(Dan sungguh, kamu telah mengetahui orang-orang yang melakukan pelanggaran di antara kamu pada hari Sabat,32) lalu Kami katakan kepada mereka, "Jadilah kamu kera yang hina
لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللهُ يَعْلَمُهُمْ﴾ [الأنفال: ٦٠]. يعنى: لا تَعْرِفونهم، اللهُ يَعْرِفُهم.
وقولُه: ﴿الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ﴾. أى: الذين تَجاوَزُوا حَدِّى، وركِبوا ما نهَيْتُهم عنه في يومِ السبتِ، وعصَوْا أمْرى.
وقد دلَّلْتُ فيما مضَى على أن الاعْتِداءَ أصلُه تَجاوُزُ الحدِّ في كلِّ شيءٍ، بما أغْنَى عن إعادتِه في هذا الموضعِ.
قال: وهذه الآيةُ وآياتٌ بعدَها تَتْلُوها، مما عدَّد جلَّ ثناؤُه فيها على بنى إسرائيلَ -الذين كانوا بينَ خِلالِ دُورِ الأنصارِ زمانَ النبىِّ ﷺ، الذين ابْتَدَأ بذكرِهم في أولِ هذه السورةِ مِن نَكْثِ أسْلافِهم عهدَ اللهِ ومِيثاقَه- ما كانوا يُبْرِمون مِن العقودِ، وحذَّر المُخاطَبين بها أن يَحِلَّ بهم -بإصرارِهم على كفرِهم ومُقامِهم على جُحودِ نبوةِ محمدٍ ﷺ، وتركِهم اتباعَه والتصديقَ بما جاءَهم به مِن عندِ ربِّه- مثلُ الذى حلَّ بأوائلِهم مِن المَسْخِ والرَّجْفِ والصَّعْقِ، وما لا قِبَلَ لهم به مِن غَضَبِ اللهِ وسَخَطِه.
ه والتصديقَ بما جاءَهم به مِن عندِ ربِّه- مثلُ الذى حلَّ بأوائلِهم مِن المَسْخِ والرَّجْفِ والصَّعْقِ، وما لا قِبَلَ لهم به مِن غَضَبِ اللهِ وسَخَطِه.
كالذى حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا عثمانُ بنُ سعيدٍ، قال: ثنا بشرُ بنُ عُمارةَ، عن أبى رَوْقٍ، عن الضحاكِ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ﴾ يقولُ: ولقد عرَفْتُم. وهذا تحذيرٌ لهم مِن المعصيةِ، يقولُ: احْذَرُوا أن يُصِيبَكم ما أصاب أصحابَ السبتِ إذ عصَوْنى، ﴿اعْتَدَوْا﴾، يقولُ: اجْتَرَءوا، ﴿فِي السَّبْتِ﴾.
ْتُم. وهذا تحذيرٌ لهم مِن المعصيةِ، يقولُ: احْذَرُوا أن يُصِيبَكم ما أصاب أصحابَ السبتِ إذ عصَوْنى، ﴿اعْتَدَوْا﴾، يقولُ: اجْتَرَءوا، ﴿فِي السَّبْتِ﴾. قال: لم يَبْعَثِ اللهُ نبيًّا إلا أمَره بالجُمُعةِ، وأخْبَرَه بفضلِها وعِظَمِها في السَّماواتِ وعندَ الملائكةِ، وأنَّ الساعةَ تَقُومُ فيها، فمَن اتَّبَع الأنبياءَ فيما
مضَى، كما اتَّبَعَتْ أمةُ محمدٍ ﷺ محمدًا، قَبِل الجُمُعةَ، وسمِع وأطاع وعرَف فضلَها، وثبَت عليها بما أمَره اللهُ تعالى به ونبيُّه ﷺ، ومَن لم يَفْعَلْ ذلك كان بمنزلةِ الذين ذكَر اللهُ في كتابِه، فقال: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾.
ريمَ حينَ أمَرَهم بالجُمُعةِ، قالوا له: كيف تَأْمُرُنا بالجمعةِ، وأولُ الأيامِ أفضلُها وسيِّدُها، والأولُ أفضلُ، واللهُ واحدٌ، والواحدُ الأولُ أفضلُ؟ فأوْحَى اللهُ إلى عيسى أنْ دَعْهم والأحدَ، ولكن ليَفْعَلوا فيه كذا وكذا مما أمَرَهم به، فلم يَفْعَلوا، فقصَّ اللهُ تعالى قَصَصَهم في الكتابِ بمعصيتِهم.
