KitabAITafsir Al-Qur'an AI-Powered
Daftar surahSurah Ali Imran › Ayat 7

QS 3:7

Surah Ali Imran (آل عمران) ayat 7

3:7
هُوَ ٱلَّذِيٓ أَنزَلَ عَلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ مِنۡهُ ءَايَٰتٞ مُّحۡكَمَٰتٌ هُنَّ أُمُّ ٱلۡكِتَٰبِ وَأُخَرُ مُتَشَٰبِهَٰتٞۖ فَأَمَّا ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمۡ زَيۡغٞ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَٰبَهَ مِنۡهُ ٱبۡتِغَآءَ ٱلۡفِتۡنَةِ وَٱبۡتِغَآءَ تَأۡوِيلِهِۦۖ وَمَا يَعۡلَمُ تَأۡوِيلَهُۥٓ إِلَّا ٱللَّهُۗ وَٱلرَّـٰسِخُونَ فِي ٱلۡعِلۡمِ يَقُولُونَ ءَامَنَّا بِهِۦ كُلّٞ مِّنۡ عِندِ رَبِّنَاۗ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّآ أُوْلُواْ ٱلۡأَلۡبَٰبِ
Dialah yang menurunkan Kitab (Alquran) kepadamu (Muhammad). Di antaranya ada ayat-ayat yang muḥkamāt,111) itulah pokok-pokok Kitab (Alquran) dan yang lain mutasyābihāt.112) Adapun orang-orang yang dalam hatinya condong pada kesesatan, mereka mengikuti yang mutasyābihāt untuk mencari-cari fitnah dan untuk mencari-cari takwilnya, padahal tidak ada yang mengetahui takwilnya kecuali Allah. Dan orang-orang yang ilmunya mendalam berkata, "Kami beriman kepadanya (Alquran), semuanya dari sisi Tuhan kami." Tidak ada yang dapat mengambil pelajaran kecuali orang yang berakal
Tanya tentang ayat ini
← Ayat 6Ayat 8 →

Kata per kata

Lafadz, lema, dan akar tiap kata. Klik sebuah kata untuk melihat seluruh ayat yang memakai akar yang sama.

هُوَ
pronomina
ٱلَّذِىٓ
ٱلَّذِى
kata sambung penghubung
أَنزَلَ
أَنزَلَ
نزل
عَلَيْكَ
عَلَىٰ
preposisi
ٱلْكِتَٰبَ
كِتَٰب
كتب
مِنْهُ
مِن
preposisi
ءَايَٰتٌ
ءَايَة
ايي
مُّحْكَمَٰتٌ
مُّحْكَمَٰت
حكم
هُنَّ
pronomina
أُمُّ
أُمّ
امم
ٱلْكِتَٰبِ
كِتَٰب
كتب
وَأُخَرُ
آخَر
اخر
مُتَشَٰبِهَٰتٌ
مُتَشَٰبِه
شبه
فَأَمَّا
أَمَّا
exl
ٱلَّذِينَ
ٱلَّذِى
partikel syarat
فِى
فِى
preposisi
قُلُوبِهِمْ
قَلْب
قلب
زَيْغٌ
زَيْغ
زيغ
فَيَتَّبِعُونَ
ٱتَّبَعَ
تبع
مَا
مَا
kata sambung penghubung
تَشَٰبَهَ
تَشَٰبَهَ
شبه
مِنْهُ
مِن
preposisi
ٱبْتِغَآءَ
ٱبْتِغَآء
بغي
ٱلْفِتْنَةِ
فِتْنَة
فتن
وَٱبْتِغَآءَ
ٱبْتِغَآء
بغي
تَأْوِيلِهِۦ
تَأْوِيل
اول
وَمَا
مَا
partikel nafi
يَعْلَمُ
عَلِمَ
علم
تَأْوِيلَهُۥٓ
تَأْوِيل
اول
إِلَّا
إِلَّا
partikel hashr
ٱللَّهُ
ٱللَّه
اله
وَٱلرَّٰسِخُونَ
رَّٰسِخُون
رسخ
فِى
فِى
preposisi
ٱلْعِلْمِ
عِلْم
علم
يَقُولُونَ
قَالَ
قول
ءَامَنَّا
ءَامَنَ
امن
بِهِۦ
pronomina
كُلٌّ
كُلّ
كلل
مِّنْ
مِن
preposisi
عِندِ
عِند
عند
رَبِّنَا
رَبّ
ربب
وَمَا
مَا
partikel nafi
يَذَّكَّرُ
تَذَكَّرَ
ذكر
إِلَّآ
إِلَّا
partikel hashr
أُو۟لُوا۟
أُولِى
اول
ٱلْأَلْبَٰبِ
أَلْبَٰب
لبب

Tafsir dalam korpus (204 potongan)

QS 3:2-140 (jilid 5 hlm. 170) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 5 · hlm. 170 · #55653
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿الم (١) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾. قال أبو جعفرٍ: قد أتيْنَا على البيانِ عن معنى قولِه: ﴿الم﴾. فيما مضَى، بما أغنى عن إعادتِه في هذا الموضعِ، وكذلك البيانِ عن قولِه: ﴿اللَّهُ﴾. وأما معنى قولِه: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾. فإنه خبرٌ من اللهِ ﷿ أخبَر عبادَه أن الألوهةَ خاصَّةٌ به دونَ ما سواه من الآلهةِ والأندادِ، وأن العبادةَ لا تصلُحُ ولا تجوزُ إلا له، لانفرادِه بالربوبيةِ وتَوَحُّدِه بالأُلوهيَّةِ، وأن كلَّ ما دونَه فمِلْكُه، وأن كلَّ ما سواه فخَلْقُه، لا شريكَ له في سلطانِه ومِلْكِه؛ احتجاجًا منه تعالى ذكرُه عليهم، بأن ذلك إذْ كان كذلك، فغيرُ جائزةٍ لهم عبادةُ غيرِه ولا إشراكُ أحدٍ معه في سلطانِه، إذ كان كلُّ معبودٍ سواه فمِلْكُه، وكلُّ مُعَظَّمٍ غيرِه فخَلْقُه؛ وعلى المملوكِ إفرادُ الطاعةِ لمالِكه، وصَرْفُ خدمتِه إلى مولاه ورازقِه، ومُعَرِّفًا مَن كان مِن خَلْقِه - يومَ أنزل ذلك إلى نبيِّه محمدٍ ﷺ، بتنزيلِه ذلك إليه، وإرسالِه به إليهم على لسانِه، صلواتُ
QS 3:2-140 (jilid 5 hlm. 170) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 5 · hlm. 170 · #55654
خدمتِه إلى مولاه ورازقِه، ومُعَرِّفًا مَن كان مِن خَلْقِه - يومَ أنزل ذلك إلى نبيِّه محمدٍ ﷺ، بتنزيلِه ذلك إليه، وإرسالِه به إليهم على لسانِه، صلواتُ اللهِ عليه وسلامُه - مُقيمًا على عبادةِ وَثَنٍ أو صنمٍ، أو شمسٍ أو قمرٍ، أو إنسيٍّ أو مَلَكٍ، أو غيرِ ذلك من الأشياءِ التي كانت بنو آدمَ مُقِيمةً على [عبادتِها وإلاهتِها]، ومُتَّخذَه دونَ مالكِه وخالقِه إلهًا وربًّا أنه مُقِيمٌ على ضلالةٍ، ومنعزلٌ عن المَحَجَّةِ، وراكبٌ غيرَ السبيلِ المستقيمةِ، بصرفِه العبادةَ إلى غيرِه، ولا أحدَ له الألوهةُ غيرُه.
QS 3:2-140 (jilid 5 hlm. 171) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 5 · hlm. 171 · #55655
ِه إلهًا وربًّا أنه مُقِيمٌ على ضلالةٍ، ومنعزلٌ عن المَحَجَّةِ، وراكبٌ غيرَ السبيلِ المستقيمةِ، بصرفِه العبادةَ إلى غيرِه، ولا أحدَ له الألوهةُ غيرُه. وقد ذُكِر أن هذه السورةَ ابتدأ اللهُ بتنزيلِ فاتحتِها، بالذي ابتدأ به مِن نفيِ الأُلُوهَةِ أن تكونَ لغيرِه، ووَصْفِه نفسَه بالذي وصفَها به في ابتدائِها؛ احتجاجًا منه بذلك على طائفةٍ من النَّصارَى قَدِمُوا على رسولِ الله ﷺ من نَجْرانَ فحاجُّوه في عيسى صلواتُ اللهِ عليه، وألْحَدُوا في اللهِ، فأنزل اللهُ ﷿ في أمرِهم وأمرِ عيسى من هذه السورةِ، نَيِّفًا وثلاثين آيةً من أوَّلِها؛ احتجاجًا عليهم وعلى من كان على مثلِ مقالتِهم لنبيِّه محمدٍ ﷺ، فأبَوْا إلا المُقامَ على ضلالتِهم وكفرِهم فدعاهم إلى المباهلةِ، فأبَوْا ذلك وسألُوا قَبولَ الجِزْيةِ منهم، فقَبِلها ﷺ منهم، وانصرَفُوا إلى بلادِهم.
QS 3:2-140 (jilid 5 hlm. 171) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 5 · hlm. 171 · #55656
، فأبَوْا إلا المُقامَ على ضلالتِهم وكفرِهم فدعاهم إلى المباهلةِ، فأبَوْا ذلك وسألُوا قَبولَ الجِزْيةِ منهم، فقَبِلها ﷺ منهم، وانصرَفُوا إلى بلادِهم. غيرَ أن الأمرَ وإن كان كذلك، وإيّاهم قصَد بالحِجاجِ، فإنَّ مَن كان معناه من سائرِ الخلقِ معناهم في الكفرِ باللهِ، واتخاذِ ما سوى اللهِ ربًّا وإلهًا معبودًا، معمومون بالحُجَّة التي حجَّ اللهُ ﵎ بها مَن نزَلتْ هذه الآياتُ فيه، ومحجوجون في الفُرقانِ الذي فَرَق به لرسولِه ﷺ بينَه وبينَهم. ذكرُ الروايةِ عمن ذكرْنا قولَه في نزولِ افتتاحِ هذه السورةِ أنه نزَل في الذين وصَفْنا صِفَتَهم من النَّصَارَى حدَّثنا محمدُ بنُ حميدٍ، قال: حدَّثنا سلمةُ بنُ الفضلِ، قال: حدَّثني محمدُ
QS 3:2-140 (jilid 5 hlm. 171) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 5 · hlm. 171 · #55657
نزولِ افتتاحِ هذه السورةِ أنه نزَل في الذين وصَفْنا صِفَتَهم من النَّصَارَى حدَّثنا محمدُ بنُ حميدٍ، قال: حدَّثنا سلمةُ بنُ الفضلِ، قال: حدَّثني محمدُ ابن إسحاقَ، عن محمدِ بن جعفرٍ، قال: قَدِم على رسولِ اللهِ ﷺ وفدُ نَجْرانَ، ستون راكبًا، فيهم أربعةَ عشَرَ رجلًا من أشرافِهم، في الأربعةَ عشَرَ ثلاثةُ نَفَرٍ، إليهم يئولُ أمرُهم: العاقبُ؛ أميرُ القومِ وذو رأيِهم وصاحبُ مَشورتِهم، والذي لا يَصْدرُون إلا عن رأيِه، واسمُه عبدُ المسيحِ، والسيِّدُ؛ ثِمالُهم وصاحبُ رحلِهم ومُجْتَمَعِهم، واسمُه الأَيْهَمُ، وأبو حارثةَ بنُ علقمةَ؛ أحدُ بكرِ بن وائلٍ، [أسْقُفُّهم وحَبْرُهم] وإمامُهم وصاحبُ مِدْراسهم. وكان أبو حارثةَ قد شَرُف فيهم، ودرَس كتبَهم، حتى حسُن علمُه في دينِهم، فكانت ملوكُ الرومِ من أهلِ النصرانيَّةِ قد شرَّفُوه وموَّلُوه وأخدَمُوه وبَنَوْا له الكنائسَ، وبسَطُوا عليه الكراماتِ؛ لما يَبْلُغُهم عنه من علمِه واجتهادِه في دينِهم.
QS 3:2-140 (jilid 5 hlm. 172) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 5 · hlm. 172 · #55658
ِ من أهلِ النصرانيَّةِ قد شرَّفُوه وموَّلُوه وأخدَمُوه وبَنَوْا له الكنائسَ، وبسَطُوا عليه الكراماتِ؛ لما يَبْلُغُهم عنه من علمِه واجتهادِه في دينِهم. قال ابن إسحاق: قال محمدُ بنُ جعفرِ بن الزُّبيرِ: قَدِموا على رسولِ اللهِ ﷺ المدينةَ، فدخَلوا عليه مسجدَه حينَ صلَّى العصرَ، عليهم ثيابُ الحِبَراتِ جُبَبٌ وأرديةٌ، في [جمال رجالِ] بَلْحارثِ بن كعبٍ. قال: يقولُ بعضُ مَن رآهم من أصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ يومئذٍ: ما رأيْنا بعدَهم وفدًا مثلَهم، وقد حانتْ صلاتُهم، فقاموا يُصَلُّون في مسجدِ رسولِ اللهِ ﷺ، فقال رسولُ اللهِ ﷺ: "دَعُوهم".
QS 3:2-140 (jilid 5 hlm. 172) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 5 · hlm. 172 · #55659
صحابِ رسولِ اللهِ ﷺ يومئذٍ: ما رأيْنا بعدَهم وفدًا مثلَهم، وقد حانتْ صلاتُهم، فقاموا يُصَلُّون في مسجدِ رسولِ اللهِ ﷺ، فقال رسولُ اللهِ ﷺ: "دَعُوهم". فَصَلُّوا إلى المَشْرِقِ. قال: وكانت تسميةُ الأربعةَ عشَرَ منهم الذين يَئُولُ إليهم أمرُهم: العاقبُ وهو عبدُ المسيحِ، والسيِّدُ وهو الأَيْهَمُ، وأبو حارثةَ بنُ عَلْقمةَ أخو بكرِ بن وائلٍ، وأوسٌ، والحارثُ، وزيدٌ، وقيسٌ، ويزيدُ، ونُبَيةٌ، وخويلدٌ، و عمرٌو، وخالدٌ، وعبدُ اللهِ، ويُحَنَّسُ، في ستين راكبًا، فكلَّم رسولَ اللهِ ﷺ منهم أبو حارثةَ بنُ عَلْقمةَ، والعاقبُ عبدُ المسيحِ، والأيْهَمُ السَّيِّدُ، وهم من النصرانيةِ على دينِ الملِكِ، مع اختلافِ من أمرِهم يقولون: هو اللهُ. ويقولون: هو ولدُ اللهِ. ويقولون: هو ثالثُ ثلاثةٍ. وكذلك قولُ النصرانيةِ، فهم يَحْتَجُّون في قولِهم: هو اللهُ.
QS 3:2-140 (jilid 5 hlm. 173) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 5 · hlm. 173 · #55660
مع اختلافِ من أمرِهم يقولون: هو اللهُ. ويقولون: هو ولدُ اللهِ. ويقولون: هو ثالثُ ثلاثةٍ. وكذلك قولُ النصرانيةِ، فهم يَحْتَجُّون في قولِهم: هو اللهُ. بأنه كان يُحيِى الموتى، ويُبْرِئُ الأسقامَ، ويُخْبِرُ بالغُيوبِ، ويَخلُقُ من الطينِ كهيئةِ الطيرِ ثم ينفُخُ فيه فيكونُ طائرًا، وذلك كلُّه بإذنِ اللهِ، ليجعلَه آيةً للناسِ. ويَحتجُّون في قولِهم: إنه ولدُ اللهِ. أنهم يقولون: لم يكنْ له أبٌ يُعْلَمُ، وقد تكلَّم في المهدِ، شيءٌ لم يَصْنَعْه أحدٌ من ولدِ آدمَ قبلَه. ويحتجُّون في قولِهم: إنه ثالثُ ثلاثةٍ. بقولِ اللهِ ﷿: فعلْنا وأمَرْنا، وخلَقْنا وقضَيْنا. فيقولون: لو كان واحدًا ما قال إلا: فعلتُ وأمَرْتُ وقضَيْتُ وخَلَقْتُ، ولكنّه هو، وعيسى، ومريمُ. ففي كلِّ ذلك من قولِهم قد نزَل القرآنُ، وذكَر اللهُ لنبيِّه ﷺ فيه قولَهم، فلمّا كلَّمه الحَبْرانِ، قال لهما رسولُ اللهِ ﷺ: "أسْلِما". قالا: قد أسلَمْنا. قال: "إنَّكما لم تُسْلِما، فأسْلِما". قالا: بلى، قد أسلَمْنا قبلَك.
QS 3:2-140 (jilid 5 hlm. 173) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 5 · hlm. 173 · #55661
م، فلمّا كلَّمه الحَبْرانِ، قال لهما رسولُ اللهِ ﷺ: "أسْلِما". قالا: قد أسلَمْنا. قال: "إنَّكما لم تُسْلِما، فأسْلِما". قالا: بلى، قد أسلَمْنا قبلَك. قال: "كَذَبْتُمَا، يَمْنَعُكُما مِن الإِسلامِ دعاؤُكما للهِ ﷿ وَلَدًا، وعبادَتُكما الصَّليب، وأكْلُكما الخِنزِيرَ". قالا: فمن أبوه يا محمدُ؟ فصمَت رسولُ اللهِ ﷺ عنهما فلم يُجِبْهما، فأنزل اللهُ في ذلك من قولِهم، واختلافِ أمرِهم كلِّه، صدرَ سورةِ "آلِ عمرانَ" إلى بضْعٍ وثمانين آيةً منها، فقال: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾.
QS 3:2-140 (jilid 5 hlm. 174) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 5 · hlm. 174 · #55662
ك من قولِهم، واختلافِ أمرِهم كلِّه، صدرَ سورةِ "آلِ عمرانَ" إلى بضْعٍ وثمانين آيةً منها، فقال: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾. فافتتح السورةَ بتَبْرِئتِه نفسَه ﵎ مما قالوا، وتوحيدِه إيّاها بالخلقِ والأمرِ، لا شريكَ له فيه؛ ردًّا عليهم ما ابتدَعوا من الكفرِ، وجعَلوا معه من الأندادِ، واحتجاجًا عليهم بقولِهم في صاحبِهم، ليُعَرِّفَهم بذلك ضَلالتَهم، فقال: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ أي ليس معه شريكٌ في أمرِه. حدَّثني المثنَّى، قال: حدَّثنا إسحاقُ، قال: حدَّثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرَّبيع في قولِه: ﴿الم (١) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾. قال: إن النَّصارَى أتَوْا رسولَ اللهِ ﷺ فخاصَمُوه في عيسى ابن مريمَ، وقالوا له: من أبوه؟ وقالوا على اللهِ الكَذِبَ والبُهْتانَ - لا إلهَ إلا هو، لم يَتَّخِذْ صاحبةً ولا ولدًا - فقال لهم النبيُّ ﷺ: "ألستُم تَعْلَمُون أنَّه لا يكونُ وَلَدٌ إلا وهو يُشْبِهُ أباه؟ ". قالوا: بلى.
QS 3:2-140 (jilid 5 hlm. 174) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 5 · hlm. 174 · #55663
- لا إلهَ إلا هو، لم يَتَّخِذْ صاحبةً ولا ولدًا - فقال لهم النبيُّ ﷺ: "ألستُم تَعْلَمُون أنَّه لا يكونُ وَلَدٌ إلا وهو يُشْبِهُ أباه؟ ". قالوا: بلى. قال: "ألستُم تَعْلَمُونَ أَنَّ ربَّنا حيٌّ لا يموتُ، وأنَّ عيسى يأتى عليه الفناءُ؟ ". قالوا: بلى. قال: "ألستُم تَعْلَمُون أَنَّ ربَّنا قَيِّمٌ على كلِّ شيءٍ، يَكْلَؤُه ويَحْفَظُه ويَرْزُقُه؟ ". قالوا: بلى. قال: "فهل يَمْلِكُ عيسى من ذلك شيئًا؟ ". قالوا: لا. قال: "أفلستُم تَعْلَمُونَ أَنَّ الله ﷿ لا يَخْفَى عليه شيءٌ في الأرضِ ولا في السماءِ؟ ". قالوا: بلى. قال: "فهل يعلَمُ عيسى من ذلك شيئًا إلا ما عُلِّمَ؟ ". قالوا: لا. قال: "فَإِنَّ رَبَّنَا صَوَّرَ عيسى في الرَّحِمِ كيف شاء". قال: "ألستُم تَعْلَمون أنَّ ربَّنَا لا يَأْكُلُ الطعامَ، ولا يَشْرَبُ الشَّرابَ، ولا يُحْدِثُ الحَدَثَ؟ ". قالوا: بلى.
QS 3:2-140 (jilid 5 hlm. 174) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 5 · hlm. 174 · #55664
رَ عيسى في الرَّحِمِ كيف شاء". قال: "ألستُم تَعْلَمون أنَّ ربَّنَا لا يَأْكُلُ الطعامَ، ولا يَشْرَبُ الشَّرابَ، ولا يُحْدِثُ الحَدَثَ؟ ". قالوا: بلى. قال: "ألستم تَعْلَمُون أَنَّ عيسى حَمَلَتْه امرأةٌ كما تَحْمِلُ المرأةُ، ثم وَضَعَتْه كما تَضَعُ المرأةُ وَلَدَها، ثم غُذِّيَ كما يُغَذَّى الصبيُّ، ثم كان يَطْعَمُ الطعامَ، ويَشرَبُ الشَّرابَ، ويُحْدِثُ الحَدَثَ؟ ". قالوا: بلى. قال: "فكيف يكونُ هذا كما زعمتُم؟ ". قال: فعرَفوا ثم أبَوْا إِلا جُحُودًا، فأنزل اللهُ ﷿: ﴿الم (١) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾.
QS 3:7 (jilid 5 hlm. 188) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 5 · hlm. 188 · #55690
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾. يَعنى بقولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ﴾ أن الله الذي لا يَخْفَى عليه شيءٌ في الأرضِ ولا في السماءِ هو الذي أنزَل عليك الكتابَ. يَعنى بالكتابِ القرآنَ. وقد أتَيْنا على البيانِ فيما مضَى عن السببِ الذي من أجلِه سُمِّىَ القرآنُ كتابًا، بما أغْنَى عن إعادته في هذا الموضعِ. وأما قولُه: ﴿مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ﴾. فإنه يَعنى: من الكتابِ آياتٌ. يَعنِي بالآياتِ آياتِ القرآنِ.
QS 3:7 (jilid 5 hlm. 188) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 5 · hlm. 188 · #55691
نُ كتابًا، بما أغْنَى عن إعادته في هذا الموضعِ. وأما قولُه: ﴿مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ﴾. فإنه يَعنى: من الكتابِ آياتٌ. يَعنِي بالآياتِ آياتِ القرآنِ. وأمَّا المحكماتُ، فإنهنَّ اللواتي قد أُحْكمْنَ بالبيانِ والتفصيلِ، وأُثْبِتَتْ حُجَجهنَّ وأدلَّتُهنَّ على ما جُعِلْنَ أدلّةً عليه؛ من حلالٍ وحرامٍ، ووعدٍ ووعيدٍ، وثوابٍ وعقابٍ، وأمرٍ وزَجْرٍ، وخبرٍ ومَثَلٍ، وعِظَةٍ وعِبَر، وما أشبهَ ذلك. ثم وصَف جلَّ ثناؤُه هؤلاء الآياتِ المحكماتِ بأنهنَّ أُمُّ الكتابِ، يَعْنى بذلك أنهنَّ أصلُ الكتابِ الذي فيه عمادُ الدينِ والفرائضُ والحدودُ، وسائرُ ما بالخلْقِ إليه الحاجةُ من أمرِ دينِهم، وما كُلِّفُوا من الفرائضِ [والحدودِ، وسائرِ ما يحتاجون إليه] في عاجلِهم وآجلِهم، وإنما سَمّاهنَّ أُمَّ الكتابِ لأنهنَّ مُعْظَمُ الكتابِ، ومَوضِعُ مَفْزَعِ أهلِه عندَ الحاجةِ إليه، وكذلك تفعلُ العرب، تُسَمِّى الجامعَ مُعْظَمَ الشيءِ أمًّا له، فتُسَمِّي رايةَ القومِ التي تجمعُهم في العساكرِ أمَّهم، والمُدَبِّرَ مُعْظَمَ
QS 3:7 (jilid 5 hlm. 189) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 5 · hlm. 189 · #55692
اجةِ إليه، وكذلك تفعلُ العرب، تُسَمِّى الجامعَ مُعْظَمَ الشيءِ أمًّا له، فتُسَمِّي رايةَ القومِ التي تجمعُهم في العساكرِ أمَّهم، والمُدَبِّرَ مُعْظَمَ أمرِ القريةِ والبلدةِ أمَّها. وقد بَيَّنَّا ذلك فيما مضَى بما أَغْنَى عن إعادتِه. ووحَّد ﴿أُمُّ الْكِتَابِ﴾، ولم يَجْمَع فيقولُ: هنَّ أمَّهاتُ الكتابِ. وقد قال: ﴿هُنَّ﴾؛ لأنَّه أراد: جميعُ الآياتِ المُحْكَماتِ أمُّ الكتابِ. لا أنَّ كلَّ آيةٍ منهنَّ أمُّ الكتابِ، ولو كان معنى ذلك أن كلَّ آية منهنَّ أمُّ الكتابِ، لكان لا شكَّ قد قِيل: هنّ أمّهاتُ الكتابِ. ونظيرُ قولِ اللهِ ﷿: ﴿هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ - على التأويلِ الذي قلْنا في توحيدِ الأُمِّ، وهى خبرٌ [لِـ ﴿هُنَّ﴾] - قولُه تعالى ذكره: ﴿وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً﴾ [المؤمنون: ٥٠]. ولَم يقُلْ: آيتَيْن. لأنَّ معناه: وجَعَلْنا جميعَهما آيةً.
QS 3:7 (jilid 5 hlm. 189) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 5 · hlm. 189 · #55693
﴿هُنَّ﴾] - قولُه تعالى ذكره: ﴿وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً﴾ [المؤمنون: ٥٠]. ولَم يقُلْ: آيتَيْن. لأنَّ معناه: وجَعَلْنا جميعَهما آيةً. إذ كان المعنى [واحدًا فيما جيلا] فيه للخَلْقِ عبرةً، ولو كان مرادُه الخبرَ عن كلِّ واحدٍ منهما على انفرادِه بأنه جُعِل للخَلْق عبرةً، لقيل: وجعَلْنا ابنَ مريمَ وأمَّه آيتَين. لأنَّه قد كان في كلِّ واحدٍ منهما لهم عِبرةٌ؛ وذلك أن مريمَ ولَدتْ من غيرِ رجلٍ، ونطَق ابنُها، فتكلَّم في المهدِ صبيًّا، فكان في كلِّ واحدٍ منهما للناسِ آيةٌ. وقد قال بعضُ نحويِّى البصرةِ: إنما قيل: ﴿هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ﴾. ولم يقُلْ: هنّ أمهاتُ الكتابِ. على وجهِ الحكايةِ، كما يقولُ الرجلُ: ما لي أنصارٌ. فتقولُ: أنا أنصارُك، أو: ما لي نظيرٌ. فتقولُ: نحن نظيرُك. قال: وهو شَبيهُ: دَعْنى مِن تمرتان.
QS 3:7 (jilid 5 hlm. 190) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 5 · hlm. 190 · #55694
ابِ. على وجهِ الحكايةِ، كما يقولُ الرجلُ: ما لي أنصارٌ. فتقولُ: أنا أنصارُك، أو: ما لي نظيرٌ. فتقولُ: نحن نظيرُك. قال: وهو شَبيهُ: دَعْنى مِن تمرتان. وأنشد لرجلٍ من فَقْعَسٍ: تَعَرَّضَتْ لي [بمكانِ حَلِّ] … تَعَرُّضَ المُهرَةِ في الطِّوَلِّ تَعَرُّضًا لم تَأْلُ عَنْ [قَتْلًا لى] [قتلًا لى]، يَحْكِي به على الحكايةِ؛ لأنه كان منصوبًا قبل ذلك، كما يقولُ: نُودِيَ: الصلاةَ الصلاةَ، يَحْكي قولَ القائلِ: الصلاةَ الصلاةَ. وقال: قال بعضُهم: إنما هي: أَنْ قَتْلًا لى. ولكنّه جعَله "عينًا"؛ لأنَّ "أنْ" في لغتِه تُجعَلُ موضعَها "عن"، والنصبُ على الأمرِ، كأنك قلتَ: ضربًا لزيدٍ. وهذا قولٌ لا معنَى له؛ لأنَّ كلَّ هذه الشَّواهدِ التي استشْهدها، لا شكَّ أنهنَّ حكاياتُ حاكيهنَّ بما حَكَى عن قولِ غيرِه وألفاظِه التي نطَق بهنَّ، وأن معلومًا أن الله جلَّ ثناؤُه لم يَحْكِ عن أحدٍ قولَه: أمُّ الكتابِ.
QS 3:7 (jilid 5 hlm. 191) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 5 · hlm. 191 · #55695
شكَّ أنهنَّ حكاياتُ حاكيهنَّ بما حَكَى عن قولِ غيرِه وألفاظِه التي نطَق بهنَّ، وأن معلومًا أن الله جلَّ ثناؤُه لم يَحْكِ عن أحدٍ قولَه: أمُّ الكتابِ. فيجوزَ أن يقالَ: أَخْرَج ذلك مُخْرَجَ الحكايةِ عمَّن قال ذلك كذلك. وأمّا قولُه: ﴿وَأُخَرُ﴾ فإنها جمعُ أُخْرَى. ثم اختلَف أهلُ العربيةِ في العلَّةِ التي من أجلِها لم يُصْرَفْ "أُخَرُ"؛ فقال بعضُهم: لم يُصْرَفْ "أُخَرُ"، من أجلِ أنها نَعْتٌ، واحدتُها "أُخْرَى"، كما لم تُصْرَفْ جُمَعُ" و "كُتَعُ"؛ لأنهنَّ نُعوتٌ. وقال آخرون: إنما لم تُصْرَف "الأُخَرُ"، لزيادةِ الياءِ التي في واحدتِها، وأن جَمْعَها مبنيٌّ على واحدِها في تركِ الصرفِ.
QS 3:7 (jilid 5 hlm. 191) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 5 · hlm. 191 · #55696
و "كُتَعُ"؛ لأنهنَّ نُعوتٌ. وقال آخرون: إنما لم تُصْرَف "الأُخَرُ"، لزيادةِ الياءِ التي في واحدتِها، وأن جَمْعَها مبنيٌّ على واحدِها في تركِ الصرفِ. قالوا: وإنما تُرِكَ صرفُ "أُخْرَى"، كما تُرِك صرفُ "حمراءَ" و "بيضاءَ" في النكرةِ والمعرفةِ؛ لزيادةِ المدَّةِ فيها والهمزةِ بالواوِ، ثم افترَق جمعُ "حمراءَ" و "أُخْرَى"، فبُنَي جمعُ "أُخرى" على واحدتِه، فقيل: فُعَلُ "أُخَرُ"، فتُرِك صرفُها كما تُرِك صرفُ "أخرى"، وبُنِيَ جمعُ "حمراءَ" و "بيضاءَ" على خلافِ واحدتِه، فصُرِف، فقيل: حُمْرٌ وبِيضٌ. فلاختلافِ حالتَيْهما في الجمعِ، اختلَف إعرابُهما عندهم في الصرفِ، ولاتِّفاق حالتَيْهما في الواحدةِ، اتفقتْ حالتاهما فيها. وأمّا قولُه: ﴿مُتَشَابِهَاتٌ﴾. فإنَّ معناه: متشابهاتٌ في التلاوةِ، مختلِفاتٌ في المعنىَ، كما قال جلَّ ثناؤُه: ﴿وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا﴾ [البقرة: ٢٥]. يعني: في المَنْظَرِ، مختلفًا في المَطْعَم.
QS 3:7 (jilid 5 hlm. 192) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 5 · hlm. 192 · #55697
شابهاتٌ في التلاوةِ، مختلِفاتٌ في المعنىَ، كما قال جلَّ ثناؤُه: ﴿وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا﴾ [البقرة: ٢٥]. يعني: في المَنْظَرِ، مختلفًا في المَطْعَم. وكما قال مُخبِرًا عمَّن أخبر عنه من بني إسرائيلَ أنه قال: ﴿إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا﴾ [البقرة: ٧٠]. يعنون بذلك: تشابهَ علينَا في الصفة وإنِ اختلَفتْ أنواعُه. فتأويلُ الكلامِ إذنْ: إن الذي لا يَخْفَى عليه شيءٌ في الأرضِ ولا في السماءِ، هو الذي أنزَل عليك يا محمدُ القرآنَ، ﴿مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ﴾ بالبيانِ، هنَّ أَصلُ الكتابِ الذي عليه عمِادُك وعِمادُ أُمَّتِك في الدِّينِ، وإليه مَفْزَعُك ومَفْزَعُهم فيما افترضْتُ عليك وعليهم مِن شرائعِ الإسلامِ، وآياتٌ أُخَرُهِنَّ متشابهاتٌ في التلاوةِ، مختلِفاتٌ في المعاني. وقد اختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ قولِه: ﴿مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾. وما المُحْكَمُ من آي الكتاب؟ وما المتشابهُ منه؟
QS 3:7 (jilid 5 hlm. 192) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 5 · hlm. 192 · #55698
التأويلِ في تأويلِ قولِه: ﴿مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾. وما المُحْكَمُ من آي الكتاب؟ وما المتشابهُ منه؟ فقال بعضُهم: المُحْكماتُ مِن آيِ القرآن: المعمولُ بهنَّ، وهنَّ الناسخاتُ، أو المُثْبتَاتُ الأحكامِ، والمتشابهاتُ من آيهِ: المتروكُ العملُ بهنَّ المنسوخاتُ. ذكرُ من قال ذلك حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هُشَيمٌ، قال: أخبَرنا العوَّامُ، عمَّن حدَّثَه، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ﴾ قال: هي الثلاثُ الآياتِ التي ههنا ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾ [الأنعام: ١٥١] إلى ثلاثِ آياتٍ، والتي في بني إسرائيلَ ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء:٢٣] إلى آخرِ الآياتِ.
