Katakanlah (Muhammad), "Marilah aku bacakan apa yang diharamkan Tuhan kepadamu. Jangan mempersekutukan-Nya dengan apa pun, berbuat baik kepada ibu bapak, janganlah membunuh anak-anakmu karena miskin. Kamilah yang memberi rezeki kepadamu dan kepada mereka; janganlah kamu mendekati perbuatan keji, baik yang terlihat ataupun yang tersembunyi, janganlah kamu membunuh orang yang diharamkan Allah kecuali dengan alasan yang benar.328) Demikianlah Dia memerintahkan kepadamu agar kamu mengerti
القولُ في تأويلِ قوله: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾.
يقولُ تعالى ذكره لنبيِّه محمدٍ ﷺ: قلْ يا محمدُ لهؤلاء العادِلين بربِّهم الأوثانَ والأصنامَ، الزاعمين أن اللهَ حرَّم عليهم ما هم مُحَرِّموه من حروثِهم وأنعامِهم، على ما ذكَرْتُ لك في تنزيلي عليك: تعالَوْا أَيُّها القومُ أَقْرَأْ عليكم ما حرَّم ربُّكم حقًّا يقينًا، لا الباطلَ تَخَرُّصًا، تَخَرُّصَكم على اللهِ الكذبَ والفِرْيَةَ ظنًّا، ولكنْ وحيًا مِن اللهِ أوْحاه إليَّ، وتنزيلًا أنزَله عليَّ: ألا تُشْرِكوا باللهِ شيئًا مِن خلقِه، ولا تَعْدِلوا به الأوثانَ والأصنامَ، ولا تَعْبُدوا شيئًا سواه. ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾. يقولُ: وأوْصَى بالوالدين إحسانًا. وحذَف "أوْصَى" و"أمرَ"؛ لدلالةِ الكلامِ عليه ومعرفةِ السامعِ بمعناه. وقد بيَّنا ذلك بشَواهدِه فيما مضَى من الكتابِ.
وأما "أن" فى قولِه: ﴿أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾.
َ"؛ لدلالةِ الكلامِ عليه ومعرفةِ السامعِ بمعناه. وقد بيَّنا ذلك بشَواهدِه فيما مضَى من الكتابِ.
وأما "أن" فى قولِه: ﴿أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾. فرفعٌ؛ لأن معنى الكلامِ: قلْ تعالَوْا أتلُ ما حرَّم ربُّكم عليكم؛ هو ألا تُشْرِكوا به شيئًا.
وإذا كان ذلك معناه، كان فى قولِه: ﴿تُشْرِكُوا﴾. وجهان؛ الجزمُ بالنَّهْي، وتوجيهُ "لا" إلى معنى النهي. والنصبُ على توجيهِ الكلامِ إلى الخبرِ، ونصبِ ﴿تُشْرِكُوا﴾ بـ ﴿أَلَّا﴾، كما يقالُ: أَمَرْتُك ألا تقومَ.
وإن شئتَ جَعَلْتَ "أن" في موضعِ نصبٍ ردًّا على "ما" وبيانًا عنها، ويكونُ في قولِه: ﴿تُشْرِكُوا﴾. أيضًا مِن وجهَيِ الإعرابِ على نحوِ ما كان فيه منه و "أن" في موضعِ رفعٍ.
ويكونُ تأويلُ الكلامِ حينَئذٍ: قلْ تعالوا أتْلُ ما حرَّم ربُّكم عليكم؛ أتلُ ألا تُشْرِكوا به شيئًا.
فإن قال قائلٌ: وكيف يَجوزُ أن يكونَ قولُه: ﴿تُشْرِكُوا﴾. نصبًا بـ ﴿أَلَّا﴾، أم كيف يَجوزُ توجيهُ قولِه: ﴿أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ﴾.
تُشْرِكوا به شيئًا.
