القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤُه: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾.
قال أبو جعفرٍ: وأصلُ المرضِ السُّقمُ، ثم يقالُ ذلك في الأجسادِ والأديانِ. فأخْبَر اللَّهُ جلَّ ثناؤُه أن في قلوبِ المنافقين مرضًا، وإنما عنَى جلّ ثناؤه بخبرِه عن مرضِ قلوبِهم الخبرَ عن مرضِ ما في قلوبِهم مِن الاعتقادِ. ولكن لما كان معلومًا بالخبرِ
عن مرضِ القلبِ أنه مَعْنِيٌّ به مرضُ ما هم مُعْتقدوه مِن الاعتقادِ، اسْتَغْنى بالخبرِ عن القلبِ بذلك [والكنايةِ به] عن تصريحِ الخبرِ عن ضمائرِهم واعتقاداتِهم، كما قال عمرُ بنُ لَجَإٍ:
وسبَّحَت المدينةُ لا تَلُمْهَا … رأَت قمرًا بسوقِهمُ نَهارَا
يريد: وسبَّح أهلُ المدينةِ. فاستغْنى بمعرفةِ السامعين خبرَه بالخبرِ عن المدينةِ، عن الخبرِ عن أهلِها. ومثلُه قولُ عنترةَ العَبْسيِّ:
هلَّا سألتِ الخيلَ يابنةَ مالكٍ … إن كنتِ جاهلةً بما لم تَعْلَمِي
يريدُ: هلَّا سألتِ أصحابَ الخيلِ؟ ومنه قولُهم: يا خيلَ اللَّهِ اركبي. يرادُ: يا أصحابَ خيلِ اللَّهِ ارْكَبوا.
مالكٍ … إن كنتِ جاهلةً بما لم تَعْلَمِي
يريدُ: هلَّا سألتِ أصحابَ الخيلِ؟ ومنه قولُهم: يا خيلَ اللَّهِ اركبي. يرادُ: يا أصحابَ خيلِ اللَّهِ ارْكَبوا. والشواهدُ على ذلك أكثرُ مِن أن يُحْصِيَها الكتابُ، وفيما ذكَرنا كفايةٌ لمن وُفِّق لفهمِه.
فكذلك معنَى قولِ اللَّهِ جلَّ ثناؤُه: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾. إنما يعني: في اعتقادِ قلوبِهم الذي يعتقِدُونه في الدينِ، والتصديقِ بمحمدٍ ﷺ، وبما جاء به مِن عندِ اللَّهِ، مرَضٌ وسُقْمٌ. فاجْتَزأ بدَلالةِ الخبرِ عن قلوبِهم على معناه، عن تصريحِ الخبرِ عن اعتقادِهم.
والمرضُ الذي ذكَره اللَّهُ جلَّ ثناؤُه أنه في اعتقادِ قلوبِهم الذي وصَفْناه، هو شكُّهم في أمرِ محمدٍ، وما جاء به مِن عندِ اللَّهِ، وتحيُّرُهم فيه، فلا هم به مُوقِنون إيقانَ إيمانٍ، ولا هم له مُنكِرون إنكارَ إشراكٍ، ولكنهم كما وصَفهم جلّ ذكرُه،
مُذَبْذَبون بينَ ذلك، لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء، كما يقالُ: فلانٌ يُمرِّضُ في هذا الأمرِ.
هم له مُنكِرون إنكارَ إشراكٍ، ولكنهم كما وصَفهم جلّ ذكرُه،
مُذَبْذَبون بينَ ذلك، لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء، كما يقالُ: فلانٌ يُمرِّضُ في هذا الأمرِ. أي يُضَعِّفُ العزمَ، ولا يصحِّحُ الرَّوِيَّةَ فيه.
وبمثلِ الذي قلنا في تأويلِ ذلك تظاهَر القولُ في تفسيرِه مِن المفسِّرين.
ذِكْرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا محمدُ بنُ حُميدٍ، قال: حدَّثنا سَلَمةُ، عن محمدِ بنِ إسحاقَ، عن محمدِ بنِ أبي محمدٍ مولى زيدِ بنِ ثابتٍ، عن عكرمةَ، أو عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾. أي: شكٌّ.