قال: وكذلك قال اللهُ لموسى حينَ قالت له اليهودُ ما قالوا في أمرِ السبتِ أنْ دَعْهم والسبتَ فلا يَصِيدوا فيه سمكًا ولا غيرَه، ولا يَعْمَلوا شيئًا، كما قالوا. قال: فكان إذا كان السبتُ ظهَرَتِ الحِيتانُ على الماءِ، فهو قولُه: ﴿إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا﴾ [الأعراف: ١٦٣]. يقولُ: ظاهرةً على الماءِ -ذلك لمعصيتِهم موسى- وإذا كان غيرُ يومِ السبتِ صارت صيدًا كسائرِ الأيامِ، فهو قولُه: ﴿وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ﴾.
ُ: ظاهرةً على الماءِ -ذلك لمعصيتِهم موسى- وإذا كان غيرُ يومِ السبتِ صارت صيدًا كسائرِ الأيامِ، فهو قولُه: ﴿وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ﴾. ففعَلَت الحيتانُ ذلك ما شاء اللهُ، فلما رأَوْها كذلك طمِعوا في أخْذِها، وخافوا العقوبةَ، فتناوَل بعضُهم منها، فلم تَمْتَنِعْ
عليه، وحذِر العقوبةَ التى حذَّرهم موسى مِن اللهِ تعالى، فلما رأَوا أن العقوبةَ لا تَحِلُّ بهم عادوا وأخْبَرَ بعضُهم بعضًا بأنهم قد أخَذوا السمكَ ولم يُصِبهم شيءٌ، فكثَّروا في ذلك، وظنُّوا أن ما قال لهم موسى كان باطلًا، وهو قولُ اللهِ جلَّ ثناؤُه: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ يقولُ لهؤلاء الذين صادوا السمكَ: فمسَخهم اللهُ قِرَدةً بمعصيتِهم.
ينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ يقولُ لهؤلاء الذين صادوا السمكَ: فمسَخهم اللهُ قِرَدةً بمعصيتِهم. يقولُ: إذن لم يَحْيَوْا في الأرضِ إلا ثلاثةَ أيامٍ، ولم تَأْكُلْ، ولم تَشْرَبْ، ولم تَنْسُلْ، وقد خلَق اللهُ القردةَ والخنازيرَ، وسائرَ الخلقِ في الستةِ الأيامِ التى ذكَر اللهُ في كتابِه، فمسَخ هؤلاءِ القومَ في صورةِ القِردةِ، وكذلك يَفْعَلُ بمَن شاء كما يَشاءُ، ويُحَوِّلُه كما يَشاءُ.
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا سلمةُ بنُ الفضلِ، قال: ثنا محمدُ بنُ إسحاقَ، عن داودَ بنِ الحُصينِ، عن عِكرمةَ مولى ابنِ عباسٍ، قال: قال ابنُ عباسٍ: إن اللهَ إنما افْتَرَض على بنى إسرائيلَ اليومَ الذى افترض عليكم في عيدِكم، يومَ الجمعةِ، فخالَفوا إلى السبتِ فعظَّموه، وترَكوا ما أُمِروا به، فلمَّا أبَوْا إلا لزومَ السبتِ ابْتَلاهم اللهُ فيه، فحرَّم عليهم ما أحَلَّ لهم في غيرِه، وكانوا في قريةٍ بينَ أَيْلَةَ والطُّورِ يقالُ لها: مَدْيَنُ.
فلمَّا أبَوْا إلا لزومَ السبتِ ابْتَلاهم اللهُ فيه، فحرَّم عليهم ما أحَلَّ لهم في غيرِه، وكانوا في قريةٍ بينَ أَيْلَةَ والطُّورِ يقالُ لها: مَدْيَنُ. فحرَّم اللهُ عليهم في السبتِ الحيتانَ؛ صيدَها وأكلَها، وكانوا إذا كان يومُ السبتِ أقْبَلَت إليهم شُرَّعًا إلى ساحلِ بَحْرِهم، حتى إذا ذهَب السبتُ ذهَبْنَ، فلم يَرَوْا حُوتًا صغيرًا ولا كبيرًا، حتى إذا كان يومُ السبتِ أتَينَ إليهم شُرَّعًا، حتى إذا ذهَب السبتُ ذهَبْنَ، فكانوا كذلك، حتى إذا طال عليهم الأَمَدُ، وقَرِموا إلى الحيتانِ عمَد رجلٌ منهم، فأخَذ حوتًا سرًّا يومَ السبتِ، فخَزَمَه بخيطٍ، ثم أرْسَله في
الماءِ، وأوْتَد له وَتدًا في الساحلِ، فأوْثَقه ثم ترَكه، حتى إذا كان الغدُ جاء فأخَذَه -أى: إنى لم آخُذْه في يومِ السبتِ- ثم انْطَلَق به فأكَلَه، حتى إذا كان يومُ السبتِ الآخرِ عاد لمثلِ ذلك، ووجَد الناسُ ريحَ الحيتانِ، فقال أهلُ القريةِ: واللهِ لقد وجَدْنا ريحَ الحيتانِ.
