Talak (yang dapat dirujuk) itu dua kali. (Setelah itu suami dapat) menahan dengan baik, atau melepaskan dengan baik. Tidak halal bagi kamu mengambil kembali sesuatu yang telah kamu berikan kepada mereka, kecuali keduanya (suami dan istri) khawatir tidak mampu menjalankan hukum-hukum Allah. Jika kamu (wali) Khawatir bahwa keduanya tidak mampu menjalankan hukum Allah, maka keduanya tidak berdosa atas bayaran yang (harus) diberikan (oleh istri) untuk menebus dirinya.83) Itulah hukum-hukum Allah, maka janganlah kamu melanggarnya. Barangsiapa melanggar hukum-hukum Allah, mereka itulah orang-orang yang zalim
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾.
اختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم: هو دلالةٌ على عَددِ الطلاقِ الذي يكونُ للرجلِ فيه الرجعةُ على زوجتِه، والعدَدِ الذي تَبِينُ به زوجتُه منه.
ذكرُ من قال: إن هذه الآيةَ نزَلتْ لأنَّ أهلَ الجاهليةِ وأهلَ الإسلامِ قبلَ نزولِها لم يكنْ لطلاقِهم نهايةٌ تَبِينُ بالانتهاءِ إليها امرأتُه منه، ما راجَعها في عدَّتِها منه، فجعَل اللهُ لذلك حدًّا حرَّمَ بانتهاءِ الطلاقِ إليه على الرجلِ امرأتَه المطلَّقةَ إلَّا بعدَ زوجٍ، وجعَلها أملَكَ حينئذٍ بنفسِها منه.
ذِكرُ الأخبارِ الواردةِ بما قلنا في ذلك
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن هشامِ بنِ عروةَ، عن أبيه، قال: كان الرجلُ يطلِّقُ ما شاءَ ثم إنْ راجَعَ امرأتَه قبلَ أن تنقضيَ عدَّتُها كانت امرأتَه، فغضِبَ رجلٌ من الأنصارِ على امرأتِه، فقال لها: لا أقرَبُك ولا تَحِلِّين مِنِّى. قالت له: كيفَ؟
ْ راجَعَ امرأتَه قبلَ أن تنقضيَ عدَّتُها كانت امرأتَه، فغضِبَ رجلٌ من الأنصارِ على امرأتِه، فقال لها: لا أقرَبُك ولا تَحِلِّين مِنِّى. قالت له: كيفَ؟ قال: أُطلِّقُكِ، فإذا دَنَا أجلُكِ راجَعتُك، ثم أُطلِّقُك، فإذا دَنَا أجلُك راجعتُك. قال: فشكَتْ ذلك إلى النبيِّ ﷺ، فأنزَل اللهُ جلّ ثناؤُه: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ﴾ الآية.
حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا ابنُ إدريسَ، قال: ثنا هشامٌ، عن أبيه، قال: قال رجلٌ لامرأتِه على عهدِ النبيِّ ﷺ: لا أُؤْوِيكِ، ولا أدَعُكِ تَحِلِّين. فقالت له: كيف تَصنَعُ؟ قال: أُطلِّقُكِ، فإذا دنَا مُضِىُّ عِدَّتِكِ راجعْتُكِ، فمتى تحلِّينَ؟
لى عهدِ النبيِّ ﷺ: لا أُؤْوِيكِ، ولا أدَعُكِ تَحِلِّين. فقالت له: كيف تَصنَعُ؟ قال: أُطلِّقُكِ، فإذا دنَا مُضِىُّ عِدَّتِكِ راجعْتُكِ، فمتى تحلِّينَ؟ فأتت النبيَّ ﷺ، فأنزَل اللهُ ﷿: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ قال: فاستقبلَه الناسُ جديدًا، من كان طلَّقَ ومَن لم يكنْ طلَّق.
حدَّثنا محمدُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الأعلَى، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: كان أهلُ الجاهليةِ؛ كان الرجلُ يطلِّقُ الثلاثَ والعشرَ وأكثرَ من ذلك، ثم يُراجِعُ ما كانت في العِدّةِ، فجعَل اللهُ جلَّ ثناؤُه حدَّ الطلاقِ ثلاثَ تطليقاتٍ.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زريعٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: كان أهلُ الجاهليةِ يُطلِّقُ أحدُهم امرأتَه ثم يراجِعُها، لا حدَّ في ذلك، هي امرأتُه ما راجَعها في عِدّتِها، فجعَل اللهُ ﵎ حدَّ ذلكَ يصيرُ إلى ثلاثةِ قُروءٍ، وجعَل حدَّ الطلاقِ ثلاثَ تطليقاتٍ.
ه ثم يراجِعُها، لا حدَّ في ذلك، هي امرأتُه ما راجَعها في عِدّتِها، فجعَل اللهُ ﵎ حدَّ ذلكَ يصيرُ إلى ثلاثةِ قُروءٍ، وجعَل حدَّ الطلاقِ ثلاثَ تطليقاتٍ.
حدَّثني يُونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾. قال: كان الطلاقُ، قبلَ أن يجعَلَ اللهُ الطلاقَ ثلاثًا، ليسَ له أمدٌ؛ يطلِّقُ الرجلُ امرأتَه مائةً، ثم إنْ أرادَ أن يُراجِعَها قبلَ أن تَحِلَّ، كان ذلك له، فطلَّقَ رجلٌ امرأتَه حتى إذا كادَتْ أن تحِلَّ ارْتَجَعها، ثم استأنفَ بها طلاقًا بعدَ ذلك يُضَارُّها بتركِها، حتى إذا كان قبلَ انقضاءِ عدَّتِها راجَعَها، وصنَع ذلك مرارًا، فلمَّا علِمَ اللهُ
ذلك منه جعَل الطلاقَ ثلاثًا؛ مرَّتين، ثم بعدَ المرتينِ إمساكٌ بمعروفٍ أو تسريحٌ بإحسانٍ.
قضاءِ عدَّتِها راجَعَها، وصنَع ذلك مرارًا، فلمَّا علِمَ اللهُ
ذلك منه جعَل الطلاقَ ثلاثًا؛ مرَّتين، ثم بعدَ المرتينِ إمساكٌ بمعروفٍ أو تسريحٌ بإحسانٍ.
حدَّثنا موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عَمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾: أما قولُه: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ فهو الميقاتُ الذي يكونُ عليها فيه الرجعةُ.
حدَّثنا هنادٌ، قال: ثنا أبو الأحوصِ، عن سِماكٍ، عن عكرمةَ في قولِه: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾.
جعةُ.
حدَّثنا هنادٌ، قال: ثنا أبو الأحوصِ، عن سِماكٍ، عن عكرمةَ في قولِه: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾. قال: إذا أرادَ الرجلُ أن يطلِّقَ امرأتَه فيطلِّقَها تَطليقتيْنِ، فإن أرادَ أن يُراجِعَها كانت له عليها رجعةٌ، وإن شاءَ طلَّقها أُخرَى، فلم تحِلَّ له حتى تنكِحَ زوجًا غيرَه.
فتأويلُ الآيةِ على هذا الخبرِ الذي ذكَرنا: عددُ الطّلاقِ الذي لكم أيُّها الناسُ فيه على أزواجِكم الرجعةُ، إذا كنَّ مَدخولًا بهنّ، تَطليقتان، ثم الواجبُ على من راجَع منكم بعدَ التطليقتيْنِ إمساكٌ بمعروفٍ أو تسريحٌ بإحسانٍ؛ لأنه لا رجعةَ له بعد التَّطليقتين إنْ سرَّحها فطلَّقها الثالثةَ.
وقال آخرون: إنما أُنزِلتْ هذه الآيةُ علَى نبيِّ اللهِ ﷺ تعريفًا من اللهِ جلّ ثناؤُه عبادَه سُنَّةَ طلاقِهم نساءَهم إذا أرادُوا طلاقَهنَّ، لا دلالةً على العَدَدِ الذي به تَبِينُ المرأةُ من زوجِها.
ذِكرُ مَن قال ذلك
من اللهِ جلّ ثناؤُه عبادَه سُنَّةَ طلاقِهم نساءَهم إذا أرادُوا طلاقَهنَّ، لا دلالةً على العَدَدِ الذي به تَبِينُ المرأةُ من زوجِها.
ذِكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن مُطرِّفٍ، عن أبي إسحاقَ، عن أبي الأحوصِ، عن عبدِ اللهِ في قولِه: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾. قال: يُطلِّقُها بعدَ ما تطْهُرُ مِن قبلِ جماعٍ، ثم يدَعُها حتى تَطْهُرَ مرَّةً أُخرى، ثم يطلِّقُها إن شاءَ، ثم إنْ أرادَ أنْ يُراجِعَها راجَعَها، ثم إنْ شاءَ طلَّقها، وإلَّا ترَكَها حتى تُتِمَّ ثلاث حِيَضٍ، وتَبينَ منهُ به.
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾.
لهِ بنُ صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾. قال: إذا طلَّق الرجلُ امرأتَه تطليقتَيْنِ، فليتَّقِ اللهَ في التطليقةِ الثالثةِ، فإمَّا يُمسكُها بمعروفٍ فيُحْسِنُ صَحابتَها، أو يسرِّحُها بإحسانٍ، فلَا يظلِمُها من حقِّها شيئًا.
حدَّثني محمدُ بنُ عَمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾.
قال: يُطلِّقُ الرجلُ امرأتَه طاهرًا مِن غيرِ جماعٍ، فإذا حاضَتْ ثم طَهُرتْ فقد تمَّ القرْءُ، ثم يطلِّقُ الثانيةَ كما طلَّق الأولَى، إن أحبَّ أنْ يفعَلَ، فإذا طلَّق الثانيةَ ثم
حاضت الحيضةَ الثانيةَ فهما تطليقتانِ وقُرْءَان، ثم قال اللهُ ﵎ في الثالثةِ: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾.
ا طلَّق الثانيةَ ثم
حاضت الحيضةَ الثانيةَ فهما تطليقتانِ وقُرْءَان، ثم قال اللهُ ﵎ في الثالثةِ: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾. فيطلِّقُها في ذلك القرءِ كلِّه إن شاءَ حينَ تجمَعُ عليها ثيابَها.
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ بنحوِه، إلَّا أنه قال: فحاضَت الحيضةَ الثانيةَ، كما طلَّق الأولَى، فهاتان تطليقتانِ وقُرْءانِ، ثم قال: الثالثةُ. وسائرُ الحديثِ مثلُ حديثِ محمدِ بن عمرٍو، عن أبي عاصمِ.
فتأويلُ الآيةِ على قولِ هؤلاء: سُنَّةُ الطلاقِ التي سَنَنْتُها وأبَحتُها لكم، إذا أردْتم طلاقَ نسائِكم، أن تطلقوهنَّ ثِنتينِ في كلِّ طهرٍ واحدةً، ثم الواجبُ * بعدَ ذلك عليكم، إما أن تمسكوهنّ بمعروفٍ أو تسرِّحوهنَّ بإحسانٍ.
لكم، إذا أردْتم طلاقَ نسائِكم، أن تطلقوهنَّ ثِنتينِ في كلِّ طهرٍ واحدةً، ثم الواجبُ * بعدَ ذلك عليكم، إما أن تمسكوهنّ بمعروفٍ أو تسرِّحوهنَّ بإحسانٍ.
فالذي هو أوْلَى بظاهرِ التنزيلِ ما قاله عُروةُ وقتادةُ ومَن قال مثلَ قولِهما من أنَّ الآيةَ إنما هي دليلٌ على عددِ الطلاقِ الذي يكونُ به التحريمُ وبُطولُ الرجْعةِ فيه، والذى يكونُ فيه الرجعةُ منه، وذلك أن اللهَ تعالى ذِكرُه قال في الآيةِ التي تتلوها:
﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾.
رجعةُ منه، وذلك أن اللهَ تعالى ذِكرُه قال في الآيةِ التي تتلوها:
﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾. فعرَّف عبادَه القدرَ الذي به تحرُمُ المرأةُ على زوجِها إلَّا بعدَ زوجٍ، ولم يبيِّنْ فيها الوقتَ الذي يجوزُ الطلاقُ فيه، والوقتَ الذي لا يجوزُ ذلكَ فيه، فيكونَ موجِّهًا تأويلَ الآيةِ إلى ما رُوى عن ابنِ مسعودٍ ومجاهدٍ ومن قال بمثلِ قولِهما فيه.
وأما قولُه: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ فإنَّ في تأويلِه وفيما عُنِى به اختلافًا بين أهلِ التأويلِ؛ فقال بعضُهم: عنَى اللهُ تعالَى ذكرُه بذلك الدلالةَ على اللازمِ للأزواجِ للمطلقاتِ اثنتين بعدَ مُراجعتِهم إياهنَّ من التطليقةِ الثانيةِ من عِشرتِهن بالمعروفِ، أو فراقِهنَّ بطلاقٍ.
ذِكرُ من قال ذلك
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جُريج، قال: قلتُ لعطاءٍ: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾؟ قال: يقولُ: عندَ الثالثةِ إما أن يُمسِكَ بمعروفٍ، وإما أن يُسرِّحَ بإحسانٍ.
قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جُريج، قال: قلتُ لعطاءٍ: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾؟ قال: يقولُ: عندَ الثالثةِ إما أن يُمسِكَ بمعروفٍ، وإما أن يُسرِّحَ بإحسانٍ. وغيرُه قالها. قال: وقال مجاهدٌ: الرجلُ أملكُ بامرأتِه في تطليقتين من غيرِه، فإذا تكلَّمَ الثالثةَ فليستْ منه بسبيلٍ، وتَعتدُّ لغيرِه.
حدَّثني أبو السائبِ، قال: ثنا أبو معاويةَ، عن إسماعيلَ بنِ سُميعٍ، عن أبي رَزِينٍ، قال: أتى النبيَّ ﷺ رجلٌ، فقال: يا رسولَ اللهِ، أرأيتَ قولَه: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾. فأين الثالثةُ؟ قال رسولُ اللهِ ﷺ: " ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ " هي الثالثةُ".
حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، مَال: ثنا يحيى بنُ سعيدٍ وعبدُ الرحمنِ بنُ مهدىٍّ، قالا: ثنا سفيانُ، عن إسماعيلَ بنِ سُميعٍ، عن أبي رزينٍ، قال: جاء رجلٌ إلى النبيِّ
ﷺ فقال: يا رسولَ اللهِ، ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾. فأين الثالثةُ؟
ٍّ، قالا: ثنا سفيانُ، عن إسماعيلَ بنِ سُميعٍ، عن أبي رزينٍ، قال: جاء رجلٌ إلى النبيِّ
ﷺ فقال: يا رسولَ اللهِ، ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾. فأين الثالثةُ؟ قال: " ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ ".
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرَّزاقِ، قال: أخبَرنا الثوريُّ، عن إسماعيلَ، عن أبي رَزِينٍ، قال: قال رجلٌ: يا رسولَ اللهِ، يقولُ اللهُ: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ﴾، فأين الثالثةُ؟ قال: "التَّسْريحُ بإحسانٍ".
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا سفيانُ، عن ابنِ جُريجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾. قال: في الثالثةِ.
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ الرزَّاقِ، عن مَعمرٍ، عن قتادةَ، قال: كان الطلاقُ ليس له وقتٌ حتى أنزَل اللهُ: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾.
ني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ الرزَّاقِ، عن مَعمرٍ، عن قتادةَ، قال: كان الطلاقُ ليس له وقتٌ حتى أنزَل اللهُ: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾. قال: الثالثةُ ﴿إِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾.
وقال آخرون منهم: بل عنَى اللهُ بذلك الدلالةَ على ما يلزَمُهم لهنَّ بعدَ التطليقةِ الثانيةِ من مُراجعةٍ بمعروفٍ أو تسريحٍ بإحسانٍ، بتركِ رجْعتِهنَّ حتى تنقضيَ عدَّتُهنَّ، فيصِرْنَ أملكَ بأنفُسِهنَّ. وأنكَروا قولَ الأوَّلين الذين قالوا: إنه دليلٌ على التطيقةِ الثالثةِ.
ذِكرُ من قال ذلك
حدَّثني موسى، قال: ثنا عَمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ في قولِه:
﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾: إذا طلَّقَ واحدة أو اثنتيْنِ، إما أن يُمسِكَ - ويمسكَ: يراجعَ - بمعروفٍ، وإما سكتَ عنها حتى تنقضيَ عدَّتُها، فتكونَ أحقَّ بنفسِها.
رِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾: إذا طلَّقَ واحدة أو اثنتيْنِ، إما أن يُمسِكَ - ويمسكَ: يراجعَ - بمعروفٍ، وإما سكتَ عنها حتى تنقضيَ عدَّتُها، فتكونَ أحقَّ بنفسِها.
حدَّثنا عليُّ بنُ عبدِ الأعلَى، قال: ثنا المحاربيُّ، عن جُويبرٍ، عن الضحاكِ: ﴿أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾: فالتسريحُ أن يدَعَها حتى تمضيَ عِدَّتُها.
حدَّثنا يحيى بنُ أبي طالبٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: أخبَرنا جُويبرٌ، عن الضحاكِ في قولِه: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾. قال: يعني تطليقتيْنِ بينهما مُراجعةٌ، فأُمِر أنُ يمسِكَ أو يُسرِّحَ بإحسانٍ.
طَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾. قال: يعني تطليقتيْنِ بينهما مُراجعةٌ، فأُمِر أنُ يمسِكَ أو يُسرِّحَ بإحسانٍ. قال: فإنْ هو طلَّقها ثالثةً، فلَا تَحِلُّ له حتى تنكِحَ زوجًا غيرَه.
وكأن قائلي هذا القولِ الذف ذكَرناه عن السُّدِّيِّ والضحاكِ ذهَبوا إلى أن معنى الكلامِ: الطلاقُ مرّتانِ، فإمساكٌ في كلِّ واحدةٍ منهما لهنَّ بمعروفٍ، أو تسريحٌ لهنَّ بإحسانٍ.
وهذا مذهبٌ مما يحتمِلُه ظاهرُ التنزيلِ لولَا الخبرُ الذي ذكَرتُه عن النبيِّ ﷺ، الذي رواه إسماعيلُ بنُ سُميعٍ، عن أبي رَزِينٍ، فإنَّ اتباعَ الخبرِ عن رسولِ اللهِ ﷺ أوْلى بنا مِن غيرِه.
زيلِ لولَا الخبرُ الذي ذكَرتُه عن النبيِّ ﷺ، الذي رواه إسماعيلُ بنُ سُميعٍ، عن أبي رَزِينٍ، فإنَّ اتباعَ الخبرِ عن رسولِ اللهِ ﷺ أوْلى بنا مِن غيرِه. فإذ كان ذلك هو الواجبَ، فبيِّنٌ أن تأويلَ الآيةِ: الطلاقُ الذي لأزواجِ النساءِ على نسائِهم (*) فيه الرجعةُ مرتان، ثم الأمرُ بعدَ ذلك إذا راجَعوهُنَّ في الثانيةِ، إما إمساكٌ بمعروفٍ، وإما تسريحٌ منهم لهن بإحسانٍ بالتطليقةِ
الثالثةِ حتى يَبِنَّ مِنهم، فيَبطُلَ ما كان لهم عليهن من الرجْعةِ، ويصِرنَ أملكَ بأنفسِهنَّ منهم.
فإن قال قائلٌ: وما ذلك الإمساكُ الذي هو بمعروفٍ؟
قيل: هو ما حدَّثني به عليُّ بنُ عبدِ الأعلَى المحاربيُّ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ محمدٍ المحاربيُّ، عن جُويبرٍ، عن الضحاكِ في قولِه: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ﴾. قال: المعروفُ أن يُحسنَ صُحبتَها.
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليِّ بنِ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ﴾.
َها.
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليِّ بنِ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ﴾. قال: ليتّقِ اللهَ فما التطليقةِ الثالثةِ، فإمّاُ يُمسِكُها بمعروفٍ فيحسِنُ صَحابتَها.
فإن قال: فما التسريحُ الذي هو بإحسانٍ؟
قيل: هو ما حدَّثني به المُثَنَّى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليِّ بنِ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾: أو يُسرِّحُها فلا يظلِمُها من حقِّها شيئًا.
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾. قال: هو الميثاقُ الغليظُ.
حدَّثني موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿أَوْ تَسْرِيحٌ
بِإِحْسَانٍ﴾.
رُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾. قال: هو الميثاقُ الغليظُ.
حدَّثني موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿أَوْ تَسْرِيحٌ
بِإِحْسَانٍ﴾. قال: الإحسانُ أن يوفِّيَها حقَّها، فلا يُؤذِيَها ولا يَشتمَها.
حدَّثنا عليُّ بنُ عبدٍ الأعلَى، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ محمدٍ المحاربيُّ، عن جويبرٍ، عن الضحاكِ: ﴿أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾: فالتسريحُ بإحسانٍ أن يدَعَها حتى تمضيَ عِدّتُها، ويُعطيَها مَهرًا إنْ كان لها عليه إذا طلَّقها، فذلك التسريحُ بإحسانٍ، والمتعةُ على قَدْرِ الميسرَةِ.
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا سويدُ بنُ نصرٍ، قال: أخبَرنا ابنُ المباركِ، عن ابنِ جُريجٍ، عن عطاءٍ الخراسانيِّ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ [النساء: ٢١] قال: قولُه: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾.
بأن قال قائلٌ: فما الرافعُ للإمساكِ والتسريحِ؟
كُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ [النساء: ٢١] قال: قولُه: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾.
بأن قال قائلٌ: فما الرافعُ للإمساكِ والتسريحِ؟
قيل: محذوفٌ اكتُفِيَ بدلالةِ ما ظهَر من الكلامِ مِن ذكرِه، ومعناه: الطلاقُ مرتان، فالأمرُ الواجبُ حينئذٍ إمساكٌ بمعروفٍ، أو تسريحٌ بإحسانٍ.
وقد بيَّنَّا ذلك مفسَّرًا في قولِه: ﴿فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ فأغنَى ذلك عن إعادتِه في هذا الموضعِ.
أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللهِ﴾. وذلك قراءةُ عُظْمِ أهلِ الحجازِ والبصرةِ، بمعنى: إلَّا أن يخافَ الرجلُ والمرأةُ ألا يقيمَا حدودَ اللهِ. وقد ذُكِر أن ذلك في قراءةِ أُبَيِّ بنِ كعبٍ: (إلَّا أنْ يَظُنَّا ألَا يُقيِما حُدودَ اللهِ).
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزَّاقِ، قال: أخبَرنا مَعمرٌ، قال: أخبَرني ثورٌ، عن ميمونِ بنِ مِهرانَ، قال: في حرفِ أُبيٍّ أن الفداءَ تطليقةٌ. قال: فذكَرتُ ذلك لأيوبَ، فأتينا رجلًا عندَه مصحفٌ قديمٌ لأبيٍّ خرَج من ثقةٍ، فقرَأناه فإذا فيه: (إلَّا أنْ يَظُنَّا ألَّا يُقِيما حُدودَ اللهِ، فإنْ ظَنَّا ألا يُقِيما حُدُودَ اللهِ فَلا جُناحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِه، لا تحلُّ له من بعدُ حتى تنكحَ زوجًا غيرَه).
والعربُ قد تضعُ الظَّنَّ موضعَ الخوفِ، والخوفَ موضعَ الظنِّ في كلامِها؛ لتقاربِ معنيَيْهما، كما قال الشاعرُ:
أتانِي كَلامٌ عنْ نُصَيْبٍ يَقُولُهُ … ومَا خِفْتُ يا سَلَّامُ أنَّكَ عائبِي
بمعنى: وما ظَننتُ.
لظنِّ في كلامِها؛ لتقاربِ معنيَيْهما، كما قال الشاعرُ:
أتانِي كَلامٌ عنْ نُصَيْبٍ يَقُولُهُ … ومَا خِفْتُ يا سَلَّامُ أنَّكَ عائبِي
بمعنى: وما ظَننتُ.
وقرأه آخرون من أهلِ المدينةِ والكوفةِ: (إلَّا أنْ يُخافا). فأما قارئُ ذلك كذلك من أهلِ الكوفةِ، فإنه ذُكِر عنه أنه قرَأه كذلك اعتبارًا منه بقراءةِ ابنِ مسعودٍ، وذُكِرَ أنه في قراءةِ ابنِ مسعودٍ: (إلَّا أنْ تَخافُوا ألَّا يُقِيما حُدُودَ اللهِ). وقراءةُ ذلك كذلك اعتبارًا بقراءةِ ابنِ مسعودٍ التي ذُكِرتْ عنه خطأٌ، وذلك أن ابنَ مسعودٍ إن كان قرَأه كما ذُكِرَ عنه، فإنما أعملَ الخوفَ في "أنْ" وحدَها، وذلك غيرُ مدفوعةٍ صحتُه، كما قال الشاعرُ:
إذَا مِتُّ فادْفِنِّي إلى أصْلِ كَرْمَةٍ … يُرَوِّي عِظامي بَعْدَ مَوتي عُرُوقُها
ولَا تَدْفِنَنِّى بالفَلاةِ فإنَّنِي … أخافُ إذَا ما مِتُّ أنْ لا أذُوقُها
فأمّا قارئُه: (إلَّا أن يُخافَا).
… يُرَوِّي عِظامي بَعْدَ مَوتي عُرُوقُها
ولَا تَدْفِنَنِّى بالفَلاةِ فإنَّنِي … أخافُ إذَا ما مِتُّ أنْ لا أذُوقُها
فأمّا قارئُه: (إلَّا أن يُخافَا). بذلك المعنَى، فقد أعمَل الخوفَ في متروكةٍ تَسميتُه، وفي "أنْ"، فأعْمَله في ثلاثةِ أشياءَ: المتروكِ الذي هو اسمُ ما لمْ يُسمَّ فاعلُه، وفي "أنْ" التي تنوبُ عن شيئين. ولا تقولُ العربُ في كلامِها: ظُنّا أنْ يقوما. لكنّ قراءةَ ذلك كذلك صحيحةٌ على غيرِ الوجهِ الذي قرَأهُ مَنْ ذكَرْنا قراءَتَه
كذلك، اعتبارًا بقراءةِ عبدِ اللهِ [التي وصَفْنَاها]، ولكنْ على أن يكونَ مرادًا به إذا قُرئَ كذلك: إلا أن يُخافَا بألا يقيما حدودَ اللهِ. أو على ألا يقيما حدودَ اللهِ.
فيكونَ العاملُ في "أن" غيرَ "الخوفِ"، ويكونَ "الخوفُ" عاملًا فيما لم يُسمَّ فاعلُه.
أن يُخافَا بألا يقيما حدودَ اللهِ. أو على ألا يقيما حدودَ اللهِ.
فيكونَ العاملُ في "أن" غيرَ "الخوفِ"، ويكونَ "الخوفُ" عاملًا فيما لم يُسمَّ فاعلُه. وذلك هو الصوابُ عندَنا من القراءةِ؛ لدلالةِ ما بعدَه على صحتِه، وهو قولُه: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللهِ﴾ فكان بيِّنًا أن الأولَ بمعنى: إلَّا أن تَخافوا ألا يُقِيما حدودَ اللهِ.
فإن قال قائلٌ: وأيةُ حالٍ الحالُ التي يُخافُ عليهما ألا يُقِيما حدودَ اللهِ، حتى يَجوزَ للرجلِ أنْ يأخُذَ حينئذٍ منها ما آتاها؟
قيل: حالُ نُشوزِها وإظهارِها له بِغْضتَه، حتى يُخافَ عليها تركُ طاعةِ اللهِ فيما ألزَمها لزوجِها من الحقِّ، ويُخافَ على زوجِها بتقصيرِها في أداءِ حقوقه التي ألزَمها اللهُ له تركُه أداءَ الواجبِ لها عليه، فذلك حينَ الخوفِ عليهما ألا يُقيما حدودَ اللهِ فيُطِيعاه فيما ألزَمَ كلَّ واحدٍ منهما لصاحبِه، والحالُ التي أباحَ النبيُّ ﷺ لثابتِ بنِ قيسِ بنِ شَمَّاسٍ أخذَ ما كان آتَى زوجَته إذْ نَشَزتْ عليه بُغضًا منها له.
ما ألزَمَ كلَّ واحدٍ منهما لصاحبِه، والحالُ التي أباحَ النبيُّ ﷺ لثابتِ بنِ قيسِ بنِ شَمَّاسٍ أخذَ ما كان آتَى زوجَته إذْ نَشَزتْ عليه بُغضًا منها له.
كما حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلَى، قال: ثنا المعتمرُ بنُ سليمانَ، قال: قرأتُ على فُضيلٍ، عن أبي حَرِيزٍ، أنه سأل عكرمةَ: هل كان للخُلعِ أصلٌ؟ قال: كان ابنُ عباسٍ يقولُ: إنَّ أولَ خُلعٍ كان في الإسلامِ أختُ عبدِ اللهِ بنِ أبَىٍّ؛ أنها أتتْ رسولَ اللهِ ﷺ، فقالت: يا رسولَ اللهِ لا يجمَعُ رأسِي ورأسَه شيْءٌ أبدًا، إني رفَعتُ جانبَ الخِباءِ فرأيتُه أقبَل في عِدَّةٍ، فإذا هو أشدُّهم سوادًا، وأقصرُهم قامةً، وأقْبحُهم
وجهًا. قال زوجُها: يا رسولَ اللهِ إني أعطيتُها أفضلَ مالي حديقةً، [فإنْ ردَّتْ] عليَّ حديقتي! قال: ما تقولين؟ قالت: نَعم، وإن شاءَ زِدْتُه.
وأقْبحُهم
وجهًا. قال زوجُها: يا رسولَ اللهِ إني أعطيتُها أفضلَ مالي حديقةً، [فإنْ ردَّتْ] عليَّ حديقتي! قال: ما تقولين؟ قالت: نَعم، وإن شاءَ زِدْتُه. قال: ففرّقَ بينهما.
حدَّثني محمدُ بنُ مَعمرٍ، قال: ثنا أبو عامرٍ، قال: ثنا أبو عَمرٍ والسَّدوسِيُّ، عن عبدِ اللهِ، يعني ابنَ أبي بكرٍ، عن عَمْرةَ، عن عائشةَ، أن حبيبةَ ابنةَ سهلٍ كانت تحتَ ثابتِ بنِ قيسِ بنِ شَمَّاسٍ، فضرَبها فكسَر بعضَها، فأتت رسولَ اللهِ ﷺ بعدَ الصُّبحِ، فاشْتكتْه إليه، فدعا رسولُ اللهِ ﷺ ثابتًا، فقال: "خُذْ بعضَ مالِها وفارِقْها". قال: ويصلُحُ ذلك يا رسولَ اللهِ؟ قال: "نعم". قال: فإني أصدَقْتُها حديقتَيْنِ وهما بيدِها، فقال النبيُّ ﷺ: "خُذْهُمَا وفارِقْهَا". ففعَل.
حدثنا [ابن بشارٍ]، قال: ثنا روحٌ، قال: ثنا مالكٌ، عن يحيى، عن عَمْرةَ، أنها أخبرَته عن حبيبةَ ابنةِ سهلٍ الأنصاريةِ أنها كانت تحتَ ثابتِ بنِ قيسِ بنِ شَمَّاسٍ، وأن رسولَ اللهِ ﷺ رآها عندَ بابِه بالغَلسِ، فقال رسولُ اللهِ ﷺ: "مَنْ هَذِه؟
حبيبةَ ابنةِ سهلٍ الأنصاريةِ أنها كانت تحتَ ثابتِ بنِ قيسِ بنِ شَمَّاسٍ، وأن رسولَ اللهِ ﷺ رآها عندَ بابِه بالغَلسِ، فقال رسولُ اللهِ ﷺ: "مَنْ هَذِه؟ " قالت: أنا حبيبةُ ابنةُ سهلٍ، لا أنا ولا ثابتُ بنُ قيسٍ. لزوجِها، فلما جاء
ثابتُ بنُ قيسٍ قال له رسولُ اللهِ ﷺ: "هَذِهِ حَبِيبَةُ ابنةُ سَهْلٍ تَذْكُرُ ما شاءَ اللهُ أنْ تَذْكُرَ". فقالت حبيبةُ: يا رسولَ اللهِ، كلُّ ما أعطانِيه عندي. فقال رسولُ اللهِ ﷺ: "خُذْ مِنْها". فأخَذ منها وجلَستْ في بيتِها.
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا الحسينُ بنُ واقدٍ، عن ثابتٍ، عن عبدِ اللهِ بنِ رباحٍ، عن جميلةَ بنتِ أُبيِّ ابنِ سلولَ، أنها كانت تحت ثابتِ بنِ قيسٍ فنشَزتْ عليه، فأرسَل إليها النبيُّ ﷺ، فقال: "يا جَمِيلَةُ ما كَرِهْتِ مِنْ ثابِتٍ"؟ قالت: واللهِ ما كرِهتُ منه دِينًا ولَا خُلقًا، إلَّا أني كرِهتُ دَمامَتَه. فقال لها: "أتَرُدِّين الحَديقَةَ؟ " قالت: نعم.
ُ ما كَرِهْتِ مِنْ ثابِتٍ"؟ قالت: واللهِ ما كرِهتُ منه دِينًا ولَا خُلقًا، إلَّا أني كرِهتُ دَمامَتَه. فقال لها: "أتَرُدِّين الحَديقَةَ؟ " قالت: نعم. فرَدَّتِ الحديقةَ، وفرَّق بينهما.
وقد ذُكِرَ أنَّ هذه الآيةَ نزَلتْ في شأنِهما، أعني في شأنِ ثابتِ بنِ قيسٍ وزوجتِه هذه.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ، قال: نزَلتْ هذه الآيةُ في ثابتِ بنِ قيسٍ وفي حبيبةَ، قال: وقد كانت اشتكَته إلى رسولِ اللهِ ﷺ، فقال رسولُ اللهِ: "تَرُدِّينَ عَلَيْهِ حَدِيقَتَهُ"؟ فقالت: نعم. فدعاه النبيُّ ﷺ فذكَر ذلك له. فقال: ويطيبُ لي ذلك يارسولَ اللهِ؟ قال: "نعم". قال
ثابتٌ: قد فعَلْتُ.
ِ: "تَرُدِّينَ عَلَيْهِ حَدِيقَتَهُ"؟ فقالت: نعم. فدعاه النبيُّ ﷺ فذكَر ذلك له. فقال: ويطيبُ لي ذلك يارسولَ اللهِ؟ قال: "نعم". قال
ثابتٌ: قد فعَلْتُ. فنزَلتْ: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا﴾.
وأما أهلُ التأويلِ فإنهم اختَلَفوا في معنى الخوفِ منهما ألا يُقِيما حدودَ اللهِ، فقال بعضُهم: ذلك هو أن يظهرَ من المرأةِ سوءُ الخلقِ والعِشرةِ لزوجِها، فإذا ظهَر ذلك منها له، حلَّ له أخذُ ما أعطَتْه من فديةٍ على فراقِها.
ذِكرُ مَن قال ذلك
ضُهم: ذلك هو أن يظهرَ من المرأةِ سوءُ الخلقِ والعِشرةِ لزوجِها، فإذا ظهَر ذلك منها له، حلَّ له أخذُ ما أعطَتْه من فديةٍ على فراقِها.
ذِكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني عليُّ بنُ داودَ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثنى معاويةُ، عن عليِّ بنِ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا﴾: إلَّا أن يكونَ النشوزُ وسوءُ الخلقِ مِن قِبَلِها، فتَدْعوَك إلى أن تَفتديَ منك، فلا جناحَ عليك فيما افتدَتْ به.
حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عُليَّةَ، قال: قال ابنُ جُريجٍ: أخبَرني هِشامُ بنُ عروةَ، أن عروةَ كان يقولُ: لا يحِلُّ الفداءُ حتى يكونَ الفسادُ من قِبَلِها، ولم يكنْ يقولُ: "لا يحِلُّ له" حتى تقولَ: لا أبَرُّ لكَ قَسمًا، ولا أغتسِلُ مِن جنابةٍ.
حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عُليةَ، عن ابنِ جُريجٍ، قال: أخبَرني عَمرُو بنُ دينارٍ، قال: قال جابرُ بنُ زيدٍ: إذا كان الشَّرُّ مِن قِبلِها حلَّ الفداءُ (٣).
يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عُليةَ، عن ابنِ جُريجٍ، قال: أخبَرني عَمرُو بنُ دينارٍ، قال: قال جابرُ بنُ زيدٍ: إذا كان الشَّرُّ مِن قِبلِها حلَّ الفداءُ (٣).
حدَّثنا الربيعُ بنُ سليمانَ، قال: حدَّثنا ابنُ وهبٍ، قال: أخبَرني ابنُ أبي الزِّنادِ، عن هشامِ بنِ عروةَ، أن أباه كان يقولُ: إذا كان سوءُ الخلقِ وسوءُ العِشْرَةِ مِن قِبلِ المرأةِ، فذاكَ يُحِلُّ خُلْعَها.
حدَّثنا عليُّ بنُ سهلٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ كثيرٍ، عن حمادٍ، عن هشامٍ، عن أبيه أنه قال: لا يصلُحُ الخُلعُ حتى يكونَ الفسادُ من قِبلِ المرأةِ.
حدَّثنا عبدُ الحميدِ بنُ بيانٍ السُّكَّريُّ، قال: ثنا محمدُ بنُ يزيدَ، عن إسماعيلَ، عن عامرٍ في امرأةٍ قالت لزوجِها: لا أبَرُّ لك قسمًا، ولا أُطيعُ لك أمْرًا، ولا أغتسِلُ لك من جنابةٍ: قال: ما هذا؟ - وحرَّك يدَه - لا أبَرُّ لك قسمًا، ولا أطيعُ لك أمرًا!
الت لزوجِها: لا أبَرُّ لك قسمًا، ولا أُطيعُ لك أمْرًا، ولا أغتسِلُ لك من جنابةٍ: قال: ما هذا؟ - وحرَّك يدَه - لا أبَرُّ لك قسمًا، ولا أطيعُ لك أمرًا! إذا كرِهتِ المرأةُ زوجَها فلْيأخُذْ ولْيترُكْها.
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الوهابِ، قال: ثنا أيوبُ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ أنه قال في المُختَلِعةِ: يَعِظُها، فإن انتهَتْ وإلا هجرَها، فإن انتهَتْ وإلا ضرَبها، فإن انتهتْ وإلا رفَع أمرَها إلى السلطانِ، فيبعَثُ حَكَمًا من أهلِه وحكَمًا من أهلِها، فيقولُ الحكمُ الذي من أهلِها: تفعلُ بها كذا وتفعلُ بها كذا. ويقولُ الحكَمُ الذي من أهلِه: تفعَلُ به كذا وتفعلُ به كذا. فأيُّهما كان أظلمَ ردَّه السلطانُ، وأخَذ فوقَ يدِه، وإن كانت ناشزًا أمَره أن يخلَعَ.
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ في قولِه: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ﴾ إلى قولِه: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا
افْتَدَتْ بِهِ﴾.
بي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ في قولِه: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ﴾ إلى قولِه: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا
افْتَدَتْ بِهِ﴾. قال: إذا كانت المرأةُ راضيةً مُغتبطةً مطيعةً، فلا يحلُّ له أن يضرِبَها حتى تفتديَ منه، فإن أخَذ منها شيئًا على ذلك، فما أخَذ مِنها فهو حرامٌ، وإن كان النشوزُ والبغضُ والظلمُ من قِبَلِها، فقد حلَّ له أن يأخُذَ منها ما افتدتْ به.
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزَّاقِ، قال: أخبَرنا مَعمرٌ، عن الزهريِّ في قولِه: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللهِ﴾ قال: لا يحلُّ للرَّجلِ أن يَخْتلِعَ امرأتَه إلا أن يُؤتَى ذلك مِنها، فأما أن يكونَ [ذلك منه]، يُضَارُّها حتى تَختلِعَ، فإن ذلك لا يصلُحُ، ولكن إذا نشَزتْ فأظهَرتْ له البغضاءَ وأساءت عِشْرتَه، فقد حلَّ له خُلْعُها.
