Dan jika kamu membalas, maka balaslah dengan (balasan) yang sama dengan siksaan yang ditimpakan kepadamu. Tetapi jika kamu bersabar, sesungguhnya itulah yang lebih baik bagi orang yang sabar
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ (١٢٦)﴾.
يقول تعالى ذكرُه للمؤمنين: وإن عاقَبْتُم أيُّها المؤمنون مَن ظَلَمَكم واعْتَدَى عليكم، فعاقِبوه بمثلِ الذى نالَكم به ظالمُكم من العقوبةِ، ولئن صبَرْتُم عن عقوبتِه، واحْتَسَبْتُم عندَ اللهِ ما نالكم به مِن الظلمِ، ووكَلْتُم أمرَه إليه، حتى يكونَ هو المتولِّىَ عقوبتَه، ﴿لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ﴾. يقولُ: لَلصَّبرُ عن عقوبتِه، لذلك خيرٌ لأهلِ
الصبرِ احتسابًا وابتغاءَ ثوابِ اللهِ؛ لأن اللهَ يُعَوِّضُه مِن الذى أراد أن يَنالَه، بانتقامِه من ظالمِه على ظلمِه إياه، من لذةِ الانتصارِ.
و"هو" مِن قولِه: ﴿لَهُوَ﴾ كنايةٌ عن الصبر، وحسُن ذلك، وإن لم يَكُنْ ذكَر قبلَ ذلك الصبرَ؛ لدَلالةِ قولِه: ﴿وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ﴾. عليه.
وقد اخْتلَف أهلُ التأويلِ فى السببِ الذي مِن أجلِه نزَلَت هذه الآيةُ.
إن لم يَكُنْ ذكَر قبلَ ذلك الصبرَ؛ لدَلالةِ قولِه: ﴿وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ﴾. عليه.
وقد اخْتلَف أهلُ التأويلِ فى السببِ الذي مِن أجلِه نزَلَت هذه الآيةُ. وقيل: هي منسوخةٌ أو مُحْكَمةٌ؛ فقال بعضُهم: نزلَت من أجلِ أن رسولَ اللهِ ﷺ وأصحابَه أَقْسَموا حينَ فعَل المشركون يومَ أُحُدٍ ما فعَلوا بقَتْلَى المسلمين، من التمثيلِ بهم، أن يُجاوِزوا فعلَهم فى المُثْلةِ بهم، إن رُزِقوا الظَّفَرَ عليهم يومًا، فنهاهم اللهُ عن ذلك بهذه الآية، وأمَرَهم أن يَقْتَصِروا في التمثيلِ بهم، إن هم ظفِروا، على مثلِ الذى كان منهم، ثم أمرَهم بعدَ ذلك بتركِ التمثيلِ، وإيثارِ الصبرِ عنه بقولِه: ﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾. فنسَخ بذلك عندَهم ما كان أذِن لهم فيه مِن المُثْلَةِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا محمدُ بنُ عبد الأعلى، قال: ثنا المعتمرُ، قال: سمِعْتُ داودَ، عن عامرٍ، أن المسلمين قالوا لمَّا مثَّل المشركون بقَتْلاهم يومَ أُحُدٍ: لَئِن ظَهَرْنا عليهم لنَفْعَلَنَّ ولَنَفْعَلَنَّ.
َّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، قال: لما أُصِيب فى أهلِ أحدٍ المَثْلُ، فقال المسلمون: لئن أصَبْناهم لنُمثِّلَنَّ بهم. فقال اللهُ:
﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ﴾، [فلم تُعاقِبوا]، ﴿لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ﴾. ثم عزَم وأخبرَ فلا يُمثَّلُ، فنهَى عن المَثْلِ. قال: مثَّل الكفارُ بقتلَى أُحدٍ، إلا حنظلةَ بنَ الراهبِ، كان الراهبُ أبو عامرٍ مع أبي سفيانَ، فترَكوا حنظلةَ لذلك.
وقال آخرون: نُسِخ ذلك بقولِه فى "براءةَ": ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥]. قالوا: وإنما قال: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾.