م انْطَلَق به فأكَلَه، حتى إذا كان يومُ السبتِ الآخرِ عاد لمثلِ ذلك، ووجَد الناسُ ريحَ الحيتانِ، فقال أهلُ القريةِ: واللهِ لقد وجَدْنا ريحَ الحيتانِ. ثم عثَروا على ما صنَع ذلك الرجلُ، قال: ففعَلوا كما فعَل، وأكَلوا سرًّا زمانًا طويلًا، لم يَعْجَلِ اللهُ عليهم بعقوبةٍ حتى صادوها علانيةً وباعوها بالأسواقِ، وقالت طائفةٌ منهم مِن أهلِ البقيَّةِ: ويحَكم! اتَّقُوا اللهَ. ونهَوْهم عما كانوا يَصْنَعون. وقالت طائفةٌ أُخرى لم تَأْكُلِ الحيتانَ، ولم تَنْهَ القومَ عما صنَعوا: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ﴾ لسخطِنا أعمالَهم، ﴿وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ [الأعراف: ١٦٤].
قال ابنُ عباسٍ: فبينما هم على ذلك أصْبَحَت تلك البَقِيَّةُ في أنديَتِهم ومساجدِهم، وفقَدوا الناسَ فلا يَرَوْنهم، فقال بعضُهم لبعضٍ: إن للناسِ لَشأنًا، فانْظُروا ما هو.
ينما هم على ذلك أصْبَحَت تلك البَقِيَّةُ في أنديَتِهم ومساجدِهم، وفقَدوا الناسَ فلا يَرَوْنهم، فقال بعضُهم لبعضٍ: إن للناسِ لَشأنًا، فانْظُروا ما هو. فذهَبوا يَنْظُرون في دُورِهم، فوجَدوها مُغَلَّقةً عليهم، قد دخَلوا ليلًا، فغلَّقوها على أنفسِهم، كما يُغَلِّقُ الناسُ على أنفسِهم، فأصْبَحوا فيها قِرَدةً؛ إنهم لَيَعْرِفون الرجلَ بعينِه، وإنه لَقِرْدٌ، والمرأةَ بعينِها وإنها لَقِرْدةٌ، والصبىَّ بعينِه وإنه لَقِرْدٌ.
قال: يقولُ ابنُ عباسٍ: فلولا ما ذكَر اللهُ أنه أنْجَى الذين نَهَوْا عن السُّوء لَقُلْنا: أهْلَك الجميعَ منهم.
، وأما صِنفٌ فانْتَهَك حُرْمةَ اللهِ ومرَد على المعصيةِ، فلما أبَوْا إلا الاعْتِداءَ إلى ما نُهُوا عنه، قال اللهُ لهم: ﴿كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾. فصاروا قِرَدةً لها أذْنابٌ تَعاوَى، بعدَ ما كانوا رجالًا ونساءً.
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبَرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ﴾. قال: نُهُوا عن صيدِ الحيتانِ يومَ السبتِ، فكانت تَشْرَع إليهم يومَ السبتِ، وبُلُوا بذلك فاعْتَدَوْا فاصْطادُوها، فجعَلَهم اللهُ قِرَدةً خاسِئِين.
حدَّثنى موسى قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسْباطُ، عن السُّدىِّ: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾.
مرٌو، قال: ثنا أسْباطُ، عن السُّدىِّ: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾. قال: فهم أهلُ أَيْلةَ، وهى القريةُ التى كانت حاضرةَ البحرِ، فكانت الحيتانُ إذا كان يومُ السبتِ -وقد حرَّم اللهُ على اليهودِ أن يَعْمَلوا في السبتِ شيئًا- لم يَبْقَ في البحرِ حُوتٌ إلا خرَج حتى يُخْرِجْنَ خَراطِيمَهن مِن الماءِ، فإذا كان يومُ الأحدِ لزِمْنَ سُفْلَ البحرِ، فلم يُرَ منهن شيءٌ حتى يكونَ يومُ السبتِ، فذلك قولُه: ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي
كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ﴾.