ِنها، فأما أن يكونَ [ذلك منه]، يُضَارُّها حتى تَختلِعَ، فإن ذلك لا يصلُحُ، ولكن إذا نشَزتْ فأظهَرتْ له البغضاءَ وأساءت عِشْرتَه، فقد حلَّ له خُلْعُها.
حدَّثنا يحيى بنُ أبي طالبٍ، قال: أخبرنا يزيدُ، قال: أخبَرنا جُويبرٌ، عن الضحاكِ في قولِه: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا﴾ قال: الصداقُ ﴿إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللهِ﴾ وحدودُ اللهِ أن تكونَ المرأةُ ناشِزًا، فإن اللهَ أمَر الزوجَ أن يعِظَها بكتابِ اللهِ، فإن قبِلتْ وإلا هجَرها، والهَجْرُ ألا يُجامِعَها ولا يضاجِعَها على فراشٍ واحدٍ، ويُولِّيَها ظهرَه ولا يكلِّمَها، فإن أبَتْ غلَّظ لها القولَ بالشَّتيمةِ لترجِعَ إلى طاعتِه، فإن أبتْ فالضربُ؛ ضربٌ غيرُ مُبرِّحٍ، فإن أبتْ إلا جِماحًا فقد أُحِلَّ له منها الفديةُ.
وقال آخرون: بل الخوفُ من ذلك ألا تَبَرَّ له قَسَمًا ولا تطيعَ له أمرًا، وتقولَ: لا أغتسِلُ لك من جنابةٍ، ولا أُطِيعُ لك أمرًا.
حِلَّ له منها الفديةُ.
وقال آخرون: بل الخوفُ من ذلك ألا تَبَرَّ له قَسَمًا ولا تطيعَ له أمرًا، وتقولَ: لا أغتسِلُ لك من جنابةٍ، ولا أُطِيعُ لك أمرًا. فحينئذٍ يَحِلُّ له عندَهم أَخْذُ ما آتاها على فِراقِه إيّاها.
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ عبدِ الأعلَى، قال: ثنا معتمرُ بنُ سليمانَ، عن أبيه، قال: قال الحسنُ: إذا قالت: لا أغتسِلُ لك من جنابةٍ، ولا أَبَرُّ لك قسمًا، ولا أُطيعُ لك أمرًا. فحينئذٍ حلَّ الخُلعُ.
حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الأعلَى، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، عن الحسنِ، قال: إذا قالت المرأةُ لزوجِها: لا أبَرُّ لك قسمًا، ولا أطيعُ لك أمرًا، ولا أغتسِلُ لكَ من جنابةٍ، ولا أُقيمُ حدًّا من حدودِ اللهِ. فقد حلَّ له مالُها.
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا هارونُ بنُ المغيرةِ، عن عنبسةَ، عن محمدِ بنِ سالمٍ، قال: سألتُ الشعبيَّ، قلتُ: متى يحلُّ للرجلِ أن يأخُذَ من مالِ امرأتِه؟
َثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا هارونُ بنُ المغيرةِ، عن عنبسةَ، عن محمدِ بنِ سالمٍ، قال: سألتُ الشعبيَّ، قلتُ: متى يحلُّ للرجلِ أن يأخُذَ من مالِ امرأتِه؟ قال: إذا أظهرَتْ بُغضَه وقالت: لا أبَرُّ لك قسمًا، ولا أطيعُ لك أمرًا.
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن مغيرةَ، عن الشعبيِّ أنه كان يَعْجَبُ من قولِ مَن يقولُ: لا تحلُّ الفديةُ حتى تقولَ: لا أغتسِلُ لكَ من جنابةٍ. وقال: إن الزانِيَ يَزنِي ثم يغتسِلُ.
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن مغيرةَ، عن حمادٍ، عن إبراهيمَ في
الناشزِ، قال: إن المرأةَ ربما عصَتْ زوجَها ثم أطاعته، ولكن إذا عصَتْه فلم تَبَرَّ [له قَسَمًا]، فعندَ ذلك تحِلُّ له الفديةُ.
عن حمادٍ، عن إبراهيمَ في
الناشزِ، قال: إن المرأةَ ربما عصَتْ زوجَها ثم أطاعته، ولكن إذا عصَتْه فلم تَبَرَّ [له قَسَمًا]، فعندَ ذلك تحِلُّ له الفديةُ.
حَدَّثَنِي [موسى بنُ هارونَ]، قال: ثنا عَمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا﴾: لا يحلُّ له أن يأخُذَ من مهرِها شيئًا إلَّا أن [يكونا يخافان] ألَّا يُقيما حدودَ اللهِ، فإذا لَمْ يقيما حدودَ اللهِ، فقد حلَّ له الفِدَى، وذلك أن تقولَ له: واللهِ لا أبرُّ لك قسمًا، ولا أطيعُ لك أمرًا، ولا أُكرِمُ لك نفْسًا. ولا أغتسِلُ لكَ من جنابةٍ. فهو حدودُ اللهِ، فإذا قالت ذلك، فقد حلَّ الفِدَى للزوجِ أن يأخُذَه ويطلِّقَها.
حَدَّثَنَا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا حَكَّامٌ، قال: ثنا عَنبسةُ، عن عليِّ بنِ بَذِيمةَ، عن مِقْسمٍ في قولِهِ: ﴿وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ﴾ [النساء: ١٩] يقولُ: (إلَّا أن يُفْحِشْن) في قراءةِ ابنِ مسعودٍ.
ن مِقْسمٍ في قولِهِ: ﴿وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ﴾ [النساء: ١٩] يقولُ: (إلَّا أن يُفْحِشْن) في قراءةِ ابنِ مسعودٍ. قال: إذا عصتْكَ وآذَتْكَ، فقد حلَّ لك ما أخَذتَ منها.
حدَّثني القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا﴾. قال: الخُلعُ. قال: ولا يحلُّ له إلَّا أن تقولَ المرأةُ: لا أَبَرُّ قسَمَه، ولا أطيعُ أمرَه. فيقبلَه خيفةَ
أن يسيءَ إليها إن أمسَكها ويتعدَّى الحقَّ.
وقال آخرون: بل الخوفُ من ذلك أن [تُبْدِىَ له] بلسانِها قولًا أنَّها له كارهةٌ.
ذكرُ من قال ذلك
حَدَّثَنِي محمدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ عبدِ الحكَمِ المصريُّ، قال: ثنا أبي وشعيبُ بنُ الليثِ، عن الليثِ، عن أيوبَ بنِ موسي، عن عطاءِ بنِ أبي رباحٍ، قال: يُحِلُّ الخلعَ أن تقولَ المرأةُ لزوجِها: إني لأكرَهُكَ، وما أحبُّكَ، ولقد خشيتُ أن آثَمَ في جنبِكَ ولا أؤدِّيَ حقَّكَ.
، عن عطاءِ بنِ أبي رباحٍ، قال: يُحِلُّ الخلعَ أن تقولَ المرأةُ لزوجِها: إني لأكرَهُكَ، وما أحبُّكَ، ولقد خشيتُ أن آثَمَ في جنبِكَ ولا أؤدِّيَ حقَّكَ. وتطيبَ نَفْسًا بالخُلعِ.
وقال آخرون: بل الذي يبيحُ له أخذَ الفديةِ أن يكونَ خوفُ ألا يقيما حدودَ اللهِ منهما جميعًا لكراهةِ كلِّ واحدٍ منهما صُحبةَ الآخَرِ.
ذكرُ من قال ذلك
حَدَّثَنَا حُميدُ بنُ مَسعدةَ، قال: ثنا بشرُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا داودُ، عن عامرٍ، وحَدَّثَنِي يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عُليةَ، عن داودَ، قال: قال عامرٌ: أُحِلُّ له مالَها بنُشوزِه ونُشوزِها.
حَدَّثَنِي يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابنُ عُليةَ، قال: قال ابنُ جُريجٍ: قال طاوسٌ: يُحِلُّ له الفِدى ما قال اللهُ ﵎ ولم يكن يقولُ قولَ السفهاءِ: لا أبَرُّ لك قسمًا.
نُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابنُ عُليةَ، قال: قال ابنُ جُريجٍ: قال طاوسٌ: يُحِلُّ له الفِدى ما قال اللهُ ﵎ ولم يكن يقولُ قولَ السفهاءِ: لا أبَرُّ لك قسمًا. ولكن يُحِلُّ الفداءَ ما قال اللهُ: ﴿إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللهِ﴾
فيما افْتَرَض لكلِّ واحدٍ منهما على صاحبِه من العِشرةِ والصحبةِ.
حَدَّثَنِي يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابنُ عُليةَ، عن محمدِ بنِ إسحاقَ، قال: سمِعتُ القاسمَ بنَ محمدٍ يقولُ: ﴿إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللهِ﴾.
ُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابنُ عُليةَ، عن محمدِ بنِ إسحاقَ، قال: سمِعتُ القاسمَ بنَ محمدٍ يقولُ: ﴿إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللهِ﴾. قال: فيما افتَرَض اللهُ عليهما في العِشرةِ والصُّحبةِ.
حَدَّثَنِي المُثَنَّى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى الليثُ، قال: ثنى ابنُ شهابٍ، قال: أخبَرني سعيدُ بنُ المسيَّبِ، قال: لا يَحِلُّ الخلعُ حتى يخافا ألا يُقِيما حدودَ اللهِ في العِشرةِ التي بينهما.
وأوْلى هذه الأقوالِ بالصحةِ قولُ من قال: لا يَحِلُّ للرجلِ أخذُ الفديةِ مِن امرأتِه على فراقِه إيَّاها، حتى يكونَ خوفُ معصيةِ اللهِ من كلِّ واحدٍ منهما على نفسِه، في تفريطِه في الواجبِ عليه لصاحبِه منهما جميعًا، على ما ذكرناه عن طاوسٍ والحسنِ ومَن قال في ذلك مثلَ قولِهما؛ لأنَّ اللهَ تعالى ذكرُه إنما أباحَ للزوجِ أخذَ الفدية من امرأتِه عندَ خوفِ المسلمين عليهما ألا يقيما حدودَ اللهِ.
الحسنِ ومَن قال في ذلك مثلَ قولِهما؛ لأنَّ اللهَ تعالى ذكرُه إنما أباحَ للزوجِ أخذَ الفدية من امرأتِه عندَ خوفِ المسلمين عليهما ألا يقيما حدودَ اللهِ.
فإن قال قائلٌ: فإن كان الأمرُ كما وصَفتَ، فالواجبُ أن يكونَ حرامًا على الرجلِ قبولُ الفديةِ منها إذا كان النشوزُ منها دونَه، حتى يكونَ منه من الكراهيةِ لها مثلُ الذي يكونُ منها؟
قيل له: الأمرُ في ذلك بخلافِ ما ظننتَ، وذلك أن في نشوزِها عليه داعيةً له إلى التقصيرِ في واجبِها، ومجازاتِها * بسوء فِعْلِها به، وذلك هو المعنى الذي يوجبُ
للمسلمين الخوفَ عليهما ألا يقيما حدودَ اللهِ. فأمَّا إذا كان التفريطُ من كلِّ واحدٍ منهما في واجبِ حقِّ صاحبِه قد وُجدَ، وسوءُ الصحبةِ والعِشرَةِ قد ظهَر للمسلمين، فليس هناك للخوفِ موضعٌ، إذْ كان الخوفُ قد وُجدَ، وإنما يُخافُ وقوعُ الشيءِ قبلَ حُدوثِه، فأما بعدَ حُدوثِه فلا وجهَ للخوفِ مِنه ولا الزيادةِ في مكروهِه.
القولُ في تأويلِ قوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللهِ﴾.
اختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللهِ﴾ التي إذا خيفَ من الزوجِ والمرأةِ ألا يُقيماها حَلَّتْ له الفديةُ من أجلِ الخوفِ عليهما تَضْييعَها؛ فقال بعضُهم: هو استخفافُ المرأةِ بحقِّ زوجِها وسوء طاعتِها إيَّاه، وأذاها له بالكلامِ.
ذكرُ من قال ذلك
حَدَّثَنِي المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾. قال: هو تركُها إقامةَ حدودِ اللهِ، واستخفافُها بحقِّ زوجِها، وسوءُ خلُقِها، فتقولُ له: واللهِ لا أبَرُّ لك قسمًا، ولا أطأُ لك مَضجَعًا، ولا أطيعُ لك أمرًا.
و تركُها إقامةَ حدودِ اللهِ، واستخفافُها بحقِّ زوجِها، وسوءُ خلُقِها، فتقولُ له: واللهِ لا أبَرُّ لك قسمًا، ولا أطأُ لك مَضجَعًا، ولا أطيعُ لك أمرًا. فإن فعَلتْ ذلك فقد حَلَّ له منها الفديةُ.
حَدَّثَنَا أبو كريبٍ، قال: ثنا يحيى بنُ أبي زائدةَ، عن يزيدَ بنِ إبراهيمَ، عن الحسنِ في قولِه ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾.
قال: إذا قالت: لا أغتسلُ لك من جنابةٍ. حلَّ له أن يأخُذَ منها.
حَدَّثَنِي المُثَنَّي، قال: ثنا حبَّانُ بنُ موسي، قال: أخبَرنا ابنُ المباركِ، قال: ثنا يونسُ، عن الزهريِّ، قال: يَحِلُّ الخلعُ حين يخافان ألا يقيما حدودَ اللهِ وأَداءَ حدودِ اللهِ في العِشرةِ التي بينَهما.
وقال آخرون: معنى ذلك: فإن خفتم ألا يطيعا اللهَ.
ذِكرُ من قال ذلك
حَدَّثَنَا سفيانُ بنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن إسرائيلَ، عن عامرٍ: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللهِ﴾.
ألا يطيعا اللهَ.
ذِكرُ من قال ذلك
حَدَّثَنَا سفيانُ بنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن إسرائيلَ، عن عامرٍ: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللهِ﴾. قال: ألا يطيعا اللهَ.
حَدَّثَنِي محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ، قال: الحدودُ الطاعةُ.
والصوابُ من القولِ في ذلك: فإن خفتم ألا يُقيما [ما أوجَب] اللهُ عليهما مِن الفرائضِ، فيما أُلْزِمَ كلُّ واحدٍ منهما من الحقِّ لصاحبِه من العِشرةِ بالمعروفِ، والصُّحبةِ بالجميلِ، فلا جناحَ عليهما فيما افْتَدَتْ به.
وقد يدخلُ في ذلك ما رَوَيْناه عن ابنِ عباسٍ والشعبيِّ، وما رَوَيْنا عن الحسنِ والزهريِّ، لأنَّ من الواجبِ للزوجِ على المرأةِ طاعتَه فيما أوجَب اللهُ طاعتَه فيه، ولا تؤذِيه بقولٍ، ولا تمتنِعُ عليه إذا دعاها لحاجتِه، فإذا خالَفتْ ما أمرَها اللهُ به من ذلك
كانت قد ضيَّعتْ حدودَ اللهِ التي أمرَها بإقامتِها.
ه فيه، ولا تؤذِيه بقولٍ، ولا تمتنِعُ عليه إذا دعاها لحاجتِه، فإذا خالَفتْ ما أمرَها اللهُ به من ذلك
كانت قد ضيَّعتْ حدودَ اللهِ التي أمرَها بإقامتِها.
وأما معنى إقامةِ حدودِ اللهِ، فإنه العملُ بها، والمحافظةُ عليها، وتركُ تضْيِيعِها، وقد بينَّا ذلك فيما مضَى قبلُ مِن كتابِنا هذا، بما يدلُّ على صحتِه.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾.
يعني تعالى ذكرُه بذلك: فإن خفتم أيها المؤمنون ألا يقيمَ الزوجان ما حدَّ اللهُ لكلِّ واحدٍ منهما على صاحبِه من حقٍّ، وألزَمه له مِن فرضٍ، وخَشِيتم عليهما تضييعَ فرضِ اللهِ وتعدِّيَ حدودِه في ذلك، فلا جناحَ حينئدٍ عليهما فيما افتدَتْ به المرأةُ نفسَها من زوجِها، ولا حرجَ عليهما فيما أعطَتْ هذه على فراقِ زوجِها إيّاها، ولا على هذا فيما أخَذ منها من الجُعلِ والعِوَضِ عليه.
فإن قال قائلٌ: وهل كانت المرأةُ حَرِجةً لو كان الضِّرارُ من الرجلِ بها حتى افتدَتْ به نفْسَها، فيكونَ لا جناحَ عليهما فيما أعطَتْه من الفديةِ على فِراقِها إذا كان النشوزُ مِن قِبَلِها؟
قيل: لو علِمتْ في حالِ ضِرارِه بها ليأخذَ منها ما آتاها أن ضِرارَه ذلك إنما هو ليأخذَ منها ما حرَّمَ اللهُ عليه أخذَه * على الوجهِ الذي نهاهُ اللهُ عن أخذِه منها، ثم قَدَرتْ أن تمتنِعَ مِن إعطائِه ذلك بما لا ضررَ عليها في نفسٍ ولا دينٍ، ولا
ما حرَّمَ اللهُ عليه أخذَه * على الوجهِ الذي نهاهُ اللهُ عن أخذِه منها، ثم قَدَرتْ أن تمتنِعَ مِن إعطائِه ذلك بما لا ضررَ عليها في نفسٍ ولا دينٍ، ولا
خوفَ عليها في ذهابِ حقٍّ لها، لما حلَّ لها إعطاؤُه ذلكَ، إلَّا علَى وجهِ طيبِ النفسِ منها بإعطائِه إيَّاهُ على ما يَحِلُّ له أخذُه منها؛ لأنها متى أعطَتْه ما لا يَحلُّ له أخذُه منها وهي قادرةٌ على مَنعِه ذلكَ بما لا ضررَ عليها في نفسٍ ولا دينٍ، ولا في حقٍّ لها تخافُ ذهابَه، فقد شارَكَتْه في الإثمِ بإعطائِه ما لا يَحلُّ له أخذُه منها على الوجهِ الذي أعطتْه عليْه، فلذلك وُضِع عنها الجناحُ إذا كان النشوزُ من قِبلِها، وأعطَتْه ما أعطَتْه من الفديةِ بطيبِ نفسٍ؛ ابتغاءً منها بذلك سلامتَها وسلامةَ صاحبِها من الوِزْرِ والمأثمِ، وهي - إذا أعطَتْه على هذا الوجهِ - باستحقاقِ الأجرِ والثوابِ من اللهِ أوْلى إن شاءَ اللهُ من الجنُاحِ والحرجِ، ولذلك قال جلّ ثناؤُه: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا﴾ فوضَع الحرجَ عنها فيما أعطَتْه على هذا الوجهِ من الفديةِ على
وْلى إن شاءَ اللهُ من الجنُاحِ والحرجِ، ولذلك قال جلّ ثناؤُه: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا﴾ فوضَع الحرجَ عنها فيما أعطَتْه على هذا الوجهِ من الفديةِ على فِراقِه إيَّاها، وعنه فيما قبَض منها إذ كانت مُعطيةً على المعنى الذي وصَفْنا، وكان قابضًا منها ما أعطتْه من غيرِ ضِرارٍ، بل طلَبَ السلامةِ لنفسِه ولها في [أديانِهما وحذارًا للأوزارِ] والمأثمِ.
وقد يتَّجِهُ قولُه جلّ ثناؤُه: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا﴾ وجهًا آخرَ من التأويلِ، وهو أنَّها لو بذَلتْ له ما بذَلتْ من الفديةِ على غيرِ الوجهِ الذي أذِن نبيُّ اللهِ ﷺ لامرأةِ ثابتِ بنِ قيسِ بنِ شَمَّاسٍ، وذلك لكراهتِها أخلاقَ زوجِها أو دمامةَ خَلْقِه، وما أشبَهَ ذلك من الأمورِ التي يكرهُها الناسُ بعضُهم من بعضٍ، ولكن على الانصرافِ منها بوجْهِها إلى آخرَ غيرِه على وجهِ الفسادِ وما لا يَحِلُّ لها - كان حرامًا عليها أنْ تُعطىَ على مسألتِها إياهُ فِراقَها على ذلك الوجهِ شيئًا؛ لأنَّ مسألتَها إيّاه الفرقةَ على ذلك
ى وجهِ الفسادِ وما لا يَحِلُّ لها - كان حرامًا عليها أنْ تُعطىَ على مسألتِها إياهُ فِراقَها على ذلك الوجهِ شيئًا؛ لأنَّ مسألتَها إيّاه الفرقةَ على ذلك
الوجهِ معصيةٌ منها للهِ، وتلك هي المُخْتلِعةُ - إن خولِعتْ على ذلك الوجهِ - التي رُوِي عن النبيِّ ﷺ أنه سمَّاها منافقةً.
كما حدَّثنا يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا المعتمرُ بنُ سليمانَ، عن ليثٍ، عن أبي إدريسَ، عن ثوبانَ مولَى رسولِ اللهِ ﷺ، عن النبيِّ ﷺ أنه قال: "أيُّمَا امرأةٍ سأَلَتْ زوجَها الطَّلاقَ مِنْ غَيْرِ بَأْسٍ، حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهَا رَائحَةَ الجَنَّةِ".
مولَى رسولِ اللهِ ﷺ، عن النبيِّ ﷺ أنه قال: "أيُّمَا امرأةٍ سأَلَتْ زوجَها الطَّلاقَ مِنْ غَيْرِ بَأْسٍ، حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهَا رَائحَةَ الجَنَّةِ". وقال: "المُخْتَلِعاتُ هُنَّ المنُافِقَاتُ".
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا مُزاحمُ بنُ ذَوَّادِ بنِ عُلْبةَ، عن أبيه، عن ليثِ بنِ أبي سُليمٍ، عن أبي الخطابِ، عن أبي زُرعةَ، عن أبي إدريسَ، عن ثوبانَ مولَى رسولِ اللهِ ﷺ، عن رسولِ اللهِ ﷺ، قال: "المُخْتَلِعاتُ هُنَّ المُنافِقاتُ".
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا حفصُ بنُ بشرٍ، قال: ثنا قيسُ بنُ الربيعِ، عن أشعثَ بنِ سَوّارٍ، عن الحسنِ، عن ثابتِ بنِ يزيدَ، عن عقبةَ بنِ عامرٍ الجُهَنيِّ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ: "إنَّ المُخْتلِعاتِ المُنْتَزِعاتِ هُنَّ المُنافِقاتُ".
سَوّارٍ، عن الحسنِ، عن ثابتِ بنِ يزيدَ، عن عقبةَ بنِ عامرٍ الجُهَنيِّ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ: "إنَّ المُخْتلِعاتِ المُنْتَزِعاتِ هُنَّ المُنافِقاتُ".
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الوهابِ، وحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابنُ عُلَيةَ، قالا جميعًا: ثنا أيوبُ، عن أبي قِلابةَ، عمَّن حدَّثه، عن ثوبانَ، أن رسولَ اللهِ ﷺ قال: "أيُّمَا امْرَأةٍ سَأَلَتْ زَوْجَها طَلاقًا من غَيرِ بَأسٍ، فَحَرَامٌ علَيها
رَائحَةُ الجَنَّة"
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو النُّعمانِ عارمٌ، قال: ثنا حمادُ بنُ زيدٍ، عن أيوبَ، عن أبي قِلابةَ، عن أبي أسماءَ الرحبيِّ، عن ثوبانَ، عن رسولِ اللهِ ﷺ نحوَه.
مُثَنَّى، قال: ثنا أبو النُّعمانِ عارمٌ، قال: ثنا حمادُ بنُ زيدٍ، عن أيوبَ، عن أبي قِلابةَ، عن أبي أسماءَ الرحبيِّ، عن ثوبانَ، عن رسولِ اللهِ ﷺ نحوَه.
فإذ كان من وجوهِ افتداءِ المرأةِ نفسَها من زوجِها ما تكونُ به حَرِجةً، وعليها في افتدائِها نفسَها على ذلك الحَرجُ والجُناحُ، وكان من وجوهِه ما يكونُ الحرجُ والجُناحُ فيه على الرجلِ دونَ المرأةِ، ومنه ما يكونُ عليهما، ومنه ما لا يكونُ عليهما فيه حرجٌ ولا جُناحٌ، قيل في الوجهِ الذي لا حرجَ عليهما فيه: لا جُناحَ إذْ كانا فيما حاولا وقصَدا من افتراقِهما بالجُعْلِ الذي بذَلتْه المرأةُ لزوجِها لا جناحَ عليهما فيما افتدَتْ به من الوجهِ الذي أُبيحَ لهما، وذلك أن يخافا ألا يقيما حدودَ اللهِ بمقامِ كلِّ واحدٍ منهما على صاحبِه.
وقد زعَم بعضُ أهلِ العربيةِ أن في ذلك وجهين؛ أحدُهما، أن يكونَ مرادًا به: فلا جُناحَ على الرجلِ فيما افتدتْ به المرأةُ، دونَ المرأةِ.
هما على صاحبِه.
وقد زعَم بعضُ أهلِ العربيةِ أن في ذلك وجهين؛ أحدُهما، أن يكونَ مرادًا به: فلا جُناحَ على الرجلِ فيما افتدتْ به المرأةُ، دونَ المرأةِ. وإن كانا قد ذُكرا جميعًا، كما قال في سورةِ "الرحمنِ": ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ﴾. [وإنَّما يَخْرُجُ - زعَم - اللؤْلُؤُ والمَرْجانُ] من المِلحِ لا مِن العذْبِ. قال: ومِثلُه: ﴿فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا﴾ [الكهف: ٦١] وإنما النّاسي صاحبُ موسى وحدَه. قال:
ومِثلُه في الكلامِ أن تقولَ: عندي دابتان أركبُهما وأستَقِي عليهما. وإنما تَركبُ إحداهما وتَسْتَقِي على الأُخْرى. قال: وهذا من سَعةِ العربيةِ التي يُحتجُّ بسَعتِها في الكلامِ.
لَ: عندي دابتان أركبُهما وأستَقِي عليهما. وإنما تَركبُ إحداهما وتَسْتَقِي على الأُخْرى. قال: وهذا من سَعةِ العربيةِ التي يُحتجُّ بسَعتِها في الكلامِ. قال: والوجهُ الآخرُ، أن يشترِكا جميعًا في ألا يكونَ عليهما جُناحٌ، إذْ كانت تُعطِي ما قد نُفِيَ عن الزوجِ فيه الإثمُ، اشترَكت فيه؛ لأنها إذا أعطتْ ما يُطرحُ فيه المأثمُ احتاجتْ إلى مثلِ ذلك.
قال أبو جعفرٍ: فلم يُصِبِ الصوابَ في واحدٍ مِن الوجهين، ولا في احتجاجِه بما احتجَّ به مِن قولِه: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ﴾. فأما قولُه: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ فقد بينّا وجهَ صوابِه، وسنُبَيِّنُ وجهَ قولِه: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ﴾ في موضعِه إذا أتينا عليه، إن شاء اللهُ.
وإنما خَطَّأْنا قولَه ذلك؛ لأن اللهَ ﵎ قد أخبرَ عن وضعِه الحرجَ عن الزوجيْنِ إذا افتدت المرأةُ مِن زوجِها على ما أذِنَ، وأخبرَ عن البحرين أن منهما يخرُجُ اللؤلؤُ والمرجانُ، فأضاف الخبرَ إلى اثنيْن.
عن وضعِه الحرجَ عن الزوجيْنِ إذا افتدت المرأةُ مِن زوجِها على ما أذِنَ، وأخبرَ عن البحرين أن منهما يخرُجُ اللؤلؤُ والمرجانُ، فأضاف الخبرَ إلى اثنيْن. فلو جازَ لقائلٍ أن يقولَ: إنما أريدَ به الخبرُ عن أحدِهما فيما لم يكنْ مُستحيلًا أن يكونَ عنهما، جازَ في كلِّ خبرٍ كانَ عن اثنينِ - غيرُ مُستحيلةٍ صحتُه أن يكونَ عنهما - أن يقالَ: إنما هو خبرٌ عن أحدِهما.
وذلك قلبُ المفهومِ من كلامِ الناسِ والمعروفِ من استعمالِهم في مخاطباتِهم. وغيرُ جائزٍ حملُ كتابِ اللهِ ﷿ ووَحْيِه جلَّ ذكرُه على الشواذِّ من الكلامِ، وله في المفهومِ الجارِي بين الناسِ وجهٌ صحيحٌ موجودٌ.
ثم اختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ قولِه: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾.
أمَعنيٌّ به أنهما موضوعٌ عنهما الجُناحُ في كلِّ ما افتدتْ به المرأةُ نفسَها من شيءٍ أم في
بعضِه؟ فقال بعضُهم: عنَى بذلك: فلا جناحَ عليهما فيما افتدَتْ به من صَداقِها الذي كان آتاها زوجُها الذي تختلِعُ منه.
ْ به المرأةُ نفسَها من شيءٍ أم في
بعضِه؟ فقال بعضُهم: عنَى بذلك: فلا جناحَ عليهما فيما افتدَتْ به من صَداقِها الذي كان آتاها زوجُها الذي تختلِعُ منه. واحتجُّوا في قولِهم ذلك بأن آخرَ الآيةِ مردودٌ على أوَّلِها، وأن معنى الكلامِ: ولا يحِلُّ لكم أن تأخُذوا مما آتَيْتموهنَّ شيئًا إلا أن يَخافا ألا يُقِيما حُدودَ اللهِ، فإن خِفتم ألا يُقيما حُدودَ اللهِ فلا جُناحَ عليهما فيما افتدَتْ به مما آتيتموهنَّ.
قالوا: فالذي أحلّه اللهُ لهما من ذلك عندَ الخوفِ عليهما ألا يقيما حدودَ اللهِ هو الذي كان حظَرَ عليهما قبلَ حال الخوفِ عليهما من ذلك. واحتجُّوا في ذلك بقصةِ ثابتِ بنِ قيسِ بنِ شَمّاسٍ، وأن رسولَ اللهِ ﷺ إنما أمَر امرأتَه إذْ نَشَزَت عليه أن تردَّ ما كان ثابتٌ أصْدَقها، وأنها عرَضت الزيادةَ فلم يقبَلْها النبيٌّ ﷺ.
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، لَال: ثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ أنه كان يقولُ: لا يصلُحُ له أن يأخذَ منها أكثرَ مما ساقَ إليها.
لك
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، لَال: ثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ أنه كان يقولُ: لا يصلُحُ له أن يأخذَ منها أكثرَ مما ساقَ إليها. ويقولُ: إن اللهَ يقولُ: (فَلا جُناحَ عليهما فيما افْتَدَتْ به منه). يقولُ: من المهرِ، وكذلك كان يَقْرَؤُها: (فيما افتدَتْ به منه).
حدَّثني محمدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ عبدِ الحكمِ، قال: ثنا بشرُ بنُ بكرٍ، عن الأوزاعيِّ، قال: سمِعتُ عمرَو بنَ شعيبٍ وعطاءَ بنَ أبي رباحٍ والزهريَّ يقولون في الناشزِ: لا يأخُذُ منها زوجُها إلا ما ساقَ إليها.
حدَّثنا عليُّ بنُ سهلٍ، قال: ثنا الوليدُ بنُ مسلمٍ، ثنا أبو عمرٍو، عن عطاءٍ، قال: الناشزُ لا يأخُذُ إلا ما ساق إليها.
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا مؤمَّلٌ، قال: ثنا سفيانُ، عن ابنِ جُريجٍ، عن عطاءٍ أنه كَرِه أنْ يأخذَ في الخلعِ أكثرَ مما أعطاها.
خُذُ إلا ما ساق إليها.
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا مؤمَّلٌ، قال: ثنا سفيانُ، عن ابنِ جُريجٍ، عن عطاءٍ أنه كَرِه أنْ يأخذَ في الخلعِ أكثرَ مما أعطاها.
حدَّثنا زكريا بنُ يحيى بنِ أبي زائدةَ، قال: ثنا ابنُ إدريسَ، عن أشعثَ، عن الشعبيِّ، قال: كان يَكْرَهُ أن يأخُذَ الرجلُ من المختلِعةِ فوقَ ما أعطاها، وكان يرى أن يأخُذَ دونَ ذلك.
حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، مَال: ثنا سفيانُ، عن أبي حُصَيْنٍ، عن الشعبيِّ، قال: لا يأخذُ منها أكثرَ مما أعطاها.
حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هُشيمٌ، قال: أخبرَنا إسماعيلُ بنُ سالمٍ، عن الشعبيِّ أنه كان يَكرَهُ أن يأخذَ منها أكثرَ مما أعطاها.
ما أعطاها.
حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هُشيمٌ، قال: أخبرَنا إسماعيلُ بنُ سالمٍ، عن الشعبيِّ أنه كان يَكرَهُ أن يأخذَ منها أكثرَ مما أعطاها. يعني المختلِعَةَ.
حدَّثنا أبو كريبٍ وأبو السائبِ، قالا: ثنا ابنُ إدريسَ، قال: سمِعتُ ليثًا، عن الحكمِ بنِ عُتيبَةَ، قال: كان عليٌّ يقولُ: لا يأخذُ من المختلعةِ فوقَ ما أعطاها.
حدَّثنا محمدُ بنُ المُثَنَّى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن الحَكَمِ أنه قال في المُختلعةِ: أحبُّ إليَّ ألا يَزدادَ.
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا حجاجٌ، قال: ثنا حمادٌ، عن حُميدٍ، أن الحسنَ كان يَكْرَهُ أن يأخُذَ منها أكثرَ مما أعطاها.
حدثنا محمدُ بنُ يحيى، قال: ثنا عبدُ الأعلَى، قال: ثنا سعيدٌ، عن مطرٍ، أنه سأل الحسنَ - أو أن الحسنَ سُئِلَ - عن رجلٍ تزوَّج امرأةً على مائتي درهمٍ، فأرادَ أن يخلَعَها، هل له أن يأخذَ أربعَمائةٍ؟
قال: ثنا سعيدٌ، عن مطرٍ، أنه سأل الحسنَ - أو أن الحسنَ سُئِلَ - عن رجلٍ تزوَّج امرأةً على مائتي درهمٍ، فأرادَ أن يخلَعَها، هل له أن يأخذَ أربعَمائةٍ؟ فقال: لا واللهِ، [لا أرَى] ذاك؛ أن يأخذَ منها أكثرَ مما أعطاها.
حدثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزَّاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، قال: كان الحسنُ يقولُ: لا يأخذُ منها أكثرَ مما أعطاها. قال مَعمرٌ: وبلَغني عن عليٍّ أنه كان يَرَى ألا يأخذَ منها أكثرَ مما أعطاها.
حدثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزَّاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن عبدِ الكريمِ الجَزَرِيِّ، عن ابنِ المسيَّبِ، قال: ما أُحِبُّ أن يأخذَ منها كلَّ ما أعطاها حتى يَدَعَ لها منه ما يُعِيشُها.
حدثنا الحسنُ بن يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزَّاق، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن ابنِ طاوسٍ، أن أباه كان يقولُ في المفتديةِ: لا يَحِلُّ له أن يأخذَ منها أكثرَ مما أعطاها.
بن يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزَّاق، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن ابنِ طاوسٍ، أن أباه كان يقولُ في المفتديةِ: لا يَحِلُّ له أن يأخذَ منها أكثرَ مما أعطاها.
حدثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزَّاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن الزهريِّ، قال: لا يَحِلُّ لرجلٍ أن يأخذَ من امرأتِه أكثرَ مما أعطاها.
وقال آخرون: بل عنَى بذلك: فلا جُناحَ عليهما فيما افتدَتْ به من قليلِ ما تملِكُه وكثيرِه. واحتجُّوا لقولِهم ذلك بعمومِ الآيةِ، وأنه غيرُ جائزةٍ إحالةُ ظاهرٍ عامٍّ إلى باطنٍ خاصٍّ، إلا بحجةٍ يَجبُ التسليمُ لها. قالوا: ولا حُجَّةَ يجبُ التسليمُ لها بأنَّ الآيةَ مرادٌ بها بعضُ الفديةِ دونَ بعضٍ من أصلٍ أو قياسٍ، فهي على ظاهِرِها وعُمومِها.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابنُ عُلَيَّةَ، قال: أخبرَنا أيوبُ، عن كثيرٍ مولَى سَمُرةَ، أن عُمرَ أُتِي بامرأةٍ ناشزٍ، فأمَرَ بها إلى بيتٍ كثيرِ الزِّبلِ ثلاثًا، ثم [دعا بها] فقال: كيف وجدتِ؟
َ، قال: أخبرَنا أيوبُ، عن كثيرٍ مولَى سَمُرةَ، أن عُمرَ أُتِي بامرأةٍ ناشزٍ، فأمَرَ بها إلى بيتٍ كثيرِ الزِّبلِ ثلاثًا، ثم [دعا بها] فقال: كيف وجدتِ؟ قالت: ما وجدتُ راحةً منذُ كنتُ عندَه إلا هذه الليالي التي حَبَسْتَنِي. فقال لزوجِها: اخْلَعْها ولو من قُرْطِها.
حدثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزَّاقِ، قال: أخبرَنا معمرٌ، عن أيوبَ، عن كثيرٍ مولَى سَمُرَة، قال: أخَذ عُمرُ بنُ الخطابِ امرأةً ناشِزًا فوعَظَها،
فلم تقبَلْ بخيرٍ، فحبَسها في بيتٍ كثيرِ الزِّبلِ ثلاثةَ أيامٍ. وذكَر نحوَ حديثِ ابنِ عُلَيَّةَ.
حدثنا ابنُ بشارٍ ومحمدُ بنُ يحيى، قالا: ثنا عبدُ الأعلَى، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، عن حُميدِ بنِ عبدِ الرحمنِ، أن امراةً أتتْ عُمرَ بنَ الخطابِ فشكَتْ زوجَها، فقال: إنها ناشزٌ. فأباتَها في بيتِ الزِّبلِ، فلمَّا أصْبَحتْ قال لها: كيف وجدتِ مكانَكِ؟ قالت: ما كنتُ عندَه ليلةً أقرَّ لعيني من هذه الليلةِ.
وجَها، فقال: إنها ناشزٌ. فأباتَها في بيتِ الزِّبلِ، فلمَّا أصْبَحتْ قال لها: كيف وجدتِ مكانَكِ؟ قالت: ما كنتُ عندَه ليلةً أقرَّ لعيني من هذه الليلةِ. فقال: خُذْ ولو عِقاصَها.
حدثنا نصرُ بنُ عليٍّ، قال: ثنا عبدُ الأعلى، قال: ثنا عبيدُ اللهِ، عن نافعٍ، أن مولاةً لصفيةَ اختلَعتْ من زوجِها بكلِّ شيءٍ تملِكُه إلا من ثيابِها، فلم يَعِبْ ذلك ابنُ عُمرَ.
حدثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلَى ومحمدُ بنُ المثنَّى، قالا: ثنا مُعتمِرٌ، قال: سمِعْتُ عُبيدَ اللهِ يُحدِّثُ عن نافعٍ، قال: ذُكِر لابنِ عمرَ مولاةٌ له اخْتَلَعَتْ من زوجِها بكلِّ مالٍ لها، فلم يَعِبْ ذلك عليها ولم يُنْكِرْه.
حدثني يحيى بنُ طلحةَ اليَرْبُوعيُّ، قال: ثنا هُشَيمٌ، عن حُميدٍ، عن رجاءِ بنِ حَيْوةَ، عن قَبيصةَ بنِ ذُؤَيبٍ أنه كان لا يَرَى بأسًا أن يأخُذَ منها أكثرَ مما أعطاها.
لحةَ اليَرْبُوعيُّ، قال: ثنا هُشَيمٌ، عن حُميدٍ، عن رجاءِ بنِ حَيْوةَ، عن قَبيصةَ بنِ ذُؤَيبٍ أنه كان لا يَرَى بأسًا أن يأخُذَ منها أكثرَ مما أعطاها. ثم
تلا هذه الآيةَ: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾.
