن أبيه، عن جده، عن سعد بن أبي وقاص قال: رأيت يوم أحد عن يمين النبي ﷺ وعن يساره رجلين، عليهما ثياب بيض، يقاتلان عنه أشد القتال، ما رأيتهما قبل ذلك اليوم ولا بعده، يعني: جبريل وميكائيل ﵉.
وقال أبو الأسود، عن عروة بن الزبير قال: كان أبَيُّ بن خَلَف، أخو بني جُمَح، قد حلف وهو بمكة لَيَقْتُلَن رسول الله ﷺ، فلما بلغتْ رسولَ الله ﷺ حَلْفَتُه قال: "بَلْ أنَا أقْتُلُهُ، إنْ شَاءَ الله". فلما كان يوم أحد أقبل أبَي في الحديد مُقَنَّعا، وهو يقول: لا نَجَوْتُ إن نجا محمد.
رسولَ الله ﷺ حَلْفَتُه قال: "بَلْ أنَا أقْتُلُهُ، إنْ شَاءَ الله". فلما كان يوم أحد أقبل أبَي في الحديد مُقَنَّعا، وهو يقول: لا نَجَوْتُ إن نجا محمد. فحمل على رسول الله ﷺ يريد قتْله، فاستقبله مُصْعَب بن عُمَير، أخو بني عبد الدار، يقي رسول الله ﷺ بنفسه، فقتل مصعب بن عمير، وأبصر رسولُ الله ﷺ تَرْقُوَة أبي بن خلف من فَرْجةَ بين سابغة الدرع والبيضة، وطعنه فيها بحربته، فوقع إلى الأرض عن فرسه، لم يخرج من طعنته دم، فأتاه أصحابه فاحتملوه وهو يخور خُوار الثور، فقالوا له: ما أجزعك إنما هو خدش؟ فذكر لهم قول رسول الله ﷺ: "أنا أقْتُلُ أُبيا". ثم قال: والذي نفسي بيده لو كان هذا الذي بي بأهل ذي المَجَاز لماتوا أجمعون. فمات إلى النار، فسحقا لأصحاب السعير.
وقد رواه موسى بن عُقْبة في مغازيه، عن الزُّهْري، عن سعيد بن المسيّب بنحوه.
وذكر محمد بن إسحاق قال: لما أسْنِدَ رسول الله ﷺ في الشعب، أدركه أبي بن خَلَفَ وهو يقول: لا نجوتُ إن نجوتَ فقال القوم: يا رسول الله، يَعْطف عليه رجل منا؟
ر محمد بن إسحاق قال: لما أسْنِدَ رسول الله ﷺ في الشعب، أدركه أبي بن خَلَفَ وهو يقول: لا نجوتُ إن نجوتَ فقال القوم: يا رسول الله، يَعْطف عليه رجل منا؟ فقال رسول الله ﷺ: "دَعُوُه" فلما دنا تناول رسول الله [ﷺ] الحربة من الحارث بن الصِّمَّة، فقال بعض القوم ما ذكر لي: فلما أخذها رسول الله ﷺ منه انتفض بها انتفاضة، تطايرنا عنه تطاير الشّعْر عن ظهر البعير إذا انتفض، ثم استقبله رسول الله ﷺ فطعنه في عنقه طعنة تدأدَأ منها عن فرسه مرارًا.
وذكر الواقدي، عن يونس بن بُكَير، عن محمد بن إسحاق، عن عاصم بن عمرو بن قتادة، عن عبد الله بن كعب بن مالك، عن أبيه نحو ذلك.
قال الواقدي: كان ابن عمر يقول: مات أبَيّ بن خلف ببطن رَابِغٍ، فإني لأسير ببطن رابغ بعد
هوى من الليل إذا أنا بنار تتأجّح فهبتها، فإذا رجل يخرج منها في سلسلة يجتذبها يهيج به العطش، وإذا رجل يقول: لا تسقه، فإن هذا قتيل رسول الله ﷺ، هذا أبيّ بن خلف.
لليل إذا أنا بنار تتأجّح فهبتها، فإذا رجل يخرج منها في سلسلة يجتذبها يهيج به العطش، وإذا رجل يقول: لا تسقه، فإن هذا قتيل رسول الله ﷺ، هذا أبيّ بن خلف.