وهو لا يَحِلُّ لكم. فقالوا: إِنما صِدْناه يومَ الأحدِ حينَ أخَذْناه. فقال الفقهاءُ: لا، ولكنكم صِدْتُموه يومَ فتَحْتُم له الماءَ، فدخَل. فقالوا: لا. وعَتَوْا أن يَنْتَهُوا، فقال بعضُ الذين نهَوْهم لبعضٍ: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا﴾. يقولُ: لمَ تَعِظُونهم وقد وعَظْتُموهم فلم يُطِيعوكم. فقال بعضهم: ﴿مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾. فلما أبَوْا قال المسلمون: واللهِ لا نُساكِنُكم في قريةٍ واحدةٍ.
م: ﴿اذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ [المائدة: ١٢٤]. فابْتَلاهم بالتِّيهِ، فسواءٌ [قال قائلٌ]: هم لم يَمْسَخْهم قردةً. وقد أخْبَر جلَّ ذكرُه أنه جعَل منهم قِردةً وخنازيرَ - وآخرُ قال: لم يَكُنْ شيءٌ مما أخْبَر اللهُ عن بنى إسرائيلَ أنه كان منهم؛ مِن الخلافِ
وكان أبو العاليةِ يقولُ في قولِه: ﴿فَلَوْلَا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ﴾ -فيما ذُكِر لنا- نحوَ القولِ الذى قُلْناه.
حدَّثنى المثنَّى بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا آدمُ، قال: ثنا أبو جعفرٍ، عن الربيعِ، عن أبى العاليةِ: ﴿فَلَوْلَا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ﴾. قال: فضلُ اللهِ الإسلامُ، ورحمتُه القرآنُ.
وحُدِّثْتُ عن عمارٍ، قال: حدَّثنا ابنُ أبى جعفرٍ، [عن أبيه]، عن الربيعِ بمثلِه.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿لَكُنْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٦٤)﴾.
قال أبو جعفرٍ: فلولا فَضْلُ اللهِ عليكم ورَحْمَتُه إياكم، بإنقاذِه إياكم بالتوبةِ عليكم مِن خَطيئتِكم وجُرْمِكم، لكنتم الباخِسِين أنفسَكم حُظوظَها دائمًا، الهالِكِين بما اجْتَرَمْتُم مِن نَقْضِ ميثاقِكم، وخلافِكم أمرَه وطاعتَه.
وقد تقَدَّم بيانُنا قبلُ بالشَّواهدِ عن معنى الخَسارِ، بما أغْنَى عن إعادتِه في هذا الموضعِ.
اجْتَرَمْتُم مِن نَقْضِ ميثاقِكم، وخلافِكم أمرَه وطاعتَه.
وقد تقَدَّم بيانُنا قبلُ بالشَّواهدِ عن معنى الخَسارِ، بما أغْنَى عن إعادتِه في هذا الموضعِ.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ (٦٥)﴾.
يعنى: إن طرَدْتَه انْطَرَد ذَليلًا صاغرًا. فكذلك معنى قولِه: ﴿كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾. أى: مُبْعَدِين مِن الخيرِ أذِلَّاءَ صُغَراءَ.
كما حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: حدَّثنا أبو أحمدَ الزُّبَيْريُّ، قال: حدَّثنا سفيانُ، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾.
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: حدَّثنا أبو أحمدَ الزُّبَيْريُّ، قال: حدَّثنا سفيانُ، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾. قال: صاغِرِين.
حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: حدَّثنا أبو أحمدَ، قال: حدَّثنا سفيانُ، عن رجلٍ، عن مُجاهِدٍ مثلَه.
حدَّثنى المُثَنَّى، قال: حدَّثنا أبو حُذَيْفةَ، قال: حدَّثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مُجاهدٍ مثلَه.
حدَّثنى الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبَرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخْبَرَنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ: ﴿خَاسِئِينَ﴾. قال: صاغِرِين.
حدَّثنى المُثَنَّى، قال: حدَّثنا إسحاقُ، قال: حدَّثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ في قولِه: ﴿كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾. أى: أَذِلَّةً صاغِرِين.
وحُدِّثْتُ عن المِنْجابِ، قال: حدَّثنا بشرُ بنُ عُمارةَ، عن أبى رَوْقٍ، عن الضحاكِ، عن ابنِ عباسٍ: خاسِئًا: يعنى ذَليلًا.
﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ (٦٥) فَجَعَلْنَاهَا نَكَالا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (٦٦)﴾
يقول تعالى: (وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ) يا معشر اليهود، ما حل من البأس بأهل القرية التي عصت أمر الله وخالفوا عهده وميثاقه فيما أخذه عليهم من تعظيم السبت والقيام بأمره، إذ كان مشروعًا لهم، فتحيلوا على اصطياد الحيتان في يوم السبت، بما وضعوا لها من الشصوص والحبائل والبرك قبل يوم السبت، فلما جاءت يوم السبت على عادتها في الكثرة نشبت بتلك الحبائل والحيل، فلم تخلص منها يومها ذلك، فلما كان الليل أخذوها بعد انقضاء السبت. فلما فعلوا ذلك مسخهم الله إلى صورة القردة، وهي أشبه شيء بالأناسي في الشكل الظاهر وليست بإنسان حقيقة. فكذلك أعمال هؤلاء وحيلهم لما كانت مشابهة للحق في الظاهر ومخالفة له في الباطن، كان جزاؤهم من جنس عملهم.