حدثنا ابنُ بشّارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ مَهْدِيٍّ، قال: ثنا سفيانُ، عن المغيرةِ، عن إبراهيمَ، قال في الخُلْعِ: خُذْ ما دونَ عِقاصِ شَعَرِها، وإن كانت المرأةُ لَتَفْتَدِي ببعضِ مالِها.
حدثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا معمرٌ، عن مُغِيرةَ، عن إبراهيمَ، قال: الخُلْعُ ما دونَ عِقاصِ الرأسِ.
حدثنا ابنُ المثنَّى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن الحكَمِ، عن إبراهيمَ أنه قال في المختلِعةِ: خُذْ منها ولو عِقاصَها.
حدثني يعقوبُ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبرَنا مُغيرةُ، عن إبراهيمَ، قال: الخلعُ بما دون عِقاصِ الرأسِ، وقد تَفْتَدِي المرأةُ ببعضِ مالِها.
ولو عِقاصَها.
حدثني يعقوبُ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبرَنا مُغيرةُ، عن إبراهيمَ، قال: الخلعُ بما دون عِقاصِ الرأسِ، وقد تَفْتَدِي المرأةُ ببعضِ مالِها.
حدثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا معمرٌ، عن عبدِ اللهِ بنِ محمدِ بنِ عَقيلٍ، أنَّ الرُّبَيِّعَ ابنةَ مُعَوِّذِ بنِ عفراءَ حدَّثَتْه قالت: كان لي زوجٌ يُقِلُّ عليَّ الخيرَ إذا حضَرني، ويَحْرِمُني إذا غابَ. قالت: فكانت منِّي زَلَّةٌ يومًا، فقلت: أَخْتَلِعُ منك بكلِّ شيءٍ أَمْلِكُه. قال: نعم. قالت: ففعَلْتُ. قالت: فخاصَم عمِّى معاذُ بنُ عفراءَ إلى عثمانَ بنِ عفّانَ، فأجاز الخُلْعَ وأمَره أن يَأخُذَ عِقاصَ
رأسي فما دونَه.
مْلِكُه. قال: نعم. قالت: ففعَلْتُ. قالت: فخاصَم عمِّى معاذُ بنُ عفراءَ إلى عثمانَ بنِ عفّانَ، فأجاز الخُلْعَ وأمَره أن يَأخُذَ عِقاصَ
رأسي فما دونَه. أو قالت: ما دونَ عِقاصِ الرأسِ.
حدَّثني ابنُ المثنَّى، قال: ثنا حِبّانُ بنُ موسى، قال: أخبرَنا ابنُ المبارَكِ، قال: أخبرَنا الحسنُ بنُ يحيى، عن الضّحّاكِ، عن ابنِ عباسٍ، قال: لا بأسَ بما خَلَعَها به من قليلٍ أو كثيرٍ، ولو عُقُصَها.
حدَّثني المثنَّى، قال: ثنا حِبّانُ بنُ موسى، قال: أخبرَنا ابنُ المبارَكِ، قال: أخبرَنا حَجّاجٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: إن شاء أخَذ منها أكثرَ مما أَعطاها.
حدَّثني المثنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا ابنُ جُريجٍ، قال: أخبرَني عمرُو بنُ دينارٍ أنه سَمِع عكرمةَ يقولُ: قال ابنُ عباسٍ: لِيَأخُذْ منها حتى قُرْطَها.
، قال: ثنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا ابنُ جُريجٍ، قال: أخبرَني عمرُو بنُ دينارٍ أنه سَمِع عكرمةَ يقولُ: قال ابنُ عباسٍ: لِيَأخُذْ منها حتى قُرْطَها. يَعني في الخُلْعِ.
حدَّثني المثنَّى، قال: ثنا مُطَرِّفُ بنُ عبدِ اللهِ، قال: أخبرَنا مالكُ بنُ أنسٍ، عن نافعٍ، عن مولاةٍ لصفيةَ ابنةِ أبي عُبيدٍ أنها اختلَعَتْ من زوجها بكلِّ شيءٍ لها، فلم يُنْكِرْ ذلك عبدُ اللهِ بنُ عمرَ.
حدَّثني المثنَّى، قال: ثنا الحَجّاجُ، قال: ثنا حمّادٌ، قال: أخبرَنا حُميدٌ، عن رجاءِ بنِ حَيْوَةَ، عن قَبِيصةَ بنِ ذُؤَيبٍ، أنه تلا هذه الآيةَ: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا
افْتَدَتْ بِهِ﴾. قال: يأخُذُ أكثرَ مما أَعطاها.
حدَّثنا محمدُ بنُ بَشّارٍ، قال: ثنا يزيدُ وسهلُ بنُ يوسفَ وابنُ أبي عديٍّ، عن حُميدٍ، قال: قلتُ لرجاءِ بنِ حَيْوَةَ: إن الحسنَ يقولُ في المختلِعةِ: لا يأخُذُ أكثرَ مما أَعطاها. ويتأوَّلُ: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا﴾.
يْوَةَ: إن الحسنَ يقولُ في المختلِعةِ: لا يأخُذُ أكثرَ مما أَعطاها. ويتأوَّلُ: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا﴾. قال رجاءٌ: فإنَّ قَبِيصةَ بنَ ذُؤَيْبٍ كان يُرَخِّصُ أن يأخُذَ أكثرَ مما أَعطاها، ويَتَأَوَّلُ: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾.
وقال آخرون: هذه الآيةُ منسوخةٌ بقولِه: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا﴾ [النساء: ٢٠].
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا مجاهدُ بنُ موسى، قال: ثنا عبدُ الصَّمَدِ بنُ عبدِ الوارثِ، قال: ثنا عُقْبةُ ابنُ أبي الصَّهْباءِ، قال: سألتُ بَكْرًا عن المختلِعةِ أيأخُذُ منها شيئًا؟ قال: لا.
موسى، قال: ثنا عبدُ الصَّمَدِ بنُ عبدِ الوارثِ، قال: ثنا عُقْبةُ ابنُ أبي الصَّهْباءِ، قال: سألتُ بَكْرًا عن المختلِعةِ أيأخُذُ منها شيئًا؟ قال: لا. وقرَأ: ﴿وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ [النساء: ٢١].
حدَّثني المثنَّى، قال: ثنا الحَجّاجُ، قال: ثنا عُقبةُ بنُ أبي الصَّهْباءِ، قال: سألتُ بَكْرَ بنَ عبدِ اللهِ عن رجلٍ تُريدُ امرأتُه منه الخُلْعَ، قال: لا يَحِلُّ له أن يأخُذَ منها شيئًا.
قلتُ: يقولُ اللهُ تعالى ذكرُه في كتابِه: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾. قال: هذه نُسِخَتْ. قلتُ: فأَنَّى حُفِظَتْ؟
ذَ منها شيئًا.
قلتُ: يقولُ اللهُ تعالى ذكرُه في كتابِه: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾. قال: هذه نُسِخَتْ. قلتُ: فأَنَّى حُفِظَتْ؟ قال: حُفِظَتْ في سورةِ "النِّساءِ" قولِ اللهِ تعالى ذكرُه: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ
قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾.
وأَوْلَى هذه الأقوالِ بالصوابِ قولُ مَن قال: إذا خِيفَ مِن الرجلِ والمرأةِ ألا يُقيما حُدودَ اللهِ على سبيلِ ما قدَّمْنا البيانَ عنه، فلا حرَج عليهما فيما افْتَدَتْ به المرأةُ نفسَها مِن زوجِها مِن قليلِ ما تَمْلِكُه وكثيرِه مما يجوز للمسلمِين أن يَمْلِكُوه، وإنْ أتَى ذلك على جميعِ مِلْكِها؛ لأن اللهَ تعالى ذكرُه لم يَخُصَّ ما أباحَ لهما من ذلك على حدٍّ لا يُجاوَزُ، بل أطْلَق ذلك في كلِّ ما افتدَتْ به، غيرَ أني أختارُ للرجلِ استحبابًا لا تَحتيمًا - إذا تَبَيَّنَ من امرأتِه أن افتداءَها منه لغيرِ معصيةٍ للهِ، بل
ُ، بل أطْلَق ذلك في كلِّ ما افتدَتْ به، غيرَ أني أختارُ للرجلِ استحبابًا لا تَحتيمًا - إذا تَبَيَّنَ من امرأتِه أن افتداءَها منه لغيرِ معصيةٍ للهِ، بل خوفًا منها على دينِها - أن يُفارِقَها بغيرِ فديةٍ ولا جُعْلٍ، فإن شَحَّتْ نفسُه بذلك، فلا يَبْلُغْ بما يأخُذُ منها جميعَ ما آتاها. فأمّا قاله بَكْرُ بنُ عبدِ اللهِ مِن أنَّ هذا الحكمَ في جميعِ الآيةِ منسوخٌ بقولِه: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا﴾. فقولٌ لا معنى له، فنَتَشاغلَ بالإبانةِ عن خَطَئِه؛ لمعنيَيْن؛ أحدُهما، إجماعُ الجميعِ من الصحابةِ والتابعِين ومَن بعدَهم من المسلمِين على تَخطئتِه وإجازةِ أخذِ الفِدْيةِ من المُفْتَدِيةِ نفسَها لزوجِها، وفي ذلك الكفايةُ عن الاستشهادِ على خطئِه بغيرِه.
ابعِين ومَن بعدَهم من المسلمِين على تَخطئتِه وإجازةِ أخذِ الفِدْيةِ من المُفْتَدِيةِ نفسَها لزوجِها، وفي ذلك الكفايةُ عن الاستشهادِ على خطئِه بغيرِه. والآخرُ، أن الآيةَ التي في سورةِ "النِّساءِ" إنما حرَّم اللهُ فيها على زوجِ المرأةِ أن يأخُذَ منها شيئًا مما آتاها، بأن أراد الرجلُ استبدالَ زوجٍ بزوجٍ من غيرِ أن يكونَ هنالك خوفٌ من المسلمين عليهما مُقامَ أحدِهما على صاحبِه ألا يُقيما حدودَ اللهِ، ولا نشوزٌ من المرأةِ على الرجلِ. وإذا كان الأمرُ كذلك، فقد ثَبَت أن أخذَ الزوجِ مِن امرأتِه مالًا على وجهِ الإكراهِ لها والإضرارِ بها، حتى تُعطَيَه شيئًا من مالِها على فِراقها - حرامٌ، ولو كان ذلك حبّةَ فِضّةٍ فصاعدًا.
أخذَ الزوجِ مِن امرأتِه مالًا على وجهِ الإكراهِ لها والإضرارِ بها، حتى تُعطَيَه شيئًا من مالِها على فِراقها - حرامٌ، ولو كان ذلك حبّةَ فِضّةٍ فصاعدًا.
وأما الآيةُ التي في سورةِ "البقرةِ"، فإنها إنما دَلَّتْ على إباحةِ اللهِ تعالى ذكرُه له أخذَ الفِدْيهَ منها في حالِ الخوفِ عليهما ألا يُقيما حُدودَ اللهِ بنُشوزِ المرأةِ، وطَلَبِها فِرَاقَ الرجلِ، ورغبتِه فيها، فالأمرُ الذي أُذِن به للزوجِ في أخذِ الفديةِ من المرأةِ في سورةِ "البقرةِ" ضدُّ الأمرِ الذي نُهِيَ من أجلِه عن أخذِ الفديةِ في سورةِ "النساءِ"، كما الحَظْرُ في سورةِ "النساءِ" غيرُ الطلاقِ والإباحةِ في سورةِ "البقرةِ"، فإنما يجوزُ في الحُكْمَينْ أن يقالَ: أحدُهما ناسخٌ. إذا اتفقتْ معاني المحكومِ فيه، ثم خُولِف بينَ الأحكامِ فيه باختلافِ الأوقاتِ والأزمنةِ.
البقرةِ"، فإنما يجوزُ في الحُكْمَينْ أن يقالَ: أحدُهما ناسخٌ. إذا اتفقتْ معاني المحكومِ فيه، ثم خُولِف بينَ الأحكامِ فيه باختلافِ الأوقاتِ والأزمنةِ. وأما اختلافُ الأحكامِ باختلافِ معاني المحكومِ فيه في حالٍ واحدةٍ ووقتٍ واحدٍ، فذلك هو الحكمةُ البالغةُ، والمفهومُ في العقلِ والفطرةِ، وهو من الناسخِ والمنسوخِ بمَعْزِلٍ.
وأما الذي قاله الرَّبيعُ بنُ أنسٍ من أن معنى الآيةِ: فلا جُناحَ عليهما فيما افتدتْ به منه - يعني بذلك: مما آتَيْتُمُوهُنَّ - فنظيرُ قولِ بَكْرٍ في دَعواه نسخَ قولِه: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ بقولِه: ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا﴾ لادِّعائه في كتابِ اللهِ ما ليس موجودًا في مصاحفِ المسلمين رَسْمُه.
ويقالُ لمن قال بقولِه: قد قال مَن قد عَلِمْتَ مِن أئمةِ الدينِ: إنما معنى ذلك: فلا جُناحَ عليهما فيما افتدتْ به من مِلْكِها. فهل مِن حُجّةٍ [تَبِينُ بها منهم] غيرُ الدَّعْوَى؟
قال مَن قد عَلِمْتَ مِن أئمةِ الدينِ: إنما معنى ذلك: فلا جُناحَ عليهما فيما افتدتْ به من مِلْكِها. فهل مِن حُجّةٍ [تَبِينُ بها منهم] غيرُ الدَّعْوَى؟ فقد احتجُّوا بظاهرِ التنزيلِ، وادَّعَيْتَ فيه خُصوصًا. ثم يُعكَسُ عليه القولُ في ذلك، فلن يقولَ في شيءٍ من ذلك قولًا إلا أُلْزِمَ في الآخرِ مثلَه. وقد بَيّنّا الأدلةَ بالشواهدِ على صحةِ قولِ مَن قال: للزوجِ أن يأخُذَ منها كلَّ ما أَعْطَتْه المُفْتَدِيةُ التي
أباحَ اللهُ لها الافتداءَ في كتابِنا "كتابِ اللطيفِ"، فكَرِهْنا إعادتَه في هذا الموضعِ.
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٢٢٩)﴾.
يَعنِي تعالى ذكرُه بذلك: تلك معالمُ فُصولِه بينَ ما أحلَّ لكم وما حرَّم عليكم أيُّها الناسُ، فلا تَعْتَدُوا ما أحلَّ لكم من الأمورِ التي بَيَّنها وفَصَّلَها لكم من الحلالِ، إلى ما حرَّم عليكم، فتُجاوِزُوا طاعتَه إلى معصيتِه.
وإنما عَنَى تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللهِ﴾: هذه الأشياءُ التي بَيَّنْتُ لكم في هذه الآياتِ التي مضَتْ؛ مِن نكاحِ المشركاتِ * الوَثَنِيّاتِ، وإنكاحِ المشركِين المسلماتِ، وإتيانِ النساءِ في المَحِيضِ، وما قد بَيَّنَ في الآياتِ الماضيةِ قبلَ قوله: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللهِ﴾ مما أحلَّ لعبادِه وحرَّم عليهم، وما أمَر ونهَى. ثم قال لهم: هذه الأشياءُ التي بيَّنتُ لكم حلالَها مِن حرامِها حدودِي. يَعْنى به معالمَ فصولِ ما بينَ طاعتي ومعصيتي، ﴿فَلَا تَعْتَدُوهَا﴾.
أمَر ونهَى. ثم قال لهم: هذه الأشياءُ التي بيَّنتُ لكم حلالَها مِن حرامِها حدودِي. يَعْنى به معالمَ فصولِ ما بينَ طاعتي ومعصيتي، ﴿فَلَا تَعْتَدُوهَا﴾. يقولُ: فلا تَتجاوَزُوا ما أَحْلَلْتُه لكم إلى ما حرَّمْتُه عليكم، ولا ما أمَرْتُكم به إلى ما نَهَيْتُكم عنه، ولا طاعتي إلى معصيتي، فإن مَن تَعَدَّى ذلك - يَعنِي مَن تَخَطّاه وتَجاوزَه إلى ما حرَّمْتُه عليه أو نَهَيْتُه - فإنه هو الظالمُ، وهو الذي فعَل ما ليس له فِعْلُه، ووضَع الشيْءَ في غيرِ مَوْضِعِه.
وقد دَلَّلْنا فيما مضَى على معنى الظلمٍ وأصلِه بشواهدِه الدالةِ على معناه،
فكَرِهْنا إعادتَه في هذا الموضِعِ.
وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ، وإن خالَفتْ ألفاظُ تأويلِهم ألفاظَ تأويلِنا، غيرَ أن معنى ما قالوا في ذلك آيِلٌ إلى معنى ما قلْنا فيه.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمِّى قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا﴾: يعني بالحدودِ الطاعةَ.
ُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمِّى قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا﴾: يعني بالحدودِ الطاعةَ.
حدَّثني المثنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا أبو زُهَيرٍ، عن جُويبرٍ، عن الضّحّاكِ في قولِه: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا﴾. يقولُ: مَن طلَّق لغيرِ العِدّةِ فقد اعتدَى وظلَم نفسَه، ﴿وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾.
وهذا الذي ذُكِر عن الضّحاكِ لا معنى له في هذا الموضعِ؛ لأنه لم يَجْرِ للطلاقِ في العِدَّةِ ذِكْرٌ فيقالَ: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللهِ﴾. وإنما جرَى ذكرُ العَدَدِ الذي يكونُ للمُطَلِّقِ فيه الرَّجعةُ، والذى لا يكونُ له فيه الرَّجعةُ، دون ذكرِ البيانِ عن الطلاقِ للعِدّةِ.
فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٢٣٠)﴾
هذه الآية الكريمة رافعة لما كان عليه الأمر في ابتداء الإسلام، من أن الرجل كان أحق برجعة امرأته، وإن طلقها مائة مرة ما دامت في العدة، فلما كان هذا فيه ضرر على الزوجات قصرهم الله ﷿ إلى ثلاث طلقات، وأباح الرجعة في المرة والثنتين، وأبانها بالكلية في الثالثة، فقال: (الطَّلاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ).
اث طلقات، وأباح الرجعة في المرة والثنتين، وأبانها بالكلية في الثالثة، فقال: (الطَّلاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ).
قال أبو داود، ﵀، في سننه: "باب في نسخ المراجعة بعد الطلقات الثلاث": حدثنا أحمد ابن محمد المروزي، حدثني علي بن الحسين بن واقد، عن أبيه، عن يزيد النحوي، عن عكرمة، عن ابن عباس: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ﴾ الآية: وذلك أن الرجل كان إذا طلق امرأته فهو أحق برجعتها، وإن طلقها ثلاثا، فنسخ ذلك فقال: (الطَّلاقُ مَرَّتَانِ) الآية.
ورواه النسائي عن زكريا بن يحيى، عن إسحاق بن إبراهيم، عن علي بن الحسين، به.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا هارون بن إسحاق، حدثنا عبدة - يعني ابن سليمان -عن هشام بن عروة، عن أبيه، أن رجلا قال لامرأته: لا أطلقك أبدًا ولا آويك أبدًا. قالت: وكيف ذلك؟ قال: أطلقك، حتى إذا دنا أجلك راجعتك.
- يعني ابن سليمان -عن هشام بن عروة، عن أبيه، أن رجلا قال لامرأته: لا أطلقك أبدًا ولا آويك أبدًا. قالت: وكيف ذلك؟ قال: أطلقك، حتى إذا دنا أجلك راجعتك. فأتت رسول الله ﷺ فذكرت ذلك فأنزل الله ﷿: (الطَّلاقُ مَرَّتَانِ)
وهكذا رواه ابن جرير في تفسيره من طريق جَرير بن عبد الحميد، وابن إدريس. ورواه عبد بن حُمَيد في تفسيره، عن جعفر بن عون، كلهم عن هشام، عن أبيه. قال: كان الرجل أحق برجعة امرأته وإن طلقها ما شاء، ما دامت في العدة، وإن رجلا من الأنصار غضب على امرأته فقال: والله لا آويك ولا أفارقك. قالت: وكيف ذلك. قال: أطلقك فإذا دنا أجلك راجعتك، ثم أطلقك، فإذا دنا أجلك راجعتك. فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ، فأنزل الله ﷿: (الطَّلاقُ مَرَّتَانِ) قال: فاستقبل الناس الطلاق، من كان طلق ومن لم يكن طلق.
وقد رواه أبو بكر بن مَرْدُوَيه، من طريق محمد بن سليمان، عن يعلى بن شبيب -مولى الزبير -عن هشام، عن أبيه، عن عائشة فذكره بنحو ما تقدم. ورواه الترمذي، عن قتيبة، عن يعلى بن شبيب به.
يه، من طريق محمد بن سليمان، عن يعلى بن شبيب -مولى الزبير -عن هشام، عن أبيه، عن عائشة فذكره بنحو ما تقدم. ورواه الترمذي، عن قتيبة، عن يعلى بن شبيب به. ثم رواه عن أبي كريب، عن ابن إدريس، عن هشام، عن أبيه مرسلا. قال: هذا أصح. ورواه الحاكم في مستدركه، من طريق يعقوب بن حميد بن كاسب، عن يعلى بن شبيب به، وقال صحيح الإسناد.
ثم قال ابن مَردُويه: حدثنا محمد بن أحمد بن إبراهيم، حدثنا إسماعيل بن عبد الله، حدثنا محمد بن حميد، حدثنا سلمة بن الفضل، عن محمد بن إسحاق، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: لم يكن للطلاق وقت، يطلقُ الرجل امرأته ثم يراجعها ما لم تنقض العدة، وكان بين رَجل من الأنصار وبين أهله بعضُ ما يكون بين الناس فقال: والله لأتركنك لا أيِّمًا ولا ذات زوج، فجعل يطلقها حتى إذا كادت العدة أن تنقضي راجعها، ففعل ذلك مرارًا، فأنزل الله ﷿ فيه: (الطَّلاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ) فوقَّتَ الطلاق ثلاثًا لا رجعة فيه بعد الثالثة، حتى تنكح زوجًا غيره.
﷿ فيه: (الطَّلاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ) فوقَّتَ الطلاق ثلاثًا لا رجعة فيه بعد الثالثة، حتى تنكح زوجًا غيره. وهكذا رُوي عن قتادة مرسلا. وذكره السدي، وابن زيد، وابن جرير كذلك، واختار أن هذا تفسير هذه الآية.
وقوله: (فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ) أي: إذا طلقتها واحدة أو اثنتين، فأنت مخير فيها ما دامت عدتها باقية، بين أن تردها إليك ناويًا الإصلاح بها والإحسان إليها، وبين أن تتركها حتى تنقضي عدتها، فتبين منك، وتطلق سراحها محسنًا إليها، لا تظلمها من حقها شيئًا، ولا
تُضارّ بها.
قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قال: إذا طلق الرجل امرأته تطليقتين، فليتق الله في الثالثة، فإما أن يمسكها بمعروف فيحسن صحابتها أو يسرحها [بإحسان] فلا يظلمها من حقها شيئا.
عن ابن عباس قال: إذا طلق الرجل امرأته تطليقتين، فليتق الله في الثالثة، فإما أن يمسكها بمعروف فيحسن صحابتها أو يسرحها [بإحسان] فلا يظلمها من حقها شيئا.
وقال ابن أبي حاتم: أخبرنا يونس بن عبد الأعلى قراءة، أخبرنا ابن وهب، أخبرني سفيان الثوري، حدثني إسماعيل بن سميع، قال: سمعت أبا رَزِين يقول: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، أرأيت قول الله ﷿: (فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ) أين الثالثة؟ قال: "التسريح بإحسان".
ورواه عبد بن حميد في تفسيره، ولفظه: أخبرنا يزيد بن أبي حكيم، عن سفيان، عن إسماعيل بن سميع، أن أبا رزين الأسدي يقول: قال رجل: يا رسول الله، أرأيت قول الله: "الطلاق مرتان "، فأين الثالثة؟ قال: "التسريح بإحسان الثالثة".
ورواه الإمام أحمد أيضًا. وهكذا رواه سعيد بن منصور، عن خالد بن عبد الله، عن إسماعيل بن زكريا وأبي معاوية، عن إسماعيل بن سميع، عن أبي رزين، به. وكذا رواه قيس بن الربيع، عن إسماعيل بن سميع عن أبي رزين به مرسلا.
بن عبد الله، عن إسماعيل بن زكريا وأبي معاوية، عن إسماعيل بن سميع، عن أبي رزين، به. وكذا رواه قيس بن الربيع، عن إسماعيل بن سميع عن أبي رزين به مرسلا. ورواه ابن مردويه [أيضا] من طريق عبد الواحد بن زياد، عن إسماعيل بن سميع، عن أنس بن مالك، عن النبي ﷺ، فذكره. ثم قال: حدثنا عبد الله بن أحمد بن عبد الرحيم، حدثنا أحمد بن يحيى، حدثنا عبيد الله بن جرير بن جبلة حدثنا ابن عائشة حدثنا حماد بن سلمة، عن قتادة، عن أنس بن مالك قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، ذكر الله الطلاق مرتين، فأين الثالثة؟
ن جبلة حدثنا ابن عائشة حدثنا حماد بن سلمة، عن قتادة، عن أنس بن مالك قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، ذكر الله الطلاق مرتين، فأين الثالثة؟ قال: "إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان".
وقوله: (وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا [إِلا أَنْ يَخَافَا أَلا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ]) أي: لا
يحل لكم أن تُضَاجِروهن وتضيّقوا عليهن، ليفتدين منكم بما أعطيتموهن من الأصدقة أو ببعضه، كما قال تعالى: ﴿وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ [النساء: ١٩] فأما إن وهبته المرأة شيئًا عن طيب نفس منها.
هُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ [النساء: ١٩] فأما إن وهبته المرأة شيئًا عن طيب نفس منها. فقد قال تعالى: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ [النساء: ٤] وأما إذا تشاقق الزوجان، ولم تقم المرأة بحقوق الرجل وأبغضته ولم تقدر على معاشرته، فلها أن تفتدي منه بما أعطاها، ولا حرج عليها في بذلها، ولا عليه في قبول ذلك منها؛ ولهذا قال تعالى: (وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلا أَنْ يَخَافَا أَلا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ) الآية.
فأما إذا لم يكن لها عذر وسألت الافتداء منه، فقد قال ابن جرير:
ُمْ أَلا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ) الآية.
فأما إذا لم يكن لها عذر وسألت الافتداء منه، فقد قال ابن جرير:
حدثنا ابن بشار، حدثنا عبد الوهاب -وحدثني يعقوب بن إبراهيم، حدثنا ابن علية -قالا جميعا: حدثنا أيوب، عن أبي قِلابة، عمن حدثه، عن ثوبان، أن رسول الله ﷺ قال: "أيما امرأة سألت زوجها طلاقها من غير بأس فحرام عليها رائحة الجنة".
وهكذا رواه الترمذي، عن بندار، عن عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي به. وقال حسن: قال: ويروى، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أبي أسماء، عن ثوبان. ورواه بعضهم، عن أيوب بهذا الإسناد.
بندار، عن عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي به. وقال حسن: قال: ويروى، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أبي أسماء، عن ثوبان. ورواه بعضهم، عن أيوب بهذا الإسناد. ولم يرفعه.
وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرحمن، حدثنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن أبي قلابة -قال: وذكر أبا أسماء وذكر ثوبان -قال: قال رسول الله ﷺ: "أيما امرأة سألت زوجها الطلاق في غير ما بأس فحرام عليها رائحة الجنة".
وهكذا رواه أبو داود، وابن ماجه، وابن جرير، من حديث حماد بن زيد، به.
طريق أخرى: قال ابن جرير: حدثني يعقوب بن إبراهيم، حدثنا المعتمر بن سليمان، عن ليث، عن أبي إدريس، عن ثوبان مولى رسول الله ﷺ، عن النبي ﷺ أنه قال: "أيما امرأة سألت زوجها الطلاق في غير ما بأس، حَرّم الله عليها رائحة الجنة". وقال: "المختلعات هن المنافقات".
ثم رواه ابن جرير والترمذي جميعًا، عن أبي كريب، عن مزاحم بن ذَوّاد بن عُلْبَة، عن أبيه، عن ليث، هو ابن أبي سليم عن أبي الخطاب، عن أبي زُرْعَة، عن أبي إدريس، عن ثوبان قال:
قال رسول الله ﷺ: "المختلعات هن المنافقات".
اد بن عُلْبَة، عن أبيه، عن ليث، هو ابن أبي سليم عن أبي الخطاب، عن أبي زُرْعَة، عن أبي إدريس، عن ثوبان قال:
قال رسول الله ﷺ: "المختلعات هن المنافقات". ثم قال الترمذي: غريب من هذا الوجه، وليس إسناده بالقوي.
حديث آخر: قال ابن جرير: حدثنا أبو كُرَيْب حدثنا حفص بن بشر، حدثنا قيس بن الربيع، عن أشعث بن سوار، عن الحسن عن ثابت بن يزيد، عن عقبة بن عامر قال: قال رسول الله ﷺ: "إن المختلعات المنتزعات هن المنافقات" غريب من هذا الوجه ضعيف.
حديث آخر: قال ابن ماجه: حدثنا بكر بن خلف أبو بشر، حدثنا أبو عاصم، عن جعفر بن يحيى بن ثَوْبان، عن عمه عمارةَ بن ثوبان، عن عطاء، عن ابن عباس، أن رسول الله ﷺ قال: "لا تسألُ امرأة زوجها الطلاق في غير كُنْهِه فَتَجِدَ ريح الجنة، وإن ريحها ليوجد من مسيرة أربعين عامًا".
حديث آخر: قال الإمام أحمد: حدثنا عفان، حدثنا وهيب، حدثنا أيوب، عن الحسن عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ: "المختلعات والمنتزعات هن المنافقات".
أربعين عامًا".
حديث آخر: قال الإمام أحمد: حدثنا عفان، حدثنا وهيب، حدثنا أيوب، عن الحسن عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ: "المختلعات والمنتزعات هن المنافقات".
ثم قد قال طائفة كثيرة من السلف وأئمة الخلف: إنه لا يجوز الخلع إلا أن يكون الشقاق والنشوز من جانب المرأة، فيجوز للرجل حينئذ قبول الفدية، واحتجوا بقوله: (وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا [إِلا أَنْ يَخَافَا أَلا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ]). قالوا: فلم يشرع الخلع إلا في هذه الحالة، فلا يجوز في غيرها إلا بدليل، والأصل عَدَمُه، وممن ذهب إلى هذا ابن عباس، وطاوس، وإبراهيم، وعطاء، [والحسن] والجمهور، حتى قال مالك والأوزاعي: لو أخذ منها شيئًا وهو مضارّ لها وجب ردّه إليها، وكان الطلاق رجعيًا. قال مالك: وهو الأمر الذي أدركتُ الناسَ عليه. وذهب الشافعي، ﵀، إلى أنه يجوز الخلع في حالة الشقاق، وعند الاتفاق بطريق الأولى والأحرى، وهذا قول جميع أصحابه قاطبة.
وهو الأمر الذي أدركتُ الناسَ عليه. وذهب الشافعي، ﵀، إلى أنه يجوز الخلع في حالة الشقاق، وعند الاتفاق بطريق الأولى والأحرى، وهذا قول جميع أصحابه قاطبة. وحكى الشيخ أبو عمر بن عبد البر في كتاب"الاستذكار" له، عن بكر بن عبد الله المزني، أنه ذهب إلى أن الخلع منسوخ بقوله: ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا﴾ [النساء: ٢٠]. ورواه ابن جرير عنه وهذا قول ضعيف ومأخذ مردود على قائله. وقد ذكر ابن جرير، ﵀، أن هذه الآية نزلت في شأن ثابت بن قيس بن شَمَّاس وامرأته حبيبة بنت عبد الله بن أبي ابن سلول. ولنذكر طرق حديثها، واختلاف ألفاظه:
قال الإمام مالك في موطئه: عن يحيى بن سعيد، عن عَمْرة بنت عبد الرحمن بن سعد بن زرارة، أنها أخبرته عن حبيبة بنت سهل الأنصارية، أنها كانت تحت ثابت بن قيس بن شماس، وأن رسول الله ﷺ خرج إلى الصّبح فوجد حبيبة بنت سهل عند بابه في الغَلَس، فقال رسول الله ﷺ: "من هذه؟ " قالت: أنا حبيبة بنت سهل. فقال: "ما شأنك؟
بن شماس، وأن رسول الله ﷺ خرج إلى الصّبح فوجد حبيبة بنت سهل عند بابه في الغَلَس، فقال رسول الله ﷺ: "من هذه؟ " قالت: أنا حبيبة بنت سهل. فقال: "ما شأنك؟ " فقالت: لا أنا ولا ثابت بن قيس -لزوجها -فلما جاء زوجها ثابت بن قيس قال له رسول الله ﷺ: "هذه حبيبة بنت سهل قد ذكرت ما شاء الله أن تذكر". فقالت حبيبة: يا رسول الله، كل ما أعطاني عندي. فقال رسول الله ﷺ: "خذ منها". فأخذ منها وجلست في أهلها.
وهكذا رواه الإمام أحمد، عن عبد الرحمن بن مهدي، عن مالك بإسناده -مثله. ورواه أبو داود، عن القعنبي، عن مالك. والنسائي، عن محمد بن مسلمة، عن ابن القاسم، عن مالك به.
حديث آخر: عن عائشة: قال أبو داود وابن جرير: حدثنا محمد بن معمر، حدثنا أبو عامر، حدثنا أبو عمرو السدوسي، عن عبد الله -بن أبي بكر -عن عمرة، عن عائشة، أن حبيبة بنت سهل كانت تحت ثابت بن قيس بن شماس، فضربها فكسر نُغضها فأتت رسول الله ﷺ بعد الصبح فاشتكته إليه، فدعا رسول الله ﷺ ثابتا فقال: "خذ بعض مالها وفارقها". قال: ويصلح ذلك يا رسول الله؟ قال: "نعم".
ها فكسر نُغضها فأتت رسول الله ﷺ بعد الصبح فاشتكته إليه، فدعا رسول الله ﷺ ثابتا فقال: "خذ بعض مالها وفارقها". قال: ويصلح ذلك يا رسول الله؟ قال: "نعم". قال: فإني أصدقتها حديقتين، فهما بيدها. فقال النبي ﷺ: "خذهما وفارقها". ففعل.
وهذا لفظ ابن جرير. وأبو عمرو السدوسي هو سعيد بن سلمة بن أبي الحسام.
حديث آخر فيه: عن ابن عباس ﵁:
قال البخاري: حدثنا أزهر بن جميل، أخبرنا عبد الوهاب الثقفي، حدثنا خالد، عن عكرمة، عن ابن عباس: أن امرأة ثابت بن قيس بن شماس أتت النبي ﷺ، فقالت: يا رسول الله، ما أعتب عليه في خلق ولا دين، ولكن أكره الكفر في الإسلام. فقال رسول الله ﷺ: "أتردين عليه حديقته؟ "قالت: نعم. قال رسول الله ﷺ: "اقبل الحديقة وطلقها تطليقة".
وكذا رواه النسائي، عن أزهر بن جميل بإسناده، مثله. ورواه البخاري أيضًا، عن إسحاق الواسطي، عن خالد هو ابن عبد الله الطحان، عن خالد، هو ابن مهران الحذاء، عن عكرمة به،
نحوه.
وهكذا رواه البخاري أيضًا من طرق، عن أيوب، عن عكرمة، عن ابن عباس، به.
عن خالد هو ابن عبد الله الطحان، عن خالد، هو ابن مهران الحذاء، عن عكرمة به،
نحوه.
وهكذا رواه البخاري أيضًا من طرق، عن أيوب، عن عكرمة، عن ابن عباس، به. وفي بعضها أنها قالت: لا أطيقه، تعني: بغضًا. وهذا الحديث من أفراد البخاري من هذا الوجه.
ثم قال: حدثنا سليمان بن حرب، حدثنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن عكرمة، أن جميلة ﵂. كذا قال، والمشهور أن اسمها حبيبة [كما تقدم].
قال الحافظ أبو بكر بن مَردويه في تفسيره: حدثنا موسى بن هارون، حدثنا أزهر بن مروان الرقاشي، حدثنا عبد الأعلى، حدثنا سعيد، عن قتادة، عن عكرمة، عن ابن عباس، أن جميلة بنت سلول أتت النبي ﷺ فقالت: والله ما أعتب على ثابت بن قيس بن شماس في دين ولا خلق، ولكنني أكره الكفر بعد الإسلام، لا أطيقه بغضًا. فقال النبي ﷺ: "تردين عليه حديقته؟
النبي ﷺ فقالت: والله ما أعتب على ثابت بن قيس بن شماس في دين ولا خلق، ولكنني أكره الكفر بعد الإسلام، لا أطيقه بغضًا. فقال النبي ﷺ: "تردين عليه حديقته؟ " قالت: نعم، فأمره رسول الله ﷺ أن يأخذ منها حديقته ولا يزداد.
وهكذا رواه ابن ماجه عن أزهر بن مروان، بإسناده مثله سواء، وهو إسناد جيد مستقيم ورواه أيضا أبو القاسم البغوي، عن عبيد الله القواريري، عن عبد الأعلى، مثله، لكن قال ابن جرير:
حدثنا ابن حميد، حدثنا يحيى بن واضح، حدثنا الحسين بن واقد، عن ثابت، عن عبد الله بن رباح عن جميلة بنت أبي ابن سلول: أنها كانت تحت ثابت بن قيس، فنشزت عليه، فأرسل إليها النبي ﷺ فقال: "يا جميلة، ما كرهت من ثابت؟ " قالت: والله ما كرهت منه دينًا ولا خلقًا، إلا أني كرهت دمامته! فقال لها: "أتردين الحديقة؟ " قالت: نعم. فردت الحديقة، وفرق بينهما.
قال ابن جرير أيضا: حدثنا محمد بن عبد الأعلى، حدثنا المعتمر بن سليمان قال: قرأت على فضيل، عن أبي جرير أنه سأل عكرمة: هل كان للخلع أصل؟
ة، وفرق بينهما.
قال ابن جرير أيضا: حدثنا محمد بن عبد الأعلى، حدثنا المعتمر بن سليمان قال: قرأت على فضيل، عن أبي جرير أنه سأل عكرمة: هل كان للخلع أصل؟ قال: كان ابن عباس يقول: إن أول خلع كان في الإسلام في أخت عبد الله بن أبي، أنها أتت رسول الله ﷺ، فقالت: يا رسول الله، لا يجمع رأسي ورأسه شيء أبدًا، إني رفعتُ جانب الخباء، فرأيته أقبل في عدة، فإذا هو أشدهم سوادًا، وأقصرهم قامة وأقبحهم وجهًا. قال زوجها: يا رسول الله، إني قد أعطيتها أفضل مالي، حديقة لي، فإن ردت عليَّ حديقتي؟ قال: "ما تقولين؟ " قالت: نعم، وإن شاء زدته. قال: ففرق بينهما.
حديث آخر: قال ابن ماجه: حدثنا أبو كُرَيْب، حدثنا أبو خالد الأحمر، عن حجاج، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال: كانت حبيبة بنت سهل تحت ثابت بن قيس بن شماس، وكان رجلا دميمًا، فقالت: يا رسول الله، والله لولا مخافة الله إذا دخل عليَّ بصقت في وجهه! فقال رسول الله ﷺ: "أتردين عليه حديقته؟ " قالت: نعم. فردت عليه حديقته.
دميمًا، فقالت: يا رسول الله، والله لولا مخافة الله إذا دخل عليَّ بصقت في وجهه! فقال رسول الله ﷺ: "أتردين عليه حديقته؟ " قالت: نعم. فردت عليه حديقته. قال ففرق بينهما رسول الله ﷺ.