وثبت في الصحيحين، من رواية عبد الرزاق، عن مَعْمَر، عن هَمَّام بن مُنَبِّه، عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: "اشْتَدَّ غَضَبُ اللهِ عَلَى قَوْمٍ فَعَلُوا بِرَسُولِ اللهِ -وهو حينئذ يشير إلى رباعيته-اشْتَدَّ غَضَبُ اللهِ عَلَى رَجُلٍ يَقْتُلُهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي سَبِيلِ اللهِ".
ورواه البخاري أيضًا من حديث ابن جُرَيج، عن عَمْرو بن دينار، عن عِكْرِمة، عن ابن عباس قال: اشتد غضب الله على من قتله رسول الله ﷺ، بيده في سبيل الله، اشتد غضب الله على قوم دَمَّوا وجه رسول الله ﷺ.
مْرو بن دينار، عن عِكْرِمة، عن ابن عباس قال: اشتد غضب الله على من قتله رسول الله ﷺ، بيده في سبيل الله، اشتد غضب الله على قوم دَمَّوا وجه رسول الله ﷺ. وقال محمد بن إسحاق بن يسار، ﵀: أصيبت رَبَاعِية رسول الله ﷺ وشج في وَجْنَته، وكُلِمَت شَفَتُه وكان الذي أصابه عتبة بن أبي وقاص.
فحدثني صالح بن كَيْسان، عمن حدثه، عن سعد بن أبي وقاص قال: ما حَرَصْتُ على قتل أحد قَط ما حرصت على قتل عُتْبة بن أبي وقاص وإن كان ما علمته لسيئ الخلُق، مُبْغَضًا في قومه، ولقد كفاني فيه قول رسول الله ﷺ: "اشْتَدَّ غَضَبُ اللهِ عَلَى مَنْ دَمَّى وَجْهَ رَسُولِ الله ﷺ".
وقال عبد الرزاق: أنبأنا معْمَر، عن الزهري، عن عثمان الجزَري، عن مقْسَم؛ أن رسول الله ﷺ دعا على عُتْبةَ بن أبي وقاص يوم أحُد حين كَسر رَبَاعيتَه ودَمى وجهه فقال: "اللَّهُمَّ لا تحل عَلَيْهِ الْحَوْل حَتَّى يموتَ كَافِرًا".
أن رسول الله ﷺ دعا على عُتْبةَ بن أبي وقاص يوم أحُد حين كَسر رَبَاعيتَه ودَمى وجهه فقال: "اللَّهُمَّ لا تحل عَلَيْهِ الْحَوْل حَتَّى يموتَ كَافِرًا". فما حال عليه الحولُ حتى مات كافرًا إلى النار.
ذكر الواقدي عن ابن أبي سبرة، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي فَرْوة، عن أبي الحُويرث، عن نافع بن جبير قال: سمعتُ رجُلا من المهاجرين يقول: شهدت أحُدًا فنظرت إلى النَّبْل يأتي من كل ناحية، ورسول الله ﷺ وسطها، كُلُّ ذلك يُصْرَف عنه، ولقد رأيت عبد الله بن شهاب الزهري يقول يومئذ: دُلّوني على محمد، لا نَجَوتُ إن نجا، ورسول الله ﷺ إلى جنبه ليس معه أحد، ثم جاوره فعاتبه في ذلك صَفْوان، فقال: والله ما رأيته، أحلف بالله إنه منا ممنوع.
لّوني على محمد، لا نَجَوتُ إن نجا، ورسول الله ﷺ إلى جنبه ليس معه أحد، ثم جاوره فعاتبه في ذلك صَفْوان، فقال: والله ما رأيته، أحلف بالله إنه منا ممنوع. خرجنا أربعة فتعاهدنا وتعاقدنا على قتله، فلم نخلص إلى ذلك.
قال الواقدي: الثَّبْتُ عندنا أن الذي رمى في وَجْنَتي رسول الله ﷺ ابن قَميئة والذي دَمى شفته وأصاب رباعيته عتبة بن أبي وقاص.