وحُدِّثتُ عن المِنْجابِ، قال: حدَّثنا بِشرُ بنُ عُمارةَ، عن أبي رَوْقٍ، عن الضحَّاكِ، عن ابنِ عباسٍ، قال: المرضُ النِّفاقُ.
حدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: حدَّثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: حدَّثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ في خبرٍ ذكَره عن أبي مالكٍ، وعن أبي صالحٍ، عن ابنِ عباسٍ، وعن مُرَّةَ الهَمْدانيِّ، عن ابنِ مسعودٍ، وعن ناسٍ مِن أصحابِ النبيِّ ﷺ: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾.
ذكَره عن أبي مالكٍ، وعن أبي صالحٍ، عن ابنِ عباسٍ، وعن مُرَّةَ الهَمْدانيِّ، عن ابنِ مسعودٍ، وعن ناسٍ مِن أصحابِ النبيِّ ﷺ: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾. يقولُ: في قلوبِهم شكٌّ.
حدَّثني يونسُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: أخْبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال
عبدُ الرحمنِ بنُ زيدٍ في قولِه: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾. قال: هذا مرضٌ في الدِّينِ، وليس مرضًا في الأجسادِ. قال: وهم المنافقون.
حدَّثني المُثَنَّى بنُ إبراهيمَ، قال: حدثنا سُوَيدُ بنُ نصرٍ، قال: أخْبَرنا ابنُ المباركِ قراءةً، عن سعيدٍ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾. قال: في قلوبهم رِيبةٌ وشكٌّ في أمرِ اللَّهِ جلَّ ثناؤُه.
وحُدِّثت عن عمارِ بنِ الحسنِ، قال: حدَّثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرَّبيعِ بنِ أنسٍ: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾.
كٌّ في أمرِ اللَّهِ جلَّ ثناؤُه.
وحُدِّثت عن عمارِ بنِ الحسنِ، قال: حدَّثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرَّبيعِ بنِ أنسٍ: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾. قال: هؤلاء أهلُ النِّفاقِ، فالمرَضُ الذي في قلوبِهم الشكُّ في أمرِ اللَّهِ.
حدَّثني يونسُ، قال: أخْبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال عبدُ الرحمنِ بنُ زيدٍ: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾. حتى بلَغ: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾. قال: المرضُ الشكُّ الذي دخَلهم في الإسلامِ.
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا﴾.
قد دلَّلنا آنفًا على أن تأويلَ المرضِ الذي وصَف اللَّهُ جَلَّ ثناؤُه أنه في قلوبِ المنافقين هو الشكُّ في اعتقاداتِ قلوبِهم وأديانِهم، وما هم عليه في أمرِ محمدٍ رسولِ اللَّهِ ﷺ، وأمرِ نبوَّتِه وما جاء به، مُقِيمون.
فالمَرَضُ الذي أخْبر اللَّهُ جلَّ ثناؤُه عنهم أنه زادهم على مرضِهم، هو نظيرُ ما
كان في قلوبِهم مِن الشكِّ والحيرةِ قيلَ الزيادةِ، فزادهم اللَّهُ بما أحْدَث مِن حدودِه وفرائضِه التي لم يكنْ فرَضها قبلَ الزيادةِ التي زادَها المنافقين - مِن الشكِّ والحَيْرةِ، إذ شكُّوا وارْتَابوا في الذي أحْدَث لهم مِن ذلك - إلى المرضِ والشكِّ الذي كان في قلوبِهم في السالفِ، مِن حدودِه وفرائضِه التي كان فرَضها قبلَ ذلك.
ِ، إذ شكُّوا وارْتَابوا في الذي أحْدَث لهم مِن ذلك - إلى المرضِ والشكِّ الذي كان في قلوبِهم في السالفِ، مِن حدودِه وفرائضِه التي كان فرَضها قبلَ ذلك. كما زاد المؤمنين به إلى إيمانِهم الذي كانوا عليه قبلَ ذلك، بالذي أحْدَث لهم مِن الفرائضِ والحدودِ، إذْ آمنوا به، إلى إيمانِهم بالسالفِ مِن حدودِه وفرائضِه - إيمانًا، كالذي قال جلَّ ثناؤه في تنزيلِه: ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (١٢٤) وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٤، ١٢٥].
سْتَبْشِرُونَ (١٢٤) وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٤، ١٢٥]. فالزيادةُ التي زِيدها المنافقون مِن الرَّجاسةِ إلى رَجاستِهم هو ما وصَفنا، و التي زِيدها المؤمنون إلى إيمانِهم هو ما بيَّنا، وذلك هو التأويلُ المُجْمعُ عليه.