ء بالأناسي في الشكل الظاهر وليست بإنسان حقيقة. فكذلك أعمال هؤلاء وحيلهم لما كانت مشابهة للحق في الظاهر ومخالفة له في الباطن، كان جزاؤهم من جنس عملهم. وهذه القصة مبسوطة في سورة الأعراف، حيث يقول تعالى: ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ [الأعراف: ١٦٣] القصة بكمالها.
وقال السدي: أهل هذه القرية هم أهل "أيلة".
لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ [الأعراف: ١٦٣] القصة بكمالها.
وقال السدي: أهل هذه القرية هم أهل "أيلة". وكذا قال قتادة، وسنورد أقوال المفسرين هناك مبسوطة إن شاء الله وبه الثقة.
وقوله: (كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ) قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو حذيفة، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: (فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ) قال: مسخت قلوبهم، ولم يمسخوا قردة، وإنما هو مثل ضربه الله ﴿كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾ [الجمعة: ٥].
ورواه ابن جرير، عن المثنى، عن أبي حذيفة.
مسخت قلوبهم، ولم يمسخوا قردة، وإنما هو مثل ضربه الله ﴿كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾ [الجمعة: ٥].
ورواه ابن جرير، عن المثنى، عن أبي حذيفة. وعن محمد بن عمرو الباهلي، عن أبي عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، به.
وهذا سند جيد عن مجاهد، وقول غريب خلاف الظاهر من السياق في هذا المقام وفي غيره، قال الله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ﴾ الآية [المائدة: ٦٠].
وقال العوفي في تفسيره عن ابن عباس: (فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ) فجعل [الله] منهم القردة والخنازير.
لطَّاغُوتَ﴾ الآية [المائدة: ٦٠].
وقال العوفي في تفسيره عن ابن عباس: (فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ) فجعل [الله] منهم القردة والخنازير. فزعم أن شباب القوم صاروا قردة والمشيخة صاروا خنازير.
وقال شيبان النحوي، عن قتادة: (فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ) فصار القوم قرودًا تعاوى لها أذناب بعد ما كانوا رجالا ونساء.
وقال عطاء الخراساني: نودوا: يا أهل القرية، (كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ) فجعل الذين نهوهم يدخلون عليهم فيقولون: يا فلان، ألم ننهكم؟ فيقولون برؤوسهم، أي بلى.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين حدثنا عبد الله بن محمد بن ربيعة بالمصيصة، حدثنا محمد بن مسلم -يعني الطائفي-عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن ابن عباس، قال: إنما كان الذين اعتدوا في السبت فجعلوا قردة فُوَاقا ثم هلكوا. ما كان للمسخ نسل.
وقال الضحاك، عن ابن عباس: فمسخهم الله قردة بمعصيتهم، يقول: إذ لا يحيون في الأرض إلا ثلاثة أيام، قال: ولم يعش مسخ قط فوق ثلاثة أيام، ولم يأكل ولم يشرب ولم ينسل.
ك، عن ابن عباس: فمسخهم الله قردة بمعصيتهم، يقول: إذ لا يحيون في الأرض إلا ثلاثة أيام، قال: ولم يعش مسخ قط فوق ثلاثة أيام، ولم يأكل ولم يشرب ولم ينسل. وقد خلق الله القردة والخنازير وسائر الخلق في الستة أيام التي ذكرها الله في كتابه، فمسخ [الله] هؤلاء القوم في صورة القردة، وكذلك يفعل بمن يشاء كما يشاء. ويحوله كما يشاء.
وقال أبو جعفر الرازي عن الربيع، عن أبي العالية في قوله: (كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ) قال: يعني
أذلة صاغرين. وروي عن مجاهد، وقتادة والربيع، وأبي مالك، نحوه.
وقال محمد بن إسحاق، عن داود بن الحصين، عن عكرمة، قال: قال ابن عباس: إن الله إنما افترض على بني إسرائيل اليوم الذي افترض عليكم في عيدكم -يوم الجمعة-فخالفوا إلى السبت فعظموه، وتركوا ما أمروا به. فلما أبوا إلا لزوم السبت ابتلاهم الله فيه، فحرم عليهم ما أحل لهم في غيره. وكانوا في قرية بين أيلة والطور، يقال لها: "مدين"؛ فحرم الله عليهم في السبت الحيتان: صيدها وأكلها.