QS 3:7 (jilid 5 hlm. 193) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 5 · hlm. 193 · #55699
ْ عَلَيْكُمْ﴾ [الأنعام: ١٥١] إلى ثلاثِ آياتٍ، والتي في بني إسرائيلَ ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء:٢٣] إلى آخرِ الآياتِ. حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: [ثنا معاويةُ بنُ صالحٍ]، عن عليٍّ بن أبي طلحةَ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ﴾: المحكماتُ: ناسخُه، وحلالُه، وحرامُه، وحُدُودُه، وفرائضُه، وما يُؤْمَنُ به ويُعْمَلُ به. به قال: ﴿وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾: والمتشابهاتُ منسوخُه، ومُقدَّمُه، ومُؤخَّرُه، وأمثالُه، وأقسامُه، وما يُؤْمَنُ به ولا يُعْمَلُ به. حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ﴾ إلى ﴿وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾: فالمُحْكَماتُ التي هي أمُّ الكتابِ: الناسخُ الذي يُدانُ به ويُعْمَلُ به، والمتشابهاتُ: هنّ المنسوخاتُ التي لا يُدانُ بهنَّ.
QS 3:7 (jilid 5 hlm. 194) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 5 · hlm. 194 · #55700
﴿وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾: فالمُحْكَماتُ التي هي أمُّ الكتابِ: الناسخُ الذي يُدانُ به ويُعْمَلُ به، والمتشابهاتُ: هنّ المنسوخاتُ التي لا يُدانُ بهنَّ. حدَّثني موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ في خبرٍ ذكَره عن أبي مالكٍ، وعن أبي صالحٍ، عن ابن عباسٍ، وعن مُرَّةَ الهَمْدانيِّ، عن ابن مسعودٍ، وعن ناسٍ من أصحابِ النبيِّ ﷺ: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ إلى قولِه: ﴿كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾: أما الآياتُ المُحَكَماتُ، فهنّ الناسخاتُ التي يُعْمَلُ بهنّ، وأما المتشابهاتُ، فهنَّ المنسوخاتُ. حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ﴾: والمُحْكَماتُ: الناسخُ الذي يُعْمَلُ به ما أحلَّ اللهُ فيه حلالَه، وحرَّم فيه حرامَه، وأمَّا المتشابهاتُ: فالمنسوخُ الذي لا يُعْمَلُ به ويُؤْمَنُ به.
QS 3:7 (jilid 5 hlm. 194) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 5 · hlm. 194 · #55701
والمُحْكَماتُ: الناسخُ الذي يُعْمَلُ به ما أحلَّ اللهُ فيه حلالَه، وحرَّم فيه حرامَه، وأمَّا المتشابهاتُ: فالمنسوخُ الذي لا يُعْمَلُ به ويُؤْمَنُ به. حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أَخبرنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ﴾ قال: المُحْكَمْ: ما يُعْمَلُ به. حدَّثنا المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرَّبيع: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ قال: المُحْكَماتُ: الناسخُ الذي يُعْمَلُ به، والمتشابهاتُ: المنسوخُ الذي لا يُعْمَلَ به، ويُؤْمَنُ به حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا هُشَيمٌ، عن جُويبرٍ، عن الضَّحَّاكِ في قولِه: ﴿آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ الله قال: الناسخاتُ.
QS 3:7 (jilid 5 hlm. 195) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 5 · hlm. 195 · #55702
ي المُثَنَّى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا هُشَيمٌ، عن جُويبرٍ، عن الضَّحَّاكِ في قولِه: ﴿آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ الله قال: الناسخاتُ. ﴿وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ قال: ما نُسِخ وتُرِك يُتْلَى. حدَّثني ابن وَكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن سلمةَ بن نُبَيْطٍ، عن الضَّحَّاكِ بن مُزاحِمٍ، قال: المُحْكَمُ ما لم يُنْسَخُ، وما تشابهَ منه: ما نُسِخ. حدَّثني يحيى بنُ أبى طالبٍ، قال: أخبَرنا يزيدُ، قال: أخبَرنا جويبرٌ، عن الضّحّاكِ في قولِه: ﴿آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ قال: الناسخُ ﴿وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ قال: المنسوخ. حُدِّثْتُ عن الحسينِ بن الفرجِ، قال: سمعْتُ أبا مُعاذٍ يحدِّثُ، قال: أخبَرنا عُبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمعتُ الضّحّاكَ يقولُ في قولِه: ﴿مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ﴾ يَعنى الناسخَ الذي يُعْمَلُ به ﴿وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾، يَعنى المنسوخَ، يُؤْمَنُ به ولا يُعْمَلُ به. حدَّثني أحمدُ بنُ حازمٍ، قال: ثنا أبو نُعيمٍ، قال: ثنا سلَمةُ، عن الضّحّاكِ:
QS 3:7 (jilid 5 hlm. 196) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 5 · hlm. 196 · #55703
ه ﴿وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾، يَعنى المنسوخَ، يُؤْمَنُ به ولا يُعْمَلُ به. حدَّثني أحمدُ بنُ حازمٍ، قال: ثنا أبو نُعيمٍ، قال: ثنا سلَمةُ، عن الضّحّاكِ: ﴿مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ﴾ قال: ما لم يُنسَخْ، ﴿وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ قال: ما قد نُسِخ. وقال آخرون: المُحْكَماتُ من أيِ الكتابِ ما أحكمَ اللهُ فيه بيانَ حلالِه وحرامِه، والمتشابِهُ منها ما أَشبَه بعضُه بعضًا في المعاني، وإن اختلَفتْ ألفاظُه. ذكرُ من قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ﴾: ما فيه من الحلالِ والحرامِ، وما سوى ذلك، فهو متشابهٌ يُصَدِّقُ بعضُه بعضًا، وهو مثلُ قولِه: ﴿وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ﴾ [البقرة: ٢٦]. ومثلُ قولِه: ﴿كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام: ١٢٥].
QS 3:7 (jilid 5 hlm. 196) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 5 · hlm. 196 · #55704
ا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ﴾ [البقرة: ٢٦]. ومثلُ قولِه: ﴿كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام: ١٢٥]. ومثلُ قولِه: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ﴾ [محمد: ١٧]. حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه. وقال آخرون: المُحْكَماتُ من آيِ الكتابِ ما لم يَحْتَمِلُ من التأويلِ غيرَ وجهٍ واحدٍ؛ والمتشابهُ منها: ما احتمَل من التأويلِ أوجهًا. ذكرُ مَن قال ذلك
QS 3:7 (jilid 5 hlm. 197) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 5 · hlm. 197 · #55705
وقال آخرون: المُحْكَماتُ من آيِ الكتابِ ما لم يَحْتَمِلُ من التأويلِ غيرَ وجهٍ واحدٍ؛ والمتشابهُ منها: ما احتمَل من التأويلِ أوجهًا. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سلَمةُ، عن محمدِ بن إسحاق، قال: ثنى محمدُ بن جعفرِ بن الزُّبيرِ: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ﴾: فيهِنَّ الله حُجَّةُ الرَّبِّ، وعِصْمةُ العبادِ، ودفعُ الخصومِ والباطلِ، ليس لها تَصْرِيفٌ ولا تَحْريفٌ عما وُضِعتْ عليه، ﴿وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ في الصِّدْقِ، لهنَّ تصريفٌ وتحريفٌ وتأويلٌ، ابتَلَى اللهُ فيهنَّ العبادَ، كما ابتلاهم في الحلالِ والحرامِ، لا يُصَرَّفْنَ إلى الباطلِ ولا يُحرِّفَنَ عن الحقِّ. وقال آخرون: معنى المُحْكَم ما أَحْكَم اللهُ فيه مِن أي القرآنِ، وقَصَصِ الأممِ ورسلِهم الذين أُرْسِلُوا إليهم، ففَصَّله ببيانِ ذلك لمحمدٍ وأُمَّتِه.
QS 3:7 (jilid 5 hlm. 197) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 5 · hlm. 197 · #55706
وقال آخرون: معنى المُحْكَم ما أَحْكَم اللهُ فيه مِن أي القرآنِ، وقَصَصِ الأممِ ورسلِهم الذين أُرْسِلُوا إليهم، ففَصَّله ببيانِ ذلك لمحمدٍ وأُمَّتِه. والمتشابهُ هو ما اشْتَبَهتِ الألفاظُ به من قِصَصِهم، عندَ التكريرِ في السور، بقصِّه باتفاقِ الألفاظِ واختلافِ المعانى، وبقصَّه باختلافِ الألفاظِ واتفاقِ المعاني. ذكرُ من قال ذلك حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيدٍ وقرَأ: ﴿الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ [هود: ١] قال: وذكر حديثَ رسولِ اللهِ ﷺ في أربعٍ وعشرين آيةً منها، وحديثَ نوحٍ في أربعٍ وعشرين آيةً منها، ثم قال: ﴿تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ﴾ [هود: ٤٩]، ثم ذكر: ﴿وَإِلَى عَادٍ﴾ [هود: ٥٠] فقرَأ حتى بلَغ ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ﴾، ثم مضَى، ثم ذكَر صالحًا وإبراهيم ولوطًا وشعيبًا، وفرغ من ذلك، وهذا يقينٌ، ذلك يقينُ ﴿أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ﴾.
QS 3:7 (jilid 5 hlm. 198) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 5 · hlm. 198 · #55707
﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ﴾، ثم مضَى، ثم ذكَر صالحًا وإبراهيم ولوطًا وشعيبًا، وفرغ من ذلك، وهذا يقينٌ، ذلك يقينُ ﴿أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ﴾. قال: والمتشابِهُ ذكر موسى في أمكنةٍ كثيرةٍ، وهو متشابِهٌ، وهو كلُّه معنًى واحدٌ، [وهو مُتشابهٌ]: ﴿فَاسْلُكْ فِيهَا﴾ [المؤمنون: ٢٧]، ﴿احْمِلْ فِيهَا﴾ [هود: ٤٠]، ﴿اسْلُكْ يَدَكَ﴾ [القصص: ٣٢]، ﴿وَأَدْخِلْ يَدَكَ﴾ [النمل: ١٢] ﴿حَيَّةٌ تَسْعَى﴾ [طه: ٢٠]، ﴿ثُعْبَانٌ مُبِينٌ﴾ [الشعراء: ٣٢]. قال: ثم ذكر هُودًا في عشرِ آياتٍ منها، وصالحًا في ثماني آياتٍ منها، وإبراهيمَ في ثماني آياتٍ أُخْرَى، ولوطًا في ثمانِي آياتٍ منها، وشعيبًا في ثلاثَ عشرةَ آيةً، وموسى في أربعِ آياتٍ، كلُّ هذا يَقْضِى بين الأنبياءِ وبين قومِهم في هذه السورةِ، فانتهى ذلك إلى مائةِ آيةٍ من سورة هودٍ، ثم قال: ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْقُرَى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْهَا قَائِمٌ وَحَصِيدٌ﴾ [هود: ١٠٠].
QS 3:7 (jilid 5 hlm. 198) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 5 · hlm. 198 · #55708
ذه السورةِ، فانتهى ذلك إلى مائةِ آيةٍ من سورة هودٍ، ثم قال: ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْقُرَى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْهَا قَائِمٌ وَحَصِيدٌ﴾ [هود: ١٠٠]. وقال في المتشابِهِ من القرآنِ: مَن يُرِدِ اللَّهُ به البلاءَ والضّلالةَ يقولُ: ما شأنُ هذا [لا يكون هكذا] وما شأنُ هذا لا يكونُ هكذا؟ وقال آخرون: بل المُحْكَمُ من آي القرآنِ ما عرَف العلماءُ تأويلَه، وفَهِمُوا معناه وتفسيرَه. والمتشابِهُ ما لم يكنْ لأحدٍ إلى علمِه سبيلٌ مما اسْتَأْثَرَ اللهُ بعلمِه دونَ خلقِه، وذلك نحوُ الخبرِ عن وقتِ مَخْرَجِ عيسى ابن مريمَ، ووقتِ طلوعِ الشمسِ من مغرِبِها، وقيامِ الساعةِ، وفناءِ الدنيا، وما أشبهَ ذلك، فإن ذلك لا يَعْلَمُه أحدٌ.
QS 3:7 (jilid 5 hlm. 199) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 5 · hlm. 199 · #55709
نحوُ الخبرِ عن وقتِ مَخْرَجِ عيسى ابن مريمَ، ووقتِ طلوعِ الشمسِ من مغرِبِها، وقيامِ الساعةِ، وفناءِ الدنيا، وما أشبهَ ذلك، فإن ذلك لا يَعْلَمُه أحدٌ. وقالوا: إنما سَمَّى اللَّهُ من أيِ الكتابِ المتشابهَ الحروفَ المقطَّعة التي في أوائلِ بعضِ سورِ القرآنِ، من نحوِ ﴿لم]، و ﴿المص﴾ [الأعراف: ١]، و ﴿الر﴾ [الرعد: ١] و ﴿الر﴾ وما أشْبَه ذلك؛ لأنهنَّ متشابهاتٌ في الألفاظِ، وموافقاتٌ حروفَ حسابِ الجُمَّلِ، وكان قومٌ من اليهودِ على عهدِ رسولِ اللهِ ﷺ طمِعوا أَن يُدْرِكُوا مِن قِبَلها معرفةَ مدةِ الإسلامِ وأهلِه، ويَعْلَمُوا نهايةً أُكْلِ محمدٍ وأُمَّتِه، فأَكذَبَ اللهُ أُحْدوثَتهم بذلك، وأَعلَمهم أن ما ابْتَغَوْا علمه من ذلك من قِبَلِ هذه الحروفِ المتشابهةِ لا يُدْرِكُونه، ولا مِن قِبَلِ غيرِها، وأن ذلك لا يَعلمُه إلا اللهُ.
QS 3:7 (jilid 5 hlm. 199) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 5 · hlm. 199 · #55710
هم بذلك، وأَعلَمهم أن ما ابْتَغَوْا علمه من ذلك من قِبَلِ هذه الحروفِ المتشابهةِ لا يُدْرِكُونه، ولا مِن قِبَلِ غيرِها، وأن ذلك لا يَعلمُه إلا اللهُ. وهذا قولٌ ذُكر عن جابرِ بن عبدِ اللهِ بن رِئابٍ أن هذه الآيةَ نزَلتْ فيه، وقد ذكَرْنا الروايةَ بذلك عنه وعن غيرِه ممن قال نحوَ مقالتِه في تأويلِ ذلك في تفسيرِ قولِه: ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ [البقرة: ١، ٢]. وهذا القولُ الذي ذكَرْناه عن جابر بن عبدِ اللهِ أشبه بتأويلِ الآيةِ، وذلك أَنَّ جميعَ ما أَنزلَ اللهُ ﷿ من آيِ القرآنِ على رسولِه ﷺ فإنّما أنزَله عليه بيانًا له ولأمتِه، وهدًى للعالمين، وغيرُ جائزٍ أن يكونَ فيه ما لا حاجةَ بهم إليه، ولا أن يكونَ فيه ما بهم إليه الحاجةُ، ثم لا يكونَ لهم إلى علمِ تأويلِه سبيلٌ.
QS 3:7 (jilid 5 hlm. 199) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 5 · hlm. 199 · #55711
ولأمتِه، وهدًى للعالمين، وغيرُ جائزٍ أن يكونَ فيه ما لا حاجةَ بهم إليه، ولا أن يكونَ فيه ما بهم إليه الحاجةُ، ثم لا يكونَ لهم إلى علمِ تأويلِه سبيلٌ. فإذ كان ذلك كذلك، فكلُّ ما فيه لخلقِه إليه الحاجةُ، وإن كان في بعضِه ما بهم عن بعضِ معانيه الغِنَى، وإن اضْطَرَّتْه الحاجةُ إليه في معانٍ كثيرةٍ، وذلك كقولِ اللهِ ﷿: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ [الأنعام: ١٥٨].
QS 3:7 (jilid 5 hlm. 200) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 5 · hlm. 200 · #55712
يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ [الأنعام: ١٥٨]. فأَعلمَ النبيُّ ﷺ أُمَّتَه أن تلك الآيةَ التي أخبرَ الله جلَّ ثناؤُه عباده أنها إذا جاءتْ لم يَنْفَعْ نفسًا إيمانُها لم تكنْ آمنتُ من قبلِ ذلك، هي طلوعُ الشمسِ من مغرِبيها، فإنَّ الذي كانت بالعبادِ إليه الحاجةُ من علمِ ذلك هو العلمُ منهم بوقتِ نفعِ التوبةِ بصفتِه، بغيرِ تحديدِه [بعدِّ السنينَ] والشهورِ والأيامِ، فقد بيَّن اللهُ ذلك لهم بدَلالةِ الكتابِ، وأوضَحه لهم على لسانِ رسولِه ﷺ مفسَّرًا، والذي لا حاجةَ بهم إلى علمِه منه هو العلمُ بمقدارِ المدةِ التي بين وقتِ نزولِ هذه الآية، ووقتِ حدوثِ تلك الآيةِ، فإن ذلك مما لا حاجةَ بهم إلى علمِه في دينٍ ولا، دنيا، وذلك هو العلمُ الذي استأثَر اللهُ جلَّ ثناؤُه به دونَ خلقِه، فحجَبه عنهم، وذلك وما أَشبهَه هو المعنى الذي طلَبتِ اليهودُ معرفتَه في مدةِ محمدٍ ﷺ وأُمَّتِه من قِبَلِ قولِه: ﴿لم﴾، ﴿المص﴾،
QS 3:7 (jilid 5 hlm. 200) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 5 · hlm. 200 · #55713
لَّ ثناؤُه به دونَ خلقِه، فحجَبه عنهم، وذلك وما أَشبهَه هو المعنى الذي طلَبتِ اليهودُ معرفتَه في مدةِ محمدٍ ﷺ وأُمَّتِه من قِبَلِ قولِه: ﴿لم﴾، ﴿المص﴾، و ﴿الر﴾، و ﴿المر﴾، ونحوِ ذلك من الحروفِ المقطَّعةِ المتشابهاتِ، التي أخبرَ اللهُ، جلّ ثناؤُه، أنهم لا يُدْرِكون تأويلَ ذلك من قِبَلِه، وأنه لا يَعلَمُ تأويلَه إلا الله. فإذ كان المتشابِهُ هو ما وصفْنا، فكلُّ ما عدَاه فمُحْكَمٌ؛ لأنه لن يخلُوَ من أن يكونَ مُحْكَمًا، بأنه بمعنًى واحدٍ، لا تأويلَ له غير تأويل واحدٍ، وقد استُغْنىَ بسماعِه عن بيانِ مُبيِّنه، [أو يكونَ مُحْكَمًا]، وإن كان ذا وجوهٍ وتأويلاتٍ وتَصَرُّفٍ في معانٍ كثيرةٍ، بالدّلالةِ على المعنى المرادِ منه، إما من بيانِ اللَّهِ تعالى ذكرُه عنه، أو بيانِ رسولِه ﷺ الأُمّته، ولن يذهَبَ علمُ ذلك عن علماءِ الأُمَّةِ؛ لما قد بَيَّنَا.
QS 3:7 (jilid 5 hlm. 201) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 5 · hlm. 201 · #55714
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ﴾. قد أتيْنا على البيانِ عن تأويلِ ذلك، بالدَّلالة الشاهدةِ على صحةِ ما قلْنا فيه، ونحن ذاكرُو اختلافِ أهل التأويل فيه، وذلك أنهم اختلَفوا في تأويلِه؛ فقال بعضُهم: معنى قولِه: ﴿هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ﴾: هنّ الآىُ فيهنَّ الفرائضُ والحدودُ والأحكامُ. نحوَ قولِنا الذي قلْنا فيه. ذكرُ من قال ذلك حدَّثنا عِمْرانُ بن موسى القزَّازُ، قال: ثنا عبدُ الوارثِ بنُ سعيدٍ، قال: ثنا إسحاقُ بن سُوَيدٍ، عن يحيى بن يَعْمَرَ أنه قال في هذه الآيةِ: ﴿مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ قال يحيى: هنَّ اللاتى فيهنَّ الفرائضُ والحدودُ وعمادُ الدينِ. وضرَب لذلك مَثلًا، فقال: أُمُّ القُرَى مَكَةُ، وأُمُّ خُراسانَ مَرْوُ، وأُمُّ المسافِرِين الذي يَجْعَلُون إليه أمرَهم، ويُعْنَى بهم في سفرِهم.
QS 3:7 (jilid 5 hlm. 201) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 5 · hlm. 201 · #55715
لدينِ. وضرَب لذلك مَثلًا، فقال: أُمُّ القُرَى مَكَةُ، وأُمُّ خُراسانَ مَرْوُ، وأُمُّ المسافِرِين الذي يَجْعَلُون إليه أمرَهم، ويُعْنَى بهم في سفرِهم. قال: فذاك أُمُّهم. حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ قال: هنَّ جماعُ الكتاب. وقال آخرون: بل يَعنى بذلك فواتح السورِ التي منها يُسْتَخْرَجُ القرآنُ. ذكرُ من قال ذلك حدَّثنا عِمْرانُ بنُ موسى، قال: ثنا عبدُ الوارثِ بنُ سعيدٍ، قال: ثنا إسحاقُ بنُ سُويدٍ، عن أبي فاخِتةَ أنه قال في هذه الآيةِ: ﴿مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ قال: أمُّ الكتابِ فواتحُ السور، منها يُسْتَخْرَجُ القرآنُ ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ منها اسْتُخْرِجَتِ "البقرة"، ﴿الم (١) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ منها اسْتُخْرِجَتْ "آلُ عِمْرانَ".
QS 3:7 (jilid 5 hlm. 202) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 5 · hlm. 202 · #55716
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ﴾. يَعنى بذلك جلَّ ثناؤُه: فأمّا الذين في قلوبهم مَيْلٌ عن الحقِّ وانحرافٌ عنه، يقالُ منه: زاغَ فلانٌ عن الحقِّ، فهو يَزِيغُ عنه زَيْغًا وَزَيَغَانًا وزَيْغُوغَةً وزُيُوغًا، وأَزَاغَه اللهُ، إذا أماله، فهو يُزِيغُه. ومنه قوله جلَّ ثناؤُه: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا﴾. لا تُمِلْها عن الحقِّ ﴿بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ من قال ذلك حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سلَمةُ، قال: ثنى ابن إسحاق، عن محمدِ بن جعفرِ ابن الزُّبيرِ: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ﴾ أي: مَيْلٌ عن الهُدَى. حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قول الله: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ﴾، قال: شَكٌّ. حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
QS 3:7 (jilid 5 hlm. 203) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 5 · hlm. 203 · #55717
اهدٍ في قول الله: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ﴾، قال: شَكٌّ. حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه. حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بن صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليِّ بنُ أبي طلحةَ، عن ابن عباسٍ: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ﴾ قال: مِن أَهلِ الشّكِّ. حدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ في خبرٍ ذكَره عن أبي مالكٍ، وعن أبي صالحٍ، عن ابن عباس، وعن مُرَّةَ الهَمْدانيِّ، عن ابنِ مسعودٍ، وعن ناسٍ من أصحابِ النبيِّ ﷺ: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ﴾: أما الزَّيغُ فَالشَّكُّ. حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجّاجٌ، عن ابن جُريجٍ، عن مجاهدٍ، قال: ﴿زَيْغٌ﴾: شَكٌّ. قال ابن جُريجٍ: ﴿الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ﴾: المنافقون.
QS 3:7 (jilid 5 hlm. 204) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 5 · hlm. 204 · #55718
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ﴾. يَعنى بقولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ﴾: ما تشابَهتْ ألفاظُه وتَصَرَّفَتْ معانيه بوجوهِ التأويلاتِ؛ ليُحَقِّقُوا بادِّعائهم الأباطيلَ من التأويلاتِ في ذلك ما هم عليه من الضّلالةِ والزَّيْغِ عن مَحَجّةِ الحقِّ، تلبيسًا منهم بذلك على مَن ضَعُفَتْ معرفتُه بوجوهِ تأويلِ ذلك وتصاريفِ معانيه. كما حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ: ﴿فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ﴾: فيَحْمِلُون المُحْكَمَ على المتشابِهِ، والمتشابِهَ على المُحْكَمِ، ويُلبسون، فلبَّس اللهُ عليهم. حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سلَمةُ، عن ابن إسحاقِ، عن محمدِ بن جعفرِ بن الزُّبيرِ: ﴿فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ﴾ أي: ما تَحَرَّفَ منه وتَصَرَّفَ؛ ليُصَدِّقُوا به ما ابتدَعُوا وأَحدَثُوا، ليكونَ لهم حُجّةً على ما قالوا وشَبْهةً.
QS 3:7 (jilid 5 hlm. 204) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 5 · hlm. 204 · #55719
َيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ﴾ أي: ما تَحَرَّفَ منه وتَصَرَّفَ؛ ليُصَدِّقُوا به ما ابتدَعُوا وأَحدَثُوا، ليكونَ لهم حُجّةً على ما قالوا وشَبْهةً. حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجّاجٌ، عن ابن جُريجٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ﴾ قال: البابُ الذي ضَلُّوا منه وهلكُوا فيه ابتغاءُ تأويلِه. وقال آخرون في ذلك بما حدَّثني به موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ في قولِه: ﴿فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ﴾: يَتَّبِعُون المنسوخَ والناسخَ، فيقولون: ما بالُ هذه الآيةِ عُمِل بها كذا وكذا مكانَ هذه الآيةِ، فتُركَتِ الأولى وعُمِل بهذه الأُخْرَى! هلّا كان العملُ بهذه الآيةِ قبلَ أن تَجيءَ الأولى التي نُسِخت؟
QS 3:7 (jilid 5 hlm. 205) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 5 · hlm. 205 · #55720
هذه الآيةِ عُمِل بها كذا وكذا مكانَ هذه الآيةِ، فتُركَتِ الأولى وعُمِل بهذه الأُخْرَى! هلّا كان العملُ بهذه الآيةِ قبلَ أن تَجيءَ الأولى التي نُسِخت؟ وما بالُه يَعِدُ العذابَ مَن عمِل عملًا يُعَذِّبُه النارَ، [وفي] مكانٍ آخرَ مَن عَمِله فإنه لم يُوجب له النارَ؟ واختلَف أهلُ التأويلِ في مَن عُنى بهذه الآيةِ؛ فقال بعضُهم: عُنى به الوفدُ مِن نَصارَى نَجْرانَ الذين قَدِمُوا على رسولِ اللهِ ﷺ فحاجُّوه بما حاجُّوه به وخاصَموه، بأن قالوا: ألستَ تزعُمُ أَنَّ عيسى رُوحُ اللَّهِ وكلمتُه؟ وتأوَّلُوا في ذلك ما يقولون فيه من الكفرِ. ذكرُ من قال ذلك حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرَّبيعِ، قال: عمَدوا - يَعنى الوفدَ الذين قدِموا على رسولِ اللهِ ﷺ من نَصَارَى نَجْرانَ - فخاصَمُوا النبيَّ ﷺ، فقالوا: ألستَ تزعُمُ أنه كلمةُ اللهِ ورُوحٌ منه؟ قال: "بلى". قالوا: فحَسْبُنا.
QS 3:7 (jilid 5 hlm. 206) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 5 · hlm. 206 · #55721
ن قدِموا على رسولِ اللهِ ﷺ من نَصَارَى نَجْرانَ - فخاصَمُوا النبيَّ ﷺ، فقالوا: ألستَ تزعُمُ أنه كلمةُ اللهِ ورُوحٌ منه؟ قال: "بلى". قالوا: فحَسْبُنا. فأنزلَ اللهُ ﷿: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ﴾. ثم إِنَّ الله جلَّ ثناؤُه أَنزَل: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ﴾ [آل عمران: ٥٩] الآية. وقال آخرون: بل أُنزِلتُ هذه الآية في أبى ياسرِ بن أَخْطَبَ، وأخيه حُيَيِّ بن أَخْطَبَ، والنَّفَرِ الذين ناظَروا رسولَ اللهِ ﷺ في قَدْرِ مدةٍ [أُكْلِه وأُكُلِ] أُمَّتِه، وأرادُوا عِلْمَ ذلك من قِبَلِ قولِه: ﴿الم﴾ و ﴿المص﴾، و ﴿المر﴾، و ﴿الر﴾، فقال اللهُ جلَّ ثناؤُه فيهم: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ﴾: يَعنى هؤلاء اليهودَ الذين قلوبُهم مائلةٌ عن الهُدَى والحقِّ، ﴿فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ﴾: يعني معانيَ هذه الحروفِ المقطَّعة، المحتمِلةِ التَّصْرِيفَ في الوجوه المختلِفةِ التأويلاتِ؛ ابتغاءَ
QS 3:7 (jilid 5 hlm. 206) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 5 · hlm. 206 · #55722
َى والحقِّ، ﴿فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ﴾: يعني معانيَ هذه الحروفِ المقطَّعة، المحتمِلةِ التَّصْرِيفَ في الوجوه المختلِفةِ التأويلاتِ؛ ابتغاءَ الفتنةِ. وقد ذَكرْنا الروايةَ بذلك فيما مضَى قبلُ في أولِ السورةِ التي يُذْكَرُ فيها البَقرةُ. وقال آخرون: بل عنَى اللهُ ﷿ بذلك كلَّ مبتدِعٍ في دينِه بدعةً مخالِفةً لما ابتُعِث به رسولُه محمدٌ ﷺ، بتأويلٍ يتأوَّلُه مِن بعضِ آيِ القرآنِ المحتملةِ التأويلاتِ، وإن كان اللهُ قد أَحْكَمَ بيانَ ذلك، إمّا في كتابِه، وإما على لسانِ رسولِه. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ﴾. وكان قتادةُ إذا قرَأ هذه الآيةَ: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ﴾ قال: إن لم يكونوا الحَرُوريَّةَ والسبائيَّةَ، فلا أَدْرِى مَن هم؟
QS 3:7 (jilid 5 hlm. 207) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 5 · hlm. 207 · #55723
نَةِ﴾. وكان قتادةُ إذا قرَأ هذه الآيةَ: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ﴾ قال: إن لم يكونوا الحَرُوريَّةَ والسبائيَّةَ، فلا أَدْرِى مَن هم؟ ولَعَمْرِي لقد كان في أهلِ بدرٍ والحدَيْبِيَّةِ الذين شَهِدوا معَ رسولِ اللهِ ﷺ بيعةَ الرِّضْوانِ مِن المهاجرِين والأنصارِ، خبرٌ لمن استَخْبَر، وعِبرةٌ لمن استَعْبَرَ، لمن كان يَعْقِلُ أو يُبْصِرُ. إن الخوارجَ خرَجوا وأصحابُ رسولِ اللهِ ﷺ يومئذٍ كثيرٌ بالمدينةِ والشامِ والعراقِ، وأزواجُه يومئذٍ أحياءٌ، واللهِ إنْ خرَج منهم ذكَرٌ ولا أُنْثَى حَرُوريًّا قطُّ، ولا رَضُوا الذي هم عليه، ولا مالَئُوهم فيه، بل كانوا يُحدِّثون بعيبِ رسولِ اللهِ ﷺ إيّاهم، ونعتِه الذي نعَتَهم به، وكانوا يُبْغِضُونهم بقلوبِهم، ويُعادُونهم بألسنتِهم وتَشْتَدُّ واللهِ عليهم أيديهم إذا لَقُوهم، ولَعَمْرِى، لو كان أمرُ الخوارجِ هُدًى لاجْتَمَع، ولكنّه كان ضلالًا فتفرَّق، وكذلك الأمرُ إذا كان مِن عندِ غيرِ اللهِ وجَدْتَ فيه اختلافًا كثيرًا، فقد ألاصُوا هذا الأمرَ منذ
QS 3:7 (jilid 5 hlm. 207) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 5 · hlm. 207 · #55724
الخوارجِ هُدًى لاجْتَمَع، ولكنّه كان ضلالًا فتفرَّق، وكذلك الأمرُ إذا كان مِن عندِ غيرِ اللهِ وجَدْتَ فيه اختلافًا كثيرًا، فقد ألاصُوا هذا الأمرَ منذ زمانٍ طويلٍ، فهل أَفْلَحُوا فيه يومًا أو أَنْجَحُوا؟ يا سبحانَ اللهِ! كيف لا يَعْتَبِرُ آخِرُ هؤلاء القومِ بأوَّلِهم! لو كانوا على هُدًى قد أَظهَره اللهُ وأَفَلَجه ونَصَره، ولكنَّهم كانوا على باطلٍ أَكذبَه اللهُ وأدحضَه، فهم كما رأيتَهم، كلَّما خرج لهم قَرْنٌ أَدحضَ اللهُ حُجَّتَهم، وأَكذبَ أَحْدُوثتَهم، وأَهْراقَ دماءَهم، وإن كَتَمُوا كان قَرْحًا في قلوبِهم، وغَمًّا عليهم، وإن أَظْهَرُوه، أَهْراقَ اللهُ دماءَهم، ذاكم، واللهِ، دِينُ سوءٍ فَاجتَنِبُوه، واللهِ إن اليهوديةَ لبِدْعةٌ، وإن النصرانيةَ لبدعةٌ، وإن الحَرُوريَّة لبدعةٌ، وإن السبائيّةَ لبدعةٌ، مانزَل بهنّ كتابٌ، ولا سَنَّهنَّ نبيٌّ.
QS 3:7 (jilid 5 hlm. 208) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 5 · hlm. 208 · #55725
تَنِبُوه، واللهِ إن اليهوديةَ لبِدْعةٌ، وإن النصرانيةَ لبدعةٌ، وإن الحَرُوريَّة لبدعةٌ، وإن السبائيّةَ لبدعةٌ، مانزَل بهنّ كتابٌ، ولا سَنَّهنَّ نبيٌّ. حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ﴾: طَلَبَ القومُ التأويلَ فأَخْطَئُوا التأويلَ، وأصابُوا الفتنةَ، فاتَّبعوا ما تشابَه منه، فهلَكوا مِن ذلك، لَعَمْرِي لقد كان في أصحابِ بدرٍ والحديبيةِ الذين شهدوا بيعةَ الرِّضْوانِ. وذكَر نحوَ حديثِ عبدِ الرزاقِ، عن مَعْمَرٍ، عنه. حدَّثني محمدُ بنُ خالدِ بن خِدَاشٍ ويعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قالا: ثنا إسماعيلُ ابن عُلَيَّةَ، عن أيوبَ، عن عبدِ اللهِ بن أبى مُلَيْكَةَ، عائشةَ قالت: قرَأ رسولُ اللهِ ﷺ: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ﴾ إلى قولِه: ﴿وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾.
QS 3:7 (jilid 5 hlm. 208) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 5 · hlm. 208 · #55726
بى مُلَيْكَةَ، عائشةَ قالت: قرَأ رسولُ اللهِ ﷺ: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ﴾ إلى قولِه: ﴿وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾. فقال: "فإذَا رأَيْتُم الذين يُجادِلون فيه، فهمُ الذين عَنَى اللهُ فاحذَرُوهم". حدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا المُعْتَمِرُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعْتُ أيوبَ، عن عبدِ اللهِ بن أبي مُلَيْكَةَ، عن عائشةَ، أنها قالت: قرأ نبيُّ اللهِ ﷺ هذه الآيةَ: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ﴾ إلى: ﴿وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾. قالت: فقال رسولُ اللهِ ﷺ: "فإذا رأَيتم الذين يُجادِلُون فيه - أو قال: يَتَجادَلُون فيه - فهم الذين عَنَى اللهُ فاحذَرُوهُمْ".
QS 3:7 (jilid 5 hlm. 209) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 5 · hlm. 209 · #55727
ا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾. قالت: فقال رسولُ اللهِ ﷺ: "فإذا رأَيتم الذين يُجادِلُون فيه - أو قال: يَتَجادَلُون فيه - فهم الذين عَنَى اللهُ فاحذَرُوهُمْ". قال مَطَرٌ، عن أيوبَ أنه قال: "فلا تُجالِسُوهم، فهم الذين عَنَى اللهُ فاحْذَرُوهم". حدَّثنا ابن بَشَّارٍ، قال: ثنا عبدُ الوهاب، قال: ثنا أيوب، عن ابن أبي مُلَيكةَ، عن عائشةَ، عن النبيِّ ﷺ بنحوِ معناه. حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا مَعْمَرٌ، عن أيوبَ، عن ابن أبي مُلَيْكَةَ، عن عائشةَ، عن النبيِّ ﷺ نحوَه. حدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابن وهبٍ، قال: أخبرَنا الحارثُ، عن أيوبَ، عن ابن أبي مُلَيكةَ عائشةَ زوجِ النبيِّ ﷺ، قالت: قرَأَ رسولُ اللهِ ﷺ هذه الآية: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ الآية كلها.
QS 3:7 (jilid 5 hlm. 209) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 5 · hlm. 209 · #55728
ُ اللهِ ﷺ هذه الآية: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ الآية كلها. فقال رسولُ اللهِ ﷺ: "إِذَا رَأَيْتُمُ الَّذِينَ يَتَّبِعُون ما تَشابَهَ منه والذين يُجادِلُون فيه، فهم الذِين عَنَى اللهُ، أولئك الذِين قال اللهُ، فلا تُجالِسُوهم". حدَّثنا ابن وَكيعٍ، قال: ثنا أبو أُسامةَ، عن يزيدَ بن إبراهيمَ، عن ابن أبي مُلَيكةَ، قال: سمعتُ القاسمَ بنَ محمدٍ يُحَدِّثُ عن عائشةَ، قالت: تلا النبيُّ ﷺ هذه الآيةَ: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ﴾.
QS 3:7 (jilid 5 hlm. 210) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 5 · hlm. 210 · #55729
، عن ابن أبي مُلَيكةَ، قال: سمعتُ القاسمَ بنَ محمدٍ يُحَدِّثُ عن عائشةَ، قالت: تلا النبيُّ ﷺ هذه الآيةَ: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ﴾. ثم قرَأ إلى آخرِ الآياتِ، فقال: "إذَا رأيْتُم الذين يَتَّبِعُون ما تَشابَهَ مِنه، فأولئك الذين سَمَّى اللهُ، فاحْذَرُوهم". حدَّثنا عليُّ بنُ سهلٍ، قال: ثنا الوليدُ بنُ مسلمٍ، عن حَمَّادِ بن سلَمةَ، عن عبدِ الرحمنِ بن القاسمِ، عن أبيه، عن عائشةَ، قالت: نزَع رسولُ اللهِ ﷺ: ﴿فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ﴾ فقال رسولُ اللهِ ﷺ: "قد حذَّرَكم اللهُ، فإذا رأيتُموهم فاعْرِفوهم". حدَّثنا عليٌّ، قال: ثنا الوليدُ، عن نافعِ بن عمرَ، عن [ابن أَبِي مُلَيْكَةَ، قال: حدَّثتني] عائشةُ، قالت: قال رسولُ اللهِ ﷺ: "إذَا رأَيْتُمُوهُمْ فَاحْذَرُوهُمْ".
QS 3:7 (jilid 5 hlm. 210) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 5 · hlm. 210 · #55730
، قال: ثنا الوليدُ، عن نافعِ بن عمرَ، عن [ابن أَبِي مُلَيْكَةَ، قال: حدَّثتني] عائشةُ، قالت: قال رسولُ اللهِ ﷺ: "إذَا رأَيْتُمُوهُمْ فَاحْذَرُوهُمْ". ثم نزَعَ: " ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ﴾، ولا يَعْمَلُون بمُحْكَمِه". حدَّثني أحمدُ بنُ عبدِ الرحمنِ بن وهبٍ، قال: أخبَرنا عمِّى، قال: أخبرَني شَبيبُ بنُ سعيدٍ، عن رَوْحِ بن القاسمِ، عن ابن أبي مُلَيكةَ، عن عائشةَ أَنَّ رسولَ اللهِ ﷺ سُئِل عن هذه الآيةِ: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾.
QS 3:7 (jilid 5 hlm. 211) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 5 · hlm. 211 · #55731
ِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾. فقال: "فَإِذَا رأيْتُمُ الذِين يُجادِلُون فيه، فهم الذين عَنَى اللهُ، فاحْذَرُوهم". حدَّثني محمدُ بنُ عبدِ اللهِ بن عبدِ الحَكَمِ، قال: ثنا خالدُ بنُ نِزارٍ، عن نافعٍ، عن ابن أبي مُلَيكةَ، عن عائشةَ في هذه الآيةِ: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ﴾ الآية يَتَّبِعُها يَتْلُوها، ثم يقولُ: "فإذا رأيتمُ الذِين يُجادِلُون فيه فاحْذَرُوهم، فهم الذين عَنَى اللهُ". حدثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ هارونَ، عن حَمّادِ بن سلَمةَ، عن ابن أبي مُلَيكةَ، عن القاسمِ، عن عائشةَ، عن النبيِّ ﷺ في هذه الآيةِ: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ إلى آخرِ الآيةِ.
QS 3:7 (jilid 5 hlm. 211) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 5 · hlm. 211 · #55732
عن عائشةَ، عن النبيِّ ﷺ في هذه الآيةِ: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ إلى آخرِ الآيةِ. قال: "هم الذين سمّاهمُ اللهُ، فإذا رأيْتُموهم فاحْذَرُوهم". قال أبو جعفرٍ: والذي يَدُلُّ عليه ظاهرُ هذه الآيةِ أنَّها نزلت في الذين جادَلُوا رسولَ اللهِ ﷺ بمتشابِهِ ما أُنزِلَ إليه من كتابِ اللهِ؛ إمّا في أمرِ عيسى، وإمّا في مُدَّةٍ [أُكْلِه وأُكُل] أُمَّتِه، وهو بأن يكونَ في الذين جادَلُوا رسولَ اللهِ ﷺ متشابِهِه في مدتِه ومدةِ أمتِه أَشبَهُ؛ لأنّ قولَه: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾. دالٌّ على أن ذلك إخبارٌ عن المدةِ التي أرادُوا عِلْمَها مِن قِبَلِ المتشابِهِ الذي لا يَعْلَمُه إِلا اللهُ، فأَمّا أَمرُ عيسى وأسبابُه، فقد أَعلمَ اللهُ ذلك نبيَّه محمدًا ﷺ وأُمَّتَه، وبيَّنَه لهم، فمعلومٌ أنه لم يَعْنِ إلا ما كان خفيًّا عن الآحادِ.
QS 3:7 (jilid 5 hlm. 212) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 5 · hlm. 212 · #55733
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ﴾. اختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك: ابتغاءَ الشِّرْكِ. ذكرُ من قال ذلك حدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حَمّادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ﴾ قال: إرادةَ الشِّرْكِ. حدَّثني المثنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرَّبيعِ في قولِه: ﴿ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ﴾: يعنى الشِّرْكَ. وقال آخرون: معنى ذلك: ابتغاءَ الشُّبُهَاتِ. ذكرُ من قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ﴾ قال: الشُّبُهَاتِ، بها أُهْلِكوا. حدَّثني المثنَّى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ﴾: الشُّبُهَاتِ. قال: هلَكوا به. حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا حَجّاجٌ، عن ابن جُريجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ﴾ قال: الشُّبُهَاتِ.
QS 3:7 (jilid 5 hlm. 213) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 5 · hlm. 213 · #55734
ُّبُهَاتِ. قال: هلَكوا به. حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا حَجّاجٌ، عن ابن جُريجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ﴾ قال: الشُّبُهَاتِ. قال: والشُّبهاتُ ما أُهْلِكُوا به. حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سلَمةُ، عن ابن إسحاقَ، عن محمدِ بن جعفرِ بن الزُّبيرِ: ﴿ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ﴾ أي: اللَّبْسِ. وأَوْلَى القولَيْن في ذلك بالصوابِ قولُ مَن قال: معناه: إرادةَ الشُّبُهاتِ واللَّبْسِ. فمعنى الكلامِ إذنْ: فأمّا الذين في قلوبِهم مَيْلٌ عن الحقِّ وحَيْفٌ عنه، فيَتَّبِعُون مِن آيِ الكتابِ ما تشابَهَتْ ألفاظُه واحْتُمِل صَرْفه في وجوهِ التأويلاتِ، باحتمالِه المعانيَ المختلِفةَ؛ إرادةَ اللَّبْسِ على نفسِه وعلى غيرِه، احتجاجًا به على باطلِه الذي مال إليه قلبُه، دون الحقِّ الذي أبانه اللهُ، فأَوضَحه بالمُحْكَماتِ من آيِ كتابِه.
QS 3:7 (jilid 5 hlm. 213) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 5 · hlm. 213 · #55735
إرادةَ اللَّبْسِ على نفسِه وعلى غيرِه، احتجاجًا به على باطلِه الذي مال إليه قلبُه، دون الحقِّ الذي أبانه اللهُ، فأَوضَحه بالمُحْكَماتِ من آيِ كتابِه. وهذه الآيةُ وإن كانت نزَلَتْ في من ذكَرْنا أنّها نزَلَتْ فيه مِن أهلِ الشِّرْكِ، فإنه معنيٌّ بها كلُّ مُبتدعٍ في دينِ اللهِ بدعةً، فمالَ قلبُه إليها، تأويلًا منه لبعضِ متشابِهِ آيِ القرآنِ، ثم حاجَّ به وجادَل به أهل الحقِّ، وعدَلَ عن الواضحِ من أدلَّةِ آيِه المُحْكَماتِ؛ إرادةً منه بذلك اللَّبْسَ على أهلِ الحقِّ من المؤمنين، وطلبًا لعِلْمِ تأويلِ ما تشابَهَ عليه مِن ذلك، كائنًا مَن كان، وأيَّ أصنافِ البَدَعة كان؛ من أهلِ النصرانيةِ كان، أو اليهوديّةِ، أو المجوسيّةِ، أو كان سَبَئِيًّا، أو حَرُورِيًّا، أو قَدَريًّا، أو جَهْمِيًّا، كالذي قال ﷺ: "فإذا رأيتُم الذين يُجادِلون به، فهم الذين عَنَى اللهُ فاحْذَروهم".
QS 3:7 (jilid 5 hlm. 214) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 5 · hlm. 214 · #55736
يّةِ، أو كان سَبَئِيًّا، أو حَرُورِيًّا، أو قَدَريًّا، أو جَهْمِيًّا، كالذي قال ﷺ: "فإذا رأيتُم الذين يُجادِلون به، فهم الذين عَنَى اللهُ فاحْذَروهم". وكما حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا سفيانُ، عن مَعْمَرٍ، عن ابن طاوسٍ، عن أبيه، عن ابن عباسٍ، وذُكِر عندَه الخوارجُ وما يَلْقَون عندَ القرآنِ، فقال: يُؤْمِنون بمُحْكَمِه، ويَهْلِكُون عندَ متشابِهِه. وقرَأ ابن عباسٍ: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ الآية. وإنما قلْنا القولَ الذي ذكَرْنا أنَّه أَوْلَى التأويلَين بقولِه: ﴿ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ﴾؛ لأنَّ الذين نزَلتْ فيهم هذه الآيةُ كانوا أهلَ شِرْكٍ، وإنما أرادوا بطلبِ تأويلِ ما طلبوا تأويلَه - اللَّبْسَ على المسلِمين، والاحتجاجَ به عليهم، ليَصُدُّوهم عمّا هم عليه من الحقِّ، فلا معنَى لأَنْ يُقالَ: فعلوا ذلك إرادةَ الشِّرْكِ. وهم قد كانوا مشرِكين.
QS 3:7 (jilid 5 hlm. 215) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 5 · hlm. 215 · #55737
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾. اختَلَف أهلُ التأويلِ في معنى "التأويل" الذي عنَى اللهُ جلَّ ثناؤه بقولِه: ﴿وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك: الأَجَلُ الذي أرادت اليهودُ أن تَعْرِفَه مِن انقضاءِ مُدَّةِ أمرِ محمدٍ ﷺ وأمرِ أُمّتِه من قِبَلِ الحروفِ المقطَّعةِ من حسابِ الجُمَّلِ كـ ﴿الم﴾، و ﴿والمص﴾، و ﴿الر﴾، و ﴿المر﴾، وما أَشبهَ ذلك من الآجالِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني المثنَّى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ: أمّا قولِه: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾، يعنى: تأويلَه يومَ القيامةِ، إلا اللهُ. وقال آخرون: بل معنى ذلك: عواقبُ القرآنِ.
QS 3:7 (jilid 5 hlm. 215) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 5 · hlm. 215 · #55738
ابن عباسٍ: أمّا قولِه: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾، يعنى: تأويلَه يومَ القيامةِ، إلا اللهُ. وقال آخرون: بل معنى ذلك: عواقبُ القرآنِ. وقالوا: إنما أرادُوا أن يَعْلَمُوا متى يَجِيءُ ناسخُ الأحكامِ التي كان اللهُ جل ثناؤُه شرَعها لأهلِ الإسلامِ قبلَ مجيئِه، فنسَخ ما قد كان شرَعه قبلَ ذلك. ذكر من قال ذلك حدَّثني موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾: أرادُوا أن يَعْلَمُوا تأويلَ القرآنِ، وهو عواقبُه، قال اللهُ: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾.
QS 3:7 (jilid 5 hlm. 215) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 5 · hlm. 215 · #55739
ُ، عن السديِّ: ﴿وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾: أرادُوا أن يَعْلَمُوا تأويلَ القرآنِ، وهو عواقبُه، قال اللهُ: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾. وتأويلُه: عواقبُه؛ [متى يأتى] الناسخُ منه فَيَنْسَخَ المنسوخَ. وقال آخرون: بل معنى ذلك: وابتغاء [تأويلِ ما تَشابَهَ] من آيِ القرآنِ يتأوَّلُونه، إذ كان ذا وجوهٍ وتصاريفَ في التأويلاتِ، على ما في قلوبِهم من الزَّيْغِ، وما رَكِبوه من الضَّلالةِ. ذكرُ من قال ذلك حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سلَمةُ، عن ابن إسحاقَ، عن محمدِ بن جعفرِ بن الزُّبيرِ: ﴿وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾: وذلك على ما رَكبوا من الضّلالةِ في قولِهم: خلَقْنا وقَضَيْنا. والقولُ الذي قاله ابن عباسٍ، من أن ابتغاءَ التأويلِ الذي طلَبه القومُ من المتشابِهِ هو معرفةُ انقضاءِ المدةِ، ووقتِ قيامِ الساعةِ، والذي ذكَرْنا عن السديِّ مِن أنَّهم طلَبوا وأرادُوا معرفةَ وقتِ هوَ جاءٍ قبل مجيئِه، أَوْلَى بالصوابِ، وإن كان السديُّ قد أَغفَل
QS 3:7 (jilid 5 hlm. 216) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 5 · hlm. 216 · #55740
ووقتِ قيامِ الساعةِ، والذي ذكَرْنا عن السديِّ مِن أنَّهم طلَبوا وأرادُوا معرفةَ وقتِ هوَ جاءٍ قبل مجيئِه، أَوْلَى بالصوابِ، وإن كان السديُّ قد أَغفَل معنى ذلك من وجهِ صرَفَه إلى حَصْرِه على أن معناه أنَّ القومَ طلَبوا معرفةَ وقتِ مجئِ الناسخِ لما قد أُحْكِمَ قبلَ ذلك. وإنما قلْنا: إنَّ طَلَبَ القومِ معرفةَ الوقتِ الذي هو جاءٍ قبلَ مجيئِه، المحجوبِ عِلْمُه عنهم وعن غيرِهم بمتشابِهِ آيِ القرآنِ، أَوْلَى بتأويلِ قولِه: ﴿وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾؛ لما قد دلَّلْنا عليه قبلُ مِن إخبارِ اللهِ جل ثناؤُه أنَّ ذلك التأويلَ لا يَعلمُه إلا اللهُ، ولا شكَّ أن معنى قولِه: وقَضَيْنا وفَعَلْنا. قد عَلِم تأويلَه كثيرٌ من جَهَلةِ أهلِ الشركِ، فضلًا عن أهلِ الإيمانِ وأهلِ الرُّسوخِ في العلمِ منهم.
QS 3:7 (jilid 5 hlm. 217) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 5 · hlm. 217 · #55741
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾. يعنى جل ثناؤُه بذلك: وما يَعلَمُ وقتَ قيامِ الساعةِ، وانقضاءِ مدةِ أُكْلِ محمدٍ وأُمَّتِه، وما هو كائنٌ، إلا اللهُ، دون مَن سواه مِن البشرِ، الذين أمَّلُوا إدراك علمِ ذلك من قِبَلِ الحسابِ والتنجيمِ والكَهانةِ، وأمّا الرّاسخون في العلمِ فيقولون: آمنّا به كلٌّ من عند ربنا. لا يَعْلَمون ذلك، ولكنَّ فضلَ عليهم في ذلك على غيرِهم، العلم بأنَّ الله بأنَّ الله هو العالمُ بذلك، دون مَن سواه مِن خلقِه. واختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك، وهل "الرّاسخون" معطوفون على اسمِ "اللهِ"، بمعنى إيجابِ العلمِ لهم بتأويلِ المتشابِهِ، أم هم مُستأنفٌ ذِكْرُهم بمعنى الخبرِ عنهم أنَّهم يقولون: آمنَّا بالمتشابِهِ، وصدَّقْنا أنَّ علمَ ذلك لا يعلمُه إلا اللهُ؟
QS 3:7 (jilid 5 hlm. 217) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 5 · hlm. 217 · #55742
لمِ لهم بتأويلِ المتشابِهِ، أم هم مُستأنفٌ ذِكْرُهم بمعنى الخبرِ عنهم أنَّهم يقولون: آمنَّا بالمتشابِهِ، وصدَّقْنا أنَّ علمَ ذلك لا يعلمُه إلا اللهُ؟ فقال بعضُهم: معنى ذلك: وما يعلمُ تأويلَ ذلك إلا اللهُ وحدَه منفرِدًا بعلمِه، وأمّا الرّاسخون في العلمِ فإنهم ابْتُدِئَ الخبرُ عنهم بأنَّهم يقولون: آمنَّا بالمتشابِهِ والمُحْكَمِ، وأن جميعَ ذلك من عندِ اللهِ. ذكر من قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عبدِ اللهِ بن عبدِ الحكمِ، قال: ثنا خالدُ بن نِزارٍ، عن نافعٍ، عن ابن أبي مُلَيكةَ، عن عائشةَ قولَه: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾.
QS 3:7 (jilid 5 hlm. 218) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 5 · hlm. 218 · #55743
هِ بن عبدِ الحكمِ، قال: ثنا خالدُ بن نِزارٍ، عن نافعٍ، عن ابن أبي مُلَيكةَ، عن عائشةَ قولَه: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾. قالت: كان من رسوخِهم في العلمِ أنْ آمَنُوا بمُحْكَمِه ومتشابِهِه، ولم يَعْلَمُوا تأويلَه. حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا مَعْمَرٌ، عن ابن طاوسٍ، عن أبيه، قال: كان ابن عباسٍ يقولُ: (وما يَعْلَمُ تَأْوِيلَه إِلَّا اللهُ [ويَقُولُ الراسِخون في العِلْمِ] آمَنَّا به). حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: أخبرني ابن أبي الزنادِ، قال: قال هشامُ بنُ عُرُوةَ: كان أبي يقولُ في هذه الآيةِ: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾: إنَّ الراسخين [في العلم] لا يَعْلَمون تأويلَه، ولكنهم يقولون: ﴿آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾.
QS 3:7 (jilid 5 hlm. 219) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 5 · hlm. 219 · #55744
ِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾: إنَّ الراسخين [في العلم] لا يَعْلَمون تأويلَه، ولكنهم يقولون: ﴿آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾. حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا عُبيدُ اللهِ، عن أبي نَهِيكِ الأسَديِّ قولَه: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾. فيقولُ: إنكم تَصِلُون هذه الآيةَ، وإنها مقطوعةٌ: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ﴾ - ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾، فانتهى عِلْمُهم إلى قولِهم الذي قالوا. حدَّثنا المثنَّى، قال: ثنا ابن دُكَينٍ، قال: ثنا عمرُو بنُ عثمانَ بن عبدِ اللهِ بن مَوْهَبٍ، قال: سمِعتُ عمرَ بن عبد العزيز يقولُ: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾: انتهى عِلْمُ الراسخين في العلمِ بتأويلِ القرآنِ إلى أن قالوا: ﴿آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾.
QS 3:7 (jilid 5 hlm. 219) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 5 · hlm. 219 · #55745
لعزيز يقولُ: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾: انتهى عِلْمُ الراسخين في العلمِ بتأويلِ القرآنِ إلى أن قالوا: ﴿آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾. حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا أَشْهَبُ، عن مالكٍ في قولِه: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾، قال: ثم ابتدَأ فقال: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾. وليس يَعْلَمون تأويلَه. وقال آخَرون: بل معنى ذلك: وما يَعلَمُ تأويلَ ذلك إلا اللهُ والراسخون في العلمِ، وهم - مع عِلْمِهم بذلك ورسوخِهم في العلمِ - يقولون: ﴿آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾. ذكرُ من قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ، عن ابن عباسٍ أنه قال: أنا ممن يَعْلَمُ تأويلَه. حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾: [يَعْلَمون تأويلَه، و] يقولون: آمنَّا به.
QS 3:7 (jilid 5 hlm. 220) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 5 · hlm. 220 · #55746
محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾: [يَعْلَمون تأويلَه، و] يقولون: آمنَّا به. حدَّثني المثنَّى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نِجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾: يَعْلَمُون تأويلَه، ويقولون: آمَنَّا به. حُدِّثْتُ عن عمّارِ بن الحسنِ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرَّبيعِ: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾: يَعْلَمون تأويلَه، ويقولُون: آمنَّا به. حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سلَمةُ، عن ابن إسحاقَ، عن محمدِ بن جعفرِ بن الزُّبير: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ﴾ [الذي أرادَ، ما أراد]! ﴿إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾.
QS 3:7 (jilid 5 hlm. 220) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 5 · hlm. 220 · #55747
مدِ بن جعفرِ بن الزُّبير: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ﴾ [الذي أرادَ، ما أراد]! ﴿إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾. ثم رَدُّوا تأويلَ المتشابِهِ على ما عرَفوا من تأويلِ المُحْكَمةِ التي لا تأويلَ لأحدٍ فيها إلا تأويلٌ واحدٌ، فاتَّسق بقولِهم الكتابُ، وصدَّق بعضُه بعضًا، فنَفَذتْ به الحُجّةُ، وظهَر به العذرُ، وزاح به الباطلُ، ودُمِغ به الكفرُ. فمن قال القولَ الأولَ في ذلك، وقال: إِنَّ الراسخين لا يَعْلَمون تأويلَ ذلك، وإنما أخبَر اللهُ عنهم بإيمانِهم وتصديقِهم بأنَّه مِن عندِ اللهِ، فإنه يَرْفَعُ "الرَّاسخين في العلمِ" بالابتداءِ في قولِ البصريِّين، ويَجعَلُ خبره ﴿يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾. وأمّا في قولِ بعضِ الكوفيِّين فبالعائِدِ مِن ذكرِهم في: ﴿يَقُولُونَ﴾. وفى قولِ بعضِهم بجملةِ الخبرِ عنهم وهى ﴿يَقُولُونَ﴾.
QS 3:7 (jilid 5 hlm. 221) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 5 · hlm. 221 · #55748
﴿يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾. وأمّا في قولِ بعضِ الكوفيِّين فبالعائِدِ مِن ذكرِهم في: ﴿يَقُولُونَ﴾. وفى قولِ بعضِهم بجملةِ الخبرِ عنهم وهى ﴿يَقُولُونَ﴾. ومَن قال القولَ الثانيَ، وزعَم أنَّ الراسخين في العلمِ يَعلَمُون تأويلَه، عطَف بـ"الرَّاسخين" على اسمِ "اللهِ"، فرفعَهم بالعطفِ عليه. والصوابُ عندنا في ذلك أنهم مرفوعون بجملةِ خبرِهم بعدَهم، وهو: ﴿يَقُولُونَ﴾؛ لما قد بَيَّنَّا قبلُ مِن أنهم لا يَعلَمون تأويلَ المتشابِهِ الذي ذكَره اللهُ ﷿ في هذه الآيةِ، وهو فيما بلَغنى مع ذلك في قراءةِ أُبَيٍّ: (ويقولُ الرَّاسِحُونَ في العِلْمِ). كما ذكَرْناه عن ابن عباسٍ أنه كان يقرؤُه.
QS 3:7 (jilid 5 hlm. 221) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 5 · hlm. 221 · #55749
ذكَره اللهُ ﷿ في هذه الآيةِ، وهو فيما بلَغنى مع ذلك في قراءةِ أُبَيٍّ: (ويقولُ الرَّاسِحُونَ في العِلْمِ). كما ذكَرْناه عن ابن عباسٍ أنه كان يقرؤُه. وفي قراءةِ عبدِ اللهِ: (إِنْ تأْوِيلُهُ إِلَّا عندَ اللهِ، والرَّاسِخُونَ فِي العِلْمِ يَقُولُونَ). وأمّا معنى التأويلِ في كلامِ العربِ، فإنَّه التفسيرُ والمَرْجِعُ والمَصِيرُ، وقد أَنشَدَ بعضُ الرواةِ بيتَ الأَعْشَى: على أنَّها كانت تَأَوَّلُ حُبِّها … تَأَوَّلَ رِبْعِيِّ السِّقابِ فَأَصْحَبَا وأصلُه: مِن آلَ الشيءُ إلى كذا، إذا صارَ إليه ورجَع، يَئُولُ أَوْلًا، وأَوَّلْتُه أَنا صيَّرْتُه إليه. وقد قيل: إِنَّ قولَه: ﴿وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: ٥٩] أي: جَزاءً، وذلك أن الجزاءَ هو المعنى الذي آل إليه أمرُ القومِ، وصار إليه. ويَعنِى بقولِه: تَأَوُّلُ حُبِّها: تفسيرُ حبِّها ومرجعُه.
QS 3:7 (jilid 5 hlm. 222) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 5 · hlm. 222 · #55750
ًا﴾ [النساء: ٥٩] أي: جَزاءً، وذلك أن الجزاءَ هو المعنى الذي آل إليه أمرُ القومِ، وصار إليه. ويَعنِى بقولِه: تَأَوُّلُ حُبِّها: تفسيرُ حبِّها ومرجعُه. وإنما يُريدُ بذلك أنَّ حبَّها كان صغيرًا في قلبِه، فآلَ مِن الصِّغَرِ إلى العِظَمِ، فلم يَزَلْ يَنْبُتُ حتى أَصْحَبَ فصار قديمًا، كالسَّقْب الصغيرِ الذي لم يَزَلْ يَشِبُّ حتى أَصْحَبَ فصار كبيرًا مثلَ أُمِّه. وقد يُنْشَدُ هذا البيتُ: على أنَّها كانتْ تَوَابَعُ حُبِّها … تَوَالِيَ رِبْعِيِّ السِّقابِ فَأَصْحَبَا
QS 3:7 (jilid 5 hlm. 223) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 5 · hlm. 223 · #55751
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾. يعنى بالرَّاسخين في العلمِ العلماءَ الذين قد أَتْقَنُوا عِلْمَهِم، ووَعَوْه فَحَفِظُوه حِفْظًا لا يَدْخُلُهم في معرفتِهم وعلمِهم بما علِموه شكٌّ ولا لَبْسٌ، وأصلُ ذلك مِن رُسوخِ الشيءِ في الشيءِ، وهو ثبوتُه ووُلُوجُه فيه، يقالُ منه: رسَخ الإيمانُ في قلبِ فلانٍ، فهو يَرْسَخُ رَسْخًا ورُسُوخًا. وقد رُوِيَ في نعتِهم خبرٌ عن النبيِّ ﷺ، وهو ما حدَّثنا موسى بنُ سَهْلٍ الرَّمْليُّ، قال: ثنا محمدُ بنُ عبدِ اللهِ، قال: ثنا فَيَّاضُ بنُ محمدٍ الرَّقِّيُّ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بن يزيدَ بن آدمَ، عن أبي الدَّرْداءِ وأبى أُمامةَ، قالا: سُئِل رسولُ الله ﷺ: مَن الراسخُ في العلمِ؟
QS 3:7 (jilid 5 hlm. 223) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 5 · hlm. 223 · #55752
يَّاضُ بنُ محمدٍ الرَّقِّيُّ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بن يزيدَ بن آدمَ، عن أبي الدَّرْداءِ وأبى أُمامةَ، قالا: سُئِل رسولُ الله ﷺ: مَن الراسخُ في العلمِ؟ قال: "مَن بَرَّتْ يمينُه، وصدَق لسانُه، واستقام به قلبُه، وعفَّ بطنُه، فذلك الراسخُ في العلمِ". حدَّثني المثنَّى وأحمدُ بنُ الحسنِ الترمذيُّ، قالا: ثنا نُعيم بنُ حمّادٍ، قال: ثنا فَيَاضٌ الرَّقِّيُّ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ يَزِيدَ الأَوْدِيُّ - قال: وكان أَدركَ أصحابَ رسولِ الله ﷺ - قال: حدَّثنا أنسُ بن مالكٍ وأبو أُمامةَ وأبو الدَّرْداءِ، أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ سُئِل عن الراسخين في العلمِ، فقال: "مَن بَرَّتْ يمينُه، وصدَق لسانُه، واستقام به قلبه، وعفَّ بطنُه وفرجُه، فذلك الراسخُ في العلمِ". وقد قال جماعةٌ من أهلِ التأويلِ: إنما سمَّى اللهُ ﷿ هؤلاء القومَ الراسخين في العلمِ، بقولِهم: ﴿آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾. ذكرُ مَن قال ذلك
QS 3:7 (jilid 5 hlm. 224) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 5 · hlm. 224 · #55753
قال جماعةٌ من أهلِ التأويلِ: إنما سمَّى اللهُ ﷿ هؤلاء القومَ الراسخين في العلمِ، بقولِهم: ﴿آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سفيانَ، عن جابرٍ، عن مجاهدٍ، عن ابن عباسٍ، قال: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾ قال: الراسخون الذين يقولون: آمنًّا به كلٌّ من عندِ ربِّنا. حدَّثني موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾: هم المؤمنون، فإنهم يقولون: ﴿آمَنَّا بِهِ﴾ بناسخِه ومنسوخِه ﴿كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾. حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجّاجٌ، قال: قال ابن جُريجٍ: قال ابن عباسٍ: قال عبدُ اللهِ بنُ سَلَامٍ: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾: وعِلْمُهم قولهم.
QS 3:7 (jilid 5 hlm. 224) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 5 · hlm. 224 · #55754
قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجّاجٌ، قال: قال ابن جُريجٍ: قال ابن عباسٍ: قال عبدُ اللهِ بنُ سَلَامٍ: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾: وعِلْمُهم قولهم. قال ابن جُريجٍ: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾ وهم الذين يقولون: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا﴾ ويقولون: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ الآية. وأما تأويل قوله: ﴿يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾. فإنه يعنى أن الراسخين في العلمِ يقولون: صدَّقْنا بما تشابَهَ من آيِ الكتابِ، وأنَّه حقٌّ وإن لم نَعْلَمْ تأويلَه. وقد حدَّثني أحمدُ بنُ حازمٍ، قال: ثنا أبو نُعَيمٍ، قال: ثنا سلَمةُ بنُ نُبَيْطٍ، عن الضّحّاكِ: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾ قال: المُحْكَمُ والمتشابِهُ.
QS 3:7 (jilid 5 hlm. 225) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 5 · hlm. 225 · #55755
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾. يعنى بقولِه جل ثناؤُه: ﴿كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾: كلُّ المُحْكَمِ من الكتابِ والمتشابِهِ منه من عندِ ربِّنا، وهو تنزيلُه ووَحْيُه إلى نبيِّه محمدٍ ﷺ. كما حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن سفيانَ، عن جابرٍ، عن مجاهدٍ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ [قال: يعنى ما نُسِخ منه وما لم يُنْسَخُ. حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾: والراسخون في العلم قالوا: ﴿كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾] آمَنُوا بمتشابِهِه، وعمِلوا بمُحْكَمِه. حُدِّثْتُ عن عمّارِ بن الحسنِ، قال: ثنا ابن أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الرَّبيعِ قولَه: ﴿كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ يقولون: المُحْكَمُ والمتشابِهُ من عندِ اللهِ.
QS 3:7 (jilid 5 hlm. 226) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 5 · hlm. 226 · #55756
ُ عن عمّارِ بن الحسنِ، قال: ثنا ابن أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الرَّبيعِ قولَه: ﴿كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ يقولون: المُحْكَمُ والمتشابِهُ من عندِ اللهِ. حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾: نُؤْمِنُ بالمُحْكَمِ ونَدِينُ به، ونُؤْمِنُ بالمتشابِهِ ولا نَدِينُ به، وهو من عندِ اللهِ كلُّه. حدَّثنا يحيى بن أبى طالبٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: أخبَرنا جُويبرٌ، عن الضّحّاكِ في قولِه: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾: يَعْمَلُونَ به، يقولون: نَعْمَلُ بالمُحْكَمِ ونُؤْمِنُ به، ونُؤْمِنُ بالمتشابِهِ ولا نَعْمَلُ به، وكلٌّ من عندِ ربِّنا.
QS 3:7 (jilid 5 hlm. 226) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 5 · hlm. 226 · #55757
َالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾: يَعْمَلُونَ به، يقولون: نَعْمَلُ بالمُحْكَمِ ونُؤْمِنُ به، ونُؤْمِنُ بالمتشابِهِ ولا نَعْمَلُ به، وكلٌّ من عندِ ربِّنا. واختلَف أهلُ العربيةِ في حكمِ "كلّ" إذا أُضْمِرَ فيها؛ فقال بعضُ نحويِّي البصريِّين: إنما جاز حذفُ المرادِ الذي كان معها، الذي "الكُلُّ" إليه مضافٌ في هذا الموضعِ؛ لأنها اسمٌ، كما قال: ﴿إِنَّا كُلٌّ فِيهَا﴾ [غافر: ٤٨] بمعنى: إِنَّا كلُّنا فيها. قال: ولا يكونُ "كلٌّ" مُضْمَرًا [فيها وهي صفةٌ، لا يقالُ: مَرَرْتُ بالقومِ كلٍّ. وإنما يكونُ فيها مُضْمَرٌ] إذا جعلْتَها اسمًا، لو كان: إنّا كلًّا فيها، على الصفةِ، لم يَجُز؛ لأنَّ الإضمارَ فيها ضعيفٌ، لا يَتَمَكَّن في كلِّ مكانٍ. وكان بعضُ نحويِّي الكوفيِّين يَرَى الإضمارَ فيها وهي صفةٌ أو اسمٌ سواءً؛ لأنه غيرُ جائزٍ أَن يُحْذَفَ ما بعدَها عندَه إلا وهى كافيةُ بنفسها عمّا كانت تُضاف إليه من المُضْمَرِ، وغيرُ جائزٍ أن تكونَ كافيةً منه في حالٍ، ولا تكونَ كافيةً في أُخْرَى.
QS 3:7 (jilid 5 hlm. 226) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 5 · hlm. 226 · #55758
ْذَفَ ما بعدَها عندَه إلا وهى كافيةُ بنفسها عمّا كانت تُضاف إليه من المُضْمَرِ، وغيرُ جائزٍ أن تكونَ كافيةً منه في حالٍ، ولا تكونَ كافيةً في أُخْرَى. وقال: سبيلُ "الكلِّ" و"البعضِ" في الدَّلالةِ على ما بعدَهما بأنفسِهما وكفايتِهما منه بمعنًى واحدٍ في كلِّ حالٍ، صفةً كانت أو اسمًا. وهذا القولُ الثاني أَوْلَى بالقياسِ؛ لأنها إذا كانت كافيةً بنفسِها مما حُذِف منها في حالٍ لدلالتها عليه، فالحكم فيها أنها كلَّما وُجدَتْ دالَّةً على ما بعدها، فهى كافيةٌ منه.
QS 3:7 (jilid 5 hlm. 227) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 5 · hlm. 227 · #55759
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾. يعنى بذلك جل ثناؤُه: وما يَتَذَكَّرُ ويَتَّعِظُ ويَنزَجِرُ عن أن يقولَ في متشابِهِ آي كتابِ اللهِ ما لا علمَ له به، إلا أولو العقولِ والنُّهَى. وقد حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سلَمةُ، عن ابن إسحاقَ، عن محمدِ بن جعفرِ بن الزُّبيرِ: ﴿وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ يقولُ: وما يَذَّكَّرُ في مثل هذا، يعني: في ردِّ تأويلِ المتشابِهِ إلى ما قد عُرِف من تأويلِ المُحْكَمِ، حتى يَتَّسِقا على معنًى واحدٍ، إلا أولو الألبابِ.
QS 3:7-9 (jilid 2 hlm. 6) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 2 · hlm. 6 · #82798
﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلا أُولُو الأَلْبَابِ (٧) رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (٨) رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ (٩)﴾ يخبر تعالى أن في القرآن آيات محكمات هن أم الكتاب، أي: بينات واضحات الدلالة، لا التباس فيها على أحد من الناس، ومنه آيات أخر فيها اشتباه في الدلالة على كثير من الناس أو بعضهم، فمن ردّ ما اشتبه عليه إلى الواضح منه، وحكم محكمه على متشابهه عنده، فقد اهتدى.
QS 3:7-9 (jilid 2 hlm. 6) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 2 · hlm. 6 · #82799
الناس، ومنه آيات أخر فيها اشتباه في الدلالة على كثير من الناس أو بعضهم، فمن ردّ ما اشتبه عليه إلى الواضح منه، وحكم محكمه على متشابهه عنده، فقد اهتدى. ومن عكس انعكس؛ ولهذا قال تعالى: (هُوَ الَّذِي أَنزلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ) أي: أصله الذي يرجع إليه عند الاشتباه (وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ) أي: تحتمل دلالتها موافقة المحكم، وقد تحتمل شيئًا آخر من حيث اللفظ والتركيب، لا من حيث المراد. وقد اختلفوا في المحكم والمتشابه، فروي عن السلف عبارات كثيرة، فقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس [أنه قال] المحكمات ناسخه، وحلاله وحرامه، وحدوده وفرائضه، وما يؤمر به ويعمل به. وكذا روي عن عكرمة، ومجاهد، وقتادة، والضحاك، ومُقاتل بن حَيّان، والربيع بن أنس، والسُّدِّي أنهم قالوا: المحكم الذي يعمل به.
QS 3:7-9 (jilid 2 hlm. 7) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 2 · hlm. 7 · #82800
ائضه، وما يؤمر به ويعمل به. وكذا روي عن عكرمة، ومجاهد، وقتادة، والضحاك، ومُقاتل بن حَيّان، والربيع بن أنس، والسُّدِّي أنهم قالوا: المحكم الذي يعمل به. وعن ابن عباس أيضًا أنه قال: المحكمات [في] قوله تعالى: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [الأنعام: ١٥١] والآيتان بعدها، وقوله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء: ٢٣] إلى ثلاث آيات بعدها. رواه ابن أبي حاتم، وحكاه عن سعيد بن جُبَيْر [ثم] قال: حدثنا أبي، حدثنا سليمان بن حرب، حدّثنا حماد بن زيد، عن إسحاق بن سُوَيْد أن يحيى بن يَعْمَر وأبا فاختة تراجعا في هذه الآية: (هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ) فقال أبو فاختة: فواتح السور.
QS 3:7-9 (jilid 2 hlm. 7) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 2 · hlm. 7 · #82801
حرب، حدّثنا حماد بن زيد، عن إسحاق بن سُوَيْد أن يحيى بن يَعْمَر وأبا فاختة تراجعا في هذه الآية: (هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ) فقال أبو فاختة: فواتح السور. وقال يحيى بن يَعْمَر: الفرائض، والأمر والنهي، والحلال والحرام. وقال ابن لَهِيعَة، عن عطاء بن دينار، عن سعيد بن جبير: (هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ) يقول: أصل الكتاب، وإنما سماهن أم الكتاب؛ لأنهن مكتوبات في جميع الكتب. وقال مقاتل بن حيان: لأنه ليس من أهل دين إلا يرضى بهنّ. وقيل في المتشابهات: إنهن المنسوخة، والمقدم منه والمؤخر، والأمثال فيه والأقسام، وما يؤمن به ولا يعمل به. رواه علي بن أبي طلحة عن ابن عباس. وقيل: هي الحروف المقطعة في أوائل السور، قاله مقاتل بن حيان. وعن مجاهد: المتشابهات يصدق بعضهن بعضًا.
QS 3:7-9 (jilid 2 hlm. 7) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 2 · hlm. 7 · #82802
به ولا يعمل به. رواه علي بن أبي طلحة عن ابن عباس. وقيل: هي الحروف المقطعة في أوائل السور، قاله مقاتل بن حيان. وعن مجاهد: المتشابهات يصدق بعضهن بعضًا. وهذا إنما هو في تفسير قوله: ﴿كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ﴾ [الزمر: ٢٣] هناك ذكروا: أن المتشابه هو الكلام الذي يكون في سياق واحد، والمثاني هو الكلام في شيئين متقابلين كصفة الجنة وصفة النار، وذكر حال الأبرار ثم حال الفجار، ونحو ذلك فأما هاهنا فالمتشابه هو الذي يقابل المحكم. وأحسن ما قيل فيه الذي قدمناه، وهو الذي نص عليه محمد بن إسحاق بن يسار، ﵀، حيث قال: (مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ) فيهن حجة الرب، وعصمة العباد، ودفع الخصوم والباطل، ليس لهن تصريف ولا تحريف عما وضعن عليه. قال: والمتشابهات في الصدق، لهن تصريف وتحريف وتأويل، ابتلى الله فيهن العباد، كما ابتلاهم في الحلال والحرام ألا يصرفن إلى الباطل، ولا يحرّفن عن الحق.
QS 3:7-9 (jilid 2 hlm. 7) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 2 · hlm. 7 · #82803
ه. قال: والمتشابهات في الصدق، لهن تصريف وتحريف وتأويل، ابتلى الله فيهن العباد، كما ابتلاهم في الحلال والحرام ألا يصرفن إلى الباطل، ولا يحرّفن عن الحق. ولهذا قال تعالى: (فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ) أي: ضلال وخروج عن الحق إلى الباطل (فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ) أي: إنما يأخذون منه بالمتشابه الذي يمكنهم أن يحرّفوه إلى مقاصدهم الفاسدة، وينزلوه عليها، لاحتمال لفظه لما يصرفونه فأما المحكم فلا نصيب لهم فيه؛ لأنه دامغ لهم وحجة عليهم، ولهذا قال: (ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ) أي: الإضلال لأتباعهم، إيهامًا لهم أنهم يحتجون على بدعتهم بالقرآن، وهذا حجة عليهم لا لهم، كما لو احتج النصارى بأن القرآن قد نطق بأن عيسى هو روح الله وكلمته ألقاها إلى مريم، وتركوا الاحتجاج بقوله [تعالى] ﴿إِنْ هُوَ إِلا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ﴾ [الزخرف: ٥٩] وبقوله: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آل عمران: ٥٩] وغير ذلك من الآيات
QS 3:7-9 (jilid 2 hlm. 8) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 2 · hlm. 8 · #82804
٩] وبقوله: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آل عمران: ٥٩] وغير ذلك من الآيات المحكمة المصرحة بأنه خلق من مخلوقات الله، وعبد، ورسول من رسل الله. وقوله: (وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ) أي: تحريفه على ما يريدون وقال مقاتل والسدي: يبتغون أن يعلموا ما يكون وما عواقب الأشياء من القرآن. وقد قال الإمام أحمد: حدثنا إسماعيل، حدثنا أيوب عن عبد الله بن أبي مُلَيْكَة، عن عائشة قالت: قرأ رسول الله ﷺ: (هُوَ الَّذِي أَنزلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ [فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ]) إلى قوله: (أُولُو الألْبَابِ) فقال: "فإذا رأيتم الذين يُجَادِلُون فيه فهم الذين عَنَى اللهُ فَاحْذَرُوهُمْ". هكذا وقع هذا الحديث في مسند الإمام أحمد، ﵀، من رواية ابن أبي مُلَيْكَة، عن عائشة، ليس بينهما أحد.
QS 3:7-9 (jilid 2 hlm. 8) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 2 · hlm. 8 · #82805
جَادِلُون فيه فهم الذين عَنَى اللهُ فَاحْذَرُوهُمْ". هكذا وقع هذا الحديث في مسند الإمام أحمد، ﵀، من رواية ابن أبي مُلَيْكَة، عن عائشة، ليس بينهما أحد. وهكذا رواه ابن ماجة من طريق إسماعيل بن عُلَيَّة وعبد الوهاب الثقفي، كلاهما عن أيوب، عن عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكة، عنها. ورواه محمد بن يحيى العبدي في مسنده عن عبد الوهاب الثقفي، عن أيوب، به. وكذا رواه عبد الرزاق، عن مَعْمَر عن أيوب. وكذا رواه غير واحد عن أيوب. وقد رواه ابن حبان في صحيحه، من حديث أيوب، به. وتابع أيوب أبو عامر الخزاز وغيره عن ابن أبي مليكة، فرواه الترمذي عن بُنْدار، عن أبي داود الطيالسي، عن أبي عامر الخزاز، فذكره. وهكذا رواه سعيد بن منصور في سننه، عن حماد بن يحيى الأبَحّ، عن عبد الله بن أبي مليكة، عن عائشة. ورواه ابن جرير، من حديث روح بن القاسم ونافع بن عمر الجُمَحِيّ، كلاهما عن ابن أبي مليكة، عن عائشة، به.
QS 3:7-9 (jilid 2 hlm. 8) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 2 · hlm. 8 · #82806
يى الأبَحّ، عن عبد الله بن أبي مليكة، عن عائشة. ورواه ابن جرير، من حديث روح بن القاسم ونافع بن عمر الجُمَحِيّ، كلاهما عن ابن أبي مليكة، عن عائشة، به. وقال نافع في روايته عن ابن أبي مليكة: حدثتني عائشةَ، فذكره. وقد روى هذا الحديث البخاري، ﵀، عند تفسير هذه الآية، ومسلم في كتاب القدر من صحيحه، وأبو داود في السنة من سننه، ثلاثتهم، عن القَعْنَبِيِّ، عن يزيد بن إبراهيم التُّسْتَريّ، عن ابن أبي مليكة، عن القاسم بن محمد، عن عائشة، ﵂، قالت: تلا رسول الله ﷺ: (هُوَ الَّذِي أَنزلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ [هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ]) إلى قوله: (وَمَا يَذَّكَّرُ إِلا أُولُو الألْبَابِ) قالت: قال رسول الله ﷺ: "فإذا رأيتَ الذين يتَّبِعُون ما تشابه منه فأولئك الذين سَمَّى اللهُ فَاحْذَرُوهُمْ" لفظ البخاري. وكذا رواه الترمذي أيضًا، عن بندار، عن أبي داود الطيالسي، عن يزيد بن إبراهيم التستري، به. وقال: حسن صحيح.
QS 3:7-9 (jilid 2 hlm. 9) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 2 · hlm. 9 · #82807
ين سَمَّى اللهُ فَاحْذَرُوهُمْ" لفظ البخاري. وكذا رواه الترمذي أيضًا، عن بندار، عن أبي داود الطيالسي، عن يزيد بن إبراهيم التستري، به. وقال: حسن صحيح. وذكر أن يزيد بن إبراهيم التستري تفرد بذكر القاسم في هذا الإسناد، وقد رواه غير واحد عن ابن أبي مليكة، عن عائشة، ولم يذكروا القاسم. كذا قال. ورواه ابن المنذر في تفسيره من طريقين عن النعمان بن محمد بن الفضل السَّدُوسِيّ -ولقبه عارم-حدثنا حماد بن زيد، حدثنا أيوب، عن ابن أبي مليكة، عن عائشة، به. وقد رواه ابن أبي حاتم فقال: حدثنا أبي، حدثنا أبو الوليد الطيالسي، حدثنا يزيد بن إبراهيم التستري وحَمّاد بن سلمة، عن ابن أبي مليكة، عن القاسم بن محمد، عن عائشة قالت: سئل رسول الله ﷺ عن قول الله ﷿: (فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ) فقال رسول الله ﷺ: "إذا رأيتم الذين يَتَّبِعُونَ ما تشابه منهُ فأولئك الذين سَمَّى اللهُ، فَاحْذَرُوهُمْ".
QS 3:7-9 (jilid 2 hlm. 9) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 2 · hlm. 9 · #82808
زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ) فقال رسول الله ﷺ: "إذا رأيتم الذين يَتَّبِعُونَ ما تشابه منهُ فأولئك الذين سَمَّى اللهُ، فَاحْذَرُوهُمْ". وقال ابن جرير: حدثنا علي بن سهل حدثنا الوليد بن مسلم، عن حماد بن سلمة، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة قالت: نزع رسول الله ﷺ بهذه الآية: (فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ) فقال رسول الله ﷺ: "قد حَذَّرَكُمُ اللهُ، فإذا رأيْتُمُوهم فَاعْرفُوهُمْ". ورواه ابن مَرْدُويه من طريق أخرى، عن القاسم، عن عائشة به. وقال الإمام أحمد: حدثنا أبو كامل، حدثنا حماد، عن أبي غالب قال: سمعت أبا أمامة يحدث، عن النبي ﷺ في قوله: (فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ) قال: "هم الخوارج"، وفي قوله: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾.
QS 3:7-9 (jilid 2 hlm. 9) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 2 · hlm. 9 · #82809
َا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ) قال: "هم الخوارج"، وفي قوله: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾. [آل عمران: ١٠٦] قال: (رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ) "هم الخوارج". وقد رواه ابن مردويه من غير وجه، عن أبي غالب، عن أبي أمامة مرفوعا، فذكره. وهذا الحديث أقل أقسامه أن يكون موقوفًا من كلام الصحابي، ومعناه صحيح؛ فإن أوّل بدعة وقعت في الإسلام فتنة الخوارج، وكان مبدؤهم بسبب الدنيا حين قسم رسول الله ﷺ غنائم حُنَيْن، فكأنهم رأوا في عقولهم الفاسدة أنه لم يعدل في القسمة، ففاجؤوه بهذه المقالة، فقال قائلهم -وهو ذو الخُوَيْصرة-بقر الله خاصرته-اعدل فإنك لم تعدل، فقال له رسول الله ﷺ: "لقد خِبْتُ وخَسرْتُ إنْ لَمْ أكن أَعدل، أيأمَنُني على أهل الأرض ولا تَأمَنُونِي".
QS 3:7-9 (jilid 2 hlm. 10) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 2 · hlm. 10 · #82810
لخُوَيْصرة-بقر الله خاصرته-اعدل فإنك لم تعدل، فقال له رسول الله ﷺ: "لقد خِبْتُ وخَسرْتُ إنْ لَمْ أكن أَعدل، أيأمَنُني على أهل الأرض ولا تَأمَنُونِي". فلما قفا الرجل استأذن عمر بن الخطاب -وفي رواية: خالد بن الوليد-[ولا بُعد في الجمع] -رسول الله في قتله، فقال: "دَعْهُ فإنه يخرج من ضِئْضِئ هذا-أي: من جنسه -قوم يَحْقِرُ أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم، وقراءته مع قراءتهم، يَمْرُقُونَ من الدين كما يَمْرُقُ السهم من الرّمِيَّة، فأينما لقيتموهم فاقتلوهم، فإن في قتلهم أجْرًا لمن قتلهم". ثم كان ظهورهم أيام علي بن أبي طالب، وقتلهم بالنَّهْروان، ثم تشعبت منهم شعوب وقبائل وآراء وأهواء ومقالات ونِحَلٌ كثيرة منتشرة، ثم نَبَعَت القَدَرَيّة، ثم المعتزلة، ثم الجَهْمِيَّة، وغير ذلك من البدع التي أخبر عنها الصادق المصدوق في قوله: "وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فِرْقَةً، كلها في النار إلا واحدة" قالوا: [من] هم يا رسول الله؟
QS 3:7-9 (jilid 2 hlm. 10) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 2 · hlm. 10 · #82811
لك من البدع التي أخبر عنها الصادق المصدوق في قوله: "وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فِرْقَةً، كلها في النار إلا واحدة" قالوا: [من] هم يا رسول الله؟ قال: " من كان على ما أنا عليه وأصحابي" أخرجه الحاكم في مستدركه بهذه الزيادة. وقال الحافظ أبو يَعْلَى: حدثنا أبو موسى، حدثنا عمرو بن عاصم، حدثنا المعتمر، عن أبيه، عن قتادة، عن الحسن عن جندب بن عبد الله أنه بلغه، عن حذيفة -أو سمعه منه-يحدث عن رسول الله ﷺ أنه ذكر: " إن في أمّتي قومًا يقرؤون القرآن يَنْثُرُونَهُ نَثْر الدَّقَل، يَتَأوَّلُوْنَهُ على غير تأويله". [لم] يخرجوه. [وقوله] (وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلا اللَّهُ) اختلف القراء في الوقف هاهنا، فقيل: على الجلالة، كما تقدم عن ابن عباس أنه قال: التفسير على أربعة أنحاء: فتفسير لا يعذر أحد في فهمه، وتفسير تعرفه العرب من لغاتها، وتفسير يعلمه الراسخون في العلم، وتفسير لا يعلمه إلا الله ﷿.
QS 3:7-9 (jilid 2 hlm. 10) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 2 · hlm. 10 · #82812
ه قال: التفسير على أربعة أنحاء: فتفسير لا يعذر أحد في فهمه، وتفسير تعرفه العرب من لغاتها، وتفسير يعلمه الراسخون في العلم، وتفسير لا يعلمه إلا الله ﷿. ويروى هذا القول عن عائشة، وعروة، وأبي الشعثاء، وأبي نَهِيك، وغيرهم. وقد قال الحافظ أبو القاسم في المعجم الكبير: حدثنا هاشم بن مرثد حدثنا محمد بن إسماعيل بن عياش، حدثني أبي، حدثني ضَمْضَم بن زُرْعَة، عن شُرَيْح بن عبيد، عن أبي مالك الأشعري أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: " لا أخاف على أمّتي إلا ثلاث خلال: أن يكثر لهم المال
QS 3:7-9 (jilid 2 hlm. 10) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 2 · hlm. 10 · #82813
أبي، حدثني ضَمْضَم بن زُرْعَة، عن شُرَيْح بن عبيد، عن أبي مالك الأشعري أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: " لا أخاف على أمّتي إلا ثلاث خلال: أن يكثر لهم المال فيتحاسدوا فيقتتلوا، وأن يفتح لهم الكتاب فيأخذه المؤمن يبتغي تأويله، (وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ [كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلا أُولُو الألْبَابِ]) الآية، وأن يزداد علمهم فيضيعوه ولا يبالون عليه " غريب جدا وقال الحافظ أبو بكر بن مردويه: حدثنا محمد بن أحمد بن إبراهيم، أخبرنا أحمد بن عمرو، أخبرنا هشام بن عمار، أخبرنا ابن أبي حاتم عن أبيه، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن ابن العاص، عن رسول الله ﷺ قال: "إن القرآن لم ينزل ليكذب بعضه بعضًا، فما عرفتم منه فاعملوا به، وما تشابه منه فآمنوا به".
QS 3:7-9 (jilid 2 hlm. 11) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 2 · hlm. 11 · #82814
، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن ابن العاص، عن رسول الله ﷺ قال: "إن القرآن لم ينزل ليكذب بعضه بعضًا، فما عرفتم منه فاعملوا به، وما تشابه منه فآمنوا به". وقال عبد الرزاق: أنبأنا مَعْمَر، عن ابن طاوس، عن أبيه قال: كان ابن عباس يقرأ: "وما يعلم تأويله إلا الله، ويقول الراسخون: آمنا به" وكذا رواه ابن جرير، عن عمر بن عبد العزيز، ومالك بن أنس: أنهم يؤمنون به ولا يعلمون تأويله. وحكى ابن جرير أن في قراءة عبد الله بن مسعود: "إن تأويله إلا عند الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به". وكذا عن أبي بن كعب. واختار ابن جرير هذا القول. ومنهم من يقف على قوله: (وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ) وتبعهم كثير من المفسرين وأهل الأصول، وقالوا: الخطاب بما لا يفهم بعيد. وقد روى ابن أبي نجَِيح، عن مجاهد، عن ابن عباس أنه قال: أنا من الراسخين الذين يعلمون تأويله. وقال ابن أبي نجيح، عن مجاهد: والراسخون في العلم يعلمون تأويله ويقولون آمنا به.
QS 3:7-9 (jilid 2 hlm. 11) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 2 · hlm. 11 · #82815
ح، عن مجاهد، عن ابن عباس أنه قال: أنا من الراسخين الذين يعلمون تأويله. وقال ابن أبي نجيح، عن مجاهد: والراسخون في العلم يعلمون تأويله ويقولون آمنا به. وكذا قال الربيع بن أنس. وقال محمد بن إسحاق، عن محمد بن جعفر بن الزبير: (وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ) الذي أراد ما أراد (إِلا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ) ثم ردوا تأويل المتشابه على ما عرفوا من تأويل المُحْكَمَة التي لا تأويل لأحد فيها إلا تأويل واحد، فاتسق بقولهم الكتاب، وصدق بعضه بعضًا، فنفذت الحجة، وظهر به العذر، وزاح به الباطل، ودفع به الكفر. وفي الحديث أن رسول الله ﷺ دعا لابن عباس فقال: "اللهم فَقِّهْهُ في الدين وعلمه التأويل".
QS 3:7-9 (jilid 2 hlm. 11) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 2 · hlm. 11 · #82816
ًا، فنفذت الحجة، وظهر به العذر، وزاح به الباطل، ودفع به الكفر. وفي الحديث أن رسول الله ﷺ دعا لابن عباس فقال: "اللهم فَقِّهْهُ في الدين وعلمه التأويل". ومن العلماء من فصل في هذا المقام، فقال: التأويل يطلق ويراد به في القرآن معنيان، أحدهما: التأويل بمعنى حقيقة الشيء، وما يؤول أمره إليه، ومنه قوله تعالى: ﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا﴾ [يوسف: ١٠٠] وقوله ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ﴾ [الأعراف: ٥٣] أي: حقيقة ما أخبروا به من أمر المعاد، فإن أريد بالتأويل هذا، فالوقف على الجلالة؛ لأن حقائق الأمور وكنهها لا يعلمه على الجلية إلا الله ﷿، ويكون قوله: (وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ) مبتدأ و (يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ) خبره.
QS 3:7-9 (jilid 2 hlm. 12) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 2 · hlm. 12 · #82817
الجلالة؛ لأن حقائق الأمور وكنهها لا يعلمه على الجلية إلا الله ﷿، ويكون قوله: (وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ) مبتدأ و (يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ) خبره. وأما إن أريد بالتأويل المعنى الآخر وهو التفسير والتعبير والبيان عن الشيء كقوله تعالى: ﴿نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ﴾ [يوسف: ٣٦] أي: بتفسيره، فإن أريد به هذا المعنى، فالوقف على: (وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ) لأنهم يعلمون ويفهمون ما خوطبوا به بهذا الاعتبار، وإن لم يحيطوا علمًا بحقائق الأشياء على كنه ما هي عليه، وعلى هذا فيكون قوله: (يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ) حالا منهم، وساغ هذا، وهو أن يكون من المعطوف دون المعطوف عليه، كقوله: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ﴾ إلى قوله: ﴿[وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ] يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا [الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ]﴾ الآية [الحشر: ٨ - ١٠]، وكقوله تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر: ٢٢] أي: وجاءت
QS 3:7-9 (jilid 2 hlm. 12) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 2 · hlm. 12 · #82818
خْوَانِنَا [الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ]﴾ الآية [الحشر: ٨ - ١٠]، وكقوله تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر: ٢٢] أي: وجاءت الملائكة صفوفًا صفوفًا. وقوله إخبارًا عنهم أنهم (يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ) أي: بالمتشابه (كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا) أي: الجميع من المحكم والمتشابه حق وصدق، وكل واحد منهما يصدق الآخر ويشهد له؛ لأن الجميع من عند الله وليس شيء من عند الله بمختلف ولا متضاد لقوله: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢] ولهذا قال تعالى: (وَمَا يَذَّكَّرُ إِلا أُولُو الألْبَابِ) أي: إنما يفهم ويعقل ويتدبر المعاني على وجهها أولو العقول السليمة والفهوم المستقيمة.
QS 3:7-9 (jilid 2 hlm. 12) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 2 · hlm. 12 · #82819
اء: ٨٢] ولهذا قال تعالى: (وَمَا يَذَّكَّرُ إِلا أُولُو الألْبَابِ) أي: إنما يفهم ويعقل ويتدبر المعاني على وجهها أولو العقول السليمة والفهوم المستقيمة. وقد قال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن عوف الحِمْصَيّ، حدثنا نُعَيْم بن حماد، حدثنا فياض الرَّقِّيّ، حدّثنا عبد الله بن يزيد -وكان قد أدرك أصحاب النبي ﷺ: أنسًا، وأبا أمامة، وأبا الدرداء، ﵃، قال: حدثنا أبو الدرداء، أن رسول الله ﷺ سئل عن الراسخين في العلم، فقال: "من بَرَّت يمينه، وصدق لسانه، واستقام قلبه، ومن أَعَفَّ بطنه وفرجه، فذلك من الراسخين في العلم". وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، حدثنا مَعْمَر، عن الزهري، عن عمر بن شعيب عن أبيه، عن جده قال: سمع رسول الله ﷺ قومًا يتدارءون فقال: "إنما هلك من كان قبلكم بهذا، ضربوا كتاب الله بعضه ببعض، وإنما أنزل كتاب الله ليصدق بعضه بعضًا، فلا تكذبوا بعضه ببعض، فما علمتم منه فقولوا، وما جهلتم فَكِلُوهُ إلى عَالِمِه".
QS 3:7-9 (jilid 2 hlm. 12) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 2 · hlm. 12 · #82820
بهذا، ضربوا كتاب الله بعضه ببعض، وإنما أنزل كتاب الله ليصدق بعضه بعضًا، فلا تكذبوا بعضه ببعض، فما علمتم منه فقولوا، وما جهلتم فَكِلُوهُ إلى عَالِمِه". و [قد] تقدم رواية ابن مردويه لهذا الحديث، من طريق هشام بن عمار، عن ابن أبي حازم عن أبيه، عن عمرو بن شعيب، به. وقد قال الحافظ أبو يعلى أحمد بن علي بن المثنى الموصلي في مسنده، حدثنا زهير بن حرب، حدثنا أنس بن عياض، عن أبي حازم، عن أبي سلمة قال: لا أعلمه إلا عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: "نزل القرآن على سبعة أحرف، والمِرَاءُ في القرآن كفر -ثلاثًا-ما عرفتم منه فاعملوا به، وما جهلتم منه فردوه إلى عالمه". وهذا إسناد صحيح، ولكن فيه علة بسبب قول الراوي: "لا أعلمه إلا عن أبي هريرة". وقال ابن المنذر في تفسيره: أخبرنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، أخبرنا ابن وهب قال: أخبرني نافع بن يزيد قال: يقال: الراسخون في العلم المتواضعون لله، المتذللون لله في مرضاته، لا يتعاطون من فوقهم، ولا يحقرون من دونهم.
QS 3:7-9 (jilid 2 hlm. 13) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 2 · hlm. 13 · #82821
برنا ابن وهب قال: أخبرني نافع بن يزيد قال: يقال: الراسخون في العلم المتواضعون لله، المتذللون لله في مرضاته، لا يتعاطون من فوقهم، ولا يحقرون من دونهم. [ولهذا قال تعالى: (وَمَا يَذَّكَّرُ إِلا أُولُو الألْبَابِ) أي: إنما يفهم ويعقل ويتدبر المعاني على وجهها أولو العقول السليمة أو الفهوم المستقيمة]. ثم قال تعالى عنهم مخبرًا أنهم دعوا ربهم قائلين: (رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا) أي: لا تملها عن الهدى بعد إذ أقمتها عليه ولا تجعلنا كالذين في قلوبهم زيغ، الذين يتبعون ما تشابه من القرآن ولكن ثبتنا على صراطك المستقيم، ودينك القويم (وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ) أي: من عندك (رَحْمَةً) تثبت بها قلوبنا، وتجمع بها شملنا، وتزيدنا بها إيمانًا وإيقانًا (إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ)
QS 3:7-9 (jilid 2 hlm. 13) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 2 · hlm. 13 · #82822
القويم (وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ) أي: من عندك (رَحْمَةً) تثبت بها قلوبنا، وتجمع بها شملنا، وتزيدنا بها إيمانًا وإيقانًا (إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ) قال ابن أبي حاتم: حدثنا عمرو بن عبد الله الأوْدِي -وقال ابن جرير: حدثنا أبو كُرَيْب -قالا جميعًا: حدثنا وَكِيع، عن عبد الحميد بن بَهْرام، عن شهر بن حَوْشَب، عن أم سلمة، ﵂، أن النبي ﷺ كان يقول: "يا مُقَلِّبَ القلوب ثَبِّتْ قلبي على دينك" ثم قرأ: (رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ) رواه ابن مردويه من طريق محمد بن بَكَّار، عن عبد الحميد بن بهرام، عن شهر بن حوشب، عن أم سلمة، وهي أسماء بنت يزيد بن السكن، سمعها تحد ث أن رسول الله ﷺ كان يكثر في دعائه: "اللهم مقلب القلوب، ثبت قلبي على دينك" قالت: قلت: يا رسول الله، وإن القلب ليتقلب؟ قال: "نعم، ما خلق الله من بني آدم من بشر إلا أن قلبه بين أصبعين من أصابع الله ﷿، فإن شاء أقامه، وإن شاء أزاغه".
QS 3:7-9 (jilid 2 hlm. 13) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 2 · hlm. 13 · #82823
قلت: يا رسول الله، وإن القلب ليتقلب؟ قال: "نعم، ما خلق الله من بني آدم من بشر إلا أن قلبه بين أصبعين من أصابع الله ﷿، فإن شاء أقامه، وإن شاء أزاغه". فنسأل الله ربنا ألا يزيغ قلوبنا بعد إذ هدانا، ونسأله أن يهب لنا من لدنه رحمة، إنه هو الوهاب. وهكذا رواه ابن جرير من حديث أسد بن موسى، عن عبد الحميد بن بهرام، به مثله. ورواه أيضًا عن المثنى، عن الحجاج بن مِنْهَال، عن عبد الحميد بن بهرام، به مثله، وزاد: "قلت يا رسول الله، ألا تعلمني دعوة أدعو بها لنفسي؟ قال: بلى قولي: اللهم رب النبي محمد، اغفر لي ذنبي، وأذهب غَيْظ قلبي، وأجِرْنِي من مُضِلاتِ الفتن". ثم قال ابن مردويه: حدثنا سليمان بن أحمد، حدثنا محمد بن هارون بن بكار الدمشقي، أخبرنا العباس بن الوليد الخلال، أخبرنا يزيد بن يحيى بن عبيد الله، أخبرنا سعيد بن بشير، عن قتادة، عن أبي حسان الأعرج عن عائشة، ﵂، قالت: كان رسول الله ﷺ كثيرًا ما يدعو: "يا مقلب القلوب، ثبت قلبي على دينك"، قلت: يا رسول الله، ما أكثر ما تدعو بهذا الدعاء.
QS 3:7-9 (jilid 2 hlm. 14) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 2 · hlm. 14 · #82824
ي حسان الأعرج عن عائشة، ﵂، قالت: كان رسول الله ﷺ كثيرًا ما يدعو: "يا مقلب القلوب، ثبت قلبي على دينك"، قلت: يا رسول الله، ما أكثر ما تدعو بهذا الدعاء. فقال: "ليس من قلب إلا وهو بين أصبعين من أصابع الرحمن، إذا شاء أن يقيمه أقامه، وإذا شاء أن يزيغه أزاغه، أما تسمعين قوله: (رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ) ". غريب من هذا الوجه، ولكن أصله ثابت في الصحيحين، وغيرهما من طرق كثيرة بدون زيادة ذكر هذه الآية الكريمة.
QS 3:7-9 (jilid 2 hlm. 14) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 2 · hlm. 14 · #82825
لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ) ". غريب من هذا الوجه، ولكن أصله ثابت في الصحيحين، وغيرهما من طرق كثيرة بدون زيادة ذكر هذه الآية الكريمة. وقد روى أبو داود والنسائي وابن مردويه، من حديث أبي عبد الرحمن المقري -زاد النسائي وابن حبان: وعبد الله بن وهب، كلاهما عن سعيد بن أبي أيوب حدّثني عبد الله بن الوليد التُّجيبي، عن سعيد بن المسيب، عن عائشة، ﵂، أن رسول الله ﷺ كان إذا استيقظ من الليل قال: "لا إله إلا أنت سبحانك، اللهم إني أستغفرك لذنبي، وأسألك رحمة، اللهم زدني علمًا، ولا تزغ قلبي بعد إذ هديتني، وهب لي من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب" لفظ ابن مردويه.
QS 3:7-9 (jilid 2 hlm. 14) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 2 · hlm. 14 · #82826
لا أنت سبحانك، اللهم إني أستغفرك لذنبي، وأسألك رحمة، اللهم زدني علمًا، ولا تزغ قلبي بعد إذ هديتني، وهب لي من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب" لفظ ابن مردويه. وقال عبد الرزاق، عن مالك، عن أبي عبيد -مولى سليمان بن عبد الملك-عن عبادة بن نُسَيّ، أنه أخبره، أنه سمع قيس بن الحارث يقول: أخبرني أبو عبد الله الصُنَابِحي، أنه صلى وراء أبي بكر الصديق المغرب، فقرأ أبو بكر في الركعتين الأوليين بأم القرآن وسورتين من قصار المفصل، وقرأ في الركعة الثالثة، قال: فدنوت منه حتى إن ثيابي لتكاد تمس ثيابه، فسمعته يقرأ بأم القرآن وهذه الآية: (رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا [وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ]). قال أبو عبيد: وأخبرني عُبَادة بن نُسَيّ: أنه كان عند عمر بن عبد العزيز في خلافته، فقال عمر لقيس: كيف أخبرتني عن أبي عبد الله الصنابحي فأخبره بما سمع أبا عبد الله ثانيا. قال عمر: فما تركناها منذ سمعناها منه، وإن كنت قبل ذلك لَعَلَى غير ذلك.
QS 3:7-9 (jilid 2 hlm. 14) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 2 · hlm. 14 · #82827
لقيس: كيف أخبرتني عن أبي عبد الله الصنابحي فأخبره بما سمع أبا عبد الله ثانيا. قال عمر: فما تركناها منذ سمعناها منه، وإن كنت قبل ذلك لَعَلَى غير ذلك. فقال له رجل: على أي شيء كان أمير المؤمنين قبل ذلك؟ قال: كنت أقرأ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١] وقد روى هذا الأثر الوليد بن مسلم، عن مالك والأوزاعي، كلاهما عن أبي عبيد، به. ورواه الوليد أيضًا، عن ابن جابر، عن يحيى بن يحيى الغساني، عن محمود بن لبيد، عن الصُّنَابِحي: أنه صلى خلف أبي بكر، ﵁، المغرب فقرأ في الأوليين بفاتحة الكتاب وسورة قصيرة، يجهر بالقراءة، فلما قام إلى الثالثة ابتدأ القراءة فدنوت منه حتى إن ثيابي لتمس ثيابه، فقرأ هذه الآية: (رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا [بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ]).
QS 3:7-9 (jilid 2 hlm. 15) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 2 · hlm. 15 · #82828
لتمس ثيابه، فقرأ هذه الآية: (رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا [بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ]). وقوله: (رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ) أي: يقولون في دعائهم: إنك -يا ربنا-ستجمع بين خلقك يوم معادهم، وتفصل بينهم وتحكم فيهم فيما اختلفوا فيه، وتجزي كلا بعمله، وما كان عليه في الدنيا من خير وشر.
QS 3:7 (jilid 1 hlm. 316) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 316 · #96472
قوله تعالى: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾ الآية. لا يخفى أن هذه الواو محتملة للاستئناف، فيكون قوله: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ مبتدأ، وخبره يَقُولُونَ، وعليه فالمتشابه لا يعلم تأويله إلا الله وحده، والوقف على هذا تام على لفظة الجلالة، ومحتملة لأن تكون عاطفة، فيكون قوله: ﴿وَالرَّاسِخُونَ﴾ معطوفا على لفظ الجلالة، وعليه فالمتشابه يعلم تأويله الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ أيضا، وفي الآية إشارات تدل على أن الواو استئنافية، لا عاطفة.
QS 3:7 (jilid 1 hlm. 317) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 317 · #96473
سِخُونَ﴾ معطوفا على لفظ الجلالة، وعليه فالمتشابه يعلم تأويله الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ أيضا، وفي الآية إشارات تدل على أن الواو استئنافية، لا عاطفة. قال ابن قدامة: في روضة الناظر ما نصه: ولأن في الآية قرائن تدل على أن الله سبحانه، متفرد بعلم المتشابه، وأن الوقف الصحيح عند قوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ لفظا ومعنى، أما اللفظ فلأنه لو أراد عطف الراسخين لقال: ويقولون: آمنا به بالواو، أما المعنى فلأنه ذم مبتغى التأويل، ولو كان ذلك للراسخين معلوما لكان مبتغيه ممدوحا لا مذموما؛ ولأن قولهم: آمَنَّا بِهِ، يدل على نوع تفويض وتسليم لشيء لم يقفوا على معناه، سيما إذا تبعوه بقولهم: "كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا"، فذكرهم ربهم ها هنا يعطي الثقة به والتسليم لأمره، وأنه صدر من عنده، كما جاء من عنده المحكم؛ ولأن لفظة "أما" لتفصيل الجمل، فذكره لها في الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ مع وصفة إياهم باتباع المتشابه وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ يدل على قسم آخر يخالفهم في هذه الصفة، وهم
QS 3:7 (jilid 1 hlm. 317) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 317 · #96474
الجمل، فذكره لها في الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ مع وصفة إياهم باتباع المتشابه وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ يدل على قسم آخر يخالفهم في هذه الصفة، وهم الراسخون، ولو كانوا يعلمون تأويله لم يخالفوا القسم الأول في ابتغاء التأويل، وإذ قد ثبت أنه غير معلوم التأويل لأحد فلا يجوز حمله على غير ما ذكرناه اهـ. من الروضة بلفظه. ومما يؤيد أن الواو استئنافية لا عاطفة، دلالة الاستقراء في القرآن أنه تعالى إذا نفى عن الخلق شيئا وأثبته لنفسه، أنه لا يكون له في ذلك الإثبات شريك كقوله: ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ وقوله: ﴿لا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ﴾ وقوله: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ
QS 3:7 (jilid 1 hlm. 317) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 317 · #96475
لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ وقوله: ﴿لا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ﴾ وقوله: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ هو فالمطابق لذلك أن يكون قوله: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ معناه: أنه لا يعلمه إلا هو وحده كما قاله الخطابي، وقال: لو كانت الواو في قوله: ﴿وَالرَّاسِخُونَ﴾ للنسق، لم يكن لقوله: ﴿كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ فائدة، والقول بأن الوقف تام على قوله: ﴿إِلَّا اللَّهَ﴾ وأن قوله: ﴿وَالرَّاسِخُونَ﴾ هو ابتداء كلام هو قول جمهور العلماء، للأدلة القرآنية التي ذكرنا. وممن قال بذلك عمر، وابن عباس، وعائشة وعروة بن الزبير، وعمر بن عبد العزيز، وابن مسعود، وأبي بن كعب نقله عنهم القرطبي وغيره، ونقله ابن جرير عن يونس، عن أشهب، عن مالك بن أنس وهو مذهب الكسائي، والأخفش، والفراء، وأبي عبيد.
QS 3:7 (jilid 1 hlm. 318) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 318 · #96476
عزيز، وابن مسعود، وأبي بن كعب نقله عنهم القرطبي وغيره، ونقله ابن جرير عن يونس، عن أشهب، عن مالك بن أنس وهو مذهب الكسائي، والأخفش، والفراء، وأبي عبيد. وقال أبو نهيك الأسدي: إنكم تصلون هذه الآية، وإنها مقطوعة، وما انتهى علم الراسخين إلا إلى قولهم: آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا، والقول بأن الواو عاطفة مروي أيضا عن ابن عباس، وبه قال مجاهد، والربيع، ومحمد بن جعفر بن الزبير، والقاسم بن محمد وغيرهم. وممن انتصر لهذا القول وأطال فيه ابن فورك. ونظير الآية في احتمال الاستئناف والعطف قول الشاعر: الريح تبكي شجوها ...
QS 3:7 (jilid 1 hlm. 318) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 318 · #96477
بن الزبير، والقاسم بن محمد وغيرهم. وممن انتصر لهذا القول وأطال فيه ابن فورك. ونظير الآية في احتمال الاستئناف والعطف قول الشاعر: الريح تبكي شجوها ... والبرق يلمع في الغمامة فيحتمل أن يكون والبرق مبتدأ، والخبر يلمع كالتأويل الأول، فيكون مقطوعا مما قبله، ويحتمل أن يكون معطوفا على الريح، ويلمع في موضع الحال على التأويل الثاني، أي: لامعا. واحتج القائلون بأن الواو عاطفة بأن الله ﷾ مدحهم بالرسوخ في العلم فكيف يمدحهم بذلك وهم جهال. قال القرطبي: قال شيخنا أبو العباس أحمد بن عمرو: هذا القول هو الصحيح، فإن تسميتهم راسخين يقتضي أنهم يعلمون أكثر من المحكم الذي يستوي في علمه جميع من يفهم كلام العرب، وفي أي شيء هو رسوخهم إذا لم يعلموا إلا ما يعلم الجميع.
QS 3:7 (jilid 1 hlm. 319) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 319 · #96478
إن تسميتهم راسخين يقتضي أنهم يعلمون أكثر من المحكم الذي يستوي في علمه جميع من يفهم كلام العرب، وفي أي شيء هو رسوخهم إذا لم يعلموا إلا ما يعلم الجميع. انتهى منه بلفظه. قال مقيده - عفا الله عنه -: يجاب عن كلام شيخ القرطبي المذكور بأن رسوخهم في العلم هو السبب الذي جعلهم ينتهون حيث انتهى علمهم، ويقولون فيما لم يقفوا على علم حقيقته من كلام الله جل وعلا: ﴿آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ بخلاف غير الراسخين فإنهم يتبعون مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وهذا ظاهر. وممن قال بأن الواو عاطفة الزمخشري في تفسيره الكشاف.
QS 3:7 (jilid 1 hlm. 319) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 319 · #96479
سخين فإنهم يتبعون مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وهذا ظاهر. وممن قال بأن الواو عاطفة الزمخشري في تفسيره الكشاف. والله تعالى أعلم ونسبة العلم إليه أسلم. وقال بعض العلماء: والتحقيق في هذا المقام أن الذين قالوا هي عاطفة، جعلوا معنى التأويل: "التفسير وفهم المعنى" كما قال النبي - ﷺ - "اللهم علمه التأويل" أي: التفسير وفهم معاني القرآن، والراسخون يفهمون ما خوطبوا به وإن لم يحيطوا علما بحقائق الأشياء على كنه ما هي عليه. والذين قالوا هي استئنافية جعلوا معنى التأويل حقيقة ما يئول إليه الأمر، وذلك لا يعلمه إلا الله، وهو تفصيل جيد، ولكنه يشكل عليه أمران: الأول: قول ابن عباس ﵄: "التفسير على أربعة أنحاء: تفسير: لا يعذر أحد في فهمه، وتفسير تعرفه العرب من لغاتها، وتفسير يعلمه العلماء، وتفسير لا يعلمه إلا الله" فهذا تصريح من ابن عباس أن هذا الذي لا يعلمه إلا الله بمعنى التفسير، لا ما تؤول إليه حقيقة الأمر.
QS 3:7 (jilid 1 hlm. 319) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 319 · #96480
تها، وتفسير يعلمه العلماء، وتفسير لا يعلمه إلا الله" فهذا تصريح من ابن عباس أن هذا الذي لا يعلمه إلا الله بمعنى التفسير، لا ما تؤول إليه حقيقة الأمر. وقوله هذا ينافي التفصيل المذكور. الثاني: أن الحروف المقطعة في أوائل السور لا يعلم المراد بها إلا الله، إذ لم يقم دليل على شيء معين أنه هو المراد بها من كتاب ولا سنة ولا إجماع ولا من لغة العرب، فالجزم بأن معناها كذا على التعيين تحكم بلا دليل. تنبيهان الأول: اعلم أنه على القول بأن الواو عاطفة فإن إعراب جملة يقولون مستشكل من ثلاث جهات: الأولى: أنها حال من المعطوف وهو "الراسخون"، دون المعطوف عليه وهو "لفظ الجلالة".
QS 3:7 (jilid 1 hlm. 320) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 320 · #96481
على القول بأن الواو عاطفة فإن إعراب جملة يقولون مستشكل من ثلاث جهات: الأولى: أنها حال من المعطوف وهو "الراسخون"، دون المعطوف عليه وهو "لفظ الجلالة". والمعروف إتيان الحال من المعطوف والمعطوف عليه معا كقولك: جاء زيد وعمر راكبين، وقوله تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ﴾. وهذا الإشكال ساقط؛ لجواز إتيان الحال من المعطوف فقط دون المعطوف عليه، ومن أمثلته في القرآن قوله تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً (٢٢)﴾ فقوله: صَفّاً حال من المعطوف، وهو الْمَلَكُ، دون المعطوف عليه، وهو لفظة رَبُّكَ، وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا﴾ الآية.
QS 3:7 (jilid 1 hlm. 320) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 320 · #96482
معطوف، وهو الْمَلَكُ، دون المعطوف عليه، وهو لفظة رَبُّكَ، وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا﴾ الآية. فجملة يَقُولُونَ حال من واو الفاعل في قوله: الَّذِينَ جَاءُوا، وهو معطوف على قوله: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ﴾ وقوله: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْأِيمَانَ﴾ فهو حال من المعطوف دون المعطوف عليه، كما بينه ابن كثير وغيره. الجهة الثانية من جهات الإشكال المذكور هي: ما ذكره القرطبي عن الخطابي قال عنه: واحتج له بعض أهل اللغة، فقال: معناه والراسخون في العلم يعلمونه، قائلين: آمنا، وزعم أن موضع يقولون نصب على الحال.
QS 3:7 (jilid 1 hlm. 321) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 321 · #96483
ما ذكره القرطبي عن الخطابي قال عنه: واحتج له بعض أهل اللغة، فقال: معناه والراسخون في العلم يعلمونه، قائلين: آمنا، وزعم أن موضع يقولون نصب على الحال. وعامة أهل اللغة ينكرونه ويستبعدونه؛ لأن العرب لا تضمر الفعل والمفعول معا، ولا تذكر حالا إلا مع ظهور الفعل، فإذا لم يظهر فعل فلا يكون حال، ولو جاز ذلك لجاز أن يقال: عبد الله راكبا، يعني: أقبل عبد الله راكبا، وإنما يجوز ذلك مع ذكر الفعل، كقوله: عبد الله يتكلم يصلح بين الناس، فكان يصلح حالا له كقول الشاعر أنشدنيه أبو عمر قال: أنشدنا أبو العباس ثعلب: أرسلت فيها قطما لكالكا ...
QS 3:7 (jilid 1 hlm. 321) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 321 · #96484
كر الفعل، كقوله: عبد الله يتكلم يصلح بين الناس، فكان يصلح حالا له كقول الشاعر أنشدنيه أبو عمر قال: أنشدنا أبو العباس ثعلب: أرسلت فيها قطما لكالكا ... يقصر يمشي ويطول باركا أي يقصر ماشيا. وهذا الإشكال أيضا ساقط؛ لأن الفعل في الحال المذكور غير مضمر، لأنه مذكور في قوله "يعلم" ولكن الحال من المعطوف دون المعطوف عليه، كما بينه العلامة الشوكاني في تفسيره، وهو واضح. الجهة الثالثة من جهات الإشكال المذكورة هي: أن المعروف في اللغة العربية أن الحال قيد لعاملها، ووصف لصاحبها، فيشكل تقييد هذا العامل الذي هو "يعلم" بهذه الحال التي هي "يَقُولُونَ آمَنَّا"، إذ لا وجه لتقييد علم الراسخين بتأويله بقولهم آمَنَّا بِهِ؛ لأن مفهومه أنهم في حال عدم قولهم: آمَنَّا بِهِ لا يعلمون تأويله، وهو باطل، وهذا الإشكال قوي، وفيه الدلالة على منع الحالية في جملة يقولون على القول بالعطف. التنبيه الثاني: إذا كانت جملة يقولون لا يصح أن تكون حالا لما ذكرنا، فما وجه إعرابها على القول بأن الواو عاطفة؟
QS 3:7 (jilid 1 hlm. 321) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 321 · #96485
حالية في جملة يقولون على القول بالعطف. التنبيه الثاني: إذا كانت جملة يقولون لا يصح أن تكون حالا لما ذكرنا، فما وجه إعرابها على القول بأن الواو عاطفة؟ . الجواب -والله تعالى أعلم-: أنها معطوف بحرف محذوف، والعطف بالحرف المحذوف أجازه ابن مالك وجماعة من علماء العربية والتحقيق جوازه، وأنه ليس مختصا بضرورة الشعر كما زعمه بعض علماء العربية، والدليل على جوازه وقوعه في القرآن، وفي كلام العرب، فمن أمثلته في القرآن قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاعِمَةٌ (٨)﴾ الآية.
QS 3:7 (jilid 1 hlm. 322) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 322 · #96486
زعمه بعض علماء العربية، والدليل على جوازه وقوعه في القرآن، وفي كلام العرب، فمن أمثلته في القرآن قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاعِمَةٌ (٨)﴾ الآية. فإنه معطوف بلا شك على قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ (٢)﴾ بالحرف المحذوف الذي هو الواو، ويدل له إثبات الواو في نظيره في قوله تعالى في سورة القيامة: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣) وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ (٢٤)﴾ الآية، وقوله تعالى في عبس: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ (٣٨) ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ (٣٩) وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ (٤٠)﴾ الآية. وجعل بعض العلماء منه قوله تعالى: ﴿وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ﴾ الآية. قال: يعني وقلت: بالعطف بواو محذوفة، وهو أحد احتمالات ذكرها ابن هشام في المغني.
QS 3:7 (jilid 1 hlm. 322) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 322 · #96487
﴿وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ﴾ الآية. قال: يعني وقلت: بالعطف بواو محذوفة، وهو أحد احتمالات ذكرها ابن هشام في المغني. وجعل بعضهم منه: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْأِسْلامُ﴾ على قراءة فتح همزة إن قال: هو معطوف بحرف محذوف على قوله: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ أي: وشهد أن الدين عند الله الإسلام، وهو أحد احتمالات ذكرها صاحب المغني أيضا. ومنه حديث "تصدق رجل من ديناره من درهمه، من صاع بره، من صاع تمره" يعني ومن درهمه، ومن صاع إلخ. حكاه الأشموني وغيره. والحديث المذكور أخرجه مسلم والإمام أحمد وأصحاب السنن. ومن شواهد حذف حرف العطف قول الشاعر: كيف أصبحت كيف أمسيت مما ... يغرس الود في فؤاد الكريم يعني: وكيف أمسيت. وقول الحطيئة: إن امرأ رهطه بالشام، منزله ... برمل يبرين جار شدما اغتربا أي: ومنزله برمل يبرين.
QS 3:7 (jilid 1 hlm. 323) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 323 · #96488
سيت مما ... يغرس الود في فؤاد الكريم يعني: وكيف أمسيت. وقول الحطيئة: إن امرأ رهطه بالشام، منزله ... برمل يبرين جار شدما اغتربا أي: ومنزله برمل يبرين. وقيل: الجملة الثانية صفة ثانية، لا معطوفة عليه، فلا شاهد في البيت. وممن أجاز العطف بالحرف المحذوف الفارسي وابن عصفور، خلافا لابن جني والسهيلي. ولا شك أن في القرآن أشياء لا يعلمها إلا الله كحقيقة الروح؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ الآية وكمفاتح الغيب التي نص على أنها لا يعلمها إلا هو بقوله: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ﴾ الآية. وقد ثبت عن النبي - ﷺ - أنها الخمس المذكورة في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ﴾ الآية.
QS 3:7 (jilid 1 hlm. 323) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 323 · #96489
ُ الْغَيْبِ﴾ الآية. وقد ثبت عن النبي - ﷺ - أنها الخمس المذكورة في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ﴾ الآية. وكالحروف المقطعة في أوائل السور، وكنعيم الجنة لقوله تعالى: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ الآية، وفيه أشياء يعلمها الراسخون في العلم دون غيرهم، كقوله تعالى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ وقوله: ﴿فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ﴾ مع قوله: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلا جَانٌّ (٣٩)﴾ وقوله: ﴿وَلا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ (٧٨)﴾ وكقوله: ﴿وَرُوحٌ مِنْهُ﴾. والرسوخ الثبوت. ومنه قول الشاعر: لقد رسخت في القلب مني مودة ... لليلى أبت آياتها أن تغيرا •
QS 3:7 (jilid 3 hlm. 153) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 3 · hlm. 153 · #113524
[سُورَة آل عمرَان (٣) : آيَة ٧] هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا وَما يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُولُوا الْأَلْبابِ (٧) هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ.
QS 3:7 (jilid 3 hlm. 153) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 3 · hlm. 153 · #113525
َذَّكَّرُ إِلاَّ أُولُوا الْأَلْبابِ (٧) هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ. اسْتِئْنَافٌ ثَالِثٌ بِإِخْبَارٍ عَنْ شَأْن من شؤون اللَّهِ تَعَالَى، مُتَعَلِّقٌ بِالْغَرَضِ الْمَسُوقِ لَهُ الْكَلَامُ: وَهُوَ تَحْقِيقُ إِنْزَالِهِ الْقُرْآنَ وَالْكِتَابَيْنِ مِنْ قَبْلِهِ، فَهَذَا الِاسْتِئْنَافُ مُؤَكِّدٌ لِمَضْمُونِ قَوْلِهِ: نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ [آل عمرَان: ٣] وَتَمْهِيدٌ لِقَوْلِهِ: مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ لِأَنَّ الْآيَاتِ نَزَلَتْ فِي مُجَادَلَةِ وَفْدِ نَجْرَانَ، وَصُدِّرَتْ بِإِبْطَالِ عقيدتهم فِي إلاهية الْمَسِيح:
QS 3:7 (jilid 3 hlm. 153) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 3 · hlm. 153 · #113526
لِقَوْلِهِ: مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ لِأَنَّ الْآيَاتِ نَزَلَتْ فِي مُجَادَلَةِ وَفْدِ نَجْرَانَ، وَصُدِّرَتْ بِإِبْطَالِ عقيدتهم فِي إلاهية الْمَسِيح: فالإشارة إِلَى أَوْصَافِ الْإِلَهِ الْحَقَّةِ، تَوَجَّهَ الْكَلَامُ هُنَا إِلَى إِزَالَةِ شُبْهَتِهِمْ فِي شَأْنِ زَعْمِهِمُ اعْتِرَافَ نُصُوصِ الْقُرْآنِ بِإِلَهِيَّةِ الْمَسِيحِ إِذْ وُصِفَ فِيهَا بِأَنَّهُ رُوحُ الله وأنّه يحي الْمَوْتَى وَأَنَّهُ كَلِمَةُ اللَّهِ، وَغَيْرُ ذَلِكَ فَنُودِيَ عَلَيْهِمْ بِأَنَّ مَا تَعَلَّقُوا بِهِ تَعَلُّقَ اشْتِبَاه وَسُوء بأويل. وَفِي قَوْلِهِ: هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ قَصْرُ صِفَةِ إِنْزَالِ الْقُرْآنِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى: لِتَكُونَ الْجُمْلَةُ، مَعَ كَوْنِهَا تَأْكِيدًا وَتَمْهِيدًا، إِبْطَالًا أَيْضًا لِقَوْلِ الْمُشْرِكِينَ: إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ [النَّحْل: ١٠٣] وَقَوْلِهِمْ: أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَها فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا [الْفرْقَان: ٥] .
QS 3:7 (jilid 3 hlm. 153) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 3 · hlm. 153 · #113527
ّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ [النَّحْل: ١٠٣] وَقَوْلِهِمْ: أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَها فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا [الْفرْقَان: ٥] . وَكَقَوْلِهِ: وَما تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّياطِينُ وَما يَنْبَغِي لَهُمْ وَما يَسْتَطِيعُونَ إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ [الشُّعَرَاء: ٢١٠- ٢١٢] ذَلِك أَنَّهُمْ قَالُوا: هُوَ قَوْلُ كَاهِنٍ، وَقَوْلُ شَاعِرٍ، وَاعْتَقَدُوا أَنَّ أَقْوَالَ الْكُهَّانِ وَأَقْوَالَ الشُّعَرَاءِ مِنْ إِمْلَاءِ الْأَرْئِيَاءِ (جَمْعِ رَئِيٍّ) . وَمِنْ بَدَائِعِ الْبَلَاغَةِ أَنْ ذَكَرَ فِي الْقَصْرِ فِعْلَ أَنْزَلَ، الَّذِي هُوَ مُخْتَصٌّ بِاللَّهِ تَعَالَى وَلَوْ بِدُونِ صِيغَةِ الْقَصْرِ، إِذِ الْإِنْزَالُ يُرَادِفُ الْوَحْيَ وَلَا يَكُونُ إِلَّا مِنَ اللَّهِ بِخِلَافِ مَا لَوْ قَالَ هُوَ الَّذِي آتَاكَ الْكِتَابَ. وَضَمِيرُ مِنْهُ عَائِدٌ إِلَى الْقُرْآنِ.
QS 3:7 (jilid 3 hlm. 154) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 3 · hlm. 154 · #113528
ادِفُ الْوَحْيَ وَلَا يَكُونُ إِلَّا مِنَ اللَّهِ بِخِلَافِ مَا لَوْ قَالَ هُوَ الَّذِي آتَاكَ الْكِتَابَ. وَضَمِيرُ مِنْهُ عَائِدٌ إِلَى الْقُرْآنِ. وَ «مِنْهُ» خَبَرٌ مُقَدَّمٌ وآياتٌ مُحْكَماتٌ مُبْتَدَأٌ. وَالْإِحْكَامُ فِي الْأَصْلِ الْمَنْعُ، قَالَ جَرِيرٌ: أَبَنِي حَنِيفَةَ أَحْكِمُوا سُفَهَاءَكُمْ ... إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمُ أَنْ أَغْضَبَا وَاسْتُعْمِلَ الْإِحْكَامُ فِي الْإِتْقَانِ وَالتَّوْثِيقِ لِأَنَّ ذَلِكَ يَمْنَعُ تَطَرُّقَ مَا يُضَادُّ الْمَقْصُودَ، وَلِذَا سُمِّيَتِ الْحِكْمَةُ حِكْمَةً، وَهُوَ حَقِيقَةٌ أَوْ مَجَازٌ مَشْهُورٌ. أطلق الْمُحْكَمُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ عَلَى وَاضِحِ الدَّلَالَةِ عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِعَارَةِ لِأَنَّ فِي وُضُوحِ الدَّلَالَةِ، مَنْعًا لِتَطَرُّقِ الِاحْتِمَالَاتِ الْمُوجِبَةِ لِلتَّرَدُّدِ فِي المُرَاد.
QS 3:7 (jilid 3 hlm. 154) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 3 · hlm. 154 · #113529
ّلَالَةِ عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِعَارَةِ لِأَنَّ فِي وُضُوحِ الدَّلَالَةِ، مَنْعًا لِتَطَرُّقِ الِاحْتِمَالَاتِ الْمُوجِبَةِ لِلتَّرَدُّدِ فِي المُرَاد. وَأطلق التشابه هُنَا عَلَى خَفَاءِ الدَّلَالَةِ عَلَى الْمَعْنَى، عَلَى طَرِيقَةِ الِاسْتِعَارَةِ لِأَنَّ تَطَرُّقَ الِاحْتِمَالِ فِي مَعَانِي الْكَلَامِ يُفْضِي إِلَى عَدَمِ تَعَيُّنِ أَحَدِ الِاحْتِمَالَاتِ، وَذَلِكَ مِثْلُ تَشَابُهِ الذَّوَاتِ فِي عَدَمِ تَمْيِيزِ بَعْضِهَا عَنْ بَعْضٍ. وَقَوْلُهُ: أُمُّ الْكِتابِ أُمُّ الشَّيْءِ أَصْلُهُ وَمَا يَنْضَمُّ إِلَيْهِ كَثِيرُهُ وَتَتَفَرَّعُ عَنْهُ فُرُوعُهُ، وَمِنْهُ سُمِّيَتْ خَرِيطَةُ الرَّأْسِ، الْجَامِعَةُ لَهُ: أُمَّ الرَّأْسِ وَهِيَ الدِّمَاغُ، وَسُمِّيَتِ الرَّايَةُ الْأُمَّ لِأَنَّ الْجَيْشَ يَنْضَوِي إِلَيْهَا، وَسُمِّيَتِ الْمَدِينَةُ الْعَظِيمَةُ أُمَّ الْقُرَى، وَأَصْلُ ذَلِكَ أَنَّ الْأُمَّ حَقِيقَةً فِي الْوَالِدَةِ، وَهِيَ أَصْلٌ لِلْمَوْلُودِ وَجَامِعٌ لِلْأَوْلَادِ فِي
QS 3:7 (jilid 3 hlm. 154) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 3 · hlm. 154 · #113530
ِينَةُ الْعَظِيمَةُ أُمَّ الْقُرَى، وَأَصْلُ ذَلِكَ أَنَّ الْأُمَّ حَقِيقَةً فِي الْوَالِدَةِ، وَهِيَ أَصْلٌ لِلْمَوْلُودِ وَجَامِعٌ لِلْأَوْلَادِ فِي الْحَضَانَةِ، فَبِاعْتِبَارِ هَذَيْنِ الْمَعْنَيَيْنِ، أُطْلِقَ اسْمُ الْأُمِّ عَلَى مَا ذَكَرْنَا، عَلَى وَجْهِ التَّشْبِيهِ الْبَلِيغِ. ثُمَّ شَاعَ ذَلِكَ الْإِطْلَاقُ حَتَّى سَاوَى الْحَقِيقَةَ، وَتَقَدَّمَ ذَلِكَ فِي تَسْمِيَةِ الْفَاتِحَةِ أُمَّ الْقُرْآنِ. وَالْكتاب: الْقُرْآنُ لَا مَحَالَةَ لِأَنَّهُ الْمُتَحَدَّثُ عَنْهُ بِقَوْلِهِ: هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ فَلَيْسَ قَوْلُهُ: أُمُّ الْكِتابِ هُنَا بِمِثْلِ قَوْلِهِ: وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ [الرَّعْد: ٣٩] .
QS 3:7 (jilid 3 hlm. 154) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 3 · hlm. 154 · #113531
لِهِ: هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ فَلَيْسَ قَوْلُهُ: أُمُّ الْكِتابِ هُنَا بِمِثْلِ قَوْلِهِ: وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ [الرَّعْد: ٣٩] . وَقَوْلُهُ: وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ الْمُتَشَابِهَاتُ الْمُتَمَاثِلَاتُ، وَالتَّمَاثُلُ يَكُونُ فِي صِفَاتٍ كَثِيرَةٍ فَيُبَيَّنُ بِمَا يَدُلُّ عَلَى وَجْهِ التَّمَاثُلِ، وَقَدْ يُتْرَكُ بَيَانُهُ إِذَا كَانَ وَجْهُ التَّمَاثُلِ ظَاهِرًا، كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: إِنَّ الْبَقَرَ تَشابَهَ عَلَيْنا [الْبَقَرَة: ٧٠] وَلَمْ يَذْكُرْ فِي هَذِهِ الْآيَةِ جِهَةَ التَّشَابُهِ.
QS 3:7 (jilid 3 hlm. 154) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 3 · hlm. 154 · #113532
ُلِ ظَاهِرًا، كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: إِنَّ الْبَقَرَ تَشابَهَ عَلَيْنا [الْبَقَرَة: ٧٠] وَلَمْ يَذْكُرْ فِي هَذِهِ الْآيَةِ جِهَةَ التَّشَابُهِ. وَقَدْ أَشَارَتِ الْآيَةُ: إِلَى أنّ الْآيَات الْقُرْآنِ صِنْفَانِ: مُحْكَمَاتٌ وَأَضْدَادُهَا، الَّتِي سُمِّيَتْ مُتَشَابِهَاتٍ، ثُمَّ بَيَّنَ أَنَّ الْمُحْكَمَاتِ هِيَ أُمُّ الْكِتَابِ، فَعَلِمْنَا أَنَّ الْمُتَشَابِهَاتِ هِيَ أَضْدَادُ الْمُحْكَمَاتِ، ثُمَّ أَعْقَبَ ذَلِكَ بُقُولِهِ: فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ [آل عمرَان: ٧] أَيْ تَأْوِيلِهِ الَّذِي لَا قِبَلَ لِأَمْثَالِهِمْ بِهِ فَعَلِمْنَا أَنَّ الْمُتَشَابِهَاتِ هِيَ الَّتِي لَمْ يَتَّضِحِ الْمَقْصُودُ مِنْ مَعَانِيهَا، فَعَلِمْنَا أَنَّ صِفَةَ الْمُحْكَمَاتِ، وَالْمُتَشَابِهَاتِ، رَاجِعَةٌ إِلَى أَلْفَاظِ الْآيَاتِ.
QS 3:7 (jilid 3 hlm. 155) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 3 · hlm. 155 · #113533
َّتِي لَمْ يَتَّضِحِ الْمَقْصُودُ مِنْ مَعَانِيهَا، فَعَلِمْنَا أَنَّ صِفَةَ الْمُحْكَمَاتِ، وَالْمُتَشَابِهَاتِ، رَاجِعَةٌ إِلَى أَلْفَاظِ الْآيَاتِ. وَوَصَفَ الْمُحْكَمَاتِ بِأَنَّهَا أُمُّ الْكِتَابِ فَاحْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مِنَ الْأُمِّ الْأَصْلَ، أَوِ الْمَرْجِعَ، وَهُمَا مُتَقَارِبَانِ: أَيْ هُنَّ أَصْلُ الْقُرْآنِ أَوْ مَرْجِعُهُ، وَلَيْسَ يُنَاسِبُ هَذَيْنِ الْمَعْنَيَيْنِ إِلَّا دَلَالَةُ الْقُرْآنِ إِذِ الْقُرْآنُ أُنْزِلَ لِلْإِرْشَادِ وَالْهُدَى، فَالْمُحْكَمَاتُ هِيَ أُصُولُ الِاعْتِقَادِ وَالتَّشْرِيعِ وَالْآدَابِ وَالْمَوَاعِظِ، وَكَانَتْ أُصُولًا لِذَلِكَ: بِاتِّضَاحِ دَلَالَتِهَا، بِحَيْثُ تَدُلُّ عَلَى
QS 3:7 (jilid 3 hlm. 155) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 3 · hlm. 155 · #113534
تُ هِيَ أُصُولُ الِاعْتِقَادِ وَالتَّشْرِيعِ وَالْآدَابِ وَالْمَوَاعِظِ، وَكَانَتْ أُصُولًا لِذَلِكَ: بِاتِّضَاحِ دَلَالَتِهَا، بِحَيْثُ تَدُلُّ عَلَى مَعَانٍ لَا تَحْتَمِلُ غَيْرَهَا أَوْ تَحْتَمِلُهُ احْتِمَالًا ضَعِيفًا غَيْرَ مُعْتَدٍّ بِهِ، وَذَلِكَ كَقَوْلِهِ: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورة: ١١]- لَا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ [الْأَنْبِيَاء: ٢٣]- يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ [الْبَقَرَة: ١٨٥]- وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسادَ [الْبَقَرَة: ٢٠٥]- وَأَمَّا مَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوى [النازعات: ٤٠] .
QS 3:7 (jilid 3 hlm. 155) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 3 · hlm. 155 · #113535
ِبُّ الْفَسادَ [الْبَقَرَة: ٢٠٥]- وَأَمَّا مَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوى [النازعات: ٤٠] . وَبِاتِّضَاحِ مَعَانِيهَا بِحَيْثُ تَتَنَاوَلُهَا أَفْهَامُ مُعْظَمِ الْمُخَاطَبِينَ بِهَا وَتَتَأَهَّلُ لِفَهْمِهَا فَهِيَ أَصْلُ الْقُرْآنِ الْمَرْجُوعُ إِلَيْهِ فِي حَمْلِ مَعَانِي غَيْرِهَا عَلَيْهَا لِلْبَيَانِ أَوِ التَّفْرِيعِ. وَالْمُتَشَابِهَاتُ مُقَابِلُ الْمُحْكَمَاتِ، فَهِيَ الَّتِي دَلَّتْ عَلَى مَعَانٍ تَشَابَهَتْ فِي أَنْ يَكُونَ كُلٌّ مِنْهَا هُوَ الْمُرَادَ. وَمَعْنَى تَشَابُهِهَا: أَنَّهَا تَشَابَهَتْ فِي صِحَّةِ الْقَصْدِ إِلَيْهَا، أَيْ لَمْ يَكُنْ بَعْضُهَا أَرْجَحَ مِنْ بَعْضٍ.
QS 3:7 (jilid 3 hlm. 155) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 3 · hlm. 155 · #113536
نْهَا هُوَ الْمُرَادَ. وَمَعْنَى تَشَابُهِهَا: أَنَّهَا تَشَابَهَتْ فِي صِحَّةِ الْقَصْدِ إِلَيْهَا، أَيْ لَمْ يَكُنْ بَعْضُهَا أَرْجَحَ مِنْ بَعْضٍ. أَوْ يَكُونُ مَعْنَاهَا صَادِقًا بِصُوَرٍ كَثِيرَةٍ مُتَنَاقِضَةٍ أَوْ غَيْرِ مُنَاسِبَةٍ لِأَنْ تَكُونَ مُرَادًا، فَلَا يَتَبَيَّنُ الْغَرَضُ مِنْهَا، فَهَذَا وَجْهُ تَفْسِيرِ الْآيَةِ فِيمَا أَرَى. وَقَدِ اخْتَلَفَ عُلَمَاءُ الْإِسْلَامِ فِي تَعْيِينِ الْمَقْصُودِ مِنَ الْمُحْكَمَاتِ وَالْمُتَشَابِهَاتِ عَلَى أَقْوَالٍ: مَرْجِعُهَا إِلَى تَعْيِينِ مِقْدَارِ الْوُضُوحِ وَالْخَفَاءِ، فَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ الْمُحْكَمَ مَا لَا تَخْتَلِفُ فِيهِ الشَّرَائِعُ كَتَوْحِيدِ اللَّهِ تَعَالَى، وَتَحْرِيمِ الْفَوَاحِشِ، وَذَلِكَ مَا تَضَمَّنَتْهُ الْآيَاتُ الثَّلَاثُ مِنْ أَوَاخِرِ سُورَةِ الْأَنْعَامِ [١٥١] : قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ وَالْآيَاتُ مِنْ سُورَةِ الْإِسْرَاءِ [٢٣] : وَقَضى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا
QS 3:7 (jilid 3 hlm. 155) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 3 · hlm. 155 · #113537
أَنْعَامِ [١٥١] : قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ وَالْآيَاتُ مِنْ سُورَةِ الْإِسْرَاءِ [٢٣] : وَقَضى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ، وَأَنَّ الْمُتَشَابِهَ الْمُجْمَلَاتُ الَّتِي لَمْ تُبَيَّنْ كَحُرُوفِ أَوَائِلِ السُّورِ. وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا: أَنَّ الْمُحْكَمَ مَا لَمْ يُنْسَخْ وَالْمُتَشَابِهَ الْمَنْسُوخُ وَهَذَا بَعِيدٌ عَنْ أَنْ يَكُونَ مُرَادًا هُنَا لِعَدَمِ مُنَاسَبَتِهِ لِلْوَصْفَيْنِ وَلَا لِبَقِيَّةِ الْآيَةِ. وَعَنِ الْأَصَمِّ: الْمُحْكَمُ مَا اتَّضَحَ دَلِيلُهُ، وَالْمُتَشَابِهُ مَا يَحْتَاجُ إِلَى التَّدَبُّرِ، وَذَلِكَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّماءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَنْشَرْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً كَذلِكَ تُخْرَجُونَ [الزخرف: ١١] فَأَوَّلُهَا مُحْكَمٌ وَآخِرُهَا مُتَشَابِهٌ.
QS 3:7 (jilid 3 hlm. 156) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 3 · hlm. 156 · #113538
َزَّلَ مِنَ السَّماءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَنْشَرْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً كَذلِكَ تُخْرَجُونَ [الزخرف: ١١] فَأَوَّلُهَا مُحْكَمٌ وَآخِرُهَا مُتَشَابِهٌ. وَلِلْجُمْهُورِ مَذْهَبَانِ: أَوَّلُهُمَا أَنَّ الْمُحْكَمَ مَا اتَّضَحَتْ دَلَالَتُهُ، وَالْمُتَشَابِهَ مَا اسْتَأْثَرَ اللَّهُ بِعِلْمِهِ، وَنُسِبَ هَذَا الْقَوْلُ لِمَالِكٍ، فِي رِوَايَةِ أَشْهَبَ، مِنْ جَامِعِ الْعُتْبِيَّةِ، وَنَسَبَهُ الْخَفَاجِيُّ إِلَى الْحَنَفِيَّةِ وَإِلَيْهِ مَالَ الشَّاطِبِيُّ فِي الْمُوَافَقَاتِ. وَثَانِيهِمَا أَنَّ الْمُحْكَمَ الْوَاضِحُ الدَّلَالَةِ، وَالْمُتَشَابِهَ الْخَفِيُّهَا، وَإِلَيْهِ مَالَ الْفَخْرُ: فالنص وَالظَّاهِر هُنَا الْمُحْكَمُ، لِاتِّضَاحِ دَلَالَتِهِمَا، وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا أَيِ الظَّاهِرُ يَتَطَرَّقُهُ احْتِمَالٌ
QS 3:7 (jilid 3 hlm. 156) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 3 · hlm. 156 · #113539
هِ مَالَ الْفَخْرُ: فالنص وَالظَّاهِر هُنَا الْمُحْكَمُ، لِاتِّضَاحِ دَلَالَتِهِمَا، وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا أَيِ الظَّاهِرُ يَتَطَرَّقُهُ احْتِمَالٌ ضَعِيفٌ، وَالْمُجْمَلُ وَالْمُؤَوَّلُ هُمَا الْمُتَشَابِهُ، لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي خَفَاءِ الدَّلَالَةِ وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا: أَيِ الْمُؤَوَّلُ دَالًّا عَلَى مَعْنًى مَرْجُوحٍ، يُقَابِلُهُ مَعْنًى رَاجِحٌ، وَالْمُجْمَلُ دَالًّا على معنى مرجوع يُقَابله مرجوع آخَرُ، وَنُسِبَتْ هَذِهِ الطَّرِيقَةُ إِلَى الشَّافِعِيَّةِ. قَالَ الشَّاطِبِيُّ: فَالتَّشَابُهُ: حَقِيقِيٌّ، وَإِضَافِيٌّ، فَالْحَقِيقِيُّ: مَا لَا سَبِيلَ إِلَى فَهْمِ مَعْنَاهُ، وَهُوَ الْمُرَادُ مِنَ الْآيَةِ، وَالْإِضَافِيُّ: مَا اشْتَبَهُ مَعْنَاهُ، لِاحْتِيَاجِهِ إِلَى مُرَاعَاةِ دَلِيلٍ آخَرَ.
QS 3:7 (jilid 3 hlm. 156) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 3 · hlm. 156 · #113540
يلَ إِلَى فَهْمِ مَعْنَاهُ، وَهُوَ الْمُرَادُ مِنَ الْآيَةِ، وَالْإِضَافِيُّ: مَا اشْتَبَهُ مَعْنَاهُ، لِاحْتِيَاجِهِ إِلَى مُرَاعَاةِ دَلِيلٍ آخَرَ. فَإِذَا تَقَصَّى الْمُجْتَهِدُ أَدِلَّةَ الشَّرِيعَةِ وَجَدَ فِيهَا مَا يُبَيِّنُ مَعْنَاهُ، وَالتَّشَابُهُ بِالْمَعْنَى الْحَقِيقِيِّ قَلِيلٌ جِدًّا فِي الشَّرِيعَةِ وَبِالْمَعْنَى الْإِضَافِيِّ كثير. وَقد دلّ هَذِهِ الْآيَةُ عَلَى أَنَّ مِنَ الْقُرْآنِ مُحْكَمًا وَمُتَشَابِهًا، وَدَلَّتْ آيَاتٌ أُخَرُ عَلَى أَنَّ الْقُرْآنَ كُلَّهُ مُحْكَمٌ، قَالَ تَعَالَى: كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ [هود: ١] وَقَالَ: تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْحَكِيمِ [يُونُس: ١] وَالْمُرَادُ أَنَّهُ أُحْكِمَ وَأُتْقِنَ فِي بَلَاغَتِهِ، كَمَا دَلَّتْ آيَاتٌ عَلَى أَنَّ الْقُرْآنَ كُلَّهُ مُتَشَابِهٌ، قَالَ تَعَالَى: اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتاباً مُتَشابِهاً [الزمر: ٢٣] وَالْمَعْنَى أَنَّهُ تَشَابَهَ فِي الْحُسْنِ وَالْبَلَاغَةِ وَالْحَقِّيَّةِ، وَهُوَ
QS 3:7 (jilid 3 hlm. 156) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 3 · hlm. 156 · #113541
للَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتاباً مُتَشابِهاً [الزمر: ٢٣] وَالْمَعْنَى أَنَّهُ تَشَابَهَ فِي الْحُسْنِ وَالْبَلَاغَةِ وَالْحَقِّيَّةِ، وَهُوَ مَعْنَى: «وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا» فَلَا تَعَارُضَ بَيْنَ هَذِهِ الْآيَاتِ: لِاخْتِلَافِ الْمُرَادِ بِالْإِحْكَامِ وَالتَّشَابُهِ فِي مَوَاضِعِهَا، بِحَسَبِ مَا تَقْتَضِيهِ الْمَقَامَاتُ. وَسَبَبُ وُقُوعِ الْمُتَشَابِهَاتِ فِي الْقُرْآنِ: هُوَ كَوْنُهُ دَعْوَةً، وَمَوْعِظَةً، وَتَعْلِيمًا، وَتَشْرِيعًا بَاقِيًا، وَمُعْجِزَةً، وَخُوطِبَ بِهِ قَوْمٌ لَمْ يَسْبِقْ لَهُمْ عَهْدٌ بِالتَّعْلِيمِ وَالتَّشْرِيعِ، فَجَاءَ عَلَى أُسْلُوبٍ مُنَاسِبٍ لِجَمْعِ هَذِهِ الْأُمُورِ، بِحَسَبِ حَالِ الْمُخَاطَبِينَ الَّذِينَ لَمْ يَعْتَادُوا الْأَسَالِيبَ التَّدْرِيسِيَّةَ، أَوِ الْأَمَالِيَ الْعِلْمِيَّةَ، وَإِنَّمَا كَانَتْ هِجِّيرَاهُمُ الْخَطَابَةَ وَالْمُقَاوَلَةَ، فَأُسْلُوبُ الْمَوَاعِظِ
QS 3:7 (jilid 3 hlm. 157) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 3 · hlm. 157 · #113542
سَالِيبَ التَّدْرِيسِيَّةَ، أَوِ الْأَمَالِيَ الْعِلْمِيَّةَ، وَإِنَّمَا كَانَتْ هِجِّيرَاهُمُ الْخَطَابَةَ وَالْمُقَاوَلَةَ، فَأُسْلُوبُ الْمَوَاعِظِ وَالدَّعْوَةِ قَرِيبٌ مِنْ أُسْلُوبِ الْخَطَابَةِ، وَهُوَ لِذَلِكَ لَا يَأْتِي عَلَى أَسَالِيبِ الْكُتُبِ الْمُؤَلَّفَةِ لِلْعِلْمِ، أَوِ الْقَوَانِينِ الْمَوْضُوعَةِ لِلتَّشْرِيعِ، فأودعت الْعُلُوم الْمَقْصُود مِنْهُ فِي تَضَاعِيفِ الْمَوْعِظَةِ وَالدَّعْوَةِ، وَكَذَلِكَ أُودِعَ فِيهِ التَّشْرِيعُ، فَلَا تَجِدُ أَحْكَامَ نَوْعٍ مِنَ الْمُعَامَلَاتِ، كَالْبَيْعِ، مُتَّصِلًا بَعْضُهَا بِبَعْضٍ، بَلْ تَلْفِيهِ مُوَزَّعًا عَلَى حَسَبِ مَا اقْتَضَتْهُ مَقَامَاتُ الْمَوْعِظَةِ وَالدَّعْوَةِ، لِيَخِفَّ تَلَقِّيهِ عَلَى السَّامِعِينَ، وَيَعْتَادُوا عِلْمَ مَا لَمْ يَأْلَفُوهُ فِي أُسْلُوبٍ قَدْ أَلِفُوهُ فَكَانَتْ مُتَفَرِّقَةً يُضَمُّ بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ بِالتَّدَبُّرِ.
QS 3:7 (jilid 3 hlm. 157) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 3 · hlm. 157 · #113543
ِعِينَ، وَيَعْتَادُوا عِلْمَ مَا لَمْ يَأْلَفُوهُ فِي أُسْلُوبٍ قَدْ أَلِفُوهُ فَكَانَتْ مُتَفَرِّقَةً يُضَمُّ بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ بِالتَّدَبُّرِ. ثُمَّ إِنَّ إِلْقَاءَ تِلْكَ الْأَحْكَامِ كَانَ فِي زمَان طَوِيلٍ، يَزِيدُ عَلَى عِشْرِينَ سَنَةً، أُلْقِيَ إِلَيْهِمْ فِيهَا مِنَ الْأَحْكَامِ بِمِقْدَارِ مَا دَعَتْ إِلَيْهِ حَاجَتُهُمْ، وَتَحَمَّلَتْهُ مَقْدِرَتُهُمْ، عَلَى أَنَّ بَعْضَ تَشْرِيعِهِ أُصُولٌ لَا تَتَغَيَّرُ، وَبَعْضَهُ فُرُوعٌ تَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ أَحْوَالِهِمْ، فَلِذَلِكَ تَجِدُ بَعْضَهَا عَامًّا، أَوْ مُطْلَقًا، أَوْ مُجْمَلًا، وَبَعْضَهَا خَاصًّا، أَوْ مُقَيَّدًا، أَوْ مُبَيِّنًا، فَإِذَا كَانَ بَعْضُ
QS 3:7 (jilid 3 hlm. 157) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 3 · hlm. 157 · #113544
هِمْ، فَلِذَلِكَ تَجِدُ بَعْضَهَا عَامًّا، أَوْ مُطْلَقًا، أَوْ مُجْمَلًا، وَبَعْضَهَا خَاصًّا، أَوْ مُقَيَّدًا، أَوْ مُبَيِّنًا، فَإِذَا كَانَ بَعْضُ الْمُجْتَهِدِينَ يَرَى تَخْصِيصَ عُمُومِ بَعْضِ عُمُومَاتِهِ بِخُصُوص بعض الخصوصات مَثَلًا، فَلَعَلَّ بَعْضًا مِنْهُمْ لَا يَتَمَسَّكُ إِلَّا بِعُمُومِهِ، حِينَئِذٍ، كَالَّذِي يَرَى الْخَاصَّ الْوَارِدَ بَعْدَ الْعَامِّ نَاسِخًا، فَيَحْتَاجُ إِلَى تَعْيِينِ التَّارِيخِ، ثُمَّ إِنَّ الْعُلُومَ الَّتِي تَعَرَّضَ لَهَا الْقُرْآنُ هِيَ مِنَ الْعُلُومِ الْعُلْيَا: وَهِيَ عُلُومٌ فِيمَا بَعْدَ الطَّبِيعَةِ، وَعُلُومُ مَرَاتِبِ النُّفُوسِ، وَعُلُومُ النِّظَامِ الْعُمْرَانِيِّ، وَالْحِكْمَةِ، وَعُلُومُ الْحُقُوقِ.
QS 3:7 (jilid 3 hlm. 157) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 3 · hlm. 157 · #113545
وَهِيَ عُلُومٌ فِيمَا بَعْدَ الطَّبِيعَةِ، وَعُلُومُ مَرَاتِبِ النُّفُوسِ، وَعُلُومُ النِّظَامِ الْعُمْرَانِيِّ، وَالْحِكْمَةِ، وَعُلُومُ الْحُقُوقِ. وَفِي ضِيقِ اللُّغَةِ الْمَوْضُوعَةِ عَنِ الْإِيفَاءِ بِغَايَاتِ الْمُرَادَاتِ فِي هَاتِهِ الْعُلُومِ، وَقُصُورِ حَالَةِ اسْتِعْدَادِ أَفْهَامِ عُمُومِ الْمُخَاطَبِينَ لَهَا، مَا أَوْجَبَ تَشَابُهًا فِي مَدْلُولَاتِ الْآيَاتِ الدَّالَّةِ عَلَيْهَا. وَإِعْجَازُ الْقُرْآنِ: مِنْهُ إِعْجَازٌ نَظْمِيٌّ وَمِنْهُ إِعْجَازٌ عِلْمِيٌّ، وَهُوَ فَنٌّ جَلِيلٌ مِنَ الْإِعْجَازِ بَيَّنْتُهُ فِي الْمُقَدَّمَةِ الْعَاشِرَةِ مِنْ مُقَدَّمَاتِ هَذَا التَّفْسِيرِ.
QS 3:7 (jilid 3 hlm. 157) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 3 · hlm. 157 · #113546
َمِنْهُ إِعْجَازٌ عِلْمِيٌّ، وَهُوَ فَنٌّ جَلِيلٌ مِنَ الْإِعْجَازِ بَيَّنْتُهُ فِي الْمُقَدَّمَةِ الْعَاشِرَةِ مِنْ مُقَدَّمَاتِ هَذَا التَّفْسِيرِ. فَلَمَّا تَعَرَّضَ الْقُرْآنُ إِلَى بَعْضِ دَلَائِلِ الْأَكْوَانِ وَخَصَائِصِهَا، فِيمَا تَعَرَّضَ إِلَيْهِ، جَاءَ بِهِ مَحْكِيًّا بِعِبَارَةٍ تَصْلُحُ لِحِكَايَةِ حَالَتِهِ عَلَى مَا هُوَ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، وَرُبَّمَا كَانَ إِدْرَاكُ كُنْهِ حَالَتِهِ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ مَجْهُولًا لِأَقْوَامٍ، فَيَعُدُّونَ تِلْكَ الْآيَ الدَّالَّةَ عَلَيْهِ مِنَ الْمُتَشَابِهِ فَإِذَا جَاءَ مَنْ بَعْدَهُمْ عَلِمُوا أَنَّ مَا عَدَّهُ الَّذِينَ قَبْلَهُمْ مُتَشَابِهًا مَا هُوَ إِلَّا مُحْكَمٌ. عَلَى أَنَّ مِنْ مَقَاصِدِ الْقُرْآنِ أَمْرَيْنِ آخَرَيْنِ:
QS 3:7 (jilid 3 hlm. 157) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 3 · hlm. 157 · #113547
ُمْ عَلِمُوا أَنَّ مَا عَدَّهُ الَّذِينَ قَبْلَهُمْ مُتَشَابِهًا مَا هُوَ إِلَّا مُحْكَمٌ. عَلَى أَنَّ مِنْ مَقَاصِدِ الْقُرْآنِ أَمْرَيْنِ آخَرَيْنِ: أَحَدُهُمَا كَوْنُهُ شَرِيعَةً دَائِمَةً، وَذَلِكَ يَقْتَضِي فَتْحَ أَبْوَابِ عِبَارَاتِهِ لِمُخْتَلِفِ اسْتِنْبَاطِ الْمُسْتَنْبِطِينَ، حَتَّى تُؤْخَذَ مِنْهُ أَحْكَامُ الْأَوَّلِينَ وَالْآخَرِينَ، وَثَانِيهِمَا تَعْوِيدُ حَمَلَةِ هَذِهِ الشَّرِيعَةِ، وَعُلَمَاءِ هَذِهِ الْأُمَّةِ، بِالتَّنْقِيبِ، وَالْبَحْثِ، وَاسْتِخْرَاجِ الْمَقَاصِدِ مِنْ عَوِيصَاتِ الْأَدِلَّةِ، حَتَّى تَكُونَ طَبَقَاتُ عُلَمَاءِ الْأُمَّةِ صَالِحَةً- فِي كُلِّ زَمَانٍ- لِفَهْمِ تَشْرِيعِ الشَّارِعِ وَمَقْصِدِهِ مِنَ التَّشْرِيعِ، فَيَكُونُوا قَادِرِينَ عَلَى اسْتِنْبَاطِ الْأَحْكَامِ التَّشْرِيعِيَّةِ، وَلَوْ صِيغَ لَهُمُ التَّشْرِيعُ فِي أُسْلُوبٍ سَهْلِ التَّنَاوُلِ لَاعْتَادُوا الْعُكُوفَ عَلَى مَا بَيْنَ أَنْظَارِهِمْ فِي الْمُطَالَعَةِ الْوَاحِدَةِ.
QS 3:7 (jilid 3 hlm. 158) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 3 · hlm. 158 · #113548
ْ صِيغَ لَهُمُ التَّشْرِيعُ فِي أُسْلُوبٍ سَهْلِ التَّنَاوُلِ لَاعْتَادُوا الْعُكُوفَ عَلَى مَا بَيْنَ أَنْظَارِهِمْ فِي الْمُطَالَعَةِ الْوَاحِدَةِ. مِنْ أَجْلِ هَذَا كَانَتْ صَلُوحِيَّةُ عِبَارَاتِهِ لِاخْتِلَافِ مَنَازِعِ الْمُجْتَهِدِينَ، قَائِمَةً مَقَامَ تَلَاحُقِ الْمُؤَلِّفِينَ فِي تَدْوِينِ كُتُبِ الْعُلُومِ، تَبَعًا لِاخْتِلَافِ مَرَاتِبِ الْعُصُورِ. فَإِذَا عَلِمْتَ هَذَا عَلِمْتَ أَصْلَ السَّبَبِ فِي وُجُودِ مَا يُسَمَّى بِالْمُتَشَابِهِ فِي الْقُرْآنِ. وَبَقِيَ أَنْ نَذْكُرَ لَكَ مَرَاتِبَ التَّشَابُهِ وَتَفَاوُتَ أَسْبَابِهَا. وَأَنَّهَا فِيمَا انْتَهَى إِلَيْهِ اسْتِقْرَاؤُنَا الْآنَ عَشْرُ مَرَاتِبَ: أُولَاهَا: مَعَانٍ قُصِدَ إِيدَاعُهَا فِي الْقُرْآنِ، وَقُصِدَ إِجْمَالُهَا: إِمَّا لِعَدَمِ قَابِلِيَّةِ الْبَشَرِ لِفَهْمِهَا، وَلَوْ فِي الْجُمْلَةِ، إِنْ قُلْنَا بِوُجُودِ الْمُجْمَلِ، الَّذِي اسْتَأْثَرَ اللَّهُ بِعِلْمِهِ، عَلَى مَا سَيَأْتِي، وَنَحْنُ لَا نَخْتَارُهُ.
QS 3:7 (jilid 3 hlm. 158) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 3 · hlm. 158 · #113549
ا، وَلَوْ فِي الْجُمْلَةِ، إِنْ قُلْنَا بِوُجُودِ الْمُجْمَلِ، الَّذِي اسْتَأْثَرَ اللَّهُ بِعِلْمِهِ، عَلَى مَا سَيَأْتِي، وَنَحْنُ لَا نَخْتَارُهُ. وَإِمَّا لِعَدَمِ قَابِلِيَّتِهِمْ لِكُنْهِ فَهْمِهَا، فَأُلْقِيَتْ إِلَيْهِمْ عَلَى وَجْهِ الْجُمْلَةِ أَوْ لِعَدَمِ قَابِلِيَّةِ بَعْضِهِمْ فِي عَصْرٍ، أَوْ جِهَةٍ، لِفَهْمِهَا بِالْكُنْهِ وَمِنْ هَذَا أَحْوَالُ الْقِيَامَة، وَبَعض شؤون الرُّبُوبِيَّةِ كَالْإِتْيَانِ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ، وَالرُّؤْيَةِ، وَالْكَلَامِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ. وَثَانِيَتُهَا: مَعَانٍ قُصِدَ إِشْعَارُ الْمُسْلِمِينَ بِهَا، وَتَعَيَّنَ إِجْمَالُهَا، مَعَ إِمْكَانِ حَمْلِهَا عَلَى مَعَانٍ مَعْلُومَةٍ لَكِنْ بِتَأْوِيلَاتٍ: كَحُرُوفِ أَوَائِلِ السُّوَرِ، وَنَحْوِ الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى [طه: ٥] ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ [الْبَقَرَة: ٢٩] (١) .
QS 3:7 (jilid 3 hlm. 158) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 3 · hlm. 158 · #113550
ِتَأْوِيلَاتٍ: كَحُرُوفِ أَوَائِلِ السُّوَرِ، وَنَحْوِ الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى [طه: ٥] ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ [الْبَقَرَة: ٢٩] (١) . ثَالِثَتُهَا: مَعَانٍ عَالِيَةٌ ضَاقَتْ عَنْ إِيفَاءِ كُنْهِهَا اللُّغَةُ الْمَوْضُوعَةُ لِأَقْصَى مَا هُوَ مُتَعَارَفُ أَهْلِهَا، فَعُبِّرَ عَنْ تِلْكَ الْمَعَانِي بِأَقْصَى مَا يُقَرِّبُ مَعَانِيَهَا إِلَى الْأَفْهَامِ، وَهَذَا مِثْلُ أَكْثَرِ صِفَاتِ الله نَحْو الرحمان، الرؤوف، المتكبّر، نور السَّمَوَات وَالْأَرْضِ.
QS 3:7 (jilid 3 hlm. 158) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 3 · hlm. 158 · #113551
ْصَى مَا يُقَرِّبُ مَعَانِيَهَا إِلَى الْأَفْهَامِ، وَهَذَا مِثْلُ أَكْثَرِ صِفَاتِ الله نَحْو الرحمان، الرؤوف، المتكبّر، نور السَّمَوَات وَالْأَرْضِ. رَابِعَتُهَا: مَعَانٍ قَصُرَتْ عَنْهَا الْأَفْهَامُ فِي بَعْضِ أَحْوَالِ الْعُصُورِ، وَأُودِعَتْ فِي الْقُرْآنِ لِيَكُونَ وُجُودُهَا مُعْجِزَةً قُرْآنِيَّةً عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي عُصُورٍ قَدْ يَضْعُفُ فِيهَا إِدْرَاكُ الْإِعْجَازِ النَّظْمِيِّ، نَحْوَ قَوْلِهِ: وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها [يس: ٣٨] وَأَرْسَلْنَا الرِّياحَ لَواقِحَ [الْحجر: ٢٢] يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهارِ [الزمر: ٥] وَتَرَى الْجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ [النَّمْل: ٨٨] تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ [الْمُؤْمِنُونَ: ٢٠] زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ [النُّور: ٣٥] وَكانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ [هود: ٧] ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ [فصلت: ١١] وَذِكْرُ سَدِّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ (١) .
QS 3:7 (jilid 3 hlm. 159) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 3 · hlm. 159 · #113552
[النُّور: ٣٥] وَكانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ [هود: ٧] ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ [فصلت: ١١] وَذِكْرُ سَدِّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ (١) . خَامِسَتُهَا: مَجَازَاتٌ وَكِنَايَاتٌ مُسْتَعْمَلَةٌ فِي لُغَةِ الْعَرَبِ، إِلَّا أَنَّ ظَاهِرَهَا أَوْهَمَ مَعَانِيَ لَا يَلِيقُ الْحَمْلُ عَلَيْهَا فِي جَانِبِ اللَّهِ تَعَالَى: لِإِشْعَارِهَا بِصِفَاتٍ تُخَالِفُ كَمَالَ الْإِلَهِيَّةِ، وَتَوَقَّفَ فَرِيقٌ فِي مَحْمَلِهَا تَنْزِيهًا، نَحْوَ: فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنا [الطّور: ٤٨] وَالسَّماءَ بَنَيْناها بِأَيْدٍ [الذاريات: ٤٧] وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ [الرَّحْمَن: ٢٧] (٢) . وَسَادِسَتُهَا: أَلْفَاظٌ مِنْ لُغَاتِ الْعَرَبِ لَمْ تُعْرَفْ لَدَى الَّذِينَ نَزَلَ الْقُرْآنُ بَيْنَهُمْ: قُرَيْشٍ
QS 3:7 (jilid 3 hlm. 159) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 3 · hlm. 159 · #113553
ُ رَبِّكَ [الرَّحْمَن: ٢٧] (٢) . وَسَادِسَتُهَا: أَلْفَاظٌ مِنْ لُغَاتِ الْعَرَبِ لَمْ تُعْرَفْ لَدَى الَّذِينَ نَزَلَ الْقُرْآنُ بَيْنَهُمْ: قُرَيْشٍ وَالْأَنْصَارِ مِثْلَ: وَفاكِهَةً وَأَبًّا [عبس: ٣١] وَمِثْلَ أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلى تَخَوُّفٍ [النَّحْل: ٤٧] (٣) إِنَّ إِبْراهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ [التَّوْبَة: ١١٤] وَلا طَعامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ [الحاقة: ٣٦] (٤) . سَابِعَتُهَا: مُصْطَلَحَاتٌ شَرْعِيَّةٌ لَمْ يَكُنْ لِلْعَرَبِ عِلْمٌ بِخُصُوصِهَا، فَمَا اشْتَهَرَ مِنْهَا بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ مَعْنَاهُ، صَارَ حَقِيقَةً عُرْفِيَّةً: كَالتَّيَمُّمِ، وَالزَّكَاةِ، وَمَا لَمْ يَشْتَهِرْ بَقِيَ فِيهِ إِجْمَالٌ: كَالرِّبَا قَالَ عُمَرُ: «نَزَلَتْ آيَاتُ الرِّبَا فِي آخِرِ مَا أُنْزِلَ فَتُوُفِّيَ رَسُول الله ﷺ وَلَمْ يُبَيِّنْهَا» وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ.
QS 3:7 (jilid 3 hlm. 159) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 3 · hlm. 159 · #113554
َالَ عُمَرُ: «نَزَلَتْ آيَاتُ الرِّبَا فِي آخِرِ مَا أُنْزِلَ فَتُوُفِّيَ رَسُول الله ﷺ وَلَمْ يُبَيِّنْهَا» وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ. ثَامِنَتُهَا: أَسَالِيبُ عَرَبِيَّةٌ خَفِيَتْ عَلَى أَقْوَامٍ فَظَنُّوا الْكَلَامَ بِهَا مُتَشَابِهًا، وَهَذَا مِثْلَ زِيَادَةِ الْكَافِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى: ١١] وَمِثْلَ الْمُشَاكَلَةِ فِي قَوْلِهِ: يُخادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خادِعُهُمْ [النِّسَاء: ١٤٢] فَيَعْلَمُ السَّامِعُ أَنَّ إِسْنَادَ خَادِعُ إِلَى ضَمِيرِ الْجَلَالَةِ إِسْنَادٌ بِمَعْنًى مَجَازِيٍّ اقْتَضَتْهُ الْمُشَاكَلَةُ.
QS 3:7 (jilid 3 hlm. 159) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 3 · hlm. 159 · #113555
ْ [النِّسَاء: ١٤٢] فَيَعْلَمُ السَّامِعُ أَنَّ إِسْنَادَ خَادِعُ إِلَى ضَمِيرِ الْجَلَالَةِ إِسْنَادٌ بِمَعْنًى مَجَازِيٍّ اقْتَضَتْهُ الْمُشَاكَلَةُ. وَتَاسِعَتُهَا: آيَاتٌ جَاءَتْ عَلَى عَادَاتِ الْعَرَبِ، فَفَهِمَهَا الْمُخَاطَبُونَ، وَجَاءَ مَنْ بَعْدَهُمْ فَلَمْ يَفْهَمُوهَا، فَظَنُّوهَا مِنَ الْمُتَشَابِهِ، مِثْلَ قَوْلِهِ: فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما [الْبَقَرَة: ١٥٨] ، فِي «الْمُوَطَّأِ» قَالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ: «قُلْتُ لِعَائِشَةَ- وَكُنْتُ يَوْمَئِذٍ حَدَثًا لَمْ أَتَفَقَّهْ- لَا أَرَى بَأْسًا عَلَى أَحَدٍ أَلَّا يَطَّوَّفَ بِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ» فَقَالَتْ لَهُ: «لَيْسَ كَمَا قُلْتَ إِنَّمَا كَانَ الْأَنْصَارُ يُهِلُّونَ لِمَنَاةَ الطَّاغِيَةِ» إِلَخْ.
QS 3:7 (jilid 3 hlm. 160) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 3 · hlm. 160 · #113556
لَّا يَطَّوَّفَ بِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ» فَقَالَتْ لَهُ: «لَيْسَ كَمَا قُلْتَ إِنَّمَا كَانَ الْأَنْصَارُ يُهِلُّونَ لِمَنَاةَ الطَّاغِيَةِ» إِلَخْ. وَمِنْهُ: عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتابَ عَلَيْكُمْ [الْبَقَرَة: ١٨٧] لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا إِذا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا [الْمَائِدَة: ٩٣] الْآيَةَ فَإِنَّ الْمُرَادَ فِيمَا شَرِبُوا مِنَ الْخَمْرِ قَبْلَ تَحْرِيمِهَا. عَاشِرَتُهَا: أَفْهَامٌ ضَعِيفَةٌ عَدَّتْ كَثِيرًا مِنَ الْمُتَشَابِهِ وَمَا هُوَ مِنْهُ، وَذَلِكَ أَفْهَامُ الْبَاطِنِيَّةِ، وَأَفْهَامُ الْمُشَبِّهَةِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ [الْقَلَم: ٤٢] . وَلَيْسَ مِنَ الْمُتَشَابِهِ مَا صُرِّحَ فِيهِ بِأَنَّا لَا نَصِلُ إِلَى عِلْمِهِ كَقَوْلِهِ:
QS 3:7 (jilid 3 hlm. 160) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 3 · hlm. 160 · #113557
ِهِ تَعَالَى: يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ [الْقَلَم: ٤٢] . وَلَيْسَ مِنَ الْمُتَشَابِهِ مَا صُرِّحَ فِيهِ بِأَنَّا لَا نَصِلُ إِلَى عِلْمِهِ كَقَوْلِهِ: قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي [الْإِسْرَاء: ٨٥] وَلَا مَا صُرِّحَ فِيهِ بِجَهْلِ وَقْتِهِ كَقَوْلِهِ: لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً [الْأَعْرَاف: ١٨٧] . وَلَيْسَ مِنَ الْمُتَشَابِهِ مَا دَلَّ عَلَى مَعْنًى يُعَارِضُ الْحَمْلَ عَلَيْهِ دَلِيلٌ آخَرُ، مُنْفَصِلٌ عَنْهُ لِأَنَّ ذَلِكَ يَرْجِعُ إِلَى قَاعِدَةِ الْجَمْعِ بَيْنَ الدَّلِيلَيْنِ الْمُتَعَارِضَيْنِ، أَوْ تَرْجِيحِ أَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ، مِثْلَ قَوْلِهِ تَعَالَى خِطَابًا لِإِبْلِيسَ: وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ الْآيَةَ فِي سُورَةِ الْإِسْرَاءِ [٦٤] مَعَ مَا فِي الْآيَاتِ الْمُقْتَضِيَةِ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلا يَرْضى لِعِبادِهِ الْكُفْرَ [الزمر: ٧] إِنَّه لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ.
QS 3:7 (jilid 3 hlm. 160) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 3 · hlm. 160 · #113558
٦٤] مَعَ مَا فِي الْآيَاتِ الْمُقْتَضِيَةِ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلا يَرْضى لِعِبادِهِ الْكُفْرَ [الزمر: ٧] إِنَّه لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ. وَقَدْ عَلِمْتُمْ مِنْ هَذَا أَنَّ مِلَاكَ التَّشَابُهِ هُوَ عَدَمُ التَّوَاطُؤِ بَيْنَ الْمَعَانِي وَاللُّغَةِ: إِمَّا لِضِيقِهَا عَنِ الْمَعَانِي، وَإِمَّا لِضِيقِ الْأَفْهَامِ عَنِ اسْتِعْمَالِ اللُّغَةِ فِي الْمَعْنَى، وَإِمَّا لِتَنَاسِي بَعْضِ اللُّغَةِ، فَيَتَبَيَّنُ لَكَ أَنَّ الْإِحْكَامَ وَالتَّشَابُهَ: صِفَتَانِ لِلْأَلْفَاظِ، بِاعْتِبَارِ فَهْمِ الْمَعَانِي. وَإِنَّمَا أَخْبَرَ عَنْ ضَمِيرِ آيَاتٍ مُحْكَمَاتٍ، وَهُوَ ضَمِيرُ جَمْعٍ، بَاسِمٍ مُفْرَدٍ لَيْسَ دَالًّا عَلَى أَجْزَاءٍ وَهُوَ أُمُّ لِأَنَّ الْمُرَادَ أَنَّ صِنْفَ الْآيَاتِ الْمُحْكَمَاتِ يَتَنَزَّلُ مِنَ الْكِتَابِ مَنْزِلَةَ أُمِّهِ أَيْ أَصْلِهِ وَمَرْجِعِهِ الَّذِي يُرْجَعُ إِلَيْهِ فِي فَهْمِ الْكِتَابِ وَمَقَاصِدِهِ.
QS 3:7 (jilid 3 hlm. 160) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 3 · hlm. 160 · #113559
ْمُحْكَمَاتِ يَتَنَزَّلُ مِنَ الْكِتَابِ مَنْزِلَةَ أُمِّهِ أَيْ أَصْلِهِ وَمَرْجِعِهِ الَّذِي يُرْجَعُ إِلَيْهِ فِي فَهْمِ الْكِتَابِ وَمَقَاصِدِهِ. وَالْمَعْنَى: هُنَّ كَأُمٍّ لِلْكِتَابِ. وَيُعْلَمُ مِنْهُ أَنَّ كُلَّ آيَةٍ مِنَ الْمُحْكَمَاتِ أُمٌّ لِلْكِتَابِ فِي مَا تَتَضَمَّنُهُ مِنَ الْمَعْنَى. وَهَذَا كَقَوْلِ النَّابِغَةِ يَذْكُرُ بَنِي أَسَدٍ: فَهُمْ دِرْعِي الَّتِي اسْتَلْأَمْتُ فِيهَا أَيْ مَجْمُوعُهُمْ كَالدِّرْعِ لِي، وَيُعْلَمُ مِنْهُ أَنَّ كُلَّ أَحَدٍ مِنْ بَنِي أَسَدٍ بِمَنْزِلَةِ حَلْقَةٍ مِنْ حِلَقِ الدِّرْعِ.
QS 3:7 (jilid 3 hlm. 161) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 3 · hlm. 161 · #113560
أَمْتُ فِيهَا أَيْ مَجْمُوعُهُمْ كَالدِّرْعِ لِي، وَيُعْلَمُ مِنْهُ أَنَّ كُلَّ أَحَدٍ مِنْ بَنِي أَسَدٍ بِمَنْزِلَةِ حَلْقَةٍ مِنْ حِلَقِ الدِّرْعِ. وَمِنْ هَذَا الْمَعْنَى قَوْلُهُ تَعَالَى: وَاجْعَلْنا لِلْمُتَّقِينَ إِماماً [الْفرْقَان: ٧٤] . وَالْكَلَامُ عَلَى (أُخَرُ) تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ [الْبَقَرَة: ١٨٤] . فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ. تَفْصِيلٌ لِإِجْمَالٍ اقْتَضَاهُ الْكَلَامُ السَّابِقُ لِأَنَّهُ لَمَّا قَسَّمَ الْكِتَابَ إِلَى مُحْكَمٍ وَمُتَشَابِهٍ، وَكَانَ ذَلِكَ التَّقْسِيمُ بِاعْتِبَارِ دَلَالَةِ الْأَلْفَاظِ عَلَى الْمَعَانِي، تَشَوَّفَتِ النَّفْسُ إِلَى مَعْرِفَةِ تَلَقِّي النَّاسِ لِلْمُتَشَابِهِ.
QS 3:7 (jilid 3 hlm. 161) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 3 · hlm. 161 · #113561
ذَلِكَ التَّقْسِيمُ بِاعْتِبَارِ دَلَالَةِ الْأَلْفَاظِ عَلَى الْمَعَانِي، تَشَوَّفَتِ النَّفْسُ إِلَى مَعْرِفَةِ تَلَقِّي النَّاسِ لِلْمُتَشَابِهِ. أَمَّا الْمُحْكَمُ فَتَلَقِّي النَّاسِ لَهُ عَلَى طَرِيقَةٍ وَاحِدَةٍ، فَلَا حَاجَةَ إِلَى تَفْصِيلٍ فِيهِ، وَاقْتَصَرَ فِي التَّفْصِيلِ عَلَى ذِكْرِ قِسْمٍ مِنْ أَقْسَامِهِ: وَهُوَ حَالُ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ كَيْفَ تَلَقِّيهِمْ لِلْمُتَشَابِهَاتِ لِأَنَّ بَيَانَ هَذَا هُوَ الْأَهَمُّ فِي الْغَرَضِ الْمَسُوقِ لَهُ الْكَلَامُ، وَهُوَ كَشْفُ شُبْهَةِ الَّذِينَ غَرَّتْهُمُ الْمُتَشَابِهَاتُ وَلَمْ يَهْتَدُوا إِلَى حَقِّ تَأْوِيلِهَا، وَيُعْرَفُ حَالُ قَسِيمِهِمْ وَهُمُ الَّذِينَ لَا زَيْغَ فِي قُلُوبِهِمْ بِطَرِيقِ الْمُقَابَلَةِ ثُمَّ سَيُصَرِّحُ بِإِجْمَالٍ حَالَ الْمُهْتَدِينَ فِي تلقّي ومتشبهات الْقُرْآنِ.
QS 3:7 (jilid 3 hlm. 161) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 3 · hlm. 161 · #113562
وَهُمُ الَّذِينَ لَا زَيْغَ فِي قُلُوبِهِمْ بِطَرِيقِ الْمُقَابَلَةِ ثُمَّ سَيُصَرِّحُ بِإِجْمَالٍ حَالَ الْمُهْتَدِينَ فِي تلقّي ومتشبهات الْقُرْآنِ. وَالْقُلُوبُ مَحَالُّ الْإِدْرَاكِ، وَهِيَ الْعُقُولُ، وَتَقَدَّمَ ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَمَنْ يَكْتُمْها فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ [٢٨٣] . وَالزَّيْغُ: الْمَيْلُ وَالِانْحِرَافُ عَنِ الْمَقْصُودِ: مَا زاغَ الْبَصَرُ [النَّجْم: ١٧] وَيُقَالُ: زَاغَتِ الشَّمْسُ. فَالزَّيْغُ أَخَصُّ مِنَ الْمَيْلِ لِأَنَّهُ مَيْلٌ عَنِ الصَّوَابِ وَالْمَقْصُودِ. وَالِاتِّبَاعُ هُنَا مَجَازٌ عَنِ الْمُلَازَمَةِ وَالْمُعَاوَدَةِ، أَيْ يَعْكُفُونَ عَلَى الْخَوْضِ فِي الْمُتَشَابِهِ، يُحْصُونَهُ، شُبِّهَتْ تِلْكَ الْمُلَازَمَةُ بِمُلَازَمَةِ التَّابِعِ مَتْبُوعَهُ.
QS 3:7 (jilid 3 hlm. 161) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 3 · hlm. 161 · #113563
لْمُعَاوَدَةِ، أَيْ يَعْكُفُونَ عَلَى الْخَوْضِ فِي الْمُتَشَابِهِ، يُحْصُونَهُ، شُبِّهَتْ تِلْكَ الْمُلَازَمَةُ بِمُلَازَمَةِ التَّابِعِ مَتْبُوعَهُ. وَقَدْ ذَكَرَ عِلَّةَ الِاتِّبَاعِ، وَهُوَ طَلَبُ الْفِتْنَةِ، وَطَلَبُ أَنْ يُؤَوِّلُوهُ، وَلَيْسَ طَلَبُ تَأْوِيلِهِ فِي ذَاتِهِ بِمَذَمَّةٍ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ كَمَا سَنُبَيِّنُهُ وَإِنَّمَا مَحَلُّ الذَّمِّ أَنَّهُمْ يَطْلُبُونَ تَأْوِيلًا لَيْسُوا أَهْلًا لَهُ فَيُؤَوِّلُونَهُ بِمَا يُوَافِقُ أَهْوَاءَهُمْ.
QS 3:7 (jilid 3 hlm. 162) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 3 · hlm. 162 · #113564
َمَا سَنُبَيِّنُهُ وَإِنَّمَا مَحَلُّ الذَّمِّ أَنَّهُمْ يَطْلُبُونَ تَأْوِيلًا لَيْسُوا أَهْلًا لَهُ فَيُؤَوِّلُونَهُ بِمَا يُوَافِقُ أَهْوَاءَهُمْ. وَهَذَا دَيْدَنُ الْمَلَاحِدَةِ وَأَهْلِ الْأَهْوَاءِ: الَّذِينَ يَتَعَمَّدُونَ حَمْلَ النَّاسِ عَلَى مُتَابَعَتِهِمْ تَكْثِيرًا لِسَوَادِهِمْ. وَلَمَّا وَصَفَ أَصْحَابَ هَذَا الْمَقْصِدِ بِالزَّيْغِ فِي قُلُوبِهِمْ، عَلِمْنَا أَنَّهُ ذَمَّهُمْ بِذَلِكَ لِهَذَا الْمَقْصِدِ، وَلَا شَكَّ أَنَّ كُلَّ اشْتِغَالٍ بِالْمُتَشَابِهِ إِذَا كَانَ مُفْضِيًا إِلَى هَذَا الْمَقْصِدِ يَنَالُهُ شَيْءٌ مِنْ هَذَا الذَّمِّ.
QS 3:7 (jilid 3 hlm. 162) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 3 · hlm. 162 · #113565
الْمَقْصِدِ، وَلَا شَكَّ أَنَّ كُلَّ اشْتِغَالٍ بِالْمُتَشَابِهِ إِذَا كَانَ مُفْضِيًا إِلَى هَذَا الْمَقْصِدِ يَنَالُهُ شَيْءٌ مِنْ هَذَا الذَّمِّ. فَالَّذِينَ اتَّبَعُوا الْمُتَشَابِهَ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ الْمُنَافِقُونَ، وَالزَّنَادِقَةُ، وَالْمُشْرِكُونَ مِثَالُ تَأْوِيلِ الْمُشْرِكِينَ: قِصَّةُ الْعَاصِي بْنِ وَائِلٍ- مِنَ الْمُشْرِكِينَ- إِذْ جَاءَهُ خَبَّابُ بْنُ الْأَرَتِّ- مِنَ الْمُسْلِمِينَ- يَتَقَاضَاهُ أَجْرًا، فَقَالَ الْعَاصِي- مُتَهَكِّمًا بِهِ- «وَإِنِّي لَمَبْعُوثٌ بَعْدَ الْمَوْتِ- أَيْ حَسَبَ اعْتِقَادِكُمْ- فَسَوْفَ أَقْضِيكَ إِذَا رَجَعْتُ إِلَى مَالٍ وَوَلَدٍ» فَالْعَاصِي تَوَهَّمَ، أَوْ أَرَادَ الْإِيهَامَ، أَنَّ الْبَعْثَ بَعْدَ الْمَوْتِ رُجُوعٌ إِلَى الدُّنْيَا، أَوْ أَرَادَ أَنْ يُوهِمَ دَهْمَاءَ الْمُشْرِكِينَ ذَلِكَ لِيَكُونَ أَدْعَى إِلَى تَكْذِيبِ الْخَبَرِ بِالْبَعْثِ، بِمُشَاهَدَةِ عَدَمِ رُجُوعِ أَحَدٍ مِنَ الْأَمْوَاتِ،
QS 3:7 (jilid 3 hlm. 162) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 3 · hlm. 162 · #113566
ُوهِمَ دَهْمَاءَ الْمُشْرِكِينَ ذَلِكَ لِيَكُونَ أَدْعَى إِلَى تَكْذِيبِ الْخَبَرِ بِالْبَعْثِ، بِمُشَاهَدَةِ عَدَمِ رُجُوعِ أَحَدٍ مِنَ الْأَمْوَاتِ، وَلِذَلِكَ كَانُوا يَقُولُونَ: فَأْتُوا بِآبائِنا إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ [الدُّخان: ٣٦] . وَمِثَالُ تَأْوِيلِ الزَّنَادِقَةِ: مَا حَكَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَليّ بن رزام الطَّائِيُّ الْكُوفِيُّ قَالَ: كُنْتُ بِمَكَّةَ حِينَ كَانَ الْجَنَّابِيُّ- زَعِيمُ الْقَرَامِطَةِ- بِمَكَّةَ، وَهُمْ يَقْتُلُونَ الْحُجَّاجَ، وَيَقُولُونَ: أَلَيْسَ قد قَالَ لَكُمْ مُحَمَّدٌ الْمَكِّيُّ «وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا فَأَيُّ أَمْنٍ هُنَا؟» قَالَ: فَقُلْتُ لَهُ: هَذَا خَرَجَ فِي صُورَةِ الْخَبَرِ، وَالْمُرَادُ بِهِ الْأَمْرُ أَيْ وَمَنْ دَخَلَهُ فَأَمِّنُوهُ، كَقَوْلِهِ: وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ [الْبَقَرَة: ٢٢٨] .
QS 3:7 (jilid 3 hlm. 162) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 3 · hlm. 162 · #113567
فِي صُورَةِ الْخَبَرِ، وَالْمُرَادُ بِهِ الْأَمْرُ أَيْ وَمَنْ دَخَلَهُ فَأَمِّنُوهُ، كَقَوْلِهِ: وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ [الْبَقَرَة: ٢٢٨] . وَالَّذِينَ شَابَهُوهُمْ فِي ذَلِكَ كُلُّ قَوْمٍ يَجْعَلُونَ الْبَحْثَ فِي الْمُتَشَابِهِ دَيْدَنَهُمْ، وَيُفْضُونَ بِذَلِكَ إِلَى خِلَافَاتٍ وَتَعَصُّبَاتٍ. وَكُلُّ مَنْ يَتَأَوَّلُ الْمُتَشَابِهَ عَلَى هَوَاهُ، بِغَيْرِ دَلِيلٍ عَلَى تَأْوِيلِهِ مُسْتَنِدٌ إِلَى دَلِيلٍ وَاسْتِعْمَال عَرَبِيٍّ. وَقَدْ فُهِمَ أَنَّ الْمُرَادَ: التَّأْوِيلُ بِحَسَبِ الْهَوَى، أَوِ التَّأْوِيلُ الْمُلْقِي فِي الْفِتْنَةِ، بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ الْآيَةَ، كَمَا فُهِمَ مِنْ قَوْلِهِ: فَيَتَّبِعُونَ أَنَّهُمْ يَهْتَمُّونَ بِذَلِكَ، وَيَسْتَهْتِرُونَ بِهِ، وَهَذَا مِلَاكُ التَّفْرِقَةِ بَيْنَ حَال من يتيع الْمُتَشَابِهَ لِلْإِيقَاعِ فِي الشَّكِّ
QS 3:7 (jilid 3 hlm. 162) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 3 · hlm. 162 · #113568
نَ أَنَّهُمْ يَهْتَمُّونَ بِذَلِكَ، وَيَسْتَهْتِرُونَ بِهِ، وَهَذَا مِلَاكُ التَّفْرِقَةِ بَيْنَ حَال من يتيع الْمُتَشَابِهَ لِلْإِيقَاعِ فِي الشَّكِّ وَالْإِلْحَادِ، وَبَيْنَ حَالِ مَنْ يُفَسِّرُ الْمُتَشَابِهَ وَيُؤَوِّلُهُ إِذَا دَعَاهُ دَاعٍ إِلَى ذَلِكَ. وَفِي «الْبُخَارِيِّ» - عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ- أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِابْنِ عَبَّاسٍ: «إِنِّي أَجِدُ فِي الْقُرْآنِ أَشْيَاءَ تَخْتَلِفُ عَلَيَّ» قَالَ: مَا هُوَ- قَالَ: «فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ» - وَقَالَ- «وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ» وَقَالَ: «وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا» وَقَالَ: «قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ» قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: «فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ فِي النَّفْخَةِ الْأُولَى ثُمَّ النَّفْخَةِ الثَّانِيَةِ أقبل بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ، فَأَمَّا قَوْلُهُ: وَاللَّهِ رَبِّنا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ [الْأَنْعَام: ٢٣]
QS 3:7 (jilid 3 hlm. 163) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 3 · hlm. 163 · #113569
َّ النَّفْخَةِ الثَّانِيَةِ أقبل بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ، فَأَمَّا قَوْلُهُ: وَاللَّهِ رَبِّنا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ [الْأَنْعَام: ٢٣] فَإِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ لِأَهْلِ الْإِخْلَاصِ ذُنُوبَهُمْ فَيَقُولُ الْمُشْرِكُونَ: تَعَالَوْا نَقُلْ: «مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ، فَيَخْتِمُ اللَّهُ عَلَى أَفَوَاهِهِمْ فَتَنْطِقُ جَوَارِحُهُمْ بِأَعْمَالِهِمْ فَعِنْدَ ذَلِكَ لَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا» . وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ، عَنْ عَائِشَةَ: قَالَتْ «تَلَا رَسُولُ اللَّهِ هَذِهِ الْآيَةَ إِلَى قَوْله: أُولُوا الْأَلْبابِ [الْبَقَرَة: ٢٦٩]- قَالَتْ- قَالَ رَسُولُ اللَّهِ: فَإِذَا رَأَيْتُمُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ سَمَّاهُمُ اللَّهُ فَاحْذَرُوهُمْ» .
QS 3:7 (jilid 3 hlm. 163) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 3 · hlm. 163 · #113570
َتْ- قَالَ رَسُولُ اللَّهِ: فَإِذَا رَأَيْتُمُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ سَمَّاهُمُ اللَّهُ فَاحْذَرُوهُمْ» . وَيُقْصَدُ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشابَهَ مِنْهُ التَّعْرِيضُ بِنَصَارَى نَجْرَانَ، إِذْ أَلْزَمُوا الْمُسْلِمِينَ بِأَنَّ الْقُرْآنَ يَشْهَدُ لِكَوْنِ اللَّهِ ثَالِثَ ثَلَاثَةٍ بِمَا يَقَعُ فِي الْقُرْآنِ مِنْ ضَمِيرِ الْمُتَكَلِّمِ وَمَعَهُ غَيْرُهُ مِنْ نَحْوِ خَلَقْنَا وَأَمَرْنَا وَقَضَيْنَا، وَزَعَمُوا أَنَّ ذَلِكَ الضَّمِيرَ لَهُ وَعِيسَى وَمَرْيَمَ وَلَا شَكَّ أَنَّ هَذَا- إِنْ صَحَّ عَنْهُمْ- هُوَ تَمْوِيهٌ إِذْ مِنَ الْمَعْرُوفِ أَنَّ فِي ذَلِكَ الضَّمِيرِ طَرِيقَتَيْنِ مَشْهُورَتَيْنِ إِمَّا إِرَادَةَ التَّشْرِيكِ أَوْ إِرَادَةَ التَّعْظِيمِ فَمَا أَرَادُوا مِنِ اسْتِدْلَالِهِمْ هَذَا إِلَّا التَّمْوِيهَ عَلَى عَامَّةِ النَّاسِ.
QS 3:7 (jilid 3 hlm. 163) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 3 · hlm. 163 · #113571
ْنِ إِمَّا إِرَادَةَ التَّشْرِيكِ أَوْ إِرَادَةَ التَّعْظِيمِ فَمَا أَرَادُوا مِنِ اسْتِدْلَالِهِمْ هَذَا إِلَّا التَّمْوِيهَ عَلَى عَامَّةِ النَّاسِ. وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا وَما يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُوا الْأَلْبابِ. جُمْلَةُ حَالٍ أَيْ وَهُمْ لَا قِبَلَ لَهُمْ بِتَأْوِيلِهِ إِذْ لَيْسَ تَأْوِيلُهُ لِأَمْثَالِهِمْ، كَمَا قِيلَ فِي الْمَثَلِ: «لَيْسَ بِعُشِّكِ فَادْرَجِي» . وَمِنْ هُنَا أَمْسَكَ السَّلَفُ عَنْ تَأْوِيلِ الْمُتَشَابِهَاتِ، غَيْرِ الرَّاجِعَةِ إِلَى التَّشْرِيعِ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ ﵁: «أَيُّ أَرْضٍ تُقِلُّنِي وَأَيُّ سَمَاءٍ تُظِلُّنِي إِنْ قُلْتُ فِي كِتَابِ اللَّهِ بِمَا لَا أَعْلَمُ» .
QS 3:7 (jilid 3 hlm. 163) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 3 · hlm. 163 · #113572
إِلَى التَّشْرِيعِ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ ﵁: «أَيُّ أَرْضٍ تُقِلُّنِي وَأَيُّ سَمَاءٍ تُظِلُّنِي إِنْ قُلْتُ فِي كِتَابِ اللَّهِ بِمَا لَا أَعْلَمُ» . وَجَاءَ فِي زَمَنِ عُمَرَ- ﵁ رَجُلٌ إِلَى الْمَدِينَةِ مِنَ الْبَصْرَةِ، يُقَالُ لَهُ صَبِيغُ بْنُ شَرِيكٍ أَوِ ابْنُ عَسَلٍ التَّمِيمِيُّ (١) فَجَعَلَ يَسْأَلُ النَّاسَ عَنْ مُتَشَابِهِ الْقُرْآنِ، وَعَنْ أَشْيَاءَ فَأَحْضَرَهُ عُمَرُ، وَضَرَبَهُ ضَرْبًا مُوجِعًا، وَكَرَّرَ ذَلِكَ أَيَّامًا، فَقَالَ: «حَسْبُكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ فَقَدْ ذَهَبَ مَا كُنْتُ أَجِدُ فِي رَأْسِي» ثُمَّ أَرْجَعَهُ إِلَى الْبَصْرَةِ وَكَتَبَ إِلَى أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ أَنْ يَمْنَعَ النَّاسَ مِنْ مُخَالَطَتِهِ.
QS 3:7 (jilid 3 hlm. 164) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 3 · hlm. 164 · #113573
ا كُنْتُ أَجِدُ فِي رَأْسِي» ثُمَّ أَرْجَعَهُ إِلَى الْبَصْرَةِ وَكَتَبَ إِلَى أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ أَنْ يَمْنَعَ النَّاسَ مِنْ مُخَالَطَتِهِ. وَمِنَ السَّلَفِ مَنْ تَأَوَّلَ عِنْدَ عُرُوضِ الشُّبْهَةِ لِبَعْضِ النَّاسِ، كَمَا فَعَلَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِيمَا ذَكَرْنَاهُ آنِفًا. قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ فِي «الْعَوَاصِمِ مِنَ الْقَوَاصِمِ» - «مِنَ الْكَائِدِينَ لِلْإِسْلَامِ الْبَاطِنِيَّةُ وَالظَّاهِرِيَّةُ» . قُلْتُ: أَمَّا الْبَاطِنِيَّةُ فَقَدْ جَعَلُوا مُعْظَمَ الْقُرْآنِ مُتَشَابِهًا، وَتَأَوَّلُوهُ بِحَسَبِ أَهْوَائِهِمْ، وَأَمَّا الظَّاهِرِيُّونَ فَقَدْ أَكْثَرُوا فِي مُتَشَابِهِهِ، وَاعْتَقَدُوا سَبَبَ التَّشَابُهِ وَاقِعًا، فَالْأَوَّلُونَ دَخَلُوا فِي قَوْلِهِ: وَابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ، وَالْأَخِيرُونَ خَرَجُوا مِنْ قَوْلِهِ: وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ أَوْ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ، فَخَالَفُوا الْخَلَفَ
QS 3:7 (jilid 3 hlm. 164) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 3 · hlm. 164 · #113574
قَوْلِهِ: وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ أَوْ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ، فَخَالَفُوا الْخَلَفَ وَالسَّلَفَ. قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ- «فِي الْعَوَاصِمِ» - «وَأَصْلُ الظَّاهِرِيِّينَ الْخَوَارِجُ الَّذِينَ قَالُوا: لَا حُكْمَ إِلَّا لِلَّهِ» يَعْنِي أَنَّهُمْ أَخَذُوا بِظَاهِرِ قَوْلِهِ تَعَالَى: إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ وَلَمْ يَتَأَوَّلُوهُ بِمَا هُوَ الْمُرَادُ مِنَ الْحُكْمِ. وَالْمُرَادُ بِالرَّاسِخِينَ فِي الْعِلْمِ: الَّذِينَ تَمَكَّنُوا فِي عِلْمِ الْكِتَابِ، وَمَعْرِفَةِ مَحَامِلِهِ، وَقَامَ عِنْدَهُمْ مِنَ الْأَدِلَّةِ مَا أَرْشَدَهُمْ إِلَى مُرَادِ اللَّهِ تَعَالَى، بِحَيْثُ لَا تَرُوجُ عَلَيْهِمُ الشُّبَهُ.
QS 3:7 (jilid 3 hlm. 164) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 3 · hlm. 164 · #113575
ْرِفَةِ مَحَامِلِهِ، وَقَامَ عِنْدَهُمْ مِنَ الْأَدِلَّةِ مَا أَرْشَدَهُمْ إِلَى مُرَادِ اللَّهِ تَعَالَى، بِحَيْثُ لَا تَرُوجُ عَلَيْهِمُ الشُّبَهُ. وَالرُّسُوخُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ: الثَّبَاتُ وَالتَّمَكُّنُ فِي الْمَكَانِ، يُقَالُ: رَسَخَتِ الْقَدَمُ تَرْسَخُ رُسُوخًا إِذَا ثَبَتَتْ عِنْدَ الْمَشْيِ وَلَمْ تَتَزَلْزَلْ، وَاسْتُعِيرَ الرُّسُوخُ لِكَمَالِ الْعَقْلِ وَالْعِلْمِ بِحَيْثُ لَا تُضَلِّلُهُ الشُّبَهُ، وَلَا تَتَطَرَّقُهُ الْأَخْطَاءُ غَالِبًا، وَشَاعَتْ هَذِهِ الِاسْتِعَارَةُ حَتَّى صَارَتْ كَالْحَقِيقَةِ.
QS 3:7 (jilid 3 hlm. 164) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 3 · hlm. 164 · #113576
عِلْمِ بِحَيْثُ لَا تُضَلِّلُهُ الشُّبَهُ، وَلَا تَتَطَرَّقُهُ الْأَخْطَاءُ غَالِبًا، وَشَاعَتْ هَذِهِ الِاسْتِعَارَةُ حَتَّى صَارَتْ كَالْحَقِيقَةِ. فَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ: الثَّابِتُونَ فِيهِ الْعَارِفُونَ بِدَقَائِقِهِ، فَهُمْ يُحْسِنُونَ مَوَاقِعَ التَّأْوِيلِ، وَيَعْلَمُونَهُ. وَلِذَا فَقَوْلُهُ: وَالرَّاسِخُونَ مَعْطُوفٌ عَلَى اسْمِ الْجَلَالَةِ، وَفِي هَذَا الْعَطْفِ تَشْرِيفٌ عَظِيمٌ: كَقَوْلِهِ: شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُوا الْعِلْمِ [آل عمرَان: ١٨] وَإِلَى هَذَا التَّفْسِيرِ مَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ، وَالرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ، وَالْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ، وَالشَّافِعِيَّةُ، وَابْنُ فَوْرَكٍ، وَالشَّيْخُ أَحْمَدُ الْقُرْطُبِيُّ، وَابْنُ عَطِيَّةَ، وَعَلَى هَذَا فَلَيْسَ فِي الْقُرْآنِ آيَةٌ اسْتَأْثَرَ اللَّهُ بِعِلْمِهَا. وَيُؤَيِّدُ هَذَا أَنَّ اللَّهَ أَثْبَتَ لِلرَّاسِخِينَ فِي الْعِلْمِ فَضِيلَةً.
QS 3:7 (jilid 3 hlm. 164) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 3 · hlm. 164 · #113577
هَذَا فَلَيْسَ فِي الْقُرْآنِ آيَةٌ اسْتَأْثَرَ اللَّهُ بِعِلْمِهَا. وَيُؤَيِّدُ هَذَا أَنَّ اللَّهَ أَثْبَتَ لِلرَّاسِخِينَ فِي الْعِلْمِ فَضِيلَةً. وَوَصَفَهُمْ بِالرُّسُوخِ، فَآذَنَ بِأَنَّ لَهُمْ مَزِيَّةً فِي فَهْمِ الْمُتَشَابِهِ: لِأَنَّ الْمُحْكَمَ يَسْتَوِي فِي عِلْمِهِ جَمِيعُ مَنْ يَفْهَمُ الْكَلَامَ، فَفِي أَيِّ شَيْءٍ رُسُوخُهُمْ، وَحَكَى إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّهُ قَالَ فِي هَاتِهِ الْآيَةِ: «أَنَا مِمَّنْ يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ» . وَقِيلَ: الْوَقْفُ عَلَى قَوْلِهِ: إِلَّا اللَّهُ وَإِنَّ جُمْلَةَ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مُسْتَأْنَفَةٌ، وَهَذَا مَرْوِيٌّ عَنْ جُمْهُورِ السَّلَفِ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ، وَعَائِشَةَ، وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَأُبَيٍّ، وَرَوَاهُ أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ فِي جَامِعِ الْعُتْبِيَّةِ، وَقَالَهُ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، وَالْكِسَائِيُّ، وَالْأَخْفَشُ وَالْفَرَّاءُ، وَالْحَنَفِيَّةُ، وَإِلَيْهِ مَالَ فَخْرُ الدِّينِ.
QS 3:7 (jilid 3 hlm. 165) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 3 · hlm. 165 · #113578
الْعُتْبِيَّةِ، وَقَالَهُ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، وَالْكِسَائِيُّ، وَالْأَخْفَشُ وَالْفَرَّاءُ، وَالْحَنَفِيَّةُ، وَإِلَيْهِ مَالَ فَخْرُ الدِّينِ. وَيُؤَيِّدُ الْأَوَّلَ وَصْفُهُمْ بِالرُّسُوخِ فِي الْعِلْمِ فَإِنَّهُ دَلِيلٌ بَيِّنٌ عَلَى أَنَّ الْحُكْمَ الَّذِي أُثْبِتَ لِهَذَا الْفَرِيقِ، هُوَ حُكْمٌ مِنْ مَعْنَى الْعِلْمِ وَالْفَهْمِ فِي الْمُعْضِلَاتِ، وَهُوَ تَأْوِيلُ الْمُتَشَابِهِ، عَلَى أَنَّ أَصْلَ الْعَطْفِ هُوَ عَطْفُ الْمُفْرَدَاتِ دُونَ عَطْفِ الْجُمَلِ، فَيَكُونُ الرَّاسِخُونَ مَعْطُوفًا عَلَى اسْمِ الْجَلَالَةِ فَيَدْخُلُونَ فِي أَنَّهُمْ يَعْلَمُونَ تَأْوِيلَهُ. وَلَوْ كَانَ الرَّاسِخُونَ مُبْتَدَأً وَجُمْلَة: «يَقُولُونَ ءامنّا بِهِ» خَبَرًا، لَكَانَ حَاصِلُ هَذَا الْخَبَرِ مِمَّا يَسْتَوِي فِيهِ سَائِرُ الْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ لَا زَيْغَ فِي قُلُوبِهِمْ، فَلَا يَكُونُ لِتَخْصِيصِ الرَّاسِخِينَ فَائِدَةٌ.
QS 3:7 (jilid 3 hlm. 165) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 3 · hlm. 165 · #113579
َذَا الْخَبَرِ مِمَّا يَسْتَوِي فِيهِ سَائِرُ الْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ لَا زَيْغَ فِي قُلُوبِهِمْ، فَلَا يَكُونُ لِتَخْصِيصِ الرَّاسِخِينَ فَائِدَةٌ. قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: «تَسْمِيَتُهُمْ رَاسِخِينَ تَقْتَضِي أَنَّهُمْ يَعْلَمُونَ أَكْثَرَ مِنَ الْمُحْكَمِ الَّذِي يَسْتَوِي فِي عِلْمِهِ جَمِيع من يفهم كَلَام الْعَرَب، وَفِي أيّ شَيْء هُوَ رسوخهم إِذا لم يعلمُوا إلّا مَا يُعلمهُ الْجَمِيعُ وَمَا الرُّسُوخُ إِلَّا الْمَعْرِفَةُ بِتَصَارِيفِ الْكَلَامِ بِقَرِيحَةٍ مُعَدَّةٍ» وَمَا ذَكَرْنَاهُ وَذَكَرَهُ ابْنُ عَطِيَّة لَا يعد وَأَن يَكُونَ تَرْجِيحًا لِأَحَدِ التَّفْسِيرَيْنِ، وَلَيْسَ إِبْطَالًا لِمُقَابِلِهِ إِذْ قَدْ يُوصَفُ بِالرُّسُوخِ مَنْ يُفَرِّقُ بَيْنَ مَا يَسْتَقِيمُ تَأْوِيلُهُ، وَمَا لَا مَطْمَعَ فِي تَأْوِيلِهِ. وَفِي قَوْلِهِ: وَما يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُوا الْأَلْبابِ إِشْعَارٌ بِأَنَّ الرَّاسِخِينَ يَعْلَمُونَ تَأْوِيلَ الْمُتَشَابِهِ.
QS 3:7 (jilid 3 hlm. 165) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 3 · hlm. 165 · #113580
مَعَ فِي تَأْوِيلِهِ. وَفِي قَوْلِهِ: وَما يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُوا الْأَلْبابِ إِشْعَارٌ بِأَنَّ الرَّاسِخِينَ يَعْلَمُونَ تَأْوِيلَ الْمُتَشَابِهِ. وَاحْتَجَّ أَصْحَابُ الرَّأْيِ الثَّانِي، وَهُوَ رَأْيُ الْوَقْفِ عَلَى اسْمِ الْجَلَالَةِ: بِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنْ يَكُونَ جُمْلَةُ (وَالرَّاسِخُونَ) مُسْتَأْنَفَةً لِتَكُونَ مُعَادِلًا لِجُمْلَةِ: فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ، وَالتَّقْدِيرُ: وَأَمَّا الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ. وَأَجَابَ التَّفْتَازَانِيُّ بِأَنَّ الْمُعَادِلَ لَا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ مَذْكُورًا، بَلْ قَدْ يُحْذَفُ لِدَلَالَةِ الْكَلَامِ عَلَيْهِ.
QS 3:7 (jilid 3 hlm. 165) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 3 · hlm. 165 · #113581
لْعِلْمِ. وَأَجَابَ التَّفْتَازَانِيُّ بِأَنَّ الْمُعَادِلَ لَا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ مَذْكُورًا، بَلْ قَدْ يُحْذَفُ لِدَلَالَةِ الْكَلَامِ عَلَيْهِ. وَاحْتَجُّوا أَيْضًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا قَالَ الْفَخْرُ: لَوْ كَانُوا عَالِمِينَ بِتَأْوِيلِهِ لَمْ يَكُنْ لِهَذَا الْكَلَامِ فَائِدَةٌ إِذِ الْإِيمَانُ بِمَا ظَهَرَ مَعْنَاهُ أَمْرٌ غَيْرُ غَرِيبٍ وَسَنُجِيبُ عَنْ هَذَا عِنْدَ الْكَلَامِ عَلَى هَذِهِ الْجُمْلَةِ. وَذَكَرَ الْفَخر حجَجًا أخر غَيْرَ مُسْتَقِيمَةٍ.
QS 3:7 (jilid 3 hlm. 166) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 3 · hlm. 166 · #113582
َ مَعْنَاهُ أَمْرٌ غَيْرُ غَرِيبٍ وَسَنُجِيبُ عَنْ هَذَا عِنْدَ الْكَلَامِ عَلَى هَذِهِ الْجُمْلَةِ. وَذَكَرَ الْفَخر حجَجًا أخر غَيْرَ مُسْتَقِيمَةٍ. وَلَا يَخْفَى أَنَّ أَهْلَ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ لَا يُثْبِتُونَ مُتَشَابِهًا غَيْرَ مَا خَفِيَ الْمُرَادُ مِنْهُ، وَأَنَّ خَفَاءَ الْمُرَادِ مُتَفَاوِتٌ، وَأَنَّ أَهْلَ الْقَوْلِ الثَّانِي يُثْبِتُونَ مُتَشَابِهًا اسْتَأْثَرَ اللَّهُ بِعِلْمِهِ، وَهُوَ أَيْضًا مُتَفَاوِتٌ لِأَنَّ مِنْهُ مَا يَقْبَلُ تَأْوِيلَاتٍ قَرِيبَةً، وَهُوَ مِمَّا يَنْبَغِي أَلَّا يُعَدَّ مِنَ الْمُتَشَابِهِ فِي اصْطِلَاحِهِمْ، لَكِنَّ صَنِيعَهُمْ فِي الْإِمْسَاكِ عَنْ تَأْوِيلِ آيَاتٍ كَثِيرَةٍ سَهْلٍ تَأْوِيلُهَا مِثْلَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنا [الطّور: ٤٨] دَلَّ عَلَى أَنَّهُمْ يَسُدُّونَ بَابَ التَّأْوِيلِ فِي الْمُتَشَابِهِ، قَالَ الشَّيْخُ ابْنُ عَطِيَّةَ «إِنَّ تَأْوِيلَ مَا يُمْكِنُ تَأْوِيلُهُ لَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ- عَلَى الِاسْتِيفَاءِ- إِلَّا اللَّهُ
QS 3:7 (jilid 3 hlm. 166) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 3 · hlm. 166 · #113583
ْمُتَشَابِهِ، قَالَ الشَّيْخُ ابْنُ عَطِيَّةَ «إِنَّ تَأْوِيلَ مَا يُمْكِنُ تَأْوِيلُهُ لَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ- عَلَى الِاسْتِيفَاءِ- إِلَّا اللَّهُ تَعَالَى فَمَنْ قَالَ، مِنَ الْعُلَمَاءِ الْحُذَّاقِ: بِأَنَّ الرَّاسِخِينَ لَا يَعْلَمُونَ تَأْوِيلَ الْمُتَشَابِهِ، فَإِنَّمَا أَرَادَ هَذَا النَّوْعَ، وَخَافُوا أَنْ يَظُنَّ أَحَدٌ أَنَّ اللَّهَ وَصَفَ الرَّاسِخِينَ بِعِلْمِ التَّأْوِيلِ عَلَى الْكَمَالِ» . وَعَلَى الِاخْتِلَافِ فِي مَحْمَلِ الْعَطْفِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ انْبَنَى اخْتِلَافٌ بَيْنَ عُلَمَاءِ الْأُمَّةِ فِي تَأْوِيلِ مَا كَانَ مُتَشَابِهًا: مِنْ آيَاتِ الْقُرْآنِ، وَمِنْ صِحَاحِ الْأَخْبَارِ، عَن النبيء ﷺ.
QS 3:7 (jilid 3 hlm. 166) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 3 · hlm. 166 · #113584
ْبَنَى اخْتِلَافٌ بَيْنَ عُلَمَاءِ الْأُمَّةِ فِي تَأْوِيلِ مَا كَانَ مُتَشَابِهًا: مِنْ آيَاتِ الْقُرْآنِ، وَمِنْ صِحَاحِ الْأَخْبَارِ، عَن النبيء ﷺ. فَكَانَ رَأْيُ فَرِيقٍ مِنْهُمُ الْإِيمَانَ بِهَا، عَلَى إِبْهَامِهَا وَإِجْمَالِهَا، وَتَفْوِيضَ الْعِلْمِ بِكُنْهِ الْمُرَادِ مِنْهَا إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَهَذِهِ طَرِيقَةُ سَلَفِ عُلَمَائِنَا، قَبْلَ ظُهُورِ شُكُوكِ الْمُلْحِدِينَ أَوِ الْمُتَعَلِّمِينَ، وَذَلِكَ فِي عَصْرِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَبَعْضِ عَصْرِ تَابِعِيهِمْ، وَيُعَبَّرُ عَنْهَا بِطَرِيقَةِ السَّلَفِ، وَيَقُولُونَ: طَرِيقَةُ السَّلَفِ أَسْلَمُ، أَيْ أَشَدُّ سَلَامَةً لَهُمْ مِنْ أَنْ يَتَأَوَّلُوا تَأْوِيلَاتٍ لَا يُدْرَى مَدَى مَا تُفْضِي إِلَيْهِ مِنْ أُمُورٍ لَا تَلِيقُ بِجَلَالِ اللَّهِ تَعَالَى وَلَا تَتَّسِقُ مَعَ مَا شَرَعَهُ لِلنَّاسِ مِنَ الشَّرَائِعِ، مَعَ مَا رَأَوْا مِنِ اقْتِنَاعِ أَهْلِ عَصْرِهِمْ بِطَرِيقَتِهِمْ، وَانْصِرَافِهِمْ عَنِ
QS 3:7 (jilid 3 hlm. 166) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 3 · hlm. 166 · #113585
لَا تَتَّسِقُ مَعَ مَا شَرَعَهُ لِلنَّاسِ مِنَ الشَّرَائِعِ، مَعَ مَا رَأَوْا مِنِ اقْتِنَاعِ أَهْلِ عَصْرِهِمْ بِطَرِيقَتِهِمْ، وَانْصِرَافِهِمْ عَنِ التَّعَمُّقِ فِي طَلَبِ التَّأْوِيلِ. وَكَانَ رَأْيُ جُمْهُورِ مَنْ جَاءَ بَعْدَ عَصْرِ السَّلَفِ تَأْوِيلَهَا بِمَعَانٍ مِنْ طَرَائِقِ اسْتِعْمَالِ الْكَلَامِ الْعَرَبِيِّ الْبَلِيغِ مِنْ مَجَازٍ، وَاسْتِعَارَةٍ، وَتَمْثِيلٍ، مَعَ وُجُودِ الدَّاعِي إِلَى التَّأْوِيلِ، وَهُوَ تَعَطُّشُ الْعُلَمَاءِ الَّذِينَ اعْتَادُوا التَّفَكُّرَ وَالنَّظَرَ وَفَهْمَ الْجَمْعِ بَيْنَ أَدِلَّةِ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ، وَيُعَبَّرُ عَنْ هَذِهِ الطَّرِيقَةِ بِطَرِيقَةِ الْخَلَفِ، وَيَقُولُونَ: طَريقَة الْخلف أَعم، أَيْ أَنْسَبُ بِقَوَاعِدِ
QS 3:7 (jilid 3 hlm. 166) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 3 · hlm. 166 · #113586
َّةِ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ، وَيُعَبَّرُ عَنْ هَذِهِ الطَّرِيقَةِ بِطَرِيقَةِ الْخَلَفِ، وَيَقُولُونَ: طَريقَة الْخلف أَعم، أَيْ أَنْسَبُ بِقَوَاعِدِ الْعِلْمِ وَأَقْوَى فِي تَحْصِيل الْعلم الْقَاطِع لِجِدَالِ الْمُلْحِدِينَ، وَالْمَقْنَعِ لِمَنْ يَتَطَلَّبُونَ الْحَقَائِقَ مِنَ الْمُتَعَلِّمِينَ، وَقَدْ يَصِفُونَهَا بِأَنَّهَا أَحْكَمُ أَيْ أَشَدُّ إِحْكَامًا لِأَنَّهَا تُقْنِعُ أَصْحَابَ الْأَغْرَاضِ كُلَّهُمْ. وَقَدْ وَقَعَ هَذَانِ الْوَصْفَانِ فِي كَلَامِ الْمُفَسِّرِينَ وَعُلَمَاءِ الْأُصُولِ، وَلَمْ أَقِفْ عَلَى تَعْيِينِ أوّل من صَدرا عَنْهُ، وَقَدْ تَعَرَّضَ الشَّيْخُ ابْنُ تَيْمِيَّةَ- فِي «الْعَقِيدَةِ الْحَمَوِيَّةِ» - إِلَى رَدِّ هَذَيْنِ الْوَصْفَيْنِ وَلَمْ يَنْسُبْهُمَا إِلَى قَائِلٍ.
QS 3:7 (jilid 3 hlm. 167) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 3 · hlm. 167 · #113587
َدْ تَعَرَّضَ الشَّيْخُ ابْنُ تَيْمِيَّةَ- فِي «الْعَقِيدَةِ الْحَمَوِيَّةِ» - إِلَى رَدِّ هَذَيْنِ الْوَصْفَيْنِ وَلَمْ يَنْسُبْهُمَا إِلَى قَائِلٍ. وَالْمَوْصُوفُ بِأَسْلَمَ وَبِأَعْلَمَ الطَّرِيقَةُ لَا أَهْلُهَا فَإِنَّ أَهْلَ الطَّرِيقَتَيْنِ مِنْ أَئِمَّةِ الْعِلْمِ، وَمِمَّنْ سَلِمُوا فِي دِينِهِمْ مِنَ الْفِتَنِ. وَلَيْسَ فِي وَصْفِ هَذِهِ الطَّرِيقَةِ، بِأَنَّهَا أَعْلَمُ أَوْ أَحْكَمُ، غَضَاضَةٌ مِنَ الطَّرِيقَةِ الْأُولَى لِأَنَّ الْعُصُورَ الَّذِينَ دَرَجُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ الْأُولَى، فِيهِمْ مَنْ لَا تَخْفَى عَلَيْهِمْ مَحَامِلُهَا بِسَبَبِ ذَوْقِهِمُ الْعَرَبِيِّ، وَهَدْيِهِمُ النَّبَوِيِّ، وَفِيهِمْ مَنْ لَا يُعِيرُ الْبَحْثَ عَنْهَا جَانِبًا مِنْ هِمَّتِهِ، مِثْلَ سَائِرِ الْعَامَّةِ.
QS 3:7 (jilid 3 hlm. 167) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 3 · hlm. 167 · #113588
ذَوْقِهِمُ الْعَرَبِيِّ، وَهَدْيِهِمُ النَّبَوِيِّ، وَفِيهِمْ مَنْ لَا يُعِيرُ الْبَحْثَ عَنْهَا جَانِبًا مِنْ هِمَّتِهِ، مِثْلَ سَائِرِ الْعَامَّةِ. فَلَا جَرَمَ كَانَ طَيُّ الْبَحْثِ عَنْ تَفْصِيلِهَا أَسْلَمَ لِلْعُمُومِ، وَكَانَ تَفْصِيلُهَا بَعْدَ ذَلِكَ أَعْلَمَ لِمَنْ جَاءَ بَعْدَهُمْ، بِحَيْثُ لَوْ لَمْ يُؤَوِّلُوهَا بِهِ لَأَوْسَعُوا، لِلْمُتَطَلِّعِينَ إِلَى بَيَانِهَا، مَجَالًا لِلشَّكِّ أَوِ الْإِلْحَادِ، أَوْ ضِيقِ الصَّدْرِ فِي الِاعْتِقَادِ. وَاعْلَمْ أَنَّ التَّأْوِيلَ مِنْهُ مَا هُوَ وَاضِحٌ بَيِّنٌ، فَصَرْفُ اللَّفْظِ الْمُتَشَابِهِ عَنْ ظَاهِرِهِ إِلَى ذَلِكَ التَّأْوِيلِ يُعَادِلُ حَمْلَ اللَّفْظِ عَلَى أَحَدِ مَعْنَيَيْهِ الْمَشْهُورَيْنِ لِأَجْلِ كَثْرَةِ اسْتِعْمَالِ اللَّفْظِ فِي الْمَعْنَى غَيْرِ الظَّاهِرِ مِنْهُ.
QS 3:7 (jilid 3 hlm. 167) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 3 · hlm. 167 · #113589
عَادِلُ حَمْلَ اللَّفْظِ عَلَى أَحَدِ مَعْنَيَيْهِ الْمَشْهُورَيْنِ لِأَجْلِ كَثْرَةِ اسْتِعْمَالِ اللَّفْظِ فِي الْمَعْنَى غَيْرِ الظَّاهِرِ مِنْهُ. فَهَذَا الْقِسْمُ مِنَ التَّأْوِيلِ حَقِيقٌ بِأَلَّا يُسَمَّى تَأْوِيلًا وَلَيْسَ أَحَدُ مَحْمَلَيْهِ بِأَقْوَى مِنَ الْآخَرِ إِلَّا أَنَّ أَحَدَهُمَا أَسْبَقُ فِي الْوَضْعِ مِنَ الْآخَرِ، وَالْمَحْمَلَانِ مُتَسَاوِيَانِ فِي الِاسْتِعْمَالِ وَلَيْسَ سَبْقُ إِطْلَاقِ اللَّفْظِ عَلَى أَحَدِ الْمَعْنَيَيْنِ بِمُقْتَضٍ تَرْجِيحَ ذَلِكَ الْمَعْنَى، فَكَمْ مِنْ إِطْلَاقٍ مَجَازِيٍّ لِلَفْظٍ هُوَ أَسْبَقُ إِلَى الْأَفْهَامِ مِنْ إِطْلَاقِهِ الْحَقِيقِيِّ. وَلَيْسَ قَوْلُهُمْ فِي عِلْمِ الْأُصُولِ بِأَنَّ الْحَقِيقَةَ أَرْجَحُ مِنَ الْمَجَازِ بِمَقْبُولٍ عَلَى عُمُومِهِ. وَتَسْمِيَةُ هَذَا النَّوْعِ بِالْمُتَشَابِهِ لَيْسَتْ مُرَادَةً فِي الْآيَةِ.
QS 3:7 (jilid 3 hlm. 167) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 3 · hlm. 167 · #113590
نَّ الْحَقِيقَةَ أَرْجَحُ مِنَ الْمَجَازِ بِمَقْبُولٍ عَلَى عُمُومِهِ. وَتَسْمِيَةُ هَذَا النَّوْعِ بِالْمُتَشَابِهِ لَيْسَتْ مُرَادَةً فِي الْآيَةِ. وَعَدُّهُ مِنَ الْمُتَشَابِهِ جُمُودٌ. وَمِنَ التَّأْوِيلِ مَا ظَاهِرُ مَعْنَى اللَّفْظِ فِيهِ أَشْهَرُ مِنْ مَعْنَى تَأْوِيلِهِ وَلَكِنَّ الْقَرَائِنَ أَوِ الْأَدِلَّةَ أَوْجَبَتْ صَرْفَ اللَّفْظِ عَنْ ظَاهِرِ مَعْنَاهُ فَهَذَا حَقِيقٌ بِأَنْ يُعَدَّ مِنَ الْمُتَشَابِهِ. ثُمَّ إِنَّ تَأْوِيلَ اللَّفْظِ فِي مِثْلِهِ قَدْ يَتَيَسَّرُ بِمَعْنًى مُسْتَقِيمٍ يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ أَنَّهُ الْمُرَادُ إِذَا جَرَى حَمْلُ اللَّفْظِ عَلَى مَا هُوَ مِنْ مُسْتَعْمَلَاتِهِ فِي الْكَلَامِ الْبَلِيغِ مِثْلَ الْأَيْدِي وَالْأَعْيُنِ فِي
QS 3:7 (jilid 3 hlm. 167) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 3 · hlm. 167 · #113591
ِّ أَنَّهُ الْمُرَادُ إِذَا جَرَى حَمْلُ اللَّفْظِ عَلَى مَا هُوَ مِنْ مُسْتَعْمَلَاتِهِ فِي الْكَلَامِ الْبَلِيغِ مِثْلَ الْأَيْدِي وَالْأَعْيُنِ فِي قَوْلِهِ: بَنَيْناها بِأَيْدٍ [الذاريات: ٤٧] وَقَوْلِهِ: فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنا [الطّور: ٤٨] فَمَنْ أَخَذُوا مِنْ مِثْلِهِ أَنَّ لِلَّهِ أَعْيُنًا لَا يُعْرَفُ كُنْهُهَا، أَوْ لَهُ يَدًا لَيْسَتْ كَأَيْدِينَا، فَقَدْ زَادُوا فِي قُوَّةِ الِاشْتِبَاهِ. وَمِنْهُ مَا يُعْتَبَرُ تَأْوِيلُهُ احْتِمَالًا وَتَجْوِيزًا بِأَنْ يَكُونَ الصَّرْفُ عَنِ الظَّاهِرِ مُتَعَيِّنًا وَأَمَّا حَمْلُهُ عَلَى مَا أَوَّلُوهُ بِهِ فَعَلَى وَجْهِ الِاحْتِمَالِ وَالْمِثَالِ، وَهَذَا مِثْلُ قَوْلِهِ تَعَالَى: الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى [طه: ٥] وَقَوْلِهِ: هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ [الْبَقَرَة:
QS 3:7 (jilid 3 hlm. 168) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 3 · hlm. 168 · #113592
َالَى: الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى [طه: ٥] وَقَوْلِهِ: هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ [الْبَقَرَة: ٢١٠] فَمِثْلُ ذَلِكَ مَقْطُوعٌ بِوُجُوبِ تَأْوِيلِهِ وَلَا يَدَّعِي أَحَدٌ، أَنَّ مَا أَوَّلَهُ بِهِ هُوَ الْمُرَادُ مِنْهُ وَلَكِنَّهُ وَجْهٌ تَابِعٌ لِإِمْكَانِ التَّأْوِيلِ، وَهَذَا النَّوْعُ أَشَدُّ مَوَاقِعِ التَّشَابُهِ وَالتَّأْوِيلِ. وَقَدِ اسْتَبَانَ لَكَ مِنْ هَذِهِ التَّأْوِيلَاتِ: أَنَّ نَظْمَ الْآيَةِ جَاءَ عَلَى أَبْلَغِ مَا يُعَبَّرُ بِهِ فِي مَقَامٍ يَسَعُ طَائِفَتَيْنِ مِنْ عُلَمَاءِ الْإِسْلَامِ فِي مُخْتَلِفِ الْعُصُورِ.
QS 3:7 (jilid 3 hlm. 168) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 3 · hlm. 168 · #113593
أَنَّ نَظْمَ الْآيَةِ جَاءَ عَلَى أَبْلَغِ مَا يُعَبَّرُ بِهِ فِي مَقَامٍ يَسَعُ طَائِفَتَيْنِ مِنْ عُلَمَاءِ الْإِسْلَامِ فِي مُخْتَلِفِ الْعُصُورِ. وَقَوْلُهُ: يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ حَالٌ مِنَ (الرَّاسِخُونَ) أَيْ يَعْلَمُونَ تَأْوِيلَهُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ وَالْمَعْنَى عَلَيْهِ: يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مِنَ الْقَوْلِ الْكِنَايَةَ عَنِ الِاعْتِقَادِ لِأَنَّ شَأْنَ الْمُعْتَقِدِ أَنْ يَقُولَ مُعْتَقَدَهُ، أَيْ يَعْلَمُونَ تَأْوِيلَهُ وَلَا يَهْجِسُ فِي نُفُوسِهِمْ شَكٌّ مِنْ جِهَةِ وُقُوعِ الْمُتَشَابِهِ حَتَّى يَقُولُوا: لماذَا لم يجىء الْكَلَامُ كُلُّهُ وَاضِحًا، وَيَتَطَرَّقُهُمْ مِنْ ذَلِكَ إِلَى الرِّيبَةِ فِي كَوْنِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، فَلِذَلِكَ يَقُولُونَ: كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا.
QS 3:7 (jilid 3 hlm. 168) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 3 · hlm. 168 · #113594
كُلُّهُ وَاضِحًا، وَيَتَطَرَّقُهُمْ مِنْ ذَلِكَ إِلَى الرِّيبَةِ فِي كَوْنِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، فَلِذَلِكَ يَقُولُونَ: كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا. وَيُحْتَمَلُ أَنَّ الْمُرَادَ يَقُولُونَ لِغَيْرِهِمْ: أَيْ مَنْ لَمْ يَبْلُغْ مَرْتَبَةَ الرُّسُوخِ مِنْ عَامَّةِ الْمُسْلِمِينَ، الَّذِينَ لَا قِبَلَ لَهُمْ بِإِدْرَاكِ تَأْوِيلِهِ، لِيُعَلِّمُوهُمُ الْوُقُوفَ عِنْدَ حُدُودِ الْإِيمَانِ، وَعَدَمَ التَّطَلُّعِ إِلَى مَا لَيْسَ فِي الْإِمْكَان، وَهَذَا يَقْرُبُ مِمَّا قَالَهُ أَهْلُ الْأُصُولِ: إِنَّ الْمُجْتَهِدَ لَا يَلْزَمُهُ بَيَانُ مُدْرَكِهِ لِلْعَامِّيِّ، إِذَا سَأَلَهُ عَنْ مَأْخَذِ الْحُكْمِ، إِذَا كَانَ الْمُدْرَكُ خَفِيًّا.
QS 3:7 (jilid 3 hlm. 168) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 3 · hlm. 168 · #113595
صُولِ: إِنَّ الْمُجْتَهِدَ لَا يَلْزَمُهُ بَيَانُ مُدْرَكِهِ لِلْعَامِّيِّ، إِذَا سَأَلَهُ عَنْ مَأْخَذِ الْحُكْمِ، إِذَا كَانَ الْمُدْرَكُ خَفِيًّا. وَبِهَذَا يَحْصُلُ الْجَوَابُ عَنِ احْتِجَاجِ الْفَخْرِ بِهَذِهِ الْجُمْلَةِ لِتَرْجِيحِ الْوَقْفِ عَلَى اسْمِ الْجَلَالَةِ. وَعَلَى قَوْلِ الْمُتَقَدِّمِينَ يَكُونُ قَوْلُهُ: يَقُولُونَ خَبرا، وَقَوْلهمْ: آمَنَّا بِهِ آمَنَّا بِكَوْنِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، وَإِنْ لَمْ نَفْهَمْ مَعْنَاهُ. وَقَوْلُهُ: كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا أَيْ كُلٌّ مِنَ الْمُحْكَمِ وَالْمُتَشَابِهِ. وَهُوَ عَلَى الْوَجْهَيْنِ بَيَانٌ لِمَعْنَى قَوْلِهِمْ: آمَنَّا بِهِ، فَلِذَلِكَ قُطِعَتِ الْجُمْلَةُ.
QS 3:7 (jilid 3 hlm. 168) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 3 · hlm. 168 · #113596
أَيْ كُلٌّ مِنَ الْمُحْكَمِ وَالْمُتَشَابِهِ. وَهُوَ عَلَى الْوَجْهَيْنِ بَيَانٌ لِمَعْنَى قَوْلِهِمْ: آمَنَّا بِهِ، فَلِذَلِكَ قُطِعَتِ الْجُمْلَةُ. أَيْ كُلٌّ مِنَ الْمُحْكَمِ وَالْمُتَشَابِهِ، مُنَزَّلٌ مِنَ اللَّهِ. وَزِيدَتْ كَلِمَةُ (عِنْدَ) لِلدَّلَالَةِ عَلَى أَنَّ مِنْ هُنَا لِلِابْتِدَاءِ الْحَقِيقِيِّ دُونَ الْمَجَازِيِّ، أَيْ هُوَ مُنَزَّلٌ مِنْ وَحْيِ اللَّهِ تَعَالَى وَكَلَامِهِ، وَلَيْسَ كَقَوْلِهِ: مَا أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ [النِّسَاء: ١٩٧] . وَجُمْلَةُ وَما يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُوا الْأَلْبابِ تَذْيِيلٌ، لَيْسَ مِنْ كَلَامِ الرَّاسِخِينَ، مَسُوقٌ مَسَاقَ الثَّنَاءِ عَلَيْهِمْ فِي اهْتِدَائِهِمْ إِلَى صَحِيحِ الْفَهْمِ. وَالْأَلْبَابُ: الْعُقُولُ. وَتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبابِ فِي سُورَة الْبَقَرَة [١٩٧] . [٨، ٩]

Ayat yang dirujuk di sini

Potongan tafsir di atas mengutip ayat-ayat berikut (dideteksi dengan aturan teks ﴿…﴾, bukan model bahasa).

QS 2:255QS 3:8QS 3:59QS 6:125QS 6:151QS 4:82QS 7:53QS 11:1QS 43:59QS 112:1