ذكرُ بعضِ مَن قال ذلك مِن أهلِ التأويلِ
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: حدَّثنا سَلَمةُ، عن محمدِ بنِ إسحاقَ، عن محمدِ بنِ أبي محمدٍ مولى زيدِ بنِ ثابتٍ، عن عكرمةَ، أو عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ، عن ابن عباسٍ: ﴿فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا﴾. قال: شكًّا.
حدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: أخْبرنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: حدَّثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ في خبرٍ ذكَره عن أبي مالكٍ، وعن أبي صالحٍ، عن ابنِ عباسٍ، وعن مُرَّةَ
الهَمْدَانيِّ، عن ابنِ مسعودٍ، وعن ناسٍ من أصحابِ النبيِّ ﷺ: ﴿فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا﴾.
َةِ:
وَنرْفَعُ مِن صُدُورِ شَمَرْدَلَاتٍ … يَصُدُّ وجوهَها وَهَجٌ ألِيمُ
ويُرْوى: يَصُكُّ.
وإنما الأليمُ صفةٌ للعذابِ، كأنه قال: ولهم عذابٌ مُؤْلِمٌ. وهو مأخوذٌ مِن الألمِ، والألمُ الوَجَعُ.
كما حدَّثني المُثَنَّى، قال: حدَّثنا إسحاقُ، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّهِ بنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرَّبيعِ، قال: الأليمُ المُوجِعُ.
حدَّثنا يعقوبُ، قال: حدثنا هُشَيمٌ، قال: أخبرنا جُوَيْبرٌ، عن الضحَّاكِ، قال: العذابُ الأليمُ؛ الموجعُ.
وحُدِّثت عن المِنْجابِ بنِ الحارثِ، قال: حدَّثنا بشرُ بنُ عُمارةَ، عن أبي رَوْقٍ، عن الضّحَّاكِ في قولِه: ﴿أَلِيمٌ﴾. قال: هو العذابُ المُوجِعُ، وكلُّ شيءٍ في القرآنِ مِن الأليمِ فهو المُوجِعُ.
آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ وهم في قِيلِهم ذلك كَذَبةٌ؛ لاستسرارِهم الشكَّ والمرضَ في اعتقاداتِ قلوبِهم في أمرِ اللَّهِ وأمرِ رسولِه ﷺ. فأَوْلَى في حكمةِ اللَّهِ ﷻ أن يكونَ الوعيدُ منه لهم على ما افْتَتح به الخبرَ عنهم مِن قبيحِ أفعالِهم وذَميمِ أخلاقِهم، دونَ ما لم يَجْرِ له ذكرٌ مِن أفعالِهم، إذ كان سائرُ آياتِ تنزيلِه بذلك نزَل، وهو أن يَفْتَتحَ ذكرَ محاسنِ أفعالِ قومٍ، ثم يختِمَ ذلك بالوعدِ على ما افْتَتحَ به ذكرَه مِن أفعالِهم، ويَفتتحَ ذكرَ مساوِي أفعالِ آخرين، ثم يختِمَ ذلك بالوعيدِ على ما ابْتَدأ به ذكرَه مِن أفعالِهم.
مَ ذلك بالوعدِ على ما افْتَتحَ به ذكرَه مِن أفعالِهم، ويَفتتحَ ذكرَ مساوِي أفعالِ آخرين، ثم يختِمَ ذلك بالوعيدِ على ما ابْتَدأ به ذكرَه مِن أفعالِهم. فكذلك الصحيحُ مِن القولِ في الآياتِ التي افْتَتح فيها ذكرَ بعضِ مساوي أفعالِ المنافقين، أن يختِمَ ذلك بالوعيدِ على ما افْتَتح به ذكرَه مِن قبائحِ أفعالِهم.
فهذا هذا، مع دَلالةِ الآيةِ الأُخرى على صحةِ ما قلنا، وشهادتِها بأن الواجبَ من القراءةِ ما اخترْنَا، وأن الصوابَ مِن التأويلِ ما تَأَوَّلْنا، مِن أن وعيدَ اللَّهِ المنافقين في هذه الآيةِ العذابَ الأليمَ على الكذِبِ الجامعِ معنى الشكِّ والتكذيبِ، وذلك قولُ اللَّهِ جلّ ثَناؤُه: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ
يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ (١) اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [المنافقون: ١، ٢].