فإن قال قائلٌ: وكيف يَجوزُ أن يكونَ قولُه: ﴿تُشْرِكُوا﴾. نصبًا بـ ﴿أَلَّا﴾، أم كيف يَجوزُ توجيهُ قولِه: ﴿أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ﴾. على معنى الخبرِ، وقد عطَف عليه بقولِه: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ﴾. وما بعدَ ذلك مِن جزمِ النهي؟
قيل: جاز ذلك كما قال تعالى ذكرُه: ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ﴾. فجعَل ﴿أَنْ أَكُونَ﴾ خبرًا، و ﴿أَنْ﴾ اسمًا، ثم عطَف عليه [﴿وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾]. وكما قال الشاعرُ:
حَجَّ وأَوْصَى بِسُلَيْمَى الأَعْبُدَا
ألا تَرَى ولا تُكَلِّمْ أحَدًا
ولا يَزَلْ شَرابُها مُبَرَّدَا
فجعَل قولَه: ألَّا تَرَى. خبرًا، ثم عطَف بالنهي، فقال: ولا تُكَلِّمْ، ولا يَزَلْ.
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ
وَإِيَّاهُمْ﴾.
يعني تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ﴾: ولا تَئِدوا أولادَكم فتَقْتُلوهم من خَشْيةِ الفقرِ على أنفسِكم بنَفَقاتِهم؛ فإن اللهَ هو رازقُكم وإياهم، ليس عليكم رزقُهم فتَخافُوا بحياتِهم على أنفسِكم العجزَ عن أرزاقِهم وأقْواتِهم.
والإمْلاقُ مصدرٌ مِن قولِ القائلِ: أمْلَقْتُ من الزادِ، فأنا أُمْلِقُ إملاقًا. وذلك إذا فني زادُه، وذهَب مالُه وأفْلَس.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ﴾: الإملاقُ الفقرُ، قتَلوا أولادَهم خشيةَ الفقرِ.
حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ﴾.
ا أولادَهم خشيةَ الفقرِ.
حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ﴾. أى: خشيةَ الفاقةِ.
حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ﴾. قال: الإملاقُ الفقرُ.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، قال: قال ابنُ جُريجٍ قولَه: ﴿مِنْ إِمْلَاقٍ﴾. قال: شياطينُهم يَأْمُرُونهم أن يَئِدوا أولادَهم خِيفةَ العَيْلَةِ.
حُدِّثْتُ عن الحسينِ بنِ الفرجِ، قال: سمِعْتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عُبيدُ بنُ سليمانَ، عن الضحاكِ فى قولِه: ﴿مِنْ إِمْلَاقٍ﴾. يعنى: من خشيةِ فقرٍ.
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: ولا تَقْرَبُوا الظاهرَ مِن الأشياءِ المحرَّمةِ عليكم، التي هي علانيةٌ بينَكم، لا تَناكَرون ركوبَها، والباطنَ منها الذي تَأْتُونه سرًّا في خَفاءٍ لا تُجاهِرون به، فإن كلَّ ذلك حرامٌ.
وقد قيل: إنما قيل: لا تَقْرَبوا ما ظهَر مِن الفَواحشِ وما بطَن؛ لأنهم كانوا يَسْتَقْبِحون مِن معانى الزنى بَعْضًا.
وليس ما قالوا مِن ذلك بمدفوعٍ، غير أن دليلَ الظاهرِ مِن التنزيلِ على النهي عن ظاهرِ كلِّ فاحشةٍ وباطنِها، ولا خبرَ يَقْطَعُ العذرَ بأنه عُنِى به بعضٌ دونَ جميعٍ، وغيرُ جائزٍ إحالةُ ظاهرِ كتابِ اللهِ إلى باطنٍ إلا بحُجَّةٍ يَجِبُ التسليمُ لها.
ذكرُ مَن قال ما ذكَرْنا مِن قولِ مَن قال: الآيةُ خاصُّ المعنى
حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسْباطُ، عن
عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليِّ بنِ أبى طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾. قال: كانوا فى الجاهليةِ لا يَرَوْن بالزنى بأسًا في السرِّ، ويَسْتَقْبِحونه في العَلانيةِ، فحرَّم اللهُ الزنى فى السرِّ والعلانيةِ.
وقال آخَرون في ذلك بمثلِ الذي قلنا فيه.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾: سرَّها وعلانِيتَها.
حدَّثني محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ
نحوَه.
وقال آخَرون: ﴿مَا ظَهَرَ﴾: نكاحُ الأمهاتِ وحَلائلِ الآباءِ، ﴿وَمَا بَطَنَ﴾: الزنى.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن أبيه، عن خُصَيْفٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾.
.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن أبيه، عن خُصَيْفٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾. قال: ﴿مَا ظَهَرَ﴾: جمعٌ بينَ الأُختين، وتزويجُ الرجلِ امرأةَ أبيه مِن بعدِه، ﴿وَمَا بَطَنَ﴾: الزنى.
وقال آخَرون في ذلك بما حدَّثني إسحاقُ بنُ زيادٍ العَطَّارُ البَصْريُّ، قال: ثنا محمدُ بنُ إسحاقَ البَلْخيُّ، قال: ثنا تَميمُ بنُ شاكرٍ الباهليُّ، عن عيسى بن أبى حَفْصةَ، قال: سَمِعْتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾. قال: ﴿مَا ظَهَرَ﴾: الخمرُ، ﴿وَمَا بَطَنَ﴾: الزنى.
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (١٥١)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ - ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾. يعنى بالنفسِ
التي حرَّم اللهُ قتلَها؛ نفسَ مؤمنٍ أو مُعاهَدٍ. وقولُه: ﴿إِلَّا بِالْحَقِّ﴾. يعنى: بما أباح قتلَها به؛ مِن أن تَقْتُلَ نفسًا فتُقْتَلَ قَوَدًا بها، أو تَزْنِيَ وهى مُحْصَنَةٌ فَتُرْجَمَ، أَو تَرْتَدَّ عن دينِها الحقِّ فتُقْتَلَ، فذلك الحقُّ الذي أباح اللهُ جلَّ ثناؤُه قتلَ النفسِ التي حرَّم على المؤمنين قتلَها به. ﴿ذَلِكُمْ﴾. يعني: هذه الأمورُ التي عهِد إلينا فيها ربُّنا ألَّا نَأْتِيَه، وأَلَّا نَدَعَه، هي الأمورُ التي وَصَّانا والكافرين بها أن نَعْمَلَ جميعًا به. ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾. يقولُ: وَصَّاكم بذلك لتَعْقِلوا ما وصَّاكم به ربُّكم.
﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (١٥١)﴾
قال داود الأوْدِي، عن الشعبي، عن علَقْمَة، عن ابن مسعود، ﵁، قال: من أراد أن يقرأ صحيفة رسول الله ﷺ التي عليها خاتمه، فليقرأ هؤلاء الآيات: (قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا) إلى قوله: (لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)
خاتمه، فليقرأ هؤلاء الآيات: (قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا) إلى قوله: (لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)
وقال الحاكم في مستدركه: حدثنا بكر بن محمد الصيرفي بمرو، حدثنا عبد الصمد بن الفضل، حدثنا مالك بن إسماعيل النَّهدي، حدثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عبد الله بن خليفة قال: سمعت ابن عباس يقول: في الأنعام آيات محكمات هن أم الكتاب، ثم قرأ: (قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ [أَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا]).
ثم قال: صحيح الإسناد، ولم يخرجاه.
قلت: ورواه زُهَيْر وقيس بن الربيع كلاهما عن أبي إسحاق، عن عبد الله بن قيس، عن ابن عباس، به. والله أعلم.
وروى الحاكم أيضًا في مستدركه من حديث يزيد بن هارون، عن سفيان بن حسين، عن الزهري، عن أبي إدريس، عن عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله ﷺ: "أيكم يبايعني على ثلاث؟
م أيضًا في مستدركه من حديث يزيد بن هارون، عن سفيان بن حسين، عن الزهري، عن أبي إدريس، عن عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله ﷺ: "أيكم يبايعني على ثلاث؟ " -ثم تلا رسول الله ﷺ: (قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ) حتى فرغ من الآيات -فمن وفى فأجره على الله، ومن انتقص منهن شيئًا فأدركه الله به في الدنيا كانت عقوبته ومن أخر إلى الآخرة فأمره إلى الله، إن شاء عذبه وإن شاء عفا عنه".
ثم قال: صحيح الإسناد، ولم يخرجاه. وإنما اتفقا على حديث الزهري، عن أبي إدريس، عن عبادة: "بايعوني على ألا تشركوا بالله شيئًا" الحديث.
وإن شاء عفا عنه".
ثم قال: صحيح الإسناد، ولم يخرجاه. وإنما اتفقا على حديث الزهري، عن أبي إدريس، عن عبادة: "بايعوني على ألا تشركوا بالله شيئًا" الحديث. وقد روى سفيان بن حُسَين كلا الحديثين، فلا ينبغي أن ينسب إلى الوهم في أحد الحديثين إذا جمع بينهما، والله أعلم.
وأما تفسيرها فيقول تعالى لنبيه ورسوله محمد ﷺ: قل يا محمد -لهؤلاء المشركين الذين [أشركوا و] عبدوا غير الله، وحرموا ما رزقهم الله، وقتلوا أولادهم وكل ذلك فعلوه بآرائهم وتسويل الشياطين لهم، (قُلْ) لهم (تَعَالَوْا) أي: هلموا وأقبلوا: (أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ) أي: أقص عليكم وأخبركم بما حرم ربكم عليكم حقًا لا تخرصًا، ولا ظنًا، بل وحيًا منه وأمرًا من عنده:
(أَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا) وكأن في الكلام محذوفًا دل عليه السياق، وتقديره: وأوصاكم أَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا؛ ولهذا قال في آخر الآية: (ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) وكما قال الشاعر:
ليه السياق، وتقديره: وأوصاكم أَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا؛ ولهذا قال في آخر الآية: (ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) وكما قال الشاعر:
حَجَّ وأوصَى بسُلَيمى الأعْبُدَا … أنْ لا تَرَى ولا تُكَلِّم أحَدا
ولا يَزَلْ شَرَابُها مُبَرَّدا.
وتقول العرب: أمرتك ألا تقوم.
وفي الصحيحين من حديث أبي ذر، ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: "أتاني جبريل فبشرني أنه من مات لا يشرك بالله شيئًا من أمتك، دخل الجنة. قلت: وإن زنا وإن سرق؟ قال: وإن زنا وإن سرق. قلت: وإن زنا وإن سرق؟ قال: وإن زنا وإن سرق. قلت: وإن زنا وإن سرق؟
لا يشرك بالله شيئًا من أمتك، دخل الجنة. قلت: وإن زنا وإن سرق؟ قال: وإن زنا وإن سرق. قلت: وإن زنا وإن سرق؟ قال: وإن زنا وإن سرق. قلت: وإن زنا وإن سرق؟ قال: وإن زنا وإن سرق، وإن شرب الخمر": وفي بعض الروايات أن القائل ذلك إنما هو أبو ذر لرسول الله ﷺ، وأنه، عليه السلام، قال في الثالثة: "وإن رغم أنفُ أبي ذر" فكان أبو ذر يقول بعد تمام الحديث: وإن رغم أنف أبي ذر.
وفي بعض المسانيد والسنن عن أبي ذر [﵁] قال: قال رسول الله ﷺ: "يقول الله تعالى: يا ابن آدم، إنك ما دعوتني ورجوتني فإني أغفر لك على ما كان منك ولا أبالي، ولو أتيتني بقراب الأرض خطيئة أتيتك بقرابها مغفرة ما لم تشرك بي شيئا، وإن أخطأت حتى تبلغ خطاياك عَنَان السماء ثم استغفرتني، غفرت لك".
ولهذا شاهد في القرآن، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨، ١١٦].
وفي صحيح مسلم عن ابن مسعود: "من مات لا يشرك بالله شيئًا، دخل الجنة" والآيات والأحاديث في هذا كثيرة جدًا.
ونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨، ١١٦].
وفي صحيح مسلم عن ابن مسعود: "من مات لا يشرك بالله شيئًا، دخل الجنة" والآيات والأحاديث في هذا كثيرة جدًا.
وروى ابن مَرْدُوَيه من حديث عبادة وأبي الدرداء: "لا تشركوا بالله شيئًا، وإن قُطِّعتم أو صُلِّبتم أو حُرِّقتم".
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن عَوْف الحِمْصي، حدثنا ابن أبي مريم، حدثنا نافع بن يزيد حدثني سيار بن عبد الرحمن، عن يزيد بن قَوْذر، عن سلمة بن شُرَيح، عن عبادة بن الصامت قال: أوصانا رسول الله ﷺ بسبع خصال: "ألا تشركوا بالله شيئًا، وإن حرقتم وقطعتم وصلبتم".
وقوله تعالى: (وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا) أي: وأوصاكم وأمركم بالوالدين إحسانا، أي: أن تحسنوا إليهم، كما قال تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الإسراء: ٢٣].
وقرأ بعضهم: "ووصى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا".
َضَى رَبُّكَ أَلا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الإسراء: ٢٣].
وقرأ بعضهم: "ووصى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا".
والله تعالى كثيرًا ما يقرن بين طاعته وبر الوالدين، كما قال: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ * وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [لقمان: ١٤، ١٥]. فأمر بالإحسان إليهما، وإن كانا مشركين بحسبهما، وقال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لا تَعْبُدُونَ إِلا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ الآية. [البقرة: ٨٣]. والآيات في هذا كثيرة. وفي الصحيحين عن ابن مسعود، ﵁، قال: سألت رسول الله ﷺ: أي العمل أحب إلى الله؟ قال: "الصلاة على وقتها". قلت: ثم أيّ؟ قال: "بر الوالدين". قلت: ثم أيّ؟
ة. وفي الصحيحين عن ابن مسعود، ﵁، قال: سألت رسول الله ﷺ: أي العمل أحب إلى الله؟ قال: "الصلاة على وقتها". قلت: ثم أيّ؟ قال: "بر الوالدين". قلت: ثم أيّ؟ قال: "الجهاد في سبيل الله". قال ابن مسعود: حدثني بهن رسول الله ﷺ ولو استزدته لزادني.
وروى الحافظ أبو بكر بن مَرْدُوَيه بسنده عن أبي الدرداء، وعن عبادة بن الصامت، كل منهما يقول: أوصاني خليلي ﷺ: "أطع والديك، وإن أمراك أن تخرج لهما من الدنيا، فافعل".
ولكن في إسناديهما ضعف، والله أعلم.
وقوله تعالى: (وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ) لما أوصى تعالى ببر الآباء والأجداد، عطف على ذلك الإحسان إلى الأبناء والأحفاد، فقال تعالى: (وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ) وذلك أنهم كانوا يقتلون أولادهم كما سَوَّلت لهم الشياطين ذلك، فكانوا يئدون البنات خَشْيَة العار، وربما قتلوا بعض الذكور خيفةَ الافتقار؛ ولهذا جاء في الصحيحين، من حديث عبد الله ابن مسعود، ﵁، قلت: يا رسول الله، أي الذنب أعظم؟
البنات خَشْيَة العار، وربما قتلوا بعض الذكور خيفةَ الافتقار؛ ولهذا جاء في الصحيحين، من حديث عبد الله ابن مسعود، ﵁، قلت: يا رسول الله، أي الذنب أعظم؟ قال: "أن تجعل لله ندّا وهو خلَقَكَ". قلت: ثم أيّ؟ قال: "أن تقتل ولدك خشية أن يَطْعَم معك". قلت: ثم أيّ؟ قال: "أن تُزَاني حليلة جارك". ثم تلا رسول الله ﷺ: ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ [وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا]﴾ [الفرقان: ٦٨].
وقوله: (مِنْ إِمْلاقٍ) قال ابن عباس، وقتادة، والسُّدِّي: هو الفقر، أي: ولا تقتلوهم من فقركم الحاصل، وقال في سورة "سبحان": ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ﴾ [الإسراء: ٣١]، أي: خشية حصول فقر، في الآجل؛ ولهذا قال هناك: ﴿نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ﴾ فبدأ برزقهم للاهتمام بهم، أي: لا تخافوا من فقركم بسببهم، فرزقهم على الله.
يَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٣]. وقد تقدم تفسيرها في قوله: ﴿وَذَرُوا ظَاهِرَ الإِثْمِ وَبَاطِنَهُ﴾ [الأنعام: ١٢].
وفي الصحيحين، عن ابن مسعود، ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: "لا أحد أغْيَر من الله، من أجل ذلك حَرَّم الفواحش ما ظَهَر منها وما بَطنَ".
وقال عبد الملك بن عُمَيْر، عن وَرّاد، عن مولاه المغيرة قال: قال سعد بن عبادة: لو رأيت مع امرأتي رجلا لضربته بالسيف غير مُصْفَح. فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فقال: "أتعجبون من غيرة سعد! فوالله لأنا أغير من سعد، والله أغير مني، من أجل ذلك حَرّم الفواحش ما ظهر منها وما بَطَن". أخرجاه.
وقال كامل أبو العلاء، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قيل: يا رسول الله، إنا. نغار.
أغير مني، من أجل ذلك حَرّم الفواحش ما ظهر منها وما بَطَن". أخرجاه.
وقال كامل أبو العلاء، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قيل: يا رسول الله، إنا. نغار. قال: "والله إني لأغار، والله أغير مني، ومن غيرته نهى عن الفواحش".
رواه ابن مَرْدُوَيه، ولم يخرجه أحد من أصحاب الكتب الستة، وهو على شرط الترمذي، فقد روي بهذا السند: "أعمار أمتي ما بين الستين إلى السبعين".
وقوله تعالى: (وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ) وهذا مما نص ﵎ على النهي عنه تأكيدًا، وإلا فهو داخل في النهي عن الفواحش ما ظهر منها وما بطن، فقد جاء في الصحيحين، عن ابن مسعود، ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: "لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة".
وفي لفظ لمسلم والذي لا إله غيره لا يحل دم رجل مسلم … " وذكره، قال الأعمش: فحدثت به إبراهيم، فحدثني عن الأسود، عن عائشة [﵂]، بمثله.
ه المفارق للجماعة".
وفي لفظ لمسلم والذي لا إله غيره لا يحل دم رجل مسلم … " وذكره، قال الأعمش: فحدثت به إبراهيم، فحدثني عن الأسود، عن عائشة [﵂]، بمثله.
وروى أبو داود، والنسائي، عن عائشة، ﵂؛ أن رسول الله ﷺ قال: "لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث خصال: زانٍ مُحْصَن يُرْجَم، ورجل قتل رَجُلا مُتَعمِّدا فيقتل، ورجل يخرج من الإسلام حارب الله ورسوله، فيقتل أو يصلب أو ينفى من الأرض". وهذا لفظ النسائي.
وعن أمير المؤمنين عثمان بن عفان، ﵁، أنه قال وهو محصور: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا يَحِلُّ دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: رجل كَفَر بعد إسلامه، أو زنا بعد إحصانه، أو قتل نفسا بغير نفس". فوالله ما زنيت في جاهلية ولا إسلام، ولا تمنيت أن لي بديني بدلا منه بعد إذ هداني الله، ولا قتلت نفسا، فبم تقتلونني. رواه الإمام أحمد، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه.
في جاهلية ولا إسلام، ولا تمنيت أن لي بديني بدلا منه بعد إذ هداني الله، ولا قتلت نفسا، فبم تقتلونني. رواه الإمام أحمد، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه. وقال الترمذي: هذا حديث حسن.
وقد جاء النهي والزجر والوعيد في قتل المعاهدَ -وهو المستأمن من أهل الحرب -كما رواه البخاري، عن عبد الله بن عمرو، ﵄، عن النبي ﷺ قال: "من قتل مُعاهِدًا لم يرح رائحة الجنة، وإن ريحها توجد من مسيرة أربعين عاما".
وعن أبي هريرة، ﵁، عن النبي ﷺ قال: "من قتل معاهَدًا له ذِمَّة الله وذمَّة رسوله، فقد أخفر بذمة الله، فلا يرح رائحة الجنة، وإن ريحها ليوجد من مسيرة سبعين خَريفًا".
رواه ابن ماجه، والترمذي وقال: حسن صحيح.
وقوله: (ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) أي: هذا ما وصاكم به لعلكم تعقلون عنه أمره ونهيه.
قوله تعالى: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً﴾ الآية، الظاهر في قوله: ما حرم ربكم عليكم، أنه مضمن معنى: ما وصاكم به فعلا، أو تركا؛ لأن كلا من ترك الواجب، وفعل الحرام حرام، فالمعنى وصاكم أَلَّا تُشْرِكُوا، وأن تحسنوا بالوالدين إحسانا.
وقد بين تعالى أن هذا هو المراد بقوله: ﴿ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ﴾ الآية.
•
قوله تعالى: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ﴾ الآية، نهى الله تعالى في هذه الآية الكريمة عن قتل الأولاد من أجل الفقر الواقع بالفعل، ونهى في سورة الإسراء عن قتلهم خشية الفقر المترقب المخوف منه، مع أنه غير واقع في الحال بقوله: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ﴾ وقد أوضح ﷺ معناه حين سأله عبد الله بن مسعود ﵁: "أي الذنب أعظم؟ فقال: أن تجعل لله نداً وهو خلقك، قال: ثم أي؟ قال: أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك، قال: ثم أي؟ قال: أن تزاني حليلة جارك" ثم تلا رسول الله ﷺ: ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ﴾ الآية.
وأخذ بعض أهل العلم من هذه الآية منع العزل؛ لأنه وأد خفي، وحديث جابر: "كنا نعزل والوحي ينزل" يدل على جوازه، لكن قال جماعة من أهل العلم: إنه لا يجوز عن الحرة إلا بإذنها، ويجوز عن الأمة بغير إذنها.
نه وأد خفي، وحديث جابر: "كنا نعزل والوحي ينزل" يدل على جوازه، لكن قال جماعة من أهل العلم: إنه لا يجوز عن الحرة إلا بإذنها، ويجوز عن الأمة بغير إذنها. والإملاق: الفقر، وقال بعض أهل العلم: الإملاق الجوع، وحكاه النقاش عن مؤرج، وقيل: الإملاق الإنفاق، يقال: أملق ماله بمعنى أنفقه، وذكر أن علياً قال لامرأته: أملقي ما شئت من مالك.
وحكي هذا القول عن منذر بن سعيد. ذكره القرطبي، وغيره، والصحيح الأول.
• قوله تعالى: ﴿وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ
أَشُدَّهُ﴾ الآية، قد يتوهم غير العارف من مفهوم مخالفة هذه الآية الكريمة -أعني مفهوم الغاية في قوله: ﴿حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾ - إنه إذا بلغ أشده فلا مانع من قربان ماله بغير التي هي أحسن، وليس ذلك مراداً بالآية، بل الغاية ببلوغ الأشد يراد بها أنه إن بلغ أشده يدفع إليه ماله إن أونس منه الرشد، كما بينه تعالى بقوله: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ الآية.
نه إن بلغ أشده يدفع إليه ماله إن أونس منه الرشد، كما بينه تعالى بقوله: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ الآية.
والتحقيق أن المراد بالأشد في هذه الآية البلوغ، بدليل قوله تعالى: ﴿إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً﴾ الآية.
والبلوغ يكون بعلامات كثيرة: كالإنبات، واحتلام الغلام، وحيض الجارية، وحملها، وأكثر أهل العلم على أن سن البلوغ خمس عشرة سنة. ومن العلماء من قال: إذا بلغت قامته خمسة أشبار، فقد بلغ، ويروى هذا القول عن علي، وبه أخذ الفرزدق في قوله يرثي يزيد بن المهلب:
ما زال مذ عقدت يداه إزاره ... فسما فأدرك خمسة الأشبار
يدني خوافق من خوافق تلتقي ... في ظل معتبط الغبار مثار
والأشد قال بعض العلماء: هو واحد لا جمع له كالآنك، وهو الرصاص، وقيل: واحده شد، كفلس وأفلس.
أشبار
يدني خوافق من خوافق تلتقي ... في ظل معتبط الغبار مثار
والأشد قال بعض العلماء: هو واحد لا جمع له كالآنك، وهو الرصاص، وقيل: واحده شد، كفلس وأفلس. قاله القرطبي وغيره، وعن سيبويه أنه جمع شدة، ومعناه حسن؛ لأن العرب تقول: بلغ الغلام شدته إلا إن جمع الفعلة فيه على أفعل غير معهود، كما قاله الجوهري، وأما أنعم، فليس جمع نعمة، وإنما هو جمع نعم من قولهم بؤس ونعم. قاله القرطبي: وقال
أيضاً: وأصل الأشد من شد النهار إذا ارتفع، يقال: أتيته شد النهار وكان محمد بن محمد الضبي ينشد بيت عنترة:
عهدي به شد النهار كأنما ... خضب اللبان ورأسه بالعظلم
وقال الآخر:
تطيف به شد النهار ظعينة ... طويلة أنقاء اليدين سحوق
قال مقيده - عفا الله عنه -: ومنه قول كعب بن زهير:
شد النهار ذراعا عيطل نصف ... قامت فجاوبها نكد مثاكيل
فقوله: "شد النهار" يعني وقت ارتفاعه، وهو بدل من اليوم في قوله قبله:
يوما يظل به الحرباء مصطخدا ...
النهار ذراعا عيطل نصف ... قامت فجاوبها نكد مثاكيل
فقوله: "شد النهار" يعني وقت ارتفاعه، وهو بدل من اليوم في قوله قبله:
يوما يظل به الحرباء مصطخدا ... كأن ضاحيه بالشمس محلول
فشد النهار بدل من قوله: "يوماً" بدل بعض من كل، كما أن قوله: "يوماً" بدل من إذا في قوله قبل ذلك:
كأن أوب ذراعيها إذا عرقت ... وقد تلفع بالقور العساقيل
لأن الزمن المعبر عنه "بإذا" هو بعينه اليوم المذكور في قوله "يوماً يظل" البيت، ونظيره في القرآن قوله تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى (٣٤) يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْأِنْسَانُ مَا سَعَى (٣٥)﴾ وقوله: ﴿فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ (٣٣) يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ﴾ الآية، وإعراب أبيات كعب هذه يدل على جواز تداخل البدل، وقوله: "ذراعا عطيل" خبر كأن في قوله: "كأن أوب ذراعيها" البيت.
وقال السدي: الأشد ثلاثون سنة، وقيل: أربعون سنة، وقيل: ستون سنة، ولا يخفى أن هذه الأقوال بعيدة عن المراد بالآية كما بينا وإن جازت لغة، كما قال سحيم بن وثيل:
أخو خمسين مجتمع أشدى ...
قيل: أربعون سنة، وقيل: ستون سنة، ولا يخفى أن هذه الأقوال بعيدة عن المراد بالآية كما بينا وإن جازت لغة، كما قال سحيم بن وثيل:
أخو خمسين مجتمع أشدى ... ونجذني مداورة الشئون
تنبيه
قال مالك وأصحابه: إن الرشد الذي يدفع به المال إلى من بلغ النكاح، هو حفظ المال، وحسن النظر في التصرف فيه وإن كان فاسقاً شريباً، كما أن الصالح التقي إذا كان لا يحسن النظر في المال لا يدفع إليه ماله. قال ابن عاصم المالكي في تحفته:
وشارب الخمر إذا ما ثمرا ... لما يلي من ماله لن يحجرا
وصالح ليس يجيد النظرا ... في المال إن خيف الضياع حجرا
وقال الشافعي ومن وافقه: لا يكون الفاسق العاصي رشيداً؛ لأنه لا سفه أعظم من تعريضه نفسه لسخط الله وعذابه بارتكاب المعاصي؛ والله تعالى أعلم.
•