بت ابتلاهم الله فيه، فحرم عليهم ما أحل لهم في غيره. وكانوا في قرية بين أيلة والطور، يقال لها: "مدين"؛ فحرم الله عليهم في السبت الحيتان: صيدها وأكلها. وكانوا إذا كان يوم السبت أقبلت إليهم شرعًا إلى ساحل بحرهم، حتى إذا ذهب السبت ذهبن، فلم يروا حوتًا صغيرًا ولا كبيرًا. حتى إذا كان يوم السبت أتين شرعًا، حتى إذا ذهب السبت ذهبن، فكانوا كذلك، حتى إذا طال عليهم الأمد وقرموا إلى الحيتان، عمد رجل منهم فأخذ حوتًا سرًا يوم السبت، فخزمه بخيط، ثم أرسله في الماء، وأوتد له وتدًا في الساحل فأوثقه، ثم تركه. حتى إذا كان الغد جاء فأخذه، أي: إني لم آخذه في يوم السبت ثم انطلق به فأكله. حتى إذا كان يوم السبت الآخر، عاد لمثل ذلك، ووجد الناس ريح الحيتان، فقال أهل القرية: والله لقد وجدنا ريح الحيتان، ثم عثروا على صنيع ذلك الرجل. قال: ففعلوا كما فعل، وصنعوا سرًا زمانًا طويلا لم يعجل الله عليهم العقوبة حتى صادوها علانية وباعوها في بالأسواق. فقالت طائفة منهم من أهل البقية: ويحكم، اتقوا الله. ونهوهم عما يصنعون.
زمانًا طويلا لم يعجل الله عليهم العقوبة حتى صادوها علانية وباعوها في بالأسواق. فقالت طائفة منهم من أهل البقية: ويحكم، اتقوا الله. ونهوهم عما يصنعون. فقالت طائفة أخرى لم تأكل الحيتان، ولم تنه القوم عما صنعوا: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ﴾ لسخطنا أعمالهم ﴿وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ [الأعراف: ١٦٤].
قال ابن عباس: فبينما هم على ذلك أصبحت تلك البقية في أنديتهم ومساجدهم وفقدوا الناس فلا يرونهم قال: فقال بعضهم لبعض: إن للناس لشأنًا! فانظروا ما هو. فذهبوا ينظرون في دورهم، فوجدوها مغلقة عليهم، قد دخلوها ليلا فغلقوها على أنفسهم، كما يغلق الناس على أنفسهم فأصبحوا فيها قردة، وإنهم ليعرفون الرجل بعينه وإنه لقرد، والمرأة بعينها وإنها لقردة، والصبي بعينه وإنه لقرد.
وها على أنفسهم، كما يغلق الناس على أنفسهم فأصبحوا فيها قردة، وإنهم ليعرفون الرجل بعينه وإنه لقرد، والمرأة بعينها وإنها لقردة، والصبي بعينه وإنه لقرد. قال: يقول ابن عباس: فلولا ما ذكر الله أنه أنجى الذين نهوا عن السوء لقلنا أهلك الجميع منهم، قال: وهي القرية التي قال الله جل ثناؤه لمحمد ﷺ: ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ﴾ الآية [الأعراف: ١٦٣]. وروى الضحاك عن ابن عباس نحوًا من هذا.
قال السدي في قوله تعالى: (وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ) قال: فهم أهل "أيلة"، وهي القرية التي كانت حاضرة البحر، فكانت الحيتان إذا كان يوم السبت -وقد حرم الله على اليهود أن يعملوا في السبت شيئًا-لم يبق في البحر حوت إلا خرج،
يلة"، وهي القرية التي كانت حاضرة البحر، فكانت الحيتان إذا كان يوم السبت -وقد حرم الله على اليهود أن يعملوا في السبت شيئًا-لم يبق في البحر حوت إلا خرج،
حتى يخرجن خراطيمهن من الماء، فإذا كان يوم الأحد لزمن مقل البحر، فلم ير منهن شيء حتى يكون يوم السبت، فذلك قوله تعالى: ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ [كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ]﴾ [الأعراف: ١٦٣]. فاشتهى بعضهم السمك، فجعل الرجل يحفر الحفيرة، ويجعل لها نهرًا إلى البحر، فإذا كان يوم السبت فتح النهر فأقبل الموج بالحيتان يضربها حتى يلقيها في الحفيرة، فيريد الحوت أن يخرج، فلا يطيق من أجل قلة ماء النهر، فيمكث فإذا كان يوم الأحد جاء فأخذه، فجعل الرجل يشوي السمك فيجد جاره ريحه فيسأله فيخبره، فيصنع مثل ما صنع جاره، حتى فشا فيهم أكل السمك، فقال لهم علماؤهم: ويحكم!
