KitabAITafsir Al-Qur'an AI-Powered
Daftar surahSurah Al-Maidah › Ayat 32

QS 5:32

Surah Al-Maidah (المائدة) ayat 32

5:32
مِنۡ أَجۡلِ ذَٰلِكَ كَتَبۡنَا عَلَىٰ بَنِيٓ إِسۡرَـٰٓءِيلَ أَنَّهُۥ مَن قَتَلَ نَفۡسَۢا بِغَيۡرِ نَفۡسٍ أَوۡ فَسَادٖ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ ٱلنَّاسَ جَمِيعٗا وَمَنۡ أَحۡيَاهَا فَكَأَنَّمَآ أَحۡيَا ٱلنَّاسَ جَمِيعٗاۚ وَلَقَدۡ جَآءَتۡهُمۡ رُسُلُنَا بِٱلۡبَيِّنَٰتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرٗا مِّنۡهُم بَعۡدَ ذَٰلِكَ فِي ٱلۡأَرۡضِ لَمُسۡرِفُونَ
Oleh karena itu Kami tetapkan (suatu hukum) bagi Bani Israil, bahwa barang siapa membunuh seseorang, bukan karena orang itu membunuh orang lain,273) atau bukan karena berbuat kerusakan di bumi, maka seakan-akan dia telah membunuh semua manusia.274) Barang siapa memelihara kehidupan seorang manusia, maka seakan-akan dia telah memelihara kehidupan semua manusia. Sesungguhnya Rasul Kami telah datang kepada mereka dengan (membawa) keterangan-keterangan yang jelas. Tetapi kemudian banyak di antara mereka setelah itu melampaui batas di bumi
Tanya tentang ayat ini
← Ayat 31Ayat 33 →

Kata per kata

Lafadz, lema, dan akar tiap kata. Klik sebuah kata untuk melihat seluruh ayat yang memakai akar yang sama.

مِنْ
مِن
preposisi
أَجْلِ
أَجْل
اجل
ذَٰلِكَ
ذَٰلِك
kata tunjuk
كَتَبْنَا
كَتَبَ
كتب
عَلَىٰ
عَلَىٰ
preposisi
بَنِىٓ
بُنَىّ
بني
إِسْرَٰٓءِيلَ
إِسْرَائِيل
nama diri
أَنَّهُۥ
أَنّ
partikel nashab
مَن
مَن
partikel syarat
قَتَلَ
قَتَلَ
قتل
نَفْسًۢا
نَفْس
نفس
بِغَيْرِ
غَيْر
غير
نَفْسٍ
نَفْس
نفس
أَوْ
أَو
kata sambung
فَسَادٍ
فَسَاد
فسد
فِى
فِى
preposisi
ٱلْأَرْضِ
أَرْض
ارض
فَكَأَنَّمَا
كَأَنّ
partikel nashab
قَتَلَ
قَتَلَ
قتل
ٱلنَّاسَ
نَّاس
نوس
جَمِيعًا
جَمِيع
جمع
وَمَنْ
مَن
partikel syarat
أَحْيَاهَا
أَحْيَا
حيي
فَكَأَنَّمَآ
كَأَنّ
partikel nashab
أَحْيَا
أَحْيَا
حيي
ٱلنَّاسَ
نَّاس
نوس
جَمِيعًا
جَمِيع
جمع
وَلَقَدْ
قَد
partikel tahqiq
جَآءَتْهُمْ
جَآءَ
جيا
رُسُلُنَا
رَسُول
رسل
بِٱلْبَيِّنَٰتِ
بَيِّنَة
بين
ثُمَّ
ثُمّ
kata sambung
إِنَّ
إِنّ
partikel nashab
كَثِيرًا
كَثِير
كثر
مِّنْهُم
مِن
preposisi
بَعْدَ
بَعْد
بعد
ذَٰلِكَ
ذَٰلِك
kata tunjuk
فِى
فِى
preposisi
ٱلْأَرْضِ
أَرْض
ارض
لَمُسْرِفُونَ
مُسْرِف
سرف

Tafsir dalam korpus (177 potongan)

QS 5:32 (jilid 8 hlm. 347) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 8 · hlm. 347 · #60062
القولُ في تأويلِ قوله: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾. يعنى تعالى ذكرُه بقوله: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ﴾: مِنْ جَرِّ ذلك وجَرِيرَتِه وجنايته. يقولُ: مِن جَرَّ القاتلِ أخاه من ابْنَيْ آدمَ اللذَيْنِ اقْتَصَصْنا قصتَهما - الجريرةَ التي جَرَّها، وجنايتِه التي جَناها، ﴿كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾. يقالُ منه: أَجَلْتُ هذا الأمرَ. أي: جَرَرْتُه إليه، وكسَبْتُه. أجلُه له أَجْلًا، كقولِك: أخَذْتُه أخْذًا.
QS 5:32 (jilid 8 hlm. 347) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 8 · hlm. 347 · #60063
ناها، ﴿كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾. يقالُ منه: أَجَلْتُ هذا الأمرَ. أي: جَرَرْتُه إليه، وكسَبْتُه. أجلُه له أَجْلًا، كقولِك: أخَذْتُه أخْذًا. ومن ذلك قولُ الشاعر: وأهل خباءٍ صالحٍ ذاتُ بينِهمْ … قد احْتَرَبوا في عاجلٍ أنا آجِلُه يعنى بقولِه: أنا آجِلُه: أنا الجارُّ ذلك عليهم والجاني. فمعنى الكلام: من جنايةِ ابن آدمَ القاتلِ أخاه ظلمًا، حَكَمْنا على بني إسرائيلَ أنه من قتَل منهم نفسًا ظلمًا بغيرِ نفسٍ قُتِلَتْ، فقتَل بها قِصاصًا، ﴿أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ﴾. يقولُ: أو قتَل منهم نفسًا بغيرِ فسادٍ كان منها في الأرضِ، فاسْتَحَقَّتْ بذلك قَتْلَها، وفسادُها في الأرض إنما يكونُ بالحربِ الله ولرسولِه وإخافةِ السبيلِ. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويل. ذكرُ من قال ذلك حُدِّثْتُ عن الحسين، قال: سَمِعتُ أبا معاذٍ، قال: ثني عُبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سَمِعتُ الضحَّاكَ يقولُ في قولِه: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾.
QS 5:32 (jilid 8 hlm. 348) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 8 · hlm. 348 · #60064
قال: سَمِعتُ أبا معاذٍ، قال: ثني عُبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سَمِعتُ الضحَّاكَ يقولُ في قولِه: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾. يقولُ: من أجلِ ابن آدمَ الذي قتَل أخاه ظلمًا. ثم اخْتَلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك: ومن قتَل نبيًّا، أو إمامَ عَدْلٍ، فكأنما قتَل الناسَ جميعًا، ومن شدَّ على عَضُدِ نبيٍّ، أو إمامِ عَدْلٍ، فكأنما أحيا الناسَ جميعًا. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا أبو عمارٍ حسينُ بنُ حُرَيثٍ المَرْوَزيُّ، قال: ثنا الفضلُ بنُ موسى، عن الحسينِ بن واقدٍ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾.
QS 5:32 (jilid 8 hlm. 348) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 8 · hlm. 348 · #60065
َ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾. قال: مَن شَدَّ على عَضُدِ نبيٍّ، أو إمامِ عَدْلٍ، فكأنما أحيَا الناسَ جميعًا، ومن قتَل نبيًّا، أو إمامَ عَدْلٍ، فكأنما قتل الناسَ جميعًا. حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾. يقولُ: مَن قتَل نفسًا واحدةً حرَّمْتُها، فهو مِثْلُ مَن قتَل الناسَ جميعًا، ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا﴾. يقولُ: مَن ترَك قَتْل نفسٍ واحدةٍ حرَّمْتُها مخافتى، واسْتَحْيَا أَن يَقْتُلَها، فهو مثلُ استحياء الناس جميعًا.
QS 5:32 (jilid 8 hlm. 349) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 8 · hlm. 349 · #60066
ل الناسَ جميعًا، ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا﴾. يقولُ: مَن ترَك قَتْل نفسٍ واحدةٍ حرَّمْتُها مخافتى، واسْتَحْيَا أَن يَقْتُلَها، فهو مثلُ استحياء الناس جميعًا. يعنى بذلك الأنبياءَ. وقال آخرون: ﴿مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾ عند المقتولِ في الإثم، ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا﴾ فَاسْتَنْقَذَها مِن هَلَكَةٍ، ﴿فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾ عندَ المُسْتَنْقَذِ. حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِّ، فيما ذكَر عن أبي مالكٍ، وعن أبي صالحٍ، عن ابن عباسٍ، وعن مرَّةَ الهَمْدانيِّ، عن عبدِ اللَّهِ، وعن ناسٍ مِن أصحابِ رسول الله ﷺ قوله: ﴿مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾: عند المقتول، يقولُ: في الإثم، ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا﴾ فَاسْتَنْقَذَها من هَلَكَةٍ، ﴿فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ عندَ المُسْتَنْقَذِ.
QS 5:32 (jilid 8 hlm. 349) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 8 · hlm. 349 · #60067
َمِيعًا﴾: عند المقتول، يقولُ: في الإثم، ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا﴾ فَاسْتَنْقَذَها من هَلَكَةٍ، ﴿فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ عندَ المُسْتَنْقَذِ. وقال آخرون: معنى ذلك أن قاتلَ النفسِ المحرَّمِ قَتْلُهَا، يَصْلَى النار كما يَصْلاها لو قتَل الناسَ جميعًا، ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا﴾: من سلِم من قَتْلِها فقد سلِمَ مِن قتلِ الناسِ جميعًا. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، [عن سفيانَ]، عن خُصَيْفٍ، عن مجاهدٍ، عن ابن عباسٍ، قال: ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾. قال: من كفَّ عن قتلِها فقد أحياها. و ﴿مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾.
QS 5:32 (jilid 8 hlm. 350) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 8 · hlm. 350 · #60068
مِيعًا﴾. قال: من كفَّ عن قتلِها فقد أحياها. و ﴿مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾. قال: مَن أَوْبَقَها. حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيز، قال: ثنا سفيانُ، عن خُصَيْفٍ، عن مجاهدٍ، قال: من أَوْبَق [نفسًا فكما] لو قتَل الناسَ جميعًا، ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا﴾ ومَنْ سلِم مِن ظُلْمِها فلم يَقْتُلُها، فقد سلِم من قتلِ الناسِ جميعًا. حدَّثني المثنى، قال: ثنا سويدُ بنُ نصرٍ، قال: أخبرنا ابن المباركِ، عن شريكٍ، عن خُصَيْفٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾.
QS 5:32 (jilid 8 hlm. 350) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 8 · hlm. 350 · #60069
جميعًا. حدَّثني المثنى، قال: ثنا سويدُ بنُ نصرٍ، قال: أخبرنا ابن المباركِ، عن شريكٍ، عن خُصَيْفٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾. [قال: أَوْبَقَ نفسَه حتى كأنما قتل الناسَ جميعًا]، ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾: لم يقتُلْها، وقد سلِم من الناسِ جميعًا لم يقتُلْ أحدًا. حدَّثني المثنى، قال: ثنا سويدٌ، قال: أخبرنا ابن المباركِ، عن الأَوْزَاعيِّ، قال: أخبرنا عَبْدةُ بنُ أبي لُبابةَ، قال: سألتُ مجاهدًا - أو سمِعتُه يُسْأَلُ - عن قوله: ﴿مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾. قال: لو قتَل الناسَ جميعًا كان جزاؤُه جهنَّم خالدًا فيها، وغضب الله عليه ولعَنه وأعدَّ له عذابًا عظيمًا. حدَّثني المثنى، قال: ثنا سويدٌ، قال: أخبرنا ابن المباركِ، عن ابن جريجٍ قراءةً، على الأعْرَجِ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾.
QS 5:32 (jilid 8 hlm. 351) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 8 · hlm. 351 · #60070
ني المثنى، قال: ثنا سويدٌ، قال: أخبرنا ابن المباركِ، عن ابن جريجٍ قراءةً، على الأعْرَجِ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾. قال: الذي يَقْتُلُ النفسَ المؤمنةَ متعمِّدًا، جعَل اللَّهُ جزاءه جهنَّمَ، [وغضب الله عليه] ولعَنه وأعدَّ له عذابًا عظيمًا. يقولُ: لو قتَل الناسَ جميعًا لم يَزِدْ على مثل ذلك مِن العذاب. قال ابن جريجٍ، قال مجاهدٌ: ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾. قال: من لم يقتُلْ أحدًا فقد استراح الناسُ منه. حدَّثنا سفيانُ، قال: ثنا يحيى بنُ يمانٍ، عن سفيانَ، عن خُصَيْفٍ، عن مجاهدٍ، قال: أَوْبَق نفسَه. حدَّثنا سفيانُ، قال: ثنا يحيى بنُ يمانٍ، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ، قال: في الإثم. حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ: ﴿مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾. وقوله: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ [النساء: ٩٣].
QS 5:32 (jilid 8 hlm. 352) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 8 · hlm. 352 · #60071
َوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾. وقوله: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ [النساء: ٩٣]. قال: يصيرُ إلى جهنمَ بقتلِ المؤمنِ، كما أنه لو قتل الناس جميعًا لصار إلى جهنمَ. حدَّثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾. قال: هو كما قال. وقال: ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾: فإحياؤُها لا يَقْتُلُ نفسًا حرَّمها الله، فذلك الذي أحيا الناسَ جميعًا. يعنى أنه مَنْ حَرَّم قَتْلَها إلا بحقّ حَيِى الناسُ منه جميعًا. حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا حَكَّامٌ، عن عَنْبَسَةَ، عن العلاءِ بن عبد الكريمِ، عن مجاهدٍ: ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا﴾.
QS 5:32 (jilid 8 hlm. 352) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 8 · hlm. 352 · #60072
َها إلا بحقّ حَيِى الناسُ منه جميعًا. حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا حَكَّامٌ، عن عَنْبَسَةَ، عن العلاءِ بن عبد الكريمِ، عن مجاهدٍ: ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا﴾. قال: ومَنْ حَرَّمها فلم يَقْتُلُها. حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن العلاءِ، قال: سمِعت مجاهدًا يقولُ: ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾. قال: من كفَّ عن قتلها فقد أحياها. حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللَّهِ ﷿: ﴿فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾. قال: هي كالتي في "النساءِ": ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾. في جزائِه. حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾: كالتي في سورة "النساء": ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا﴾.
QS 5:32 (jilid 8 hlm. 353) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 8 · hlm. 353 · #60073
ل: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾: كالتي في سورة "النساء": ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا﴾. في جزائِه، ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا﴾: ولم يقتُلْ أحدًا فقد حَيِيَ الناسُ منه. حدَّثنا هنَّادٌ، قال: ثنا أبو معاويةَ، عن العلاء بن عبد الكريم، عن مجاهدٍ في قوله: ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾. قال: الْتَفَت إلى جلسائِه، فقال: هو هذا وهذا. وقال آخرون: معنى ذلك: ﴿مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾؛ لأنه يجبُ عليه من القِصاصِ به والقَوَدِ بقتلِه، مثلُ الذي يجبُ عليه مِن القَوَدِ والقصاصِ لو قتَل الناسَ جميعًا. ذكرُ من قال ذلك حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾.
QS 5:32 (jilid 8 hlm. 353) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 8 · hlm. 353 · #60074
ِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾. قال: يجبُ عليه من القتل مثلُ لو أنه قتَل الناسَ جميعًا. قال: كان أبي يقولُ ذلك. وقال آخرون: معنى قوله: ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا﴾: من عفا عمَّن وجب له القِصاصُ منه فلم يقتُلْه. ذكرُ من قال ذلك حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زِيدٍ في قوله: ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾. يقولُ: من أحياها أعطاه الله جلَّ وعزَّ من الأجر مثل ما لو أنه أحيا الناسَ جميعًا، إذا أحياها فلم يَقْتُلْها وعفا عنها. قال: وذلك وليُّ القتيل، والقتيلُ نفسُه يعفو عنه قبلَ أن يموتَ. قال: كان أبي يقولُ ذلك. حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا مؤمَّلٌ، قال: ثنا سفيانُ، عن يونسَ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾.
QS 5:32 (jilid 8 hlm. 354) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 8 · hlm. 354 · #60075
حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا مؤمَّلٌ، قال: ثنا سفيانُ، عن يونسَ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾. قال: مَنْ عفا. حدَّثنا سفيانُ، قال: ثنا عبدُ الأعلى، عن يونسَ، عن الحسنِ: ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾. قال: من قُتِل حميمٌ له فعفا عن دمِه. حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا يحيى بنُ يَمَانٍ، عن سفيانَ، عن يونسَ، عن الحسنِ: ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾. قال: العفوُ بعدَ القدرةِ. وقال آخرون: معنى قولِه: ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾: ومن أنجاها من غَرَقٍ أو حَرَقٍ. ذكرُ من قال ذلك حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾.
QS 5:32 (jilid 8 hlm. 355) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 8 · hlm. 355 · #60076
َرَقٍ أو حَرَقٍ. ذكرُ من قال ذلك حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾. قال: من أنجاها من غرقٍ أو حرَقٍ أو هَلَكةٍ. حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، وحدَّثنا هَنَّادٌ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾. قال: مِن غرقٍ أو حَرَقٍ أو هَدَمٍ. حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيز، قال: ثنا إسرائيلُ، عن خُصَيفٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا﴾. قال: أنجاها. وقال الضحَّاكُ بما حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا ابن يمانٍ، عن سفيانَ، عن أبي عامرٍ، عن الضحَّاكِ، قال: ﴿مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ﴾. قال: مَن تَوَرَّع أو لم يَتَوَرَّع. حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سَمِعتُ أبا معاذٍ، قال: ثني عُبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعتُ الضحَّاكَ يقولُ في قولِه: ﴿فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾.
QS 5:32 (jilid 8 hlm. 355) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 8 · hlm. 355 · #60077
ِّثتُ عن الحسينِ، قال: سَمِعتُ أبا معاذٍ، قال: ثني عُبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعتُ الضحَّاكَ يقولُ في قولِه: ﴿فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾. يقولُ: لو لم يَقْتُله لكان قد أحيا الناسَ فلم يَسْتَحلَّ محرَّمًا. وقال قتادةُ والحسنُ في ذلك بما حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا عبدُ الأعلى، عن يونسَ، عن الحسنِ: ﴿مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ﴾. قال: عَظَّم ذلك. حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ﴾ الآية: مَن قَتَلَها على غير نفسٍ ولا فسادٍ أَفْسَدَتْه، ﴿فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾.
QS 5:32 (jilid 8 hlm. 356) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 8 · hlm. 356 · #60078
ة: مَن قَتَلَها على غير نفسٍ ولا فسادٍ أَفْسَدَتْه، ﴿فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾. عَظَم واللَّهِ أَجرَها، وعَظَّم وزرَها، فَأَحْيِها يا بنَ آدمَ بمالِك، وأَحْيِها بعفوِك إن استطعتَ، ولا قوةَ إلا باللَّهِ، وإنا لا نَعْلَمُه يحلُّ دمُ رجلٍ مسلمٍ من أهلِ هذه القبلةِ إلا بإحدى ثلاثٍ؛ رجلٌ كفَر بعد إسلامِه فعليه القتلُ، أو زنَى بعد إحصانِه فعليه الرجمُ، أو قتَل متعمِّدًا فعليه القَوَدُ. حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاق، قال: أخبرنا معمرٌ، قال: تلا قتادةُ: ﴿مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ﴾ - ﴿فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾.
QS 5:32 (jilid 8 hlm. 356) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 8 · hlm. 356 · #60079
تلا قتادةُ: ﴿مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ﴾ - ﴿فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾. قال: عظم واللهِ أجرَها، وعظَّم واللَّهِ وزرَها. حدَّثني المثنى، قال: ثنا سويدُ بنُ نصرٍ، قال: أخبرنا ابن المباركِ، عن سَلامِ بن مِسْكينٍ، قال: ثني سليمانُ بنُ عليٍّ الرَّبَعيُّ، قال: قلتُ للحسن: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ﴾ الآية: أهى لنا يا أبا سعيدٍ كما كانت لبنى إسرائيل؟ فقال: إى والذي لا إلهَ غيرُه، كما كانت لبني إسرائيلَ، وما جعَل دماءَ بني إسرائيلَ أكْرَمَ على اللهِ مِنْ دمائِنا. حدَّثني المثنى، قال: ثنا سويدُ بنُ نصرٍ، قال: أخبرنا ابن المبارك، عن سعيدِ بن زيدٍ، قال: سَمِعتُ خالدًا أبا الفضلِ، قال: سَمِعتُ الحسنَ تلا هذه الآية: ﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ﴾. إلى قوله: ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾.
QS 5:32 (jilid 8 hlm. 357) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 8 · hlm. 357 · #60080
قال: سَمِعتُ الحسنَ تلا هذه الآية: ﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ﴾. إلى قوله: ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾. ثم قال: عظَّم واللهِ في الوزرِ كما تَسْمَعون، ورغَّب واللهِ في الأجر كما تَسْمَعون، إذا ظننتَ يا بنَ آدم أنك لو قَتَلْتَ الناسَ جميعًا، فإن لك من عملِك ما تفوزُ به من النارِ، كَذَبَتْك والله نفسُك، وكذَبك الشيطانُ. حدَّثنا هنَّادُ، قال: ثنا ابن فُضيلٍ، عن عاصمٍ، عن الحسنِ في قوله: ﴿فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾.
QS 5:32 (jilid 8 hlm. 357) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 8 · hlm. 357 · #60081
، كَذَبَتْك والله نفسُك، وكذَبك الشيطانُ. حدَّثنا هنَّادُ، قال: ثنا ابن فُضيلٍ، عن عاصمٍ، عن الحسنِ في قوله: ﴿فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾. قال: وزرًا، ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾، قال: أجرًا. وأولى هذه الأقوال عندى بالصوابِ قولُ من قال: تأويلُ ذلك أنه مَن قتَل نفسًا مؤمنةً بغير نفسٍ قَتَلَتْها، فاسْتَحَقَّتِ القوَدَ بها والقتلَ قِصاصًا، أو بغيرِ فسادٍ في الأرض بحربِ اللهِ ورسولِه وحربِ المؤمنين فيها، فكأنما قتَل الناسَ جميعًا فيما اسْتَوْجَبَ مِن عظيم العقوبةِ مِن الله جلَّ ثناؤُه، كما أَوْعَدَه ذلك مِن فِعْلِه رَبُّه بقوله: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٩٣]. وأما قولُه: ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾.
QS 5:32 (jilid 8 hlm. 357) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 8 · hlm. 357 · #60082
َ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٩٣]. وأما قولُه: ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾. فأولى التأويلاتِ به قولُ مَن قال: مَن حرَّم قَتْلَ مَن حرَّم اللهُ عزَّ ذكرُه قتلَه على نفسِه، فلم يَتَقَدَّم على قتلِه، فقد حَيِىَ الناسُ منه بسلامتِهم منه، وذلك إحياؤه إيَّاها. وذلك نظيرُ خبرِ الله عزَّ ذكرُه عمَّن حاجَّ إبراهيمَ في ربِّه إذ قال له إبراهيمُ: ﴿رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾. قال: ﴿أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ﴾ [البقرة: ٢٥٨]. فكان معنى الكافر في قيله: ﴿أَنَا أُحْيِي﴾: أنا أتركُ مَنْ قَدَرتُ على قتله. وفي قوله: ﴿وَأُمِيتُ﴾: قَتْلُه مَن قَتَلَه.
QS 5:32 (jilid 8 hlm. 358) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 8 · hlm. 358 · #60083
يِي وَأُمِيتُ﴾ [البقرة: ٢٥٨]. فكان معنى الكافر في قيله: ﴿أَنَا أُحْيِي﴾: أنا أتركُ مَنْ قَدَرتُ على قتله. وفي قوله: ﴿وَأُمِيتُ﴾: قَتْلُه مَن قَتَلَه. فكذلك معنى الإحياء في قولِه: ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا﴾: مَن سلِم الناسُ مِن قَتْلِهِ إيَّاهم، إلا فيما أذن اللهُ جَلَّ وعَزَّ له في قتلِه منهم، ﴿فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾. وإنما قلنا: ذلك أولى التأويلاتِ بتأويل الآية؛ لأنه لا نَفْسَ يقومُ قتلُها في عاجلِ الضُّرِّ مَقامَ قتل جميعِ النفوسِ، ولا إحياؤُها مقامَ إحياءِ جميعِ النفوس في عاجلِ النفعِ. فكان معلومًا بذلك أن معنى الإحياءِ سَلامةُ جميعِ النفوس منه؛ لأنه مَن لم يَتَقَدَّمْ على نفسٍ واحدةٍ فقد سلِم منه جميعُ النفوسِ، وأنَّ الواحدةَ منها التي يقومُ قتلُها مقامَ جميعها إنما هو في الوزْر؛ لأنه لا نفسَ مِن نُفوس بنى آدمَ يَقومُ فَقْدُها مَقامَ فقد جميعِها، وإن كان فقدُ بعضِها أعمَّ ضررًا مِن فقدِ بعضٍ.
QS 5:32 (jilid 8 hlm. 358) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 8 · hlm. 358 · #60084
القولُ في تأويلِ قوله: ﴿وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ (٣٢)﴾. وهذا قَسَمٌ من الله جلَّ ثناؤُه، أقسم به أن رسلَه صلواتُ اللهِ عليهم قد أتَت بنى إسرائيلَ الذين قصَّ الله قَصصَهم، وذكَر نبأَهم في الآيات التي تقدَّمَت مِن قولِه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ﴾ [المائدة: ١١]. إلى هذا الموضع - ﴿بِالْبَيِّنَاتِ﴾؛ يعني: بالآياتِ الواضحةِ، والحُججِ البينةِ على حقيقة ما أُرسِلوا به إليهم، وصحةِ ما دعَوْهم إليهِ من الإيمانِ بهم، وأداءِ فرائضِ اللَّهِ عليهم. يقولُ اللَّه عزَّ ذِكرُه: ﴿ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ﴾. يعنى أن كثيرًا من بني إسرائيلَ. والهاءُ والميمُ في قوله: ﴿ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ﴾. مِن ذِكْرِ بنِى إسرائيلَ.
QS 5:32 (jilid 8 hlm. 359) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 8 · hlm. 359 · #60085
ِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ﴾. يعنى أن كثيرًا من بني إسرائيلَ. والهاءُ والميمُ في قوله: ﴿ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ﴾. مِن ذِكْرِ بنِى إسرائيلَ. وكذلك ذلك في قولِه: ﴿وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ﴾. ﴿بَعْدَ ذَلِكَ﴾. يعني: بعدَ مَجيء رسلِ الله بالبيناتِ ﴿فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ﴾. يعنى أنهم في الأرض لعامِلون بمعاصِي الله، ومُخالفون أَمْرَ اللَّهِ ونَهْتِه، ومُحادُّو الله ورسلِه، باتِّباعهم أهواءَهم، وخلافِهم على أنبيائِهم، وذلك كان إسرافَهم في الأرض.
QS 5:32-34 (jilid 3 hlm. 92) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 3 · hlm. 92 · #84804
﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ (٣٢) إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٣٣) إِلا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٤)﴾
QS 5:32-34 (jilid 3 hlm. 92) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 3 · hlm. 92 · #84805
َهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٣٣) إِلا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٤)﴾ يقول تعالى: (مِنْ أَجْلِ) قَتْل ابن آدم أخاه ظلما وعدوانًا: (كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ) أي: شرعنا لهم وأعلمناهم (أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا) أي: ومن قتل نفسًا بغير سبب من قصاص، أو فساد في الأرض، واستحل قتلها بلا سبب ولا جناية، فكأنما قتل الناس جميعًا؛ لأنه لا فرق عنده بين نفس ونفس، (وَمَنْ أَحْيَاهَا) أي: حرم قتلها واعتقد ذلك، فقد سلم الناس كلهم منه بهذا الاعتبار؛ ولهذا قال: (فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا). وقال الأعمش وغيره، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: دخلت على عثمان يوم الدار فقلت: جئت لأنصرك وقد طاب الضرب يا أمير المؤمنين.
QS 5:32-34 (jilid 3 hlm. 92) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 3 · hlm. 92 · #84806
حْيَا النَّاسَ جَمِيعًا). وقال الأعمش وغيره، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: دخلت على عثمان يوم الدار فقلت: جئت لأنصرك وقد طاب الضرب يا أمير المؤمنين. فقال: يا أبا هريرة، أيسرك أن تَقْتُل الناس جميعًا وإياي معهم؟ قلت: لا. قال فإنك إن قتلت رجلا واحدًا فكأنما قتلت الناس جميعًا، فانْصَرِفْ مأذونًا لك، مأجورًا غير مأزور. قال: فانصرفت ولم أقاتل. وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: هو كما قال الله تعالى: (مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا) وإحياؤها: ألا يقتل نفسًا حَرّمها الله، فذلك الذي أحيا الناس جميعًا، يعني: أنه من حَرّم قتلها إلا بحق، حَيِي الناس منه [جميعا] وهكذا قال مجاهد: (وَمَنْ أَحْيَاهَا) أي: كف عن قتلها. وقال العَوْفِيّ عن ابن عباس، في قوله: (فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا) يقول: من قتل نفسًا واحدة حرمها الله، فهو مثل من قتل الناس جميعًا.
QS 5:32-34 (jilid 3 hlm. 93) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 3 · hlm. 93 · #84807
تلها. وقال العَوْفِيّ عن ابن عباس، في قوله: (فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا) يقول: من قتل نفسًا واحدة حرمها الله، فهو مثل من قتل الناس جميعًا. وقال سعيد بن جبير: من استحل دمَ مُسْلِم فكأنما استحل دماء الناس جميعًا، ومن حرم دم مسلم فكأنما حرم دماء الناس جميعًا. هذا قول، وهو الأظهر، وقال عِكْرمة والعوفي، عن ابن عباس [في قوله: (فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا) يقول] من قتل نبيًا أو إمام عَدْل، فكأنما قتل الناس جميعًا، ومن شَدّ على عَضد نبي أو إمام عَدل، فكأنما أحيا الناس جميعًا.
QS 5:32-34 (jilid 3 hlm. 93) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 3 · hlm. 93 · #84808
َا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا) يقول] من قتل نبيًا أو إمام عَدْل، فكأنما قتل الناس جميعًا، ومن شَدّ على عَضد نبي أو إمام عَدل، فكأنما أحيا الناس جميعًا. رواه ابن جرير. وقال مجاهد في رواية أخرى عنه: من قتل نفسًا بغير نفس فكأنما قتل الناس جميعًا؛ وذلك لأنه من قتل النفس فله النار، فهو كما لو قتل الناس كلهم. وقال ابن جُرَيْج عن الأعرج، عن مجاهد في قوله: (فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا) من قتل النفس المؤمنة متعمدا، جعل الله جزاءه جهنم، وغضب الله عليه ولعنه، وأعد له عذابًا عظيمًا، يقول: لو قتل الناس جميعًا لم يزد على مثل ذلك العذاب. قال ابن جريج: قال مجاهد (وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا) قال: من لم يقتل أحدًا فقد حيي الناس منه. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: من قتل نفسًا فكأنما قتل الناس [جميعا] يعني: فقد وجب عليه القصاص، فلا فرق بين الواحد والجماعة (وَمَنْ أَحْيَاهَا) أي: عفا عن قاتل وليه، فكأنما أحيا الناس جميعًا. وحكي ذلك عن أبيه.
QS 5:32-34 (jilid 3 hlm. 93) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 3 · hlm. 93 · #84809
[جميعا] يعني: فقد وجب عليه القصاص، فلا فرق بين الواحد والجماعة (وَمَنْ أَحْيَاهَا) أي: عفا عن قاتل وليه، فكأنما أحيا الناس جميعًا. وحكي ذلك عن أبيه. رواه ابن جرير. وقال مجاهد -في رواية-: (وَمَنْ أَحْيَاهَا) أي: أنجاها من غَرق أو حَرق أو هَلكة. وقال الحسن وقتادة في قوله: (أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا) هذا تعظيم لتعاطي القتل -قال قتادة: عَظُم والله وزرها، وعظم والله أجرها. وقال ابن المبارك، عن سلام بن مسكين، عن سليمان بن علي الرِّبْعِي قال: قلت للحسن: هذه الآية لنا يا أبا سعيد، كما كانت لبني إسرائيل؟ فقال: إي والذي لا إله غيره، كما كانت لبني إسرائيل. وما جعل دماء بني إسرائيل أكرم على الله من دمائنا. وقال الحسن البصري: (فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا) قال: وزرًا.
QS 5:32-34 (jilid 3 hlm. 93) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 3 · hlm. 93 · #84810
غيره، كما كانت لبني إسرائيل. وما جعل دماء بني إسرائيل أكرم على الله من دمائنا. وقال الحسن البصري: (فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا) قال: وزرًا. (وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا) قال: أجرًا. وقال الإمام أحمد: حدثنا حسن، حدثنا ابن لَهِيعَة، حدثنا حُيَي بن عبد الله، عن أبي عبد الرحمن الحُبُلي، عن عبد الله بن عمرو قال: جاء حمزة بن عبد المطلب إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، اجعلني على شيء أعيش به. فقال رسول الله ﷺ: "يا حمزة، نفس تحييها أحب إليك أم نفس تميتها؟
QS 5:32-34 (jilid 3 hlm. 94) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 3 · hlm. 94 · #84811
ال: جاء حمزة بن عبد المطلب إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، اجعلني على شيء أعيش به. فقال رسول الله ﷺ: "يا حمزة، نفس تحييها أحب إليك أم نفس تميتها؟ " قال: بل نفس أحييها: قال: "عليك بنفسك". وقوله: (وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ) أي: بالحجج والبراهين والدلائل الواضحة (ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الأرْضِ لَمُسْرِفُونَ) وهذا تقريع لهم وتوبيخ على ارتكابهم المحارم بعد علمهم بها، كما كانت بنو قُرَيْظَة والنَّضير وغيرهم من بني قَيْنُقاع ممن حول المدينة من اليهود، الذين كانوا يقاتلون مع الأوس والخزرج إذا وقعت بينهم الحروب في الجاهلية، ثم إذا وضعت الحروب أوزارها فدوا من أسروه، وودوا من قتلوه، وقد أنكر الله عليهم ذلك في سورة البقرة، حيث يقول: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ * ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا
QS 5:32-34 (jilid 3 hlm. 94) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 3 · hlm. 94 · #84812
ُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ * ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [البقرة: ٨٤، ٨٥]. وقوله تعالى: (إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الأرْضِ) الآية.
QS 5:32-34 (jilid 3 hlm. 94) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 3 · hlm. 94 · #84813
وْنَ فِي الأرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الأرْضِ) الآية. المحاربة: هي المضادة والمخالفة، وهي صادقة على الكفر، وعلى قطع الطريق وإخافة السبيل، وكذا الإفساد في الأرض يطلق على أنواع من الشر، حتى قال كثير من السلف، منهم سعيد بن المسيب: إن قرض الدراهم والدنانير من الإفساد في الأرض، وقد قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ [البقرة: ٢٠٥]. ثم قال بعضهم: نزلت هذه الآية الكريمة في المشركين، كما قال ابن جرير:
QS 5:32-34 (jilid 3 hlm. 94) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 3 · hlm. 94 · #84814
ا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ [البقرة: ٢٠٥]. ثم قال بعضهم: نزلت هذه الآية الكريمة في المشركين، كما قال ابن جرير: حدثنا ابن حُمَيْد، حدثنا يحيى بن واضح، حدثنا الحسين بن واقد، عن يزيد، عن عِكْرِمَة والحسن البصري قالا [قال تعالى] (إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ) إلى (أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) نزلت هذه الآية في المشركين، فمن تاب منهم من قبل أن تقدروا عليه، لم يكن عليه سبيل، وليست تحرز هذه الآية الرجل المسلم من الحد، إن قتل أو أفسد في الأرض أو حارب الله ورسوله، ثم لحق بالكفار قبل أن يقدر عليه، لم يمنعه ذلك أن يقام عليه الحد الذي أصاب. ورواه أبو داود والنسائي، من طريق عكرمة، عن ابن عباس: (إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأرْضِ فَسَادًا) نزلت في المشركين، فمن تاب منهم قبل أن يقدر عليه لم يمنعه ذلك أن يقام فيه الحد الذي أصابه.
QS 5:32-34 (jilid 3 hlm. 94) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 3 · hlm. 94 · #84815
بُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأرْضِ فَسَادًا) نزلت في المشركين، فمن تاب منهم قبل أن يقدر عليه لم يمنعه ذلك أن يقام فيه الحد الذي أصابه. وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، في قوله: (إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأرْضِ فَسَادًا) قال: كان قوم من أهل الكتاب، بينهم وبين النبي ﷺ عهد وميثاق، فنقضوا العهد وأفسدوا في الأرض، فخيَّر الله رسوله: إن شاء أن يقتل، وإن شاء أن تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف.
QS 5:32-34 (jilid 3 hlm. 95) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 3 · hlm. 95 · #84816
أهل الكتاب، بينهم وبين النبي ﷺ عهد وميثاق، فنقضوا العهد وأفسدوا في الأرض، فخيَّر الله رسوله: إن شاء أن يقتل، وإن شاء أن تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف. رواه ابن جرير. وروى شعبة، عن منصور، عن هلال بن يَسَاف، عن مُصْعَب بن سعد، عن أبيه قال: نزلت في الحرورية: (إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأرْضِ فَسَادًا) رواه ابن مردويه. والصحيح أن هذه الآية عامة في المشركين وغيرهم ممن ارتكب هذه الصفات، كما رواه البخاري ومسلم من حديث أبي قِلابة -واسمه عبد الله بن زيد الجَرْمي البصري-عن أنس بن مالك: أن نفرًا من عُكْل ثمانية، قدموا على رسول الله ﷺ فبايعوه على الإسلام، فاستوخموا الأرض وسَقَمت أجسامهم، فشكوا ذلك إلى رسول الله ﷺ فقال: "ألا تخرجون مع راعينا في إبله فتصيبوا من أبوالها وألبانها؟ " فقالوا: بلى. فخرجوا، فشربوا من أبوالها وألبانها، فَصَحُّوا فقتلوا الراعي وطردوا الإبل.
QS 5:32-34 (jilid 3 hlm. 95) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 3 · hlm. 95 · #84817
: "ألا تخرجون مع راعينا في إبله فتصيبوا من أبوالها وألبانها؟ " فقالوا: بلى. فخرجوا، فشربوا من أبوالها وألبانها، فَصَحُّوا فقتلوا الراعي وطردوا الإبل. فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فبعث في آثارهم، فأُدْرِكُوا، فجيء بهم، فأمر بهم فقطعت أيديهم وأرجلهم، وسُمرت أعينهم، ثم نبذوا في الشمس حتى ماتوا. لفظ مسلم. وفي لفظ لهما: "من عكل أو عُرَيْنَة"، وفي لفظ: "وألقوا في الحَرَّة فجعلوا يَسْتَسْقُون فلا يُسْقَون". وفي لفظ لمسلم: "ولم يَحْسمْهم". وعند البخاري: قال أبو قلابة: فهؤلاء سرقوا وقتلوا وكفروا بعد إيمانهم، وحاربوا الله ورسوله. ورواه مسلم من طريق هُشَيْم، عن عبد العزيز بن صُهَيب وحميد، عن أنس، فذكر نحوه، وعنده: "وارتدوا". وقد أخرجاه من رواية قتادة عن أنس، بنحوه. وقال سعيد عن قتادة: "من عكل وعُرَينة". ورواه مسلم من طريق سليمان التيمي، عن أنس قال: إنما سَمَلَ النبي ﷺ أعين أولئك؛ لأنهم سملوا أعين الرعاء.
QS 5:32-34 (jilid 3 hlm. 95) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 3 · hlm. 95 · #84818
بنحوه. وقال سعيد عن قتادة: "من عكل وعُرَينة". ورواه مسلم من طريق سليمان التيمي، عن أنس قال: إنما سَمَلَ النبي ﷺ أعين أولئك؛ لأنهم سملوا أعين الرعاء. ورواه مسلم، من حديث معاوية بن قرة عن أنس قال: أتى رسول الله ﷺ نفرٌ من عُرَينة، فأسلموا وبايعوه، وقد وقع بالمدينة المُومُ -وهو البرْسام-ثم ذكر نحو حديثهم، وزاد: وعنده شباب من الأنصار، قريب من عشرين فارسًا فأرسلهم، وبعث معهم قائفًا يَقْتَصّ أثرهم. وهذه كلها ألفاظ مسلم، ﵀. وقال حماد بن سلمة: حدثنا قتادة وثابت البنَاني وحُمَيْد الطويل، عن أنس بن مالك: أن ناسًا من عُرَينة قدموا المدينة، فاجْتَوَوْها، فبعثهم رسول الله ﷺ في إبل الصدقة، وأمرهم أن يشربوا من أبوالها وألبانها ففعلوا، فصَحُّوا فارتدوا عن الإسلام، وقتلوا الراعي، وساقوا الإبل، فأرسل رسول الله ﷺ في آثارهم، فجيء بهم، فقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف، وسَمَرَ أعينهم وألقاهم في الحرة.
QS 5:32-34 (jilid 3 hlm. 95) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 3 · hlm. 95 · #84819
فارتدوا عن الإسلام، وقتلوا الراعي، وساقوا الإبل، فأرسل رسول الله ﷺ في آثارهم، فجيء بهم، فقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف، وسَمَرَ أعينهم وألقاهم في الحرة. قال أنس: فلقد رأيت أحدهم يكدم الأرض بفيه عطشًا حتى ماتوا، ونزلت: (إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ) الآية. وقد رواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن مردويه -وهذا لفظه-وقال الترمذي: "حسن صحيح". وقد رواه ابن مردويه من طرق كثيرة، عن أنس بن مالك، منها ما رواه من طريقين، عن سلام بن أبى الصهباء، عن ثابت، عن أنس بن مالك قال: ما ندمتُ على حديث ما ندمت على حديث سألني عنه الحجاج قال أخبرني عن أشد عقوبة عاقب بها رسول الله ﷺ؟
QS 5:32-34 (jilid 3 hlm. 96) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 3 · hlm. 96 · #84820
ن سلام بن أبى الصهباء، عن ثابت، عن أنس بن مالك قال: ما ندمتُ على حديث ما ندمت على حديث سألني عنه الحجاج قال أخبرني عن أشد عقوبة عاقب بها رسول الله ﷺ؟ قال: قلت: قَدم على رسول الله ﷺ قوم من عُرَيْنة، من البحرين، فشكوا إلى رسول الله ﷺ ما لقوا من بطونهم، وقد اصفرت ألوانهم، وضَخُمت بطونهم، فأمرهم رسول الله ﷺ أن يأتوا إبل الصدقة، فيشربوا من أبوالها وألبانها، حتى إذا رجعت إليهم ألوانهم وانخمصت بطونهم عَدَوا على الراعي فقتلوه، واستاقوا الإبل، فأرسل رسول الله ﷺ في آثارهم، فقطع أيديهم وأرجلهم وسَمَر أعينهم، ثم ألقاهم في الرمضاء حتى ماتوا.
QS 5:32-34 (jilid 3 hlm. 96) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 3 · hlm. 96 · #84821
خمصت بطونهم عَدَوا على الراعي فقتلوه، واستاقوا الإبل، فأرسل رسول الله ﷺ في آثارهم، فقطع أيديهم وأرجلهم وسَمَر أعينهم، ثم ألقاهم في الرمضاء حتى ماتوا. فكان الحجاج إذا صعد المنبر يقول: إن رسول الله ﷺ قد قطع أيدي قوم وأرجلهم ثم ألقاهم في الرمضاء حتى ماتوا لِحال ذَوْدٍ [من الإبل] وكان يحتج بهذا الحديث على الناس. وقال ابن جرير: حدثنا علي بن سهل، حدثنا الوليد -يعني ابن مسلم-حدثني سعيد، عن قتادة، عن أنس قال: كانوا أربعة نفر من عرينة، وثلاثة نفر من عُكْل، فلما أتي بهم قطع أيديهم وأرجلهم، وسَمَل أعينهم، ولم يحسمهم، وتركهم يتَلقَّمون الحجارة بالحرة، فأنزل الله في ذلك: (إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ) الآية.
QS 5:32-34 (jilid 3 hlm. 96) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 3 · hlm. 96 · #84822
، وسَمَل أعينهم، ولم يحسمهم، وتركهم يتَلقَّمون الحجارة بالحرة، فأنزل الله في ذلك: (إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ) الآية. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن حرب الموصلي، حدثنا أبو مسعود -يعني عبد الرحمن بن الحسن الزجاج-حدثنا أبو سعد -يعني البقال-عن أنس بن مالك قال: كان رهط من عُرَينة أتوا رسول الله ﷺ وبهم جَهْد، مُصْفرّة ألوانهم، عظيمة بطونهم، فأمرهم أن يلحقوا بالإبل فيشربوا من أبوالها وألبانها، ففعلوا، فصفت ألوانهم وخمصت بطونهم، وسمنوا، فقتلوا الراعي واستاقوا الإبل، فبعث النبي ﷺ في طَلَبهم، فأتي بهم، فقتل بعضهم، وسَمَرَ أعين بعضهم، وقطع أيدي بعضهم وأرجلهم، ونزلت: (إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ) إلى آخر الآية.
QS 5:32-34 (jilid 3 hlm. 96) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 3 · hlm. 96 · #84823
فأتي بهم، فقتل بعضهم، وسَمَرَ أعين بعضهم، وقطع أيدي بعضهم وأرجلهم، ونزلت: (إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ) إلى آخر الآية. وقال أبو جعفر بن جرير: حدثنا علي بن سهل، حدثنا الوليد بن مسلم، حدثنا ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، أن عبد الملك بن مروان كتب إلى أنس يسأله عن هذه الآية، فكتب إليه أنس يخبره أن هذه الآية نزلت في أولئك النفر العُرنيين، وهم من بَجِيلة قال أنس: فارتدوا عن الإسلام، وقتلوا الراعي، واستاقوا الإبل، وأخافوا السبيل، وأصابوا الفرج الحرام. وقال: حدثني يونس، أخبرنا ابن وَهْب، أخبرني عمرو بن الحارث، عن سعيد بن أبي هلال، عن أبي الزناد، عن عبد الله بن عبيد الله، عن عبد الله بن عمر -أو: عمرو، شك يونس-عن رسول الله ﷺ بذلك -يعني بقصة العرَنيين-ونزلت فيهم آية المحاربة.
QS 5:32-34 (jilid 3 hlm. 97) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 3 · hlm. 97 · #84824
لال، عن أبي الزناد، عن عبد الله بن عبيد الله، عن عبد الله بن عمر -أو: عمرو، شك يونس-عن رسول الله ﷺ بذلك -يعني بقصة العرَنيين-ونزلت فيهم آية المحاربة. ورواه أبو داود والنسائي من طريق أبي الزناد، وفيه: "عن ابن عمر" من غير شك. وقال ابن جرير: حدثنا محمد بن خَلَف، حدثنا الحسن بن حماد، عن عمرو بن هاشم، عن موسى بن عبيدة، عن محمد بن إبراهيم، عن جرير قال: قدم على رسول الله ﷺ قومٌ من عُرَيْنَة حُفَاة مضرورين، فأمر بهم رسول الله ﷺ، فلما صحوا واشتدوا قتلوا رعَاء اللقاح، ثم خرجوا باللقاح عامدين بها إلى أرض قومهم، قال جرير: فبعثني رسول الله ﷺ في نفر من المسلمين حتى أدركناهم بعدما أشرفوا على بلاد قومهم، فقدمنا بهم على رسول الله ﷺ فقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف، وسَمَل أعينهم، فجعلوا يقولون: الماء. ورسول الله ﷺ يقول: "النار"! حتى هلكوا.
QS 5:32-34 (jilid 3 hlm. 97) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 3 · hlm. 97 · #84825
ا على بلاد قومهم، فقدمنا بهم على رسول الله ﷺ فقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف، وسَمَل أعينهم، فجعلوا يقولون: الماء. ورسول الله ﷺ يقول: "النار"! حتى هلكوا. قال: وكره الله، ﷿، سَمْل الأعين، فأنزل الله هذه الآية: (إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ) إلى آخر الآية. هذا حديث غريب وفي إسناده الرَّبَذيّ وهو ضعيف، وفيه فائدة، وهو ذكر أمير هذه السرية، وهو جرير بن عبد الله البجلي وتقدم في صحيح مسلم أن السرية كانوا عشرين فارسا من الأنصار. وأما قوله: "فكره الله سمل الأعين، فأنزل الله هذه الآية" فإنه منكر، وقد تقدم في صحيح مسلم أنهم سَملوا أعين الرعاء، فكان ما فعل بهم قصاصا، والله أعلم. وقال عبد الرزاق، عن إبراهيم بن محمد الأسلمي، عن صالح مولى التوأمة، عن أبي هريرة قال: قدم على رسول الله ﷺ رجال من بني فَزَارة قد ماتوا هزلا. فأمرهم النبي ﷺ إلى لقاحه، فشربوا منها حتى صحوا، ثم عمدوا إلى لقاحه فسرقوها، فطُلِبوا، فأتي بهم النبي ﷺ، فقطع أيديهم وأرجلهم، وسَمَر أعينهم.
QS 5:32-34 (jilid 3 hlm. 97) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 3 · hlm. 97 · #84826
توا هزلا. فأمرهم النبي ﷺ إلى لقاحه، فشربوا منها حتى صحوا، ثم عمدوا إلى لقاحه فسرقوها، فطُلِبوا، فأتي بهم النبي ﷺ، فقطع أيديهم وأرجلهم، وسَمَر أعينهم. قال أبو هريرة: ففيهم نزلت هذه الآية: (إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ) فترك النبي ﷺ سَمْر الأعين بعدُ. وروي من وجه آخر عن أبي هريرة. وقال أبو بكر بن مردويه: حدثنا أحمد بن إسحاق، حدثنا الحسين بن إسحاق التُسْتَرِيّ، حدثنا أبو القاسم محمد بن الوليد، عن عمرو بن محمد المديني، حدثنا محمد بن طلحة، عن موسى بن محمد بن إبراهيم التيمي، عن أبيه، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن سلمة بن الأكوع قال: كان للنبي ﷺ غلام يقال له: "يَسار" فنظر إليه يُحسن الصلاة فأعتقه، وبعثه في لقاح له بالحَرَّة، فكان بها، قال: فأظهر قوم الإسلام من عُرَينة، وجاءوا وهم مرضى موعوكون قد عظمت بطونهم، قال: فبعث بهم النبي ﷺ إلى "يسار" فكانوا يشربون من ألبان الإبل حتى انطوت بطونهم، ثم عدوا على "يسار" فذبحوه، وجعلوا الشوك في عينيه، ثم أطردوا الإبل، فبعث النبي
QS 5:32-34 (jilid 3 hlm. 98) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 3 · hlm. 98 · #84827
عث بهم النبي ﷺ إلى "يسار" فكانوا يشربون من ألبان الإبل حتى انطوت بطونهم، ثم عدوا على "يسار" فذبحوه، وجعلوا الشوك في عينيه، ثم أطردوا الإبل، فبعث النبي ﷺ في آثارهم خيلا من المسلمين، أميرهم كُرْزُ بن جابر الفِهْري، فلحقهم فجاء بهم إليه، فقطع أيديهم وأرجلهم وسمل أعينهم. غريب جدًا. وقد روى قصة العرنيين من حديث جماعة من الصحابة، منهم جابر وعائشة وغير واحد. وقد اعتنى الحافظ الجليل أبو بكر بن مردُويه بتطريق هذا الحديث من وجوه كثيرة جدًا، فرحمه الله وأثابه. وقال ابن جرير: حدثنا محمد بن علي بن الحسن بن شَقِيق، سمعت أبي يقول: سمعت أبا حمزة، عن عبد الكريم -وسُئِلَ عن أبوال الإبل-فقال: حدثني سعيد بن جُبير عن المحاربين فقال: كان أناس أتوا رسول الله ﷺ فقالوا: نبايعك على الإسلام. فبايعوه، وهم كذَبَة، وليس الإسلام يريدون. ثم قالوا: إنا نَجْتوي المدينة.
QS 5:32-34 (jilid 3 hlm. 98) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 3 · hlm. 98 · #84828
بير عن المحاربين فقال: كان أناس أتوا رسول الله ﷺ فقالوا: نبايعك على الإسلام. فبايعوه، وهم كذَبَة، وليس الإسلام يريدون. ثم قالوا: إنا نَجْتوي المدينة. فقال النبي ﷺ: "هذه اللقاح تغدو عليكم وتروح، فاشربوا من أبوالها وألبانها" قال: فبينا هم كذلك، إذ جاءهم الصريخ، فصرخ إلى رسول الله ﷺ، فقال: قتلوا الراعي، واستاقوا النعم. فأمر النبي ﷺ فنُودي في الناس: أن "يا خيل الله اركبي". قال: فركبوا لا ينتظر فارس فارسًا، قال: وركب رسول الله ﷺ على أثرهم، فلم يزالوا يطلبونهم حتى أدخلوهم مأمنهم، فرجع صحابة رسول الله ﷺ وقد أسروا منهم، فأتوا بهم النبي ﷺ، فأنزل الله: (إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ) الآية. قال: فكان نفْيهم: أن نفوهم حتى أدخلوهم مأمنهم وأرضهم، ونفوهم من أرض المسلمين. وقتل نبي الله ﷺ منهم، وصلب، وقطع، وسَمَر الأعين. قال: فما مَثَّل رسول الله ﷺ قبلُ ولا بعدُ.
QS 5:32-34 (jilid 3 hlm. 98) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 3 · hlm. 98 · #84829
نفوهم حتى أدخلوهم مأمنهم وأرضهم، ونفوهم من أرض المسلمين. وقتل نبي الله ﷺ منهم، وصلب، وقطع، وسَمَر الأعين. قال: فما مَثَّل رسول الله ﷺ قبلُ ولا بعدُ. قال: ونهى عن المُثْلة، قال: "ولا تمثلوا بشيء" قال: وكان أنس يقول ذلك، غير أنه قال: أحرقهم بالنار بعد ما قتلهم. قال: وبعضهم يقول: هم ناس من بني سليم، ومنهم عُرينة ناس من بَجيلة. وقد اختلف الأئمة في حكم هؤلاء العُرَنيين: هل هو منسوخ أو محكم؟ فقال بعضهم: هو منسوخ بهذه الآية، وزعموا أن فيها عتابًا للنبي ﷺ كما في قوله [تعالى] ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٤٣] ومنهم من قال: هو منسوخ بنهي النبي ﷺ عن المُثْلة. وهذا القول فيه نظر، ثم صاحبه مطالب ببيان تأخر الناسخ الذي ادعاه عن المنسوخ. وقال بعضهم: كان هذا قبل أن تنزل الحدود، قاله محمد بن سيرين، وفي هذا نظر، فإن قصتهم متأخرة، وفي رواية جرير بن عبد الله لقصتهم ما يدل على تأخرها فإنه أسلم بعد نزول المائدة.
QS 5:32-34 (jilid 3 hlm. 99) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 3 · hlm. 99 · #84830
بل أن تنزل الحدود، قاله محمد بن سيرين، وفي هذا نظر، فإن قصتهم متأخرة، وفي رواية جرير بن عبد الله لقصتهم ما يدل على تأخرها فإنه أسلم بعد نزول المائدة. ومنهم من قال: لم يسمل النبي ﷺ أعينهم، وإنما عزم على ذلك، حتى نزل القرآن فبيَّن حكم المحاربين. وهذا القول أيضا فيه نظر؛ فإنه قد تقدم في الحديث المتفق عليه أنه سمَلَ -وفي رواية: سمر-أعينهم. وقال ابن جرير: حدثنا علي بن سهل، حدثنا الوليد بن مسلم قال: ذاكرت الليث بن سعد ما كان من سَمْل النبي ﷺ أعينهم، وتَركه حَسْمهم حتى ماتوا، قال: سمعت محمد بن عجلان يقول: أنزلت هذه الآية على رسول الله ﷺ معاتبة في ذلك، وعلَّمه عقوبة مثلهم: من القتل والقطع والنفي، ولم يسمل بعدهم غيرهم.
QS 5:32-34 (jilid 3 hlm. 99) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 3 · hlm. 99 · #84831
اتوا، قال: سمعت محمد بن عجلان يقول: أنزلت هذه الآية على رسول الله ﷺ معاتبة في ذلك، وعلَّمه عقوبة مثلهم: من القتل والقطع والنفي، ولم يسمل بعدهم غيرهم. قال: وكان هذا القول ذكر لأبي عمرو -يعني الأوزاعي-فأنكر أن يكون نزلت معاتبة، وقال: بل كانت عقوبة أولئك النفر بأعيانهم، ثم نزلت هذه الآية في عقوبة غيرهم ممن حارب بعدهم، ورفع عنهم السمل. ثم قد احتج بعموم هذه الآية جمهور العلماء في ذهابهم إلى أن المحاربة في الأمصار وفي السبلان على السواء لقوله: (وَيَسْعَوْنَ فِي الأرْضِ فَسَادًا) وهذا مذهب مالك، والأوزاعي، والليث بن سعد، والشافعي، وأحمد بن حنبل، حتى قال مالك -في الذي يغتال الرجل فيخدعه حتى يدخله بيتًا فيقتله، ويأخذ ما معه-: إن هذا محاربة، ودمه إلى السلطان لا [إلى] ولي المقتول، ولا اعتبار بعفوه عنه في إنفاذ القتل. وقال أبو حنيفة وأصحابه: لا تكون المحاربة إلا في الطرقات، فأما في الأمصار فلا؛ لأنه يلحقه الغوث إذا استغاث، بخلاف الطريق لبعده ممن يغيثه ويعينه.
QS 5:32-34 (jilid 3 hlm. 99) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 3 · hlm. 99 · #84832
لقتل. وقال أبو حنيفة وأصحابه: لا تكون المحاربة إلا في الطرقات، فأما في الأمصار فلا؛ لأنه يلحقه الغوث إذا استغاث، بخلاف الطريق لبعده ممن يغيثه ويعينه. [والله أعلم] وأما قوله: (أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الأرْضِ) الآية: قال [علي] بن أبي طلحة عن ابن عباس في [قوله: (إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ)] الآية [قال] من شهر السلاح في قبَّة الإسلام، وأخاف السبيل، ثم ظفر به وقدر عليه، فإمام المسلمين فيه بالخيار: إن شاء قتله، وإن شاء صلبه، وإن شاء قطع يده ورجله. وكذا قال سعيد بن المسيب، ومجاهد، وعطاء، والحسن البصري، وإبراهيم النَّخَعي، والضحاك. وروى ذلك كله أبو جعفر بن جرير، وحكي مثله عن مالك بن أنس، ﵀.
QS 5:32-34 (jilid 3 hlm. 100) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 3 · hlm. 100 · #84833
رجله. وكذا قال سعيد بن المسيب، ومجاهد، وعطاء، والحسن البصري، وإبراهيم النَّخَعي، والضحاك. وروى ذلك كله أبو جعفر بن جرير، وحكي مثله عن مالك بن أنس، ﵀. ومستند هذا القول أن ظاهر "أو" للتخيير، كما في نظائر ذلك من القرآن، كقوله في جزاء الصيد: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾ [المائدة: ٩٥] وقوله في كفارة الترفه: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة: ١٩٦] وكقوله في كفارة اليمين: ﴿إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [المائدة: ٨٩]. [و] هذه كلها على التخيير، فكذلك فلتكن هذه الآية.
QS 5:32-34 (jilid 3 hlm. 100) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 3 · hlm. 100 · #84834
مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [المائدة: ٨٩]. [و] هذه كلها على التخيير، فكذلك فلتكن هذه الآية. وقال الجمهور: هذه الآية منزلة على أحوال كما قال أبو عبد الله الشافعي [﵀] أنبأنا إبراهيم -هو ابن أبي يحيى-عن صالح مولى التوأمة، عن ابن عباس في قطاع الطريق: إذا قَتَلوا وأخذوا المال قُتلوا وصلبوا، وإذا قَتَلوا ولم يأخذوا المال قُتلوا ولم يصلبوا، وإذا أخذوا المال ولم يقتلوا قُطعت أيديهم وأرجلهم من خلاف، وإذا أخافوا السبيل ولم يأخذوا مالا نفوا من الأرض. وقد رواه ابن أبي شَيْبَة، عن عبد الرحيم بن سليمان، عن حجاج، عن عطية، عن ابن عباس، بنحوه. وعن أبي مجلز، وسعيد بن جبير، وإبراهيم النَّخَعِي، والحسن، وقتادة، والسُّدِّي، وعطاء الخُراساني، نحو ذلك. وهكذا قال غير واحد من السلف والأئمة. واختلفوا: هل يُصْلَب حيا ويُتْرَك حتى يموت بمنعه من الطعام والشراب، أو بقتله برمح ونحوه، أو يقتل أولا ثم يصلب تنكيلا وتشديدا لغيره من المفسدين؟
QS 5:32-34 (jilid 3 hlm. 100) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 3 · hlm. 100 · #84835
أئمة. واختلفوا: هل يُصْلَب حيا ويُتْرَك حتى يموت بمنعه من الطعام والشراب، أو بقتله برمح ونحوه، أو يقتل أولا ثم يصلب تنكيلا وتشديدا لغيره من المفسدين؟ وهل يصلب ثلاثة أيام ثم ينزل، أو يترك حتى يسيل صديده؟ في ذلك كله خلاف محرر في موضعه، وبالله الثقة وعليه التكلان. ويشهد لهذا التفصيل الحديث الذي رواه ابن جرير في تفسيره -إن صح سنده-فقال: حدثنا علي بن سهل، حدثنا الوليد بن مسلم، عن ابن لَهِيعة، عن يزيد بن أبي حبيب؛ أن عبد الملك بن مروان كتب إلى أنس [بن مالك] يسأله عن هذه الآية، فكتب إليه يخبره: أن هذه الآية نزلت في أولئك النفر العُرَنِيِّين -وهم من بَجِيلة-قال أنس: فارتدوا عن الإسلام، وقتلوا الراعي، واستاقوا الإبل، وأخافوا السبيل، وأصابوا الفرج الحرام.
QS 5:32-34 (jilid 3 hlm. 100) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 3 · hlm. 100 · #84836
ة نزلت في أولئك النفر العُرَنِيِّين -وهم من بَجِيلة-قال أنس: فارتدوا عن الإسلام، وقتلوا الراعي، واستاقوا الإبل، وأخافوا السبيل، وأصابوا الفرج الحرام. قال أنس: فسأل رسول الله ﷺ جبريل، ﵇، عن القضاء فيمن حارب، فقال: من سرق وأخاف السبيل فاقطع يده بسرقته، ورجله بإخافته، ومن قتل فاقتله، ومن قتل وأخاف السبيل واستحل الفرج الحرام، فاصلبه. وأما قوله تعالى: (أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الأرْضِ) قال بعضهم: هو أن يطلب حتى يقدر عليه، فيقام عليه الحد أو يهرب من دار الإسلام. رواه ابن جرير عن ابن عباس، وأنس بن مالك، وسعيد بن جبير، والضحاك، والربيع بن أنس، والزهري، والليث بن سعد، ومالك بن أنس. وقال آخرون: هو أن ينفى من بلده إلى بلد آخر، أو يخرجه السلطان أو نائبه من معاملته بالكلية، وقال الشعبي: ينفيه -كما قال ابن هبيرة-من عمله كله.
QS 5:32-34 (jilid 3 hlm. 101) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 3 · hlm. 101 · #84837
بن أنس. وقال آخرون: هو أن ينفى من بلده إلى بلد آخر، أو يخرجه السلطان أو نائبه من معاملته بالكلية، وقال الشعبي: ينفيه -كما قال ابن هبيرة-من عمله كله. وقال عطاء الخراساني: ينفى من جُنْد إلى جند سنين، ولا يخرج من أرض الإسلام. وكذا قال سعيد بن جبير، وأبو الشعثاء، والحسن، والزهري، والضحاك، ومقاتل بن حيان: إنه ينفى ولا يخرج من أرض الإسلام. وقال آخرون: المراد بالنفي هاهنا السجن، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه، واختار ابن جرير: أن المراد بالنفي هاهنا: أن يخرج من بلده إلى بلد آخر فيسجن فيه.
QS 5:32-34 (jilid 3 hlm. 101) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 3 · hlm. 101 · #84838
لام. وقال آخرون: المراد بالنفي هاهنا السجن، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه، واختار ابن جرير: أن المراد بالنفي هاهنا: أن يخرج من بلده إلى بلد آخر فيسجن فيه. وقوله: (ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ) أي: هذا الذي ذكرته من قتلهم، ومن صلبهم، وقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف، ونفيهم -خزْي لهم بين الناس في هذه الحياة الدنيا، مع ما ادخر الله لهم من العذاب العظيم يوم القيامة، وهذا قد يتأيد به من ذهب إلى أن هذه الآية نزلت في المشركين، فأما أهل الإسلام فقد ثبت في الصحيح عند مسلم، عن عبادة بن الصامت قال: أخذ علينا رسول الله ﷺ كما أخذ على النساء: ألا نشرك بالله شيئًا: ولا نسرق، ولا نزني، ولا نقتل أولادنا ولا يَعْضَه بعضنا بعضًا، فمن وَفَّى منكم فأجره على الله، ومن أصاب من ذلك شيئًا فعوقب فهو كفارة له، ومن ستره الله فأمْرُه إلى الله، إن شاء عذبه وإن شاء غفر له
QS 5:32-34 (jilid 3 hlm. 101) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 3 · hlm. 101 · #84839
ْضَه بعضنا بعضًا، فمن وَفَّى منكم فأجره على الله، ومن أصاب من ذلك شيئًا فعوقب فهو كفارة له، ومن ستره الله فأمْرُه إلى الله، إن شاء عذبه وإن شاء غفر له وعن علي [﵁] قال: قال رسول الله ﷺ: "من أذنب ذنبًا في الدنيا، فعوقب به، فالله أعدل من أن يثني عقوبته على عبده، ومن أذنب ذنبًا في الدنيا فستره الله عليه وعفا عنه، فالله أكرم من أن يعود في شيء قد عفا عنه". رواه الإمام أحمد، والترمذي، وابن ماجه، وقال الترمذي: "حسن غريب". وقد سئل الحافظ الدارقطني عن هذا الحديث، فقال: روي مرفوعًا وموقوفًا، قال: ورفعه صحيح. وقال ابن جرير في قوله: (ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا) يعني: شَرٌّ وعَارٌ ونَكَالٌ وذلة وعقوبة في عاجل الدنيا قبل الآخرة، (وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ) أي: إذا لم يتوبوا من فعلهم ذلك حتى هلكوا -في الآخرة مع الجزاء الذي جازيتهم به في الدنيا، والعقوبة التي عاقبتهم بها فيها - (عَذَابٌ عَظِيمٌ) يعني: عذاب جهنم.
QS 5:32-34 (jilid 3 hlm. 101) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 3 · hlm. 101 · #84840
ا لم يتوبوا من فعلهم ذلك حتى هلكوا -في الآخرة مع الجزاء الذي جازيتهم به في الدنيا، والعقوبة التي عاقبتهم بها فيها - (عَذَابٌ عَظِيمٌ) يعني: عذاب جهنم. وقوله: (إِلا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) أما على قول من قال: هي في أهل الشرك فظاهر، وأما المحاربون المسلمون فإذا تابوا قبل القدرة عليهم، فإنه يسقط عنهم انحتام القتل والصلب وقطع الرجل، وهل يسقط قطع اليد أم لا؟ فيه قولان للعلماء. وظاهر الآية يقتضي سقوط الجميع، وعليه عمل الصحابة، كما قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشَجّ، حدثنا أبو أسامة، عن مجاهد عن الشعبي قال: كان حارثة بن بدر التميمي من أهل البصرة، وكان قد أفسد في الأرض وحارب، فكلم رجالا من قريش منهم: الحسن بن علي، وابن عباس، وعبد الله بن جعفر، فكلموا عليًا، فلم يؤمنه.
QS 5:32-34 (jilid 3 hlm. 102) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 3 · hlm. 102 · #84841
بدر التميمي من أهل البصرة، وكان قد أفسد في الأرض وحارب، فكلم رجالا من قريش منهم: الحسن بن علي، وابن عباس، وعبد الله بن جعفر، فكلموا عليًا، فلم يؤمنه. فأتى سعيد بن قيس الهمداني فخلفه في داره، ثم أتى عليًا فقال: يا أمير المؤمنين، أرأيت من حارب الله ورسوله وسعى في الأرض فسادًا، فقرأ حتى بلغ: (إِلا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ) قال: فكتب له أمانًا. قال سعيد بن قيس: فإنه حارثة بن بدر. وكذا رواه ابن جرير من غير وجه، عن مجاهد عن الشعبي، به.
QS 5:32-34 (jilid 3 hlm. 102) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 3 · hlm. 102 · #84842
نْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ) قال: فكتب له أمانًا. قال سعيد بن قيس: فإنه حارثة بن بدر. وكذا رواه ابن جرير من غير وجه، عن مجاهد عن الشعبي، به. وزاد: فقال حارثة بن بدر: ألا أبلغَن هَمْدان إمَّا لقيتَها … عَلى النَّأي لا يَسْلمْ عَدو يعيبُها لَعَمْرُ أبِيها إنَّ هَمْدان تَتَّقِي الـ … إلَه ويَقْضي بالكتاب خَطيبُها وروى ابن جرير من طريق سفيان الثوري، عن السُّدِّي -ومن طريق أشعث، كلاهما عن عامر الشعبي قال: جاء رجل من مَراد إلى أبي موسى، وهو على الكوفة في إمارة عثمان، ﵁، بعدما صلى المكتوبة فقال: يا أبا موسى، هذا مقام العائذ بك، أنا فلان بن فلان المرادي، وإني كنت حاربت الله ورسوله وسعيت في الأرض فسادًا، وإني تبت من قبل أن يُقْدر عليَّ.
QS 5:32-34 (jilid 3 hlm. 102) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 3 · hlm. 102 · #84843
ة فقال: يا أبا موسى، هذا مقام العائذ بك، أنا فلان بن فلان المرادي، وإني كنت حاربت الله ورسوله وسعيت في الأرض فسادًا، وإني تبت من قبل أن يُقْدر عليَّ. فقام أبو موسى فقال: إن هذا فلان بن فلان، وإنه كان حارب الله ورسوله، وسعى في الأرض فسادًا، وإنه تاب من قبل أن يُقْدَرَ عليه، فمن لقيه فلا يعرض له إلا بخير، فإن يك صادقا فسبيل من صدق، وإن يك كاذبًا تدركه ذنوبه، فأقام الرجل ما شاء الله، ثم إنه خرج فأدركه الله تعالى بذنوبه فقتله. ثم قال ابن جرير: حدثني علي، حدثنا الوليد بن مسلم قال: قال الليث، وكذلك حدثني موسى بن إسحاق المدني، وهو الأمير عندنا: أن عليًا الأسدي حارب وأخاف السبيل وأصاب الدم والمال، فطلبه الأئمة والعامة، فامتنع ولم يُقْدر عليه، حتى جاء تائبًا، وذلك أنه سمع رجلا يقرأ هذه الآية: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر: ٥٣]، فوقف عليه فقال: يا
QS 5:32-34 (jilid 3 hlm. 102) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 3 · hlm. 102 · #84844
ِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر: ٥٣]، فوقف عليه فقال: يا عبد الله، أعد قراءتها. فأعادها عليه، فغمد سيفه، ثم جاء تائبًا. حتى قدم المدينة من السحر، فاغتسل، ثم أتى مسجد رسول الله ﷺ فصلى الصبح، ثم قعد إلى أبي هريرة في غمار أصحابه، فلما أسفروا عرفه الناس، فقاموا إليه، فقال: لا سبيل لكم عليّ جئت تائبًا من قبل أن تقدروا علي. فقال أبو هريرة: صدق. وأخذ بيده أبو هريرة حتى أتى مروان بن الحكم -وهو أمير على المدينة في زمن معاوية-فقال: هذا عليّ جاء تائبا، ولا سبيل لكم عليه ولا قتل. قال: فتُرك من ذلك كله، قال: وخرج عليّ تائبًا مجاهدًا في سبيل الله في البحر، فلقوا الروم، فقربوا سفينته إلى سفينة من سفنهم فاقتحم على الروم في سفينتهم، فهربوا منه إلى شقها الآخر، فمالت به وبهم، فغرقوا جميعًا..
QS 5:32 (jilid 2 hlm. 71) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 2 · hlm. 71 · #97008
قوله تعالى: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرائيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ﴾ الآية، صرح في هذه الآية الكريمة أنه كتب على بني إسرائيل أنه من قتل نفساً بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعاً، ولم يتعرض هنا لحكم من قتل نفساً بنفس، أو بفساد في الأرض، ولكنه بين ذلك في مواضع أخر، فبين أن قتل النفس بالنفس جائز، في قوله: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ الآية، وفي قوله: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾، وقوله: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً﴾ الآية.
QS 5:32 (jilid 2 hlm. 72) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 2 · hlm. 72 · #97009
فْسِ﴾ الآية، وفي قوله: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾، وقوله: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً﴾ الآية. واعلم أن آيات القصاص في النفس فيها إجمال بينته السنة، وحاصل تحرير المقام فيها أن الذكر الحر المسلم يقتل بالذكر الحر المسلم إجماعاً، وأن المرأة كذلك تقتل بالمرأة كذلك إجماعاً، وأن العبد يقتل كذلك بالعبد إجماعاً، وإنما لم نعتبر قول عطاء باشتراط تساوي قيمة العبدين، وهو رواية عن أحمد، ولا قول ابن عباس: ليس بين العبيد قصاص؛ لأنهم أموال. لأن ذلك كله يرده صريح قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ﴾ الآية، وأن المرأة تقتل بالرجل؛ لأنها إذا قتلت بالمرأة فقتلها بالرجل أولى، وأن الرجل يقتل بالمرأة عند جمهور العلماء فيهما. وروي عن جماعة منهم علي، والحسن، وعثمان البتي، وأحمد في رواية عنه أنه لا يقتل بها حتى يلتزم أولياؤها قدر ما تزيد به ديته على ديتها؛ فإن لم يلتزموه أخذوا ديتها.
QS 5:32 (jilid 2 hlm. 72) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 2 · hlm. 72 · #97010
جماعة منهم علي، والحسن، وعثمان البتي، وأحمد في رواية عنه أنه لا يقتل بها حتى يلتزم أولياؤها قدر ما تزيد به ديته على ديتها؛ فإن لم يلتزموه أخذوا ديتها. وروي عن علي والحسن أنها إن قتلت رجلاً قتلت به، وأخذ أولياؤه أيضاً في زيادة ديته على ديتها، أو أخذوا دية المقتول واستحيوها. قال القرطبي بعد أن ذكر هذا الكلام عن علي ﵁، والحسن البصري، وقد أنكر ذلك عنهم أيضاً، روى هذا الشعبي عن علي، ولا يصح؛ لأن الشعبي لم يلق علياً. وقد روى الحكم عن علي، وعبد الله أنهما قالا: إذا قتل الرجل المرأة متعمداً فهو بها قود، وهذا يعارض رواية الشعبي عن علي.
QS 5:32 (jilid 2 hlm. 73) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 2 · hlm. 73 · #97011
لا يصح؛ لأن الشعبي لم يلق علياً. وقد روى الحكم عن علي، وعبد الله أنهما قالا: إذا قتل الرجل المرأة متعمداً فهو بها قود، وهذا يعارض رواية الشعبي عن علي. وقال ابن حجر في [فتح الباري] في باب سؤال القاتل حتى يقر، والإقرار في الحدود بعد أن ذكر القول المذكور عن علي والحسن: ولا يثبت عن علي، ولكن هو قول عثمان البتي أحد فقهاء البصرة، ويدل على بطلان هذا القول أنه ذكر فيه أولياء الرجل إذا قتلته امرأة يجمع لهم بين القصاص ونصف الدية، وهذا قول يدل الكتاب والسنة على بطلانه، وأنه إما القصاص فقط، وإما الدية فقط؛ لأنه تعالى قال: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ ثم قال: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ الآية، فرتب الاتباع بالدية على العفو دون القصاص. وقال - ﷺ -: "من قتل له قتيل فهو بخير النظرين" الحديث، وهو صريح في عدم الجمع بينهما، كما هو واضح عند عامة العلماء؛ وحكي عن أحمد في رواية عنه، وعثمان البتي، وعطاء أن الرجل لا يقتل بالمرأة، بل تجب الدية.
QS 5:32 (jilid 2 hlm. 73) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 2 · hlm. 73 · #97012
ث، وهو صريح في عدم الجمع بينهما، كما هو واضح عند عامة العلماء؛ وحكي عن أحمد في رواية عنه، وعثمان البتي، وعطاء أن الرجل لا يقتل بالمرأة، بل تجب الدية. قاله ابن كثير، وروي عن الليث والزهري أنها إن كانت زوجته لم يقتل بها، وإن كانت غير زوجته قتل بها. والتحقيق قتله بها مطلقاً، كما سترى أدلته، فمن الأدلة على قتل الرجل بالمرأة إجماع العلماء على أن الصحيح السليم الأعضاء إذا قتل أعور أو أشل، أو نحو ذلك عمداً وجب عليه القصاص، ولا يجب لأوليائه شيء في مقابلة ما زاد به من الأعضاء السليمة على المقتول. ومن الأدلة على قتل الرجل بالمرأة ما ثبت في الصحيحين عنه - ﷺ - من حديث أنس "أنه - ﷺ - رض رأس يهودي بالحجارة قصاصاً بجارية فعل بها كذلك"، وهذا الحديث استدل به العلماء على قتل الذكر بالأنثى، وعلى وجوب القصاص في القتل بغير المحدد، والسلاح.
QS 5:32 (jilid 2 hlm. 74) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 2 · hlm. 74 · #97013
رض رأس يهودي بالحجارة قصاصاً بجارية فعل بها كذلك"، وهذا الحديث استدل به العلماء على قتل الذكر بالأنثى، وعلى وجوب القصاص في القتل بغير المحدد، والسلاح. وقال البيهقي في [السنن الكبرى] في باب [قتل الرجل بالمرأة]: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، ثنا أبو زكرياء يحيى بن محمد العنبري، ثنا أبو عبد الله محمد بن إبراهيم العبدي، الحكم بن موسى القنطري، ثنا يحيى بن حمزة، عن سليمان بن داود، عن الزهري، عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن أبيه عن جده، عن رسول الله - ﷺ - "أنه كتب إلى أهل اليمن بكتاب فيه الفرائض، والسنن، والديات، وبعث به مع عمرو بن حزم، وكان فيه، وإن الرجل يقتل بالمرأة". وروي هذا الحديث موصولاً أيضاً النسائي، وابن حبان، والحاكم.
QS 5:32 (jilid 2 hlm. 74) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 2 · hlm. 74 · #97014
ب فيه الفرائض، والسنن، والديات، وبعث به مع عمرو بن حزم، وكان فيه، وإن الرجل يقتل بالمرأة". وروي هذا الحديث موصولاً أيضاً النسائي، وابن حبان، والحاكم. وفي تفسير ابن كثير ما نصه: وفي الحديث الذي رواه النسائي، وغيره "أن رسول الله - ﷺ - كتب في كتاب عمرو بن حزم أن الرجل يقتل بالمرأة، وكتاب رسول الله - ﷺ - هذا لعمرو بن حزم الذي فيه أن الرجل يقتل بالمرأة" رواه مالك، والشافعي، ورواه أيضاً الدارقطني، وأبو داود، وابن حبان، والحاكم، والدارمي. وكلام علماء الحديث في كتاب عمرو بن حزم هذا مشهور بين مصحح له، ومضعف، وممن صححه ابن حبان، والحاكم، والبيهقي. وعن أحمد أنه قال: أرجو أن يكون صحيحاً. وصححه أيضاً من حيث الشهرة لا من حيث الإسناد جماعة منهم الشافعي فإنه قال: لم يقبلوا هذا الحديث حتى ثبت عندهم: أنه كتاب رسول الله - ﷺ -. وقال ابن عبد البر: هو كتاب مشهور عند أهل السير، معروف ما فيه عند أهل العلم يستغني بشهرته عن الإسناد؛ لأنه أشبه المتواتر؛ لتلقي الناس له بالقبول.
QS 5:32 (jilid 2 hlm. 75) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 2 · hlm. 75 · #97015
ﷺ -. وقال ابن عبد البر: هو كتاب مشهور عند أهل السير، معروف ما فيه عند أهل العلم يستغني بشهرته عن الإسناد؛ لأنه أشبه المتواتر؛ لتلقي الناس له بالقبول. قال: ويدل على شهرته ما روى ابن وهب، عن مالك، عن الليث بن سعد، عن يحيى بن سعد، عن سعيد بن المسيب قال: وجد كتاب عند آل حزم يذكرون أنه كتاب رسول الله - ﷺ -. وقال العقيلي: هذا حديث ثابت محفوظ. وقال يعقوب بن سفيان: لا أعلم في جميع الكتب المنقولة كتاباً أصح من كتاب عمرو بن حزم هذا، فإن أصحاب رسول الله - ﷺ -، والتابعين يرجعون إليه، ويدعون رأيهم. وقال الحاكم: قد شهد عمر بن عبد العزيز، وإمام عصره الزهري بالصحة لهذا الكتاب، ثم ساق ذلك بسنده إليهما.
QS 5:32 (jilid 2 hlm. 75) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 2 · hlm. 75 · #97016
لله - ﷺ -، والتابعين يرجعون إليه، ويدعون رأيهم. وقال الحاكم: قد شهد عمر بن عبد العزيز، وإمام عصره الزهري بالصحة لهذا الكتاب، ثم ساق ذلك بسنده إليهما. وضعف كتاب ابن حزم هذا جماعة، وانتصر لتضعيفه أبو محمد بن حزم في محلاه. والتحقيق صحة الاحتجاج به؛ لأنه ثبت أنه كتاب رسول الله - ﷺ -، كتبه ليبين به أحكام الديات، والزكوات وغيرها، ونسخته معروفة في كتب الفقه والحديث، ولاسيما عند من يحتج بالمرسل كمالك، وأبي حنيفة، وأحمد في أشهر الروايات. ومن أدلة قتله بها عموم حديث "المسلمون تتكافؤ دماؤهم" الحديث.
QS 5:32 (jilid 2 hlm. 75) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 2 · hlm. 75 · #97017
تب الفقه والحديث، ولاسيما عند من يحتج بالمرسل كمالك، وأبي حنيفة، وأحمد في أشهر الروايات. ومن أدلة قتله بها عموم حديث "المسلمون تتكافؤ دماؤهم" الحديث. وسيأتي البحث فيه إن شاء الله. ومن أوضح الأدلة في قتل الرجل بالمرأة قوله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ الآية، وقوله - ﷺ -: "لا يحل دم امرىء مسلم يشهد ألا إله إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس" الحديث، أخرجه الشيخان، وباقي الجماعة من حديث عبد الله بن مسعود ﵁. فعموم هذه الآية الكريمة، وهذا الحديث الصحيح يقتضي قتل الرجل بالمرأة؛ لأنه نفس بنفس، ولا يخرج عن هذا العموم، إلا ما أخرجه دليل صالح لتخصيص النص به.
QS 5:32 (jilid 2 hlm. 76) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 2 · hlm. 76 · #97018
﵁. فعموم هذه الآية الكريمة، وهذا الحديث الصحيح يقتضي قتل الرجل بالمرأة؛ لأنه نفس بنفس، ولا يخرج عن هذا العموم، إلا ما أخرجه دليل صالح لتخصيص النص به. نعم يتوجه على هذا الاستدلال سؤالان: الأول: ما وجه الاستدلال بقوله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ الآية، مع أنه حكاية عن قوم موسى، والله تعالى يقول: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً﴾. السؤال الثاني: لم لا يخصص عموم قتل النفس بالنفس في الآية، والحديث المذكورين بقوله تعالى: ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى﴾؛ لأن هذه الآية أخص من تلك؛ لأنها فصلت ما أجمل في الأولى، ولأن هذه الأمة مخاطبة بها صريحاً في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ﴾ الآية. الجواب عن السؤال الأول: أن التحقيق الذي عليه الجمهور،
QS 5:32 (jilid 2 hlm. 76) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 2 · hlm. 76 · #97019
يُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ﴾ الآية. الجواب عن السؤال الأول: أن التحقيق الذي عليه الجمهور، ودلت عليه نصوص الشرع أن كل ما ذكر لنا في كتابنا، وسنة نبينا - ﷺ -، مما كان شرعاً لمن قبلنا أنه كان شرعاً لنا، من حيث إنه وارد في كتابنا، أو سنة نبينا - ﷺ -، لا من حيث إنه كان شرعاً لمن قبلنا؛ لأنه ما قص علينا في شرعنا إلا لنعتبر به، ونعمل بما تضمن. والنصوص الدالة على هذا كثيرة جداً، ولأجل هذا أمر الله في القرآن العظيم في غير ما آية بالاعتبار بأحوالهم، ووبخ من لم يعقل ذلك، كما في قوله تعالى في قوم لوط: ﴿وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ (١٣٧) وَبِاللَّيْلِ أَفَلا تَعْقِلُونَ (١٣٨)﴾. ففي قوله: ﴿وَبِاللَّيلِ أَفَلا تَعْقِلُونَ (١٣٨)﴾؟
QS 5:32 (jilid 2 hlm. 77) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 2 · hlm. 77 · #97020
ط: ﴿وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ (١٣٧) وَبِاللَّيْلِ أَفَلا تَعْقِلُونَ (١٣٨)﴾. ففي قوله: ﴿وَبِاللَّيلِ أَفَلا تَعْقِلُونَ (١٣٨)﴾؟ توبيخ لمن مر بديارهم، ولم يعتبر بما وقع لهم ويعقل ذلك ليجتنب الوقوع في مثله، وكقوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾، ثم هدد الكفار بمثل ذلك، فقال: ﴿وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا (١٠)﴾. وقال في حجارة قوم لوط التي أهلكوا بها، أو ديارهم التي أهلكوا فيها: ﴿وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ (٨٣)﴾، وهو تهديد عظيم منه تعالى لمن لم يعتبر بحالهم، فيجتنب ارتكاب ما هلكوا بسببه، وأمثال ذلك كثير في القرآن.
QS 5:32 (jilid 2 hlm. 77) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 2 · hlm. 77 · #97021
﴿وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ (٨٣)﴾، وهو تهديد عظيم منه تعالى لمن لم يعتبر بحالهم، فيجتنب ارتكاب ما هلكوا بسببه، وأمثال ذلك كثير في القرآن. وقال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾، فصرح بأنه يقص قصصهم في القرآن للعبرة، وهو دليل واضح لما ذكرنا، ولما ذكر الله تعالى من ذكر الأنبياء في سورة الأنعام، قال لنبينا - ﷺ -: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾، وأمر - ﷺ - أمر لنا؟ لأنه قدوتنا، ولأن الله تعالى يقول: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ الآية، ويقول: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي﴾ الآية، ويقول: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ الآية.
QS 5:32 (jilid 2 hlm. 77) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 2 · hlm. 77 · #97022
ّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ الآية، ويقول: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي﴾ الآية، ويقول: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ الآية. ويقول: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾، ومن طاعته اتباعه فيما أمر به كله إلا ما قام فيه دليل على الخصوص به - ﷺ -، وكون شرع من قبلنا الثابت بشرعنا شرعاً لنا إلا بدليل على النسخ هو مذهب الجمهور، منهم مالك وأبو حنيفة، وأحمد في أشهر الروايتين، وخالف الإمام الشافعي ﵀ في أصح الروايات عنه، فقال: إن شرع من قبلنا الثابت بشرعنا ليس شرعاً لنا إلا بنص من شرعنا على أنه مشروع لنا، وخالف أيضاً في الصحيح عنه في أن الخطاب الخاص بالرسول - ﷺ -، يشمل حكمه الأمة. واستدل للأول بقوله تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً﴾.
QS 5:32 (jilid 2 hlm. 78) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 2 · hlm. 78 · #97023
أيضاً في الصحيح عنه في أن الخطاب الخاص بالرسول - ﷺ -، يشمل حكمه الأمة. واستدل للأول بقوله تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً﴾. وللثاني: بأن الصيغة الخاصة بالرسول لا تشمل الأمة وضعاً، فإدخالها فيها صرف للفظ عن ظاهره، فيحتاج إلى دليل منفصل، وحمل الهدى في قوله: ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾، والدين في قوله: ﴿ * شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ﴾ الآية على خصوص الأصول التي هي التوحيد، دون الفروع العملية؛ لأنه تعالى قال في العقائد: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (٢٥)﴾ وقال: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾، وقال: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ (٤٥)﴾.
QS 5:32 (jilid 2 hlm. 78) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 2 · hlm. 78 · #97024
اجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾، وقال: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ (٤٥)﴾. وقال في الفروع العلمية: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً﴾، فدل ذلك على اتفاقهم في الأصول، واختلافهم في الفروع، كما قال - ﷺ -: "إنا معشر الأنبياء إخوة لعلات ديننا واحد"، أخرجه البخاري في صحيحه، من حديث أبي هريرة ﵁. قال مقيده -عفا الله عنه وغفر له-: أما حمل الهدى في آية: ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ والدين في آية: ﴿ * شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ﴾ على خصوص التوحيد دون الفروع العملية، فهو غير مسلم. أما الأول: فلما أخرجه البخاري في صحيحه، في تفسير سورة ص، عن مجاهد "أنه سأل ابن عباس: من أين أخذت السجدة في ص، فقال: أوما تقرأ: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ﴾ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ فسجدها داود فسجدها رسول الله - ﷺ -.
QS 5:32 (jilid 2 hlm. 79) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 2 · hlm. 79 · #97025
في ص، فقال: أوما تقرأ: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ﴾ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ فسجدها داود فسجدها رسول الله - ﷺ -. فهذا نص صحيح صريح عن ابن عباس، أن النبي - ﷺ - أدخل سجود التلاوة في الهدى في قوله: ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ ومعلوم أن سجود التلاوة فرع من الفروع، لا أصل من الأصول. وأما الثاني: فلأن النبي - ﷺ - صرح في حديث جبريل الصحيح المشهور أن اسم "الدين" يتناول الإسلام، والإيمان، والإحسان حيث قال: "هذا جبريل أتاكم يعلمكم دينكم" وقال تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْأِسْلامُ﴾ وقال: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْأِسْلامِ دِيناً﴾. الآية. وصرح - ﷺ - في الحديث المذكور بأن الإسلام يشمل الأمور العملية، كالصلاة، والزكاة، والصوم، والحج.
QS 5:32 (jilid 2 hlm. 79) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 2 · hlm. 79 · #97026
ل: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْأِسْلامِ دِيناً﴾. الآية. وصرح - ﷺ - في الحديث المذكور بأن الإسلام يشمل الأمور العملية، كالصلاة، والزكاة، والصوم، والحج. وفي حديث ابن عمر المتفق عليه: "بني الإسلام على خمس" الحديث ولم يقل أحد إن الإسلام هو خصوص العقائد، دون الأمور العملية، فدل على أن الدين لا يختص بذلك في قوله: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً﴾ الآية، وهو ظاهر جداً؛ لأن خير ما يفسر به القرآن هو كتاب الله وسنة رسوله - ﷺ -. وأما الخطاب الخاص بالنبي - ﷺ - في نحو قوله: ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ فقد دلت النصوص على شمول حكمه للأمة، كما في قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ الآية.
QS 5:32 (jilid 2 hlm. 80) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 2 · hlm. 80 · #97027
: ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ فقد دلت النصوص على شمول حكمه للأمة، كما في قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ الآية. إلى غيرها مما تقدم من الآيات. وقد علمنا ذلك من استقراء القرآن العظيم حيث يعبر فيه دائماً بالصيغة الخاصة به - ﷺ -، ثم يشير إلى أن المراد عموم حكم الخطاب للأمة، كقوله في أول سورة الطلاق: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ﴾ ثم قال: ﴿إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ الآية، فدل على دخول الكل حكماً تحت قوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ﴾ وقال في سورة التحريم: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ﴾ ثم قال: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ فدل على عموم حكم الخطاب بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ﴾، ونظير ذلك أيضاً في سورة الأحزاب في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ﴾ ثم قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً (٢)﴾ فقوله: ﴿بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ يدل على عموم الخطاب بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ﴾ وكقوله: ﴿وَمَا
QS 5:32 (jilid 2 hlm. 80) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 2 · hlm. 80 · #97028
ل: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً (٢)﴾ فقوله: ﴿بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ يدل على عموم الخطاب بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ﴾ وكقوله: ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ﴾ ثم قال: ﴿وَلا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً﴾ الآية. ومن أصرح الأدلة في ذلك آية الروم، وآية الأحزاب. أما آية الروم فقوله تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً﴾ ثم قال: ﴿ * مُنِيبِينَ إِلَيْهِ﴾ وهو حال من ضمير الفاعل المستتر، المخاطب به النبي - ﷺ - في قوله: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ﴾ الآية.
QS 5:32 (jilid 2 hlm. 80) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 2 · hlm. 80 · #97029
ْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً﴾ ثم قال: ﴿ * مُنِيبِينَ إِلَيْهِ﴾ وهو حال من ضمير الفاعل المستتر، المخاطب به النبي - ﷺ - في قوله: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ﴾ الآية. وتقرير المعنى: فأقم وجهك يا نبي الله في حال كونكم منيبين، فلو لم تدخل الأمة حكماً في الخطاب الخاص به - ﷺ - لقال: منيباً إليه بالإفراد، لإجماع أهل اللسان العربي على أن الحال الحقيقية، أعني التي لم تكن سببية تلزم مطابقتها لصاحبها إفراداً وجمعاً وثنية، وتأنيثاً وتذكيراً، فلا يجوز أن تقول: جاء زيد ضاحكين، ولا جاءت هند ضاحكات.
QS 5:32 (jilid 2 hlm. 80) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 2 · hlm. 80 · #97030
الحقيقية، أعني التي لم تكن سببية تلزم مطابقتها لصاحبها إفراداً وجمعاً وثنية، وتأنيثاً وتذكيراً، فلا يجوز أن تقول: جاء زيد ضاحكين، ولا جاءت هند ضاحكات. وأما آية الأحزاب فقوله تعالى في قصة زينب بنت جحش الأسدية ﵂: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَراً زَوَّجْنَاكَهَا﴾، فإن هذا الخطاب خاص بالنبي - ﷺ -، وقد صرح تعالى بشمول حكمه لجميع المؤمنين في قوله: ﴿لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ الآية، وأشار إلى هذا أيضاً في الأحزاب بقوله: ﴿خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ لأن الخطاب الخاص به - ﷺ - في قوله: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ﴾ الآية، لو كان حكمه خاصاً به - ﷺ - لأغنى ذلك عن قوله: ﴿خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ كما هو ظاهر، وقد ردت عائشة ﵂ على من زعم أن تخيير الزوجة طلاق، بأن رسول الله - ﷺ - خير نساءه فاخترنه، فلم يعده طلاقاً مع أن الخطاب في ذلك خاص به - ﷺ -، في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ
QS 5:32 (jilid 2 hlm. 81) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 2 · hlm. 81 · #97031
ه - ﷺ - خير نساءه فاخترنه، فلم يعده طلاقاً مع أن الخطاب في ذلك خاص به - ﷺ -، في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ﴾ الآيتين. وأخذ مالك ﵀ بينونة الزوجة بالردة من قوله: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ وهو خطاب خاص به - ﷺ -. وحاصل تحرير المقام في مسألة "شرع من قبلنا" أن لها واسطة وطرفين، طرف يكون فيه شرعاً لنا إجماعاً، وهو ما ثبت بشرعنا أنه كان شرعاً لمن قبلنا، ثم بين لنا في شرعنا أنه شرع لنا، كالقصاص، فإنه ثبت بشرعنا أنه كان شرعاً لمن قبلنا في قوله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ الآية، وبين لنا في شرعنا أنه مشروع لنا في قوله: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾، وطرف يكون فيه غير شرع لنا إجماعاً، هو أمران: أحدهما: ما لم يثبت بشرعنا أصلاً أنه كان شرعاً لمن قبلنا، كالمتلقي من الإسرائيليات؛ لأن النبي - ﷺ - نهانا عن تصديقهم، وتكذيبهم فيها، وما نهانا - ﷺ - عن تصديقه لا يكون مشروعاً لنا إجماعاً.
QS 5:32 (jilid 2 hlm. 82) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 2 · hlm. 82 · #97032
كان شرعاً لمن قبلنا، كالمتلقي من الإسرائيليات؛ لأن النبي - ﷺ - نهانا عن تصديقهم، وتكذيبهم فيها، وما نهانا - ﷺ - عن تصديقه لا يكون مشروعاً لنا إجماعاً. والثاني: ما ثبت في شرعنا أنه كان شرعاً لمن قبلنا، وبين لنا في شرعنا أنه غير مشروع لنا كالآصار، والأغلال التي كانت على من قبلنا؛ لأن الله وضعها عنا، كما قال تعالى: ﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ وقد ثبت في صحيح مسلم: "أن النبي - ﷺ - لما قرأ: ﴿رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْراً كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾ أن الله قال: نعم قد فعلت". ومن تلك الآصار التي وضعها الله عنا على لسان نبينا - ﷺ - ما وقع لعبدة العجل، حيث لم تقبل توبتهم إلا بتقديم أنفسهم للقتل، كما قال تعالى: ﴿فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (٥٤)﴾.
QS 5:32 (jilid 2 hlm. 82) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 2 · hlm. 82 · #97033
ُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (٥٤)﴾. والواسطة هي محل الخلاف بين العلماء، وهي ما ثبت بشرعنا أنه كان شرعاً لمن قبلنا، ولم يبين هنا في شرعنا أنه مشروع لنا، ولا غير مشروع لنا، وهو الذي قدمنا أن التحقيق كونه شرعاً لنا، وهو مذهب الجمهور، وقد رأيت أدلتهم عليه، وبه تعلم أن آية: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ الآية، يلزمنا الأخذ بما تضمنته من الأحكام، مع أن القرآن صرح بذلك في الجملة في قوله: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ وقوله: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً﴾ وفي حديث ابن مسعود المتفق عليه المتقدم التصريح بأن ما فيها من قتل النفس بالنفس مشروع لنا، حيث قال - ﷺ -: "لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله - ﷺ - إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس" الحديث.
QS 5:32 (jilid 2 hlm. 83) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 2 · hlm. 83 · #97034
النفس مشروع لنا، حيث قال - ﷺ -: "لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله - ﷺ - إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس" الحديث. وإلى هذا أشار البخاري في صحيحه، حيث قال: باب قول الله تعالى: ﴿أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ إلى قوله: ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٤٥)﴾ ثم ذكر حديث ابن مسعود المتقدم. وقال ابن حجر: والغرض من ذكر هذه الآية مطابقتها للفظ الحديث، ولعله أراد أن يبين أنها وإن وردت في أهل الكتاب فالحكم الذي دلت عليه مستمر في شريعة الإسلام، فهو أصل في القصاص في قتل العمد، ويدل لهذا قوله - ﷺ -: "كتاب الله القصاص" أخرجه الشيخان من حديث أنس، بناء على أن المراد بكتاب الله قوله تعالى: ﴿وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ﴾ في هذه الآية التي نحن بصددها، وعلى بقية الأقوال فلا دليل في الحديث، ولم يزل العلماء يأخذون الأحكام من قصص الأمم الماضية، كما أوضحنا دليله.
QS 5:32 (jilid 2 hlm. 83) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 2 · hlm. 83 · #97035
بِالسِّنِّ﴾ في هذه الآية التي نحن بصددها، وعلى بقية الأقوال فلا دليل في الحديث، ولم يزل العلماء يأخذون الأحكام من قصص الأمم الماضية، كما أوضحنا دليله. فمن ذلك قول المالكية وغيرهم: إن القرينة الجازمة ربما قامت مقام البينة مستدلين على ذلك بجعل شاهد يوسف شق قميصه من دبر قرينة على صدقه، وكذب المرأة في قوله تعالى: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٢٦) وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٢٧) فَلَمَّا رَأى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ (٢٨)﴾ الآية، فذكره تعالى لهذا مقرراً له يدل على جواز العمل به، ومن هنا أوجب مالك حد الخمر على من أستنكه فشم في فيه ريح الخمر؛ لأن ريحها في فيه قرينة على شربه إياها.
QS 5:32 (jilid 2 hlm. 83) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 2 · hlm. 83 · #97036
ذكره تعالى لهذا مقرراً له يدل على جواز العمل به، ومن هنا أوجب مالك حد الخمر على من أستنكه فشم في فيه ريح الخمر؛ لأن ريحها في فيه قرينة على شربه إياها. وأجاز العلماء للرجل يتزوج المرأة من غير أن يراها، فتزفها إليه ولائد -لا يثبت بقولهن أمر- أن يجامعها من غير بينة على عينها أنها فلانة بنت فلان التي وقع عليها العقد اعتماداً على القرينة، وتنزيلاً لها منزلة البينة، وكذلك الضيف ينزل بساحة قوم فيأتيه الصبي، أو الوليدة بطعام، فيباح له أكله من غير بينة تشهد على إذن أهل الطعام له في الأكل اعتماداً على القرينة. وأخذ المالكية وغيرهم إبطال القرينة بقرينة أقوى منها من أن أولاد يعقوب لما جعلوا يوسف في غيابة الجب، جعلوا على قميصه دم سخلة، ليكون الدم على قميصه قرينة على صدقهم في أنه أكله الذئب، فأبطلها يعقوب بقرينة أقوى منها، وهي عدم شق القميص فقال: سبحان الله متى كان الذئب حليماً كيساً يقتل يوسف، ولا يشق قميصه؟
QS 5:32 (jilid 2 hlm. 84) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 2 · hlm. 84 · #97037
على صدقهم في أنه أكله الذئب، فأبطلها يعقوب بقرينة أقوى منها، وهي عدم شق القميص فقال: سبحان الله متى كان الذئب حليماً كيساً يقتل يوسف، ولا يشق قميصه؟ كما بينه تعالى بقوله ﴿وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ (١٨)﴾. وأخذ المالكية ضمان العزم من قوله تعالى في قصة يوسف وإخوته: ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ (٧٢)﴾. وأخذ بعض الشافعية ضمان الوجه المعروف بالكفالة من قوله تعالى في قصة يعقوب وبنيه: ﴿لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقاً مِنَ اللَّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ﴾. وأخذ المالكية تلوم القاضي للخصوم ثلاثة أيام بعد انقضاء الآجال من قوله تعالى في قصة صالح: ﴿فَقَالَ تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ﴾. وأخذوا وجوب الإعذار إلى الخصم الذي توجه إليه الحكم: "أبقيت لك حجة؟
QS 5:32 (jilid 2 hlm. 85) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 2 · hlm. 85 · #97038
من قوله تعالى في قصة صالح: ﴿فَقَالَ تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ﴾. وأخذوا وجوب الإعذار إلى الخصم الذي توجه إليه الحكم: "أبقيت لك حجة؟ " ونحو ذلك من قوله تعالى في قصة سليمان مع الهدهد: ﴿لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَاباً شَدِيداً أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾. وأخذ الحنابلة جواز طول مدة الإجارة من قوله تعالى في قصة موسى، وصهره شعيب، أو غيره: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْراً فَمِنْ عِنْدِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ﴾ الآية، وأمثال هذا كثيرة جداً. وقوله تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً﴾ لا يخالف ما ذكرنا؛ لأن المراد به أن بعض الشرائع تنسخ فيها أحكام كانت مشروعة قبل ذلك، ويجدد فيها تشريع أحكام لم تكن مشروعة قبل ذلك.
QS 5:32 (jilid 2 hlm. 85) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 2 · hlm. 85 · #97039
ْعَةً وَمِنْهَاجاً﴾ لا يخالف ما ذكرنا؛ لأن المراد به أن بعض الشرائع تنسخ فيها أحكام كانت مشروعة قبل ذلك، ويجدد فيها تشريع أحكام لم تكن مشروعة قبل ذلك. وبهذا الاعتبار يكون لكل شرعة منهاج من غير مخالفة لما ذكرنا، وهذا ظاهر، فبهذا يتضح لك الجواب عن السؤال الأول، وتعلم أن ما تضمنته آية: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ الآية مشروع لهذه الأمة، وأن الرجل يقتل بالمرأة، كالعكس على التحقيق الذي لا شك فيه، وكأن القائل بعدم القصاص بينهما يتشبث بمفهوم قوله: ﴿وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى﴾ وسترى تحقيق المقام فيه إن شاء الله قريباً. والجواب عن السؤال الثاني -الذي هو لم لا يخصص عموم النفس بالنفس بالتفصيل المذكور في قوله تعالى: ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى﴾؟
QS 5:32 (jilid 2 hlm. 85) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 2 · hlm. 85 · #97040
الثاني -الذي هو لم لا يخصص عموم النفس بالنفس بالتفصيل المذكور في قوله تعالى: ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى﴾؟ -هو ما تقرر في الأصول من أن مفهوم المخالفة إذا كان محتملاً لمعنى آخر غير مخالفته لحكم المنطوق يمنعه ذلك من الاعتبار. قال صاحب [جمع الجوامع] في الكلام على مفهوم المخالفة: وشرطه ألا يكون المسكوت ترك لخوف ونحوه، إلى أن قال .... : أو غيره مما يقتضي التخصيص بالذكر. فإذا علمت ذلك، فاعلم أن قوله تعالى: ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى﴾ يدل على قتل الحر بالحر، والعبد بالعبد، والأنثى بالأنثى، ولم يتعرض لقتل الأنثى بالذكر، أو العبد بالحر، لعكسه بالمنطوق.
QS 5:32 (jilid 2 hlm. 86) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 2 · hlm. 86 · #97041
َبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى﴾ يدل على قتل الحر بالحر، والعبد بالعبد، والأنثى بالأنثى، ولم يتعرض لقتل الأنثى بالذكر، أو العبد بالحر، لعكسه بالمنطوق. ومفهوم مخالفته هنا غير معتبر؛ لأن سبب نزول الآية أن قبيلتين من العرب اقتتلتا، فقالت إحداهما: نقتل بعبدنا فلان بن فلان، وبأمتنا فلانة بنت فلانة تطاولا منهم عليهم، وزعماً أن العبد منهم بمنزلة الحر من أولئك، وأن أنثاهم أيضاً بمنزلة الرجل من الآخرين تطاولاً عليهم، وإظهاراً لشرفهم عليهم. ذكر معنى هذا القرطبي، عن الشعبي، وقتادة. وروى ابن أبي حاتم نحوه عن سعيد بن جبير.
QS 5:32 (jilid 2 hlm. 86) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 2 · hlm. 86 · #97042
أيضاً بمنزلة الرجل من الآخرين تطاولاً عليهم، وإظهاراً لشرفهم عليهم. ذكر معنى هذا القرطبي، عن الشعبي، وقتادة. وروى ابن أبي حاتم نحوه عن سعيد بن جبير. نقله عنه ابن كثير في تفسيره، والسيوطي في أسباب النزول، وذكر ابن كثير أنها نزلت في قريظة والنضير؛ لأنهم كان بينهم قتال، وبنو النضير يتطاولون على بني قريظة. فالجميع متفق على أن سبب نزولها أن قوماً يتطاولون على قوم، ويقولون: إن العبد منا لا يساويه العبد منكم، وإنما يساويه الحر منكم، والمرأة منا لا تساويها المرأة منكم، وإنما يساويها الرجل منكم، فنزل القرآن مبيناً أنهم سواء، وليس المتطاول منهم على صاحبه بأشرف منه، ولهذا لم يعتبر مفهوم المخالفة هنا. وأما قتل الحر بالعبد، فقد اختلف فيه، وجمهور العلماء على أنه لا يقتل حر بعبد، منهم مالك، وإسحاق، وأبو ثور، والشافعي، وأحمد. وممن قال بهذا أبو بكر، وعمر، وعلي، وزيد، وابن الزبير ﵃ وعمر بن عبد العزيز، وعطاء، والحسن، وعكرمة، وعمرو بن دينار، كما نقله عنهم ابن قدامة في المغني، وغيره.
QS 5:32 (jilid 2 hlm. 87) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 2 · hlm. 87 · #97043
قال بهذا أبو بكر، وعمر، وعلي، وزيد، وابن الزبير ﵃ وعمر بن عبد العزيز، وعطاء، والحسن، وعكرمة، وعمرو بن دينار، كما نقله عنهم ابن قدامة في المغني، وغيره. وقال أبو حنيفة: يقتل الحر بالعبد: وهو مروي عن سعيد بن المسيب، والنخعي، وقتادة والثوري. واحتج هؤلاء على قتل الحر بالعبد، بقوله - ﷺ -: "المؤمنين تتكافؤ دماؤهم، وهم يد على من سواهم، ويسعى بذمتهم أدناهم" الحديث. أخرجه أحمد، والنسائي، وأبو داود، والحاكم، وصححه. فعموم المؤمنين يدخل فيه العبيد، وكذلك عموم النفس في قوله تعالى: ﴿أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ الأية، وقوله ﷺ : "والنفس بالنفس" في الحديث المتقدم واستدلوا أيضاً بما رواه قتادة، عن الحسن، عن سمرة أن رسول الله - ﷺ - قال: "من قتل عبده قتلناه، ومن جدع عبده جدعناه" رواه الإمام أحمد، وأصحاب السنن الأربعة، وقال الترمذي: حسن غريب.
QS 5:32 (jilid 2 hlm. 87) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 2 · hlm. 87 · #97044
، عن الحسن، عن سمرة أن رسول الله - ﷺ - قال: "من قتل عبده قتلناه، ومن جدع عبده جدعناه" رواه الإمام أحمد، وأصحاب السنن الأربعة، وقال الترمذي: حسن غريب. وفي رواية لأبي داود والنسائي: "ومن خصي عبده خصيناه" هذه هي أدلة من قال بقتل الحر بالعبد. وأجيب عنها من جهة الجمهور بما ستراه الآن إن شاء الله تعالى. أما دخول قتل الحر بالعبد في عموم المؤمنين في حديث "المؤمنون تتكافؤ دماؤهم" وعموم النفس بالنفس في الآية، والحديث المذكور فاعلم أولاً أن دخول العبيد في عمومات نصوص الكتاب والسنة اختلف فيه علماء الأصول على ثلاثة أقوال: الأول: -وعليه أكثر العلماء- أن العبيد داخلون في عمومات النصوص؛ لأنهم من جملة المخاطبين بها. الثاني: وذهب إليه بعض العلماء من المالكية، والشافعية، وغيرهم أنهم لا يدخلون فيها إلا بدليل منفصل، واستدل لهذا القول بكثرة عدم دخولهم كعدم دخولهم في خطاب الجهاد، والحج، وكقوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ﴾ الآية، فالإماء لا يدخلن فيه.
QS 5:32 (jilid 2 hlm. 88) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 2 · hlm. 88 · #97045
صل، واستدل لهذا القول بكثرة عدم دخولهم كعدم دخولهم في خطاب الجهاد، والحج، وكقوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ﴾ الآية، فالإماء لا يدخلن فيه. الثالث: وذهب إليه الرازي من الحنفية أن النص العام إن كان من العبادات فهم داخلون فيه، وإن كان من المعاملات لم يدخلوا فيه. وأشار في [مراقي السعود] إلى أن دخولهم في الخطاب العام هو الصحيح الذي يقتضيه الدليل بقوله: والعبد والموجود والذي كفر ... مشمولة له لدى ذوي النظر وينبني على الخلاف في دخولهم في عمومات النصوص وجوب صلاة الجمعة على المملوكين، فعلى أنهم داخلون في العموم فهي واجبة عليهم، وعلى أنهم لا يدخلون فيه إلا بدليل منفصل، فهي غير واجبة عليهم، وكذلك إقرار العبد بالعقوبة ببدنه يبنى أيضاً على الخلاف المذكور، قاله صاحب [نشر البنود شرح مراقي السعود] في شرح البيت المذكور آنفاً.
QS 5:32 (jilid 2 hlm. 89) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 2 · hlm. 89 · #97046
ي غير واجبة عليهم، وكذلك إقرار العبد بالعقوبة ببدنه يبنى أيضاً على الخلاف المذكور، قاله صاحب [نشر البنود شرح مراقي السعود] في شرح البيت المذكور آنفاً. فإذا علمت هذا، فاعلم أنه على القول بعدم دخول العبيد في عموم نصوص الكتاب والسنة، فلا إشكال، وعلى القول بدخولهم فيه، فالجواب عن عدم إدخالهم في عموم النصوص التي ذكرناها يعلم من أدلة الجمهور الآتية إن شاء الله على عدم قتل الحر بالعبد. وأما حديث سمرة فيجاب عنه من أوجه: الأول: أن أكثر العلماء بالحديث تركوا رواية الحسن، عن سمرة؛ لأنه لم يسمع منه، وقال قوم: لم يسمع منه إلا حديث العقيقة، وأثبت علي بن المديني، والبخاري سماعه منه. قال البيهقي في [السنن الكبرى] في كتاب "الجنايات" ما نصه: وأكثر أهل العلم بالحديث رغبوا عن رواية الحسن، عن سمرة. وذهب بعضهم إلى أنه لم يسمع منه غير حديث العقيقة، وقال أيضاً في باب "النهي عن بيع الحيوان بالحيوان": إن أكثر الحفاظ لا يثبتون سماع الحسن من سمرة في غير حديث العقيقة.
QS 5:32 (jilid 2 hlm. 89) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 2 · hlm. 89 · #97047
أنه لم يسمع منه غير حديث العقيقة، وقال أيضاً في باب "النهي عن بيع الحيوان بالحيوان": إن أكثر الحفاظ لا يثبتون سماع الحسن من سمرة في غير حديث العقيقة. الثاني: أن الحسن كان يفتي بأن الحر لا يقتل بالعبد، ومخالفته لما روى تدل على ضعفه عنده. قال البيهقي أيضاً ما نصه: قال قتادة: ثم إن الحسن نسي هذا الحديث، قال: لا يقتل حر بعبد. قال الشيخ: يشبه أن يكون الحسن لم ينس الحديث، لكن رغب عنه لضعفه. الثالث: ما ذكره صاحب [منتقى الأخبار] من أن أكثر العلماء قال بعدم قتل الحر بالعبد، وتأولوا الخبر على أنه أراد من كان عبده، لئلا يتوهم تقدم الملك مانعاً من القصاص. الرابع: أنه معارض بالأدلة التي تمسك بها الجمهور في عدم قتل الحر بالعبد، وستأتي إن شاء الله تعالى مفصلة، وهي تدل على النهي عن قتل الحر بالعبد، والنهي مقدم على الأمر، كما تقرر في الأصول. الخامس: ما ادعى ابن العربي دلالته على بطلان هذا القول من قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً﴾ وولي العبد سيده.
QS 5:32 (jilid 2 hlm. 90) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 2 · hlm. 90 · #97048
خامس: ما ادعى ابن العربي دلالته على بطلان هذا القول من قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً﴾ وولي العبد سيده. قال القرطبي في تفسير قوله تعالى: ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ﴾ الآية. ما نصه: قال ابن العربي: ولقد بلغت الجهالة بأقوام إلى أن قالوا: يقتل الحر بعبد نفسه، ورووا في ذلك حديثاً عن الحسن، عن سمرة أن رسول الله - ﷺ - قال: "من قتل عبده قتلناه" وهو حديث ضعيف. ودليلنا قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ﴾ والولي ها هنا: السيد، فكيف يجعل له سلطان على نفسه، وقد اتفق الجميع على أن السيد إذا قتل عبده خطأ أنه لا تؤخذ منه قيمته لبيت المال اهـ. وتعقب القرطبي تضعيف ابن العربي لحديث الحسن هذا عن سمرة بأن البخاري، وابن المديني صححا سماعه منه، وقد علمت تضعيف الأكثر لرواية الحسن عن سمرة فيما تقدم، ويدل على ضعفه مخالفة الحسن نفسه له.
QS 5:32 (jilid 2 hlm. 91) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 2 · hlm. 91 · #97049
الحسن هذا عن سمرة بأن البخاري، وابن المديني صححا سماعه منه، وقد علمت تضعيف الأكثر لرواية الحسن عن سمرة فيما تقدم، ويدل على ضعفه مخالفة الحسن نفسه له. السادس: أن الحديث خارج مخرج التحذير، والمبالغة في الزجر. السابع: ما قيل من أنه منسوخ. قال الشوكاني: ويؤيد دعوى النسخ فتوى الحسن بخلافه. الثامن: مفهوم قوله تعالى: ﴿وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ﴾ ولكنا قد قدمنا عدم اعتبار هذا المفهوم، كما يدل عليه سبب النزول. واحتج القائلون بأن الحر لا يقتل بالعبد، وهم الجمهور بأدلة: منها: ما رواه الدارقطني بإسناده عن إسماعيل بن عياش، عن الأوزاعي، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده "أن رجلاً قتل عبده متعمداً، فجلده النبي - ﷺ - ونفاه سنة، ومحا اسمه من المسلمين، ولم يقده به، وأمره أن يعتق رقبة" ورواية إسماعيل بن عياش عن الشاميين قوية صحيحة، ومعلوم أن الأوزاعي شامي دمشقي. قال في [نيل الأوطار]: ولكن دونه في إسناد هذا الحديث محمد بن عبد العزيز الشامي، قال فيه ابن أبي حاتم: لم يكن عندهم بالمحمود، وعنده غرائب.
QS 5:32 (jilid 2 hlm. 91) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 2 · hlm. 91 · #97050
ي شامي دمشقي. قال في [نيل الأوطار]: ولكن دونه في إسناد هذا الحديث محمد بن عبد العزيز الشامي، قال فيه ابن أبي حاتم: لم يكن عندهم بالمحمود، وعنده غرائب. وأسند البيهقي هذا الحديث فقال: أخبرنا أبو بكر بن الحارث الفقيه، أنبأ علي بن عمر الحافظ، ثنا الحسين بن الحسين الصابوني الأنطاكي قاضي الثغور، ثنا محمد بن الحكم الرملي، ثنا محمد بن عبد العزيز الرملي، ثنا إسماعيل بن عياش، عن الأوزاعي ... إلى آخر السند المتقدم بلفظ المتن. ومحمد بن عبد العزيز الرملي من رجال البخاري. وقال فيه ابن حجر في [التقريب]: صدوق يهم.
QS 5:32 (jilid 2 hlm. 92) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 2 · hlm. 92 · #97051
ماعيل بن عياش، عن الأوزاعي ... إلى آخر السند المتقدم بلفظ المتن. ومحمد بن عبد العزيز الرملي من رجال البخاري. وقال فيه ابن حجر في [التقريب]: صدوق يهم. فتضعيف هذا الحديث به لا يخلو من نظر. والظاهر أن تضعيف البيهقي له من جهة إسماعيل بن عياش، وقد عرفت أن الحق كونه قوياً في الشاميين، دون الحجازيين، كما صرح به أئمة الحديث كالإمام أحمد والبخاري، ولحديث عمرو بن شعيب هذا شاهد من حديث علي عند البيهقي وغيره من طريق إسماعيل بن عياش، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة، عن إبراهيم بن عبد الله بن حنين، عن أبيه، عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: أتي رسول الله - ﷺ - برجل قتل عبده متعمداً فجلده رسول الله - ﷺ - مائة، ونفاه سنة، ومحا اسمه من المسلمين، ولم يقده به.
QS 5:32 (jilid 2 hlm. 92) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 2 · hlm. 92 · #97052
أبيه، عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: أتي رسول الله - ﷺ - برجل قتل عبده متعمداً فجلده رسول الله - ﷺ - مائة، ونفاه سنة، ومحا اسمه من المسلمين، ولم يقده به. ولكن إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة متروك. ومن أدلتهم على أن الحر لا يقتل بعبد ما رواه البيهقي وغيره عن عمر بن الخطاب أنه جاءته جارية اتهمها سيدها فأقعدها في النار، فاحترق فرجها، فقال ﵁: والذي نفسي بيده لو لم أسمع رسول الله - ﷺ - يقول: "لا يقاد مملوك من مالكه، ولا ولد من والده لأقدناها منك فبَزَره، وضربه مائة سوط، وقال للجارية: اذهبي فأنت حرة لوجه الله، وأنت مولاة الله ورسوله". قال أبو صالح: وقال الليث: وهذا القول معمول به. وفي إسناد هذا الحديث عمر بن عيسى القرشي الأسدي.
QS 5:32 (jilid 2 hlm. 92) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 2 · hlm. 92 · #97053
ية: اذهبي فأنت حرة لوجه الله، وأنت مولاة الله ورسوله". قال أبو صالح: وقال الليث: وهذا القول معمول به. وفي إسناد هذا الحديث عمر بن عيسى القرشي الأسدي. ذكر البيهقي عن أبي أحمد أنه سمع ابن حماد يذكر عن البخاري أنه منكر الحديث. وقال فيه الشوكاني: هو منكر الحديث، كما قال البخاري ومن أدلتهم على أن الحر لا يقتل بعبد ما رواه الدارقطني، والبيهقي عن ابن عباس أن النبي - ﷺ -، "لا يقتل حر بعبد" قال البيهقي بعد أن ساق هذا الحديث: وفي هذا الإسناد ضعف. وإسناده المذكور فيه جويبر، وهو ضعيف جداً. وقال الشوكاني في إسناد هذا الحديث: فيه جويبر وغيره من المتروكين.
QS 5:32 (jilid 2 hlm. 93) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 2 · hlm. 93 · #97054
بعد أن ساق هذا الحديث: وفي هذا الإسناد ضعف. وإسناده المذكور فيه جويبر، وهو ضعيف جداً. وقال الشوكاني في إسناد هذا الحديث: فيه جويبر وغيره من المتروكين. ومن أدلتهم على أن الحر لا يقتل بعبد ما رواه البيهقي وغيره من طريق جابر بن زيد الجعفي، عن علي ﵁ أنه قال: "من السنة ألا يقتل حر بعبد" تفرد بهذا الحديث جابر المذكور، وقد ضعفه الأكثر، وقال فيه ابن حجر في التقريب: ضعيف رافضي، وقال فيه النسائي: متروك، ووثقه قوم منهم الثوري، وذكر البيهقي في السنن الكبرى في باب "النهي عن الإمامة جالساً" عن الدارقطني: أنه متروك. ومن أدلتهم أيضاً ما رواه البيهقي في السنن الكبرى من طريق المثنى بن الصباح، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده
QS 5:32 (jilid 2 hlm. 93) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 2 · hlm. 93 · #97055
ن الإمامة جالساً" عن الدارقطني: أنه متروك. ومن أدلتهم أيضاً ما رواه البيهقي في السنن الكبرى من طريق المثنى بن الصباح، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: كان لزنباع عبد يسمى سندرا، أو ابن سندر فوجده يقبل جارية له فأخذه فجبه، وجدع أذنيه وأنفه، فأتى إلى النبي - ﷺ - فقال: "من مثل بعبده أو حرقه بالنار فهو حر، ومولى الله ورسوله فأعتقه رسول الله - ﷺ -، ولم يقده منه، فقال: يا رسول الله أوص بي، فقال: أوصي بك كل مسلم". قال البيهقي بعد أن ساق هذا الحديث: المثنى بن الصباح ضعيف لا يحتج به، وقد روي عن الحجاج بن أرطاة عن عمرو مختصراً، ولا يحتج به، وقد قدمنا في آية التيمم تضعيف بن أرطاة وروي عن سوار بن أبي حمزة، وليس بالقوي، والله أعلم.
QS 5:32 (jilid 2 hlm. 94) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 2 · hlm. 94 · #97056
ه، وقد روي عن الحجاج بن أرطاة عن عمرو مختصراً، ولا يحتج به، وقد قدمنا في آية التيمم تضعيف بن أرطاة وروي عن سوار بن أبي حمزة، وليس بالقوي، والله أعلم. هكذا قال البيهقي. قال مقيده - عفا الله عنه -: سوار بن أبي حمزة من رجال مسلم، وقال فيه ابن حجر في [التقريب]: صدوق له أوهام. ومن أدلتهم أيضاً ما أخرجه أبو داود من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جده قال: "جاء رجل مستصرخ إلى النبي - ﷺ -، فقال: حادثة لي يا رسول الله، فقال: ويحك ما لك؟ فقال: شر، أبصر لسيده جارية فغار فجب مذاكيره، فقال رسول الله - ﷺ -: علي بالرجل، فطلب فلم يقدر عليه فقال رسول الله - ﷺ -: اذهب فأنت حر، فقال: يا رسول الله على من نصرتي؟
QS 5:32 (jilid 2 hlm. 94) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 2 · hlm. 94 · #97057
يده جارية فغار فجب مذاكيره، فقال رسول الله - ﷺ -: علي بالرجل، فطلب فلم يقدر عليه فقال رسول الله - ﷺ -: اذهب فأنت حر، فقال: يا رسول الله على من نصرتي؟ قال: على كل مؤمن، أو قال: على كل مسلم. ومن أدلتهم: ما أخرجه البيهقي في السنن الكبرى عن أبي جعفر، عن بكير أنه قال: مضت السنة بألا يقتل الحر المسلم بالعبد وإن قتله عمداً، وعليه العقل. ومن أدلتهم أيضاً ما أخرجه البيهقي أيضاً عن الحسن، وعطاء، والزهري وغيرهم من قولهم: إنه لا يقتل حر بعبد. وأخرج أحمد، وابن أبي شيبة، والبيهقي عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده "أن أبا بكر وعمر كانا لا يقتلان الحر بالعبد" وهذه الروايات الكثيرة وإن كانت لا يخلو شيء منها من مقال، فإن بعضها يشد بعضاً، ويقويه حتى يصلح المجموع للاحتجاج. قال الشوكاني في [نيل الأوطار] ما نصه: وثانياً بالأحاديث القاضية، بأنه لا يقتل حر بعبد، فإنها قد رويت من طرق متعددة يقوي بعضها بعضاً، فتصلح للاحتجاج.
QS 5:32 (jilid 2 hlm. 95) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 2 · hlm. 95 · #97058
. قال الشوكاني في [نيل الأوطار] ما نصه: وثانياً بالأحاديث القاضية، بأنه لا يقتل حر بعبد، فإنها قد رويت من طرق متعددة يقوي بعضها بعضاً، فتصلح للاحتجاج. قال مقيده - عفا الله عنه -: وتعتضد هذه الأدلة على ألا يقتل حر بعبد بإطباقهم على عدم القصاص للعبد من الحر فيما دون النفس، فإذا لم يقتص له منه في الأطراف فعدم القصاص في النفس من باب أولى. ولم يخالف في أنه لا قصاص للعبد من الحر فيما دون النفس إلا داود، وابن أبي ليلى. وتعتضد أيضاً بإطباق الحجة من العلماء على أنه إن قتل خطأ ففيه القيمة، لا الدية.
QS 5:32 (jilid 2 hlm. 95) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 2 · hlm. 95 · #97059
ف في أنه لا قصاص للعبد من الحر فيما دون النفس إلا داود، وابن أبي ليلى. وتعتضد أيضاً بإطباق الحجة من العلماء على أنه إن قتل خطأ ففيه القيمة، لا الدية. وقيده جماعة بما إذا لم تزد قيمته عن دية الحر. وتعتضد أيضاً بأن شبه العبد بالمال أقوى من شبهه بالحر، من حيث إنه يجري فيه ما يجري في المال من بيع وشراء، وإرث وهدية وصدقه إلى غير ذلك من أنواع التصرف، وبأنه لو قذفه حر ما وجب عليه الحد عند عامة العلماء إلا ما روي عن ابن عمر، والحسن، وأهل الظاهر من وجوبه في قذف أم الولد خاصة. ويدل على عدم حد الحر بقذفه العبد ما رواه البخاري في صحيحه، عن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت أبا القاسم - ﷺ - يقول: "من قذف مملوكه -وهو بريء مما يقول- جلد يوم القيامة إلا أن يكون كما قال" وهو يدل على عدم جلده في الدنيا، كما هو ظاهر. هذا ملخص كلام العلماء في حكم قتل الحر بالعبد. وأما قتل المسلم بالكافر فجمهور العلماء على منعه.
QS 5:32 (jilid 2 hlm. 96) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 2 · hlm. 96 · #97060
كما قال" وهو يدل على عدم جلده في الدنيا، كما هو ظاهر. هذا ملخص كلام العلماء في حكم قتل الحر بالعبد. وأما قتل المسلم بالكافر فجمهور العلماء على منعه. منهم مالك، والشافعي، وأحمد، وروي ذلك عن عمر، وعثمان، وعلي، وزيد بن ثابت، ومعاوية ﵃، وبه قال عمر بن عبد العزيز، وعطاء، وعكرمة، والحسن والزهري، وابن شبرمة، والثوري والأوزاعي، وإسحاق، وأبو عبيد، وأبو ثور، وابن المنذر، كما نقله عنهم ابن قدامة في المغني وغيره. ورواه البيهقي عن عمر، وعثمان وغيرهم. وذهب أبو حنيفة، والنخعي والشعبي إلى أن المسلم يقتل بالذمي، واستدلوا بعموم النفس بالنفس في الآية، والحديث المتقدمين، وبالحديث الذي رواه ربيعة بن أبي عبد الرحمن، عن ابن البيلماني، عن ابن عمر "أن النبي - ﷺ - قتل مسلماً بمعاهد" وهو مرسل من رواية ضعيف؛ فابن البيلماني لا يحتج به لو وصل، فكيف وقد أرسل. وترجم البيهقي في [السنن الكبرى] لهذا الحديث بقوله: باب بيان ضعف الخبر الذي روي في قتل المؤمن بالكافر، وما جاء عن الصحابة في ذلك، وذكر طرقه وبين ضعفها كلها.
QS 5:32 (jilid 2 hlm. 97) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 2 · hlm. 97 · #97061
البيهقي في [السنن الكبرى] لهذا الحديث بقوله: باب بيان ضعف الخبر الذي روي في قتل المؤمن بالكافر، وما جاء عن الصحابة في ذلك، وذكر طرقه وبين ضعفها كلها. ومن جملة ما قال: أخبرنا أبو بكر بن الحارث الفقيه، قال: قال أبو الحسن علي بن عمر الدارقطني الحافظ: ابن البيلماني، ضعيف لا تقوم به حجة إذا وصل الحديث، فكيف بما يرسله. والله أعلم. وقال القرطبي في تفسير قوله تعالى: ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ﴾ الآية. ما نصه: ولا يصح لهم ما رووه من حديث ربيعة "أن النبي - ﷺ - قتل يوم خيبر مسلماً بكافر" لأنه منقطع، ومن حديث ابن البيلماني -وهو ضعيف- عن ابن عمر عن النبي - ﷺ - مرفوعاً، قال الدارقطني: لم يسنده غير إبراهيم بن أبي يحيى، وهو متروك الحديث، والصواب عن ربيعة، عن ابن البيلماني مرسل عن النبي - ﷺ -، وابن البيلماني ضعيف الحديث، لا تقوم به حجة إذا وصل الحديث، فكيف بما يرسله.
QS 5:32 (jilid 2 hlm. 97) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 2 · hlm. 97 · #97062
، وهو متروك الحديث، والصواب عن ربيعة، عن ابن البيلماني مرسل عن النبي - ﷺ -، وابن البيلماني ضعيف الحديث، لا تقوم به حجة إذا وصل الحديث، فكيف بما يرسله. فإذا عرفت ضعف الاستدلال على قتل المسلم بالكافر فاعلم أن كونه لا يقتل به ثابت عن رسول الله - ﷺ - ثبوتاً لا مطعن فيه مبيناً بطلان تلك الأدلة التي لا يعول عليها. فقد أخرج البخاري في صحيحه في باب "كتابة العلم" وفي باب "لا يقتل المسلم بالكافر" أن أبا جحيفة سأل علياً ﵁: هل عندكم شيء مما ليس في القرآن؟ فقال: لا، والذي فلق الحبة، وبرأ النسمة إلا فهماً يعطيه الله رجلاً في كتابه، وما في هذه الصحيفة قلت: وما في الصحيفة؟
QS 5:32 (jilid 2 hlm. 97) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 2 · hlm. 97 · #97063
: هل عندكم شيء مما ليس في القرآن؟ فقال: لا، والذي فلق الحبة، وبرأ النسمة إلا فهماً يعطيه الله رجلاً في كتابه، وما في هذه الصحيفة قلت: وما في الصحيفة؟ قال: العقل، وفكاك الأسير، وألا يقتل مسلم بكافر. فهذا نص صحيح قاطع للنزاع، مخصص لعموم النفس بالنفس، مبين عدم صحة الأخبار المروية بخلافه، ولم يصح في الباب شيء يخالفه. قال ابن كثير في تفسيره بعد أن ساق حديث علي هذا: ولا يصح حديث، ولا تأويل يخالف هذا. وقال القرطبي في تفسيره: قلت: فلا يصح في الباب إلا حديث البخاري، وهو يخصص عموم قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ الآية، وعموم قوله تعالى: ﴿أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾. فهذا الذي ذكرنا في هذا المبحث هو تحقيق المقام في حكم القصاص في الأنفس بين الذكور والإناث، والأحرار والعبيد، والمسلمين والكفار.
QS 5:32 (jilid 2 hlm. 98) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 2 · hlm. 98 · #97064
النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾. فهذا الذي ذكرنا في هذا المبحث هو تحقيق المقام في حكم القصاص في الأنفس بين الذكور والإناث، والأحرار والعبيد، والمسلمين والكفار. وأما حكم القصاص بينهم في الأطراف، فجمهور العلماء على أنه تابع للقصاص في الأنفس، فكل شخصين يجري بينهما القصاص في النفس، فإنه يجري بينهما في الأطراف، فيقطع الحر المسلم بالحر المسلم، والعبد بالعبد، والذمي بالذمي، والذكر بالأنثى، والأنثى بالذكر، ويقطع الناقص بالكامل، كالعبد بالحر، والكافر بالمسلم. ومشهور مذهب مالك أن الناقص لا يقتص منه للكامل في الجراح، فلا يقتص من عبد جرح حراً، ولا من كافر جرح مسلماً، وهو مراد خليل بن إسحاق المالكي بقوله في مختصره: والجرح كالنفس في الفعل، والفاعل والمفعول، إلا ناقصاً جرح كاملاً يعني فلا يقتص منه له. ورواية ابن القصار عن مالك وجوب القصاص وفاقاً للأكثر، ومن لا يقتل بقتله لا يقطع طرفه بطرفه، فلا يقطع مسلم بكافر، ولا حر بعبد.
QS 5:32 (jilid 2 hlm. 99) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 2 · hlm. 99 · #97065
اً يعني فلا يقتص منه له. ورواية ابن القصار عن مالك وجوب القصاص وفاقاً للأكثر، ومن لا يقتل بقتله لا يقطع طرفه بطرفه، فلا يقطع مسلم بكافر، ولا حر بعبد. وممن قال بهذا مالك، والشافعي، وأحمد، والثوري، وأبو ثور، وإسحاق، وابن المنذر، كما نقله عنهم صاحب المغني، وغيره. وقال أبو حنيفة: لا قصاص في الأطراف بين مختلفي البدل، فلا يقطع الكامل بالناقص، ولا الناقص بالكامل، ولا الرجل بالمرأة، ولا المرأة بالرجل، ولا الحر بالعبد، ولا العبد بالحر. ويقطع المسلم بالكافر، والكافر بالمسلم؛ لأن التكافؤ معتبر في الأطراف بدليل أن الصحيحة لا تؤخذ بالشلاء، ولا الكاملة بالناقصة، فكذلك لا يؤخذ طرف الرجل بطرف المرأة، ولا يؤخذ طرفها بطرفه، كما لا تؤخذ اليسرى باليمنى.
QS 5:32 (jilid 2 hlm. 99) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 2 · hlm. 99 · #97066
الأطراف بدليل أن الصحيحة لا تؤخذ بالشلاء، ولا الكاملة بالناقصة، فكذلك لا يؤخذ طرف الرجل بطرف المرأة، ولا يؤخذ طرفها بطرفه، كما لا تؤخذ اليسرى باليمنى. وأجيب من قبل الجمهور، بأن من يجري بينهما القصاص في النفس يجرى في الطرف بينهما، كالحرين، وما ذكره المخالف يبطل بالقصاص في النفس، فإن التكافؤ فيه معتبر بدليل أن المسلم لا يقتل بمستأمن، ثم يلزمه أن يأخذ الناقصة بالكاملة؛ لأن المماثلة قد وجدت، ومعها زيادة، فوجب أخذها بها إذا رضي المستحق، كما تؤخذ ناقصة الأصابع بكاملة الأصابع. وأما اليسار واليمين فيجريان مجرى النفس؛ لاختلاف محليهما، ولهذا استوى بدلهما، فعلم أنها ليست ناقصة عنها شرعاً، وأن العلة فيهما ليست كما ذكر المخالف.
QS 5:32 (jilid 2 hlm. 99) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 2 · hlm. 99 · #97067
. وأما اليسار واليمين فيجريان مجرى النفس؛ لاختلاف محليهما، ولهذا استوى بدلهما، فعلم أنها ليست ناقصة عنها شرعاً، وأن العلة فيهما ليست كما ذكر المخالف. قاله ابن قدامة في المغني. ومن الدليل على جريان القصاص في الأطراف بين من جرى بينهم في الأنفس قوله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ ووما روي عن الإمام أحمد من أنه لا قصاص بين العبيد فيما دون النفس، وهو قول الشعبي، والثوري، والنخعي، وفاقاً لأبي حنيفة معللين بأن أطراف العبيد مال كالبهائم يرد عليه بدليل الجمهور الذي ذكرنا آنفاً، وبأن أنفس العبيد مال أيضاً كالبهائم، مع تصريح الله تعالى بالقصاص فيها في قوله تعالى: ﴿وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ﴾. واعلم أنه يشترط للقصاص فيما دون النفس ثلاثة شروط: الأول: كونه عمداً، وهذا يشترط في قتل النفس بالنفس أيضاً. الثاني: كونهما يجري بينهما القصاص في النفس.
QS 5:32 (jilid 2 hlm. 100) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 2 · hlm. 100 · #97068
واعلم أنه يشترط للقصاص فيما دون النفس ثلاثة شروط: الأول: كونه عمداً، وهذا يشترط في قتل النفس بالنفس أيضاً. الثاني: كونهما يجري بينهما القصاص في النفس. الثالث: إمكان الاستيفاء من غير حيف، ولا زيادة؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ الآية، ويقول: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ فإن لم يمكن استيفاؤه من غير زيادة سقط القصاص، ووجبت الدية، ولأجل هذا أجمع العلماء على أن ما يمكن استيفاؤه من غير حيف، ولا زيادة فيه القصاص المذكور في الآية، في قوله تعالى: ﴿وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ﴾، وكالجراح التي تكون في مفصل، كقطع اليد، والرجل من مفصليهما. واختلفوا في قطع العضو من غير مفصل، بل من نفس العظم، فمنهم من أوجب فيه القصاص، نظراً إلى أنه يمكن من غير زيادة.
QS 5:32 (jilid 2 hlm. 101) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 2 · hlm. 101 · #97069
ي مفصل، كقطع اليد، والرجل من مفصليهما. واختلفوا في قطع العضو من غير مفصل، بل من نفس العظم، فمنهم من أوجب فيه القصاص، نظراً إلى أنه يمكن من غير زيادة. وممن قال بهذا مالك، فأوجب القصاص في قطع العظم من غير المفصل إلا فيما يخشى منه الموت كقطع الفخذ، ونحوها. وقال الشافعي: لا يجب القصاص في شيء من العظام مطلقاً، وهو مروي عن عمر بن الخطاب، وابن عباس، وبه يقول عطاء، والشعبي، والحسن البصري، والزهري، وإبراهيم النخعي، وعمر بن عبد العزيز، وإليه ذهب سفيان الثوري، والليث بن سعد، وهو مشهور مذهب الإمام أحمد، كما نقله عنهم ابن كثير، وغيره. وقال أبو حنيفة وصاحباه: لا يجب القصاص في شيء من العظام إلا في السن.
QS 5:32 (jilid 2 hlm. 101) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 2 · hlm. 101 · #97070
الثوري، والليث بن سعد، وهو مشهور مذهب الإمام أحمد، كما نقله عنهم ابن كثير، وغيره. وقال أبو حنيفة وصاحباه: لا يجب القصاص في شيء من العظام إلا في السن. استدل من قال لا قصاص في قطع العظم من غير المفصل، بما رواه ابن ماجه من طريق أبي بكر بن عياش، عن دهثم بن قران، عن نمران بن جارية، عن أبيه جارية بن ظفر الحنفي، أن رجلاً ضرب رجلاً على ساعده بالسيف من غير المفصل فقطعها، فاستعدى النبي - ﷺ -، فأمر له بالدية، فقال: يا رسول الله أريد القصاص، فقال: "خذ الدية بارك الله لك فيها" ولم يقض له بالقصاص. قال ابن عبد البر: ليس لهذا الحديث غير هذا الإسناد، ودهثم بن قران العكلي ضعيف أعرابي، ليس حديثه مما يحتج به، ونمران بن جارية ضعيف أعرابي أيضاً، وأبوه جارية بن ظفر مذكور في الصحابة. اهـ. من ابن كثير وقال ابن حجر في [التقريب] في دهثم المذكور: متروك، وفي نمران المذكور: مجهول.
QS 5:32 (jilid 2 hlm. 101) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 2 · hlm. 101 · #97071
ضعيف أعرابي أيضاً، وأبوه جارية بن ظفر مذكور في الصحابة. اهـ. من ابن كثير وقال ابن حجر في [التقريب] في دهثم المذكور: متروك، وفي نمران المذكور: مجهول. واختلاف العلماء في ذلك إنما هو من اختلافهم في تحقيق مناط المسألة، فالذين يقولون بالقصاص: يقولون: إنه يمكن من غير حيف، والذين يقولون: بعدمه يقولون: لا يمكن إلا بزيادة، أو نقص، وهم الأكثر. ومن هنا منع العلماء القصاص، فيما يظن به الموت، كما بعد الموضحة من منقلة أطارت بعض عظام الرأس، أو مأمومة وصلت إلى أم الدماغ، أو دامغة خرقت خريطته، وكالجائفة، وهي التي نفذت إلى الجوف، ونحو ذلك للخوف من الهلاك. وأنكر الناس على ابن الزبير القصاص في المأمومة، وقالوا: ما سمعنا بأحد قاله قبله. واعلم أن العين الصحيحة لا تؤخذ بالعوراء، واليد الصحيحة لا تؤخذ بالشلاء، ونحو ذلك.
QS 5:32 (jilid 2 hlm. 102) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 2 · hlm. 102 · #97072
على ابن الزبير القصاص في المأمومة، وقالوا: ما سمعنا بأحد قاله قبله. واعلم أن العين الصحيحة لا تؤخذ بالعوراء، واليد الصحيحة لا تؤخذ بالشلاء، ونحو ذلك. كما هو ظاهر. تنبيه إذا اقتص المجني عليه من الجاني فيما دون النفس، فمات من القصاص فلا شيء على الذي اقتص منه عند مالك والشافعي وأحمد بن حنبل، وهو قول الجمهور من الصحابة والتابعين، وغيرهم. وقال أبو حنيفة: تجب الدية في مال المقتص، وقال الشعبي وعطاء، وطاوس، وعمرو بن دينار، والحارث العكلي، وابن أبي ليلى، وحماد بن أبي سليمان، والزهري، والثوري: تجب الدية على عاقلة المقتص له. وقال ابن مسعود، وإبراهيم النخعي، والحكم بن عتيبة، وعثمان البتي: يسقط عن المقتص له قدر تلك الجراحة، ويجب الباقي في ماله.
QS 5:32 (jilid 2 hlm. 103) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 2 · hlm. 103 · #97073
جب الدية على عاقلة المقتص له. وقال ابن مسعود، وإبراهيم النخعي، والحكم بن عتيبة، وعثمان البتي: يسقط عن المقتص له قدر تلك الجراحة، ويجب الباقي في ماله. قاله ابن كثير. والحق أن سراية القود غير مضمونة؛ لأن من قتله القود، قتله الحق، كما روي عن أبي بكر، وعمر، وغيرهما، بخلاف سراية الجناية، فهي مضمونة، والفرق بينهما ظاهر جداً. واعلم أنه لا تؤخذ عين، ولا أذن، ولا يد يسرى بيمنى، ولا عكس ذلك، لوجوب اتحاد المحل في القصاص، وحكي عن ابن سيرين، وشريك أنهما قالا: بأن إحداهما تؤخذ بالأخرى، والأول قول أكثر أهل العلم. واعلم أنه يجب تأخير القصاص في الجراح حتى تندمل جراحة المجني عليه، فإن اقتص منه قبل الاندمال، ثم زاد جرحه، فلا شيء له.
QS 5:32 (jilid 2 hlm. 103) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 2 · hlm. 103 · #97074
أخرى، والأول قول أكثر أهل العلم. واعلم أنه يجب تأخير القصاص في الجراح حتى تندمل جراحة المجني عليه، فإن اقتص منه قبل الاندمال، ثم زاد جرحه، فلا شيء له. والدليل على ذلك، ما رواه الإمام أحمد، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه جده، أن رجلاً طعن رجلاً بقرن في ركبته، فجاء إلى النبي - ﷺ -، فقال: "أقدني، فقال: حتى تبرأ، ثم جاء إليه، فقال: أقدني، فأقاده، فقال: يا رسول الله عرجت، فقال: قد نهيتك فعصيتني، فأبعدك الله، وبطل عرجك، ثم نهى رسول الله - ﷺ - أن يقتص من جرح قبل أن يبرأ صاحبه" تفرد به أحمد. قاله ابن كثير. وقال بعض العلماء بجواز تعجيل القصاص قبل البرء. وقد عرفت من حديث عمرو بن شعيب المذكور آنفاً أن سراية الجناية بعد القصاص هدر. وقال أبو حنيفة، والشافعي: ليست هدر، بل هي مضمونة. والحديث حجة عليهما، رحمهما الله تعالى، ووجهه ظاهر؛ لأنه استعجل ما لم يكن له استعجاله، فأبطل الشارع حقه. وإذا عرفت مما ذكرنا تفصيل مفهوم قوله تعالى أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ الآية.
QS 5:32 (jilid 2 hlm. 104) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 2 · hlm. 104 · #97075
ر؛ لأنه استعجل ما لم يكن له استعجاله، فأبطل الشارع حقه. وإذا عرفت مما ذكرنا تفصيل مفهوم قوله تعالى أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ الآية. فاعلم أن مفهوم قوله: ﴿أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ﴾ هو المذكور في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَاداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾. قال ابن كثير في تفسيره: المحاربة هي المخالفة والمضادة، وهي صادقة على الكفر، وعلى قطع الطريق، وإخافة السبيل، وكذا الإفساد في الأرض، يطلق على أنواع من الشر.
QS 5:32 (jilid 2 hlm. 104) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 2 · hlm. 104 · #97076
بن كثير في تفسيره: المحاربة هي المخالفة والمضادة، وهي صادقة على الكفر، وعلى قطع الطريق، وإخافة السبيل، وكذا الإفساد في الأرض، يطلق على أنواع من الشر. وقد قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ (٢٠٥)﴾. فإذا علمت ذلك فاعلم أن المحارب الذي يقطع الطريق، ويخيف السبيل ذكر الله أن جزاءه واحدة من أربع خلال هي: أن يقتلوا، أو يصلبوا، أو تقطع أيديهم، وأرجلهم من خلاف، أو ينفوا من الأرض.
QS 5:32 (jilid 2 hlm. 104) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 2 · hlm. 104 · #97077
ارب الذي يقطع الطريق، ويخيف السبيل ذكر الله أن جزاءه واحدة من أربع خلال هي: أن يقتلوا، أو يصلبوا، أو تقطع أيديهم، وأرجلهم من خلاف، أو ينفوا من الأرض. وظاهر هذه الآية الكريمة أن الإمام مخير فيها؛ يفعل ما شاء منها بالمحارب، كما هو مدلول أو؛ لأنها تدل على التخيير. ونظيره في القرآن قوله تعالى: ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ وقوله تعالى: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ وقوله تعالى: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْياً بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَاماً﴾.
QS 5:32 (jilid 2 hlm. 105) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 2 · hlm. 105 · #97078
قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْياً بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَاماً﴾. وكون الإمام مخيراً بينهما مطلقاً من غير تفصيل هو مذهب مالك، وبه قال سعيد بن المسيب، ومجاهد، وعطاء، والحسن البصري، وإبراهيم النخعي، والضحاك، كما نقله عنهم ابن جرير، وغيره، وهو رواية ابن أبي طلحة، عن ابن عباس، ونقله القرطبي عن أبي ثور، وسعيد بن المسيب، وعمر بن عبد العزيز، ومجاهد، والضحاك، والنخعي، ومالك، وقال: وهو مروي عن ابن عباس. ورجح المالكية هذا القول بأن اللفظ فيه مستقل غير محتاج إلى تقدير محذوف؛ لأن اللفظ إذا دار بين الاستقلال والافتقار إلى تقدير محذوف فالاستقلال مقدم؛ لأنه هو الأصل إلا بدليل منفصل على لزوم تقدير المحذوف، وإلى هذا أشار في [مراقي السعود] بقوله: كذاك ما قابل ذا اعتلال ... من التأصل والاستقلال إلى قوله: كذاك ترتيب لإيجاب العمل ...
QS 5:32 (jilid 2 hlm. 105) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 2 · hlm. 105 · #97079
على لزوم تقدير المحذوف، وإلى هذا أشار في [مراقي السعود] بقوله: كذاك ما قابل ذا اعتلال ... من التأصل والاستقلال إلى قوله: كذاك ترتيب لإيجاب العمل ... بماله الرجحان مما يحتمل والرواية المشهورة عن ابن عباس أن هذه الآية منزلة على أحوال، وفيها قيود مقدرة. وإيضاحه: أن المعنى أن يقتلوا إذا قتلوا ولم يأخذوا المال، أو يصلبوا إذا قتلوا وأخذوا المال، أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف إذا أخذوا المال ولم يقتلوا أحداً ولم يأخذوا مالاً. وبهذا قال الشافعي، وأحمد، وأبو مجلز، وسعيد بن جبير، وإبراهيم النخعي، والحسن، وقتادة، والسدي، وعطاء الخراساني، وغير واحد من السلف والأئمة.
QS 5:32 (jilid 2 hlm. 106) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 2 · hlm. 106 · #97080
خذوا مالاً. وبهذا قال الشافعي، وأحمد، وأبو مجلز، وسعيد بن جبير، وإبراهيم النخعي، والحسن، وقتادة، والسدي، وعطاء الخراساني، وغير واحد من السلف والأئمة. قاله ابن كثير. ونقله القرطبي، وابن جرير، عن ابن عباس، وأبي مجلز، وعطاء الخراساني، وغيرهم. ونقل القرطبي عن أبي حنيفة إذا قتل قتل، وإذا أخذ المال ولم يقتل قطعت يده ورجله من خلاف، وإذا أخذ المال وقتل فالسلطان مخير فيه إن شاء قطع يده ورجله، وإن شاء لم يقطع وقتله وصلبه. ولا يخفى أن الظاهر المتبادر من الآية هو القول الأول؛ لأن الزيادة على ظاهر القرآن بقيود تحتاج إلى نص من كتاب، أو سنة. وتفسير الصحابي لهذا بذلك ليس له حكم الرفع، لإمكان أن يكون عن اجتهاد منه.
QS 5:32 (jilid 2 hlm. 106) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 2 · hlm. 106 · #97081
القول الأول؛ لأن الزيادة على ظاهر القرآن بقيود تحتاج إلى نص من كتاب، أو سنة. وتفسير الصحابي لهذا بذلك ليس له حكم الرفع، لإمكان أن يكون عن اجتهاد منه. ولا نعلم أحداً روى في تفسير هذه الآية بالقيود المذكورة خبراً مرفوعاً إلا ما رواه ابن جرير في تفسيره عن أنس: حدثنا علي بن سهل، قال: حدثنا الوليد بن مسلم، عن ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، أن عبد الملك بن مروان كتب إلى أنس بن مالك يسأله عن هذه الآية، فكتب إليه أنس يخبره أن هذه الآية نزلت في أولئك النفر العرنيين إلى أن قال: قال أنس: "فسأل رسول الله - ﷺ - جبريل عن القضاء فيمن حارب، فقال: من سرق، وأخاف السبيل فاقطع يده بسرقته، ورجله بإخافته، ومن قتل فاقتله، ومن قتل وأخاف السبيل، واستحل الفرج الحرام فاصلبه". وهذا الحديث لو كان ثابتاً لكان قاطعاً للنزاع، ولكن فيه ابن لهيعة، ومعلوم أنه خلط بعد احتراق كتبه، ولا يحتج به. وهذا الحديث ليس راويه عنه ابن المبارك، ولا ابن وهب؛ لأن روايتهما عنه أعدل من رواية غيرهما.
QS 5:32 (jilid 2 hlm. 106) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 2 · hlm. 106 · #97082
يه ابن لهيعة، ومعلوم أنه خلط بعد احتراق كتبه، ولا يحتج به. وهذا الحديث ليس راويه عنه ابن المبارك، ولا ابن وهب؛ لأن روايتهما عنه أعدل من رواية غيرهما. وابن جرير نفسه يرى عدم صحة هذا الحديث الذي ساقه؛ لأنه قال في سوقه للحديث المذكور: وقد روي عن رسول الله - ﷺ - بتصحيح ما قلنا في ذلك بما في إسناده نظر، وذلك ما حدثنا به علي بن سهل، حدثنا الوليد بن مسلم. إلى آخر الإسناد الذي قدمنا آنفاً، وذكرنا معه محل الغرض من المتن. ولكن هذا الحديث وإن كان ضعيفاً فإنه يقوي هذا القول الذي عليه أكثر أهل العلم، ونسبه ابن كثير للجمهور. واعلم أن الصلب المذكور في قوله: ﴿أَوْ يُصَلَّبُوا﴾ اختلف فيه العلماء، فقيل: يصلب حياً، ويمنع من الشراب، والطعام، حتى يموت، وقيل: يصلب حياً، ثم يقتل برمح، ونحوه، مصلوباً، وقيل: يقتل أولاً، ثم يصلب بعد القتل، وقيل: ينزل بعد ثلاثة أيام، وقيل: يترك حتى يسيل صديده، والظاهر أنه يصلب بعد القتل زمناً يحصل فيه اشتهار ذلك؛ لأن صلبه ردع لغيره.
QS 5:32 (jilid 2 hlm. 107) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 2 · hlm. 107 · #97083
اً، ثم يصلب بعد القتل، وقيل: ينزل بعد ثلاثة أيام، وقيل: يترك حتى يسيل صديده، والظاهر أنه يصلب بعد القتل زمناً يحصل فيه اشتهار ذلك؛ لأن صلبه ردع لغيره. وكذلك قوله: ﴿أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾ اختلف العلماء في المراد بالنفي فيه أيضاً، فقال بعضهم: معناه أن يطلبوا حتى يقدر عليهم، فيقام عليهم الحد، أو يهربوا من دار الإسلام، وهذا القول رواه ابن جرير، عن ابن عباس، وأنس بن مالك، وسعيد بن جبير، والضحاك، والربيع بن أنس، والزهري، والليث بن سعد، ومالك بن أنس. وقال آخرون: هو أن ينفوا من بلدهم إلى بلد آخر، أو يخرجهم السلطان، أو نائبه، من عمالته بالكلية، وقال عطاء الخراساني، وسعيد بن جبير، وأبو الشعثاء، والحسن والزهري، والضحاك، ومقاتل بن حيان: إنهم ينفون ولا يخرجون من أرض الإسلام. وذهب جماعة إلى أن المراد بالنفي في الآية السجن؛ لأنه نفي من سعة الدنيا إلى ضيق السجن، فصار المسجون كأنه منفي من الأرض إلا من موضع استقراره؛ واحتجوا بقول بعض المسجونين في ذلك: خرجنا من الدنيا ونحن من أهلها ...
QS 5:32 (jilid 2 hlm. 108) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 2 · hlm. 108 · #97084
سعة الدنيا إلى ضيق السجن، فصار المسجون كأنه منفي من الأرض إلا من موضع استقراره؛ واحتجوا بقول بعض المسجونين في ذلك: خرجنا من الدنيا ونحن من أهلها ... فلسنا من الأموات فيها ولا الأحيا إذا جاءنا السجان يوماً لحاجة ... عجبنا وقلنا: جاء هذا من الدنيا وهذا قول أبي حنيفة وأصحابه. ولا يخفى عدم ظهوره. واختار ابن جرير أن المراد بالنفي في هذه الآية أن يخرج من بلده إلى بلد آخر، فيسجن فيه. وروي نحوه عن مالك أيضاً. وله اتجاه؛ لأن التغريب عن الأوطان نوع من العقوبة، كما يفعل بالزاني البكر. وهذا أقرب الأقوال، لظاهر الآية؛ لأنه من المعلوم إنه لا يراد نفيهم من جميع الأرض إلى السماء! فعلم أن المراد بالأرض أوطانهم التي تشق عليهم مفارقتها.
QS 5:32 (jilid 2 hlm. 108) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 2 · hlm. 108 · #97085
ر. وهذا أقرب الأقوال، لظاهر الآية؛ لأنه من المعلوم إنه لا يراد نفيهم من جميع الأرض إلى السماء! فعلم أن المراد بالأرض أوطانهم التي تشق عليهم مفارقتها. والله تعالى أعلم. مسائل من أحكام المحاربين المسألة الأولى: اعلم أن جمهور العلماء يثبتون حكم المحاربة في الأمصار والطرق على السواء؛ لعموم قوله تعالى: ﴿وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَاداً﴾ وممن قال بهذا الأوزاعي، والليث بن سعد، وهو مذهب الشافعي، ومالك حتى قال في الذي يغتال الرجل فيخدعه، حتى يدخله بيتاً، فيقتله ويأخذ ما معه: إن هذه محاربة، ودمه إلى السلطان، لا إلى ولي المقتول، فلا اعتبار بعفوه عنه في إسقاط القتل. وقال القاضي ابن العربي المالكي: كنت أيام حكمي بين الناس إذا جاءني أحد بسارق، وقد دخل الدار بسكين يحبسه على قلب صاحب الدار، وهو نائم، وأصحابه يأخذون مال الرجل، حكمت فيهم بحكم المحاربين. وتوقف الإمام أحمد في ذلك، وظاهر كلام الخرقي أنه لا محاربة إلا في الطرق، فلا يكون محارباً في المصر؛ لأنه يلحقه الغوث.
QS 5:32 (jilid 2 hlm. 109) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 2 · hlm. 109 · #97086
الرجل، حكمت فيهم بحكم المحاربين. وتوقف الإمام أحمد في ذلك، وظاهر كلام الخرقي أنه لا محاربة إلا في الطرق، فلا يكون محارباً في المصر؛ لأنه يلحقه الغوث. وذهب كثير من الحنابلة إلى أنه يكون محارباً في المصر أيضاً، لعموم الدليل. وقال أبو حنيفة، وأصحابه: لا تكون المحاربة إلا في الطرق، وأما في الأمصار فلا؛ لأنه يلحقه الغوث إذا استغاث، بخلاف الطريق لبعده ممن يغيثه، ويعينه. قال ابن كثير: ولا يثبت لهم حكم المحاربة إلا إذا كان عندهم سلاح، ومن جملة السلاح: العصي، والحجارة عند الأكثر؛ لأنها تتلف بها الأنفس والأطراف كالسلاح، خلافاً لأبي حنيفة. المسألة الثانية: إذا كان المال الذي أتلفه المحارب أقل من نصاب السرقة الذي يجب فيه القطع، أو كانت النفس التي قتلها غير مكافئة له، كأن يقتل عبداً، أو كافراً، وهو حر مسلم، فهل يقطع في أقل من النصاب؟ ويقتل بغير الكفؤ أو لا؟
QS 5:32 (jilid 2 hlm. 109) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 2 · hlm. 109 · #97087
لذي يجب فيه القطع، أو كانت النفس التي قتلها غير مكافئة له، كأن يقتل عبداً، أو كافراً، وهو حر مسلم، فهل يقطع في أقل من النصاب؟ ويقتل بغير الكفؤ أو لا؟ اختلف العلماء في ذلك، فقال بعضهم: لا يقطع إلا إذا أخذ ربع دينار، وبهذا قال الشافعي، وأبو حنيفة، وأحمد، وقال مالك: يقطع ولو لم يأخذ نصاباً؛ لأنه يحكم عليه بحكم المحارب. قال ابن العربي: وهو الصحيح؛ لأن الله تعالى حدد على لسان نبيه - ﷺ - ربع دينار لوجوب القطع في السرقة، ولم يحدد في قطع الحرابة شيئاً، ذكر جزاء المحارب، فاقتضى ذلك توفية جزائهم على المحاربة عن حبة، ثم إن هذا قياس أصل على أصل، وهو مختلف فيه، وقياس الأعلى بالأدنى، وذلك عكس القياس، وكيف يصح أن يقاس المحارب على السارق، وهو يطلب خطف المال؟ فإن شعر به فر، حتى إن السارق إذا دخل بالسلاح يطلب المال، فإن منع منه، أو صيح عليه حارب عليه، فهو محارب يحكم عليه بحكم المحاربين.
QS 5:32 (jilid 2 hlm. 110) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 2 · hlm. 110 · #97088
وهو يطلب خطف المال؟ فإن شعر به فر، حتى إن السارق إذا دخل بالسلاح يطلب المال، فإن منع منه، أو صيح عليه حارب عليه، فهو محارب يحكم عليه بحكم المحاربين. اهـ كلام ابن العربي. ويشهد لهذا القول عدم اشتراط الإخراج من حرز فيما يأخذه المحارب في قطعه، وأما قتل المحارب بغير الكفؤ فهو قول أكثر العلماء، وعن الشافعي، وأحمد فيه روايتان. والتحقيق عدم اشتراط المكافأة في قتل الحرابة؛ لأن القتل فيها ليس على مجرد القتل، وإنما هو على الفساد العام من إخافة السبيل، وسلب المال. قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَاداً أَنْ يُقَتَّلُوا﴾ فأمر بإقامة الحدود على المحارب إذا جمع بين شيئين، وهما المحاربة، والسعي في الأرض بالفساد، ولم يخص شريفاً من وضيع، ولا رفيعاً من دنيء، اهـ من القرطبي.
QS 5:32 (jilid 2 hlm. 110) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 2 · hlm. 110 · #97089
فأمر بإقامة الحدود على المحارب إذا جمع بين شيئين، وهما المحاربة، والسعي في الأرض بالفساد، ولم يخص شريفاً من وضيع، ولا رفيعاً من دنيء، اهـ من القرطبي. قال مقيده - عفا الله عنه -: ومما يدل على عدم اعتبار المكافأة في قتل الحرابة إجماع العلماء على أن عفو ولي المقتول في الحرابة لغو لا أثر له، وعلى الحاكم قتل المحارب القاتل، فهو دليل على أنها ليست مسألة قصاص خالص، بل هناك تغليظ زائد من جهة المحاربة. المسألة الثالثة: إذا حمل المحاربون على قافلة مثلاً، فقتل بعضهم بعض القافلة، وبعض المحاربين لم يباشر قتل أحد، فهل يقتل الجميع، أو لا يقتل إلا من باشر القتل، فيه خلاف. والتحقيق قتل الجميع؛ لأن المحاربة مبنية على حصول المنعة والمعاضدة والمناصرة، فلا يتمكن المباشر من فعله إلا بقوة الآخر الذي هو ردء له ومعين على حرابته.
QS 5:32 (jilid 2 hlm. 111) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 2 · hlm. 111 · #97090
التحقيق قتل الجميع؛ لأن المحاربة مبنية على حصول المنعة والمعاضدة والمناصرة، فلا يتمكن المباشر من فعله إلا بقوة الآخر الذي هو ردء له ومعين على حرابته. ولو قتل بعضهم، وأخذ بعضهم المال جاز قتلهم، وصلبهم كلهم؛ لأنهم شركاء في كل ذلك، وخالف في هذا الشافعي ﵀ فقال: لا يجب الحد إلا على من ارتكب المعصية، ولا يتعلق بمن أعانه عليها كسائر الحدود، وإنما عليه التعزير. المسألة الرابعة: إذا كان في المحاربين صبي، أو مجنون، أو أب المقطوع عليه، فهل يسقط الحد عن كلهم؟
QS 5:32 (jilid 2 hlm. 111) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 2 · hlm. 111 · #97091
علق بمن أعانه عليها كسائر الحدود، وإنما عليه التعزير. المسألة الرابعة: إذا كان في المحاربين صبي، أو مجنون، أو أب المقطوع عليه، فهل يسقط الحد عن كلهم؟ ويصير القتل للأولياء إن شاءوا قتلوا، وإن شاءوا عفوا نظراً إلى أن حكم الجميع واحد، فالشبهة في فعل واحد شبهة في الجميع، وهو قول أبي حنيفة، أو لا يسقط الحد غير المذكور من صبي، أو مجنون، أو أب، وهو قول أكثر العلماء، وهو الظاهر. المسألة الخامسة: إذا تاب المحاربون بعد القدرة عليهم، فتوبتهم حينئذ لا تغير شيئاً من إقامة الحدود المذكورة عليهم، وأما إن جاءوا تائبين قبل القدرة عليهم، فليس للإمام عليهم حينئذ سبيل؛ لأنهم تسقط عنهم حدود الله، وتبقى عليهم حقوق الآدميين، فيقتص منهم في الأنفس والجراح، ويلزمهم غرم ما أتلفوه من الأموال، ولولي الدم حينئذ العفو إن شاء، ولصاحب المال إسقاطه عنهم.
QS 5:32 (jilid 2 hlm. 112) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 2 · hlm. 112 · #97092
ه، وتبقى عليهم حقوق الآدميين، فيقتص منهم في الأنفس والجراح، ويلزمهم غرم ما أتلفوه من الأموال، ولولي الدم حينئذ العفو إن شاء، ولصاحب المال إسقاطه عنهم. وهذا قول أكثر العلماء مع الإجماع على سقوط حدود الله عنهم بتوبتهم قبل القدرة عليهم، كما هو صريح قوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾ الآية، وإنما لزم أخذ ما بأيديهم من الأموال، وتضمينهم ما استهلكوا؛ لأن ذلك غصب، فلا يجوز لهم تملكه، وقال قوم من الصحابة والتابعين: لا يطلب المحارب الذي جاء تائباً قبل القدرة عليه إلا بما وجد معه من المال، وأما ما استهلكه، فلا يطلب به، وذكر الطبري هذا عن مالك من رواية الوليد بن مسلم عنه. قال القرطبي: وهو الظاهر من فعل علي بن أبي طالب ﵁ بحارثة بن بدر الغداني، فإنه كان محارباً، ثم تاب قبل القدرة عليه، فكتب له سقوط الأموال والدم عنه كتاباً منشوراً، ونحوه ذكره ابن جرير.
QS 5:32 (jilid 2 hlm. 112) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 2 · hlm. 112 · #97093
علي بن أبي طالب ﵁ بحارثة بن بدر الغداني، فإنه كان محارباً، ثم تاب قبل القدرة عليه، فكتب له سقوط الأموال والدم عنه كتاباً منشوراً، ونحوه ذكره ابن جرير. قال ابن خويز منداد: واختلفت الرواية عن مالك في المحارب إذا أقيم عليه الحد، ولم يوجد له مال، هل يتبع ديناً بما أخذ، أو يسقط عنه، كما يسقط عن السارق. يعني عند مالك: والمسلم، والذمي في ذلك سواء. ومعنى قوله: ﴿فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً﴾ اختلف فيه العلماء، فروي عن ابن عباس أنه قال: معناها أن من قتل نبياً، أو إمام عدل فكأنما قتل الناس جميعاً، ومن أحياه بأن شد عضده ونصره فكأنما أحيا الناس جميعاً.
QS 5:32 (jilid 2 hlm. 113) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 2 · hlm. 113 · #97094
العلماء، فروي عن ابن عباس أنه قال: معناها أن من قتل نبياً، أو إمام عدل فكأنما قتل الناس جميعاً، ومن أحياه بأن شد عضده ونصره فكأنما أحيا الناس جميعاً. نقله القرطبي، وابن جرير وغيرهما، ولا يخفى بعده عن ظاهر القرآن. وعن ابن عباس أيضاً أنه قال: المعنى أن من انتهك حرمة نفس واحدة بقتلها فهو كمن قتل الناس جميعاً؛ لأن انتهاك حرمة الأنفس سواء في الحرمة والإثم، ومن ترك قتل نفس واحدة واستحياها خوفاً من الله فهو كمن أحيا الناس جميعاً؛ لاستواء الأنفس في ذلك. وعن ابن عباس: ﴿فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً﴾ أي عند المقتول إذ لا غرض له في حياة أحد بعد موته هو، ومن أحياها واستنقذها من هلكه فكأنما أحيا الناس جميعاً عند المستنقذ، وقال مجاهد: المعنى أن الذي يقتل النفس المؤمنة متعمداً جعل الله جزاءه جهنم، وغضب عليه ولعنه، وأعد له عذاباً عظيماً، ولو قتل الناس جميعاً لم يزد على ذلك، ومن لم يقتل فقد حيي الناس منه.
QS 5:32 (jilid 2 hlm. 113) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 2 · hlm. 113 · #97095
لنفس المؤمنة متعمداً جعل الله جزاءه جهنم، وغضب عليه ولعنه، وأعد له عذاباً عظيماً، ولو قتل الناس جميعاً لم يزد على ذلك، ومن لم يقتل فقد حيي الناس منه. واختار هذا القول ابن جرير. وقال ابن زيد: المعنى أن من قتل نفساً يلزمه من القصاص ما يلزم من قتل الناس جميعاً؛ قال: ومن أحياها؛ أي: عفا عمن وجب له قتله، وقال الحسن أيضاً: هو العفو بعد المقدرة، وقيل: المعنى أن قتل نفساً فالمؤمنون كلهم خصماؤه لأنه قد وتر الجميع، ومن أحياها وجب على الكل شكره، وقيل: كان هذا مختصاً ببني إسرائيل، وقيل: المعنى أن من استحل قتل واحد، فقد استحل الجميع؛ لأنه أنكر الشرع، ومن حرم دم مسلم فكأنما حرم دماء الناس جميعاً.
QS 5:32 (jilid 2 hlm. 114) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 2 · hlm. 114 · #97096
قيل: كان هذا مختصاً ببني إسرائيل، وقيل: المعنى أن من استحل قتل واحد، فقد استحل الجميع؛ لأنه أنكر الشرع، ومن حرم دم مسلم فكأنما حرم دماء الناس جميعاً. ذكر هذه الأقوال القرطبي؛ وابن كثير، وابن جرير وغيرهم؛ واستظهر ابن كثير هذا القول الأخير، وعزاه لسعيد بن جبير. وقال البخاري في [صحيحه]: باب قول الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا﴾ قال ابن عباس: من حرم قتلها إلا بحق حيي الناس منه جميعاً. وقال القرطبي: إحياؤه عبارة عن الترك، والإنقاذ من هلكة، وإلا فالإحياء حقيقة الذي هو الاختراع إنما هو لله تعالى، وهذا الإحياء، كقول نمروذ لعنه الله: ﴿أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ﴾ فسمى الترك إحياء، وكذلك قال ابن جرير. •
QS 5:32 (jilid 2 hlm. 114) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 2 · hlm. 114 · #97097
قوله تعالى: ﴿(٣٢) إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَاداً﴾ الآية. اعلم أن هذه الآية اختلف في سبب نزولها، فقيل: نزلت في قوم من المشركين، وقيل: نزلت في قوم من أهل الكتاب، وقيل: نزلت في الحرورية. وأشهر الأقوال هو ما تضافرت به الروايات من الصحاح، وغيرها أنها نزلت في قوم "عرينة" و"عكل" الذين قدموا على رسول الله - ﷺ - فاجتووا المدينة، فأمر لهم - ﷺ - بلقاح، وأمرهم أن يشربوا من أبوالها، وألبانها فانطلقوا، فلما صحوا وسمنوا، قتلوا راعي النبي - ﷺ -، واستاقوا اللقاح، فبلغه - ﷺ - خبرهم، فأرسل في أثرهم سرية فجاءوا بهم فأمر بهم فقطعت أيديهم وأرجلهم، وسملت أعينهم، وألقوا في الحرة يستسقون فلا يسقون حتى ماتوا. وعلى هذا القول فهي نازلة في قوم سرقوا، وقتلوا، وكفروا بعد إيمانهم، هذه هي أقوال العلماء في سبب نزولها.
QS 5:32 (jilid 2 hlm. 115) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 2 · hlm. 115 · #97098
، وألقوا في الحرة يستسقون فلا يسقون حتى ماتوا. وعلى هذا القول فهي نازلة في قوم سرقوا، وقتلوا، وكفروا بعد إيمانهم، هذه هي أقوال العلماء في سبب نزولها. والذي يدل عليه ظاهر القرآن أنها في قطاع الطريق من المسلمين كما قاله جماعة من الفقهاء، بدليل قوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾ الآية، فإنها ليست في الكافرين قطعاً؛ لأن الكافر تقبل توبته بعد القدرة عليه كما تقبل قبلها إجماعاً؛ لقوله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ وليست في المرتدين؛ لأن المرتد يقتل بردته وكفره ولا يقطع؛ لقوله - ﷺ - عاطفاً على ما يوجب القتل: "والتارك لدينه المفارق للجماعة" وقوله: "من بدل دينه فاقتلوه" فيتعين أنها في المحاربين من المسلمين. فإن قيل: وهل، يصح أن يطلق على المسلم أنه محارب لله ورسوله؟
QS 5:32 (jilid 2 hlm. 115) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 2 · hlm. 115 · #97099
لدينه المفارق للجماعة" وقوله: "من بدل دينه فاقتلوه" فيتعين أنها في المحاربين من المسلمين. فإن قيل: وهل، يصح أن يطلق على المسلم أنه محارب لله ورسوله؟ فالجواب: نعم، والدليل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٧٨) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾. تنبيه استشكل بعض العلماء تمثيله - ﷺ - بالعرنيين؛ لأنه سمل أعينهم مع قطع الأيدي والأرجل مع أن المرتد يقتل ولا يمثل به. واختلف في الجواب فقيل فيه ما حكاه الطبري عن بعض أهل العلم أن هذه الآية نسخت فعل النبي ﷺ بهم، وقال محمد بن سيرين: كان ذلك قبل نزول الحدود، وقال أبو الزناد: إن هذه الآية معاتبة له ﷺ على ما فعل بهم، وبعد العتاب على ذلك لم يعد، قاله أبو داود. والتحقيق في الجواب هو أنه ﷺ فعل بهم ذلك قصاصاً، وقد ثبت في صحيح مسلم وغيره أنه ﷺ إنما سمل أعينهم قصاصاً؛ لأنهم سملوا أعين رعاة اللقاح، وعقده البدوي الشنقيطي في مغازيه بقوله:
QS 5:32 (jilid 2 hlm. 116) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 2 · hlm. 116 · #97100
نه ﷺ فعل بهم ذلك قصاصاً، وقد ثبت في صحيح مسلم وغيره أنه ﷺ إنما سمل أعينهم قصاصاً؛ لأنهم سملوا أعين رعاة اللقاح، وعقده البدوي الشنقيطي في مغازيه بقوله: وبعدها أنتهبها الأولى انتهوا ... لغاية الجهد وطيبة اجتووا فخرجوا فشربوا ألبانها ... ونبذوا إذ سمنوا أمانها فاقتص منهم النبي أن مثلوا ... بعبده ومقلتيه سملوا واعترض على الناظم شارح النظم "حماد" لفظة: بعبده؛ لأن الثابت أنهم مثلوا بالرعاء، والعلم عند الله تعالى. •
QS 5:32 (jilid 6 hlm. 175) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 6 · hlm. 175 · #117134
[سُورَة الْمَائِدَة (٥) : آيَة ٣٢] مِنْ أَجْلِ ذلِكَ كَتَبْنا عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّما قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْياها فَكَأَنَّما أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً وَلَقَدْ جاءَتْهُمْ رُسُلُنا بِالْبَيِّناتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ بَعْدَ ذلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ (٣٢) مِنْ أَجْلِ ذلِكَ كَتَبْنا عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّما قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْياها فَكَأَنَّما أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً. يَتَعَيَّنُ أَنْ يَكُونَ مِنْ أَجْلِ ذلِكَ تَعْلِيلًا لِ كَتَبْنا، وَهُوَ مَبْدَأُ الْجُمْلَةِ، وَيَكُونُ مُنْتَهَى الَّتِي قَبْلَهَا قَوْلَهُ: مِنَ النَّادِمِينَ [الْمَائِدَة: ٣١] .
QS 5:32 (jilid 6 hlm. 175) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 6 · hlm. 175 · #117135
ْلِ ذلِكَ تَعْلِيلًا لِ كَتَبْنا، وَهُوَ مَبْدَأُ الْجُمْلَةِ، وَيَكُونُ مُنْتَهَى الَّتِي قَبْلَهَا قَوْلَهُ: مِنَ النَّادِمِينَ [الْمَائِدَة: ٣١] . وَلَيْسَ قَوْلُهُ مِنْ أَجْلِ ذلِكَ معلّقا بِ «النَّادِمِينَ» تَعْلِيلًا لَهُ لِلِاسْتِغْنَاءِ عَنْهُ بِمُفَادِ الْفَاءِ فِي قَوْله فَأَصْبَحَ [الْمَائِدَة: ٣١] . ومِنْ لِلِابْتِدَاءِ، وَالْأَجْلُ الْجَرَّاءُ وَالتَّسَبُّبُ (١) أَصْلُهُ مَصْدَرُ أَجَلَ يَأْجُلُ وَيَأْجِلُ كَنَصَرَ وَضَرَبَ بِمَعْنَى جَنَى وَاكْتَسَبَ. وَقِيلَ: هُوَ خَاصٌّ بِاكْتِسَابِ الْجَرِيمَةِ، فَيَكُونُ مُرَادِفًا لِجَنَى وَجَرَمَ، وَمِنْهُ الْجِنَايَةُ وَالْجَرِيمَةُ، غَيْرَ أَنَّ الْعَرَبَ تَوَسَّعُوا فَأَطْلَقُوا الْأَجَلَ عَلَى الْمُكْتَسَبِ مُطْلَقًا بِعَلَاقَةِ الْإِطْلَاقِ.
QS 5:32 (jilid 6 hlm. 175) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 6 · hlm. 175 · #117136
مِنْهُ الْجِنَايَةُ وَالْجَرِيمَةُ، غَيْرَ أَنَّ الْعَرَبَ تَوَسَّعُوا فَأَطْلَقُوا الْأَجَلَ عَلَى الْمُكْتَسَبِ مُطْلَقًا بِعَلَاقَةِ الْإِطْلَاقِ. وَالِابْتِدَاءُ الَّذِي اسْتُعْمِلَتْ لَهُ (مِنْ) هُنَا مَجَازِيٌّ، شَبَّهَ سَبَبَ الشَّيْءِ بِابْتِدَاءِ صُدُورِهِ، وَهُوَ مَثَارُ قَوْلِهِمْ: إِنَّ مِنْ مَعَانِي (مِنْ) التَّعْلِيلَ، فَإِنَّ كَثْرَةَ دُخُولِهَا عَلَى كَلِمَةِ «أَجْلِ» أَحْدَثَ فِيهَا معنى التّعليل، وَكثر حَذْفِ كَلِمَةِ أَجْلِ بَعْدَهَا مُحْدِثٌ فِيهَا مَعْنَى التَّعْلِيلِ، كَمَا فِي قَوْلِ الْأَعْشَى: فَآلَيْتُ لَا أَرْثِي لَهَا من كَلَالَةٍ ... وَلَا مِنْ حَفَى حَتَّى أُلَاقِيَ مُحَمَّدَا وَاسْتُفِيدَ التَّعْلِيلُ مِنْ مُفَادِ الْجُمْلَةِ. وَكَانَ التَّعْلِيلُ بِكَلِمَةِ مِنْ أَجْلِ أَقْوَى مِنْهُ بِمُجَرَّدِ اللَّامِ، وَلِذَلِكَ اخْتِيرَ هُنَا لِيَدُلَّ عَلَى أَنَّ هَذِهِ الْوَاقِعَةَ كَانَتْ هِيَ السَّبَبَ فِي تَهْوِيلِ أَمْرِ الْقَتْلِ وَإِظْهَارِ مَثَالِبِهِ.
QS 5:32 (jilid 6 hlm. 175) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 6 · hlm. 175 · #117137
ِ، وَلِذَلِكَ اخْتِيرَ هُنَا لِيَدُلَّ عَلَى أَنَّ هَذِهِ الْوَاقِعَةَ كَانَتْ هِيَ السَّبَبَ فِي تَهْوِيلِ أَمْرِ الْقَتْلِ وَإِظْهَارِ مَثَالِبِهِ. وَفِي ذِكْرِ اسْمِ الْإِشَارَةِ وَهُوَ خُصُوصُ ذلِكَ قَصْدُ اسْتِيعَابِ جَمِيعِ الْمَذْكُورِ. وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ مِنْ أَجْلِ ذلِكَ- بِسُكُونِ نُونِ (مِنْ) وَإِظْهَارِ هَمْزَةِ (أَجْلِ) -. وَقِرَاءَةُ وَرْشٍ عَنْ نَافِعٍ- بِفَتْحِ النُّونِ وَحَذْفِ هَمْزَةِ اجْلِ- عَلَى طَرِيقَتِهِ. وَقَرَأَ أَبُو جَعْفَرٍ مِنْ أَجْلِ ذلِكَ- بِكَسْرِ نُونِ (مِنْ) وَحَذْفِ هَمْزَةِ أَجْلِ بَعْدَ نَقْلِ حَرَكَتِهَا إِلَى النُّونِ فَصَارَتْ غَيْرَ مَنْطُوقٍ بِهَا. وَمَعْنَى كَتَبْنا شَرَعْنَا كَقَوْلِهِ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ [الْبَقَرَة: ١٨٣] . وَمَفْعُولُ كَتَبْنا مَضْمُونُ جُمْلَةِ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّما قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً.
QS 5:32 (jilid 6 hlm. 176) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 6 · hlm. 176 · #117138
. وَمَفْعُولُ كَتَبْنا مَضْمُونُ جُمْلَةِ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّما قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً. وَ (أَنَّ) مِنْ قَوْلِهِ أَنَّهُ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ أُخْتُ (إِنَّ) الْمَكْسُورَةِ الْهَمْزَةِ وَهِيَ تُفِيدُ الْمَصْدَرِيَّةَ، وَضَمِيرُ «أَنَّهُ» ضَمِيرُ الشَّأْنِ، أَيْ كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ شَأْنًا مُهِمًّا هُوَ مُمَاثَلَةُ قَتْلِ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ بِغَيْرِ حَقٍّ لِقَتْلِ الْقَاتِلِ النَّاسَ أَجْمَعِينَ.
QS 5:32 (jilid 6 hlm. 176) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 6 · hlm. 176 · #117139
لشَّأْنِ، أَيْ كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ شَأْنًا مُهِمًّا هُوَ مُمَاثَلَةُ قَتْلِ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ بِغَيْرِ حَقٍّ لِقَتْلِ الْقَاتِلِ النَّاسَ أَجْمَعِينَ. وَوَجْهُ تَحْصِيلِ هَذَا الْمَعْنَى مِنْ هَذَا التَّرْكِيبِ يَتَّضِحُ بِبَيَانِ مَوْقِعِ حَرْفِ (أَنَّ) الْمَفْتُوحِ الْهَمْزَةِ الْمُشَدَّدِ النُّونِ، فَهَذَا الْحَرْفُ لَا يَقَعُ فِي الْكَلَامِ إِلَّا مَعْمُولًا لِعَامِلٍ قَبْلَهُ يَقْتَضِيهِ، فَتَعَيَّنَ أَنَّ الْجُمْلَةَ بَعْدَ (أَنَّ) بِمَنْزِلَةِ الْمُفْرَدِ الْمَعْمُولِ لِلْعَامِلِ، فَلَزِمَ أَنَّ الْجُمْلَةَ بَعْدَ (أَنَّ) مُؤَوَّلَةٌ بِمَصْدَرٍ يُسْبَكُ، أَيْ يُؤْخَذُ مِنْ خَبَرِ (أَنَّ) . وَقَدِ اتَّفَقَ عُلَمَاءُ الْعَرَبِيَّةِ عَلَى كَوْنِ (أَنَّ) الْمَفْتُوحَةِ الْهَمْزَةِ الْمُشَدَّدَةِ النُّونِ أُخْتًا لِحَرْفِ (إِنَّ) الْمَكْسُورَةِ الْهَمْزَةِ، وَأَنَّهَا تُفِيدُ التَّأْكِيدَ مِثْلَ أُخْتِهَا.
QS 5:32 (jilid 6 hlm. 176) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 6 · hlm. 176 · #117140
مَفْتُوحَةِ الْهَمْزَةِ الْمُشَدَّدَةِ النُّونِ أُخْتًا لِحَرْفِ (إِنَّ) الْمَكْسُورَةِ الْهَمْزَةِ، وَأَنَّهَا تُفِيدُ التَّأْكِيدَ مِثْلَ أُخْتِهَا. وَاتَّفَقُوا عَلَى كَوْنِ (أَنَّ) الْمَفْتُوحَةِ الْهَمْزَةِ مِنَ الْمَوْصُولَاتِ الْحَرْفِيَّةِ الْخَمْسَةِ الَّتِي يُسْبَكُ مَدْخُولُهَا بِمَصْدَرٍ. وَبِهَذَا تَزِيدُ (أَنَّ) الْمَفْتُوحَةُ عَلَى (إِنَّ) الْمَكْسُورَةِ. وَخَبَرُ (أَنَّ) فِي هَذِهِ الْآيَةِ جُمْلَةُ مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ إِلَخْ. وَهِيَ مَعَ ذَلِكَ مُفَسِّرَةٌ لِضَمِيرِ الشَّأْنِ. وَمَفْعُولُ كَتَبْنا مَأْخُوذٌ مِنْ جُمْلَةِ الشَّرْطِ وَجَوَابِهِ، وَتَقْدِيرُهُ: كَتَبْنَا مُشَابَهَةَ قَتْلِ نَفْسٍ بِغَيْرِ نَفْسٍ إِلَخْ بِقَتْلِ النَّاسِ أَجْمَعِينَ فِي عَظِيمِ الْجُرْمِ. وَعَلَى هَذَا الْوَجْهِ جَرَى كَلَامُ الْمُفَسِّرِينَ وَالنَّحْوِيِّينَ.
QS 5:32 (jilid 6 hlm. 176) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 6 · hlm. 176 · #117141
بِغَيْرِ نَفْسٍ إِلَخْ بِقَتْلِ النَّاسِ أَجْمَعِينَ فِي عَظِيمِ الْجُرْمِ. وَعَلَى هَذَا الْوَجْهِ جَرَى كَلَامُ الْمُفَسِّرِينَ وَالنَّحْوِيِّينَ. وَوَقَعَ فِي «لِسَانِ الْعَرَبِ» عَنِ الْفَرَّاءِ مَا حَاصِلُهُ: إِذَا جَاءَتْ (أَنَّ) بَعْدَ الْقَوْلِ وَمَا تَصَرَّفَ مِنْهُ وَكَانَتْ تَفْسِيرًا لِلْقَوْلِ وَلَمْ تَكُنْ حِكَايَةً لَهُ نَصَبْتَهَا (أَيْ فَتَحْتَ هَمْزَتَهَا) ، مِثْلَ قَوْلِكَ: قَدْ قُلْتُ لَكَ كَلَامًا حَسَنًا أَنَّ أَبَاكَ شَرِيفٌ، تَفْتَحُ (أَنَّ) لِأَنَّهَا فَسَّرَتْ «كَلَامًا» ، وَهُوَ مَنْصُوبٌ، (أَيْ مَفْعُولٌ لِفِعْلِ قُلْتُ) فَمُفَسِّرُهُ مَنْصُوبٌ أَيْضًا عَلَى الْمَفْعُولِيَّةِ لِأَنَّ الْبَيَانَ لَهُ إِعْرَابُ الْمُبَيَّنِ.
QS 5:32 (jilid 6 hlm. 177) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 6 · hlm. 177 · #117142
َ مَنْصُوبٌ، (أَيْ مَفْعُولٌ لِفِعْلِ قُلْتُ) فَمُفَسِّرُهُ مَنْصُوبٌ أَيْضًا عَلَى الْمَفْعُولِيَّةِ لِأَنَّ الْبَيَانَ لَهُ إِعْرَابُ الْمُبَيَّنِ. فَالْفَرَّاءُ يُثْبِتُ لِحَرْفِ (أَنَّ) مَعْنَى التَّفْسِيرِ عِلَاوَةً عَلَى مَا يُثْبِتُهُ لَهُ جَمِيعُ النَّحْوِيِّينَ مِنْ مَعْنَى الْمَصْدَرِيَّةِ، فَصَارَ حَرْفُ (أَنَّ) بِالْجَمْعِ بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ دَالًّا عَلَى مَعْنَى التَّأْكِيدِ بِاطِّرَادٍ وَدَالًّا مَعَهُ عَلَى مَعْنَى الْمَصْدَرِيَّةِ تَارَةً وَعَلَى مَعْنَى التَّفْسِيرِ تَارَةً أُخْرَى بِحَسَبَ اخْتِلَافِ الْمَقَامِ.
QS 5:32 (jilid 6 hlm. 177) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 6 · hlm. 177 · #117143
ِيدِ بِاطِّرَادٍ وَدَالًّا مَعَهُ عَلَى مَعْنَى الْمَصْدَرِيَّةِ تَارَةً وَعَلَى مَعْنَى التَّفْسِيرِ تَارَةً أُخْرَى بِحَسَبَ اخْتِلَافِ الْمَقَامِ. وَلَعَلَّ الْفَرَّاءَ يَنْحُو إِلَى أَنَّ حَرْفَ (أَنَّ) الْمَفْتُوحَةِ الْهَمْزَةِ مُرَكَّبٌ مِنْ حَرْفَيْنِ هُمَا حَرْفُ (إِنَّ) الْمَكْسُورَةِ الْهَمْزَةِ الْمُشَدَّدَةِ النُّونِ، وَحَرْفُ (أَنْ) الْمَفْتُوحَةِ الْهَمْزَةِ السَّاكِنَةِ النُّونِ الَّتِي تَكُونُ تَارَةً مَصْدَرِيَّةً وَتَارَةً تَفْسِيرِيَّةً فَفَتْحُ هَمْزَتِهِ لِاعْتِبَارِ تَرْكِيبِهِ مِنْ (أَنْ) الْمَفْتُوحَةِ الْهَمْزَةِ السَّاكِنَةِ النُّونِ مَصْدَرِيَّةً أَوْ تَفْسِيرِيَّةً، وَتَشْدِيدُ نُونِهِ لِاعْتِبَارِ تَرْكِيبِهِ مِنْ (إِنَّ) الْمَكْسُورَةِ الْهَمْزَةِ الْمُشَدَّدَةِ النُّونِ، وَأَصْلُهُ وَ (أَنْ إِنْ) فَلَمَّا رُكِّبَا تَدَاخَلَتْ حُرُوفُهُمَا، كَمَا قَالَ بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ: إِنَّ أَصْلَ (لَنْ) (لَا أَنْ) .
QS 5:32 (jilid 6 hlm. 177) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 6 · hlm. 177 · #117144
ِ النُّونِ، وَأَصْلُهُ وَ (أَنْ إِنْ) فَلَمَّا رُكِّبَا تَدَاخَلَتْ حُرُوفُهُمَا، كَمَا قَالَ بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ: إِنَّ أَصْلَ (لَنْ) (لَا أَنْ) . وَهَذَا بَيَانُ أَنَّ قَتْلَ النَّفْسِ بِغَيْرِ حَقٍّ جُرْمٌ فَظِيعٌ، كَفَظَاعَةِ قَتْلِ النَّاسِ كُلِّهِمْ. وَالْمَقْصُودُ التَّوْطِئَةُ لِمَشْرُوعِيَّةِ الْقِصَاصِ الْمُصَرَّحِ بِهِ فِي الْآيَةِ الْآتِيَةِ وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ [الْمَائِدَة: ٤٥] الْآيَةَ. وَالْمَقْصُودُ مِنَ الْإِخْبَارِ بِمَا كُتِبَ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بَيَانٌ لِلْمُسْلِمِينَ أَنَّ حُكْمَ الْقِصَاصِ شَرْعٌ سَالِفٌ وَمُرَادٌ لِلَّهِ قَدِيمٌ، لِأَنَّ لِمَعْرِفَةِ تَارِيخِ الشَّرَائِعِ تَبْصِرَةً لِلْمُتَفَقِّهِينَ وَتَطْمِينًا لِنُفُوسِ الْمُخَاطَبِينَ وَإِزَالَةً لِمَا عَسَى أَنْ يَعْتَرِضَ مِنَ الشُّبَهِ فِي أَحْكَامٍ خَفِيَتْ مَصَالِحُهَا، كَمَشْرُوعِيَّةِ الْقِصَاصِ، فَإِنَّهُ قَدْ يَبْدُو لِلْأَنْظَارِ الْقَاصِرَةِ أَنَّهُ
QS 5:32 (jilid 6 hlm. 177) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 6 · hlm. 177 · #117145
يَعْتَرِضَ مِنَ الشُّبَهِ فِي أَحْكَامٍ خَفِيَتْ مَصَالِحُهَا، كَمَشْرُوعِيَّةِ الْقِصَاصِ، فَإِنَّهُ قَدْ يَبْدُو لِلْأَنْظَارِ الْقَاصِرَةِ أَنَّهُ مُدَاوَاةٌ بِمِثْلِ الدَّاءِ الْمُتَدَاوَى مِنْهُ حَتَّى دَعَا ذَلِكَ الِاشْتِبَاهُ بَعْضَ الْأُمَمِ إِلَى إِبْطَالِ حُكْمِ الْقِصَاصِ بِعِلَّةِ أَنَّهُمْ لَا يُعَاقِبُونَ الْمُذْنِبَ بِذَنْبٍ آخَرَ، وَهِيَ غَفْلَةٌ دَقَّ مَسْلَكُهَا عَنِ انْحِصَارِ الِارْتِدَاعِ عَنِ الْقَتْلِ فِي تَحَقُّقِ الْمُجَازَاةِ بِالْقَتْلِ لِأَنَّ النُّفُوسَ جُبِلَتْ عَلَى حُبِّ الْبَقَاءِ وَعَلَى حُبِّ إِرْضَاءِ الْقُوَّةِ الْغَضَبِيَّةِ، فَإِذَا عَلِمَ عِنْدَ الْغَضَبِ أَنَّهُ إِذَا قَتَلَ فَجَزَاؤُهُ الْقَتْلُ ارْتَدَعَ، وَإِذَا طَمِعَ فِي أَنْ يَكُونَ الْجَزَاءُ دُونَ الْقَتْلِ أَقْدَمَ عَلَى إِرْضَاءِ قُوَّتِهِ الْغَضَبِيَّةِ، ثُمَّ عَلَّلَ نَفْسَهُ بِأَنَّ مَا دُونُ الْقِصَاصِ يُمْكِنُ الصَّبْرُ عَلَيْهِ وَالتَّفَادِي مِنْهُ.
QS 5:32 (jilid 6 hlm. 178) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 6 · hlm. 178 · #117146
ْدَمَ عَلَى إِرْضَاءِ قُوَّتِهِ الْغَضَبِيَّةِ، ثُمَّ عَلَّلَ نَفْسَهُ بِأَنَّ مَا دُونُ الْقِصَاصِ يُمْكِنُ الصَّبْرُ عَلَيْهِ وَالتَّفَادِي مِنْهُ. وَقَدْ كَثُرَ ذَلِكَ عِنْدَ الْعَرَبِ وَشَاعَ فِي أَقْوَالِهِمْ وَأَعْمَالِهِمْ، قَالَ قَائِلُهُمْ، وَهُوَ قَيْسُ بْنُ زُهَيْرٍ الْعَبْسِيُّ: شَفَيْتُ النَّفْسَ مِنْ حَمْلِ بْنِ بَدْرٍ ... وَسَيْفِي مِنْ حُذَيْفَةَ قَدْ شَفَانِي وَلِذَلِكَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ يَا أُولِي الْأَلْبابِ [الْبَقَرَة: ١٧٩] . وَمَعْنَى التَّشْبِيهِ فِي قَوْلِهِ: فَكَأَنَّما قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً حَثُّ جَمِيعِ الْأُمَّةِ عَلَى تَعَقُّبِ قَاتِلِ النَّفْسِ وَأَخْذِهِ أَيْنَمَا ثُقِفَ وَالِامْتِنَاعِ مِنْ إِيوَائِهِ أَوِ السَّتْرِ عَلَيْهِ، كُلٌّ مُخَاطَبٌ عَلَى حَسَبِ مَقْدِرَتِهِ وَبِقَدْرِ بَسْطَةِ يَدِهِ فِي الْأَرْضِ، مِنْ وُلَاةِ الْأُمُورِ إِلَى عَامَّةِ النَّاسِ.
QS 5:32 (jilid 6 hlm. 178) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 6 · hlm. 178 · #117147
َّتْرِ عَلَيْهِ، كُلٌّ مُخَاطَبٌ عَلَى حَسَبِ مَقْدِرَتِهِ وَبِقَدْرِ بَسْطَةِ يَدِهِ فِي الْأَرْضِ، مِنْ وُلَاةِ الْأُمُورِ إِلَى عَامَّةِ النَّاسِ. فَالْمَقْصُودُ مِنْ ذَلِكَ التَّشْبِيهِ تَهْوِيلُ الْقَتْلِ وَلَيْسَ الْمَقْصُودُ أَنَّهُ قَدْ قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا، أَلَا تَرَى أَنَّهُ قَابِلٌ لِلْعَفْوِ مِنْ خُصُوصِ أَوْلِيَاءِ الدَّمِ دُونَ بَقِيَّةِ النَّاسِ. عَلَى أَنَّ فِيهِ مَعْنًى نَفْسَانِيًّا جَلِيلًا، وَهُوَ أَنَّ الدَّاعِيَ الَّذِي يَقْدُمُ بِالْقَاتِلِ عَلَى الْقَتْلِ يَرْجِعُ إِلَى تَرْجِيحِ إِرْضَاءِ الدَّاعِي النَّفْسَانِيِّ النَّاشِئِ عَنِ الْغَضَبِ وَحُبِّ الِانْتِقَامِ عَلَى دَوَاعِي احْتِرَامِ الْحَقِّ وَزَجْرِ النَّفْسِ وَالنَّظَرِ فِي عَوَاقِبِ الْفِعْلِ مِنْ نُظُمِ الْعَالَمِ، فَالَّذِي كَانَ مِنْ حِيلَتِهِ تَرْجِيحُ ذَلِكَ الدَّاعِي الطَّفِيفِ عَلَى جُمْلَةِ هَذِهِ الْمَعَانِي الشَّرِيفَةِ فَذَلِكَ ذُو نَفْسٍ يُوشِكُ أَنْ تَدْعُوَهُ دَوْمًا إِلَى هَضْمِ
QS 5:32 (jilid 6 hlm. 178) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 6 · hlm. 178 · #117148
تَرْجِيحُ ذَلِكَ الدَّاعِي الطَّفِيفِ عَلَى جُمْلَةِ هَذِهِ الْمَعَانِي الشَّرِيفَةِ فَذَلِكَ ذُو نَفْسٍ يُوشِكُ أَنْ تَدْعُوَهُ دَوْمًا إِلَى هَضْمِ الْحُقُوقِ، فَكُلَّمَا سَنَحَتْ لَهُ الْفُرْصَةُ قَتَلَ، وَلَوْ دَعَتْهُ أَنْ يَقْتُلَ النَّاسَ جَمِيعًا لَفَعَلَ. وَلَكَ أَنْ تَجْعَلَ الْمَقْصِدَ مِنَ التَّشْبِيهِ تَوْجِيهَ حُكْمِ الْقِصَاصِ وَحَقِّيَّتِهِ، وَأَنَّهُ مَنْظُورٌ فِيهِ لِحَقِّ الْمَقْتُولِ بِحَيْثُ لَوْ تَمَكَّنَ لَمَا رَضِيَ إِلَّا بِجَزَاءِ قَاتِلِهِ بِمِثْلِ جُرْمِهِ فَلَا يَتَعَجَّبُ أَحَدٌ مِنْ حُكْمِ الْقِصَاصِ قَائِلًا: كَيْفَ نُصْلِحُ الْعَالَمَ بِمِثْلِ مَا فَسَدَ بِهِ، وَكَيْفَ نُدَاوِي الدَّاءَ بِدَاءٍ آخَرَ، فَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّ قَاتِلَ النَّفْسِ عِنْدَ وَلِيِّ الْمَقْتُولِ كَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا.
QS 5:32 (jilid 6 hlm. 178) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 6 · hlm. 178 · #117149
، وَكَيْفَ نُدَاوِي الدَّاءَ بِدَاءٍ آخَرَ، فَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّ قَاتِلَ النَّفْسِ عِنْدَ وَلِيِّ الْمَقْتُولِ كَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا. وَقَدْ ذُكِرَتْ وُجُوهٌ فِي بَيَانِ مَعْنَى التَّشْبِيهِ لَا يَقْبَلُهَا النَّظَرُ. وَمَعْنَى وَمَنْ أَحْياها مَنِ اسْتَنْقَذَهَا مِنَ الْمَوْتِ، لِظُهُورِ أَنَّ الْإِحْيَاءَ بَعْدَ الْمَوْتِ لَيْسَ مِنْ مَقْدُورِ النَّاسِ، أَيْ وَمَنِ اهْتَمَّ بِاسْتِنْقَاذِهَا وَالذَّبِّ عَنْهَا فكأنّما أحيى النَّاسَ جَمِيعًا بِذَلِكَ التَّوْجِيهِ الَّذِي بَيَّنَّاهُ آنِفًا، أَوْ مَنْ غَلَّبَ وَازِعَ الشَّرْعِ وَالْحِكْمَةِ عَلَى دَاعِي الْغَضَبِ وَالشَّهْوَةِ فَانْكَفَّ عَنِ الْقَتْلِ عِنْدَ الْغَضَبِ. وَلَقَدْ جاءَتْهُمْ رُسُلُنا بِالْبَيِّناتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ بَعْدَ ذلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ.
QS 5:32 (jilid 6 hlm. 179) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 6 · hlm. 179 · #117150
ّ عَنِ الْقَتْلِ عِنْدَ الْغَضَبِ. وَلَقَدْ جاءَتْهُمْ رُسُلُنا بِالْبَيِّناتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ بَعْدَ ذلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ. تَذْيِيلٌ لِحُكْمِ شَرْعِ الْقِصَاصِ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَهُوَ خَبَرٌ مُسْتَعْمَلٌ كِنَايَةً عَنْ إِعْرَاضِهِمْ عَنِ الشَّرِيعَةِ، وَأَنَّهُمْ مَعَ مَا شُدِّدَ عَلَيْهِمْ فِي شَأْنِ الْقَتْلِ وَلم يَزَالُوا يَقْتُلُونَ، كَمَا أَشْعَرَ بِهِ قَوْلُهُ بَعْدَ ذلِكَ، أَيْ بَعْدَ أَنْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ.
QS 5:32 (jilid 6 hlm. 179) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 6 · hlm. 179 · #117151
ْ فِي شَأْنِ الْقَتْلِ وَلم يَزَالُوا يَقْتُلُونَ، كَمَا أَشْعَرَ بِهِ قَوْلُهُ بَعْدَ ذلِكَ، أَيْ بَعْدَ أَنْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ. وَحُذِفَ مُتَعَلِّقُ «مُسْرِفُونَ» لِقَصْدِ التَّعْمِيمِ. وَالْمُرَادُ مُسْرِفُونَ فِي الْمَفَاسِدِ الَّتِي مِنْهَا قَتْلُ الْأَنْفُسِ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ: فِي الْأَرْضِ، فَقَدْ كَثُرَ فِي اسْتِعْمَالِ الْقُرْآنِ ذِكْرُ فِي الْأَرْضِ [الْبَقَرَة: ٦٠] مَعَ ذِكْرِ الْإِفْسَادِ. وَجُمْلَةُ ثُمَّ إِنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ عَطْفٌ عَلَى جُمْلَةِ وَلَقَدْ جاءَتْهُمْ رُسُلُنا بِالْبَيِّناتِ. وَ (ثُمَّ) لِلتَّرَاخِي فِي الرُّتْبَةِ، لِأَنَّ مَجِيءَ الرُّسُلِ بِالْبَيِّنَاتِ شَأْنٌ عَجِيبٌ، وَالْإِسْرَافُ فِي الْأَرْضِ بَعْدَ تِلْكَ الْبَيِّنَاتِ أَعْجَبُ. وَذُكِرَ فِي الْأَرْضِ لِتَصْوِيرِ هَذَا الْإِسْرَافِ عِنْدَ السَّامِعِ وَتَفْظِيعِهِ، كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِها [الْأَعْرَاف: ٥٦] .
QS 5:32 (jilid 6 hlm. 179) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 6 · hlm. 179 · #117152
هَذَا الْإِسْرَافِ عِنْدَ السَّامِعِ وَتَفْظِيعِهِ، كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِها [الْأَعْرَاف: ٥٦] . وَتَقْدِيمُ فِي الْأَرْضِ لِلِاهْتِمَامِ وَهُوَ يُفِيدُ زِيَادَةَ تَفْظِيعِ الْإِسْرَافِ فِيهَا مَعَ أَهَمِّيَّةِ شَأْنِهَا. وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ رُسُلُنا- بِضَمِّ السِّينِ-. وَقَرَأَهُ أَبُو عَمْرٍو وَيَعْقُوبُ- بِإِسْكَان السّين-. [٣٣، ٣٤]

Ayat yang dirujuk di sini

Potongan tafsir di atas mengutip ayat-ayat berikut (dideteksi dengan aturan teks ﴿…﴾, bukan model bahasa).

QS 5:30QS 2:196QS 2:205QS 4:93QS 5:11QS 5:89QS 5:95QS 9:43QS 39:53

Dirujuk oleh

Ayat ini dikutip di dalam tafsir ayat-ayat berikut.

QS 5:33