افِقِينَ لَكَاذِبُونَ (١) اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [المنافقون: ١، ٢]. والآيةُ الأخرى في "المجادَلةِ": ﴿اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ [المجادلة: ١٦]. فأخْبر اللَّهُ جلَّ ثناؤُه أن المنافقين - بقِيلِهم ما قالُوا لرسولِ اللَّه ﷺ، مع اعتقادِهم فيه ما هم معتقدون - كاذِبون، ثم أخْبرَ تعالى ذكرُه أن العذابَ المُهِينَ لهم على ذلك مِن كَذِبِهم. ولو كان الصحيحُ مِن القراءةِ على ما قَرَأه القارئون في سورةِ "البقرةِ": (وَلَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يُكَذِّبون). لكانتِ القراءةُ في السورةِ الأخرى: (وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لمُكذِّبون).
بقرةِ": (وَلَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يُكَذِّبون). لكانتِ القراءةُ في السورةِ الأخرى: (وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لمُكذِّبون). ليكونَ الوعيدُ لهم [مِن العذابِ المهينِ] الذي هو عَقِيبَ ذلك وعيدًا على التكذيبِ لا على الكَذِبِ.
وفي إجماعِ المسلمين على أن الصوابَ مِن القراءةِ في قولِه: ﴿وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾. بمعنى الكَذِبِ، وأنَّ إيعادَ اللَّهِ فيه المنافقين العذابَ الأليمَ على ذلك مِن كَذِبِهم - أوضحُ الدَّلالةِ على أن الصحيحَ مِن القراءةِ في سورةِ "البقرةِ": ﴿بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾. بمعنى الكَذِبِ، وأن الوعيدَ مِن اللَّهِ تعالَى ذكرُه للمنافقين فيها على الكذبِ حقٌّ، لا على التكذيب الذي لم يَجْرِ له ذكرٌ - نظيرَ الذي في سورةِ "المنافقين" سواءً.
وقد زعَم بعضُ نحويِّي البصرةِ أنَّ "ما" من قولِ اللَّهِ جلّ ثناؤُه: ﴿بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾. اسمٌ للمصدرِ، كما أنَّ "أَنْ" والفعلَ اسمان للمصدرِ في قولِك: أُحبُّ أن تأتيَني.
ِ أنَّ "ما" من قولِ اللَّهِ جلّ ثناؤُه: ﴿بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾. اسمٌ للمصدرِ، كما أنَّ "أَنْ" والفعلَ اسمان للمصدرِ في قولِك: أُحبُّ أن تأتيَني. وأنَّ المعنى إنما هو: بكَذِبِهم وتكذيبِهم. قال: وأَدْخل "كان" ليُخْبِرَ أنه
كان فيما مضى، كما تقولُ: ما أحسنَ ما كان عبدُ اللَّهِ. فأَنت تعجَبُ من عبدِ اللَّهِ لا من كَوْنِه، وإنما وقَع التعجُّبُ في اللفظِ على كونِه.
وكان بعضُ نحوييِّ الكوفةِ يُنكرُ ذلك من قولِه ويَسْتَخْطِئُه، ويقولُ: إنما أُلْغِيَت "كان" في التعجُّبِ لأن الفعلَ قد تقدَّمها، فكأنه قال: حَسَنًا كان زيدٌ، وحسَنٌ كان زيدٌ. يُبْطِلُ "كان"، ويُعْمِلُ مع الأسماءِ والصفاتِ التي بألفاظِ الأسماءِ إذا جاءتْ قبلَ "كان"، ووقعَتْ "كان" بينها وبين الأسماءِ. وأما العِلَّةُ في إبطالِها إذا أُبطِلَت في هذه الحالِ، فتشبيهُ الصفاتِ والأسماءِ بـ "فعَل" و"يَفْعَلُ" التي لا يظهَرُ عملُ "كان" فيهما، ألا ترى أنك تقولُ: يقومُ كان زيدٌ. فلا يظهَرُ عملُ "كان" في "يقومُ"؟ وكذلك: قام كان زيدٌ.