كان يوم الأحد جاء فأخذه، فجعل الرجل يشوي السمك فيجد جاره ريحه فيسأله فيخبره، فيصنع مثل ما صنع جاره، حتى فشا فيهم أكل السمك، فقال لهم علماؤهم: ويحكم! إنما تصطادون يوم السبت، وهو لا يحل لكم، فقالوا: إنما صدناه يوم الأحد حين أخذناه. فقال العلماء لا ولكنكم صدتموه يوم فتحكم الماء فدخل، قال: وغلبوا أن ينتهوا. فقال بعض الذين نهوهم لبعض: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا﴾ يقول: لم تعظوهم، وقد وعظتموهم فلم يطيعوكم؟ فقال بعضهم: ﴿مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ [الأعراف: ١٦٤] فلما أبوا قال المسلمون: والله لا نساكنكم في قرية واحدة.
فلم يطيعوكم؟ فقال بعضهم: ﴿مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ [الأعراف: ١٦٤] فلما أبوا قال المسلمون: والله لا نساكنكم في قرية واحدة. فقسموا القرية بجدار، ففتح المسلمون بابًا والمعتدون في السبت بابًا، ولعنهم داود، ﵇، فجعل المسلمون يخرجون من بابهم، والكفار من بابهم، فخرج المسلمون ذات يوم، ولم يفتح الكفار بابهم، فلما أبطأوا عليهم تسور المسلمون عليهم الحائط، فإذا هم قردة يثب بعضهم على بعض، ففتحوا عنهم، فذهبوا في الأرض، فذلك قول الله تعالى: ﴿فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ [الأعراف: ١٦٦] وذلك حين يقول: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ [المائدة: ٧٨].
ئِينَ﴾ [الأعراف: ١٦٦] وذلك حين يقول: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ [المائدة: ٧٨]. فهم القردة.
قلت: والغرض من هذا السياق عن هؤلاء الأئمة بيان خلاف ما ذهب إليه مجاهد، ﵀، من أن مسخهم إنما كان معنويًا لا صوريًا بل الصحيح أنه معنوي صوري، والله أعلم.
وقوله تعالى: (فَجَعَلْنَاهَا نَكَالا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ) قال بعضهم: الضمير في (فَجَعَلْنَاهَا) عائد على القردة، وقيل: على الحيتان، وقيل: على العقوبة، وقيل: على القرية؛ حكاها ابن جرير.
والصحيح أن الضمير عائد على القرية، أي: فجعل الله هذه القرية، والمراد أهلها بسبب اعتدائهم في سبتهم (نَكَالا) أي: عاقبناهم عقوبة، فجعلناها. عبرة، كما قال الله عن فرعون: ﴿فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الآخِرَةِ وَالأُولَى﴾ [النازعات: ٢٥].
وقوله: (لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا) أي من القرى.
كما قال الله عن فرعون: ﴿فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الآخِرَةِ وَالأُولَى﴾ [النازعات: ٢٥].
وقوله: (لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا) أي من القرى. قال ابن عباس: يعني جعلناها بما أحللنا بها من العقوبة عبرة لما حولها من القرى. كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُمْ مِنَ الْقُرَى وَصَرَّفْنَا الآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الأحقاف: ٢٧]، ومنه قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾ الآية [الرعد: ٤١]، على أحد الأقوال، فالمراد: لما بين يديها وما خلفها في المكان، كما قال محمد بن إسحاق، عن داود بن الحصين، عن عكرمة، عن ابن عباس: لما بين يديها من القرى وما خلفها من القرى.
لمراد: لما بين يديها وما خلفها في المكان، كما قال محمد بن إسحاق، عن داود بن الحصين، عن عكرمة، عن ابن عباس: لما بين يديها من القرى وما خلفها من القرى. وكذا قال سعيد بن جبير (لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا) [قال] من بحضرتها من الناس يومئذ.
وروي عن إسماعيل بن أبي خالد، وقتادة، وعطية العوفي: (فَجَعَلْنَاهَا نَكَالا لِمَا بَيْنَ يَدَيْها [وَمَا خَلْفَهَا]) قال: ما [كان] قبلها من الماضين في شأن السبت.
وقال أبو العالية والربيع وعطية: (وَمَا خَلْفَهَا) لما بقي بعدهم من الناس من بني إسرائيل أن يعملوا مثل عملهم.