وقد اختلف الأئمة، ﵏، في أنه: هل يجوز للرجل أن يفاديها بأكثر مما أعطاها؟ فذهب الجمهور إلى جواز ذلك، لعموم قوله تعالى: (فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ) وقال ابن جرير: حدثنا يعقوب بن إبراهيم، حدثنا ابن علية، أخبرنا أيوب، عن كثير مولى سمرة: أن عمر أتي بامرأة ناشز، فأمر بها إلى بيت كثير الزبل، ثم دعا بها فقال: كيف وجدت؟ فقالت: ما وجدت راحة منذ كنت عنده إلا هذه الليلة التي حبستني. فقال لزوجها: اخلعها ولو من قرطها ورواه عبد الرزاق، عن مَعْمَر، عن أيوب، عن كثير مولى سمرة، فذكر مثله، وزاد: فحبسها فيه ثلاثة أيام.
قال سعيد بن أبي عَرُوبَة، عن قتادة، عن حميد بن عبد الرحمن: أن امرأة أتت عمر بن الخطاب، فشكت زوجها، فأباتها في بيت الزبل. فلما أصبحت قال لها: كيف وجدت مكانك؟
د بن أبي عَرُوبَة، عن قتادة، عن حميد بن عبد الرحمن: أن امرأة أتت عمر بن الخطاب، فشكت زوجها، فأباتها في بيت الزبل. فلما أصبحت قال لها: كيف وجدت مكانك؟ قالت: ما كنت عنده ليلة أقر لعيني من هذه الليلة. فقال: خذ ولو عقاصها.
وقال البخاري: وأجاز عثمان الخلع دون عقاص رأسها.
وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر، عن عبد الله بن محمد بن عقيل: أن الربيع بنت معوذ بن عفراء حدثته قالت: كان لي زوج يُقِلّ عليَّ الخير إذا حضرني، ويحرمني إذا غاب عني. قالت: فكانت مني زلة يومًا، فقلت له: أختلع منك بكل شيء أملكه؟ قال: نعم. قالت: ففعلت. قالت فخاصم عمي معاذ بن عفراء إلى عثمان بن عفان، فأجاز الخلع، وأمره أن يأخذ عقاص رأسي فما دونه، أو قالت: ما دون عقاص الرأس.
ومعنى هذا: أنه يجوز أن يأخذ منها كل ما بيدها من قليل وكثير، ولا يترك لها سوى عقاص شعرها. وبه يقول ابن عمر، وابن عباس، ومجاهد، وعكرمة، وإبراهيم النخعي، وقبيصة بن ذؤيب، والحسن بن صالح، وعثمان البتي.
قليل وكثير، ولا يترك لها سوى عقاص شعرها. وبه يقول ابن عمر، وابن عباس، ومجاهد، وعكرمة، وإبراهيم النخعي، وقبيصة بن ذؤيب، والحسن بن صالح، وعثمان البتي. وهذا مذهب مالك، والليث، والشافعي، وأبي ثور، واختاره ابن جرير.
وقال أصحاب أبي حنيفة، ﵏: إن كان الإضرار من قبلها جاز أن يأخذ منها ما أعطاها، ولا تجوز الزيادة عليه، فإن ازداد جاز في القضاء: وإن كان الإضرار من جهته لم يجز أن يأخذ منها شيئا، فإن أخذ جاز في القضاء.
وقال الإمام أحمد، وأبو عبيد، وإسحاق بن راهويه: لا يجوز أن يأخذ منها أكثر مما أعطاها. وهذا قول سعيد بن المسيب، وعطاء، وعمرو بن شعيب، والزهري، وطاوس، والحسن، والشعبي، وحماد بن أبي سليمان، والربيع بن أنس.
وقال معمر، والحكم: كان علي يقول: لا يأخذ من المختلعة فوق ما أعطاها.
رو بن شعيب، والزهري، وطاوس، والحسن، والشعبي، وحماد بن أبي سليمان، والربيع بن أنس.
وقال معمر، والحكم: كان علي يقول: لا يأخذ من المختلعة فوق ما أعطاها. وقال الأوزاعي: القضاة لا يجيزون أن يأخذ منها أكثر مما ساق إليها.
قلت: ويستدل لهذا القول بما تقدم من رواية قتادة، عن عكرمة، عن ابن عباس، في قصة ثابت بن قيس: فأمره رسول الله ﷺ أن يأخذ منها الحديقة ولا يزداد، وبما روى عبد بن حميد حيث قال: أخبرنا قبيصة، عن سفيان، عن ابن جريج، عن عطاء: أن النبي ﷺ كره أن يأخذ منها أكثر مما أعطاها يعني المختلعة وحملوا معنى الآية على معنى (فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ) أي: من الذي أعطاها؛ لتقدم قوله: (وَلا [يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ] تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلا أَنْ يَخَافَا أَلا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ) أي: من ذلك.
أَنْ يَخَافَا أَلا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ) أي: من ذلك. وهكذا كان يقرؤها الربيع بن أنس: "فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِه مِنْهُ" رواه ابن جرير؛ ولهذا قال بعده: (تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ).
فصل
قال الشافعي: اختلف أصحابنا في الخلع، فأخبرنا سفيان عن عمرو بن دينار، عن طاوس، عن ابن عباس في رجل طلق امرأته تطليقتين ثم اختلعت منه بعد، يتزوجها إن شاء؛ لأن الله تعالى يقول: (الطَّلاقُ مَرَّتَانِ) قرأ إلى: (أَنْ يَتَرَاجَعَا) قال الشافعي: وأخبرنا سفيان، عن عمرو [بن دينار] عن عكرمة قال: كل شيء أجازه المال فليس بطلاق.
وروى غير الشافعي، عن سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن طاوس، عن ابن عباس: أن إبراهيم بن سعد بن أبي وقاص سأله فقال: رجل طلق امرأته تطليقتين ثم اختلعت منه، أيتزوجها؟
عن سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن طاوس، عن ابن عباس: أن إبراهيم بن سعد بن أبي وقاص سأله فقال: رجل طلق امرأته تطليقتين ثم اختلعت منه، أيتزوجها؟ قال: نعم، ليس الخلع بطلاق، ذكر الله الطلاق في أول الآية وآخرها، والخلع فيما بين ذلك، فليس الخلع بشيء، ثم قرأ: (الطَّلاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ) وقرأ: (فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ)
وهذا الذي ذهب إليه ابن عباس ﵄ -من أن الخلع ليس بطلاق، وإنما هو فسخ - هو رواية عن أمير المؤمنين عثمان بن عفان، وابن عمر. وهو قول طاوس، وعكرمة. وبه يقول أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وأبو ثور، وداود بن علي الظاهري. وهو مذهب الشافعي في القديم، وهو ظاهر الآية الكريمة.
والقول الثاني في الخلع: إنه طلاق بائن إلا أن ينوي أكثر من ذلك.
ه، وأبو ثور، وداود بن علي الظاهري. وهو مذهب الشافعي في القديم، وهو ظاهر الآية الكريمة.
والقول الثاني في الخلع: إنه طلاق بائن إلا أن ينوي أكثر من ذلك. قال مالك، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن جُمْهان مولى الأسلميين عن أم بكر الأسلمية: أنها اختلعت من زوجها عبد الله بن خالد بن أسيد، فأتيا عثمان بن عفان في ذلك، فقال: تطليقة؛ إلا أن تكون سميت شيئًا فهو ما سميت. قال الشافعي: ولا أعرف جُمْهان. وكذا ضعف أحمد بن حنبل هذا الأثر، والله أعلم.
وقد روي نحوه عن عمر، وعلي، وابن مسعود، وابن عمر. وبه يقول سعيد بن المسيب، والحسن، وعطاء، وشريح، والشعبي، وإبراهيم، وجابر بن زيد. وإليه ذهب مالك، وأبو حنيفة، وأصحابه، والثوري، والأوزاعي، وعثمان التبي، والشافعي في الجديد. غير أن الحنفية عندهم أنه متى نوى المخالع بخلعه تطليقة أو اثنتين أو أطلق فهو واحدة بائنة. وإن نوى ثلاثًا فثلاث.
اعي، وعثمان التبي، والشافعي في الجديد. غير أن الحنفية عندهم أنه متى نوى المخالع بخلعه تطليقة أو اثنتين أو أطلق فهو واحدة بائنة. وإن نوى ثلاثًا فثلاث. وللشافعي قول آخر في الخلع، وهو: أنه متى لم يكن بلفظ الطلاق، وعري عن النية فليس هو بشيء بالكلية.
مسألة:
وذهب مالك، وأبو حنيفة، والشافعي، وأحمد وإسحاق في رواية عنهما، وهي المشهورة؛ إلى أن المختلعة عدتها عدة المطلقة بثلاثة قروء، إن كانت ممن تحيض. وروي ذلك عن عمر، وعلي، وابن عمر. وبه يقول سعيد بن المسيب، وسليمان بن يسار، وعروة، وسالم، وأبو سلمة، وعمر بن عبد العزيز، وابن شهاب، والحسن، والشعبي، وإبراهيم النخعي، وأبو عياض، وجُلاس بن عمرو، وقتادة، وسفيان الثوري، والأوزاعي، والليث بن سعد، وأبو عبيد. قال الترمذي: وهو قول أكثر أهل العلم من الصحابة وغيرهم. ومأخذهم في هذا أن الخلع طلاق، فتعتد كسائر المطلقات.
والقول الثاني: أنها تعتد بحيضة واحدة تستبرئ بها رحمها.
وهو قول أكثر أهل العلم من الصحابة وغيرهم. ومأخذهم في هذا أن الخلع طلاق، فتعتد كسائر المطلقات.
والقول الثاني: أنها تعتد بحيضة واحدة تستبرئ بها رحمها. قال ابن أبي شيبة: حدثنا يحيى بن سعيد، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع أن الربيع اختلعت من زوجها، فأتى عمها عثمان، ﵁، فقال: تعتد حيضة. قال: وكان ابن عمر يقول: تعتد ثلاث حيض، حتى قال هذا عثمان، فكان ابن عمر يفتي به ويقول: عثمان خيرنا وأعلمنا.
وحدثنا عبدة، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر قال: عدة المختلعة حيضة.
وحدثنا عبد الرحمن بن محمد المحاربي، عن ليث، عن طاوس، عن ابن عباس قال: عدتها حيضة.
ثنا عبدة، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر قال: عدة المختلعة حيضة.
وحدثنا عبد الرحمن بن محمد المحاربي، عن ليث، عن طاوس، عن ابن عباس قال: عدتها حيضة. وبه يقول عكرمة، وأبان بن عثمان، وكل من تقدم ذكره ممن يقول: إن الخلع فسخ - يلزمه
القول بهذا، واحتجوا لذلك بما رواه أبو داود، والترمذي، حيث قال كل واحد منهما: حدثنا محمد بن عبد الرحيم البغدادي، حدثنا علي بن بحر، حدثنا هشام بن يوسف، عن معمر، عن عمرو بن مسلم، عن عكرمة، عن ابن عباس: أن امرأة ثابت بن قيس اختلعت من زوجها على عهد النبي ﷺ، فأمرها النبي ﷺ أن تعتد بحيضة. ثم قال الترمذي: حسن غريب. وقد رواه عبد الرزاق، عن معمر، عن عمرو بن مسلم، عن عكرمة مرسلا.
حديث آخر: قال الترمذي: حدثنا محمود بن غيلان، حدثنا الفضل بن موسى، عن سفيان، حدثنا محمد بن عبد الرحمن وهو مولى آل طلحة، عن سليمان بن يسار، عن الربيع بنت معوذ بن عفراء: أنها اختلعت على عهد رسول الله ﷺ، فأمرها النبي - أو أمرت -أن تعتد بحيضة.
عبد الرحمن وهو مولى آل طلحة، عن سليمان بن يسار، عن الربيع بنت معوذ بن عفراء: أنها اختلعت على عهد رسول الله ﷺ، فأمرها النبي - أو أمرت -أن تعتد بحيضة. قال الترمذي: الصحيح أنها أمرت أن تعتد بحيضة.
طريق أخرى: قال ابن ماجه: حدثنا علي بن سلمة النيسابوري، حدثنا يعقوب بن إبراهيم بن سعد، حدثنا أبي عن ابن إسحاق، أخبرني عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت، عن الربيع بنت معوذ بن عفراء قال: قلت لها: حدثيني حديثك. قالت: اختلعت من زوجي، ثم جئت عثمان، فسألت: ماذا علي من العدة؟ قال: لا عدة عليك، إلا أن يكون حديث عهد بك فتمكثين عنده حتى تحيضي حيضة.
ا: حدثيني حديثك. قالت: اختلعت من زوجي، ثم جئت عثمان، فسألت: ماذا علي من العدة؟ قال: لا عدة عليك، إلا أن يكون حديث عهد بك فتمكثين عنده حتى تحيضي حيضة. قالت: وإنما تبع في ذلك قضاء رسول الله ﷺ في مريم المغالية، وكانت تحت ثابت بن قيس، فاختلعت منه.
وقد روى ابن لهيعة، عن أبي الأسود، عن أبي سلمة ومحمد بن عبد الرحمن بن ثوبان، عن الربيع بنت معوذ قالت: سمعت رسول الله ﷺ يأمر امرأة ثابت بن قيس حين اختلعت منه أن تعتد بحيضة.
مسألة:
وليس للمخالع أن يراجع المختلعة في العدة بغير رضاها عند الأئمة الأربعة وجمهور العلماء؛ لأنها قد ملكت نفسها بما بذلت له من العطاء. وروي عن عبد الله بن أبي أوفى، وماهان الحنفي، وسعيد بن المسيب، والزهري أنهم قالوا: إن رد إليها الذي أعطاها جاز له رجعتها في العدة بغير رضاها، وهو اختيار أبي ثور، ﵀. وقال سفيان الثوري: إن كان الخلع بغير لفظ الطلاق فهو فرقة ولا سبيل له عليها. وإن كان سمى طلاقا فهو أملك لرجعتها ما دامت في العدة.
و اختيار أبي ثور، ﵀. وقال سفيان الثوري: إن كان الخلع بغير لفظ الطلاق فهو فرقة ولا سبيل له عليها. وإن كان سمى طلاقا فهو أملك لرجعتها ما دامت في العدة. وبه يقول داود بن علي الظاهري: واتفق الجميع على أن للمختلع أن يتزوجها في العدة. وحكى الشيخ أبو عمر
بن عبد البر، عن فرقة أنه لا يجوز له ذلك، كما لا يجوز لغيره، وهو قول شاذ مردود.
مسألة:
وهل له أن يوقع عليها طلاقا آخر في العدة؟ فيه ثلاثة أقوال للعلماء:
أحدهما: ليس له ذلك؛ لأنها قد ملكت نفسها وبانت منه. وبه يقول ابن عباس، وابن الزبير، وعكرمة، وجابر بن زيد، والحسن البصري، والشافعي، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وأبو ثور.
والثاني: قال مالك: إن أتبع الخلع طلاقا من غير سكوت بينهما وقع، وإن سكت بينهما لم يقع. قال ابن عبد البر: وهذا يشبه ما روي عن عثمان، ﵁.
والثالث: أنه يقع عليها الطلاق بكل حال ما دامت في العدة، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه، والثوري، والأوزاعي. وبه يقول سعيد بن المسيب، وشريح، وطاوس، وإبراهيم، والزهري، والحكم وحماد بن أبي سليمان.
ا دامت في العدة، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه، والثوري، والأوزاعي. وبه يقول سعيد بن المسيب، وشريح، وطاوس، وإبراهيم، والزهري، والحكم وحماد بن أبي سليمان. وروي ذلك عن ابن مسعود، وأبي الدرداء قال ابن عبد البر: وليس ذلك بثابت عنهما.
وقوله: (تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) أي: هذه الشرائع التي شرعها لكم هي حدوده، فلا تتجاوزوها. كما ثبت في الحديث الصحيح: "إن الله حد حدودًا فلا تعتدوها، وفرض فرائض فلا تضيعوها، وحرم محارم فلا تنتهكوها، وسكت عن أشياء رحمة لكم من غير نسيان، فلا تسألوا عنها".
الحديث الصحيح: "إن الله حد حدودًا فلا تعتدوها، وفرض فرائض فلا تضيعوها، وحرم محارم فلا تنتهكوها، وسكت عن أشياء رحمة لكم من غير نسيان، فلا تسألوا عنها".
وقد يستدل بهذه الآية من ذهب إلى أن جمع الطلقات الثلاث بكلمة واحدة حرام، كما هو مذهب المالكية ومن وافقهم، وإنما السنة عندهم أن يطلق واحدة واحدة، لقوله: (الطَّلاقُ مَرَّتَانِ) ثم قال: (تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) ويُقَوُّون ذلك بحديث محمود بن لبيد الذي رواه النسائي في سننه حيث قال: حدثنا سليمان بن داود، أخبرنا ابن وهب عن مخرمة بن بكير عن أبيه، عن محمود بن لبيد قال: أخبر رسول الله ﷺ عن رجل طلق امرأته ثلاث تطليقات جميعًا فقام غضبان، ثم قال: "أيلعب بكتاب الله وأنا بين أظهركم؟! " حتى قام رجل فقال يا رسول الله، ألا أقتله؟
رسول الله ﷺ عن رجل طلق امرأته ثلاث تطليقات جميعًا فقام غضبان، ثم قال: "أيلعب بكتاب الله وأنا بين أظهركم؟! " حتى قام رجل فقال يا رسول الله، ألا أقتله؟ فيه انقطاع.
وقوله تعالى: (فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ) أي: أنه إذا طلق الرجل امرأته طلقة ثالثة بعد ما أرسل عليها الطلاق مرتين، فإنها تحرم عليه حتى تنكح زوجا غيره، أي: حتى يطأها
زوج آخر في نكاح صحيح، فلو وطئها واطئ في غير نكاح، ولو في ملك اليمين لم تحل للأول؛ لأنه ليس بزوج، وهكذا لو تزوجت، ولكن لم يدخل بها الزوج لم تحل للأول، واشتهر بين كثير من الفقهاء عن سعيد بن المسيب، ﵀، أنه يقول: يحصل المقصود من تحليلها للأول بمجرد العقد على الثاني.
ولكن لم يدخل بها الزوج لم تحل للأول، واشتهر بين كثير من الفقهاء عن سعيد بن المسيب، ﵀، أنه يقول: يحصل المقصود من تحليلها للأول بمجرد العقد على الثاني. وفي صحته عنه نظر، على أن الشيخ أبا عمر بن عبد البر قد حكاه عنه في الاستذكار، فالله أعلم.
وقد قال أبو جعفر بن جرير، ﵀: حدثنا ابن بشار، حدثنا محمد بن جعفر، عن شعبة، عن علقمة بن مرثد، عن سالم بن رزين، عن سالم بن عبد الله عن سعيد بن المسيب، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ في الرجل يتزوج المرأة فيطلقها قبل أن يدخل بها البتة، فيتزوجها زوج آخر فيطلقها، قبل أن يدخل بها: أترجع إلى الأول؟ قال: "لا حتى تذوق عسيلته ويذوق عسيلتها".
هكذا وقع في رواية ابن جرير، وقد رواه الإمام أحمد فقال:
حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن علقمة بن مرثد، سمعت سالم بن رزين يحدث عن سالم بن عبد الله، يعني: ابن عمر، عن سعيد بن المسيب، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ: في الرجل تكون له المرأة فيطلقها، ثم يتزوجها رجل فيطلقها قبل أن يدخل بها، فترجع إلى زوجها الأول؟
: ابن عمر، عن سعيد بن المسيب، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ: في الرجل تكون له المرأة فيطلقها، ثم يتزوجها رجل فيطلقها قبل أن يدخل بها، فترجع إلى زوجها الأول؟ فقال رسول الله ﷺ: "حتى يذوق العسيلة".
وهكذا رواه النسائي، عن عمرو بن علي الفلاس، وابن ماجه عن محمد بن بشار بندار كلاهما عن محمد بن جعفر غندر، عن شعبة، به كذلك. فهذا من رواية سعيد بن المسيب عن ابن عمر مرفوعًا، على خلاف ما يحكى عنه، فبعيد أن يخالف ما رواه بغير مستند، والله أعلم.
وقد روى أحمد أيضا، والنسائي، وابن جرير هذا الحديث من طريق سفيان الثوري، عن علقمة بن مرثد، عن رزين بن سليمان الأحمري، عن ابن عمر قال: سئل النبي ﷺ عن الرجل يطلق امرأته ثلاثا فيتزوجها آخر، فيغلق الباب ويرخي الستر ثم يطلقها، قبل أن يدخل بها: هل تحل للأول؟
ليمان الأحمري، عن ابن عمر قال: سئل النبي ﷺ عن الرجل يطلق امرأته ثلاثا فيتزوجها آخر، فيغلق الباب ويرخي الستر ثم يطلقها، قبل أن يدخل بها: هل تحل للأول؟ قال: "لا حتى يذوق العسيلة".
وهذا لفظ أحمد، وفي رواية لأحمد: سليمان بن رزين.
حديث آخر: قال الإمام أحمد: حدثنا عفان، حدثنا محمد بن دينار، حدثنا يحيى بن يزيد الهنائي، عن أنس بن مالك: أن رسول الله ﷺ سئل عن رجل كانت تحته امرأة فطلقها ثلاثا فتزوجت بعده رجلا فطلقها قبل أن يدخل بها: أتحل لزوجها الأول؟ فقال رسول الله ﷺ: "لا حتى يكون الآخر قد ذاق من عسيلتها وذاقت من عسيلته".
ورواه ابن جرير، عن محمد بن إبراهيم الأنماطي، عن هشام بن عبد الملك، حدثنا محمد بن دينار، فذكره.
قلت: ومحمد بن دينار بن صندل أبو بكر الأزدي ثم الطاحي البصري، ويقال له: ابن أبي الفرات: اختلفوا فيه، فمنهم من ضعفه، ومنهم من قواه وقبله وحسن له.
ذكره.
قلت: ومحمد بن دينار بن صندل أبو بكر الأزدي ثم الطاحي البصري، ويقال له: ابن أبي الفرات: اختلفوا فيه، فمنهم من ضعفه، ومنهم من قواه وقبله وحسن له. وقال أبو داود: أنه تغير قبل موته، فالله أعلم.
حديث آخر: قال ابن جرير: حدثنا عبيد بن آدم بن أبي إياس العسقلاني، حدثنا أبي، حدثنا شيبان، حدثنا يحيى بن أبي كثير، عن أبي الحارث الغفاري عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ في المرأة يطلقها زوجها ثلاثا فتتزوج زوجا غيره، فيطلقها قبل أن يدخل بها، فيريد الأول أن يراجعها، قال: "لا حتى يذوق الآخر عسيلتها".
ثم رواه من وجه آخر عن شيبان، وهو ابن عبد الرحمن، به. وأبو الحارث غير معروف.
حديث آخر: قال ابن جرير:
حدثنا ابن مثنى، حدثنا يحيى، عن عبيد الله، حدثنا القاسم، عن عائشة: أن رجلا طلق امرأته ثلاثا، فتزوجت زوجا فطلقها قبل أن يمسها، فسئل رسول الله ﷺ: أتحل للأول؟
ابن مثنى، حدثنا يحيى، عن عبيد الله، حدثنا القاسم، عن عائشة: أن رجلا طلق امرأته ثلاثا، فتزوجت زوجا فطلقها قبل أن يمسها، فسئل رسول الله ﷺ: أتحل للأول؟ فقال: "لا حتى يذوق من عسيلتها كما ذاق الأول".
أخرجه البخاري، ومسلم، والنسائي، من طرق، عن عبيد الله بن عمر العمري، عن القاسم بن عبد الرحمن بن أبي بكر، عن عمته عائشة، به.
طريق أخرى: قال ابن جرير:
حدثنا عبيد الله بن إسماعيل الهباري، وسفيان بن وكيع، وأبو هشام الرفاعي قالوا: حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة قالت: سئل رسول الله ﷺ عن رجل طلق امرأته، فتزوجت رجلا غيره، فدخل بها ثم طلقها قبل أن يواقعها: أتحل لزوجها الأول؟
أعمش، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة قالت: سئل رسول الله ﷺ عن رجل طلق امرأته، فتزوجت رجلا غيره، فدخل بها ثم طلقها قبل أن يواقعها: أتحل لزوجها الأول؟ فقال رسول الله ﷺ: "لا تحل لزوجها الأول حتى يذوق الآخر عسيلتها وتذوق عسيلته".
وكذا رواه أبو داود عن مسدد، والنسائي عن أبي كريب، كلاهما عن أبي معاوية، وهو محمد بن حازم الضرير، به.
طريق أخرى: قال مسلم في صحيحه:
حدثنا محمد بن العلاء الهمداني، حدثنا أبو أسامة، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة: أن رسول الله ﷺ سئل عن المرأة يتزوجها الرجل فيطلقها، فتتزوج رجلا فيطلقها قبل أن يدخل بها: أتحل لزوجها الأول؟ قال: "لا حتى يذوق عسيلتها".
قال مسلم: وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا ابن فضيل: وحدثنا أبو كريب، حدثنا أبو معاوية جميعا، عن هشام بهذا الإسناد.
وقد رواه البخاري من طريق أبي معاوية محمد بن حازم، عن هشام به. وتفرد به مسلم من الوجهين الآخرين. وهكذا رواه ابن جرير من طريق عبد الله بن المبارك، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة مرفوعا بنحوه أو مثله.
هشام به. وتفرد به مسلم من الوجهين الآخرين. وهكذا رواه ابن جرير من طريق عبد الله بن المبارك، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة مرفوعا بنحوه أو مثله. وهذا إسناد جيد. وكذا رواه ابن جرير أيضا، من طريق علي بن زيد بن جدعان، عن امرأة أبيه أمينة أم محمد عن عائشة، عن النبي ﷺ بمثله وهذا السياق مختصر من الحديث الذي رواه البخاري: حدثنا عمرو بن علي، حدثنا يحيى، عن هشام، حدثني أبي، عن عائشة، عن النبي ﷺ. وحدثنا عثمان بن أبي شيبة، حدثنا عبدة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة: أن رفاعة القرظي تزوج امرأة ثم طلقها، فتزوجت آخر فأتت النبي ﷺ، فذكرت له أنه لا يأتيها، وأنه ليس معه إلا مثل هدبة الثوب فقال: "لا حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك ".
تفرد به من هذين الوجهين.
، فتزوجت آخر فأتت النبي ﷺ، فذكرت له أنه لا يأتيها، وأنه ليس معه إلا مثل هدبة الثوب فقال: "لا حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك ".
تفرد به من هذين الوجهين.
طريق أخرى: قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الأعلى، عن معمر، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة قالت: دخلت امرأة رفاعة القرظي -وأنا وأبو بكر عند النبي ﷺ -فقالت: إن رفاعة طلقني البتة، وإن عبد الرحمن بن الزبير تزوجني، وإنما عنده مثل الهدبة، وأخذت هدبة من جلبابها، وخالد بن سعيد بن العاص بالباب لم يؤذن له، فقال: يا أبا بكر، ألا تنهي هذه عما تجهر به بين يدي رسول الله ﷺ! فما زاد رسول الله ﷺ على التبسم، وقال رسول الله ﷺ: "كأنك تريدين أن ترجعي إلى رفاعة، لا حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك".
وهكذا رواه البخاري من حديث عبد الله بن المبارك، ومسلم من حديث عبد الرزاق، والنسائي من حديث يزيد بن زريع، ثلاثتهم عن معمر به. وفي حديث عبد الرزاق عند مسلم: أن
رفاعة طلقها آخر ثلاث تطليقات.
المبارك، ومسلم من حديث عبد الرزاق، والنسائي من حديث يزيد بن زريع، ثلاثتهم عن معمر به. وفي حديث عبد الرزاق عند مسلم: أن
رفاعة طلقها آخر ثلاث تطليقات. وقد رواه الجماعة إلا أبا داود من طريق سفيان بن عيينة، والبخاري من طريق عقيل، ومسلم من طريق يونس بن يزيد [وعنده ثلاث تطليقات، والنسائي من طريق أيوب بن موسى، ورواه صالح بن أبي الأخضر] كلهم عن الزهري، عن عروة، عن عائشة، به.
وقال مالك عن المسور بن رفاعة القرظي عن الزبير بن عبد الرحمن بن الزبير: أن رفاعة بن سموال طلق امرأته تميمة بنت وهب في عهد رسول الله ﷺ ثلاثا، فنكحت عبد الرحمن بن الزبير، فاعترض عنها فلم يستطع أن يمسها، ففارقها، فأراد رفاعة أن ينكحها، وهو زوجها الأول الذي كان طلقها، فذكر ذلك لرسول الله ﷺ، فنهاه عن تزويجها، وقال: "لا تحل لك حتى تذوق العسيلة" كذا رواه أصحاب الموطأ عن مالك وفيه انقطاع.
هو زوجها الأول الذي كان طلقها، فذكر ذلك لرسول الله ﷺ، فنهاه عن تزويجها، وقال: "لا تحل لك حتى تذوق العسيلة" كذا رواه أصحاب الموطأ عن مالك وفيه انقطاع. وقد رواه إبراهيم بن طَهْمَان، وعبد الله بن وهب، عن مالك، عن رفاعة، عن الزبير بن عبد الرحمن، عن أبيه، فوصله.
فصل
والمقصود من الزوج الثاني أن يكون راغبا في المرأة، قاصدا لدوام عشرتها، كما هو المشروع من التزويج، واشترط الإمام مالك مع ذلك أن يطأها الثاني وطئا مباحًا، فلو وطئها وهي محرمة أو صائمة أو معتكفة أو حائض أو نفساء أو والزوج صائم أو محرم أو معتكف، لم تحل للأول بهذا الوطء. وكذا لو كان الزوج الثاني ذميًا لم تحل للمسلم بنكاحه؛ لأن أنكحة الكفار باطلة عنده. واشترط الحسن البصري فيما حكاه عنه الشيخ أبو عمر بن عبد البر أن ينزل الزوج الثاني، وكأنه تمسك بما فهمه من قوله ﵇: "حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك"، ويلزم على هذا أن تنزل المرأة أيضا.
نه الشيخ أبو عمر بن عبد البر أن ينزل الزوج الثاني، وكأنه تمسك بما فهمه من قوله ﵇: "حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك"، ويلزم على هذا أن تنزل المرأة أيضا. وليس المراد بالعسيلة المني لما رواه الإمام أحمد والنسائي، عن عائشة ﵂: أن رسول الله ﷺ قال: "ألا إن العسيلة الجماع" فأما إذا كان الثاني إنما قصده أن يحلها للأول، فهذا هو المحلل الذي وردت الأحاديث بذمه ولعنه، ومتى صرح بمقصوده في العقد بطل النكاح عند جمهور الأئمة.
ذكر الأحاديث الواردة في ذلك
الحديث الأول: عن ابن مسعود. قال الإمام أحمد:
حدثنا الفضل بن دُكَيْن، حدثنا سفيان، عن أبي قيس، عن الهذيل، عن عبد الله قال: لعن رسول الله ﷺ الواشمة والمستوشمة والواصلة والمستوصلة، والمحلل والمحلل له، وآكل الربا وموكله.
ثم رواه أحمد، والترمذي، والنسائي من غير وجه، عن سفيان، وهو الثوري، عن أبي قيس واسمه عبد الرحمن بن ثروان الأودي، عن هزيل بن شرحبيل الأودي، عن عبد الله بن مسعود عن النبي ﷺ به. ثم قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
الثوري، عن أبي قيس واسمه عبد الرحمن بن ثروان الأودي، عن هزيل بن شرحبيل الأودي، عن عبد الله بن مسعود عن النبي ﷺ به. ثم قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. قال: والعمل على هذا عند أهل العلم من الصحابة، منهم: عمر، وعثمان، وابن عمر. وهو قول الفقهاء من التابعين، ويروى ذلك عن علي، وابن مسعود، وابن عباس.
طريق أخرى: عن ابن مسعود. قال الإمام أحمد: حدثنا زكريا بن عدي، حدثنا عبيد الله، عن عبد الكريم، عن أبي الواصل، عن ابن مسعود، عن رسول الله ﷺ قال: "لعن الله المحلل والمحلل له".
طريق أخرى: روى الإمام أحمد، والنسائي، من حديث الأعمش، عن عبد الله بن مرة، عن الحارث الأعور، عن عبد الله بن مسعود قال: آكل الربا وموكله، وشاهداه وكاتبه إذا علموا به، والواصلة، والمستوصلة، ولاوي الصدقة، والمتعدي فيها، والمرتد على عقبيه إعراضا بعد هجرته، والمحلل والمحلل له، ملعونون على لسان محمد ﷺ يوم القيامة.
الحديث الثاني: عن علي ﵁.
ة، ولاوي الصدقة، والمتعدي فيها، والمرتد على عقبيه إعراضا بعد هجرته، والمحلل والمحلل له، ملعونون على لسان محمد ﷺ يوم القيامة.
الحديث الثاني: عن علي ﵁. قال الإمام أحمد:
حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا سفيان، عن جابر [وهو ابن يزيد الجعفي] عن الشعبي، عن الحارث، عن علي قال: لعن رسول الله ﷺ آكل الربا وموكله، وشاهديه وكاتبه، والواشمة والمستوشمة للحُسْن، ومانع الصدقة، والمحلل، والمحلل له، وكان ينهى عن النوح.
وكذا رواه عن غندر، عن شعبة، عن جابر، وهو ابن يزيد الجعفي، عن الشعبي عن الحارث، عن علي، به.
وكذا رواه من حديث إسماعيل بن أبي خالد، وحصين بن عبد الرحمن، ومجالد بن سعيد، وابن عون، عن عامر الشعبي، به.
وقد رواه أبو داود، والترمذي، وابن ماجه من حديث الشعبي، به.
يث إسماعيل بن أبي خالد، وحصين بن عبد الرحمن، ومجالد بن سعيد، وابن عون، عن عامر الشعبي، به.
وقد رواه أبو داود، والترمذي، وابن ماجه من حديث الشعبي، به. ثم قال أحمد:
حدثنا محمد بن عبد الله، حدثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي قال: لعن رسول الله ﷺ صاحب الربا، وآكله، وكاتبه، وشاهده، والمحلل، والمحلل له.
الحديث الثالث: عن جابر: قال الترمذي:
حدثنا أبو سعيد الأشج، أخبرنا أشعث بن عبد الرحمن بن زبيد اليامي، حدثنا مجالد، عن الشعبي، عن جابر بن عبد الله وعن الحارث، عن علي: أن رسول الله ﷺ لعن المحلل والمحلل له ثم قال: وليس إسناده بالقائم، ومجالد ضعفه غير واحد من أهل العلم، منهم أحمد بن حنبل. قال: ورواه ابن نمير، عن مجالد، عن الشعبي، عن جابر بن عبد الله، عن علي.
ال: وليس إسناده بالقائم، ومجالد ضعفه غير واحد من أهل العلم، منهم أحمد بن حنبل. قال: ورواه ابن نمير، عن مجالد، عن الشعبي، عن جابر بن عبد الله، عن علي. قال: وهذا وهم من ابن نمير، والحديث الأول أصح.
الحديث الرابع: عن عقبة بن عامر: قال أبو عبد الله محمد بن يزيد بن ماجه:
حدثنا يحيى بن عثمان بن صالح المصري، حدثنا أبي، سمعت الليث بن سعد يقول: قال أبو مصعب مشرح هو: ابن عاهان، قال عقبة بن عامر: قال رسول الله ﷺ: "ألا أخبركم بالتيس المستعار؟ " قالوا: بلى يا رسول الله. قال: "هو المحلِّل، لعن الله المحلل والمحلل له".
تفرد به ابن ماجه. وكذا رواه إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني، عن عثمان بن صالح، عن الليث، به، ثم قال: كانوا ينكرون على عثمان في هذا الحديث إنكارًا شديدًا.
قلت: عثمان هذا أحد الثقات، روى عنه البخاري في صحيحه. ثم قد تابعه غيره، فرواه جعفر الفريابي عن العباس المعروف بابن فريق عن أبي صالح عبد الله بن صالح، عن الليث به، فبرئ من عهدته والله أعلم.
الحديث الخامس: عن ابن عباس.
يره، فرواه جعفر الفريابي عن العباس المعروف بابن فريق عن أبي صالح عبد الله بن صالح، عن الليث به، فبرئ من عهدته والله أعلم.
الحديث الخامس: عن ابن عباس. قال ابن ماجه:
حدثنا محمد بن بشار، حدثنا أبو عامر، عن زمعة بن صالح، عن سلمة بن وهرام، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: لعن رسول الله ﷺ المحلل والمحلل له.
طريق أخرى: قال الإمام الحافظ خطيب دمشق أبو إسحاق إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني السعدي: حدثنا ابن أبي مريم، حدثنا إبراهيم بن إسماعيل بن أبي حبيبة عن داود بن الحصين، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: سئل رسول الله ﷺ عن نكاح المحلل قال: "لا إلا نكاح
رغبة، لا نكاح دُلْسَة ولا استهزاء بكتاب الله، ثم يذوق عسيلتها".
ويتقوى هذان الإسنادان بما رواه أبو بكر بن أبي شيبة، عن حميد بن عبد الرحمن، عن موسى بن أبي الفرات، عن عمرو بن دينار، عن النبي ﷺ بنحو من هذا فيتقوى كل من هذا المرسل والذي قبله بالآخر، والله أعلم.
الحديث السادس: عن أبي هريرة.
، عن موسى بن أبي الفرات، عن عمرو بن دينار، عن النبي ﷺ بنحو من هذا فيتقوى كل من هذا المرسل والذي قبله بالآخر، والله أعلم.
الحديث السادس: عن أبي هريرة. قال الإمام أحمد:
حدثنا أبو عامر، حدثنا عبد الله، هو ابن جعفر، عن عثمان بن محمد، المقبري، عن أبي هريرة قال: لعن رسول الله ﷺ المحلل والمحلل له.
وهكذا رواه أبو بكر بن أبي شيبة، والجوزجاني، والبيهقي، من طريق عبد الله بن جعفر القرشي. وقد وثقه أحمد بن حنبل، وعلي بن المديني، ويحيى بن معين وغيرهم. وأخرج له مسلم في صحيحه، عن عثمان بن محمد الأخنسي -وثقه ابن معين -عن سعيد المقبري، وهو متفق عليه.
الحديث السابع: عن ابن عمر. قال الحاكم في مستدركه:
حدثنا أبو العباس الأصم، حدثنا محمد بن إسحاق الصغاني حدثنا سعيد بن أبي مريم، حدثنا أبو غسان محمد بن مطرف المدني، عن عمر بن نافع، عن أبيه أنه قال: جاء رجل إلى ابن عمر، فسأله عن رجل طلق امرأته ثلاثا، فتزوجها أخ له من غير مؤامرة منه، ليحلها لأخيه: هل تحل للأول؟
ني، عن عمر بن نافع، عن أبيه أنه قال: جاء رجل إلى ابن عمر، فسأله عن رجل طلق امرأته ثلاثا، فتزوجها أخ له من غير مؤامرة منه، ليحلها لأخيه: هل تحل للأول؟ فقال: لا إلا نكاح رغبة، كنا نعد هذا سفاحا على عهد رسول الله ﷺ. ثم قال: هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه.
وقد رواه الثوري، عن عبد الله بن نافع، عن أبيه، عن ابن عمر، به. وهذه الصيغة مشعرة بالرفع. وهكذا روى أبو بكر بن أبي شيبة، والجوزجاني، وحرب الكرماني، وأبو بكر الأثرم، من حديث الأعمش، عن المسيب بن رافع، عن قبيصة بن جابر، عن عمر أنه قال: لا أوتى بمحلل ولا محلل له إلا رجمتهما.
وروى البيهقي من حديث ابن لهيعة، عن بكير بن الأشج، عن سليمان بن يسار: أن عثمان بن عفان رفع إليه رجل تزوج امرأة ليحلها لزوجها، ففرق بينهما.
لا رجمتهما.