ماءِ بـ "فعَل" و"يَفْعَلُ" التي لا يظهَرُ عملُ "كان" فيهما، ألا ترى أنك تقولُ: يقومُ كان زيدٌ. فلا يظهَرُ عملُ "كان" في "يقومُ"؟ وكذلك: قام كان زيدٌ. فلذلك أُبْطل عملُها مع "فاعل" تمثيلًا بـ "فعَل" و"يفعلُ"، وأُعْملت مع "فاعل" أحيانًا؛ لأنه اسمٌ، كما تُعْملُ في الأسماءِ. فأما إذا تقدَّمت "كان" الأسماءَ والأفعالَ، وكان الاسمُ والفعلُ بعدَها، فخطأٌ عندَه أن تكونَ "كان" مُبْطَلَةً. فلذلك أحال قولَ البصريِّ الذي حكَيناه، وتأوَّل قولَ اللَّهِ ﷿: ﴿بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾. أنه بمعنى: الذي يَكْذِبونه.
﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ (١٠)﴾
قال السدي، عن أبي مالك وعن أبي صالح، عن ابن عباس، وعن مرّة الهمداني عن ابن مسعود، وعن أناس من أصحاب النبي ﷺ في هذه الآية: (فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ) قال: شَكٌّ، (فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا) قال: شكًّا.
وقال [محمد] بن إسحاق، عن محمد بن أبي محمد، عن عِكْرِمة، أو سعيد بن جبير، عن ابن عباس [في قوله]: (فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ) قال: شك.
وكذلك قال مجاهد، وعكرمة، والحسن البصري، وأبو العالية، والرّبيع بن أنس، وقتادة.
وعن عكرمة، وطاوس: (فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ) يعني: الرياء.
وقال الضحاك، عن ابن عباس: (فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ) قال: نفاق (فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا) قال: نفاقا، وهذا كالأول.
وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: (فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ) قال: هذا مرض في الدين، وليس مرضًا في الأجساد، وهم المنافقون.
رَضًا) قال: نفاقا، وهذا كالأول.
وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: (فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ) قال: هذا مرض في الدين، وليس مرضًا في الأجساد، وهم المنافقون. والمرض: الشك الذي دخلهم في الإسلام (فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا) قال: زادهم رجسًا، وقرأ: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ * وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ﴾ [التوبة: ١٢٤، ١٢٥] قال: شرًا إلى شرهم وضلالة إلى ضلالتهم.
وهذا الذي قاله عبد الرحمن، ﵀، حسن، وهو الجزاء من جنس العمل، وكذلك قاله الأولون، وهو نظير قوله تعالى أيضًا: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ﴾ [محمد: ١٧].
وقوله (بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ) وقرئ: "يكذّبون"، وقد كانوا متصفين بهذا وهذا، فإنهم كانوا كذبة يكذبون بالحق يجمعون بين هذا وهذا.
َاهُمْ﴾ [محمد: ١٧].
وقوله (بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ) وقرئ: "يكذّبون"، وقد كانوا متصفين بهذا وهذا، فإنهم كانوا كذبة يكذبون بالحق يجمعون بين هذا وهذا. وقد سئل القرطبي وغيره من المفسرين عن حكمة كفه، ﵇، عن قتل المنافقين مع علمه بأعيان بعضهم، وذكروا أجوبة عن ذلك منها ما ثبت في الصحيحين: أنه قال لعمر: "أكره أن يتحدث العرب أن محمدًا يقتل أصحابه" ومعنى هذا خشية أن يقع بسبب ذلك تغير لكثير من الأعراب عن الدخول في الإسلام ولا يعلمون حكمة قتله لهم، وأن قتله إياهم إنما هو على الكفر، فإنهم إنما يأخذونه بمجرد ما يظهر لهم فيقولون: إن محمدًا يقتل أصحابه، قال القرطبي: وهذا قول علمائنا وغيرهم كما كان يعطي المؤلفة قلوبهم مع علمه بشر اعتقادهم. قال ابن عطية: وهي طريقة أصحاب مالك نص عليه محمد بن الجهم والقاضي إسماعيل والأبهري وابن الماجشون.
هم كما كان يعطي المؤلفة قلوبهم مع علمه بشر اعتقادهم. قال ابن عطية: وهي طريقة أصحاب مالك نص عليه محمد بن الجهم والقاضي إسماعيل والأبهري وابن الماجشون. ومنها: ما قال مالك، ﵀: إنما كف رسول الله ﷺ عن المنافقين ليبين لأمته أن الحاكم لا يحكم بعلمه.
قال القرطبي: وقد اتفق العلماء عن بكرة أبيهم على أن القاضي لا يقتل بعلمه، وإن اختلفوا في سائر الأحكام، قال: ومنها ما قال الشافعي: إنما منع رسول الله ﷺ من قتل المنافقين ما كانوا يظهرونه من الإسلام مع العلم بنفاقهم؛ لأن ما يظهرونه يجبّ ما قبله. ويؤيد هذا قوله، ﵊، في الحديث المجمع على صحته في الصحيحين وغيرهما: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله، ﷿".
لى صحته في الصحيحين وغيرهما: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله، ﷿". ومعنى هذا: أن من قالها جرت عليه أحكام الإسلام ظاهرًا، فإن كان يعتقدها وجد ثواب ذلك في الدار الآخرة، وإن لم يعتقدها لم ينفعه في الآخرة جريان الحكم عليه في الدنيا، وكونه كان
خليط أهل الإيمان ﴿يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الأَمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ﴾ الآية [الحديد: ١٤]، فهم يخالطونهم في بعض المحشر، فإذا حقت المحقوقية تميزوا منهم وتخلفوا بعدهم ﴿وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ﴾ [سبأ: ٥٤] ولم يمكنهم أن يسجدوا معهم كما نطقت بذلك الأحاديث، ومنها ما قاله بعضهم: أنه إنما لم يقتلهم لأنه كان يخاف من شرهم مع وجوده، ﵇، بين أظهرهم يتلو عليهم آيات الله مبينات، فأما بعده فيقتلون إذا أظهروا النفاق وعلمه المسلمون، قال مالك:
نما لم يقتلهم لأنه كان يخاف من شرهم مع وجوده، ﵇، بين أظهرهم يتلو عليهم آيات الله مبينات، فأما بعده فيقتلون إذا أظهروا النفاق وعلمه المسلمون، قال مالك: المنافق في عهد رسول الله ﷺ هو الزنديق اليوم. قلت: وقد اختلف العلماء في قتل الزنديق إذا أظهر الكفر هل يستتاب أم لا. أو يفرق بين أن يكون داعية أم لا أو يتكرر منه ارتداده أم لا أو يكون إسلامه ورجوعه من تلقاء نفسه أو بعد أن ظهر عليه؟ على أقوال موضع بسطها وتقريرها وعزوها كتاب الأحكام.
(تنبيه) قول من قال: كان ﵊ يعلم أعيان بعض المنافقين إنما مستنده حديث حذيفة بن اليمان في تسمية أولئك الأربعة عشر منافقًا في غزوة تبوك الذين هموا أن يفتكوا برسول الله ﷺ في ظلماء الليل عند عقبة هناك؛ عزموا على أن ينفروا به الناقة ليسقط عنها فأوحى الله إليه أمرهم فأطلع على ذلك حذيفة.
ك الذين هموا أن يفتكوا برسول الله ﷺ في ظلماء الليل عند عقبة هناك؛ عزموا على أن ينفروا به الناقة ليسقط عنها فأوحى الله إليه أمرهم فأطلع على ذلك حذيفة. ولعل الكف عن قتلهم كان لمدرك من هذه المدارك أو لغيرها والله أعلم.
فأما غير هؤلاء فقد قال تعالى: ﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ﴾ الآية، وقال تعالى: ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلا قَلِيلا * مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلا﴾ ففيها دليل على أنه لم يغر بهم ولم يدرك على أعيانهم وإنما كانت تذكر له صفاتهم فيتوسمها في بعضهم كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾ وقد كان من أشهرهم بالنفاق عبد الله بن
تعالى: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾ وقد كان من أشهرهم بالنفاق عبد الله بن أبي بن سلول وقد شهد عليه زيد بن أرقم بذلك الكلام الذي سبق في صفات المنافقين ومع هذا لما مات [صلى عليه] ﷺ وشهد دفنه كما يفعل ببقية المسلمين، وقد عاتبه عمر بن الخطاب ﵁ فيه فقال: "إني أكره أن تتحدث العرب أن محمدًا يقتل أصحابه" وفي رواية في الصحيح "إني خيرت فاخترت" وفي رواية "لو أني أعلم لو زدت على السبعين يغفر الله له لزدت".