وكان هؤلاء يقولون: المراد بما بين يديها وما خلفها في الزمان.
وهذا مستقيم بالنسبة إلى من يأتي بعدهم من الناس أن يكون أهل تلك القرية عبرة لهم، وأما بالنسبة إلى من سلف قبلهم من الناس فكيف يصح هذا الكلام أن تفسر الآية به وهو أن يكون عبرة لمن سبقهم؟
دهم من الناس أن يكون أهل تلك القرية عبرة لهم، وأما بالنسبة إلى من سلف قبلهم من الناس فكيف يصح هذا الكلام أن تفسر الآية به وهو أن يكون عبرة لمن سبقهم؟ هذا لعل أحدًا من الناس لا يقوله بعد تصوره، فتعين أن المراد بما بين يديها وما خلفها في المكان، وهو ما حولها من القرى؛ كما قاله ابن عباس وسعيد بن جبير، والله أعلم.
وقال أبو جعفر الرازي، عن الربيع عن أبي العالية: (فَجَعَلْنَاهَا نَكَالا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا) أي: عقوبة لما خلا من ذنوبهم.
وقال ابن أبي حاتم وروي عن عكرمة، ومجاهد، والسدي، والحسن، وقتادة، والربيع بن أنس، نحو ذلك.
وحكى القرطبي، عن ابن عباس والسدي، والفراء، وابن عطية (لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا) بين ذنوب القوم (وَمَا خَلْفَهَا) لمن يعمل بعدها مثل تلك الذنوب، وحكى فخر الدين ثلاثة أقوال:
أحدها: أن المراد بما بين يديها وما خلفها: من تقدمها من القرى، بما عندهم من العلم بخبرها، بالكتب المتقدمة ومن بعدها.
الثاني: المراد بذلك من بحضرتها من القرى والأمم.
راد بما بين يديها وما خلفها: من تقدمها من القرى، بما عندهم من العلم بخبرها، بالكتب المتقدمة ومن بعدها.
الثاني: المراد بذلك من بحضرتها من القرى والأمم.
والثالث: أنه جعلها تعالى عقوبة لجميع ما ارتكبوه من قبل هذا الفعل وما بعده، قال: وهذا قول الحسن. قلت: وأرجح الأقوال أن المراد بما بين يديها وما خلفها: من بحضرتها من القرى التي يبلغهم خبرها، وما حل بها، كما قال: ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُمْ مِنَ الْقُرَى وَصَرَّفْنَا الآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الأحقاف: ٢٧] وقال تعالى: ﴿وَلا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ﴾ [الرعد: ٣١]، وقال ﴿أَفَلا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾ [الأنبياء: ٤٤]، فجعلهم عبرة ونكالا لمن في زمانهم، وعبرة لمن يأتي بعدهم بالخبر المتواتر عنهم، ولهذا قال: (وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ)
نْ أَطْرَافِهَا﴾ [الأنبياء: ٤٤]، فجعلهم عبرة ونكالا لمن في زمانهم، وعبرة لمن يأتي بعدهم بالخبر المتواتر عنهم، ولهذا قال: (وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ)
وقوله تعالى: (وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ) قال محمد بن إسحاق، عن داود بن الحصين، عن عكرمة، عن ابن عباس: (وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ) الذين من بعدهم إلى يوم القيامة.
وقال الحسن وقتادة: (وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ) بعدهم، فيتقون نقمة الله، ويحذرونها.
وقال السدي، وعطية العوفي: (وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ) قال: أمة محمد ﷺ.
حسن وقتادة: (وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ) بعدهم، فيتقون نقمة الله، ويحذرونها.
وقال السدي، وعطية العوفي: (وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ) قال: أمة محمد ﷺ.
قلت: المراد بالموعظة هاهنا الزاجر، أي: جعلنا ما أحللنا بهؤلاء من البأس والنكال في مقابلة ما ارتكبوه من محارم الله، وما تحيلوا به من الحيل، فليحذر المتقون صنيعهم لئلا يصيبهم ما أصابهم، كما قال الإمام أبو عبد الله بن بطة: حدثنا أحمد بن محمد بن مسلم، حدثنا الحسن بن محمد بن الصباح الزعفراني، حدثنا يزيد بن هارون، حدثنا محمد بن عمرو [عن أبي سلمة] عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ قال: "لا ترتكبوا ما ارتكب اليهود، فتستحلوا محارم الله بأدنى الحيل".
وهذا إسناد جيد، وأحمد بن محمد بن مسلم هذا وثقه الحافظ أبو بكر الخطيب البغدادي، وباقي رجاله مشهورون على شرط الصحيح. والله أعلم.