وقال أبو داود الطيالسي: حدثنا ابن المبارك، عن إسحاق بن يحيى بن طلحة بن عبيد الله،
أخبرني عيسى بن طلحة، عن أم المؤمنين عائشة، ﵂، قالت: كان أبو بكر، ﵁، إذا ذكر يوم أحد قال ذاك يوم كُله لطلحة، ثم أنشأ يحدث قال: كنت أول من فَاء يوم أحد، فرأيت رجلا يقاتل مع رسول الله ﷺ دونه -وأراه قال: حَميَّة فقال فقلت: كن طَلْحَةَ، حيث فاتني ما فاتني، فقلت: يكون رجلا من قومي أحب إلي، وبيني وبين المشركين رجل لا أعرفه، وأنا أقرب إلى رسول الله ﷺ منه، وهو يخطف المشي خطفا لا أحفظه فإذا هو أبو عبيدة بن الجراح، فانتهينا إلى رسول الله ﷺ: وقد كسرت رَبَاعِيتُه وشُجّ في وجهه، وقد دخل في
لى رسول الله ﷺ منه، وهو يخطف المشي خطفا لا أحفظه فإذا هو أبو عبيدة بن الجراح، فانتهينا إلى رسول الله ﷺ: وقد كسرت رَبَاعِيتُه وشُجّ في وجهه، وقد دخل في وَجْنَته حلقتان من حِلَق المِغْفَر، قال رسول الله ﷺ: "عَليكُما صَاحِبَكُما". يريد طلحة، وقد نزف، فلم نلتفت إلى قوله، قال: وذهبت لأن أنزع ذلك من وجهه، فقال أبو عبيدة: أقسمت عليك بحقي لما تركتني. فتركته، فكره أن يتناولها بيده فيؤذي النبي ﷺ، فَأزَمَّ عليها بِفِيهِ فاستخرج إحدى الحلقتين، ووقعت ثَنيَّته مع الحلقة، ذهبت لأصنع ما صنع، فقال: أقسمت عليك بحقي لما تركتني، قال: ففعل مثل ما فعل في المرة الأولى، فوقعت ثنيته الأخرى مع الحلقة، فكان أبو عبيدة، ﵁، أحسن الناس هَتْما، فأصلحنا من شأن رسول الله ﷺ، ثم أتينا طلحة في بعض تلك الجفار، فإذا به بضع وسبعون أو أقل أو أكثر من طعنة ورَمْيَة وضربة، وإذا قد قُطعَتْ إصبعه، فأصلحنا من شأنه.
ورواه الهيثم بن كُلَيب، والطبراني، من حديث إسحاق بن يحيى به. وعند الهيثم: فقال أبو عبيدة: أنشدك يا أبا بكر إلا تركتني؟
ُطعَتْ إصبعه، فأصلحنا من شأنه.
ورواه الهيثم بن كُلَيب، والطبراني، من حديث إسحاق بن يحيى به. وعند الهيثم: فقال أبو عبيدة: أنشدك يا أبا بكر إلا تركتني؟ فأخذ أبو عبيدة السّهم بفيه، فجعل يُنَضْنِضَه كراهيةَ أن يؤذي رسول الله ﷺ، ثم اسْتل السهم بفيه فبدرت ثنية أبي عبيدة.
وذكر تمامه، واختاره الحافظ الضياء المقدسي في كتابه وقد ضَعّف علي بن المديني هذا الحديث من جهة إسحاق بن يحيى هذا، فإنه تكلم فيه يحيى بن سعيد القطان، وأحمد، ويحيى بن معين، والبخاري، وأبو زُرعة، وأبو حاتم، ومحمد بن سعد، والنسائي وغيرهم.
وقال ابن وَهْب: أخبرني عَمْرو بن الحارث: أن عُمَر بن السائب حدثه: أنه بلغه أن مالكا أبا [أبي] سعيد الخُدْري لمَّا جرح النبي ﷺ يوم أحد مَصّ الجرح حتى أنقاه ولاح أبيض، فقيل له: مُجَّه. فقال: لا والله لا أمجه أبدا.
