Tanya Kitab
Daftar surahSurah Al-Maidah › Ayat 60

QS 5:60

Surah Al-Maidah (المائدة) ayat 60

5:60
قُلۡ هَلۡ أُنَبِّئُكُم بِشَرّٖ مِّن ذَٰلِكَ مَثُوبَةً عِندَ ٱللَّهِۚ مَن لَّعَنَهُ ٱللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيۡهِ وَجَعَلَ مِنۡهُمُ ٱلۡقِرَدَةَ وَٱلۡخَنَازِيرَ وَعَبَدَ ٱلطَّـٰغُوتَۚ أُوْلَـٰٓئِكَ شَرّٞ مَّكَانٗا وَأَضَلُّ عَن سَوَآءِ ٱلسَّبِيلِ
Katakanlah (Muhammad), "Apakah akan aku beritakan kepadamu tentang orang yang lebih buruk pembalasannya dari (orang fasik) di sisi Allah? Yaitu, orang yang dilaknat dan dimurkai Allah, di antara mereka (ada) yang dijadikan kera dan babi283) dan (orang yang) menyembah Tagut." Mereka itu lebih buruk tempatnya dan lebih tersesat dari jalan yang lurus
Tanya tentang ayat ini
← Ayat 59Ayat 61 →

Tafsir dalam korpus (53 potongan)

QS 5:60 (jilid 8 hlm. 538) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 8 · hlm. 538 · #60462
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: قلْ يا محمدُ لهؤلاء الذين اتَّخَذوا دينَكم هُزُوُا ولعبًا مِن الذين أُوتُوا الكتابَ مِن قبلِكم والكفارِ: هل أنبِّئُكم يا معشرَ أهلِ الكتابِ بشرٍّ مِن ثوابِ ما تَنْقِمون منا مِن إيمانِنا باللَّهِ، وما أُنْزِل إلينا مِن كتابِ اللَّهِ، وما أُنْزِل مِن قبلِنا مِن كتبِه؟ [وتقديرُ "مثوبةٍ" مفعولةٌ]، غيرَ أن عينَ الفعلِ لما سقَطت نُقِلَت حركتُها إلى الفاءِ، وهى الثاءُ مِن "مَثُوبةٍ"، فخرَجَت مَخْرَجَ "مَقُولةٍ"، و "مَحُورةٍ"، و "مَضُوفةٍ"، كما قال الشاعرُ: وكنتُ إذا جارِى دعا لمَضُوفةٍ … أُشَمِّرُ حتى يَنْصُفَ الساقَ مِئْزَرِى وبنحوِ ما قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكْرُ مَن قال ذلك
QS 5:60 (jilid 8 hlm. 538) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 8 · hlm. 538 · #60463
، كما قال الشاعرُ: وكنتُ إذا جارِى دعا لمَضُوفةٍ … أُشَمِّرُ حتى يَنْصُفَ الساقَ مِئْزَرِى وبنحوِ ما قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكْرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أَسْباط، عن السديِّ: ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ﴾. يقولُ: ثوابًا عندَ اللَّهِ. حدَّثني يونُسُ، قال: أخْبَرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ﴾. قال: المَثُوبةُ التَّوابُ؛ مَثُوبةُ الخيرِ ومَثُوبةُ الشرِّ. وقرَأ: شرٌّ ثوابًا. وأما ﴿مَنْ﴾ في قولِه: ﴿مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ﴾. فإنه في موضعِ خفضٍ، ردًّا على قولِه: ﴿بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ﴾. فكأن تأويلَ الكلامِ إذ كان ذلك كذلك: قل هل أُنَبِّئُكم بشرٍّ مِن ذلك مَثُوبةً عندَ اللَّهِ بمَن لعَنه اللَّهُ. ولو قيل: هو في موضعِ رفعٍ. لَكان صَوابًا على الاسْتِئْنافِ، بمعنى: ذلك مَن لعَنه اللَّهُ.
QS 5:60 (jilid 8 hlm. 539) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 8 · hlm. 539 · #60464
ُكم بشرٍّ مِن ذلك مَثُوبةً عندَ اللَّهِ بمَن لعَنه اللَّهُ. ولو قيل: هو في موضعِ رفعٍ. لَكان صَوابًا على الاسْتِئْنافِ، بمعنى: ذلك مَن لعَنه اللَّهُ. أو: هو مَن لعَنه اللَّهُ. ولو قيل: هو في موضعٍ نصبٍ. لم يَكُنْ فاسدًا، بمعنى: قل هل أُنَبِّئُكم مَن لعَنه اللَّهُ، فيَجْعَلُ ﴿أُنَبِّئُكُمْ﴾ عاملًا في ﴿مَنْ﴾ واقعًا عليه. وأما معنى قولِه: ﴿مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ﴾ فإنه يعنى: مَن أبْعَدَه اللَّهُ وأَسْحَقه مِن رحمتِه، ﴿وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ﴾ يقولُ: وغضِب عليه وجعَل منهم المُسوخَ؛ القِرَدةَ والخَنازيرَ، غضَبًا منه عليهم وسُخْطًا، فعجَّل لهم الخِزْيَ والنَّكالَ في الدنيا. وأما سببُ مَسْخِ اللَّهِ مَن مسَخ منهم قِرَدةً، فقد ذكَرْنا بعضَه فيما مضَى مِن كتابِنا هذا، وسنَذْكُرُ بقيتَه إن شاء اللَّهُ في مكانٍ غيرِ هذا.
QS 5:60 (jilid 8 hlm. 540) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 8 · hlm. 540 · #60465
دنيا. وأما سببُ مَسْخِ اللَّهِ مَن مسَخ منهم قِرَدةً، فقد ذكَرْنا بعضَه فيما مضَى مِن كتابِنا هذا، وسنَذْكُرُ بقيتَه إن شاء اللَّهُ في مكانٍ غيرِ هذا. وأما سببُ مَسْخِ اللَّهِ مَن مسَخ منهم خَنازيرَ، فإنه كان فيما حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سلَمةُ بنُ الفضلِ، عن ابن إسحاقَ، عن عمرَ بن كَثيرِ بن أفْلَحَ مولى أبى أيوبَ الأنْصاريِّ، قال: حُدِّثْتُ أن المسخَ في بنى إسرائيلَ مِن الخنازيرِ كان أن امرأةً مِن بني إسرائيلَ كانت في قريةٍ مِن قُرى بني إسرائيلَ، وكان فيها مَلِكُ بني إسرائيلَ، وكانوا قد اسْتَجْمَعوا على الهَلَكةِ، إلا أن تلك المرأةَ كانت على بقيةٍ مِن الإسلامِ مُتَمَسِّكةً به، فجعَلت تَدْعُو إلى اللَّهِ حتى اجْتَمَع إليها ناسٌ فتابَعوها على أمْرِها، قالت لهم: إنه لابدَّ لكم مِن أن تُجاهِدوا عن دينِ اللَّهِ، وأن تُنادُوا قومَكم بذلك، فاخْرُجوا فإنى خارجةٌ. فخرَجَت وخرَج إليها ذلك المَلِكُ في الناسِ، فقتَل أصحابَها جميعًا، وانْفَلَتَت مِن بينِهم.
QS 5:60 (jilid 8 hlm. 540) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 8 · hlm. 540 · #60466
اللَّهِ، وأن تُنادُوا قومَكم بذلك، فاخْرُجوا فإنى خارجةٌ. فخرَجَت وخرَج إليها ذلك المَلِكُ في الناسِ، فقتَل أصحابَها جميعًا، وانْفَلَتَت مِن بينِهم. قال: ودَعَت إِلى اللَّهِ حتى تَجَمَّعَ الناسُ إليها، حتى إذا رضِيَت منهم أمَرَتْهم بالخروجِ، فخرَجوا وخرَجَت معهم، وأُصِيبوا جميعًا وانْفَلَتَت مِن بينِهم. ثم دَعَت إلى اللَّهِ، حتى إذا اجْتَمَع إليها رجالٌ، واسْتَجابوا لها، أمَرَتُهم بالخروجِ، فخرَجوا وخرَجَت، فأُصِيبوا جميعًا، وانْفَلَتَت مِن بينِهم، فرجَعَت وقد أيِسَت، وهى تقولُ: سبحانَ اللَّهِ لو كان لهذا الدينِ وليٌّ وناصرٌ لقد أظْهَره بعدُ. قال: فباتَت مَحْزونةً، وأصْبَح أهلُ القريةِ يَسْعَوْن فِي نَواحِيهَا خَنازيرَ، وقد مسَخَهم اللَّهُ في ليلتِهم تلك، فقالت حينَ أصْبَحَت ورأَت ما رأَت: اليومَ أَعْلَمُ أن اللَّهَ قد أعَزَّ دينَه وأمر دينَه.
QS 5:60 (jilid 8 hlm. 541) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 8 · hlm. 541 · #60467
ِي نَواحِيهَا خَنازيرَ، وقد مسَخَهم اللَّهُ في ليلتِهم تلك، فقالت حينَ أصْبَحَت ورأَت ما رأَت: اليومَ أَعْلَمُ أن اللَّهَ قد أعَزَّ دينَه وأمر دينَه. قال: فما كان مَسْخُ الخنازيرِ في بني إسرائيلَ إلا على يدَىْ تلك المرأةِ. حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مُجاهدٍ: ﴿وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ﴾. قال: مُسِخَت مِن يهودَ. حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مُجاهدٍ مثلَه. وللمسخِ سببٌ فيما ذُكِر غيرُ الذي ذكَرْنا، سنَذْكُرُه في موضعِه إن شاء اللَّهُ.
QS 5:60 (jilid 8 hlm. 541) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 8 · hlm. 541 · #60468
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ (٦٠)﴾. اخْتَلَفَت القَرَأَةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرَأَته قرَأةُ الحجازِ والشامِ والبصرةِ وبعضُ الكوفِيِّين: ﴿وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ﴾. بمعنى: وجعَل منهم القِردةَ والخَنازيرَ ومَن عبَد الطاغوتَ. بمعنى "عابدٍ"، فجعَل ﴿عَبَدَ﴾ فعلًا ماضيًا مِن صِلَةِ المُضْمَرِ، ونصَب ﴿الطَّاغُوتَ﴾ بوقوعِ ﴿وَعَبَدَ﴾ عليه. وقرَأ ذلك جماعةٌ مِن الكوفيِّين: (وعَبْدَ الطاغوتِ). بفتحِ العينِ مِن "عَبُدَ" وضَمِّ بائِها، وخفضِ "الطاغوتِ" بإضافةِ "عَبُد" إليه، وعنَوْا بذلك: وخَدَمَ الطاغوتِ. حدَّثني بذلك المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بن أبي حَمَّادٍ، قال: ثنى حمزةُ، عن الأعمشِ، عن يحيى بن وَثَّابِ أنه قرَأ: (وعَبْدَ الطاغوتِ). يقولُ: خدَمَ.
QS 5:60 (jilid 8 hlm. 542) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 8 · hlm. 542 · #60469
، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بن أبي حَمَّادٍ، قال: ثنى حمزةُ، عن الأعمشِ، عن يحيى بن وَثَّابِ أنه قرَأ: (وعَبْدَ الطاغوتِ). يقولُ: خدَمَ. قال عبدُ الرحمنِ: وكان حمزةُ كذلك يَقْرَؤُها. حدَّثني ابن وَكيع وابنُ حُميدٍ، قالا: ثنا جَريرٌ، عن الأَعْمَشِ أنه كان يَقْرَؤُها كذلك. وكان الفَرَّاءُ يقولُ: إِن يَكُنْ فيه لغةٌ مثلَ حَذِرٍ وحَذُرٍ، وعجِلٍ وعَجُلٍ، فهو وجهٌ، واللَّهُ أعلمُ، وإلا فإنه أراد قولَ الشاعرِ: أبَنِي لُبَيْنَى إِن أمَّكمُ … أَمَةٌ وإن أباكمُ عَبُدُ [قال: و] هذا مِن ضرورةِ الشعرِ، وهذا يَجوزُ في الشعرِ لضرورةِ القَوافي، وأما في القراءةِ فلا. وقرَأ ذلك آخرون: (وعُبُدَ الطاغوتِ) ذُكِر ذلك عن الأعمشِ.
QS 5:60 (jilid 8 hlm. 542) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 8 · hlm. 542 · #60470
ال: و] هذا مِن ضرورةِ الشعرِ، وهذا يَجوزُ في الشعرِ لضرورةِ القَوافي، وأما في القراءةِ فلا. وقرَأ ذلك آخرون: (وعُبُدَ الطاغوتِ) ذُكِر ذلك عن الأعمشِ. وكأن مَن قرَأ ذلك كذلك أراد جمعَ الجمعِ مِن العبدِ، كأنه جمَع العبدَ عبيدًا، ثم جمَع العبيدَ عُبُدًا، مثلَ ثِمارٍ وثُمُرٍ. وذُكِر عن أبي جعفرٍ القارئَ أنه كان يَقْرَؤُه: (وعُبِدَ الطاغوتُ). حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: كان أبو جعفرٍ النَّحْوِيُّ يَقْرَؤُها: (وعُبِدَ الطاغوتُ) كما تقولُ: ضُرِب عبدُ اللَّهِ. قال أبو جعفرٍ: وهذه قراءةٌ لا معنَى لها؛ لأن اللَّهَ تعالى ذكرُه إنما ابْتَدَأَ الخبرَ بذمِّ أقوامٍ، فكان فيما ذمَّهم به عِبادتُهم الطاغوتَ، وأما الخبرُ عن أن الطاغوتَ قد عُبِد، فليس مِن نوع الخبرِ الذي ابْتَدَأ به الآيةَ، ولا مِن جنسِ ما ختَمَها به، فيَكونَ له وجهٌ يُوَجَّهُ إليه في الصحةِ. وذُكِر أن بُرَيْدَةَ الأَسْلميَّ كان يَقْرَؤُه: (وعابِدَ الطاغوتِ).
QS 5:60 (jilid 8 hlm. 543) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 8 · hlm. 543 · #60471
أ به الآيةَ، ولا مِن جنسِ ما ختَمَها به، فيَكونَ له وجهٌ يُوَجَّهُ إليه في الصحةِ. وذُكِر أن بُرَيْدَةَ الأَسْلميَّ كان يَقْرَؤُه: (وعابِدَ الطاغوتِ). حدَّثني بذلك المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا شيخٌ بَصْريٌّ، أن بُرَيْدَةَ كان يَقْرَؤُه كذلك. ولو قُرِئ ذلك: (وعَبَدَ الطاغوتِ). بالكسرِ، كان له مخرجٌ في العربيةِ صحيحٌ، وإن لم أَسْتَجِزِ اليومَ القراءةَ بها؛ إذ كانت قراءةُ الحُجَّةِ مِن القَرَأَةِ بخلافِها، ووجهُ جَوازِها في العربيةِ أن يَكونَ مُرادًا بها: وعَبَدةُ الطاغوتِ. ثم حُذِفَت الهاءُ مِن "العبدةِ" للإضافة، كما قال الراجزُ: قام وُلَاها فَسَقَوْه صَرْخَدَا يُرِيدُ: قام وُلاتُها. فحذَف التاءَ مِن "وُلاتِها" للإضافةِ. وأما قراءةُ القَرَأةِ فبأحدِ الوجهين اللذين بدَأْتُ بذكرِهما، وهو ﴿وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ﴾ بنصبِ "الطاغوتِ" وإعمالِ "عبَد" فيه، وتوجيهِ "عبَد" إلى أنه فعلٌ ماضٍ مِن العبادةِ.
QS 5:60 (jilid 8 hlm. 544) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 8 · hlm. 544 · #60472
بأحدِ الوجهين اللذين بدَأْتُ بذكرِهما، وهو ﴿وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ﴾ بنصبِ "الطاغوتِ" وإعمالِ "عبَد" فيه، وتوجيهِ "عبَد" إلى أنه فعلٌ ماضٍ مِن العبادةِ. والآخَرُ: (وعَبُدَ الطاغوتِ) على مثالِ "فَعُل"، وخفضِ "الطاغوتِ" بإضافةِ "عَبُد" إليه. فإذ كانت قراءةُ القرأةِ بأحدِ هذين الوجهين دونَ غيرِهما مِن الأوجهِ التي هي أصَحُّ مخرجًا في العربيةِ منهما، فأَوْلاهما بالصوابِ مِن القراءةِ قراءةُ مَن قرَأ ذلك: ﴿وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ﴾. بمعنى: وجعَل منهم القردَةَ والخنازيرَ، ومَن عبَد الطاغوتَ؛ لأنه ذُكِر أن ذلك في قراءةِ أبيِّ بن كعبٍ وابنِ مسعودٍ: (وجعَل منهم القِرَدَةَ والخنازيرَ وعبَدُوا الطاغوتَ). بمعنى: والذين عبَدوا الطاغوتَ. ففي ذلك دليلٌ واضحٌ على صحةِ المعنى الذي ذكَرْنا مِن أنه مرادٌ به: ومَن عبَد الطاغوتَ.
QS 5:60 (jilid 8 hlm. 544) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 8 · hlm. 544 · #60473
والخنازيرَ وعبَدُوا الطاغوتَ). بمعنى: والذين عبَدوا الطاغوتَ. ففي ذلك دليلٌ واضحٌ على صحةِ المعنى الذي ذكَرْنا مِن أنه مرادٌ به: ومَن عبَد الطاغوتَ. وأن النصبَ بـ "الطاغوتِ" أوْلى على ما وصَفْتُ في القراءةِ؛ لإعمالِ "عبَد" فيه؛ إذ كان الوجهُ الآخرُ غيرَ مُسْتَفِيضٍ في العربِ ولا معروفٍ في كلامِها. على أن أهلَ العربيةِ يَسْتَنْكِرون إعمالَ شيءٍ في "مَن" و "الذي" المُضْمَرَيْن مع "مِن" و "في" إذا كفَتْ "مِن" أو "في" منهما، ويَسْتَقْبِحونه، حتى كان بعضُهم يُحِيلُ ذلك ولا يُجِيزُه، وكان الذي يُحِيلُ ذلك يَقْرَؤُه: (وعَبْدَ الطاغوتِ).
QS 5:60 (jilid 8 hlm. 544) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 8 · hlm. 544 · #60474
و "في" إذا كفَتْ "مِن" أو "في" منهما، ويَسْتَقْبِحونه، حتى كان بعضُهم يُحِيلُ ذلك ولا يُجِيزُه، وكان الذي يُحِيلُ ذلك يَقْرَؤُه: (وعَبْدَ الطاغوتِ). فهو على قولِه خطأٌ ولحنٌ غيرُ جائزٍ. وكان آخَرون منهم يَسْتَجِيزُونه على قُبْحٍ، فالواجبُ على قولِهم أن تَكونَ القراءةُ بذلك قَبيحةً، وهم مع استقباحِهم ذلكَ في الكلامِ قد اخْتاروا القراءةَ بها، وإعمالَ "وجعَل" وجعَل" في "مَن"، وهي محذوفةٌ مع "مِن". ولو كنا نَسْتَجيرُ مخالفةَ الجماعةِ في شيءٍ مما جاءَت به مُجْمِعَةً عليه، لَاخْتَرْنا القراءةَ بغيرِ هاتين القراءتين، غيرَ أن ما جاء به المسلمون مُسْتَفِيضًا فيهم لا يَتَناكَرونه، فلا نَسْتَجِيزُ الخروجَ منه إلى غيرِه، فلذلك لم نَسْتَجِزِ القراءةَ بخلافِ إحدى القراءتَيْن اللتين ذكَرْنا أنهم لم يَعْدُوهما. وإذ كانت القراءةُ عندَنا ما ذكْرَنا، فتأويلُ الآيةِ: قل هل أُنَبِّئُكم بشرٍّ مِن ذلك مَثُوبةً عندَ اللَّهِ، مَن لعَنه اللَّهُ وغضِب عليه، وجعَل منهم القردةَ والخنازيرَ، ومَن عبَدَ الطاغوتَ.
QS 5:60 (jilid 8 hlm. 545) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 8 · hlm. 545 · #60475
أويلُ الآيةِ: قل هل أُنَبِّئُكم بشرٍّ مِن ذلك مَثُوبةً عندَ اللَّهِ، مَن لعَنه اللَّهُ وغضِب عليه، وجعَل منهم القردةَ والخنازيرَ، ومَن عبَدَ الطاغوتَ. وقد بيَّنا معنى "الطاغوتِ" فيما مضَى بشواهدِه مِن الرواياتِ وغيرِها، فأغْنَى ذلك عن إعادتِه ههنا. وأما قولُه: ﴿أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾. فإنه يعنى بقولِه: ﴿أُولَئِكَ﴾: هؤلاء الذين ذكَرَهم تعالى ذكرُه، وهم الذين وصَف صفتَهم، فقال: ﴿مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ﴾. وكلُّ ذلك مِن صفةِ اليهودِ مِن بنى إسرائيلَ. يقولُ تعالى ذكرُه: هؤلاء الذين هذه صفتُهم شرٌّ مكانًا في عاجلِ الدنيا والآخرةِ عندَ اللَّهِ ممَّن نقَمْتُم عليهم يا معشرَ اليهودِ إيمانَهم باللَّهِ، وبما أُنْزِل إليهم مِن عندِ اللَّهِ مِن الكتابِ، وبما أُنْزِل إلى مِن قبلَهم مِن الأنْبياءِ، ﴿وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾.
QS 5:60 (jilid 8 hlm. 546) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 8 · hlm. 546 · #60476
إيمانَهم باللَّهِ، وبما أُنْزِل إليهم مِن عندِ اللَّهِ مِن الكتابِ، وبما أُنْزِل إلى مِن قبلَهم مِن الأنْبياءِ، ﴿وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وأنتم مع ذلك أيُّها اليهودُ أشدُّ أخْذًا على غيرِ الطريقِ القَويمِ، وأجْورُ عن سبيلِ الرُّشْدِ والقَصْدِ منهم. قال أبو جعفرٍ: وهذا مِن لَحْنِ الكلامِ، وذلك أن اللَّهَ تعالى ذكرُه إنما قصَد بهذا الخبرِ إلى إخبارِ اليهودِ الذين وصَف صفتَهم في الآياتِ قبلَ هذه بقبيحِ فِعالِهم، وذَميمِ أخْلاقِهم، واسْتيجابِهم سُخْطَه بكثرةِ ذنوبِهم ومَعاصِيهم، حتى مسَخ بعضَهم قردةً وبعضَهم خنازيرَ، خِطابًا منه لهم بذلك، تَعْريضًا بالجميلِ مِن الخطابِ، ولَحَن لهم بما عرَفوا معناه مِن الكلامِ بأحسنِ اللحنِ، وعلَّم نبيَّه ﷺ مِن الأدبِ أحسنَه، فقال له: قُلْ لهم يا محمدُ: أهؤلاء المؤمنون باللَّهِ وبكتبِه الذين تَسْتَهْزِئون منهم شرٌّ أم مَن لعَنه اللَّهُ؟ وهو يعنى المَقُولَ ذلك لهم.
QS 5:59-64 (jilid 3 hlm. 142) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 3 · hlm. 142 · #84986
﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ (٥٩) قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ (٦٠) وَإِذَا جَاءُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا يَكْتُمُونَ (٦١) وَتَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٦٢) لَوْلا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (٦٣) وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا
QS 5:59-64 (jilid 3 hlm. 142) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 3 · hlm. 142 · #84987
إِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (٦٣) وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (٦٤)﴾ يقول تعالى: قل يا محمد، لهؤلاء الذين اتخذوا دينكم هزوًا ولعبًا من أهل الكتاب: (هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزلَ مِنْ قَبْلُ) أي: هل لكم علينا مطعن أو عيب إلا هذا؟
QS 5:59-64 (jilid 3 hlm. 142) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 3 · hlm. 142 · #84988
ل الكتاب: (هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزلَ مِنْ قَبْلُ) أي: هل لكم علينا مطعن أو عيب إلا هذا؟ وهذا ليس بعيب ولا مذمة، فيكون الاستثناء منقطعًا كما في قوله: ﴿وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ [البروج: ٨] وكقوله: ﴿وَمَا نَقَمُوا إِلا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [التوبة: ٧٤] وفي الحديث المتفق عليه: "ما ينقم ابن جَميل إلا أن كان فقيرًا فأغناه الله". وقوله: (وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ) معطوف على (أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزلَ مِنْ قَبْلُ) أي: وآمنا بأن أكثركم فاسقون، أي: خارجون عن الطريق المستقيم. ثم قال: (قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ) أي: هل أخبركم بشر جزاء عند الله يوم القيامة مما تظنونه بنا؟
QS 5:59-64 (jilid 3 hlm. 142) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 3 · hlm. 142 · #84989
المستقيم. ثم قال: (قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ) أي: هل أخبركم بشر جزاء عند الله يوم القيامة مما تظنونه بنا؟ وهم أنتم الذين هم متصفون بهذه الصفات القصيرة، فقوله: (مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ) أي: أبعده من رحمته (وَغَضِبَ عَلَيْهِ) أي: غضبًا لا يرضى بعده أبدًا، (وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ) كما تقدم بيانه في سورة البقرة. وكما سيأتي إيضاحه في سورة الأعراف [إن شاء الله تعالى] وقد قال سفيان الثوري: عن عَلْقَمَة بن مَرْثَد، عن المغيرة بن عبد الله، عن المعرور بن سُوَيْد، عن ابن مسعود قال: سئل رسول الله ﷺ عن القردة والخنازير، أهي مما مسخ الله [تعالى]؟
QS 5:59-64 (jilid 3 hlm. 142) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 3 · hlm. 142 · #84990
عَلْقَمَة بن مَرْثَد، عن المغيرة بن عبد الله، عن المعرور بن سُوَيْد، عن ابن مسعود قال: سئل رسول الله ﷺ عن القردة والخنازير، أهي مما مسخ الله [تعالى]؟ فقال إن الله لم يهلك قومًا -أو قال: لم يمسخ قومًا-فيجعل لهم نَسْلا ولا عَقِبًا وإن القردة والخنازير كانت قبل ذلك". وقد رواه مسلم من حديث سفيان الثوري ومِسْعَر كلاهما، عن مُغِيرة بن عبد الله اليشكري، به. وقال أبو داود الطيالسي: حدثنا داود بن أبي الفرات، عن محمد بن زيد، عن أبي الأعين العبدي، عن أبي الأحوص، عن ابن مسعود قال: سألنا رسول الله ﷺ عن القردة والخنازير، أهي من نسل اليهود؟
QS 5:59-64 (jilid 3 hlm. 143) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 3 · hlm. 143 · #84991
داود بن أبي الفرات، عن محمد بن زيد، عن أبي الأعين العبدي، عن أبي الأحوص، عن ابن مسعود قال: سألنا رسول الله ﷺ عن القردة والخنازير، أهي من نسل اليهود؟ فقال: "لا إن الله لم يلعن قومًا فيمسخهم فكان لهم نسل، ولكن هذا خلق كان، فلما غضب الله على اليهود فمسخهم، جعلهم مثلهم". ورواه أحمد من حديث داود بن أبي الفرات، به. وقال ابن مردويه: حدثنا عبد الباقي، حدثنا أحمد بن صالح حدثنا الحسن بن محبوب، حدثنا عبد العزيز بن المختار، عن داود بن أبي هند، عن عِكْرِمَة، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: "الحيات مَسْخ الجن، كما مُسِخَتِ القردة والخنازير". هذا حديث غريب جدا. وقوله: (وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ) وقرئ (وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ) على أنه فعل ماض، "والطاغوت" منصوب به، أي: وجعل منهم من عبد الطاغوت. وقرئ: (وَعَبْدَ الطَّاغُوتِ) بالإضافة على أن المعنى: وجعل منهم خدم الطاغوت، أي: خدامه وعبيده. وقرئ (وَعُبُدَ الطَّاغُوت) على أنه جمع الجمع: عبد وعَبيد وعُبُد، مثل ثمار وثُمُر. حكاها ابن جرير عن الأعمش.
QS 5:59-64 (jilid 3 hlm. 143) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 3 · hlm. 143 · #84992
وجعل منهم خدم الطاغوت، أي: خدامه وعبيده. وقرئ (وَعُبُدَ الطَّاغُوت) على أنه جمع الجمع: عبد وعَبيد وعُبُد، مثل ثمار وثُمُر. حكاها ابن جرير عن الأعمش. وحكي عن بُرَيْدةَ الأسلمي أنه كان يقرؤها: "وعَابد الطاغوت"، وعن أبي، وابن مسعود: "وعبدوا"، وحكى ابن جرير عن أبي جعفر القارئ أنه كان يقرؤها: (وَعُبِدَ الطَّاغُوتُ) على أنه مفعول ما لم يسم فاعله، ثم استبعد معناها. والظاهر أنه لا بعد في ذلك؛ لأن هذا من باب التعريض بهم، أي: وقد عبدت الطاغوت فيكم، وكنتم أنتم الذين تعاطوا ذلك. وكل هذه القراءات يرجع معناها إلى أنكم يا أهل الكتاب الطاعنين في ديننا، والذي هو توحيد الله وإفراده بالعبادة دون [ما] سواه، كيف يصدر منكم هذا وأنتم قد وجد منكم جميع ما ذكر؟
QS 5:59-64 (jilid 3 hlm. 143) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 3 · hlm. 143 · #84993
معناها إلى أنكم يا أهل الكتاب الطاعنين في ديننا، والذي هو توحيد الله وإفراده بالعبادة دون [ما] سواه، كيف يصدر منكم هذا وأنتم قد وجد منكم جميع ما ذكر؟ ولهذا قال: (أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا) أي: مما تظنون بنا (وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ) وهذا من باب استعمال أفعل التفضيل فيما ليس في الطرف الآخر مشاركة، كقوله: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلا﴾ [الفرقان: ٢٤] وقوله: (وَإِذَا جَاءُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ) وهذه صفة المنافقين منهم، أنهم يصانعون المؤمنين في الظاهر وقلوبهم منطوية على الكفر؛ ولهذا قال: (وَقَدْ دَخَلُوا [بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ]) أي عندك يا محمد (بِالْكُفْرِ) أي: مستصحبين الكفر في قلوبهم، ثم خرجوا وهو كامن فيها، لم ينتفعوا بما قد سمعوا منك من العلم، ولا نجعت فيهم المواعظ ولا الزواجر؛ ولهذا قال: (وَهُمْ [قَدْ] خَرَجُوا بِهِ) فخصهم به دون غيرهم.
QS 5:59-64 (jilid 3 hlm. 144) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 3 · hlm. 144 · #84994
ا وهو كامن فيها، لم ينتفعوا بما قد سمعوا منك من العلم، ولا نجعت فيهم المواعظ ولا الزواجر؛ ولهذا قال: (وَهُمْ [قَدْ] خَرَجُوا بِهِ) فخصهم به دون غيرهم. وقوله: (وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا يَكْتُمُونَ) أي: والله عالم بسرائرهم وما تنطوي عليهم ضمائرهم وإن أظهروا لخلقه خلاف ذلك، وتزينوا بما ليس فيهم، فإن عالم الغيب والشهادة أعلم بهم منهم، وسيجزيهم على ذلك أتم الجزاء. وقوله: (وَتَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الإثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ) أي: يبادرون إلى ذلك من تعاطي المآثم والمحارم والاعتداء على الناس، وأكلهم أموالهم بالباطل (لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) أي: لبئس العمل كان عملهم وبئس الاعتداء اعتداؤهم. قوله: (لَوْلا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالأحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الإثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ) يعني: هلا كان ينهاهم الربانيون والأحبار عن تعاطي ذلك.
QS 5:59-64 (jilid 3 hlm. 144) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 3 · hlm. 144 · #84995
َ وَالأحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الإثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ) يعني: هلا كان ينهاهم الربانيون والأحبار عن تعاطي ذلك. والربانيون وهم: العلماء العمال أرباب الولايات عليهم، والأحبار: وهم العلماء فقط. (لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ) وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: يعني الربانيين، أنهم: بئس ما كانوا يصنعون. يعني: في تركهم ذلك. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: قال لهؤلاء حين لم يَنْهُوا، ولهؤلاء حين علموا. قال: وذلك الأمر كان. قال: "ويعملون"و "ويصنعون" واحد. رواه ابن أبي حاتم. وقال ابن جرير: حدثنا أبو كُرَيْب، حدثنا ابن عطية، حدثنا قَيْس، عن العلاء بن المسيب، عن خالد بن دينار عن ابن عباس قال: ما في القرآن آية أشد توبيخًا من هذه الآية: (لَوْلا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالأحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الإثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ) قال: كذا قرأ. وكذا قال الضحاك: ما في القرآن آية أخوف عندي منها: إنا لا ننهى.
QS 5:59-64 (jilid 3 hlm. 144) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 3 · hlm. 144 · #84996
ْلِهِمُ الإثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ) قال: كذا قرأ. وكذا قال الضحاك: ما في القرآن آية أخوف عندي منها: إنا لا ننهى. رواه ابن جرير. وقال ابن أبي حاتم: ذكره يونس بن حبيب، حدثنا أبو داود، حدثنا محمد بن مسلم ب عن أبي إسحاق به ن أبي الوضاح، حدثنا ثابت بن سعيد الهمذاني، قال: رأيته بالرِّيِّ فحدث عن يحيى بن يَعْمَر قال: خطب علي بن أبي طالب فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أيها الناس، إنما هلك من كان قبلكم بركوبهم المعاصي، ولم ينههم الربانيون والأحبار، فلما تمادوا في المعاصي ولم ينههم الربانيون والأحبار أخذتهم العقوبات.
QS 5:59-64 (jilid 3 hlm. 144) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 3 · hlm. 144 · #84997
أيها الناس، إنما هلك من كان قبلكم بركوبهم المعاصي، ولم ينههم الربانيون والأحبار، فلما تمادوا في المعاصي ولم ينههم الربانيون والأحبار أخذتهم العقوبات. فَمُروا بالمعروف وانهوا عن المنكر، قبل أن ينزل بكم مثل الذي نزل بهم، واعلموا أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يقطع رزقًا ولا يقرب أجلا. وقال الإمام أحمد: حدثنا يزيد بن هارون، أنبأنا، شَرِيك، عن أبي إسحاق، عن المنذر بن جرير، عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ: "ما من قوم يكون بين أظهرهم من يعمل بالمعاصي هم أعز منه وأمنع، لم يغيروا، إلا أصابهم الله منه بعذاب". تفرد به أحمد من هذا الوجه. ورواه أبو داود، عن مَسَدَّد، عن أبي الأحوص، عن أبي إسحاق، عن المنذر بن جرير، عن جرير قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ما من رجل يكون في قوم يعمل فيهم بالمعاصي، يقدرون أن يغيروا عليه، فلا يغيرون إلا أصابهم الله بعقاب قبل أن يموتوا". وقد رواه ابن ماجه عن على بن محمد، عن وَكِيع، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عبَيد الله بن جرير، عن أبيه، به.
QS 5:59-64 (jilid 3 hlm. 145) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 3 · hlm. 145 · #84998
غيرون إلا أصابهم الله بعقاب قبل أن يموتوا". وقد رواه ابن ماجه عن على بن محمد، عن وَكِيع، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عبَيد الله بن جرير، عن أبيه، به. قال الحافظ المِزِّي: وهكذا رواه شعبة، عن أبي إسحاق، به. يخبر تعالى عن اليهود -عليهم لعائن الله المتتابعة إلى يوم القيامة-بأنهم وصفوا الله، ﷿ وتعالى عن قولهم علوًا كبيرًا، بأنه بخيل. كما وصفوه بأنه فقير وهم أغنياء، وعبروا عن البخل بقولهم: (يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ) قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو عبد الله الطهراني، حدثنا حفص بن عمر العَدَنِيّ، حدثنا الحكم بن أبان، عن عِكْرِمَة قال: قال ابن عباس: (مَغْلُولَةٌ) أي: بخيلة. وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله: (وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ) قال: لا يعنون بذلك أن يد الله موثقة ولكن يقولون: بخيل أمسك ما عنده، تعالى الله عما يقولون علوًا كبيرًا.
QS 5:59-64 (jilid 3 hlm. 146) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 3 · hlm. 146 · #84999
وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ) قال: لا يعنون بذلك أن يد الله موثقة ولكن يقولون: بخيل أمسك ما عنده، تعالى الله عما يقولون علوًا كبيرًا. وكذا روي عن عِكْرِمَة، وقتادة، والسُّدِّي، ومجاهد، والضحاك وقرأ: ﴿وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا﴾ [الإسراء: ٢٩]. يعني: أنه ينهى عن البخل وعن التبذير، وهو الزيادة في الإنفاق في غير محله، وعبَّر عن البخل بقوله: ﴿وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ﴾. وهذا هو الذي أراد هؤلاء اليهود عليهم لعائن الله. وقد قال عكرمة: إنها نزلت في فنْحاص اليهودي، عليه لعنة الله.
QS 5:59-64 (jilid 3 hlm. 146) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 3 · hlm. 146 · #85000
عَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ﴾. وهذا هو الذي أراد هؤلاء اليهود عليهم لعائن الله. وقد قال عكرمة: إنها نزلت في فنْحاص اليهودي، عليه لعنة الله. وقد تقدم أنه الذي قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ [آل عمران: ١٨١] فضربه أبو بكر الصديق، ﵁. وقال محمد بن إسحاق: حدثني محمد بن أبي محمد، عن سعيد أو عكرمة، عن ابن عباس قال: قال رجل من اليهود، يقال له: شاس بن قيس: إن ربك بخيل لا ينفق، فأنزل الله: (وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ)
QS 5:59-64 (jilid 3 hlm. 146) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 3 · hlm. 146 · #85001
الله: (وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ) وقد رد الله، ﷿، عليهم ما قالوه، وقابلهم فيما اختلقوه وافتروه وائتفكوه، فقال: (غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا) وهكذا وقع لهم، فإن عندهم من البخل والحسد والجبن والذلة أمر عظيم، كما قال تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذًا لا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا * أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ [فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا * فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا]﴾ [النساء: ٥٣ - ٥٥] وقال تعالى: ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ [أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ]﴾ الآية [آل عمران: ١١٢].
QS 5:59-64 (jilid 3 hlm. 146) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 3 · hlm. 146 · #85002
: ٥٣ - ٥٥] وقال تعالى: ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ [أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ]﴾ الآية [آل عمران: ١١٢]. ثم قال تعالى: (بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ) أي: بل هو الواسع الفضل، الجزيل العطاء، الذي ما من شيء إلا عنده خزائنه، وهو الذي ما بخلقه من نعمة فمنه وحده لا شريك له، الذي خلق لنا كل شيء مما نحتاج إليه، في ليلنا ونهارنا، وحضرنا وسفرنا، وفي جميع أحوالنا، كما قال [تعالى] ﴿وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا إِنَّ الإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾ الآية [إبراهيم: ٣٤].
QS 5:59-64 (jilid 3 hlm. 146) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 3 · hlm. 146 · #85003
] ﴿وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا إِنَّ الإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾ الآية [إبراهيم: ٣٤]. والآيات في هذا كثيرة، وقد قال الإمام أحمد بن حنبل: حدثنا عبد الرزاق، حدثنا مَعْمَر، عن همام بن مُنَبه قال: هذا ما حدثنا أبو هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "إن يمين الله مَلأى لا يَغِيضُها نفقة، سَحَّاء الليل والنهار، أرأيتم ما أنفق منذ خلق السموات والأرض، فإنه لم يَغِض ما في يمينه" قال: "وعرشه على الماء، وفي يده الأخرى القبْض، يرفع ويخفض": قال: قال الله تعالى: "أنفق أنفق عليك" أخرجاه في الصحيحين، البخاري في "التوحيد" عن علي بن المديني، ومسلم فيه، عن محمد بن رافع، وكلاهما عن عبد الرزاق، به.
QS 5:59-64 (jilid 3 hlm. 147) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 3 · hlm. 147 · #85004
ل: قال الله تعالى: "أنفق أنفق عليك" أخرجاه في الصحيحين، البخاري في "التوحيد" عن علي بن المديني، ومسلم فيه، عن محمد بن رافع، وكلاهما عن عبد الرزاق، به. وقوله: (وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنزلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا) أي: يكون ما أتاك الله يا محمد من النعمة نقمة في حق أعدائك من اليهود وأشباههم، فكما يزداد به المؤمنون تصديقًا وعملا صالحًا وعلمًا نافعًا، يزداد به الكفرة الحاسدون لك ولأمتك (طُغْيَانًا) وهو: المبالغة والمجاوزة للحد في الأشياء (وَكُفْرًا) أي: تكذيبا، كما قال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾ [فصلت: ٤٤] وقال تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلا خَسَارًا﴾ [الإسراء: ٨٢].
QS 5:59-64 (jilid 3 hlm. 147) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 3 · hlm. 147 · #85005
صلت: ٤٤] وقال تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلا خَسَارًا﴾ [الإسراء: ٨٢]. وقوله: (وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ) يعني: أنه لا تجتمع قلوبهم، بل العداوة واقعة بين فِرقهم بعضهم في بعض دائمًا لأنهم لا يجتمعون على حق، وقد خالفوك وكذبوك. وقال إبراهيم النَّخَعي: (وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ) قال: الخصومات والجدال في الدين. رواه ابن أبي حاتم. وقوله: (كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ) أي: كلما عقدوا أسبابًا يكيدونك بها، وكلما أبرموا أمورًا يحاربونك بها يبطلها الله ويرد كيدهم عليهم، ويحيق مكرهم السيئ بهم. (وَيَسْعَوْنَ فِي الأرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ) أي: من سجيتهم أنهم دائمًا يسعوْن في الإفساد في الأرض، والله لا يحب من هذه صفته.
QS 5:59-60 (jilid 6 hlm. 242) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 6 · hlm. 242 · #117405
[سُورَة الْمَائِدَة (٥) : الْآيَات ٥٩ إِلَى ٦٠] قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلاَّ أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فاسِقُونَ (٥٩) قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُولئِكَ شَرٌّ مَكاناً وَأَضَلُّ عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ (٦٠) هَذِهِ الْجُمَلُ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ مَا تَقَدَّمَهَا وَبَيْنَ قَوْله: وَإِذا جاؤُكُمْ [الْمَائِدَة: ٦١] .
QS 5:59-60 (jilid 6 hlm. 242) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 6 · hlm. 242 · #117406
اناً وَأَضَلُّ عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ (٦٠) هَذِهِ الْجُمَلُ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ مَا تَقَدَّمَهَا وَبَيْنَ قَوْله: وَإِذا جاؤُكُمْ [الْمَائِدَة: ٦١] . وَلَا يَتَّضِحُ مَعْنَى الْآيَةِ أَتَمَّ وُضُوحٍ وَيَظْهَرُ الدَّاعِي إِلَى أَمْرِ اللَّهِ وَرَسُوله- ﵊ بِأَنْ يُوَاجِهَهُمْ بِغَلِيظِ الْقَوْلِ مَعَ أَنَّهُ الْقَائِلُ لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ [النِّسَاء: ١٤٨] وَالْقَائِلُ وَلا تُجادِلُوا أَهْلَ الْكِتابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ [العنكبوت: ٤٦] إِلَّا بَعْدَ مَعْرِفَةِ سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ، فَيُعْلَمُ أَنَّهُمْ قَدْ ظَلَمُوا بِطَعْنِهِمْ فِي الْإِسْلَامِ وَالْمُسْلِمِينَ.
QS 5:59-60 (jilid 6 hlm. 243) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 6 · hlm. 243 · #117407
كبوت: ٤٦] إِلَّا بَعْدَ مَعْرِفَةِ سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ، فَيُعْلَمُ أَنَّهُمْ قَدْ ظَلَمُوا بِطَعْنِهِمْ فِي الْإِسْلَامِ وَالْمُسْلِمِينَ. فَذَكَرَ الْوَاحِدِيُّ وَابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: جَاءَ نَفَرٌ مِنَ الْيَهُودِ فِيهِمْ أَبُو يَاسِرِ بْنُ أَخْطَبَ، وَرَافِعُ بْنُ أَبِي رَافِعٍ، وَعَازِرٌ، وَزَيْدٌ، وَخَالِدٌ، وَأَزَارُ بْنُ أَبِي أَزَارٍ، وَأَشْيَعُ، إِلَى النَّبِيءِ فَسَأَلُوهُ عَمَّنْ يُؤْمِنُ بِهِ مِنَ الرُّسُلِ، فَلَمَّا ذَكَرَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ قَالُوا: لَا نُؤْمِنُ بِمَنْ آمَنَ بِعِيسَى وَلَا نَعْلَمُ دِينًا شَرًّا مِنْ دِينِكُمْ وَمَا نَعْلَمُ أَهْلَ دِينٍ أَقَلَّ حَظًّا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ مِنْكُمْ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ- إِلَى قَوْلِهِ- وَأَضَلُّ عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ.
QS 5:59-60 (jilid 6 hlm. 243) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 6 · hlm. 243 · #117408
فَأَنْزَلَ اللَّهُ قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ- إِلَى قَوْلِهِ- وَأَضَلُّ عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ. فَخَصَّ بِهَذِهِ الْمُجَادَلَةِ أَهْلَ الْكِتَابِ لِأَنَّ الْكُفَّارَ لَا تَنْهَضُ عَلَيْهِمْ حُجَّتُهَا، وَأُرِيدَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ خُصُوصُ الْيَهُود كَمَا ينبىء بِهِ الْمَوْصُولُ وَصِلَتُهُ فِي قَوْلِهِ: مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ الْآيَةَ. وَكَانَتْ هَذِهِ الْمُجَادَلَةُ لَهُمْ بِأَنَّ مَا يَنْقِمُونَهُ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي دِينِهِمْ إِذَا تَأَمَّلُوا لَا يَجِدُونَ إِلَّا الْإِيمَانَ بِاللَّهِ وَبِمَا عِنْدَ أَهْلِ الْكِتَابِ وَزِيَادَةُ الْإِيمَانِ بِمَا أُنْزِلَ على محمّد ﷺ. وَالِاسْتِفْهَامُ إِنْكَارِيٌّ وَتَعَجُّبِيٌّ.
QS 5:59-60 (jilid 6 hlm. 243) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 6 · hlm. 243 · #117409
ِيمَانَ بِاللَّهِ وَبِمَا عِنْدَ أَهْلِ الْكِتَابِ وَزِيَادَةُ الْإِيمَانِ بِمَا أُنْزِلَ على محمّد ﷺ. وَالِاسْتِفْهَامُ إِنْكَارِيٌّ وَتَعَجُّبِيٌّ. فَالْإِنْكَارُ دَلَّ عَلَيْهِ الِاسْتِثْنَاءُ، وَالتَّعَجُّبُ دَلَّ عَلَيْهِ أَنَّ مَفْعُولَاتِ تَنْقِمُونَ كُلَّهَا مَحَامِدُ لَا يَحِقُّ نَقْمُهَا، أَيْ لَا تَجِدُونَ شَيْئًا تَنْقِمُونَهُ غَيْرَ مَا ذُكِرَ. وَكُلُّ ذَلِكَ لَيْسَ حَقِيقًا بِأَنْ يُنْقَمَ. فَأَمَّا الْإِيمَانُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ فَظَاهِرٌ أَنَّهُمْ رَضُوهُ لِأَنْفُسِهِمْ فَلَا يَنْقِمُونَهُ عَلَى مَنْ مَاثَلَهُمْ فِيهِ، وَأَمَّا الْإِيمَانُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَى مُحَمَّدٍ فَكَذَلِكَ، لِأَنَّ ذَلِكَ شَيْءٌ رَضِيَهُ الْمُسْلِمُونَ لِأَنْفُسِهِمْ وَذَلِكَ لَا يُهِمُّ أَهْلَ الْكِتَابِ، وَدَعَا الرَّسُولُ إِلَيْهِ أَهْلَ الْكِتَابِ فَمَنْ شَاءَ مِنْهُمْ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ، فَمَا وَجْهُ النَّقْمِ مِنْهُ.
QS 5:59-60 (jilid 6 hlm. 244) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 6 · hlm. 244 · #117410
لْكِتَابِ، وَدَعَا الرَّسُولُ إِلَيْهِ أَهْلَ الْكِتَابِ فَمَنْ شَاءَ مِنْهُمْ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ، فَمَا وَجْهُ النَّقْمِ مِنْهُ. وَعُدِّيَ فِعْلُ تَنْقِمُونَ إِلَى مُتَعَلِّقِهِ بِحِرَفِ (مِنْ) ، وَهِيَ ابْتِدَائِيَّةٌ. وَقَدْ يُعَدَّى بِحَرْفِ (عَلَى) . وَأَمَّا عَطْفُ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فاسِقُونَ فَقَرَأَهُ جَمِيعُ الْقُرَّاءِ- بِفَتْحِ هَمْزَةِ (أَنَّ) - عَلَى أَنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلَى أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ.
QS 5:59-60 (jilid 6 hlm. 244) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 6 · hlm. 244 · #117411
الَى: وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فاسِقُونَ فَقَرَأَهُ جَمِيعُ الْقُرَّاءِ- بِفَتْحِ هَمْزَةِ (أَنَّ) - عَلَى أَنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلَى أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ. وَقَدْ تَحَيَّرَ فِي تَأْوِيلِهَا الْمُفَسِّرُونَ لِاقْتِضَاءِ ظَاهِرِهَا فِسْقَ أَكْثَرِ الْمُخَاطَبِينَ مَعَ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَعْتَرِفُ بِهِ أَهْلُهُ، وَعَلَى تَقْدِيرِ اعْتِرَافِهِمْ بِهِ فَذَلِكَ لَيْسَ مِمَّا يُنْقَمُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ لَا عَمَلَ لِلْمُؤْمِنِينَ فِيهِ، وَعَلَى تَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ مِمَّا يُنْقَمُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ فَلَيْسَ نَقْمُهُ عَلَيْهِمْ بِمَحَلٍّ لِلْإِنْكَارِ وَالتَّعَجُّبِ الَّذِي هُوَ سِيَاقُ الْكَلَامِ. فَذَهَبَ الْمُفَسِّرُونَ فِي تَأْوِيلِ مَوْقِعِ هَذَا الْمَعْطُوفِ مَذَاهِبَ شَتَّى فَقِيلَ: هُوَ عَطْفٌ عَلَى مُتَعَلِّقِ آمَنَّا أَيْ آمَنَّا بِاللَّهِ، وَبِفِسْقِ أَكْثَرِكُمْ، أَيْ تَنْقِمُونَ مِنَّا مَجْمُوعَ هَذَيْنِ الْأَمْرَيْنِ.
QS 5:59-60 (jilid 6 hlm. 244) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 6 · hlm. 244 · #117412
يلَ: هُوَ عَطْفٌ عَلَى مُتَعَلِّقِ آمَنَّا أَيْ آمَنَّا بِاللَّهِ، وَبِفِسْقِ أَكْثَرِكُمْ، أَيْ تَنْقِمُونَ مِنَّا مَجْمُوعَ هَذَيْنِ الْأَمْرَيْنِ. وَهَذَا يُفِيتُ مَعْنَى الْإِنْكَارِ التَّعَجُّبِيِّ لِأَنَّ اعْتِقَادَ الْمُؤْمِنِينَ كَوْنَ أَكْثَرِ الْمُخَاطَبِينَ فَاسِقُونَ يَجْعَلُ الْمُخَاطَبِينَ مَعْذُورِينَ فِي نَقْمِهِ فَلَا يُتَعَجَّبُ مِنْهُ وَلَا يُنْكَرُ عَلَيْهِمْ نَقْمُهُ، وَذَلِكَ يُخَالِفُ السِّيَاقَ مِنْ تَأْكِيدِ الشَّيْءِ بِمَا يُشْبِهُ ضِدَّهُ فَلَا يَلْتَئِمُ مَعَ الْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ، فَالْجَمْعُ بَيْنَ الْمُتَعَاطِفَيْنِ حِينَئِذٍ كَالْجَمْعِ بَيْنَ الضَّبِّ وَالنُّونِ، فَهَذَا وَجْهٌ بَعِيدٌ. وَقِيلَ: هُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى الْمُسْتَثْنَى، أَيْ مَا تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلَّا إِيمَانَنَا وَفِسْقَ أَكْثَرِكُمْ، أَيْ تَنْقِمُونَ تَخَالُفَ حَالَيْنَا، فَهُوَ نَقْمُ حَسَدٍ، وَلِذَلِكَ حَسُنَ مَوْقِعُ الْإِنْكَارِ التَّعَجُّبِيِّ.
QS 5:59-60 (jilid 6 hlm. 244) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 6 · hlm. 244 · #117413
مَانَنَا وَفِسْقَ أَكْثَرِكُمْ، أَيْ تَنْقِمُونَ تَخَالُفَ حَالَيْنَا، فَهُوَ نَقْمُ حَسَدٍ، وَلِذَلِكَ حَسُنَ مَوْقِعُ الْإِنْكَارِ التَّعَجُّبِيِّ. وَهَذَا الْوَجْهُ ذَكَرَهُ فِي «الْكَشَّافِ» وَقَدَّمَهُ وَهُوَ يَحْسُنُ لَوْ لَمْ تَكُنْ كَلِمَةُ مِنَّا لِأَنَّ اخْتِلَافَ الْحَالَيْنِ لَا يُنْقَمُ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، إِذْ لَيْسَ مِنْ فِعْلِهِمْ وَلَكِنْ مِنْ مُصَادَفَةِ الزَّمَانِ. وَقِيلَ: حُذِفَ مَجْرُورٌ دَلَّ عَلَيْهِ الْمَذْكُورُ، وَالتَّقْدِيرُ: هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلَّا الْإِيمَانَ لِأَنَّكُمْ جَائِرُونَ وَأَكْثَرُكُمْ فَاسِقُونَ، وَهَذَا تَخْرِيجٌ عَلَى أُسْلُوبٍ غَيْرِ مَعْهُودٍ، إِذْ لَمْ يُعْرَفْ حَذْفُ الْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ فِي مِثْلِ هَذَا.
QS 5:59-60 (jilid 6 hlm. 244) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 6 · hlm. 244 · #117414
ُونَ وَأَكْثَرُكُمْ فَاسِقُونَ، وَهَذَا تَخْرِيجٌ عَلَى أُسْلُوبٍ غَيْرِ مَعْهُودٍ، إِذْ لَمْ يُعْرَفْ حَذْفُ الْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ فِي مِثْلِ هَذَا. وَذُكِرَ وَجْهَانِ آخَرَانِ غَيْرُ مَرْضِيَّيْنِ. وَالَّذِي يَظْهَرُ لِي أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فاسِقُونَ مَعْطُوفًا عَلَى أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ عَلَى مَا هُوَ الْمُتَبَادِرُ وَيَكُونُ الْكَلَامُ تَهَكُّمًا، أَيْ تَنْقِمُونَ مِنَّا أَنَّنَا آمَنَّا كَإِيمَانِكُمْ وَصَدَّقْنَا رُسُلَكُمْ وَكُتُبَكُمْ، وَذَلِكَ نَقْمُهُ عَجِيبٌ وَأَنَّنَا آمَنَّا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَذَلِكَ لَا يُهِمُّكُمْ. وَتَنْقِمُونَ مِنَّا أَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ، أَيْ وَنَحْنُ صَالِحُونَ، أَيْ هَذَا نَقْمُ حَسَدٍ، أَيْ وَنَحْنُ لَا نَمْلِكُ لَكُمْ أَنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ.
QS 5:59-60 (jilid 6 hlm. 245) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 6 · hlm. 245 · #117415
ِنَّا أَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ، أَيْ وَنَحْنُ صَالِحُونَ، أَيْ هَذَا نَقْمُ حَسَدٍ، أَيْ وَنَحْنُ لَا نَمْلِكُ لَكُمْ أَنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ. فَظَهَرَتْ قَرِينَةُ التَّهَكُّمِ فَصَارَ فِي الِاسْتِفْهَامِ إِنْكَارٌ فَتَعَجُّبٌ فَتَهَكُّمٌ، تَوَلَّدَ بَعْضُهَا عَنْ بَعْضٍ وَكُلُّهَا مُتَوَلِّدَةٌ مِنِ اسْتِعْمَالِ الِاسْتِفْهَامِ فِي مُجَازَاتِهِ أَوْ فِي مَعَانٍ كِنَائِيَّةٍ، وَبِهَذَا يَكْمُلُ الْوَجْهُ الَّذِي قَدَّمَهُ صَاحِبُ «الْكَشَّافِ» . ثُمَّ اطَّرَدَ فِي التَّهَكُّمِ بِهِمْ وَالْعَجَبِ مِنْ أَفَنِ رَأْيِهِمْ مَعَ تَذْكِيرِهِمْ بِمَسَاوِيهِمْ فَقَالَ: قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ إِلَخْ.
QS 5:59-60 (jilid 6 hlm. 245) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 6 · hlm. 245 · #117416
ْعَجَبِ مِنْ أَفَنِ رَأْيِهِمْ مَعَ تَذْكِيرِهِمْ بِمَسَاوِيهِمْ فَقَالَ: قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ إِلَخْ. وشرّ اسْمُ تَفْضِيلٍ، أَصْلُهُ أَشَرُّ، وَهُوَ لِلزِّيَادَةِ فِي الصِّفَةِ، حُذِفَتْ هَمْزَتُهُ تَخْفِيفًا لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمَالِ، وَالزِّيَادَةُ تَقْتَضِي الْمُشَارَكَةَ فِي أَصْلِ الْوَصْفِ فَتَقْتَضِي أَنَّ الْمُسْلِمِينَ لَهُمْ حَظٌّ مِنَ الشَّرِّ، وَإِنَّمَا جَرَى هَذَا تَهَكُّمًا بِالْيَهُودِ لِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلْمُسْلِمِينَ: لَا دِينَ شَرٌّ مِنْ دِينِكُمْ، وَهُوَ مِمَّا عُبِّرَ عَنْهُ بِفِعْلِ تَنْقِمُونَ. وَهَذَا مِنْ مُقَابَلَةِ الْغِلْظَةِ بِالْغِلْظَةِ كَمَا يُقَالُ: «قُلْتَ فَأَوْجَبْتَ» . وَالْإِشَارَةُ فِي قَوْلِهِ مِنْ ذلِكَ إِلَى الْإِيمَانِ فِي قَوْلِهِ: هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ إِلَخْ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ مَنْقُومٌ عَلَى سَبِيلِ الْفَرْضِ.
QS 5:59-60 (jilid 6 hlm. 245) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 6 · hlm. 245 · #117417
إِلَى الْإِيمَانِ فِي قَوْلِهِ: هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ إِلَخْ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ مَنْقُومٌ عَلَى سَبِيلِ الْفَرْضِ. وَالتَّقْدِيرِ: وَلَمَّا كَانَ شَأْنُ الْمَنْقُومِ أَنْ يَكُونَ شَرًّا بُنِيَ عَلَيْهِ التَّهَكُّمُ فِي قَوْلِهِ: هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذلِكَ، أَيْ مِمَّا هُوَ أَشَدُّ شَرًّا. وَالْمَثُوبَةُ مُشْتَقَّةٌ مِنْ ثَابَ يَثُوبُ، أَيْ رَجَعَ، فَهِيَ بِوَزْنِ مُفَعْوِلَةٍ، سُمِّيَ بِهَا الشَّيْءُ الَّذِي يَثُوبُ بِهِ الْمَرْءُ إِلَى مَنْزِلِهِ إِذَا نَالَهُ جَزَاءً عَنْ عَمَلٍ عَمِلَهُ أَوْ سَعْيٍ سَعَاهُ، وَأَصْلُهَا مَثُوبٌ بِهَا، اعْتَبَرُوا فِيهَا التَّأْنِيثَ عَلَى تَأْوِيلِهَا بِالْعَطِيَّةِ أَوِ الْجَائِزَةِ ثُمَّ حُذِفَ الْمُتَعَلِّقُ لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمَالِ. وَأَصْلُهَا مُؤْذِنٌ بِأَنَّهَا لَا تُطْلَقُ إِلَّا عَلَى شَيْءٍ وُجُودِيٍّ يُعْطَاهُ الْعَامِلُ وَيَحْمِلُهُ
QS 5:59-60 (jilid 6 hlm. 245) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 6 · hlm. 245 · #117418
ْمُتَعَلِّقُ لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمَالِ. وَأَصْلُهَا مُؤْذِنٌ بِأَنَّهَا لَا تُطْلَقُ إِلَّا عَلَى شَيْءٍ وُجُودِيٍّ يُعْطَاهُ الْعَامِلُ وَيَحْمِلُهُ مَعَهُ، فَلَا تُطْلَقُ عَلَى الضَّرْبِ وَالشَّتْمِ لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِمَّا يَثُوبُ بِهِ الْمَرْءُ إِلَى مَنْزِلِهِ، وَلِأَنَّ الْعَرَبَ إِنَّمَا يَبْنُونَ كَلَامَهُمْ عَلَى طِبَاعِهِمْ وَهُمْ أَهْلُ كَرَمٍ لِنَزِيلِهِمْ، فَلَا يُرِيدُونَ بِالْمَثُوبَةِ إِلَّا عَطِيَّةً نَافِعَةً. وَيَصِحُّ إِطْلَاقُهَا عَلَى الشَّيْءِ النَّفِيسِ وَعَلَى الشَّيْءِ الْحَقِيرِ مِنْ كُلِّ مَا يَثُوبُ بِهِ الْمُعْطَى. فَجَعْلُهَا فِي هَذِهِ الْآيَةِ تَمْيِيزًا لِاسْمِ الزِّيَادَةِ فِي الشَّرِّ تهكّم لأنّ اللّغة وَالْغَضَبَ وَالْمَسْخَ لَيْسَتْ مَثُوبَاتٍ، وَذَلِكَ كَقَوْلِ عَمْرِو بْنِ كُلْثُومٍ: قَرَيْنَاكُمْ فَعَجَّلْنَا قِرَاكُمْ ... قُبَيْلَ الصُّبْحِ مِرْدَاةً طَحُونَا وَقَوْلِ عَمْرو بن معد يكرب: وَخَيْلٍ قَدْ دَلَفْتُ لَهَا بِخَيْلٍ ...
QS 5:59-60 (jilid 6 hlm. 246) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 6 · hlm. 246 · #117419
قَرَيْنَاكُمْ فَعَجَّلْنَا قِرَاكُمْ ... قُبَيْلَ الصُّبْحِ مِرْدَاةً طَحُونَا وَقَوْلِ عَمْرو بن معد يكرب: وَخَيْلٍ قَدْ دَلَفْتُ لَهَا بِخَيْلٍ ... تَحِيَّةُ بَيْنِهِمْ ضَرْبٌ وَجِيعُ وَقَوْلُهُ: مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ مُبْتَدَأٌ، أُرِيدَ بِهِ بَيَانُ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَثُوبَةً. وَفِيهِ مُضَافٌ مُقَدَّرٌ دَلَّ عَلَيْهِ السِّيَاقُ. وَتَقْدِيرُهُ: مَثُوبَةُ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ. وَالْعُدُولُ عَنْ أَنْ يُقَالَ: أَنْتُمْ أَوِ الْيَهُودُ، إِلَى الْإِتْيَانِ بِالْمَوْصُولِ لِلْعِلْمِ بِالْمَعْنِيِّ مِنَ الصِّلَةِ، لِأَنَّ الْيَهُودَ يَعْلَمُونَ أَنَّ أَسْلَافًا مِنْهُمْ وَقَعَتْ عَلَيْهِمُ اللَّعْنَةُ وَالْغَضَبُ مِنْ عَهْدِ أَنْبِيَائِهِمْ، وَدَلَائِلُهُ ثَابِتَةٌ فِي التَّوْرَاةِ وَكُتُبِ أَنْبِيَائِهِمْ، فَالْمَوْصُولُ كِنَايَةٌ عَنْهُمْ. وَأَمَّا جَعْلُهُمْ قِرَدَةً وَخَنَازِيرَ فَقَدْ تَقَدَّمَ الْقَوْلُ فِي حَقِيقَتِهِ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ.
QS 5:59-60 (jilid 6 hlm. 246) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 6 · hlm. 246 · #117420
ِمْ، فَالْمَوْصُولُ كِنَايَةٌ عَنْهُمْ. وَأَمَّا جَعْلُهُمْ قِرَدَةً وَخَنَازِيرَ فَقَدْ تَقَدَّمَ الْقَوْلُ فِي حَقِيقَتِهِ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ. وَأَمَّا كَوْنُهُمْ عَبَدُوا الطَّاغُوتَ فَهُوَ إِذْ عَبَدُوا الْأَصْنَامَ بَعْدَ أَنْ كَانُوا أَهْلَ تَوْحِيدٍ فَمِنْ ذَلِكَ عِبَادَتُهُمُ الْعِجْلَ. وَالطَّاغُوتُ: الْأَصْنَامُ، وَتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ فِي سُورَةِ النِّسَاءِ [٥١] . وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ بِصِيغَةِ فِعْلِ الْمُضِيِّ فِي عَبَدَ وَبِفَتْحِ التَّاءِ مِنَ الطَّاغُوتَ عَلَى أَنَّهُ مَفْعُولُ عَبَدَ، وَهُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى الصِّلَةِ فِي قَوْلِهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ، أَيْ وَمَنْ عَبَدُوا الطَّاغُوتَ.
QS 5:59-60 (jilid 6 hlm. 246) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 6 · hlm. 246 · #117421
نَ الطَّاغُوتَ عَلَى أَنَّهُ مَفْعُولُ عَبَدَ، وَهُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى الصِّلَةِ فِي قَوْلِهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ، أَيْ وَمَنْ عَبَدُوا الطَّاغُوتَ. وَقَرَأَهُ حَمْزَةُ وَحْدَهُ- بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ وَفَتْحِ الدَّالِ وَبِكَسْرِ الْفَوْقِيَّةِ مِنْ كَلِمَةِ الطَّاغُوتِ- عَلَى أَنَّ «عَبُدَ» جَمْعُ عَبْدٍ، وَهُوَ جَمْعٌ سَمَاعِيٌّ قَلِيلٌ، وَهُوَ عَلَى هَذِهِ الْقِرَاءَةِ مَعْطُوفٌ عَلَى الْقِرَدَةَ وَالْخَنازِيرَ. وَالْمَقْصُودُ مِنْ ذِكْرِ ذَلِكَ هُنَا تَعْيِيرُ الْيَهُودِ الْمُجَادِلِينَ لِلْمُسْلِمِينَ بِمَسَاوِي أَسْلَافِهِمْ إِبْكَاتًا لَهُمْ عَنِ التَّطَاوُلِ. عَلَى أَنَّهُ إِذَا كَانَتْ تِلْكَ شَنْشَنَتَهُمْ أَزْمَانَ قيام الرُّسُل والنبيئين بَيْنَ ظَهْرَانَيْهِمْ فَهُمْ فِيمَا بَعْدَ ذَلِكَ أَسْوَأُ حَالًا وَأَجْدَرُ بِكَوْنِهِمْ شَرًّا، فَيَكُونُ الْكَلَامُ مِنْ ذَمِّ الْقَبِيلِ كُلِّهِ.
QS 5:59-60 (jilid 6 hlm. 247) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 6 · hlm. 247 · #117422
َيْنَ ظَهْرَانَيْهِمْ فَهُمْ فِيمَا بَعْدَ ذَلِكَ أَسْوَأُ حَالًا وَأَجْدَرُ بِكَوْنِهِمْ شَرًّا، فَيَكُونُ الْكَلَامُ مِنْ ذَمِّ الْقَبِيلِ كُلِّهِ. عَلَى أَنَّ كَثِيرًا مِنْ مُوجِبَاتِ اللَّعْنَةِ وَالْغَضَبِ وَالْمَسْخِ قَدِ ارْتَكَبَتْهَا الْأَخْلَافُ، عَلَى أَنَّهُمْ شَتَمُوا الْمُسْلِمِينَ بِمَا زَعَمُوا أَنَّهُ دِينُهُمْ فَيَحِقُّ شَتْمُهُمْ بِمَا نعتقده فيهم. [٦١- ٦٣]

Ayat yang dirujuk di sini

Potongan tafsir di atas mengutip ayat-ayat berikut (dideteksi dengan aturan teks ﴿…﴾, bukan model bahasa).

QS 14:34QS 4:55QS 9:74QS 17:29QS 41:44QS 85:8

Dirujuk oleh

Ayat ini dikutip di dalam tafsir ayat-ayat berikut.

QS 1:7QS 2:65-66