وروى البيهقي من حديث ابن لهيعة، عن بكير بن الأشج، عن سليمان بن يسار: أن عثمان بن عفان رفع إليه رجل تزوج امرأة ليحلها لزوجها، ففرق بينهما. وكذا روي عن علي، وابن عباس،
وغير واحد من الصحابة، ﵃.
وقوله: (فَإِنْ طَلَّقَهَا) أي: الزوج الثاني بعد الدخول بها (فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا) أي: المرأة والزوج الأول (إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ) أي: يتعاشرا بالمعروف [وقال مجاهد: إن ظنا أن نكاحهما على غير دلسة] (وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ) أي: شرائعه وأحكامه (يُبَيِّنُهَا) أي: يوضحها (لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ)
وقد اختلف الأئمة، ﵏، فيما إذا طلق الرجل امرأته طلقة أو طلقتين، وتركها حتى انقضت عدتها، ثم تزوجت بآخر فدخل بها، ثم طلقها فانقضت عدتها، ثم تزوجها الأول: هل تعود إليه بما بقي من الثلاث، كما هو مذهب مالك، والشافعي، وأحمد بن حنبل، وهو قول طائفة من الصحابة، ﵃؟
بها، ثم طلقها فانقضت عدتها، ثم تزوجها الأول: هل تعود إليه بما بقي من الثلاث، كما هو مذهب مالك، والشافعي، وأحمد بن حنبل، وهو قول طائفة من الصحابة، ﵃؟ أو يكون الزوج الثاني قد هدم ما قبله من الطلاق، فإذا عادت إلى الأول تعود بمجموع الثلاث، كما هو مذهب أبي حنيفة وأصحابه ﵏؟ وحجتهم أن الزوج الثاني إذا هدم الثلاث فلأن يهدم ما دونها بطريق الأولى والأحرى، والله أعلم.
قوله تعالى: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتَانِ﴾. ظاهر هذه الآية الكريمة أن الطلاق كله منحصر في المرتين، ولكنه تعالى بين أن المنحصر في المرتين هو الطلاق الذي تملك بعده الرجعة، لا مطلقا، وذلك بذكره الطلقة الثالثة التي لا تحل بعدها المراجعة إلا بعد زوج، وهي المذكورة في قوله: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ﴾ الآية. وعلى هذا القول فقوله: ﴿أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ يعني به عدم الرجعة.
وقال بعض العلماء: الطلقة الثالثة هي المذكورة في قوله تعالى: ﴿أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ وروي هذا مرفوعا إليه ﷺ.
تنبيه: ذكر بعض العلماء أن هذه الآية الكريمة التي هي قوله تعالى: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتَانِ﴾ الآية. يؤخذ منها وقوع الطلاق الثلاث في لفظ واحد. وأشار البخاري بقوله: "باب من جوز الطلاق الثلاث؛ لقول الله تعالى الطَّلاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ".
ي لفظ واحد. وأشار البخاري بقوله: "باب من جوز الطلاق الثلاث؛ لقول الله تعالى الطَّلاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ". والظاهر أن وجه الدلالة المراد عند البخاري، هو ما قاله الكرماني:
من أنه تعالى لما قال: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتَانِ﴾ علمنا أن إحدى المرتين جمع فيها بين تطليقتين، وإذا جاز جمع التطليقتين دفعة، جاز جمع الثلاث، ورد ابن حجر هذا بأنه قياس مع وجود الفارق، وجعل الآية دليلا لنقيض ذلك.
قال مقيده- عفا الله عنه -: الظاهر أن الاستدلال بالآية غير ناهض؛ لأنه ليس المراد حصر الطلاق كله في المرتين حتى يلزم الجمع بين اثنتين في إحدى التطليقتين كما ذكر، بل المراد بالطلاق المحصور: هو خصوص الطلاق الذي تملك بعده الرجعة كما ذكرنا، وكما فسر به الآية جماهير علماء التفسير. وقال بعض العلماء وجه الدليل في الآية أن قوله تعالى: ﴿أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ عام يتناول إيقاع الثلاث دفعة واحدة، ولا يخفى عدم ظهوره.
ماء التفسير. وقال بعض العلماء وجه الدليل في الآية أن قوله تعالى: ﴿أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ عام يتناول إيقاع الثلاث دفعة واحدة، ولا يخفى عدم ظهوره. ولكن كون الآية لا دليل فيها على وقوع الثلاث بلفظ واحد، لا ينافي أن تقوم على ذلك أدلة أخر، وسنذكر أدلة ذلك، وأدلة من خالف فيه، والراجح عندنا في ذلك إن شاء الله تعالى، مع إيضاح خلاصة البحث كله في آخر الكلام إيضاحا تاما.
فنقول وبالله نستعين: اعلم أن من أدلة القائلين بلزوم الثلاث مجتمعة، حديث سهل بن سعد الساعدي، الثابت في الصحيح في قصة لعان عويمر العجلاني وزوجه، فإن فيه "فلما فرغا قال عويمر: كذبت عليها يا رسول الله إن أمسكتها، فطلقها ثلاثا قبل أن يأمره رسول الله - ﷺ -. قال ابن شهاب: فكانت سنة المتلاعنين" أخرج البخاري هذا الحديث تحت الترجمة المتقدمة عنه. ووجه الدليل منه: أنه أوقع الثلاث في كلمة واحدة، ولم ينكره
رسول الله - ﷺ -.
ب: فكانت سنة المتلاعنين" أخرج البخاري هذا الحديث تحت الترجمة المتقدمة عنه. ووجه الدليل منه: أنه أوقع الثلاث في كلمة واحدة، ولم ينكره
رسول الله - ﷺ -. ورد المخالف الاستدلال بهذا الحديث، بأن المفارقة وقعت بنفس اللعان، فلم يصادف تطليقه الثلاث محلا، ورد هذا الاعتراض، بأن الاحتجاج بالحديث من حيث إن النبي - ﷺ - لم ينكر عليه إيقاع الثلاث مجموعة، فلو كان ممنوعا لأنكره، ولو كانت الفرقة بنفس اللعان، وبأن الفرقة لم يدل على أنها بنفس اللعان كتاب، ولا سنة صريحة ولا إجماع، والعلماء مختلفون في ذلك.
فذهب مالك وأصحابه إلى أن الفرقة بنفس اللعان، وإنما تتحقق بلعان الزوجين معا، وهو رواية عن أحمد. وذهب الشافعي وأصحابه إلى أن الفرقة بنفس اللعان، وتقع عند فراغ الزوج من أيمانه قبل لعان المرأة، وهو قول سحنون من أصحاب مالك.
ن معا، وهو رواية عن أحمد. وذهب الشافعي وأصحابه إلى أن الفرقة بنفس اللعان، وتقع عند فراغ الزوج من أيمانه قبل لعان المرأة، وهو قول سحنون من أصحاب مالك. وذهب الثوري وأبو حنيفة وأتباعهما، إلى أنها لا تقع حتى يوقعها الحاكم؛ واحتجوا بظاهر ما وقع في أحاديث اللعان، فقد أخرج البخاري في صحيحه عن ابن عمر "أن رسول الله - ﷺ - فرق بين رجل وامرأة قذفها، وأحلفها رسول الله - ﷺ -. وأخرج أيضا في صحيحه عن ابن عمر من وجه آخر أنه قال: "لاعن رسول الله بين رجل وامرأة من الأنصار، وفرق بينهما". ورواه باقي الجماعة عن ابن عمر. وبه تعلم أن قول يحيى بن معين: إن الرواية بلفظ فرق بين المتلاعنين خطأ؛ يعني في خصوص حديث سهل بن سعد المتقدم، لا مطلقا، بدليل ثبوتها في الصحيح من حديث ابن عمر كما ترى. قال ابن عبد البر: إن أراد من حديث سهل فسهل، وإلا فمردود. وقال ابن حجر في فتح الباري ما نصه: ويؤخذ منه أن إطلاق يحيى بن معين وغيره تخطئة الرواية بلفظ: فرق بين المتلاعنين: إنما
المراد به في حديث سهل بخصوصه.
. وقال ابن حجر في فتح الباري ما نصه: ويؤخذ منه أن إطلاق يحيى بن معين وغيره تخطئة الرواية بلفظ: فرق بين المتلاعنين: إنما
المراد به في حديث سهل بخصوصه. فقد أخرجه أبو داود من طريق سفيان بن عيينة عن الزهري عنه بهذا اللفظ، وقال بعده: لم يتابع ابن عيينة على ذلك أحد، ثم أخرج من طريق ابن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن سعيد بن جبير، عن ابن عمر "فرق رسول الله - ﷺ - بين أخوي بني العجلان" اهـ. محل الغرض منه بلفظه، وقد قدمنا في حديث سهل "فكانت سنة المتلاعنين".
واختلف في هذا اللفظ هل هو مدرج من كلام الزهري، فيكون مرسلا، وبه قال جماعة من العلماء؛ أو هو من كلام سهل، فهو مرفوع متصل؛ ويؤيد كونه من كلام سهل ما وقع في حديث أبي داود من طريق عياض بن عبد الله الفهري، عن ابن شهاب عن سهل، قال: فطلقها ثلاث تطليقات عند رسول الله - ﷺ -، فأنفذه رسول الله - ﷺ -، وكان ما صنع عند رسول الله - ﷺ - سنة.
قال سهل: حضرت هذا عند رسول الله - ﷺ -، فمضت السنة بعد في المتلاعنين أن يفرق بينهما، ثم لا يجتمعان أبدا.
ه - ﷺ -، وكان ما صنع عند رسول الله - ﷺ - سنة.
قال سهل: حضرت هذا عند رسول الله - ﷺ -، فمضت السنة بعد في المتلاعنين أن يفرق بينهما، ثم لا يجتمعان أبدا. هذا الحديث سكت عليه أَبو داود، والمنذري. قال الشوكاني في نيل الأوطار: ورجاله رجال الصحيح.
قال مقيده - عفا الله عنه -: ومعلوم أن ما سكت عليه أبو داود فأقل درجاته عنده الحسن، وهذه الرواية ظاهرة في محل النزاع، وبها تعلم: أن احتاج البخاري لوقوع الثلاث دفعة بحديث سهل المذكور واقع موقعه؛ لأن المطلع على غوامض إشارات البخاري ﵀ يفهم أن هذا اللفظ الثابت في سنن أبي داود مطابق لترجمة البخاري، وأنه أشار بالترجمة إلى هذه الرواية ولم
يخرجها؛ لأنها ليست على شرطه، فتصريح هذا الصحابي الجليل في هذه الرواية الثابتة "بأن النبي - ﷺ - أنفذ طلاق الثلاث دفعة" يبطل بإيضاح أنه لا عبرة بسكوته - ﷺ - وتقريره له؛ بناء على أن الفرقة بنفس اللعان كما ترى.
ي هذه الرواية الثابتة "بأن النبي - ﷺ - أنفذ طلاق الثلاث دفعة" يبطل بإيضاح أنه لا عبرة بسكوته - ﷺ - وتقريره له؛ بناء على أن الفرقة بنفس اللعان كما ترى.
وذهب عثمان البتي وأبو الشعثاء جابر بن زيد البصري، أحد أصحاب ابن عباس من فقهاء التابعين: إلى أن الفرقة لا تقع حتى يوقعها الزوج، وذهب أبو عبيد إلى أنها تقع بنفس القذف، وبهذا تعلم أن كون الفرقة بنفس اللعان ليس أمرا قطعيا، حتى ترد به دلالة تقرير النبي - ﷺ - عويمر العجلاني على إيقاع الثلاث دفعة الثابت في الصحيح، لا سيما وقد عرفت أن بعض الروايات فيها التصريح بأنه - ﷺ - أنفذ ذلك، فإن قيل: قد وقع في حديث لأبي داود عن ابن عباس وقضى أن ليس عليه قوت ولا سكنى، من أجل أنهما يفترقان بغير طلاق، ولا متوفى عنها.
فالجواب: أن هذا التعليل لعدم إيجاب النفقة والسكنى؛ للملاعنة بعدم طلاق، أو وفاة يحتمل كونه من ابن عباس، وليس مرفوعا إليه - ﷺ -.
طلاق، ولا متوفى عنها.
فالجواب: أن هذا التعليل لعدم إيجاب النفقة والسكنى؛ للملاعنة بعدم طلاق، أو وفاة يحتمل كونه من ابن عباس، وليس مرفوعا إليه - ﷺ -. وهذا هو الظاهر أن ابن عباس ذكر العلة لما قضى به رسول الله - ﷺ - من عدم النفقة والسكنى، وأراه اجتهاده أن علة ذلك عدم الطلاق والوفاة.
والظاهر أن العلة الصحيحة لعدم النفقة والسكنى هي البينونة بمعناها الذي هو أعم من وقوعها بالطلاق، أو بالفسخ، بدليل أن البائن بالطلاق لا تجب لها النفقة والسكنى على أصح الأقوال دليلا، فعلم أن عدم النفقة والسكنى لا يتوقف على عدم الطلاق.
وأوضح دليل في ذلك ما صح عنه - ﷺ - من حديث فاطمة بنت قيس ﵂: "أنها طلقها زوجها آخر ثلاث تطليقات فلم يجعل لها رسول الله علىيم نفقة ولا سكنى" أخرجه مسلم في صحيحه، والإمام أحمد وأصحاب السنن، وهو نص صريح صحيح في أن البائن بالطلاق لا نفقة لها ولا سكنى، وهذا الحديث أصح من حديث ابن عباس المتقدم.
أخرجه مسلم في صحيحه، والإمام أحمد وأصحاب السنن، وهو نص صريح صحيح في أن البائن بالطلاق لا نفقة لها ولا سكنى، وهذا الحديث أصح من حديث ابن عباس المتقدم. وصرح الأئمة بأنه لم يثبت من السنة ما يخالف حديث فاطمة هذا، وما وقع في بعض الروايات عن عمر أنه قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: "لها السكنى والنفقة". فقد قال الإمام أحمد: لا يصح ذلك عن عمر. وقال الدارقطني: السنة بيد فاطمة قطعا، وأيضا تلك الرواية عن عمر من طريق إبراهيم النخعي ومولده بعد موت عمر بسنتين.
قال العلامة ابن القيم -رحمه الله تعالى- ونحن نشهد بالله شهادة نسأل عنها إذا لقيناه، أنها كذب على عمر وكذب على رسول الله - ﷺ -، فإذا حققت أن السنة معها وأنها صاحبة القصة، فاعلم أنها لما سمعت قول عمر لا نترك كتاب الله وسنة نبينا - ﷺ - لقول امرأة، لا ندري لعلها حفظت أو نسيت، قالت: بيني وبينكم كتاب الله. قال الله: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ حتى قال: ﴿لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْراً﴾.
و نسيت، قالت: بيني وبينكم كتاب الله. قال الله: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ حتى قال: ﴿لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْراً﴾. فأي أمر يحدث بعد الثلاث، ورواه أبو داود، والنسائي، وأحمد، ومسلم بمعناه. فتحصل أن السنة بيدها، وكتاب الله معها.
وهذا المذهب بحسب الدليل هو أوضح المذاهب وأصوبها. وللعلماء في نفقة البائن وسكناها أقوال غير هذا. فمنهم من
أوجبهما معا، ومنهم من أوجب السكنى دون النفقة، ومنهم من عكس. فالحاصل أن حديث فاطمة هذا يرد تعليل ابن عباس المذكور، وأنه أصح من حديثه، وفيه التصريح بأن سقوط النفقة والسكنى لا يتوقف على عدم الطلاق، بل يكون مع الطلاق البائن.
حديث فاطمة هذا يرد تعليل ابن عباس المذكور، وأنه أصح من حديثه، وفيه التصريح بأن سقوط النفقة والسكنى لا يتوقف على عدم الطلاق، بل يكون مع الطلاق البائن. وأيضا فالتصريح بأنه - ﷺ - أنفذ الثلاث دفعة في الرواية المذكورة أولى بالاعتبار من كلام ابن عباس المذكور؛ لأن من حفظ حجة على من لم يحفظ، وهذا الصحابي حفظ إنفاذ الثلاث، والمثبت مقدم على النافي.
فإن قيل: إنفاذه - ﷺ - الثلاث دفعة من الملاعن على الرواية المذكورة لا يكون حجة في غير اللعان؛ لأن اللعان تجب فيه الفرقة الأبدية، فإنفاذ الثلاث مؤكد لذلك الأمر الواجب بخلاف الواقع في غير اللعان، ويدل لهذا أن النبي - ﷺ - غضب من إيقاع الثلاث دفعة في غير اللعان، وقال: "أيلعب بكتاب الله وأنا بين أظهركم؟
لك الأمر الواجب بخلاف الواقع في غير اللعان، ويدل لهذا أن النبي - ﷺ - غضب من إيقاع الثلاث دفعة في غير اللعان، وقال: "أيلعب بكتاب الله وأنا بين أظهركم؟ " كما أخرجه النسائي من حديث محمود بن لبيد.
فالجواب من أربعة أوجه:
الأول: الكلام في حديث محمود بن لبيد، فإنه تكلم فيه من جهتين:
الأولى: أنه مرسل؛ لأن محمود بن لبيد لم يثبت له سماع من رسول الله - ﷺ -، وإن كانت ولادته في عهده - ﷺ -، وذكره في الصحابة من أجل الرؤية، وقد ترجم له أحمد في مسنده، وأخرج له عدة أحاديث ليس فيها شيء صرح فيه بالسماع.
الثانية: أن النسائي قال بعد تخريجه لهذا الحديث: لا أعلم أحدا رواه غير مخرمة بن بكير. يعني ابن الأشج عن أبيه. ورواية مخرمة عن أبيه وجادة من كتابه، قاله أحمد وابن معين وغيرهما.
عد تخريجه لهذا الحديث: لا أعلم أحدا رواه غير مخرمة بن بكير. يعني ابن الأشج عن أبيه. ورواية مخرمة عن أبيه وجادة من كتابه، قاله أحمد وابن معين وغيرهما. وقال ابن المديني: سمع من أبيه قليلا.
قال ابن حجر في التقريب: روايته عن أبيه وجادة من كتابه، قاله أحمد وابن معين وغيرهما، وقال ابن المديني سمع من أبيه قليلا.
قال مقيده - عفا الله عنه -: أما الإعلال الأول بأنه مرسل، فهو مردود بأنه مرسل صحابي ومراسيل الصحابة لها حكم الوصل، ومحمود بن لبيد المذكور جل روايته عن الصحابة كما قاله ابن حجر في التقريب وغيره.
ول بأنه مرسل، فهو مردود بأنه مرسل صحابي ومراسيل الصحابة لها حكم الوصل، ومحمود بن لبيد المذكور جل روايته عن الصحابة كما قاله ابن حجر في التقريب وغيره. والإعلال الثاني بأن رواية مخرمة عن أبيه وجادة من كتابه فيه: أن مسلما أخرج في صحيحه عدة أحاديث من رواية مخرمة عن أبيه، والمسلمون مجمعون على قبول أحاديث مسلم إلا بموجب صريح يقتضي الرد، فالحق أن الحديث ثابت إلا أن الاستدلال به يرده.
الوجه الثاني: وهو أن حديث محمود ليس فيه التصريح بأنه - ﷺ - أنفذ الثلاث، ولا أنه لم ينفذها، وحديث سهل على الرواية المذكورة فيه التصريح بأنه أنفذها، والمبين مقدم على المجمل؛ كما تقرر في الأصول، بل بعض العلماء احتج لإيقاع الثلاث دفعة، بحديث محمود هذا.
ووجه استدلاله به أنه طلق ثلاثا يظن لزومها، فلو كانت غير لازمة لبين النبي - ﷺ - أنها غير لازمة؛ لأن البيان لا يجوز تأخيره عن
وقت الحاجة.
ديث محمود هذا.
ووجه استدلاله به أنه طلق ثلاثا يظن لزومها، فلو كانت غير لازمة لبين النبي - ﷺ - أنها غير لازمة؛ لأن البيان لا يجوز تأخيره عن
وقت الحاجة.
الوجه الثالث: أن إمام المحدثين محمد بن إسماعيل البخاري ﵀ أخرج حديث سهل تحت الترجمة التي هي قوله: "باب من جوز الطلاق الثلاث" وهو دليل على أنه يرى عدم الفرق بين اللعان وغيره، في الاحتجاج بإنفاذ الثلاث دفعة.
الوجه الرابع؛ هو ما سيأتي من الأحاديث الدالة على وقوع الثلاث دفعة، كحديث ابن عمر، وحديث الحسن بن علي، وإن كان الكل لا يخلو من كلام.
وممن قال بأن اللعان طلاق لا فسخ أبو حنيفة، ومحمد بن الحسن، وحماد؛ وصح عن سعيد بن المسيب، كما نقله الحافظ ابن حجر في فتح الباري، وعن الضحاك والشعبي: إذا أكذب نفسه ردت إليه امرأته.
فسخ أبو حنيفة، ومحمد بن الحسن، وحماد؛ وصح عن سعيد بن المسيب، كما نقله الحافظ ابن حجر في فتح الباري، وعن الضحاك والشعبي: إذا أكذب نفسه ردت إليه امرأته.
وبهذا كله تعلم أن رد الاحتجاج بتقريره - ﷺ - عويمر العجلاني، على إيقاع الثلاث دفعة، بأن الفرقة بنفس اللعان لا يخلو من نظر، ولو سلمنا أن الفرقة بنفس اللعان فإنا لا نسلم أن سكوته - ﷺ - لا دليل فيه، بل نقول: لو كانت لا تقع دفعة لبين أنها لا تقع دفعة ولو كانت الفرقة بنفس اللعان كما تقدم.
ومن أدلتهم حديث عائشة الثابت في الصحيح في قصة رفاعة القرظي وامرأته، فإن فيه "فقالت: يا رسول الله إن رفاعة طلقني فبت طلاقي" الحديث. وقد أخرجه البخاري تحت الترجمة المتقدمة، فإن قولها: "فبت طلاقي" ظاهر في أنه قال لها: أنت
طالق البتة.
قال مقيده - عفا الله عنه -: الاستدلال بهذا الحديث غير ناهض فيما يظهر، لأن مرادها بقولها: فبت طلاقي، أي: بحصول الطلقة الثالثة.
ال لها: أنت
طالق البتة.
قال مقيده - عفا الله عنه -: الاستدلال بهذا الحديث غير ناهض فيما يظهر، لأن مرادها بقولها: فبت طلاقي، أي: بحصول الطلقة الثالثة. ويبينه أن البخاري ذكر في كتاب الأدب من وجه آخر أنها قالت: طلقني آخر ثلاث تطليقات، وهذه الرواية تبين المراد من قولها: "فبت طلاقي" وأنه لم يكن دفعة واحدة.
ومن أدلتهم حديث عائشة الثابت في الصحيح. وقد أخرجه البخاري تحت الترجمة المذكورة أيضا "أن رجلا طلق امرأته ثلاثا، فتزوجت فطلق، فسئل النبي - ﷺ - أتحل للأول؟ قال: لا، حتى يذوق عسيلتها كما ذاق الأول" فإن قوله: ثلاثا ظاهر في كونها مجموعة، واعترض الاستدلال بهذا الحديث بأنه مختصر من قصة رفاعة، وقد قدمنا قريبا أن بعض الروايات الصحيحة دل على أنها ثلاث مفرقة، لا مجموعة.
اهر في كونها مجموعة، واعترض الاستدلال بهذا الحديث بأنه مختصر من قصة رفاعة، وقد قدمنا قريبا أن بعض الروايات الصحيحة دل على أنها ثلاث مفرقة، لا مجموعة. ورد هذا الاعتراض بأن غير رفاعة قد وقع له مع امرأته نظير ما وقع لرفاعة، فلا مانع من التعدد، وكون الحديث الأخير في قصة أخرى كما ذكره الحافظ ابن حجر في الكلام على قصة رفاعة، فإنه قال فيها ما نصه: وهذا الحديث إن كان محفوظا فالواضح من سياقه أنها قصة أخرى، وأن كلا من رفاعة القرظي ورفاعة النضري وقع له مع زوجة له طلاق، فتزوج كلا منهما عبد الرحمن بن الزبير فطلقها قبل أن يمسها، فالحكم في قصتهما متحد مع تغاير الأشخاص. وبهذا يتبين خطأ من وحد بينهما ظنا منه أن رفاعة بن سموءل هو رفاعة بن وهب اهـ. محل الحاجة منه بلفظه.
ومن أدلتهم ما أخرجه النسائي عن محمود بن لبيد قال: "أخبر النبي - ﷺ - عن رجل طلق امرأته ثلاث تطليقات جميعا، فقام مغضبا، فقال: أيلعب بكتاب الله وأنا بين أظهركم؟
هم ما أخرجه النسائي عن محمود بن لبيد قال: "أخبر النبي - ﷺ - عن رجل طلق امرأته ثلاث تطليقات جميعا، فقام مغضبا، فقال: أيلعب بكتاب الله وأنا بين أظهركم؟ " وقد قدمنا أن وجه الاستدلال منه: أن المطلق يظن الثلاثة المجموعة واقعة، فلو كانت لا تقع لبين النبي - ﷺ - أنها لا تقع؛ لأنه لا يجوز في حقه تأخير البيان عن وقت الحاجة إليه. وقد قال ابن كثير في حديث محمود هذا: أن إسناده جيد. وقال الحافظ في بلوغ المرام: رواته موثقون. وقال في الفتح: رجاله ثقات.
فإن قيل: غضب النبي - ﷺ -، وتصريحه بأن ذلك الجمع للطلقات لعب بكتاب الله يدل على أنها لا تقع؛ لقوله - ﷺ -: "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد" وفي رواية "من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد".
الجمع للطلقات لعب بكتاب الله يدل على أنها لا تقع؛ لقوله - ﷺ -: "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد" وفي رواية "من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد".
فالجواب أن كونه ممنوعا ابتداء لا ينافي وقوعه بعد الإيقاع، ويدل له ما سيأتي قريبا عن ابن عمر من قوله لمن سأله: وأن كنت طلقتها ثلاثا فقد حرمت عليك حتى تنكح زوجا غيرك، وعصيت الله فيما أمرك به من طلاق امرأتك، ولا سيما على قول الحاكم: إنه مرفوع، وهذا ثابت عن ابن عمر في الصحيح، ويؤيده ما سيأتي إن شاء الله قريبا من حديثه المرفوع عند الدارقطني أن النبي - ﷺ - قال له: كانت تبين منك وتكون معصية، ويؤيده أيضا ما سيأتي إن شاء الله عن ابن عباس بإسناده صحيح أنه قال لمن سأله عن ثلاث أوقعها دفعة: إنك لم تتق الله فيجعل لك مخرجا، عصيت ربك، وبانت منك امرأتك. وبالجملة فالمناسب لمرتكب المعصية
التشديد، لا التخفيف بعدم الإلزام.
ومن أدلتهم ما أخرجه الدارقطني عن ابن عمر ﵄: أنه قال: "فقلت: يا رسول الله أرأيت لو طلقتها ثلاثا أكان يحل لي أن أراجعها؟
شديد، لا التخفيف بعدم الإلزام.
ومن أدلتهم ما أخرجه الدارقطني عن ابن عمر ﵄: أنه قال: "فقلت: يا رسول الله أرأيت لو طلقتها ثلاثا أكان يحل لي أن أراجعها؟ قال: لا، كانت تبين منك وتكون معصية"، وفي إسناده عطاء الخراساني، وهو مختلف فيه، وقد وثقه الترمذي، وقال النسائي وأبو حاتم: لا بأس به، وكذبه سعيد بن المسيب، وضعفه غير واحد، وقال البخاري: ليس فيمن روي عنه مالك من يستحق الترك غيره، وقال شعبة: كان نسيا، وقال ابن حبان: كان من خيار عباد الله، غير أنه كثير الوهم، سيء الحفظ، يخطئ ولا يدري، فلما كثر ذلك في روايته بطل الاحتجاج به. وأيضا الزيادة التي هي محل الحجة من الحديث أعني قوله: "أرأيت لو طلقتها" الخ مما تفرد به عطاء المذكور، وقد شاركه الحفاظ في أصل الحديث، ولم يذكروا الزيادة المذكورة.
ة التي هي محل الحجة من الحديث أعني قوله: "أرأيت لو طلقتها" الخ مما تفرد به عطاء المذكور، وقد شاركه الحفاظ في أصل الحديث، ولم يذكروا الزيادة المذكورة. وفي إسنادها شعيب بن زريق الشامي وهو ضعيف، وأعل عبد الحق في أحكامه هذا الحديث، بأن في أسناده معلى بن منصور، وقال: رماه أحمد بالكذب.
قال مقيده - عفا الله عنه -: أما عطاء الخراساني المذكور فهو من رجال مسلم في صحيحه، وأما معلى بن منصور فقد قال فيه ابن حجر في التقريب: ثقة سني فقيه طلب للقضاء فامتنع، أخطأ من زعم أن أحمد رماه بالكذب، أخرج له الشيخان وباقي الجماعة. وأما شعيب بن زريق أبو شيبة الشامي فقد قال فيه ابن حجر في التقريب: صدوق يخطئ.
فامتنع، أخطأ من زعم أن أحمد رماه بالكذب، أخرج له الشيخان وباقي الجماعة. وأما شعيب بن زريق أبو شيبة الشامي فقد قال فيه ابن حجر في التقريب: صدوق يخطئ. ومن كان كذلك فليس مردود
الحديث، لا سيما وقد اعتضدت روايته بما تقدم في حديث سهل، وبما رواه البيهقي عن الحسن بن علي ﵄، فإنه قال في السنن الكبرى ما نصه: أخبرنا أبو الحسن علي بن أحمد بن عبدان، أنا أحمد بن عبيد الصفار، أنا إبراهيم بن محمد الواسطي، أنا محمد بن حميد الرازي، أنا سلمة بن الفضل، عن عمرو بن أبي قيس، عن إبراهيم بن عبد الأعلى، عن سويد بن غفلة. قال: كانت عائشة الخثعمية عند الحسن بن علي ﵄، فلما قتل علي ﵁ قالت: لتهنك الخلافة، قال: بقتل علي تظهرين الشماتة، إذهبي فأنت طالق، يعني ثلاثا.
بن غفلة. قال: كانت عائشة الخثعمية عند الحسن بن علي ﵄، فلما قتل علي ﵁ قالت: لتهنك الخلافة، قال: بقتل علي تظهرين الشماتة، إذهبي فأنت طالق، يعني ثلاثا. قال: فتلفعت بثيابها وقعدت حتى قضت عدتها، فبعث إليها ببقية بقيت لها من صداقها وعشرة آلاف صدقة، فلما جاءها الرسول قالت: متاع قليل من حبيب مفارق، فلما بلغه قولها بكى، ثم قال: لولا أني سمعت جدي، أو حدثني أبي أنه سمع جدي يقول: "أيما رجل طلق امرأته ثلاثا عند الأقراء، أو ثلاثا مبهمة لم تحل له حتى تنكح زوجا غيره لراجعتها".
وكذلك روي عن عمرو بن شمر، عن عمران بن مسلم، وإبراهيم بن عبد الأعلى، عن سويد بن غفلة اهـ. منه بلفظه. وضعف هذا الإسناد بأن فيه محمد بن حميد بن حبان الرازي، قال فيه ابن حجر في التقريب: حافظ ضعيف، وكان ابن معين حسن الرأي فيه، وأن فيه أيضا سلمة بن الفضل الأبرش، مولى الأنصار قاضي الري. قال فيه في التقريب: صدوق كثير الخطأ.
ر في التقريب: حافظ ضعيف، وكان ابن معين حسن الرأي فيه، وأن فيه أيضا سلمة بن الفضل الأبرش، مولى الأنصار قاضي الري. قال فيه في التقريب: صدوق كثير الخطأ. وروي من غير هذا الوجه، وروي نحوه الطبراني من حديث سويد بن غفلة، وضعف الحديث إسحاق بن راهويه، ويؤيد حديث ابن عمر
المذكور أيضا ما ثبت في الصحيح عن ابن عمر من أنه قال: "وإن كنت طلقتها ثلاثا فقد حرمت عليك حتى تنكح زوجا غيرك، وعصيت الله فيما أمرك به من طلاق امرأتك". ولا سيما على قول الحاكم: إنه مرفوع.
وعلى ثبوت حديث ابن عمر المذكور، فهو ظاهر في محل النزاع، فما ذكره بعض أهل العلم من أنه لو صح لم يكن فيه حجة؛ بناء على حمله على كون الثلاث مفرقة لا مجتمعة، فهو بعيد. والحديث ظاهر في كونها مجتمعة؛ لأن ابن عمر لا يسأل عن الثلاث المتفرقة إذ لا يخفى عليه أنها محرمة، وليس محل نزاع.
كون الثلاث مفرقة لا مجتمعة، فهو بعيد. والحديث ظاهر في كونها مجتمعة؛ لأن ابن عمر لا يسأل عن الثلاث المتفرقة إذ لا يخفى عليه أنها محرمة، وليس محل نزاع. ومن أدلتهم ما أخرجه عبد الرزاق في مصنفه، عن عبادة ابن الصامت، قال: "طلق جدي امرأة له ألف تطليقة، فانطلق إلى رسول الله - ﷺ - فذكر له ذلك، فقال النبي - ﷺ -: ما اتقى الله جدك، أما ثلاث فله، وأما تسعمائة وسبع وتسعون فعدوان وظلم، إن شاء الله عذبه، وإن شاء غفر له" وفي رواية: "إن أباك لم يتق الله فيجعل له مخرجا بانت منه بثلاث على غير السنة، وتسعمائة وسبع وتسعون إثم في عنقه". وفي إسناده يحيى بن العلاء، وعبيد الله بن الوليد، وإبراهيم بن عبيد الله ولا يحتج بواحد منهم.
ه بثلاث على غير السنة، وتسعمائة وسبع وتسعون إثم في عنقه". وفي إسناده يحيى بن العلاء، وعبيد الله بن الوليد، وإبراهيم بن عبيد الله ولا يحتج بواحد منهم. وقد رواه بعضهم عن صدقة بن أبي عمران، عن إبراهيم بن عبيد الله بن عبادة بن الصامت، عن أبيه، عن جده.
ومن أدلتهم ما رواه ابن ماجه عن الشعبي قال: قلت لفاطمة بنت قيس: حدثيني عن طلاقك، قالت: طلقني زوجي ثلاثا وهو خارج إلى اليمن، فأجاز ذلك رسول الله - ﷺ -، وفي رواية أبي أسامة
عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن فاطمة بنت قيس قالت: "يا رسول الله إن زوجي طلقني ثلاثا فأخاف أن يقتحم علي فأمرها فتحولت". وفي مسلم من رواية أبي سلمة، أن فاطمة بنت قيس أخبرته أن أبا حفص بن المغيرة المخزومي طلقها ثلاثا، ثم انطلق إلى اليمن الخ. وفيه عن أبي سلمة أيضا أنها قالت: "فطلقني البتة".
قالوا: فهذه الروايات، ظاهرة في أن الطلاق كان بالثلاث المجتمعة، ولاسيما حديث الشعبي؛ لقولها فيه: فأجاز ذلك رسول الله - ﷺ -، إذ لا يحتاج إلى الإخبار بإجازته إلا الثلاث المجتمعة.
ة في أن الطلاق كان بالثلاث المجتمعة، ولاسيما حديث الشعبي؛ لقولها فيه: فأجاز ذلك رسول الله - ﷺ -، إذ لا يحتاج إلى الإخبار بإجازته إلا الثلاث المجتمعة. ورد الاستدلال بهذا الحديث بما ثبت في بعض الروايات الصحيحة؛ كما أخرجه مسلم من رواية أبي سلمة أيضا: أن فاطمة أخبرته أنها كانت تحت أبي عمرو بن حفص بن المغيرة فطلقها آخر ثلاث تطليقات. فهذه الرواية تفسر الروايات المتقدمة، وتظهر أن المقصود منها أن ذلك وقع مفرقا لا دفعة.
ورد بعضهم هذا الاعتراض بأن الروايات المذكورة تدل على عدم تفريق الصحابة والتابعين بين صيغ البينونة الثلاث، يعنون لفظ البتة، والثلاث المجتمعة، والثلاث المتفرقة؛ لتعبيرها في بعض الروايات بلفظ طلقني ثلاثا، وفي بعضها بلفظ طلقني البتة، وفي بعضها بلفظ فطلقني آخر ثلاث تطليقات.
ة، والثلاث المجتمعة، والثلاث المتفرقة؛ لتعبيرها في بعض الروايات بلفظ طلقني ثلاثا، وفي بعضها بلفظ طلقني البتة، وفي بعضها بلفظ فطلقني آخر ثلاث تطليقات. فلم تخص لفظا منها عن لفظ؛ لعلمها بتساوي الصيغ، ولو علمت أن بعضها لا يحرم لاحترزت منه.
قالوا: والشعبي قال لها: حدثيني عن طلاقك أي: عن كيفيته
وحاله، فكيف يسأل عن الكيفية ويقبل الجواب بما فيه عنده إجمال من غير أن يستفسر عنه، وأبو سلمة روى عنها الصيغ الثلاث؛ فلو كان بينها عنده تفاوت لاعترض عليها باختلاف ألفاظها، وتثبت حتى يعلم منها بأي الصيغ وقعت بينونتها، فتركه لذلك دليل على تساوي الصيغ المذكورة عنده. هكذا ذكره بعض الأجلاء.
فاوت لاعترض عليها باختلاف ألفاظها، وتثبت حتى يعلم منها بأي الصيغ وقعت بينونتها، فتركه لذلك دليل على تساوي الصيغ المذكورة عنده. هكذا ذكره بعض الأجلاء. والظاهر أن هذا الحديث لا دليل فيه؛ لأن الروايات التي فيها إجمال بينتها الرواية الصحيحة الأخرى كما هو ظاهر، والعلم عند الله تعالى.
ومن أدلتهم ما رواه أبو داود والدارقطني وقال: قال أبو داود: هذا حديث حسن صحيح، والشافعي، والترمذي، وابن ماجه، وصححه ابن حبان والحاكم عن ركانة بن عبد الله أنه طلق امرأته سهيمة البتة، فأخبر النبي - ﷺ - بذلك. فقال: والله ما أردت إلا واحدة. فقال رسول الله - ﷺ -: والله ما أردت إلا واحدة؛ فقال ركانة: والله ما أردت إلا واحدة، فردها إليه رسول الله - ﷺ -، وطلقها الثانية في زمان عمر بن الخطاب، والثالثة في زمن عثمان، فهذا الحديث صححه أبو داود، وابن حبان، والحاكم. وقال فيه ابن ماجه: سمعت أبا الحسن علي بن محمد الطنافسي يقول: ما أشرف هذا الحديث.
الثالثة في زمن عثمان، فهذا الحديث صححه أبو داود، وابن حبان، والحاكم. وقال فيه ابن ماجه: سمعت أبا الحسن علي بن محمد الطنافسي يقول: ما أشرف هذا الحديث. وقال الشوكاني في نيل الأوطار: قال ابن كثير: قد رواه أبو داود من وجه آخر، وله طرق أخر، فهو حسن إن شاء الله.
وهو نص في محل النزاع؛ لأن تحليفه - ﷺ - لركانة "ما أراد بلفظ البتة إلا واحدة" دليل على أنه لو أراد بها أكثر من الواحدة لوقع، والثلاث أصرح في ذلك من لفظ البتة؛ لأن البتة كناية، والثلاث صريح، ولو كان لا يقع أكثر من واحدة لما كان لتحليفه معنى، مع
اعتضاد هذا الحديث بما قدمناه من الأحاديث، وبما سنذكره بعده إن شاء الله تعالى. وإن كان الكل لا يخلو من كلام، مع أن هذا الحديث تكلم فيه بأن في إسناده الزبير بن سعيد بن سليمان بن سعيد بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب الهاشمي.
قال فيه ابن حجر في التقريب: لين الحديث. وقد ضعفه غير واحد.
يه بأن في إسناده الزبير بن سعيد بن سليمان بن سعيد بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب الهاشمي.
قال فيه ابن حجر في التقريب: لين الحديث. وقد ضعفه غير واحد. وقيل: إنه متروك، والحق ما قاله فيه ابن حجر من أنه لين الحديث.
وذكر الترمذي عن البخاري أنه مضطرب فيه، يقال: ثلاثا، وتارة قيل: واحدة، وأصحها أنه طلقها البتة، وأن الثلاث ذكرت فيه على المعنى.
وقال ابن عبد البر في التمهيد: تكلموا في هذا الحديث.
وقد قدمنا آنفا تصحيح أبي داود، وابن حبان؛ والحاكم له.
وأن ابن كثير قال: إنه حسن، وإنه معتضد بالأحاديث المذكورة قبله؛ كحديث ابن عمر عند الدارقطني؛ وحديث الحسن عند البيهقي؛ وحديث سهل بن سعد الساعدي في لعان عويمر وزوجه، ولاسيما على رواية فأنفذه رسول الله - ﷺ - يعني الثلاث بلفظ واحد كما تقدم، ويعتضد أيضا بما رواه أبو داود، والترمذي، والنسائي، عن حماد بن زيد قال: قلت لأيوب: هل علمت أحدا قال في أمرك بيدك: أنها ثلاث غير الحسن؛ قال: لا.
تقدم، ويعتضد أيضا بما رواه أبو داود، والترمذي، والنسائي، عن حماد بن زيد قال: قلت لأيوب: هل علمت أحدا قال في أمرك بيدك: أنها ثلاث غير الحسن؛ قال: لا. ثم قال: اللهم غفرا إلا ما حدثني قتادة عن كثير، مولى ابن سمرة، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة ﵁، عن النبي - ﷺ - قال: ثلاث فلقيت كثيرا فسألته فلم يعرفه، فرجعت إلى قتادة فأخبرته، فقال: نسي. وقال
الترمذي. لا نعرفه إلا من حديث سليمان بن حرب، عن حماد بن زيد. وتكلم في هذا الحديث من ثلاث جهات.
الأولى: أن البخاري لم يعرفه مرفوعا، وقال: إنه موقوف على أبي هريرة. ويجاب عن هذا: بأن الرفع زيادة، وزيادة العدل مقبولة، وقد رواه سليمان ابن حرب، عن حماد بن زيد مرفوعا، وجلالتهما معروفة. قال في مراقي السعود:
والرفع والوصل وزيد اللفظ ... مقبول عند إمام الحفظ .. الخ
الثانية: أن كثيرا نسيه. ويجاب عن هذا بأن نسيان الشيخ لا يبطل رواية من روى عنه؛ لأنه يقل راو يحفظ طول الزمان ما يرويه، وهذا قول الجمهور.
الحفظ .. الخ
الثانية: أن كثيرا نسيه. ويجاب عن هذا بأن نسيان الشيخ لا يبطل رواية من روى عنه؛ لأنه يقل راو يحفظ طول الزمان ما يرويه، وهذا قول الجمهور. وقد روى سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة: أن النبي - ﷺ -، قضى بالشاهد واليمين ونسيه، فكان يقول: حدثني ربيعة عني ولم ينكر عليه أحد، وأشار إليه العراقي في ألفيته بقوله:
وإن يرده بلا أذكر أو ... ما يقتضي نسيانه فقد رأوا
الحكم للذاكر عند المعظم ... وحكي الإسقاط عن بعضهم
كقصة الشاهد واليمين إذ ... نسيه سهيل الذي أخذ
عنه، فكان بعد عن ربيعه ... عن نفسه يرويه أن يضيعه
الثالثة: تضعيفه بكثير مولى ابن سمرة، كما قال ابن حزم: إنه مجهول.
واليمين إذ ... نسيه سهيل الذي أخذ
عنه، فكان بعد عن ربيعه ... عن نفسه يرويه أن يضيعه
الثالثة: تضعيفه بكثير مولى ابن سمرة، كما قال ابن حزم: إنه مجهول. ويجاب عنه بأن ابن حجر قال في التقريب: إنه مقبول.
ومن أدلتهم ما رواه الدارقطني من حديث زاذان عن علي ﵁ قال: سمع النبي - ﷺ - رجلا طلق البتة فغضب، وقال: أتتخذون آيات الله هزوا؛ أو دين الله هزوا، أو لعبا؛ من طلق البتة ألزمناه ثلاثا، لا تحل له حتى تنكح زوجا غيره، وفيه إسماعيل بن أمية، قال فيه الدارقطني: كوفي ضعيف.
ومن أدلتهم ما رواه الدارقطني من حديث حماد بن زيد، حدثنا عبد العزيز بن صهيب، عن أنس قال: سمعت أنس بن مالك يقول: سمعت معاذ بن جبل يقول: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: "يا معاذ من طلق للبدعة واحدة أو اثنتين أو ثلاثا ألزمناه بدعته" وفي إسناده إسماعيل بن أمية الذراع وهو ضعيف أيضا.
ن جبل يقول: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: "يا معاذ من طلق للبدعة واحدة أو اثنتين أو ثلاثا ألزمناه بدعته" وفي إسناده إسماعيل بن أمية الذراع وهو ضعيف أيضا.
فهذه الأحاديث وإن كانت لا يخلو شيء منها من مقال فإن كثرتها واختلاف طرقها وتباين مخارجها يدل على أن لها أصلا، والضعاف المعتبر بها إذا تباينت مخارجها شد بعضها بعضا، فصلح مجموعها للاحتجاج، ولاسيما أن منها ما صححه بعض العلماء كحديث طلاق ركانة البتة، وحسنه ابن كثير، ومنها ما هو صحيح، وهو رواية إنفاذه - ﷺ - طلاق عويمر ثلاثا مجموعة عند أبي داود. وقد علمت معارضة تضعيف حديث ابن عمر عند الدارقطني من جهة عطاء الخراساني، ومعلى بن منصور، وشعيب بن زريق، إلى آخر ما تقدم:
لا تخاصم بواحد أهل بيت ...
د. وقد علمت معارضة تضعيف حديث ابن عمر عند الدارقطني من جهة عطاء الخراساني، ومعلى بن منصور، وشعيب بن زريق، إلى آخر ما تقدم:
لا تخاصم بواحد أهل بيت ... فضعيفان يغلبان قويا
وقال النووي في شرح مسلم ما نصه: واحتج الجمهور بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ
ذَلِكَ أَمْراً (١)﴾.
قالوا: معناه: أن المطلق قد يحدث له ندم فلا يمكنه تداركه؛ لوقوع البينونة، فلو كانت الثلاث لا تقع لم يقع طلاقه هذا إلا رجعيا، فلا يندم. اهـ. محل الغرض منه بلفظه.
قال مقيده - عفا الله عنه -: ومما يؤيد هذا الاستدلال القرآني ما أخرجه أبو داود بسند صحيح من طريق مجاهد قال: كنت عند ابن عباس فجاءه رجل فقال: إنه طلق امرأته ثلاثا، فسكت حتى ظننت أنه سيردها إليه، فقال ينطلق أحدكم فيركب الأحموقة، ثم يقول: يا ابن عباس، إن الله قال: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً (٢)﴾ وإنك لم تتق الله، فلا أجد لك مخرجا، عصيت ربك، وبانت منك امرأتك.
يقول: يا ابن عباس، إن الله قال: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً (٢)﴾ وإنك لم تتق الله، فلا أجد لك مخرجا، عصيت ربك، وبانت منك امرأتك. وأخرج له أبو داود متابعات عن ابن عباس بنحوه، وهذا تفسير من ابن عباس للآية بأنها يدخل في معناها، "وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ ولم يجمع الطلاق في لفظة واحدة يجعل له مخرجا بالرجعة، ومن لم يتقه في ذلك بأن جمع الطلقات في لفظ واحد لم يجعل له مخرجا بالرجعة؛ لوقوع البينونة بها مجتمعة"، هذا هو معنى كلامه الذي لا يحتمل غيره. وهو قوي جدا في محل النزاع؛ لأنه يفسِّر به قرآنا، وهو ترجمان القرآن، وقد قال - ﷺ -: "اللهم علمه التأويل". وعلى هذا القول جل الصحابة، وأكثر العلماء، منهم الأئمة الأربعة. وحكى غير واحد عليه الإجماع.
واحتج المخالفون بأربعة أحاديث.
الأول: حديث ابن إسحاق عن داود بن الحصين، عن عكرمة عن ابن عباس عند أحمد وأبي يعلى؛ وصححه بعضهم قال: طلق
ركانة بن عبد يزيد امرأته ثلاثا في مجلس واحد، فحزن عليها حزنا شديدا، فسأله النبي - ﷺ - كيف طلقتها؟
ن ابن عباس عند أحمد وأبي يعلى؛ وصححه بعضهم قال: طلق
ركانة بن عبد يزيد امرأته ثلاثا في مجلس واحد، فحزن عليها حزنا شديدا، فسأله النبي - ﷺ - كيف طلقتها؟ قال: ثلاثا في مجلس واحد، فقال النبي - ﷺ -: "إنما تلك واحدة، فارتجعها إن شئت فارتجعها".
قال مقيده - عفا الله عنه -: الاستدلال بهذا الحديث مردود من ثلاثة أوجه:
الأول: أنه لا دليل فيه البتة على محل النزاع على فرض صحته، لا بدلالة المطابقة، ولا بدلالة التضمن، ولا بدلالة الالتزام؛ لأن لفظ المتن أن: الطلقات الثلاث واقعة في مجلس واحد، ولا شك أن كونها في مجلس واحد لا يلزم منه كونها بلفظ واحد، فادعاء أنها لما كانت في مجلس واحد، لا بد أن تكون بلفظ واحد في غاية البطلان كما ترى؛ إذ لم يدل كونها في مجلس واحد، على كونها بلفظ واحد بنقل، ولا عقل، ولا لغة كما لا يخفى على أحد، بل الحديث أظهر في كونها ليست بلفظ واحد، إذ لو كانت بلفظ واحد، لقال: بلفظ واحد وترك ذكر المجلس؛ إذ لا داعي لترك الأخص، والتعبير بالأعم بلا موجب كما ترى.
ل الحديث أظهر في كونها ليست بلفظ واحد، إذ لو كانت بلفظ واحد، لقال: بلفظ واحد وترك ذكر المجلس؛ إذ لا داعي لترك الأخص، والتعبير بالأعم بلا موجب كما ترى.
وبالجملة فهذا الدليل يقدح فيه بالقادح المعروف عند أهل الأصول: بالقول بالموجب، فيقال: سلمنا أنها في مجلس واحد، ولكن من أين لك أنها بلفظ واحد فافهم. وسترى تمام هذا المبحث إن شاء الله، في الكلام على حديث طاوس عند مسلم.
الثاني: أن داود بن الحصين الذي هو راوي هذا الحديث عن عكرمة ليس بثقة في عكرمة. قال ابن حجر في التقريب: داود بن
الحصين الأموي مولاهم أبو سليمان المدني ثقة إلا في عكرمة، ورمى برأي الخوارج. اهـ.
ا الحديث عن عكرمة ليس بثقة في عكرمة. قال ابن حجر في التقريب: داود بن
الحصين الأموي مولاهم أبو سليمان المدني ثقة إلا في عكرمة، ورمى برأي الخوارج. اهـ. وإذا كان غير ثقة في عكرمة كان الحديث المذكور من رواية غير ثقة، مع أنا قدمنا أنه لو كان صحيحا لما كانت فيه حجة.
الثالث: ما ذكره ابن حجر في فتح الباري، فإنه قال فيه ما نصه: الثالث: أن أبا داود رجح أن ركانة إنما طلق امرأته البتة كما أخرجه هو من طريق آل بيت ركانة، وهو تعليل قوي؛ لجواز أن يكون بعض رواته حمل البتة على الثلاث، فقال: طلقها ثلاثا، فبهذه النكتة يقف الاستدلال بحديث ابن عباس اهـ. منه بلفظه. يعني حديث ابن إسحاق عن داود بن الحصين المذكور عن عكرمة، عن ابن عباس، مع أنا قدمنا أن الحديث لا دليل فيه أصلا على محل النزاع.
ابن عباس اهـ. منه بلفظه. يعني حديث ابن إسحاق عن داود بن الحصين المذكور عن عكرمة، عن ابن عباس، مع أنا قدمنا أن الحديث لا دليل فيه أصلا على محل النزاع. وبما ذكرنا يظهر سقوط الاستدلال بحديث ابن إسحاق المذكور.
الحديث الثاني من الأحاديث الأربعة التي استدل بها من جعل الثلاث واحدة: هو ما جاء في بعض روايات حديث ابن عمر: من أنه طلق امرأته في الحيض ثلاثا فاحتسب بواحدة، ولا يخفى سقوط هذا الاستدلال، وأن الصحيح أنه إنما طلقها واحدة، كما جاء في الروايات الصحيحة عند مسلم وغيره. وقال النووي في شرح مسلم ما نصه: وأما حديث ابن عمر فالروايات الصحيحة التي ذكرها مسلم وغيره أنه طلقها واحدة.
وقال القرطبي في تفسيره ما نصه: والمحفوظ أن ابن عمر طلق امرأته واحدة في الحيض. قال عبد الله: وكان تطليقه إياها في
الحيض واحدة، غير أنه خالف السنة. وكذلك قال صالح بن كيسان، وموسى بن عقبة، وإسماعيل بن أمية. وليث بن سعد، وابن أبي ذئب، وابن جريج، وجابر، وإسماعيل بن إبراهيم بن عقبة، عن نافع، أن ابن عمر طلق تطليقة واحدة.
سان، وموسى بن عقبة، وإسماعيل بن أمية. وليث بن سعد، وابن أبي ذئب، وابن جريج، وجابر، وإسماعيل بن إبراهيم بن عقبة، عن نافع، أن ابن عمر طلق تطليقة واحدة. وكذا قال الزهري عن سالم، عن أبيه، ويونس بن جبير والشعبي والحسن اهـ منه بلفظه. فسقوط الاستدلال بحديث ابن عمر في غاية الظهور.
الحديث الثالث من أدلتهم: هو ما رواه أبو داود في سننه، حدثنا أحمد بن صالح، حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا ابن جريج، قال: أخبرني بعض بني أبي رافع، مولى النبي - ﷺ -، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: طلق عبد يزيد - أبو ركانة وإخوته - أم ركانة، ونكح امرأة من مزينة، فجاءت إلى النبي - ﷺ - فقالت: "ما يغني عني إلا كما تغني هذه الشعرة، لشعرة أخذتها من رأسها. ففرق بيني وبينه. فأخذت النبي - ﷺ - حمية، فدعا بركانة وإخوته، ثم قال لجلسائه: أترون فلانا يشبه منه كذا وكذا من عبد يزيد؟ وفلانا يشبه منه كذا وكذا؟ قالوا: نعم. فقال النبي - ﷺ -: طلقها.
- حمية، فدعا بركانة وإخوته، ثم قال لجلسائه: أترون فلانا يشبه منه كذا وكذا من عبد يزيد؟ وفلانا يشبه منه كذا وكذا؟ قالوا: نعم. فقال النبي - ﷺ -: طلقها. ففعل، فقال: راجع امرأتك أم ركانة، فقال: إني طلقتها ثلاثا يا رسول الله، قال: قد علمت، راجعها، ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ﴾ ".
قال مقيده - عفا الله عنه -: والاستدلال بهذا الحديث ظاهر السقوط؛ لأن ابن جريج قال: أخبرني بعض بني أبي رافع، وهي رواية عن مجهول لا يدرى من هو؟ فسقوطها واضح كما ترى. ولا شك أن حديث أبي داود المتقدم أولى بالقبول من
الذي لا خلاف في ضعفه. وقد تقدم أن ذلك فيه أنه طلقها البتة، وأن النبي - ﷺ - أحلفه ما أراد إلا واحدة، وهو دليل واضح على نفوذ الطلقات المجتمعة كما تقدم.
الحديث الرابع: هو ما أخرجه مسلم في صحيحه: حدثنا إسحاق بن إبراهيم ومحمد بن رافع واللفظ لابن رافع.
ة، وهو دليل واضح على نفوذ الطلقات المجتمعة كما تقدم.
الحديث الرابع: هو ما أخرجه مسلم في صحيحه: حدثنا إسحاق بن إبراهيم ومحمد بن رافع واللفظ لابن رافع. قال إسحاق: أخبرنا، وقال ابن رافع: حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه، عن ابن عباس، قال: كان الطلاق على عهد رسول الله - ﷺ - وأبي بكر وسنتين من خلافة عمر طلاق الثلاث واحدة، فقال عمر بن الخطاب: إن الناس قد استعجلوا في أمر كانت لهم فيه أناة، فلو أمضيناه عليهم، فأمضاه عليهم.
حدثنا إسحاق بن إبراهيم، أخبرنا روح بن عبادة، أخبرنا ابن جريج، وحدثنا ابن رافع واللفظ له.
ا في أمر كانت لهم فيه أناة، فلو أمضيناه عليهم، فأمضاه عليهم.
حدثنا إسحاق بن إبراهيم، أخبرنا روح بن عبادة، أخبرنا ابن جريج، وحدثنا ابن رافع واللفظ له. حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا ابن جريج، أخبرني ابن طاوس عن أبيه، أن أبا الصهباء قال لابن عباس: أتعلم إنما كانت الثلاث تجعل واحدة على عهد النبي - ﷺ - وأبي بكر وثلاثا من إمارة عمر؛ فقال ابن عباس: نعم.
وحدثنا إسحاق بن إبراهيم، أخبرنا سليمان بن حرب، عن حماد بن زيد، عن أيوب السختياني، عن إبراهيم بن ميسرة، عن طاوس، أن أبا الصهباء قال لابن عباس: هات من هناتك، ألم يكن الطلاق الثلاث على عهد رسول الله - ﷺ - وأبي بكر واحدة؟ فقال: قد كان ذلك، فلما كان في عهد عمر تتايع الناس في الطلاق فأجازه عليهم، هذا لفظ مسلم في صحيحه.
وهذه الطريق الأخيرة أخرجها أبو داود ولكن لم يسم إبراهيم
بن ميسرة. وقال بدله: عن غير واحد، ولفظ المتن أما علمت أن الرجل كان إذا طلق امرأته ثلاثا قبل أن يدخل بها جعلوها واحدة على عهد رسول الله - ﷺ - وأبي بكر وصدرا من إمارة عمر؟
عن غير واحد، ولفظ المتن أما علمت أن الرجل كان إذا طلق امرأته ثلاثا قبل أن يدخل بها جعلوها واحدة على عهد رسول الله - ﷺ - وأبي بكر وصدرا من إمارة عمر؟ قال ابن عباس: بلى، كان الرجل إذا طلق امرأته ثلاثا قبل أن يدخل بها جعلوها واحدة على عهد رسول الله - ﷺ - وأبي بكر وصدرا من إمارة عمر، فلما رأى الناس -يعني: عمر- قد تتايعوا فيها، قال: أجيزوننا عليهم.
وللجمهور عن حديث ابن عباس هذا عدة أجوبة:
الأول: أن الثلاث المذكورة فيه التي كانت تجعل واحدة، ليس في شيء من روايات الحديث التصريح بأنها واقعة بلفظ واحد، ولفظ طلاق الثلاث لا يلزم منه لغة ولا عقلا ولا شرعا أن تكون بلفظ واحد، فمن قال لزوجته: أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق، ثلاث مرات، في وقت واحد. فطلاقه هذا طلاق الثلاث؛ لأنه صرح بالطلاق فيه ثلاث مرات، وإذا قيل لمن جزم بأن المراد في الحديث إيقاع الثلاث بكلمة واحدة من أين أخذت كونها بكلمة واحدة؟ فهل في لفظ من ألفاظ الحديث أنها بكلمة واحدة؛ وهل يمنع إطلاق الطلاق الثلاث على الطلاق بكلمات متعددة؟
الثلاث بكلمة واحدة من أين أخذت كونها بكلمة واحدة؟ فهل في لفظ من ألفاظ الحديث أنها بكلمة واحدة؛ وهل يمنع إطلاق الطلاق الثلاث على الطلاق بكلمات متعددة؟ فإن قال: لا يقال له: طلاق الثلاث إلا إذا كان بكلمة واحدة، فلا شك في أن دعواه هذه غير صحيحة، وإن اعترف بالحق وقال: يجوز إطلاقه على ما أوقع بكلمة واحدة، وعلى ما أوقع بكلمات متعددة وهو أسعد بظاهر اللفظ. قيل له: وإذن فجزمك بكونه بكلمة واحدة لا وجه له، وإذا لم يتعين في الحديث كون الثلاث بلفظ واحد سقط
الاستدلال به من أصله في محل النزاع.
ومما يدل على أنه لا يلزم من لفظ طلاق الثلاث في هذا الحديث كونها بكلمة واحدة، أن الإمام أبا عبد الرحمن النسائي مع جلالته وعلمه وشدة فهمه، ما فهم من هذا الحديث إلا أن المراد بطلاق الثلاث فيه، أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق. بتفريق الطلقات؛ لأن لفظ الثلاث أظهر في إيقاع الطلاق ثلاث مرات. ولذا ترجم في سننه لرواية أبي داود المذكورة في هذا الحديث.
نت طالق، أنت طالق، أنت طالق. بتفريق الطلقات؛ لأن لفظ الثلاث أظهر في إيقاع الطلاق ثلاث مرات. ولذا ترجم في سننه لرواية أبي داود المذكورة في هذا الحديث. فقال: "باب طلاق الثلاث المتفرقة قبل الدخول بالزوجة" ثم قال: أخبرنا أبو داود سليمان بن سيف قال: حدثنا أبو عاصم، عن ابن جريج، عن ابن طاوس، عن أبيه: أن أبا الصهباء جاء إلى ابن عباس ﵄ فقال: يا ابن عباس ألم تعلم أن الثلاث كانت على عهد رسول الله - ﷺ - وأبي بكر وصدرا من خلافة عمر ترد إلى الواحدة؟ قال: نعم. فترى هذا الإمام الجليل صرح بأن طلاق الثلاث في هذا الحديث ليس بلفظ واحد، بل بإلفاظ متفرقة، ويدل على صحة ما فهمه النسائي ﵀ من الحديث ما ذكره العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى في زاد المعاد في الرد على من استدل لوقوع الثلاث دفعة، بحديث عائشة: أن رجلا طلق امرأته ثلاثا فتزوجت. الحديث. فإنه قال فيه ما نصه: ولكن أين في الحديث أنه طلق الثلاث بفم واحد؟
لى من استدل لوقوع الثلاث دفعة، بحديث عائشة: أن رجلا طلق امرأته ثلاثا فتزوجت. الحديث. فإنه قال فيه ما نصه: ولكن أين في الحديث أنه طلق الثلاث بفم واحد؟ بل الحديث حجة لنا، فإنه لا يقال: فعل ذلك ثلاثا، وقال: ثلاثا، إلا من فعل وقال مرة بعد مرة، وهذا هو المعقول في لغات الأمم عربهم وعجمهم. كما يقال: قذفه ثلاثا، وشتمه ثلاثا، وسلم عليه ثلاثا. اهـ. منه بلفظه.
وهو دليل واضح لصحة ما فهمه أبو عبد الرحمن النسائي ﵀ من الحديث؛ لأن لفظ الثلاث في جميع رواياته أظهر في أنها طلقات ثلاث واقعة مرة بعد مرة، كما أوضحه ابن القيم ﵀ في حديث عائشة المذكور آنفا.
لرحمن النسائي ﵀ من الحديث؛ لأن لفظ الثلاث في جميع رواياته أظهر في أنها طلقات ثلاث واقعة مرة بعد مرة، كما أوضحه ابن القيم ﵀ في حديث عائشة المذكور آنفا.
وممن قال بأن المراد بالثلاث في حديث طاوس المذكور: الثلاث المفرقة بألفاظ نحو أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق ابن سريج، فإنه قال: يشبه أن يكون ورد في تكرير اللفظ، كأن يقول: أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق، وكانوا أولا على سلامة صدورهم، يقبل منهم أنهم أرادوا التأكيد، فلما كثر الناس في زمن عمر، وكثر فيهم الخداع ونحوه، مما يمنع قبول من ادعى التأكيد، حمل عمر اللفظ على ظاهر التكرار، فأمضاه عليهم. قاله ابن حجر في الفتح.
لما كثر الناس في زمن عمر، وكثر فيهم الخداع ونحوه، مما يمنع قبول من ادعى التأكيد، حمل عمر اللفظ على ظاهر التكرار، فأمضاه عليهم. قاله ابن حجر في الفتح. وقال: إن هذا الجواب ارتضاه القرطبي، وقواه بقول عمر: إن الناس استعجلوا في أمر كانت لهم فيه أناة.
وقال النووي في شرح مسلم ما نصه: وأما حديث ابن عباس فاختلف الناس في جوابه وتأويله، فالأصح أن معناه أنه كان في أول الأمر إذا قال لها: أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق، ولم ينو تأكيدا، ولا استئنافا، يحكم بوقوع طلقة؛ لقلة إرادتهم الاستئناف بذلك، فحمل على الغالب الذي هو إرادة التأكيد، فلما كان في زمن عمر ﵁، وكثر استعمال الناس لهذه الصيغة، وغلب منهم إرادة الاستئناف بها، حملت عند الإطلاق على الثلاث، عملا بالغالب السابق إلى الفهم في ذلك العصر.
قال مقيده - عفا الله عنه -: وهذا الوجه لا إشكال فيه؛ لجواز
تغير الحال عند تغير القصد، لأن الأعمال بالنيات، ولكل امرىء ما نوى، وظاهر اللفظ يدل لهذا كما قدمنا.
ه - عفا الله عنه -: وهذا الوجه لا إشكال فيه؛ لجواز
تغير الحال عند تغير القصد، لأن الأعمال بالنيات، ولكل امرىء ما نوى، وظاهر اللفظ يدل لهذا كما قدمنا. وعلى كل حال فادعاء الجزم بأن معنى حديث طاوس المذكور أن الثلاث بلفظ واحد ادعاء خال من دليل كما رأيت، فليتق الله من تجرأ على عزو ذلك إلى النبي - ﷺ -، مع أنه ليس في شيء من روايات حديث طاوس كون الثلاث المذكورة بلفظ واحد، ولم يتعين ذلك من اللغة، ولا من الشرع، ولا من العقل كما ترى.
قال مقيده - عفا الله عنه -: ويدل لكون الثلاث المذكورة ليست بلفظ واحد ما تقدم في حديث ابن إسحاق عن داود بن الحصين، عن عكرمة، عن ابن عباس، عند أحمد، وأبي يعلى، من قوله: طلق امرأته ثلاثا في مجلس واحد، وقوله - ﷺ -: كيف طلقتها؟ قال: ثلاثا في مجلس واحد؟
داود بن الحصين، عن عكرمة، عن ابن عباس، عند أحمد، وأبي يعلى، من قوله: طلق امرأته ثلاثا في مجلس واحد، وقوله - ﷺ -: كيف طلقتها؟ قال: ثلاثا في مجلس واحد؟ لأن التعبير بلفظ المجلس يفهم منه أنها ليست بلفظ واحد، إذ لو كان اللفظ واحدا لقال: بلفظ واحد، ولم يحتج إلى ذكر المجلس، إذ لا داعي لذكر الوصف الأعم، وترك الأخص بلا موجب، كما هو ظاهر.
الجواب الثاني عن حديث ابن عباس هو: أن معنى الحديث أن الطلاق الواقع في زمن عمر ثلاثا كان يقع قبل ذلك واحدة؛ لأنهم كانوا لا يستعملون الثلاث أصلا، أو يستعملونها نادرا، وأما في عهد عمر فكثر استعمالهم لها.
ومعنى قوله: "فأمضاه عليهم" على هذا القول أنه صنع فيهم من الحكم بإيقاع الطلاق ما كان يصنع قبله، ورجح هذا التأويل ابن العربي، ونسبه إلى أبي زرعة الرازي، وكذا أورده البيهقي بإسناده
الصحيح إلى أبي زرعة أنه قال: معنى هذا الحديث عندي إنما تطلقون أنتم ثلاثا كانوا يطلقون واحدة.
ي، ونسبه إلى أبي زرعة الرازي، وكذا أورده البيهقي بإسناده
الصحيح إلى أبي زرعة أنه قال: معنى هذا الحديث عندي إنما تطلقون أنتم ثلاثا كانوا يطلقون واحدة. قال النووي وعلى هذا فيكون الخبر وقع عن اختلاف عادة الناس خاصة، لا عن تغيير الحكم في المسألة الواحدة، وهذا الجواب نقله القرطبي في تفسير قوله تعالى: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتَانِ﴾ عن المحقق القاضي أبي الوليد الباجي، والقاضي عبد الوهاب، والكيا الطبري.
قال مقيده - عفا الله عنه -: ولا يخفى ما في هذا الجواب من التعسف، وإن قال به بعض أجلاء العلماء.
الجواب الثالث: عن حديث ابن عباس ﵄، هو القول بأنه منسوخ، وأن بعض الصحابة لم يطلع على النسخ إلا في عهد عمر، فقد نقل البيهقي في السنن الكبرى في "باب من جعل الثلاث واحدة" عن الإمام الشافعي ما نصه: قال الشافعي: فإن كان معنى قول ابن عباس أن الثلاث كانت تحسب على عهد رسول الله - ﷺ - واحدة، يعني أنه بأمر النبي - ﷺ -، فالذي يشبه -والله أعلم- أن يكون ابن عباس علم أن كان شيئا فنسخ.
فإن قيل: فما دل على ما وصفت؟
على عهد رسول الله - ﷺ - واحدة، يعني أنه بأمر النبي - ﷺ -، فالذي يشبه -والله أعلم- أن يكون ابن عباس علم أن كان شيئا فنسخ.
فإن قيل: فما دل على ما وصفت؟ قيل: لا يشبه أن يكون ابن عباس يروي عن رسول الله - ﷺ - شيئا، ثم يخالفه بشيء لم يعلمه كان من النبي - ﷺ - فيه خلاف.
قال الشيخ: ورواية عكرمة عن ابن عباس قد مضت في النسخ، وفيها تأكيد لصحة هذا التأويل.
قال الشافعي: فإن قيل: فلعل هذا شيء روي عن عمر، فقال
فيه ابن عباس بقول عمر ﵁. قيل: قد علمنا أن ابن عباس ﵄ يخالف عمر ﵁ في نكاح المتعة، وفي بيع الدينار بالدينارين، وفي بيع أمهات الأولاد وغيره، فكيف يوافقه في شيء يروى عن النبي - ﷺ - فيه خلافه؟ اهـ.
بن عباس ﵄ يخالف عمر ﵁ في نكاح المتعة، وفي بيع الدينار بالدينارين، وفي بيع أمهات الأولاد وغيره، فكيف يوافقه في شيء يروى عن النبي - ﷺ - فيه خلافه؟ اهـ. محل الحاجة من البيهقي بلفظه.
وقال الحافظ ابن حجر في فتح الباري ما نصه: الجواب الثالث دعوى النسخ، فنقل البيهقي عن الشافعي أنه قال: يشبه أن يكون ابن عباس علم شيئا نسخ ذلك، قال البيهقي: ويقويه ما أخرجه أبو داود من طريق يزيد النحوي، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: كان الرجل إذا طلق امرأته فهو أحق برجعتها، وإن طلقها ثلاثا، فنسخ ذلك.
لبيهقي: ويقويه ما أخرجه أبو داود من طريق يزيد النحوي، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: كان الرجل إذا طلق امرأته فهو أحق برجعتها، وإن طلقها ثلاثا، فنسخ ذلك. والترجمة التي ذكر تحتها أبو داود الحديث المذكور هي قوله: "باب نسخ المراجعة بعد التطليقات الثلاث".
وقال ابن كثير في تفسير قوله تعالى: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتَانِ﴾ الآية -بعد أن ساق حديث أبي داود المذكور آنفا ما نصه-: ورواه النسائي عن زكريا بن يحيى، عن إسحاق بن إبراهيم، عن علي بن الحسن به.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا هارون بن إسحاق، حدثنا عبدة -يعني: ابن سليمان- عن هشام بن عروة، عن أبيه، أن رجلا قال لامرأته: لا أطلقك أبدا، ولا آويك أبدا. قالت: وكيف ذلك؟ قال: أطلق حتى إذا دنا أجلك راجعتك، فأتت رسول الله - ﷺ - وذكرت له ذلك، فأنزل الله ﷿: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتَانِ﴾ هو قال:
فاستقبل الناس الطلاق من كان طلق ومن لم يكن طلق. وقد رواه أبو بكر بن مردويه من طريق محمد بن سليمان، عن يعلى بن شبيب، مولى الزبير، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة: فذكره بنحو ما تقدم.
طلق ومن لم يكن طلق. وقد رواه أبو بكر بن مردويه من طريق محمد بن سليمان، عن يعلى بن شبيب، مولى الزبير، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة: فذكره بنحو ما تقدم. ورواه الترمذي عن قتيبة عن يعلى بن شبيب به، ثم رواه عن أبي كريب، عن ابن إدريس، عن هشام، عن أبيه مرسلا. وقال: هذا أصح. ورواه الحاكم في مستدركه من طريق يعقوب بن حميد بن كليب، عن يعلى بن شبيب به، وقال: صحيح الإسناد.
ثم قال ابن مردويه: حدثنا محمد بن أحمد بن إبراهيم، حدثنا إسماعيل بن عبد الله، حدثنا محمد بن حميد، حدثنا سلمة بن الفضل عن محمد بن إسحاق، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، قالت: لم يكن للطلاق وقت، يطلق الرجل امرأته، ثم يراجعها، ما لم تنقض العدة، وكان بين رجل من الأنصار، وبين أهله بعض ما يكون بين الناس، فقال: والله لأتركنك لا أيما، ولا ذات زوج، فجعل يطلقها حتى إذا كادت العدة أن تنقضي راجعها، ففعل ذلك مرارا، فأنزل الله ﷿: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ فوقت الطلاق ثلاثا لا رجعة فيه بعد
نقضي راجعها، ففعل ذلك مرارا، فأنزل الله ﷿: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ فوقت الطلاق ثلاثا لا رجعة فيه بعد الثالثة، حتى تنكح زوجا غيره. وهكذا روي عن قتادة مرسلا، ذكره السدي وابن زيد، وابن جرير كذلك. واختار أن هذا تفسير هذه الآية. اهـ. من ابن كثير بلفظه.
وفي هذه الروايات دلالة واضحة لنسخ المراجعة بعد الثلاث، وإنكار المازري ﵀ ادعاء النسخ مردود بما رده به الحافظ ابن حجر في فتح الباري، فإنه لما نقل عن المازري إنكاره للنسخ
من أوجه متعددة، قال بعده ما نصه: قلت: نقل النووي هذا الفصل في شرح مسلم وأقره، وهو متعقب في مواضع.
أحدها: أن الذي ادعى نسخ الحكم لم يقل: إن عمر هو الذي نسخ حتى يلزم منه ما ذكر، وإنما قال ما تقدم: يشبه أن يكون علم شيئا من ذلك نسخ، أي اطلع على ناسخ للحكم الذي رواه مرفوعا، ولذلك أفتى بخلافه، وقد سلم المازري في أثناء كلامه أن إجماعهم يدل على ناسخ، وهذا هو مراد من ادعى النسخ.
ك نسخ، أي اطلع على ناسخ للحكم الذي رواه مرفوعا، ولذلك أفتى بخلافه، وقد سلم المازري في أثناء كلامه أن إجماعهم يدل على ناسخ، وهذا هو مراد من ادعى النسخ.
الثاني: إنكاره الخروج عن الظاهر عجيب، فإن الذي يحاول الجمع بالتأويل يرتكب خلاف الظاهر حتما.
الثالث: أن تغليطه من قال: المراد ظهور النسخ عجيب أيضا؛ لأن المراد بظهوره انتشاره، وكلام ابن عباس أنه كان يفعل في زمن أبي بكر محمول على أن الذي كان يفعله من لم يبلغه النسخ، فلا يلزم ما ذكر من إجماعهم على الخطأ. اهـ.
بظهوره انتشاره، وكلام ابن عباس أنه كان يفعل في زمن أبي بكر محمول على أن الذي كان يفعله من لم يبلغه النسخ، فلا يلزم ما ذكر من إجماعهم على الخطأ. اهـ. محل الحاجة من فتح الباري بلفظه، ولا إشكال فيه؛ لأن كثيرا من الصحابة اطلع على كثير من الأحكام لم يكن يعلمه، وقد وقع ذلك في خلافة أبي بكر، وعمر، وعثمان، فأبو بكر لم يكن عالما بقضاء رسول الله - ﷺ -، في ميراث الجدة حتى أخبره المغيرة بن شعبة، ومحمد بن مسلمة، وعمر لم يكن عنده علم بقضاء رسول الله - ﷺ - في دية الجنين حتى أخبره المذكوران قبل، ولم يكن عنده علم من أخذ رسول الله - ﷺ - الجزية من مجوس هجر حتى أخبره عبد الرحمن بن عوف، ولا من الاستئذان ثلاثا. حتى أخبره أبو موسى
الأشعري، وأبو سعيد الخدري، وعثمان لم يكن عنده علم بأن رسول الله - ﷺ - أوجب السكنى للمتوفى عنها زمن العدة، حتى أخبرته فريعة بنت مالك، والعباس بن عبد المطلب، وفاطمة الزهراء ﵄، لم يكن عندهما علم بأن النبي - ﷺ - قال: "إنا معاشر الأنبياء لا نورث" الحديث.
لعدة، حتى أخبرته فريعة بنت مالك، والعباس بن عبد المطلب، وفاطمة الزهراء ﵄، لم يكن عندهما علم بأن النبي - ﷺ - قال: "إنا معاشر الأنبياء لا نورث" الحديث. حتى طلبا ميراثهما من رسول الله - ﷺ -، وأمثال هذا كثيرة جدا.
وأوضح دليل يزيل الإشكال عن القول بالنسخ المذكور وقوع مثله، واعتراف المخالف به في نكاح المتعة، فإن مسلما روى عن جابر ﵁ "أن متعة النساء كانت تفعل في عهد النبي - ﷺ - وأبي بكر، وصدرا من خلافة عمر، قال: ثم نهانا عمر عنها فانتهينا" وهذا مثل ما وقع في طلاق الثلاث مطلقًا "ما أشبه الليلة بالبارحة".
"فإلا يكنها أو تكنه فإنه ...
ر، وصدرا من خلافة عمر، قال: ثم نهانا عمر عنها فانتهينا" وهذا مثل ما وقع في طلاق الثلاث مطلقًا "ما أشبه الليلة بالبارحة".
"فإلا يكنها أو تكنه فإنه ... أخوها غذته أمه بلبانها"
فمن الغريب أن يسلم منصف إمكان النسخ في إحداهما، ويدعي استحالته في الأخرى، مع أن كلا منهما روى مسلم فيها عن صحابي جليل أن ذلك الأمر كان يفعل في زمن النبي - ﷺ -، وأبي بكر، وصدرا من خلافة عمر في مسألة تتعلق بالفروج، ثم غيره عمر.
ومن أجاز نسخ نكاح المتعة، وأحال نسخ جعل الثلاث واحدة، يقال له: ما لبائك تجر، وبائي لا تجر؟
فإن قيل: نكاح المتعة صح النص بنسخه.
قلنا: قد رأيت الروايات المتقدمة بنسخ المراجعة بعد الثلاث.
خ جعل الثلاث واحدة، يقال له: ما لبائك تجر، وبائي لا تجر؟
فإن قيل: نكاح المتعة صح النص بنسخه.
قلنا: قد رأيت الروايات المتقدمة بنسخ المراجعة بعد الثلاث.
وممن جزم بنسخ جعل الثلاث واحدة، الإمام أبو داود -رحمه الله تعالى- ورأى أن جعلها واحدة إنما هو في الزمن الذي كان يرتجع فيه بعد ثلاث تطليقات وأكثر، قال في سننه: "باب نسخ المراجعة بعد التطليقات الثلاث" ثم ساق بسنده حديث ابن عباس قال: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ﴾ الآية. وذلك أن الرجل كان إذا طلق امرأته فهو أحق برجعتها وإن طلقها ثلاثا فنسخ ذلك، وقال: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتَانِ﴾ هو الآية.
اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ﴾ الآية. وذلك أن الرجل كان إذا طلق امرأته فهو أحق برجعتها وإن طلقها ثلاثا فنسخ ذلك، وقال: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتَانِ﴾ هو الآية. وأخرج نحوه النسائي، وفي إسناده علي بن الحسين بن واقد، قال فيه ابن حجر في التقريب: صدوق يهم، وروى مالك في الموطأ عن هشام بن عروة، عن أبيه أنه قال: كان الرجل إذا طلق امرأته ثم ارتجعها قبل أن تنقضي عدتها كان ذلك له وإن طلقها ألف مرة، فعمد رجل إلى امرأته فطلقها، حتى إذا أشرفت على انقضاء عدتها راجعها، ثم قال: لا آويك ولا أطلقك، فأنزل الله ﴿الطَّلاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ فاستقبل الناس الطلاق جديدا من يومئذ، من كان طلق منهم، أو لم يطلق.
فأنزل الله ﴿الطَّلاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ فاستقبل الناس الطلاق جديدا من يومئذ، من كان طلق منهم، أو لم يطلق.
ويؤيد هذا أن عمر لم ينكر عليه أحد من أصحاب رسول الله - ﷺ -، إيقاع الثلاث دفعة مع كثرتهم، وعلمهم، وورعهم، ويؤيده أن كثيرا جدا من الصحابة الأجلاء العلماء صح عنهم القول بذلك، كابن عباس، وعمر، وابن عمر، وخلق لا يحصى، والناسخ الذي نسخ المراجعة بعد الثلاث، قال بعض العلماء: إنه قوله تعالى: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتَانِ﴾ كما جاء مبينا في الروايات المتقدمة، ولا مانع عقلا ولا عادة من أن يجهل مثل هذا الناسخ كثير من الناس إلى
العلماء: إنه قوله تعالى: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتَانِ﴾ كما جاء مبينا في الروايات المتقدمة، ولا مانع عقلا ولا عادة من أن يجهل مثل هذا الناسخ كثير من الناس إلى
خلافة عمر، كما جهل كثير من الناس نسخ نكاح المتعة إلى خلافة عمر مع أنه ﵁ صرح بنسخها، وتحريمها إلى يوم القيامة، في غزوة الفتح، وفي حجة الوداع أيضا، كما جاء في رواية عند مسلم، ومع أن القرآن دل على تحريم غير الزوجة والسرية، بقوله: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ ومعلوم أن المرأة المتمتع بها ليست بزوجة ولا سرية كما يأتي تحقيقه إن شاء الله تعالى في سورة النساء في الكلام على قوله تعالى: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ﴾ الآية.
متمتع بها ليست بزوجة ولا سرية كما يأتي تحقيقه إن شاء الله تعالى في سورة النساء في الكلام على قوله تعالى: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ﴾ الآية.
والذين قالوا بالنسخ قالوا في معنى قول عمر: إن الناس استعجلوا في أمر كانت لهم فيه أناة، أن المراد بالأناة، أنهم كانوا يتأنون في الطلاق، فلا يوقعون الثلاث في وقت واحد، ومعنى استعجالهم أنهم صاروا يوقعونها بلفظ واحد، على القول بأن ذلك هو معنى الحديث. وقد قدمنا أنه لا يتعين كونه هو معناه، وإمضاؤه له عليهم إذن هو اللازم، ولا ينافيه قوله "فلو أمضيناه عليهم"، يعني ألزمناهم بمقتضى ما قالوا. ونظيره قول جابر عند مسلم في نكاح المتعة "فنهانا عنها عمر". فظاهر كل منهما أنه اجتهاد من عمر، والنسخ ثابت فيهما معا كما رأيت، وليست الأناة في المنسوخ، وإنما هي في عدم الاستعجال بإيقاع الثلاث دفعة. وعلى القول الأول إن المراد بالثلاث التي كانت تجعل واحدة، أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق. فالظاهر في إمضائه لها عليهم أنه حيث تغير قصدهم من التأكيد إلى التأسيس كما تقدم.
إن المراد بالثلاث التي كانت تجعل واحدة، أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق. فالظاهر في إمضائه لها عليهم أنه حيث تغير قصدهم من التأكيد إلى التأسيس كما تقدم. ولا إشكال في ذلك.
أما كون عمر كان يعلم أن رسول الله - ﷺ -، كان يجعل الثلاث بلفظ واحد واحدة، فتعمد مخالفة رسول الله - ﷺ - وجعلها ثلاثا، ولم ينكر عليه أحد من الصحابة، فلا يخفى بعده، والعلم عند الله تعالى.
الجواب الرابع: عن حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، أن رواية طاوس عن ابن عباس مخالفة لما رواه عنه الحفاظ من أصحابه، فقد روى عنه لزوم الثلاث دفعة سعيد بن جبير، وعطاء بن أبي رباح، ومجاهد، وعكرمة، وعمرو بن دينار؛ ومالك بن الحارث، ومحمد بن إياس بن البكير، ومعاوية ابن أبي عياش الأنصاري، كما نقله البيهقي في السنن الكبرى، والقرطبي وغيرهما.
وعكرمة، وعمرو بن دينار؛ ومالك بن الحارث، ومحمد بن إياس بن البكير، ومعاوية ابن أبي عياش الأنصاري، كما نقله البيهقي في السنن الكبرى، والقرطبي وغيرهما. وقال البيهقي في السنن الكبرى: إن البخاري لم يخرج هذا الحديث، لمخالفة هؤلاء لرواية طاوس عن ابن عباس.
وقال الأثرم: سألت أبا عبد الله عن حديث ابن عباس: كان الطلاق الثلاث على عهد رسول الله - ﷺ - وأبي بكر، وعمر ﵄، طلاق الثلاث واحدة، بأي شيء تدفعه؟ قال: برواية الناس عن ابن عباس من وجوه خلافه. وكذلك نقل عنه ابن منصور.
لاث على عهد رسول الله - ﷺ - وأبي بكر، وعمر ﵄، طلاق الثلاث واحدة، بأي شيء تدفعه؟ قال: برواية الناس عن ابن عباس من وجوه خلافه. وكذلك نقل عنه ابن منصور. قاله العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى.
قال مقيده - عفا الله عنه -: فهذا إمام المحدثين، وسيد المسلمين في عصره الذي تدارك الله به الإسلام بعد ما كاد تتزلزل قواعده، وتغير عقائده: أبو عبد الله أحمد بن حنبل -رحمه الله تعالى- قال للأثرم وابن منصور: إنه رفض حديث ابن عباس قصدا؛ لأنه يرى عدم الاحتجاج به في لزوم الثلاث بلفظ واحد،
لرواية الحفاظ عن ابن عباس ما يخالف ذلك، وهذا الإمام محمد بن إسماعيل البخاري -وهو هو- ذكر عنه الحافظ البيهقي أنه ترك هذا الحديث عمدا؛ لذلك الموجب الذي تركه من أجله الإمام أحمد.
ما يخالف ذلك، وهذا الإمام محمد بن إسماعيل البخاري -وهو هو- ذكر عنه الحافظ البيهقي أنه ترك هذا الحديث عمدا؛ لذلك الموجب الذي تركه من أجله الإمام أحمد. ولا شك أنهما ما تركاه إلا لموجب يقتضي ذلك، فإن قيل: رواية طاوس في حكم المرفوع، ورواية الجماعة المذكورين موقوفة على ابن عباس، والمرفوع لا يعارض بالموقوف.
فالجواب: أن الصحابي إذا خالف ما روي ففيه للعلماء قولان: وهما روايتان عن أحمد ﵀.
الأولى: أنه لا يحتج بالحديث؛ لأن أعلم الناس به راويه وقد ترك العمل به، وهو عدل، عارف، وعلى هذه الرواية فلا إشكال، وعلى الرواية الأخرى التي هي المشهورة عند العلماء أن العبرة بروايته، لا بقوله.
س به راويه وقد ترك العمل به، وهو عدل، عارف، وعلى هذه الرواية فلا إشكال، وعلى الرواية الأخرى التي هي المشهورة عند العلماء أن العبرة بروايته، لا بقوله. فإنه لا تقدم روايته إلا إذا كانت صريحة المعنى، أو ظاهرة فيه ظهورا يضعف معه احتمال مقابله، أما إذا كانت محتملة لغير ذلك المعنى احتمالا قويا، فإن مخالفة الراوي لما روى تدل على أن ذلك المحتمل الذي ترك ليس هو معنى ما روى، وقد قدمنا أن لفظ طلاق الثلاث في حديث طاوس المذكور محتمل احتمالا قويا لأن تكون الطلقات مفرقة، كما جزم به النسائي وصححه النووي، والقرطبي، وابن سريج.
ى، وقد قدمنا أن لفظ طلاق الثلاث في حديث طاوس المذكور محتمل احتمالا قويا لأن تكون الطلقات مفرقة، كما جزم به النسائي وصححه النووي، والقرطبي، وابن سريج. فالحاصل أن ترك ابن عباس لجعل الثلاث بفم واحد واحدة يدل على أن معنى الحديث الذي روي ليس كونها بلفظ واحد، كما سترى بيانه في كلام القرطبي في المفهم في الجواب الذي بعد هذا.
واعلم أن ابن عباس لم يثبت عنه أنه أفتى في الثلاث بفم
واحد أنها واحدة، وما روى عنه أبو داود من طريق حماد بن زيد، عن أيوب، عن عكرمة، أن ابن عباس قال: إذا قال: أنت طالق ثلاثا بفم واحد فهي واحدة، فهو معارض بما رواه أبو داود نفسه من طريق إسماعيل بن إبراهيم، عن أيوب، عن عكرمة، أن ذلك من قول عكرمة، لا من قول ابن عباس، وترجح رواية إسماعيل بن إبراهيم على رواية حماد بموافقة الحفاظ لإسماعيل في أن ابن عباس يجعلها ثلاثا، لا واحدة.
الجواب الخامس: هو ادعاء ضعفه، وممن حاول تضعيفه ابن العربي المالكي، وابن عبد البر، والقرطبي.
فقة الحفاظ لإسماعيل في أن ابن عباس يجعلها ثلاثا، لا واحدة.
الجواب الخامس: هو ادعاء ضعفه، وممن حاول تضعيفه ابن العربي المالكي، وابن عبد البر، والقرطبي.
قال ابن العربي المالكي: زل قوم في آخر الزمان، فقالوا: إن الطلاق الثلاث في كلمة لا يلزم، وجعلوه واحدة، ونسبوه إلى السلف الأول، فحكوه عن علي، والزبير، وعبد الرحمن بن عوف، وابن مسعود، وابن عباس، وعزوه إلى الحجاج بن أرطاة الضعيف المنزلة، المغمور المرتبة، ورووا في ذلك حديثا ليس له أصل، وغوى قوم من أهل المسائل فتتبعوا الأهواء المبتدعة فيه، وقالوا: إن قوله: أنت طالق ثلاثا كذب، لأنه لم يطلق ثلاثا، كما لو قال: طلقت ثلاثا ولم يطلق إلا واحدة، وكما لو قال: أحلف ثلاثا كانت يمينا واحدة. ولقد طوفت في الآفاق، ولقيت من علماء الإسلام، وأرباب المذاهب كل صادق، فما سمعت لهذه المسألة بخبر، ولا أحسست لها بأثر، إلا الشيعة الذين يرون نكاح المتعة جائزا، ولا يرون الطلاق واقعا، ولذلك قال فيهم ابن سكرة الهاشمي:
يا من يرى المتعة في دينه ...
بر، ولا أحسست لها بأثر، إلا الشيعة الذين يرون نكاح المتعة جائزا، ولا يرون الطلاق واقعا، ولذلك قال فيهم ابن سكرة الهاشمي:
يا من يرى المتعة في دينه ... حلا وإن كانت بلا مهر
ولا يرى تسعين تطليقة ... تبين منه ربة الخدر
من هاهنا طابت موالدكم ... فاغتنموها يا بني الفطر
وقد اتفق علماء الإسلام، وأرباب الحل والعقد في الأحكام، على أن الطلاق الثلاث في كلمة -وإن كان حراما في قول بعضهم، وبدعة في قول الآخرين- لازم. وأين هؤلاء البؤساء من عالم الدين، وعلم الإسلام، محمد بن إسماعيل البخاري، وقد قال في صحيحه: "باب جواز الطلاق الثلاث" لقوله تعالى: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتَانِ﴾.
ن هؤلاء البؤساء من عالم الدين، وعلم الإسلام، محمد بن إسماعيل البخاري، وقد قال في صحيحه: "باب جواز الطلاق الثلاث" لقوله تعالى: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتَانِ﴾. وذكر حديث اللعان: فطلقها ثلاثا قبل أن يأمره رسول الله - ﷺ -، ولم يغير عليه النبي - ﷺ -، ولا يقر على الباطل؛ ولأنه جمع ما فسح له في تفريقه، فألزمته الشريعة حكمه، وما نسبوه إلى الصحابة كذب بحت، لا أصل له في كتاب، ولا رواية له عن أحد.
وقد أدخل مالك في موطئه عن علي أن الحرام ثلاث لازمة في كلمة، فهذا في معناها، فكيف إذا صرح بها.
وأما حديث الحجاج بن أرطاة فغير مقبول في الملة، ولا عند أحد من الأئمة. فإن قيل: ففي صحيح مسلم عن ابن عباس -وذكر حديث أبي الصهباء المذكور- قلنا: هذا لا متعلق فيه من خمسة أوجه:
الأول: أنه حديث مختلف في صحته، فكيف يقدم على إجماع الأمة؟
صحيح مسلم عن ابن عباس -وذكر حديث أبي الصهباء المذكور- قلنا: هذا لا متعلق فيه من خمسة أوجه:
الأول: أنه حديث مختلف في صحته، فكيف يقدم على إجماع الأمة؟ ولم يعرف لها في هذه المسألة خلاف إلا عن قوم انحطوا عن رتبة التابعين، وقد سبق العصران الكريمان والاتفاق على لزوم الثلاث، فإن رووا ذلك عن أحد منهم فلا تقبلوا منهم إلا
ما يقبلون منكم: نقل العدل عن العدل، ولا تجد هذه المسألة منسوبة إلى أحد من السلف أبدا.
الثاني: أن هذا الحديث لم يرو إلا عن ابن عباس، ولم يرو عنه إلا من طريق طاوس، فكيف يقبل ما لم يروه من الصحابة إلا واحد، وما لم يروه عن ذلك الصحابي إلا واحد؟ وكيف خفي على جميع الصحابة، وسكتوا عنه إلا ابن عباس؟ وكيف خفي على أصحاب ابن عباس إلا طاوس؟ اهـ. محل الغرض من كلام ابن العربي.
وقال ابن عبد البر: ورواية طاوس وهم وغلط، لم يعرج عليها أحد من فقهاء الأمصار بالحجاز، والشام، والعراق، والمشرق، والمغرب.
محل الغرض من كلام ابن العربي.
وقال ابن عبد البر: ورواية طاوس وهم وغلط، لم يعرج عليها أحد من فقهاء الأمصار بالحجاز، والشام، والعراق، والمشرق، والمغرب. وقد قيل: إن أبا الصهباء لا يعرف في موالي ابن عباس.
قال مقيده - عفا الله عنه -: إن مثل هذا لا يثبت به تضعيف هذا الحديث، لأن الأئمة كمعمر وابن جريج وغيرهما رووه عن ابن طاوس، وهو إمام، عن طاوس، عن ابن عباس، ورواه عن طاوس أيضا إبراهيم بن ميسرة، وهو ثقة حافظ، وانفراد الصحابي لا يضر ولو لم يرو عنه أصلا إلا واحد، كما أشار إليه العراقي في ألفيته بقوله:
ففي الصحيح أخرجا المسيبا ... وأخرج الجعفي لابن تغلبا
يعني: أن الشيخين أخرجا حديث المسيب بن حزن، ولم يرو عنه أحد غير ابنه سعيد، وأخرج البخاري حديث عمرو بن تغلب النمري، ويقال: العبدي، ولم يرو عنه غير الحسن البصري. هذا
مراده.
جا حديث المسيب بن حزن، ولم يرو عنه أحد غير ابنه سعيد، وأخرج البخاري حديث عمرو بن تغلب النمري، ويقال: العبدي، ولم يرو عنه غير الحسن البصري. هذا
مراده. وقد ذكر ابن أبي حاتم أن عمرو بن تغلب روى عنه أيضا الحكم بن الأعرج، قاله ابن حجر، وابن عبد البر وغيرهما.
والحاصل أن حديث طاوس ثابت في صحيح مسلم بسند صحيح، وما كان كذلك لا يمكن تضعيفه إلا بأمر واضح، نعم لقائل أن يقول: إن خبر الآحاد إذا كانت الدواعي متوفرة إلى نقله ولم ينقله إلا واحد ونحوه، أن ذلك يدل على عدم صحته. ووجهه أن توفر الدواعي يلزم منه النقل تواترا والاشتهار؛ فإن لم يشتهر دل على أنه لم يقع، لأن انتفاء اللازم يقتضي انتفاء الملزوم، وهذه قاعدة مقررة في الأصول، أشار إليها في مراقي السعود بقوله عاطفا على ما يحكم فيه بعدم صحة الخبر:
• وخبر الآحاد في السني *
حيث دواعي نقله تواترا ...
وهذه قاعدة مقررة في الأصول، أشار إليها في مراقي السعود بقوله عاطفا على ما يحكم فيه بعدم صحة الخبر:
• وخبر الآحاد في السني *
حيث دواعي نقله تواترا ... نرى لها لو قاله تقررا
وجزم بها غير واحد من الأصوليين.
وقال صاحب "جمع الجوامع" عاطفا على ما يجزم فيه بعدم صحة الخبر: "والمنقول آحادا فيما تتوفر الدواعي إلى نقله خلافا للرافضة" اهـ. منه بلفظه. ومراده أن مما يجزم بعدم صحته الخبر المنقول آحادا مع توفر الدواعي إلى نقله.
وقال ابن الحاجب في مختصره الأصولي مسألة: إذا انفرد واحد فيما يتوفر الدواعي إلى نقله، وقد شاركه خلق كثير، كما لو انفرد واحد بقتل خطيب على المنبر في مدينة فهو كاذب قطعا خلافا للشيعة. اهـ. محل الغرض منه بلفظه.
يما يتوفر الدواعي إلى نقله، وقد شاركه خلق كثير، كما لو انفرد واحد بقتل خطيب على المنبر في مدينة فهو كاذب قطعا خلافا للشيعة. اهـ. محل الغرض منه بلفظه. وفي المسألة
مناقشات وأجوبة عنها معروفة في الأصول.
قال مقيده - عفا الله عنه -: ولا شك أنه على القول بأن معنى حديث طاوس المذكور أن الثلاث بلفظ واحد كانت تجعل واحدة على عهد النبي - ﷺ -، وأبي بكر، وصدرا من خلافة عمر، ثم إن عمر غير ما كان عليه رسول الله - ﷺ -، والمسلمون في زمن أبي بكر وعامة الصحابة أو جلهم يعلمون ذلك، فالدواعي إلى نقل ما كان عليه رسول الله ﷺ ، والمسلمون من بعده، متوفرة توفرا لا يمكن إنكاره لأن يرد بذلك التغيير الذي أحدثه عمر، فسكوت جميع الصحابة عنه، وكون ذلك لم ينقل منه حرف عن غير ابن عباس، يدل دلالة واضحة على أحد أمرين:
أحدهما: أن حديث طاوس الذي رواه عن ابن عباس ليس معناه أنها بلفظ واحد، بل بثلاثة ألفاظ في وقت واحد كما قدمنا، وكما جزم به النسائي وصححه النووي والقرطبي وابن سريج.
حديث طاوس الذي رواه عن ابن عباس ليس معناه أنها بلفظ واحد، بل بثلاثة ألفاظ في وقت واحد كما قدمنا، وكما جزم به النسائي وصححه النووي والقرطبي وابن سريج. وعليه فلا إشكال لأن تغيير عمر للحكم مبني على تغيير قصدهم، والنبي - ﷺ - قال: "إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرىء ما نوى" فمن قال: أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق. ونوى التأكيد فواحدة، وأن نوى الاستئناف بكل واحدة فثلاث. واختلاف محامل اللفظ الواحد لاختلاف نيات اللافظين به لا إشكال فيه: لقوله - ﷺ -: "وإنما لكل امرىء ما نوى".
والثاني: أن يكون الحديث غير محكوم بصحته لنقله آحادا، مع توفر الدواعي إلى نقله، والأول أولى وأخف من الثاني.
وقال القرطبي في "المفهم" في الكلام على حديث طاوس
المذكور: وظاهر سياقه يقتضي عن جميعهم أن معظمهم كانوا يرون ذلك، والعادة في مثل هذا أن يفشو الحكم، وينتشر، فكيف ينفرد به واحد عن واحد؟ قال: فهذا الوجه يقتضي التوقف عن العمل بظاهره إن لم يقتض القطع ببطلانه. اهـ.
لك، والعادة في مثل هذا أن يفشو الحكم، وينتشر، فكيف ينفرد به واحد عن واحد؟ قال: فهذا الوجه يقتضي التوقف عن العمل بظاهره إن لم يقتض القطع ببطلانه. اهـ. منه بواسطة نقل ابن حجر في فتح الباري عنه، وهو قوي جدا بحسب المقرر في الأصول كما ترى.
الجواب السادس: عن حديث ابن عباس ﵄ هو حمل لفظ الثلاث في الحديث على أن المراد بها البتة كما قدمنا في حديث ركانة، وهو من رواية ابن عباس أيضا.
قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري بعد أن ذكر هذا الجواب ما نصه: وهو قوي، ويؤيده إدخال البخاري في هذا الباب، الآثار التي فيها البتة، والأحاديث التي فيها التصريح بالثلاث، كأنه يشير إلى عدم الفرق بينهما، وأن البتة إذا أطلقت حمل على الثلاث إلا أن أراد المطلق واحدة فيقبل، فكأن بعض رواته حمل لفظ البتة على الثلاث؟ لاشتهار التسوية. فرواها بلفظ الثلاث، وإنما المراد لفظ البتة، وكانوا في العصر الأول يقبلون ممن قال: أردت بالبتة واحدة، فلما كان عهد عمر أمضى الثلاث في ظاهر الحكم اهـ من فتح الباري بلفظه.
وإنما المراد لفظ البتة، وكانوا في العصر الأول يقبلون ممن قال: أردت بالبتة واحدة، فلما كان عهد عمر أمضى الثلاث في ظاهر الحكم اهـ من فتح الباري بلفظه. وله وجه من النظر كما لا يخفى، وما يذكره كل ممن قال بلزوم الثلاث دفعة، ومن قال بعدم لزومها من الأمور النظرية ليصحح به كل مذهبه لم نطل به الكلام؛ لأن الظاهر سقوط ذلك كله، وأن هذه المسألة إن لم يمكن تحقيقها من جهة النقل، فإنه لا يمكن من جهة
العقل، وقياس أنت طالق ثلاثا على أيمان اللعان في أنه لو حلفها بلفظ واحد لم تجز، قياس مع وجود الفارق؛ لأن من اقتصر على واحدة من الشهادات الأربع المذكورة في آية اللعان أجمع العلماء على أن ذلك كما لو لم يأت بشيء منها أصلا، بخلاف الطلقات الثلاث، فمن اقتصر على واحد منها اعتبرت إجماعا، وحصلت بها البينونة بانقضاء العدة إجماعا.
الجواب السابع: هو ما ذكره بعضهم من أن حديث طاووس المذكور ليس فيه أن النبي - ﷺ - علم بذلك فأقره، والدليل إنما هو فيما علم به وأقره، لا فيما لم يعلم به.
الجواب السابع: هو ما ذكره بعضهم من أن حديث طاووس المذكور ليس فيه أن النبي - ﷺ - علم بذلك فأقره، والدليل إنما هو فيما علم به وأقره، لا فيما لم يعلم به.
قال مقيده - عفا الله عنه -: ولا يخفى ضعف هذا الجواب؛ لأن جماهير المحدثين والأصوليين على أن ما أسنده الصحابي إلى عهد النبي - ﷺ - له حكم المرفوع، وإن لم يصرح بأنه بلغه - ﷺ - وأقره.
الجواب الثامن: أن حديث ابن عباس المذكور في غير المدخول بها خاصة؛ لأنه إن قال لها: أنت طالق بانت بمجرد اللفظ، فلو قال: ثلاثا لم يصادف لفظ الثلاث محلا؛ لوقوع البينونة قبلها. وحجة هذا القول أن بعض الروايات كرواية أبي داود جاء فيها التقييد بغير المدخول بها، والمقرر في الأصول هو حمل المطلق على المقيد، ولاسيما إذا اتحد الحكم والسبب كما هنا. قال في مراقي السعود:
وحمل مطلق على ذاك وجب ...
د بغير المدخول بها، والمقرر في الأصول هو حمل المطلق على المقيد، ولاسيما إذا اتحد الحكم والسبب كما هنا. قال في مراقي السعود:
وحمل مطلق على ذاك وجب ... إن فيهما اتحد حكم والسبب
وما ذكره الأبي ﵀ من الإطلاق والتقييد إنما هو في
حديثين، أما في حديث واحد من طريقين فمن زيادة العدل فمردود بأنه لا دليل عليه، وأنه مخالف لظاهر كلام عامة العلماء، ولا وجه للفرق بينهما.
وما ذكره الشوكاني ﵀ في نيل الأوطار من أن رواية أبي داود التي فيها التقييد بعدم الدخول فرد من أفراد الروايات العامة، وذكر بعض أفراد العام بحكم العام لا يخصصه، لا يظهر؛ لأن هذه المسألة من مسائل المطلق والمقيد، لا من مسائل ذكر بعض أفراد العام، فالروايات التي أخرجها مسلم مطلقة عن قيد عدم الدخول، والرواية التي أخرجها أبو داود مقيدة بعدم الدخول كما ترى، والمقرر في الأصول حمل المطلق على المقيد، ولاسيما إن اتحد الحكم والسبب كما هنا.
د عدم الدخول، والرواية التي أخرجها أبو داود مقيدة بعدم الدخول كما ترى، والمقرر في الأصول حمل المطلق على المقيد، ولاسيما إن اتحد الحكم والسبب كما هنا. نعم لقائل أن يقول: إن كلام ابن عباس في رواية أبي داود المذكورة وارد على سؤال إبي الصهباء، وأبو الصهباء لم يسأل إلا عن غير المدخول بها، فجواب ابن عباس لا مفهوم مخالفة له؛ لأنه إنما خص غير المدخول بها لمطابقة الجواب للسؤال. وقد تقرر في الأصول أن من موانع اعتبار دليل الخطاب أعني مفهوم المخالفة، كون الكلام واردا جوابا لسؤال؛ لأن تخصيص المنطوق بالذكر لمطابقة السؤال، فلا يتعين كونه لإخراج حكم المفهوم عن المنطوق. وأشار إليه في مراقي السعود في ذكر موانع اعتبار مفهوم المخالفة بقوله:
أو جهل الحكم أو النطق انجلب ... للسؤل أو جرى على الذي غلب
ومحل الشاهد منه قوله: أو النطق انجلب للسؤل.
وقد قدمنا أن رواية أبي داود المذكورة عن أيوب السختياني
عن غير واحد، عن طاوس، وهو صريح في أن من روى عنهم أيوب مجهولون، ومن لم يعرف من هو، لا يصح الحكم بروايته.
أن رواية أبي داود المذكورة عن أيوب السختياني
عن غير واحد، عن طاوس، وهو صريح في أن من روى عنهم أيوب مجهولون، ومن لم يعرف من هو، لا يصح الحكم بروايته. ولذا قال النووي في شرح مسلم ما نصه: وأما هذه الرواية التي لأبي داود فضعيفة، رواها أيوب عن قوم مجهولين، عن طاووس، عن ابن عباس، فلا يحتج بها والله أعلم. انتهى منه بلفظه.
وقال المنذري في مختصر سنن أبي داود بعد أن ساق الحديث المذكور ما نصه: الرواة عن طاوس مجاهيل. انتهى منه بلفظه. وضعف رواية أبي داود هذه ظاهر كما ترى للجهل بمن روى عن طاووس فيها.
وقال العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى في زاد المعاد بعد أن ساق لفظ هذه الرواية ما نصه: وهذا لفظ الحديث، وهو بأصح إسناد. انتهى محل الغرض منه بلفظه. فانظره مع ما تقدم.
القيم رحمه الله تعالى في زاد المعاد بعد أن ساق لفظ هذه الرواية ما نصه: وهذا لفظ الحديث، وهو بأصح إسناد. انتهى محل الغرض منه بلفظه. فانظره مع ما تقدم. هذا ملخص كلام العلماء في هذه المسألة مع ما فيها من النصوص الشرعية.
قال مقيده - عفا الله عنه -: الذي يظهر لنا صوابه في هذه المسألة هو ما ذهب إليه الإمام الشافعي رحمه الله تعالى، وهو أن الحق فيها دائر بين أمرين:
أحدهما: أن يكون المراد بحديث طاوس المذكور كون الثلاث المذكورة ليست بلفظ واحد.
الثاني: أنه إن كان معناه أنها بلفظ واحد، فإن ذلك منسوخ، ولم يشتهر العلم بنسخه بين الصحابة إلا في زمان عمر، كما وقع
نظيره في نكاح المتعة.
أما الشافعي فقد نقل عنه البيهقي في السنن الكبرى ما نصه: فإن كان معنى قول ابن عباس: إن الثلاث كانت تحسب على عهد النبي - ﷺ -، فالذي يشبه -والله أعلم- أن يكون ابن عباس قد علم أن كان شيء فنسخ.
فإن قيل: فما دل على ما وصفت؟
قول ابن عباس: إن الثلاث كانت تحسب على عهد النبي - ﷺ -، فالذي يشبه -والله أعلم- أن يكون ابن عباس قد علم أن كان شيء فنسخ.
فإن قيل: فما دل على ما وصفت؟ قيل: لا يشبه أن يكون ابن عباس يروي عن رسول الله - ﷺ - شيئا، ثم يخالفه بشيء لم يعلمه كان من النبي - ﷺ - فيه خلاف.
قال الشيخ: رواية عكرمة عن ابن عباس قد مضت في النسخ، وفيها تأكيد لصحة هذا التأويل.
قال الشافعي: فإن قيل: فلعل هذا شيء روي عن عمر، فقال فيه ابن عباس بقول عمر ﵃، قيل: قد علمنا أن ابن عباس يخالف عمر ﵁ في نكاح المتعة، وفي بيع الدينار بالدينارين، وفي بيع أمهات الأولاد وغيره، فكيف يوافقه في شيء يروى عن النبي - ﷺ - فيه خلاف ما قال: انتهى. محل الغرض منه بلفظه. ومعناه واضح في أن الحق دائر بين الأمرين المذكورين؛ لأن قوله: فإن كان معنى قول ابن عباس الخ يدل على أن غير ذلك محتمل، وعلى أن المعنى أنها ثلاث بفم واحد، وقد أقر النبي - ﷺ - على جعلها واحدة، فالذي يشبه عنده أن يكون منسوخا، ونحن نقول: إن الظاهر لنا دوران الحق بين الأمرين.
ى أن المعنى أنها ثلاث بفم واحد، وقد أقر النبي - ﷺ - على جعلها واحدة، فالذي يشبه عنده أن يكون منسوخا، ونحن نقول: إن الظاهر لنا دوران الحق بين الأمرين. كما قال الشافعي رحمه الله تعالى: إما أن يكون معنى حديث طاووس المذكور أن الثلاث ليست بلفظ واحد، بل بألفاظ متفرقة بنسق
واحد، كأنت طالق، أنت طالق، أنت طالق، وهذه الصورة تدخل لغة في معنى طلاق الثلاث دخولا لا يمكن نفيه، ولاسيما على الرواية التي أخرجها أبو داود التي جزم العلامة ابن القيم ﵀ بأن إسنادها أصح أسناد، فإن لفظها أن أبا الصهباء قال لابن عباس: أما علمت أن الرجل كان إذا طلق امرأته ثلاثا قبل أن يدخل بها جعلوها واحدة على عهد رسول الله - ﷺ - وأبي بكر وصدرا من إمارة عمر؟ قال ابن عباس: بلى؛ كان الرجل إذا طلق امرأته ثلاثا قبل أن يدخل بها جعلوها واحدة على عهد رسول الله - ﷺ - وأبي بكر وصدرا من إمارة عمر، فلما رأى الناس قد تتايعوا فيها قال: أجيزوهن عليهم.
طلق امرأته ثلاثا قبل أن يدخل بها جعلوها واحدة على عهد رسول الله - ﷺ - وأبي بكر وصدرا من إمارة عمر، فلما رأى الناس قد تتايعوا فيها قال: أجيزوهن عليهم. فإن هذه الرواية بلفظ "طلقها ثلاثا"، وهو أظهر في كونها متفرقة بثلاثة ألفاظ، كما جزم به العلامة ابن القيم -رحمه الله تعالى- في رده الاستدلال بحديث عائشة الثابت في الصحيح. فقد قال في زاد المعاد ما نصه: وأما استدلالكم بحديث عائشة أن رجلا طلق ثلاثا فتزوجت، فسئل النبي - ﷺ - هل تحل للأول؟ قال: لا حتى تذوق العسيلة فهذا مما لا ننازعكم فيه، نعم هو حجة على من اكتفى بمجرد عقد الثاني، ولكن أين في الحديث أنه طلق الثلاث بفم واحد؟ بل الحديث حجة لنا، فإنه لا يقال: فعل ذلك ثلاثا، وقال ثلاثا، إلا من فعل، وقال مرة بعد مرة، وهذا هو المعقول في لغات الأمم عربهم وعجمهم، كما يقال: قذفه ثلاثا، وشتمه ثلاثا، وسلم عليه ثلاثا.
ذلك ثلاثا، وقال ثلاثا، إلا من فعل، وقال مرة بعد مرة، وهذا هو المعقول في لغات الأمم عربهم وعجمهم، كما يقال: قذفه ثلاثا، وشتمه ثلاثا، وسلم عليه ثلاثا. انتهى منه بلفظه.
وقد عرفت أن لفظ رواية أبي داود موافق للفظ عائشة الثابت في الصحيح الذي جزم فيه العلامة ابن القيم -رحمه الله تعالى- بأنه لا يدل على أن الثلاث بفم واحد، بل دلالته على أنها بألفاظ
متفرقة متعينة في جميع لغات الأمم، ويؤيده أن البيهقي في السنن الكبرى قال ما نصه: وذهب أبو يحيى الساجي إلى أن معناه إذا قال للبكر: أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق. كانت واحدة، فغلظ عليهم عمر ﵁ فجعلها ثلاثا. قال الشيخ: ورواية أيوب السختياني تدل على صحة هذا التأويل. اهـ.
ذا قال للبكر: أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق. كانت واحدة، فغلظ عليهم عمر ﵁ فجعلها ثلاثا. قال الشيخ: ورواية أيوب السختياني تدل على صحة هذا التأويل. اهـ. منه بلفظه.
ورواية أيوب المذكورة هي التي أخرجها أبو داود وهي المطابق لفظها حديث عائشة الذي جزم فيه ابن القيم ﵀ بأنه لا يدل إلا على أن الطلقات المذكورة ليست بفم واحد، بل واقعة مرة بعد مرة، وهي واضحة جدا فيما ذكرنا، ويؤيده أيضا أن البيهقي نقل عن ابن عباس ما يدل على أنها إن كانت بألفاظ متتابعة فهي واحدة، وإن كانت بلفظ واحد فهي ثلاث، وهو صريح في محل النزاع، مبين أن الثلاث التي تكون واحدة هي المسرودة بألفاظ متعددة؛ لأنها تأكيد للصيغة الأولى، ففي السنن الكبرى للبيهقي ما نصه: قال الشيخ: ويشبه أن يكون أراد إذا طلقها ثلاثا تترى، روى جابر بن يزيد عن الشعبي عن ابن عباس ﵄ في رجل طلق امرأته ثلاثا قبل أن يدخل بها، قال: عقدة كانت بيده أرسلها جميعا، وإذا كانت تترى فليس بشيء.
ا تترى، روى جابر بن يزيد عن الشعبي عن ابن عباس ﵄ في رجل طلق امرأته ثلاثا قبل أن يدخل بها، قال: عقدة كانت بيده أرسلها جميعا، وإذا كانت تترى فليس بشيء. قال سفيان الثوري: فترى يعني أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق، فإنها تبين بالأولى، والثنتان ليستا بشيء، وروي عن عكرمة عن ابن عباس ما دل على ذلك. انتهى منه بلفظه.
فهذه أدلة واضحة على أن الثلاث في حديث طاووس ليست بلفظ واحد، بل مسرودة بألفاظ متفرقة كما جزم به الإمام النسائي
-﵀ وصححه النووي، والقرطبي، وابن سريج، وأبو يحيى الساجي، وذكره البيهقي عن الشعبي عن ابن عباس، وعن عكرمة عن ابن عباس، وتؤيده رواية أيوب التي صححها ابن القيم كما ذكره البيهقي وأوضحناه آنفا مع أنه لا يوجد دليل يعين كون الثلاث المذكورة في حديث طاووس المذكور بلفظ واحد، لا من وضع اللغة، ولا من العرف، ولا من الشرع، ولا من العقل، لأن روايات حديث طاووس ليس في شيء منها التصريح بأن الثلاث المذكورة واقعة بلفظ واحد، ومجرد لفظ الثلاث، أو طلاق الثلاث، أو الطلاق الثلاث، لا يدل على أنها بلفظ
وايات حديث طاووس ليس في شيء منها التصريح بأن الثلاث المذكورة واقعة بلفظ واحد، ومجرد لفظ الثلاث، أو طلاق الثلاث، أو الطلاق الثلاث، لا يدل على أنها بلفظ واحد، لصدق كل تلك العبارات على الثلاث الواقعة بألفاظ متفرقة كما رأيت، ونحن لا نفرق في هذا بين البر والفاجر، ولا بين زمن وزمن، وإنما نفرق بين من نوى التأكيد، ومن نوى التأسيس، والفرق بينهما لا يمكن إنكاره، ونقول: الذي يظهر أن ما فعله عمر إنما هو لما علم من كثرة قصد التأسيس في زمنه، بعد أن كان في الزمن الذي قبله قصد التأكيد هو الأغلب كما قدمنا، وتغيُّر معنى اللفظ لتغير قصد اللافظين به لا إشكال فيه، فقوة هذا الوجه واتجاهه وجريانه على اللغة، مع عدم إشكال فيه كما ترى. وبالجملة فلفظ رواية أيوب -التي أخرجها أبو داود، وقال العلامة ابن القيم ﵀: إنها بأصح إسناد- مطابق للفظ حديث عائشة الثابت في الصحيحين، الذي فيه التصريح من النبي - ﷺ -: بأنها لا تحل للأول حتى يذوق عسيلتها الثاني كما ذاقها الأول.
ها بأصح إسناد- مطابق للفظ حديث عائشة الثابت في الصحيحين، الذي فيه التصريح من النبي - ﷺ -: بأنها لا تحل للأول حتى يذوق عسيلتها الثاني كما ذاقها الأول. وبه تعرف أن جعل الثلاث في حديث عائشة متفرقة في أوقات متباينة، وجعلها في حديث طاووس بلفظ واحد تفريق لا وجه له، مع اتحاد لفظ المتن
في رواية أبي داود، ومع أن القائلين برد الثلاث المجتمعة إلى واحدة لا يجدون فرقا في المعنى بين رواية أيوب وغيرهما من روايات حديث طاووس.
ونحن نقول للقائلين برد الثلاث إلى واحدة: إما أن يكون معنى الثلاث في حديث عائشة، وحديث طاووس أنها مجتمعة، أو مفرقة، فإن كانت مجتمعة فحديث عائشة متفق عليه، فهو أولى بالتقديم، وفيه التصريح بأن تلك الثلاث تحرمها، ولا تحل إلا بعد زوج، وإن كانت متفرقة، فلا حجة لكم أصلا في حديث طاووس على محل النزاع؛ لأن النزاع في خصوص الثلاث بلفظ واحد.
صريح بأن تلك الثلاث تحرمها، ولا تحل إلا بعد زوج، وإن كانت متفرقة، فلا حجة لكم أصلا في حديث طاووس على محل النزاع؛ لأن النزاع في خصوص الثلاث بلفظ واحد. أما جعلكم الثلاث في حديث عائشة مفرقة، وفي حديث طاووس مجتمعة فلا وجه له، ولا دليل عليه، ولا سيما أن بعض رواياته مطابق لفظه للفظ حديث عائشة، وأنتم لا ترون فرقا بين معاني ألفاظ رواياته من جهة كون الثلاث مجتمعة، لا متفرقة.
وأما على كون معنى حديث طاووس أن الثلاث التي كانت تجعل واحدة على عهد رسول الله - ﷺ - وأبي بكر، هي المجموعة بلفظ واحد فإنه على هذا يتعين النسخ، كما جزم به أبو داود ﵀، وجزم به ابن حجر في فتح الباري، وهو قول الشافعي كما قدمنا عنه، وقال به غير واحد من العلماء.
وقد رأيت النصوص الدالة على النسخ التي تفيد أن المراد بجعل الثلاث واحدة، أنه في الزمن الذي كان لا فرق فيه بين واحدة وثلاث ولو متفرقة، لجواز الرجعة ولو بعد مائة تطليقة، متفرقة كانت، أو لا، وأن المراد بمن كان يفعله في زمن أبي بكر
في الزمن الذي كان لا فرق فيه بين واحدة وثلاث ولو متفرقة، لجواز الرجعة ولو بعد مائة تطليقة، متفرقة كانت، أو لا، وأن المراد بمن كان يفعله في زمن أبي بكر
هو من لم يبلغه النسخ، وفي زمن عمر اشتهر النسخ بين الجميع.
وادعاء أن مثل هذا لا يصح يرده بإيضاح وقوع مثله في نكاح المتعة، فإنا قد قدمنا أن مسلما روى عن جابر أنها كانت تفعل على عهد النبي - ﷺ -، وأبي بكر، وفي بعض من زمن عمر قال: فنهانا عنها عمر. وهذه الصورة هي التي وقعت في جعل الثلاث واحدة، والنسخ ثابت في كل واحدة منهما، فادعاء إمكان إحداهما واستحالة الأخرى في غاية السقوط كما ترى؛ لأن كل واحدة منهما، روى فيها مسلم في صحيحه عن صحابي جليل أن مسألة تتعلق بالفروج كانت تفعل في زمن النبي - ﷺ -، وأبي بكر وصدرا من إمارة عمر، ثم غير حكمها عمر، والنسخ ثابت في كل واحدة منهما، وأما غير هذين الأمرين فلا ينبغي أن يقال؛ لأن نسبة عمر بن الخطاب ﵁ وعبد الله بن عباس ﵄ وخلق من أصحاب رسول الله - ﷺ - إلى أنهم تركوا ما جاء به النبي - ﷺ -، وجاءوا بما يخالفه من
ا ينبغي أن يقال؛ لأن نسبة عمر بن الخطاب ﵁ وعبد الله بن عباس ﵄ وخلق من أصحاب رسول الله - ﷺ - إلى أنهم تركوا ما جاء به النبي - ﷺ -، وجاءوا بما يخالفه من تلقاء أنفسهم عمدا غير لائق، ومعلوم أنه باطل بلا شك.
وقد حكى غير واحد من العلماء أن الصحابة أجمعوا في زمن عمر على نفوذ الطلاق الثلاث دفعة واحدة.
والظاهر أن مراد المدعي لهذا الإجماع هو الإجماع السكوتي، مع أن بعض العلماء ذكر الخلاف في ذلك عن جماعة من الصحابة والتابعين. وقد قدمنا كلام أبي بكر بن العربي القائل بأن نسبة ذلك إلى بعض الصحابة كذب بحت، وأنه لم يثبت عن أحد منهم جعل الثلاث بلفظ واحد واحدة، وما ذكره بعض أجلاء العلماء من أن
م أبي بكر بن العربي القائل بأن نسبة ذلك إلى بعض الصحابة كذب بحت، وأنه لم يثبت عن أحد منهم جعل الثلاث بلفظ واحد واحدة، وما ذكره بعض أجلاء العلماء من أن
عمر إنما أوقع عليها الثلاث مجتمعة عقوبة لهم، مع أنه يعلم أن ذلك خلاف ما كان عليه رسول الله - ﷺ -، والمسلمون في زمان أبي بكر ﵁ فالظاهر عدم نهوضه؛ لأن عمر لا يسوغ له أن يحرم فرجا أحله رسول الله ﷺ ، فلا يصح منه أن يعلم أن رسول الله - ﷺ - يبيح ذلك الفرج بجواز الرجعة، ويتجرأ هو على منعه بالبينونة الكبرى، والله تعالى يقول: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ الآية, ويقول ﴿ءآللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ (٥٩)﴾ ويقول: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ والمروي عن عمر في عقوبة من فعل ما لا يجوز من الطلاق هو التعزير الشرعي المعروف، كالضرب، أما تحريم المباح من الفروج فليس من أنواع التعزيرات؛ لأنه يفضي إلى حرمته على من أحله الله له، وإباحته لمن حرمه عليه؛ لأنه إن أكره على
المعروف، كالضرب، أما تحريم المباح من الفروج فليس من أنواع التعزيرات؛ لأنه يفضي إلى حرمته على من أحله الله له، وإباحته لمن حرمه عليه؛ لأنه إن أكره على إبانتها وهي غير بائن في نفس الأمر لا تحل لغيره؛ لأن زوجها لم يبنها عن طيب نفس، وحكم الحاكم وفتواه لا يحل الحرام في نفس الأمر، ويدل له حديث أم سلمة المتفق عليه فإن فيه: "فمن قضيت له فلا يأخذ من حق أخيه شيئا، فكأنما أقطع له قطعة من نار" ويشير له قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَراً زَوَّجْنَاكَهَا﴾ لأنه يفهم منه أنه لو لم يتركها اختيارا لقضائه وطره منها ما حلت لغيره.
وقد قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري ما نصه: وفي الجملة فالذي وقع في هذه المسألة نظير ما وقع في مسألة المتعة سواء -أعني قول جابر: إنها كانت تفعل في عهد رسول الله - ﷺ - وأبي بكر وصدرا من خلافة عمر، قال ثم نهانا عمر عنها فانتهينا -فالراجح في الموضعين تحريم المتعة، وإيقاع الثلاث؛ للإجماع
الذي انعقد في عهد عمر على ذلك.
- وأبي بكر وصدرا من خلافة عمر، قال ثم نهانا عمر عنها فانتهينا -فالراجح في الموضعين تحريم المتعة، وإيقاع الثلاث؛ للإجماع
الذي انعقد في عهد عمر على ذلك.
ولا يحفظ أن أحدا في عهد عمر خالفه في واحدة منهما، وقد دل إجماعهم على وجود ناسخ وإن كان خفي عن بعضهم قبل ذلك حتى ظهر لجميعهم في عهد عمر، فالمخالف بعد هذا الإجماع منابذ له، والجمهور على عدم اعتبار من أحدث الاختلاف بعد الاتفاق والله أعلم اهـ منه بلفظه.
وحاصل خلاصة هذه المسألة أن البحث فيها من ثلاث جهات:
الأولى: من جهة دلالة النص القولي، أو الفعلي الصريح.
الثانية: من جهة صناعة علم الحديث، والأصول.
الثالثة: من جهة أقوال أهل العلم فيها، أما أقوال أهل العلم فيها فلا يخفى أن الأئمة الأربعة، وأتباعهم وجل الصحابة، وأكثر العلماء على نفوذ الثلاث دفعة بلفظ واحد، وادعى غير واحد على ذلك إجماع الصحابة وغيرهم.
لعلم فيها فلا يخفى أن الأئمة الأربعة، وأتباعهم وجل الصحابة، وأكثر العلماء على نفوذ الثلاث دفعة بلفظ واحد، وادعى غير واحد على ذلك إجماع الصحابة وغيرهم.
وأما من جهة نص صريح من قول النبي - ﷺ -، أو فعله فلم يثبت من لفظ النبي - ﷺ -، ولا من فعله ما يدل على جعل الثلاث واحدة، وقد مر لك أن أثبت ما روي في قصة طلاق ركانة أنه بلفظ البتة، وأن النبي حلفه ما أراد إلا واحدة، ولو كان لا يلزم أكثر من واحدة بلفظ واحد لما كان لتحليفه معنى. وقد جاء في حديث ابن عمر عند الدارقطني أنه قال: يا رسول الله أرأيت لو طلقتها ثلاثا أكان يحل لي أن أراجعها؟
ثر من واحدة بلفظ واحد لما كان لتحليفه معنى. وقد جاء في حديث ابن عمر عند الدارقطني أنه قال: يا رسول الله أرأيت لو طلقتها ثلاثا أكان يحل لي أن أراجعها؟ قال: لا، كانت تبين منك، وتكون معصية.
وقد قدمنا أن في إسناده عطاء الخراساني، وشعيب بن زريق الشامي، وقد قدمنا أن عطاء المذكور من رجال مسلم، وأن شعيبا المذكور قال فيه ابن حجر في التقريب: صدوق يخطىء.
وأما حديث ابن عمر هذا يعتضد بما ثبت عن ابن عمر في الصحيح من أنه قال: "وإن كنت طلقتها ثلاثا فقد حرمت عليك حتى تنكح زوجا غيرك، وعصيت ربك فيما أمرك به من طلاق امرأتك" ولا سيما على قول الحاكم: إنه مرفوع، ويعتضد بالحديث المذكور قبله؛ لتحليفه ركانة، وبحديث الحسن بن علي المتقدم عند البيهقي والطبراني، وبحديث سهل بن سعد الساعدي الثابت في الصحيح، في لعان عويمر وزوجه، ولا سيما رواية: "فأنفذها رسول الله - ﷺ -" يعني الثلاث المجتمعة، وببقية الأحاديث المتقدمة.
يث سهل بن سعد الساعدي الثابت في الصحيح، في لعان عويمر وزوجه، ولا سيما رواية: "فأنفذها رسول الله - ﷺ -" يعني الثلاث المجتمعة، وببقية الأحاديث المتقدمة.
وقد قدمنا أن كثرة طرقها واختلاف منازعها يدل على أن لها أصلا، وأن بعضها يشد بعضا، فيصلح المجموع للاحتجاج، ولا سيما أن بعضها صححه بعض العلماء، وحسنه بعضهم، كحديث ركانة المتقدم، وقد عرفت أن حديث داود بن الحصين لا دليل فيه على تقدير ثبوته، فإذا حققت أن المروى باللفظ الصريح عن النبي - ﷺ - ليس يدل إلا على وقوع الثلاث مجتمعة، فاعلم أن كتاب الله ليس فيه شيء يدل على عدم وقوع الثلاث دفعة واحدة؛ لأنه ليس فيه آية فيها ذكر الثلاث المجتمعة، وأخرى آية تصرح بعدم لزومها.
وقد قدمنا عن النووي وغيره أن العلماء استدلوا على وقوع الثلاث دفعة بقوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ
قد قدمنا عن النووي وغيره أن العلماء استدلوا على وقوع الثلاث دفعة بقوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ
نَفْسَهُ لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْراً (١)﴾ قالوا معناه: أن المطلق قد يحدث له ندم فلا يمكنه تداركه لوقوع البينونة، فلو كانت الثلاث لا تقع، لم يقع طلاقه إلا رجعيا، فلا يندم.
وقد قدمنا ما ثبت عن ابن عباس من أنها تلزم مجتمعة، وأن ذلك داخل في معنى الآية، وهو واضح جدا، فاتضح أنه ليس في كتاب الله، ولا في صريح قول النبي - ﷺ -، أو فعله ما يدل على عدم وقوع الثلاث.
أما من جهة صناعة علم الحديث، والأصول، فما أخرجه مسلم من حديث ابن عباس المتقدم له حكم الرفع؛ لأن قول الصحابي كان يفعل كذا على عهد النبي - ﷺ -، له حكم الرفع عند جمهور المحدثين والأصوليين.
ل، فما أخرجه مسلم من حديث ابن عباس المتقدم له حكم الرفع؛ لأن قول الصحابي كان يفعل كذا على عهد النبي - ﷺ -، له حكم الرفع عند جمهور المحدثين والأصوليين.
وقد علمت أوجه الجواب عنه بإيضاح، ورأيت الروايات المصرحة بنسخ المراجعة بعد الثلاث، وقد قدمنا أن جميع روايات حديث طاووس عن ابن عباس المذكور عند مسلم ليس في شيء منها التصريح بأن الطلقات الثلاث بلفظ واحد، وقد قدمنا أيضا أن بعض رواياته موافقة للفظ حديث عائشة الثابت في الصحيح، وأنه لا وجه للفرق بينهما، فإن حمل على أن الثلاث مجموعة فحديث عائشة أصح، وفيه التصريح بأن تلك المطلقة لا تحل إلا بعد زوج، وإن حمل على أنها بألفاظ متفرقة، فلا دليل إذن في حديث طاووس عن ابن عباس على محل النزاع.
فإن قيل: أنتم تارة تقولون: إن حديث ابن عباس منسوخ، وتارة تقولون: ليس معناه أنها بلفظ واحد، بل بألفاظ متفرقة.
فالجواب أن معنى كلامنا: أن الطلقات في حديث طاووس لا يتعين كونها بلفظ واحد، ولو فرضنا أنها بلفظ واحد، فجعلها واحدة منسوخ. هذا هو ما ظهر لنا في هذه المسألة.
اب أن معنى كلامنا: أن الطلقات في حديث طاووس لا يتعين كونها بلفظ واحد، ولو فرضنا أنها بلفظ واحد، فجعلها واحدة منسوخ. هذا هو ما ظهر لنا في هذه المسألة. والله تعالى أعلم، ونسبة العلم إليه أسلم.
•
قوله تعالى: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ لم يبين في هذه الآية، ولا في غيرها من آيات الطلاق حكمة كون الطلاق بيد الرجل دون إذن المرأة، ولكنه بين في موضع آخر أن حكمة ذلك أن المرأة حقل تزرع فيه النطفة، كما يزرع البذر في الأرض، ومن رأى أن حقله غير صالح للزراعة فالحكمة تقتضي أن لا يرغم على الازدراع فيه، وأن يترك وشأنه؛ ليختار حقلا صالحا لزراعته، وذلك في قوله تعالى: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ﴾ كما تقدم إيضاحه.
•
قوله تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيتُمُوهُنَّ شَيئًا إلا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٢٢٩)﴾ صرح في هذه الآية الكريمة بأن الزوج لا يحل له الرجوع في شيء مما أعطى زوجته، إلا على سبيل الخلع إذا خافا إلا يقيما حدود الله فيما بينهما، فلا جناح عليهما إذن في الخلع، أي: لا جناح عليها هي في الدفع، ولا عليه هو في الأخذ.
وصرح في موضع آخر بالنهي عن الرجوع في شيء مما أعطى الأزواج زوجاتهم، ولو كان المعطى قنطارا، وبين أن أخذه بهتان وإثم مبين، وبين أن السبب المانع من أخذ شيء منه هو أنه أفضى
بالنهي عن الرجوع في شيء مما أعطى الأزواج زوجاتهم، ولو كان المعطى قنطارا، وبين أن أخذه بهتان وإثم مبين، وبين أن السبب المانع من أخذ شيء منه هو أنه أفضى
إليها بالجماع، وذلك في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَاراً فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئاً أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَاناً وَإِثْماً مُبِيناً (٢٠) وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقاً غَلِيظاً (٢١)﴾. وبين في موضع آخر أن محل النهي عن ذلك إذا لم يكن عن طيب النفس من المرأة، وذلك في قوله: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَرِيئاً (٤)﴾.
محل النهي عن ذلك إذا لم يكن عن طيب النفس من المرأة، وذلك في قوله: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَرِيئاً (٤)﴾. وأشار إلى ذلك بقوله: ﴿وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ﴾.
تنبيه: أخذ ابن عباس من هذه الآية الكريمة أن الخلع فسخ ولا يعد طلاقا؛ لأن الله تعالى قال: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتَانِ﴾ ثم ذكر الخلع بقوله: ﴿فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾، فلم يعتبره طلاقا ثالثا، ثم ذكر الطلقة الثالثة بقوله: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ﴾ الآية.
وبهذا قال عكرمة، وطاووس، وهو رواية عن عثمان بن عفان وابن عمر، وهو قول إسحاق بن راهويه، وأبي ثور، وداود بن علي الظاهري كما نقله عنهم ابن كثير وغيره، وهو قول الشافعي في القديم، وإحدى الروايتين عن أحمد.
ان وابن عمر، وهو قول إسحاق بن راهويه، وأبي ثور، وداود بن علي الظاهري كما نقله عنهم ابن كثير وغيره، وهو قول الشافعي في القديم، وإحدى الروايتين عن أحمد.
قال مقيده - عفا الله عنه -: الاستدلال بهذه الآية على أن الخلع لا يعد طلاقا ليس بظاهر عندي، لما تقدم مرفوعا إليه - ﷺ - من أن الطلقة الثالثة هي المذكورة في قوله: ﴿أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ وهو مرسل حسن.
قال في فتح الباري: والأخذ بهذا الحديث أولى، فإنه مرسل حسن يعتضد بما أخرجه الطبري من حديث ابن عباس بسند
صحيح. قال: "إذا طلق الرجل امرأته تطليقتين فليتق الله في الثالثة، فإما أن يمسكها، فيحسن صحبتها، أو يسرحها فلا يظلمها من حقها شيئا".
وعليه ففراق الخلع المذكور لم يرد منه إلا بيان مشروعية الخلع عند خوفهما ألا يقيما حدود الله؛ لأنه ذكر بعد الطلقة الثالثة. وقوله: فَإِنْ طَلَّقَهَا إنما كرره، ليرتب عليه ما يلزم بعد الثالثة، الذي هو قوله: ﴿فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ﴾ الأية. ولو فرعنا على أن قوله تعالى: ﴿أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾.
كرره، ليرتب عليه ما يلزم بعد الثالثة، الذي هو قوله: ﴿فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ﴾ الأية. ولو فرعنا على أن قوله تعالى: ﴿أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾. يراد به عدم الرجعة، وأن الطلقة الثالثة هي المذكورة في قوله: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ﴾ الآية. لم يلزم من ذلك أيضا عدم عد الخلع طلاقا؛ لأن الله تعالى ذكر الخلع في معرض منع الرجوع فيما يعطاه الأزواج، فاستثنى منه صورة جائزة، ولا يلزم من ذلك عدم اعتبارها طلاقا، كما هو ظاهر من سياق الآية. وممن قال بأن الخلع يعد طلاقا بائنا: مالك، وأبو حنيفة، والشافعي في الجديد، وقد روي نحوه عن عمر، وعلي، وابن مسعود، وابن عمر، وبه قال سعيد بن المسيب، والحسن، وعطاء، وشريح، والشعبي، وإبراهيم، وجابر بن زيد، والثوري، والأوزاعي، وعثمان البتي، كما نقله عنهم ابن كثير وغيره.
ن عمر، وبه قال سعيد بن المسيب، والحسن، وعطاء، وشريح، والشعبي، وإبراهيم، وجابر بن زيد، والثوري، والأوزاعي، وعثمان البتي، كما نقله عنهم ابن كثير وغيره. غير أن الحنفية عندهم أنه متى نوى الخالع بخلعه تطليقة، أو اثنتين، أو أطلق فهو واحدة بائنة، وإن نوى ثلاثا فثلاث، وللشافعي قول آخر في الخلع وهو: أنه متى لم يكن بلفظ الطلاق، وعري عن النية فليس هو بشيء بالكلية، قاله ابن كثير.
ومما احتج به أهل القول بأن الخلع طلاق: ما رواه مالك عن
هشام بن عروة، عن أبيه، عن جهمان مولى الأسلميين، عن أم بكر الأسلمية أنها اختلعت من زوجها عبد الله بن خالد بن أسيد، فأتيا عثمان بن عفان في ذلك فقال: تطليقة، إلا أن تكون سميت شيئا فهو ما سميت.
قال الشافعي: ولا أعرف جهمان، وكذا ضعف أحمد بن حنبل هذا الأثر.
لد بن أسيد، فأتيا عثمان بن عفان في ذلك فقال: تطليقة، إلا أن تكون سميت شيئا فهو ما سميت.
قال الشافعي: ولا أعرف جهمان، وكذا ضعف أحمد بن حنبل هذا الأثر. قاله ابن كثير، والعلم عند الله تعالى.
وروى ابن أبي شيبة عن ابن مسعود مثله، وتكلم فيه بأن في سنده ابن أبي ليلى، وأنه سيء الحفظ، وروي مثله عن علي وضعفه ابن حزم، والله تعالى أعلم.
فروع
الأول: ظاهر هذه الآية الكريمة أن الخلع يجوز بأكثر من الصداق، وذلك لأنه تعالى عبر بما الموصولة في قوله: ﴿فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ وقد تقرر في الأصول أن الموصولات من صيغ العموم، لأنها تعم كل ما تشمله صلاتها كما عقده في مراقي السعود بقوله:
"صيغه كل أو الجميع ... وقد تلا الذي التي الفروع"
وهذا هو مذهب الجمهور.
ات من صيغ العموم، لأنها تعم كل ما تشمله صلاتها كما عقده في مراقي السعود بقوله:
"صيغه كل أو الجميع ... وقد تلا الذي التي الفروع"
وهذا هو مذهب الجمهور. قال ابن كثير في تفسير هذه الآية ما نصه: وقد اختلف العلماء ﵏ في أنه هل يجوز للرجل أن يفاديها بأكثر مما أعطاها.
فذهب الجمهور إلى جواز ذلك، لعموم قوله تعالى: ﴿فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾.
وقال ابن جرير: حدثنا يعقوب بن إبراهيم، حدثنا ابن علية، أخبرنا أيوب، عن كثير مولى ابن سمرة: أن عمر أتى بامرأة ناشز فأمر بها إلى بيت كثير الزبل، ثم دعاها فقال: كيف وجدت؟ فقالت: ما وجدت راحة منذ كنت عنده إلا هذه الليلة التي كنت حبستني، فقال لزوجها: اخلعها ولو من قرطها. ورواه عبد الرزاق عن معمر، عن أيوب، عن كثير مولى ابن سمرة فذكر مثله، وزاد فحبسها فيه ثلاثة أيام. وقال سعيد بن أبي عروبة: عن قتادة، عن حميد بن عبد الرحمن، أن امرأة أتت عمر بن الخطاب فشكت زوجها، فأباتها في بيت الزبل، فلما أصبحت قال لها: كيف وجدت مكانك؟
سعيد بن أبي عروبة: عن قتادة، عن حميد بن عبد الرحمن، أن امرأة أتت عمر بن الخطاب فشكت زوجها، فأباتها في بيت الزبل، فلما أصبحت قال لها: كيف وجدت مكانك؟ قالت: ما كنت عنده ليلة أقر لعيني من هذه الليلة. فقال: خذ ولو عقاصها.
وقال البخاري: وأجاز عثمان الخلع دون عقاص رأسها.
وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، أن الربيع بنت معوذ بن عفراء حدثته قالت: كان لي زوج يقل على الخير إذا حضرني، ويحرمني إذا غاب. قالت: فكانت مني زلة يوما، فقلت له: أختلع منك بكل شيء أملكه قال: نعم. قالت: ففعلت.
اء حدثته قالت: كان لي زوج يقل على الخير إذا حضرني، ويحرمني إذا غاب. قالت: فكانت مني زلة يوما، فقلت له: أختلع منك بكل شيء أملكه قال: نعم. قالت: ففعلت. قالت: فخاصم عمي معاذ بن عفراء إلى عثمان بن عفان فأجاز الخلع، وأمره أن يأخذ عقاص رأسي، فما دونه، أو قالت: ما دون عقاص الرأس.
ومعنى هذا أنه يجوز أن يأخذ منها كل ما بيدها من قليل وكثير، ولا يترك لها سوى عقاص شعرها، وبه يقول ابن عمر، وابن عباس، وعكرمة، ومجاهد، وإبراهيم النخعي، وقبيصة بن
ذؤيب، والحسن بن صالح، وعثمان البتي.
وهذا مذهب مالك، والليث، والشافعي، وأبي ثور، واختاره ابن جرير.
وقال أصحاب أبي حنيفة إن كان الإضرار من قبلها جاز أن يأخذ منها ما أعطاها، ولا يجوز الزيادة عليه.
ب مالك، والليث، والشافعي، وأبي ثور، واختاره ابن جرير.
وقال أصحاب أبي حنيفة إن كان الإضرار من قبلها جاز أن يأخذ منها ما أعطاها، ولا يجوز الزيادة عليه. فإن ازداد جاز في القضاء، وإن كان الإضرار من جهته لم يأخذ منها شيئا، فإن أخذ جاز في القضاء.
وقال الإمام أحمد وأبو عبيد وإسحاق بن راهويه: لا يجوز أن يأخذ أكثر مما أعطاها، وهذا قول سعيد بن المسيب وعطاء، وعمرو بن شعيب، والزهري، وطاووس، والحسن، والشعبي، وحماد بن أبي سليمان، والربيع بن أنس.
وقال معمر والحكم: كان علي يقول: لا يأخذ من المختلعة فوق ما أعطاها.
رو بن شعيب، والزهري، وطاووس، والحسن، والشعبي، وحماد بن أبي سليمان، والربيع بن أنس.
وقال معمر والحكم: كان علي يقول: لا يأخذ من المختلعة فوق ما أعطاها. وقال الأوزاعي: القضاة لا يجيزون أن يأخذ منها أكثر مما ساق إليها.
قلت: ويستدل لهذا القول بما تقدم من رواية قتادة عن عكرمة، عن ابن عباس في قصة ثابت بن قيس، فأمره رسول الله - ﷺ - أن يأخذ منها الحديقة ولا يزداد، وبما روى عبد بن حميد حيث قال: أخبرنا قبيصة، عن سفيان، عن ابن جريج، عن عطاء أن النبي - ﷺ - كره أن يأخذ منها أكثر مما أعطاها، يعني: المختلعة، وحملوا معنى الآية على معنى ﴿فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ أي: من الذي أعطاها؛ لتقدم قوله ﴿وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ
شَيْئاً إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ أي: من ذلك.
يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ أي: من ذلك. وهكذا كان يقرؤها الربيع بن أنس "فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِه منه" رواه ابن جرير، ولهذا قال بعده: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٢٢٩)﴾ اهـ. من ابن كثير بلفظه.
الفرع الثاني: اختلف العلماء في عدة المختلعة: فذهب أكثر أهل العلم إلى أنها تعتد بثلاثة قروء إن كانت ممن تحيض، كعدة المطلقة، منهم مالك، وأبو حنيفة، والشافعي، وأحمد، وإسحاق بن راهويه في الرواية المشهورة عنهما، وروي ذلك عن عمر، وعلي، وابن عمر، وبه يقول سعيد بن المسيب، وسليمان بن يسار، وعروة، وسالم، وأبو سلمة، وعمر بن عبد العزيز، وابن شهاب، والحسن، والشعبي، وإبراهيم النخعي، وأبو عياض، وخلاس بن عمرو، وقتادة، وسفيان الثوري، والأوزاعي، والليث بن سعد، وأبو عبيد.
وعمر بن عبد العزيز، وابن شهاب، والحسن، والشعبي، وإبراهيم النخعي، وأبو عياض، وخلاس بن عمرو، وقتادة، وسفيان الثوري، والأوزاعي، والليث بن سعد، وأبو عبيد.
قال الترمذي: وهو قول أكثر أهل العلم من الصحابة وغيرهم.
ومأخذهم في هذا: أن الخلع طلاق، فتعتد كسائر المطلقات.
قاله ابن كثير.
قال مقيده - عفا الله عنه -: وكون الخلع طلاقا ظاهرًا من جهة المعنى؛ لأن العوض المبذول للزوج من جهتها إنما بذلته في مقابلة ما يملكه الزوج، وهو الطلاق؛ لأنه لا يملك لها فراقا شرعا إلا بالطلاق، فالعوض في مقابلته. ويدل له ما أخرجه البخاري في قصة مخالعة ثابت بن قيس زوجه من حديث ابن عباس
"أن امرأة ثابت بن قيس، أتت النبي - ﷺ - فقالت: يا رسول الله ثابت بن قيس ما أعتب عليه من خلق ولا دين، ولكني أكره الكفر في الإسلام، فقال رسول الله - ﷺ -: أتردين عليه حديقته؟ قالت: نعم.
- ﷺ - فقالت: يا رسول الله ثابت بن قيس ما أعتب عليه من خلق ولا دين، ولكني أكره الكفر في الإسلام، فقال رسول الله - ﷺ -: أتردين عليه حديقته؟ قالت: نعم. قال رسول الله - ﷺ -: "اقبل الحديقة وطلقها تطليقة" فإن قوله - ﷺ -: "اقبل الحديقة، وطلقها تطليقة" فيه دليل على أن العوض مبذول في الطلاق الذي هو من حق الزوج.
وقول البخاري عقب سوقه للحديث المذكور: قال أبو عبد الله: لا يتابع فيه عن ابن عباس. لا يسقط الاحتجاج به؛ لأن مراده أن أزهر بن جميل لا يتابعه غيره في ذكر ابن عباس في هذا الحديث، بل أرسله غيره، ومراده بذلك: خصوص طريق خالد الحذاء عن عكرمة، ولهذا عقبه برواية خالد -وهو ابن عبد الله الطحان- عن خالد، وهو الحذاء، عن عكرمة مرسلا، ثم برواية إبراهيم بن طهمان، عن خالد الحذاء مرسلا، وعن أيوب موصولا. ورواية إبراهيم بن طهمان، عن أيوب الموصولة وصلها الإسماعيلي. قاله الحافظ في الفتح.
ثم برواية إبراهيم بن طهمان، عن خالد الحذاء مرسلا، وعن أيوب موصولا. ورواية إبراهيم بن طهمان، عن أيوب الموصولة وصلها الإسماعيلي. قاله الحافظ في الفتح. فظهر اعتضاد الطريق المرسلة بعضها ببعض، وبالطرق الموصولة.
وقوله في رواية إبراهيم بن طهمان، عن أيوب الموصولة "وأمره ففارقها" يظهر فيها أن مراده بالفراق الطلاق في مقابلة العوض، بدليل التصريح في الرواية الأخرى بذكر التطليقة، والروايات بعضها يفسر بعضا، كما هو معلوم في علوم الحديث. وما ذكره بعض العلماء من أن المخالع إذا صرح بلفظ الطلاق لا يكون طلاقا، وإنما يكون فسخا فهو بعيد ولا دليل عليه.
يفسر بعضا، كما هو معلوم في علوم الحديث. وما ذكره بعض العلماء من أن المخالع إذا صرح بلفظ الطلاق لا يكون طلاقا، وإنما يكون فسخا فهو بعيد ولا دليل عليه. والكتاب
والسنة يدلان على أن المفارقة بلفظ الطلاق طلاق لا فسخ، والاستدلال على أنه فسخ بإيجاب حيضة واحدة في عدة المختلعة فيه أمران:
أحدهما: ما ذكرنا آنفا من أن أكثر أهل العلم على أن المختلعة تعتد عدة المطلقة ثلاثة قروء.
الثاني: أنه لا ملازمة بين الفسخ والاعتداد بحيضة.
ومما يوضح ذلك أن الإمام أحمد وهو هو -رحمه الله تعالى- يقول في أشهر الروايتين عنه: إن الخلع فسخ لا طلاق، ويقول في أشهر الروايتين عنه أيضا: إن عدة المختلعة ثلاثة قروء كالمطلقة. فظهر عدم الملازمة عنده.
فإن قيل: هذا الذي ذكرتم يدل على أن المخالع إذا صرح بلفظ الطلاق كان طلاقا، ولكن إذا لم يصرح بالطلاق في الخلع فلا يكون الخلع طلاقا.
عدم الملازمة عنده.
فإن قيل: هذا الذي ذكرتم يدل على أن المخالع إذا صرح بلفظ الطلاق كان طلاقا، ولكن إذا لم يصرح بالطلاق في الخلع فلا يكون الخلع طلاقا. فالجواب أن مرادنا بالاستدلال بقوله - ﷺ -: "اقبل الحديقة وطلقها تطليقة" أن الطلاق المأمور به من قبله - ﷺ - هو عوض المال إذ لا يملك الزوج من الفراق غير الطلاق. فالعوض مدفوع له عما يملكه، كما يدل له الحديث المذكور دلالة واضحة.
وقال بعض العلماء: تعتد المختلعة بحيضة، ويروى هذا القول عن أمير المؤمنين عثمان بن عفان، وعبد الله بن عمر، والربيع بنت معوذ، وعمها -وهو صحابي-. وأخرجه أصحاب السنن، والطبراني مرفوعا. والظاهر أن بعض أسانيده أقل درجاتها القبول،
وعلى تقدير صحة الحديث بذلك فلا كلام ولو خالف أكثر أهل العلم. وقد قدمنا عدم الملازمة بين كونه فسخا، وبين الاعتداد بحيضة، فالاستدلال به عليه لا يخلو من نظر.
تقدير صحة الحديث بذلك فلا كلام ولو خالف أكثر أهل العلم. وقد قدمنا عدم الملازمة بين كونه فسخا، وبين الاعتداد بحيضة، فالاستدلال به عليه لا يخلو من نظر. وما وجهه به بعض أهل العلم من أن العدة إنما جعلت ثلاث حيض ليطول زمن الرجعة، ويتروى الزوج، ويتمكن من الرجعة في مدة العدة، فإذا لم تكن عليها رجعة فالمقصود مجرد براءة رحمها من الحمل، وذلك يكفي فيه حيضة كالاستبراء، لا يخلو من نظر أيضا، لأن حكمة جعل العدة ثلاثة قروء ليست محصورة في تطويل زمن الرجعة، بل الغرض الأعظم منها: الاحتياط لماء المطلق حتى يغلب على الظن بتكرر الحيض ثلاث مرات أن الرحم لم يشتمل على حمل منه، ودلالة ثلاث حيض على ذلك أبلغ من دلالة حيضة واحدة، ويوضح ذلك أن الطلقة الثالثة لا رجعة بعدها إجماعا، فلو كانت الحكمة ما ذكر لكانت العدة من الطلقة الثالثة حيضة واحدة. وما قاله بعض العلماء من أن باب الطلاق جعل حكمه واحدا، فجوابه أنه لم يجعل واحدا إلا لأن الحكمة فيه واحدة.
كر لكانت العدة من الطلقة الثالثة حيضة واحدة. وما قاله بعض العلماء من أن باب الطلاق جعل حكمه واحدا، فجوابه أنه لم يجعل واحدا إلا لأن الحكمة فيه واحدة. ومما يوضح ذلك أن المطلق قبل الدخول لا عدة له على مطلقته إجماعا، بنص قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ مع أنه قد يندم على الطلاق كما يندم المطلق بعد الدخول، فلو كانت الحكمة في الاعتداد بالأقراء مجرد تمكين الزوج من الرجعة، لكانت العدة في الطلاق قبل الدخول.
ولما كانت الحكمة الكبرى في الاعتداد بالأقراء هي أن يغلب على الظن براءة الرحم من ماء المطلق؛ صيانة للأنساب، كان
الطلاق قبل الدخول لا عدة فيه أصلا؛ لأن الرحم لم يعلق بها شيء من ماء المطلق حتى تطلب براءتها منه بالعدة، كما هو واضح.
فإن قيل: فما وجه اعتداد المختلعة بحيضة؟
قبل الدخول لا عدة فيه أصلا؛ لأن الرحم لم يعلق بها شيء من ماء المطلق حتى تطلب براءتها منه بالعدة، كما هو واضح.
فإن قيل: فما وجه اعتداد المختلعة بحيضة؟
قلنا: إن كان ثابتا عن النبي - ﷺ - كما أخرجه عنه أصحاب السنن والطبراني فهو تفريق من الشارع بين الفراق المبذول فيه عوض، وبين غيره في قدر العدة، ولا إشكال في ذلك. كما فرق بين الموت قبل الدخول فأوجب فيه عدة الوفاة، وبين الطلاق قبل الدخول فلم يوجب فيه عدة أصلا. مع أن الكل فراق قبل الدخول. والفرق بين الفراق بعوض، والفراق بغير عوض ظاهر في الجملة، فلا رجعة في الأول بخلاف الثاني.
الفرع الثالث: اختلف العلماء في المخالعة هل يلحقها طلاق من خالعها بعد الخلع على ثلاثة أقوال:
الأول: لا يلحقها طلاقه، لأنها قد ملكت نفسها، وبانت منه بمجرد الخلع. وبهذا يقول ابن عباس، وابن الزبير، وعكرمة، وجابر بن زيد، والحسن البصري، والشافعي، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وأبو ثور، كما نقله عنهم ابن كثير.
الثاني: أنه إن أتبع الخلع طلاقا من غير سكوت بينهما وقع.
، والحسن البصري، والشافعي، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وأبو ثور، كما نقله عنهم ابن كثير.
الثاني: أنه إن أتبع الخلع طلاقا من غير سكوت بينهما وقع. وإن سكت بينهما لم يقع، وهذا مذهب مالك. قال ابن عبد البر: وهذا يشبه ما روي عن عثمان ﵁.
الثالث: أنه يلحقها طلاقه ما دامت في العدة مطلقا. وهو قول أبي حنيفة وأصحابه، والثوري، والأوزاعي، وبه يقول سعيد
بن المسيب، وشريح، وطاوس، وإبراهيم، والزهري، والحكم، وحماد بن أبي سليمان، كما نقله عنهم ابن كثير، وروي ذلك عن ابن مسعود، وأبي الدرداء.
قال ابن عبد البر: وليس ذلك بثابت عنهما.
قال مقيده - عفا الله عنه -: وهذا القول الثالث بحسب النظر أبعد الأقوال، لأن المخالعة بمجرد انقضاء صيغة الخلع تبين منه، والبائن أجنبية، لا يقع عليها طلاق؛ لأنه لا طلاق لأحد فيما لا يملكه كما هو ظاهر، والعلم عند الله تعالى.
لأن المخالعة بمجرد انقضاء صيغة الخلع تبين منه، والبائن أجنبية، لا يقع عليها طلاق؛ لأنه لا طلاق لأحد فيما لا يملكه كما هو ظاهر، والعلم عند الله تعالى.
الفرع الرابع: ليس للمخالع أن يراجع المختلعة في العدة بغير رضاها عند الأئمة الأربعة، وجمهور العلماء، لأنها قد ملكت نفسها بما بذلت له من العطاء، وروي عن عبد الله بن أبي أوفى، وماهان الحنفي، وسعيد بن المسيب، والزهري أنهم قالوا: إن رد إليها الذي أعطته جاز له رجعتها في العدة بغير رضاها، وهو اختيار أبي ثور.
وقال سفيان الثوري: إن كان الخلع بغير لفظ الطلاق فهو فرقة، ولا سبيل له عليها، وإن كان سمى طلاقا فهو أملك لرجعتها ما دامت في العدة، وبه يقول داود بن علي الظاهري اهـ. من ابن كثير.
الفرع الخامس: أجمع العلماء على أن للمختلع أن يتزوجها برضاها في العدة، وما حكاه ابن عبد البر عن جماعة من أنهم منعوا تزويجها لمن خالعها، كما يمنع لغيره فهو قول باطل
مردود، ولا وجه له بحال. كما هو ظاهر، والعلم عند الله تعالى.
•