براءةُ" وانسلاخُ الأشهرِ الحُرُمِ. قال: فهذا مِن المنسوخِ.
وقال آخرون: بل عنَى اللهُ تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾. نبيَّ اللهِ خاصّةً، دون سائرِ أصحابِه، فكان الأمرُ بالصبرِ له عزيمةً من اللهِ دونَهم.
ذِكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾. قال: أمَرَهم اللهُ أن يَعفُوا عن المشركين، فأسلَم رجالٌ لهم مَنَعةٌ، فقالوا: يا رسولَ اللهِ، لو أذِن اللهُ لنا لانتصَرنا مِن هؤلاء الكلابِ. فنزل القرآنُ: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ﴾. واصبِرْ أنتَ يا محمدُ، ولا تكنْ ممَّن ينتصِرُ، وما صبرُك إلا باللهِ.
بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ﴾. واصبِرْ أنتَ يا محمدُ، ولا تكنْ ممَّن ينتصِرُ، وما صبرُك إلا باللهِ. قال: ثم نسَخ هذا، وأمَره بجهادِهم، فهذا كلُّه منسوخٌ.
وقال آخرون: لم يُعْنَ بهاتين الآيتين شيءٌ مما ذكَر هؤلاءِ، وإنما عُنِى بهما أنّ من ظُلِم بظُلامةٍ، فلا يحِلُّ له أن ينالَ [ممن ظلَمه] أكثرَ ممّا نال الظالمُ منه. وقالوا: الآيةُ محكمةٌ غيرُ منسوخةٍ.
ذِكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا الثوريُّ، عن خالدٍ، عن ابنِ سيرينَ: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾. يقولُ:
إن أخَذ منك رجلٌ شيئًا، فخُذْ منه مثلَه
حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا الثوريُّ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ، قال: إن أخَذ منك شيئًا فخُذْ منه مثلَه.
ًا، فخُذْ منه مثلَه
حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا الثوريُّ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ، قال: إن أخَذ منك شيئًا فخُذْ منه مثلَه. قال الحسنُ: قال عبدُ الرزاقِ: قال سفيانُ: ويقولون: إن أخذ منك دينارًا، فلا تأخُذْ منه إلا دينارًا، وإن أخَذ منك شيئًا، فلا تأخُذْ منه إلا مثلَ ذلك الشيءِ.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾: لا تعتَدُوا.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
َاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾: لا تعتَدُوا.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
والصوابُ من القولِ في ذلك أن يقالَ: إن اللهَ تعالى ذِكرُه أمَر من عُوقِب مِن المؤمنين بعقوبةٍ، أن يعاقِبَ مَن عاقَبه بمثلِ الذى عُوقِب به، إن اختار عقوبتَه، وأعلَمه أن الصبرَ على تركِ عقوبتِه، على ما كان منه إليه، خيرٌ، وعزَم على نبيِّه ﷺ أن يصبرَ، وذلك أن ذلك هو ظاهرُ التنزيلِ، والتأويلاتُ التي ذكَرناها عمّن ذكَروها عنه، محتمِلتُها الآيةُ كلَّها. فإذ كان ذلك كذلك، ولم يكنْ في الآيةِ دلالةٌ على أيِّ ذلك عُنِى بها من خبرٍ ولا عقلٍ، كان الواجبُ علينا الحكمَ بها، إلى
باطنٍ لا دَلالةَ عليه، وأن يقالَ: هي آيةٌ محكمةٌ، أمَر اللهُ تعالى ذِكرُه عبادَه أَلَّا يتجاوَزُوا فيما وجَب لهم قبلَ غيرهم من حقٍّ، من مالٍ أو نفسٍ -الحقَّ الذي جعَله اللهُ لهم إلى غيره.
يةٌ محكمةٌ، أمَر اللهُ تعالى ذِكرُه عبادَه أَلَّا يتجاوَزُوا فيما وجَب لهم قبلَ غيرهم من حقٍّ، من مالٍ أو نفسٍ -الحقَّ الذي جعَله اللهُ لهم إلى غيره. وأنها غيرُ منسوخةٍ، إذ كان لا دَلالةَ على نسخِها، وأن للقولِ بأنها محكمةٌ، وجهًا صحيحًا مفهومًا.
﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ (١٢٦) وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلا بِاللَّهِ وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ (١٢٧) إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ (١٢٨)﴾
يأمر تعالى بالعدل في الاقتصاص والمماثلة في استيفاء الحق، كما قال عبد الرزاق، عن الثوري، عن خالد، عن ابن سيرين: أنه قال في قوله تعالى: (فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ) إن أخذ منكم رجل شيئًا، فخذوا منه مثله.
وكذا قال مجاهد، وإبراهيم، والحسن البصري، وغيرهم. واختاره ابن جرير.
وقال ابن زيد: كانوا قد أمروا بالصفح عن المشركين، فأسلم رجال ذوو منعةٍ، فقالوا: يا رسول
الله، لو أذن الله لنا لانتصرنا من هؤلاء الكلاب!
تاره ابن جرير.
وقال ابن زيد: كانوا قد أمروا بالصفح عن المشركين، فأسلم رجال ذوو منعةٍ، فقالوا: يا رسول
الله، لو أذن الله لنا لانتصرنا من هؤلاء الكلاب! فنزلت هذه الآية، ثم نسخ ذلك بالجهاد.
وقال محمد بن إسحاق، عن بعض أصحابه، عن عطاء بن يَسَار قال: نزلت سورة "النحل" كلها بمكة، وهي مكية إلا ثلاث آيات من آخرها نزلت بالمدينة بعد أحد، حيث قتل حمزة، ﵁، ومثل به فقال رسول الله ﷺ: "لئن ظهرنا عليهم لنمثلن بثلاثين رجلا منهم" فلما سمع المسلمون ذلك قالوا: والله لئن ظهرنا عليهم لنمثلن بهم مثلة لم يمثلها أحد من العرب بأحد قط. فأنزل الله: (وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ) إلى آخر السورة.
وهذا مرسل، وفيه [رجل] مبهم لم يسم، وقد روي هذا من وجه آخر متصل، فقال الحافظ أبو بكر البزار:
حدثنا الحسن بن يحيى، حدثنا عمرو بن عاصم، حدثنا صالح المري، عن سليمان التيمي، عن أبي عثمان، عن أبي هريرة، ﵁؛ أن رسول الله ﷺ وقف على حمزة بن عبد المطلب، ﵁، حين استشهد، فنظر إلى منظر لم ينظر أوجع للقلب منه.
لمري، عن سليمان التيمي، عن أبي عثمان، عن أبي هريرة، ﵁؛ أن رسول الله ﷺ وقف على حمزة بن عبد المطلب، ﵁، حين استشهد، فنظر إلى منظر لم ينظر أوجع للقلب منه. أو قال: لقلبه [منه] فنظر إليه وقد مُثِّل به فقال: "رحمة الله عليك، إن كنت -لما علمتُ-لوصولا للرحم، فعولا للخيرات، والله لولا حزن من بعدك عليك، لسرني أن أتركك حتى يحشرك الله من بطون السباع -أو كلمة نحوها-أما والله على ذلك، لأمثلن بسبعين كمثلتك". فنزل جبريل، ﵇، على محمد ﷺ بهذه السورة وقرأ: (وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ) إلى آخر الآية، فكفر رسول الله ﷺ -يعني: عن يمينه-وأمسك عن ذلك.
وهذا إسناد فيه ضعف؛ لأن صالحا -هو ابن بشير المري-ضعيف عند الأئمة، وقال البخاري: هو منكر الحديث.
وقال الشعبي وابن جُرَيْج: نزلت في قول المسلمين يوم أحد فيمن مثل بهم: لنمثلن بهم.
حا -هو ابن بشير المري-ضعيف عند الأئمة، وقال البخاري: هو منكر الحديث.
وقال الشعبي وابن جُرَيْج: نزلت في قول المسلمين يوم أحد فيمن مثل بهم: لنمثلن بهم. فأنزل الله فيهم ذلك.
وقال عبد الله بن الإمام أحمد في مسند أبيه: حدثنا هدِيَّة بن عبد الوهاب المروزي، حدثنا الفضل بن موسى، حدثنا عيسى بن عبيد، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، عن أبي بن كعب قال: لما كان يوم أحد، قتل من الأنصار ستون رجلا ومن المهاجرين ستة، فقال أصحاب رسول الله ﷺ: لئن كان لنا يوم مثل هذا من المشركين لَنُرْبِيَنَّ عليهم. فلما كان يوم الفتح قال رجل: لا
تعرف قريش بعد اليوم.
ن المهاجرين ستة، فقال أصحاب رسول الله ﷺ: لئن كان لنا يوم مثل هذا من المشركين لَنُرْبِيَنَّ عليهم. فلما كان يوم الفتح قال رجل: لا
تعرف قريش بعد اليوم. فنادى مناد: إن رسول الله ﷺ آمن الأسود والأبيض إلا فلانا وفلانا -ناسا سماهم-فأنزل الله ﵎: (وَإِنْ عَاقَبْتُمْ [فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ]) فقال رسول الله ﷺ: "نصبر ولا نعاقب".
وهذه الآية الكريمة لها أمثال في القرآن، فإنها مشتملة على مشروعية العدل والندب إلى الفضل، كما في قوله: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ ثُمَّ قَالَ ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [الشورى: ٤٠].
والندب إلى الفضل، كما في قوله: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ ثُمَّ قَالَ ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [الشورى: ٤٠]. وقال ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ ثُمَّ قَالَ ﴿فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ﴾ [المائدة: ٤٥]، وقال في هذه الآية الكريمة: (وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ) ثُمَّ قَالَ (وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ)
وقوله: (وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلا بِاللَّهِ) تأكيد للأمر بالصبر، وإخبار بأن ذلك إنما ينال بمشيئة الله وإعانته، وحوله وقوته.
ثم قال تعالى: (وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ) أي: على من خالفك، لا تحزن عليهم؛ فإن الله قدر ذلك، (وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ) أي: غم (مِمَّا يَمْكُرُونَ) أي: مما يجهدون [أنفسهم] في عداوتك وإيصال الشر إليك، فإن الله كافيك وناصرك، ومؤيدك، ومظهرك ومظفرك بهم.
ثنا محمد بن بشار، حدثنا أبو أحمد الزبيري، حدثنا
مِسْعر، عن ابن عون، عن محمد بن حاطب قال: كان عثمان، ﵁، من الذين آمنوا، والذين اتقوا، والذين هم محسنون.
[آخر تفسير سورة النحل ولله الحمد أجمعه والمنة، وبه المستعان وهو حسبنا ونعم الوكيل]
[بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم]
تفسير سورة الإسراء
وهي مكية
قال الإمام [الحافظ المتقن أبو عبد الله محمد بن إسماعيل] البخاري: حدّثنا آدم بن أبي إياس، حدّثنا شعبة، عن أبي إسحاق قال: سمعت عبد الرحمن بن يزيد، سمعت ابن مسعود، ﵁، قال في بني إسرائيل والكهف ومريم: إنهن من العتاق الأول وهن من تلادي.
وقال الإمام أحمد: حدّثنا عبد الرحمن، حدثنا حماد بن زيد، عن مروان، عن أبي لبابة، سمعت عائشة تقول: كان رسول الله ﷺ يصوم حتى نقول: ما يريد أن يفطر، ويفطر حتى نقول: ما يريد أن يصوم، وكان يقرأ كل ليلة " بني إسرائيل "، و " الزمر ".
﷽
قوله تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ (١٢٦)﴾ نزلت هذه الآية الكريمة من سورة النحل بالمدينة، في تمثيل المشركين بحمزة ومن قتل معه يوم أحد. فقال المسلمون: لئن أظفرنا الله بهم لنمثلن بهم، فنزلت الآية الكريمة، فصبروا لقوله تعالى: ﴿لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ (١٢٦)﴾ أن سورة النحل مكية، إلا هذه الآيات الثلاث من آخرها. والآية فيها جواز الانتقام والإرشاد إلى أفضلية العفو.
قَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ﴾ إلى قوله ﴿أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا (١٤٩)﴾ كما قدمنا.
مسائل تتعلق بهذه الآية الكريمة
المسألة الأولى: يؤخذ من هذه الآية حكم مسألة الظفر، وهي أنك إن ظلمك إنسان: بأن أخذ شيئًا من مالك بغير الوجه الشرعي ولم يمكن لك إثباته، وقدرت له على مثل ما ظلفك به على وجه تأمن معه الفضيحة والعقوبة؛ فهل لك أن تأخذ قدر حقك أو لا؟.
أصح القولين وأجراهما على ظواهر النصوص وعلى القياس: أن لك أن تأخذ قدر حقك من غير زيادة، لقوله تعالى في هذه الآية: ﴿فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ الآية، وقوله: ﴿فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ
بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾.
وممن قال بهذا القول: ابن سيرين، وإبراهيم النخعي، وسفيان ومجاهد، وغيرهم.
وقالت طائفة من العلماء منهم مالك: لا يجوز ذلك، وعليه درج خليل بن إسحاق المالكي في مختصره بقوله في الوديعة: "وليس له الأخذ منها لمن ظلمه بمثلها".
يرهم.
وقالت طائفة من العلماء منهم مالك: لا يجوز ذلك، وعليه درج خليل بن إسحاق المالكي في مختصره بقوله في الوديعة: "وليس له الأخذ منها لمن ظلمه بمثلها".
واحتج من قال بهذا القول بحديث "أد الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك" اهـ. وهذا الحديث على فرض صحته لا ينهض الاستدلال به؛ لأن من أخذ قدر حقه ولم يزد عليه لم يخن من خانه، وإنما أنصف نفسه ممن ظلمه.
المسألة الثانية: أخذ بعض العلماء من هذه الآية الكريمة المماثلة في القصاص. فمن قتل بحديدة قتل بها، ومن قتل بحجر قتل به. ويؤيده رضه ﷺ رأس يهودي بين حجرين قصاصًا لجارية فعل بها مثل ذلك. وهذا قول أكثر أهل العلم خلافًا لأبي حنيفة ومن وافقه زاعمًا أن القتل بغير المحدد شبه عمد، لا عمد صريح حتى يجب فيه القصاص.
اصًا لجارية فعل بها مثل ذلك. وهذا قول أكثر أهل العلم خلافًا لأبي حنيفة ومن وافقه زاعمًا أن القتل بغير المحدد شبه عمد، لا عمد صريح حتى يجب فيه القصاص. وسيأتي لهذا إن شاء الله تعالى زيادة إيضاح في سورة الإسراء.
المسألة الثالثة: أطلق جل وعلا في هذه الآية الكريمة اسم العقوبة على الجناية الأولى في قوله: ﴿بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ والجناية الأولى ليست عقوبة؛ لأن القرآن بلسان عربي مبين ومن أساليب اللغة العربية المشاكلة بين الألفاظ فيؤدي لفظ بغير معناه
الموضوع له مشاكلة للفظ آخر مقترن به الكلام؛ كقول الشاعر:
قالوا: اقترح شيئًا نجد لك طبخه ... قلت: اطبخوا لي جبة وقميصا
أي: خيطوا لي. وقال بعض العلماء: ومنه قول جرير:
هذه الأرامل قد قضيت حاجتها ... فمن لحاجة هذا الأرمل الذكر
بناء على القول بأن الأرامل لا تطلق في اللغة إلا على الإناث.
ونظير الآية الكريمة في إطلاق إحدى العقوبتين على ابتداء الفعل مشاكلة للفظ الآخر قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ .
لكريمة في إطلاق إحدى العقوبتين على ابتداء الفعل مشاكلة للفظ الآخر قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ .. ﴾ الآية، ونحوه أيضًا قوله: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ مع أن القصاص ليس بسيئة، وقوله: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ﴾ الآية؛ لأن القصاص من المعتدي أيضًا ليس باعتداء كما هو ظاهر، وإنما أدي بغير لفظه للمشاكلة بين اللفظين.
•