ثه: أنه بلغه أن مالكا أبا [أبي] سعيد الخُدْري لمَّا جرح النبي ﷺ يوم أحد مَصّ الجرح حتى أنقاه ولاح أبيض، فقيل له: مُجَّه. فقال: لا والله لا أمجه أبدا. ثم أدبر يقاتل، فقال النبي ﷺ: "من أراد أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة، فلينظُرْ إلى هذا " فاستشهد.
وقد ثبت في الصحيحين من طريق عبد العزيز بن أبي حازم عن أبيه، عن سَهْل بن سَعْد أنه
سئل عن جُرح رسول الله ﷺ فقال: جُرح وجه رسول الله ﷺ، وكسِرت رَبَاعِيتُه، وهُشِمَت البَيْضة على رأسه، فكانت فاطمة بنت رسول الله ﷺ تغسل الدم، وكان عَلِي يسكب عليها بالمِجَنّ فلما رأت فاطمة [﵂] أن الماء لا يزيدُ الدم إلا كثرة، أخذت قطعةَ حَصِير فأحرقته، حتى إذا صار رمادا ألصقته بالجُرْح، فاستمسك الدم.
وقوله: (فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ) أي: فجازاكم غَما على غَم كما تقول العرب: نزلت ببني فلان، ونزلت على بني فلان.
قال ابن جرير: وكذا قوله: ﴿وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه: ٧١] [أي: على جذوع النخل].
ما تقول العرب: نزلت ببني فلان، ونزلت على بني فلان.
قال ابن جرير: وكذا قوله: ﴿وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه: ٧١] [أي: على جذوع النخل].
قال ابن عباس: الغم الأول: بسبب الهزيمة، وحين قيل: قتل محمد ﷺ، والثاني: حين علاهم المشركون فوق الجبل، وقال النبي ﷺ: "اللَّهُمَّ لَيْسَ لَهُمْ أنْ يَعْلُونا".
وعن عبد الرحمن بن عوف: الغم الأول: بسبب الهزيمة، والثاني: حين قيل: قُتِلَ محمد ﷺ، كان ذلك عندهم أعظم من الهزيمة.
رواهما ابن مَرْدُويَه، وروي عن عمر بن الخطاب نحو ذلك. وذكر ابن أبي حاتم عن قتادة نَحْوَ ذلك أيضا.
وقال السُّدِّي: الغم الأول: بسبب ما فاتهم من الغنيمة والفتح، والثاني: بإشراف العدو عليهم.
وقال محمد بن إسحاق (فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ) أي: كَرْبا بعد كرب، قَتْل مَنْ قُتل من إخوانكم، وعُلُو عدوكم عليكم، وما وقع في أنفسكم من قول من قال: "قُتل نبيكم" فكان ذلك متتابعا عليكم غما بغم.
وقال مجاهد وقتادة: الغم الأول: سماعهم قتل محمد، والثاني: ما أصابهم من القتل والجراح.
فسكم من قول من قال: "قُتل نبيكم" فكان ذلك متتابعا عليكم غما بغم.
وقال مجاهد وقتادة: الغم الأول: سماعهم قتل محمد، والثاني: ما أصابهم من القتل والجراح. وعن قتادة والربيع بن أنس عكسُه.
وعن السُّدِّي: الأول: ما فاتهم من الظَّفَر والغنيمة، والثاني: إشراف العدو عليهم، وقد تقدم هذا عن السدي.
قال ابن جرير: وأولى هذه الأقوال بالصواب قولُ من قال: (فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ) فأثابكم بغَمكُم أيها المؤمنون بحرمان الله إياكم غنيمةَ المشركين والظَّفر بهم والنصرَ عليهم، وما أصابكم من القتل والجراح يومئذ -بعد الذي أراكم في كل ذلك ما تحبون -بمعصيتكم ربكم، وخلافكم أمر النبي ﷺ، غَم ظنكم أن نبيكم قد قتل، وميل العدو عليكم بعد فُلولكم منهم.
وقوله: (لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ) أي: على ما فاتكم من الغنيمة بعدوكم (وَلا مَا أَصَابَكُمْ) من القتل والجراح، قاله ابن عباس، وعبد الرحمن بن عوف، والحسن، وقتادة، والسدي (وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ).