Dan Kami telah menurunkan Kitab (Alquran) kepadamu (Muhammad) dengan membawa kebenaran, yang membenarkan kitab-kitab yang diturunkan sebelumnya dan menjaganya, 281) maka putuskanlah perkara mereka menurut apa yang di turunkan Allah dan janganlah engkau mengikuti keinginan mereka dengan meninggalkan kebenaran yang telah datang kepadamu. Untuk setiap umat di antara kamu,282) Kami berikan aturan dan jalan yang terang. Kalau Allah menghendaki, niscaya kamu dijadikan-Nya satu umat (saja), tetapi Allah hendak menguji kamu terhadap karunia yang telah di berikan-Nya kepadamu, maka berlomba-lombalah berbuat kebajikan. Hanya kepada Allah kamu semua kembali, lalu diberitahukan-Nya kepadamu terhadap apa yang dahulu kamu perselisihkan
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾.
وهذا خطابٌ مِن الله تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ، يقولُ تعالى ذكرُه:
وأنزَلْنا إليك يا محمدُ ﴿الْكِتَابَ﴾، وهو القرآنُ الذي أنْزَلَه عليه. ويعنى بقولِه: ﴿بِالْحَقِّ﴾: بالصدقِ، ولا كذبَ فيه، ولا شكَّ أنه مِن عندِ اللَّهِ. ﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ﴾. يقولُ: أَنْزَلْناه بتَصْديقِ ما قبلَه مِن كتبِ اللَّهِ التي أنْزَلها إلى أنبيائِه. ﴿وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾.
لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ﴾. يقولُ: أَنْزَلْناه بتَصْديقِ ما قبلَه مِن كتبِ اللَّهِ التي أنْزَلها إلى أنبيائِه. ﴿وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾. يقولُ: أَنْزَلْنَا الكتابَ الذي أَنْزَلْناه إليك يا محمدُ مُصَدِّقًا للكتبِ قبلَه، وشَهيدًا عليها أنها حقٌّ مِن عندِ اللَّهِ، أمينًا عليها، حافظًا لها.
وأصلُ الهَيْمنةِ الحفظُ والارْتِقابُ، يقالُ إذا رَقَب الرجلُ الشيءَ وحفِظه وشهِده: قد هَيْمَن فلانٌ عليه، فهو يُهَيْمِنُ هَيْمَنَةً، وهو عليهِ مُهَيْمِنٌ.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ، إلا أنهم اخْتَلَفَت عباراتُهم عنه، فقال بعضُهم: معناه: شَهيدًا.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليِّ بن أبي طلحةَ، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾. يقولُ: شهيدًا.
حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسْباطُ، عن السديِّ: ﴿وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾.
ُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾. يقولُ: شهيدًا.
حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسْباطُ، عن السديِّ: ﴿وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾. قال: شهيدًا عليه.
حدَّثني بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ﴾. يقولُ: الكتبُ
التي خَلَت قبلَه، ﴿وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾: أمينًا وشاهدًا على الكتبِ التي خلَت قبلَه.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُرَيْجٍ، عن مُجاهدٍ: ﴿وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾: مؤتمَنًا على القرآنِ وشاهدًا ومصدِّقًا.
َه.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُرَيْجٍ، عن مُجاهدٍ: ﴿وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾: مؤتمَنًا على القرآنِ وشاهدًا ومصدِّقًا. قال ابن جُرَيْجٍ: وقال آخرون: القرآنُ أمينٌ على الكتبِ فيما إذا أَخْبَرَنا أهلُ الكتابِ في كتابِهم بأمرٍ، إن كان في القرآنِ فصدَقوا، وإلا فكذَبوا.
وقال بعضُهم: معناه: أمينٌ عليه.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، وحدَّثنا هَنَّادُ بنُ السَّرِيِّ، قال: ثنا وكيعٌ، جَميعًا عن سفيانَ، عن أبي إسحاقَ، عن التَّميميِّ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾. قال: مُؤْتَمنًا عليه.
حدَّثنا محمدُ بنُ عُبيد المحاربيُّ، قال: ثنا أبو الأحْوصِ، عن أبي إسحاقَ، عن التَّميميِّ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾.
منًا عليه.
حدَّثنا محمدُ بنُ عُبيد المحاربيُّ، قال: ثنا أبو الأحْوصِ، عن أبي إسحاقَ، عن التَّميميِّ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾. قال: مُؤْتَمنًا عليه.
حدَّثنا ابن وَكيعٍ، قال: ثنا أبي، قال: ثنا سُفيانُ وإسرائيلُ، عن أبي إسحاقَ، عن التَّميميِّ، عن ابن عباسٍ مثلَه.
حدَّثنا هَنَّادٌ، قال: ثنا وَكيعٌ، عن سفيانَ وإسرائيلَ، عن أبي إسحاقَ بإسنادِه، عن ابن عباسٍ مثلَه.
حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا ابن عَطِيةَ، قال: ثنا إسْرائيلُ، عن أبي إسحاقَ، عن التَّميميِّ، عن ابن عباسٍ مثلَه.
حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا حَكَامٌ، عن عَنْبَسةَ، عن أبي إسحاقَ، عن التَّمِيميِّ، عن ابن عباسٍ مثلَه.
حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا حَكَّامٌ، عن عمرٍو، عن مُطَرِّفٍ، عن أبي إسحاقَ، عن رجلٍ مِن تَمِيمٍ، عن ابن عباسٍ مثلَه.
حدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليِّ بن أبي طلحةَ، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾. قال: والمُهَيْمِنُ الأمينُ.
ا عبدُ اللَّهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليِّ بن أبي طلحةَ، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾. قال: والمُهَيْمِنُ الأمينُ. قال: القرآنُ أمينٌ على كلِّ كتابٍ قبلَه.
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ﴾: وهو القرآنُ شاهدٌ على التوراةِ والإنْجيلِ، مُصَدِّقًا لهما، ﴿وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾. يعنى: أمينًا عليه، يَحْكُمُ على ما كان قبلَه مِن الكتبِ.
حدَّثنا ابن وَكيعٍ، قال: ثنا حُميدُ بنُ عبدِ الرحمنِ، عن قيسٍ، عن أبي إسحاقَ، عن التَّميميِّ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾. قال: مُؤْتَمَنًا عليه.
حدَّثنا ابن وَكيعٍ، قال: ثنا يحيى بنُ آدمَ، عن زُهيْرٍ، عن أبي إسحاقَ، عن رجلٍ مِن بنى تَمِيمٍ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾.
تَمَنًا عليه.
حدَّثنا ابن وَكيعٍ، قال: ثنا يحيى بنُ آدمَ، عن زُهيْرٍ، عن أبي إسحاقَ، عن رجلٍ مِن بنى تَمِيمٍ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾. قال: مُؤْتَمَنًا عليه.
حدَّثني المثنى، قال: ثنا يحيى الحِمَّانيُّ، قال: ثنا شَرِيكٌ، عن أبي إسحاقَ، عن التَّميميِّ، عن ابن عباسٍ مثلَه.
حدَّثنا هَنَّادٌ، قال: ثنا وَكِيعٌ، وحدَّثنا ابن وَكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سُفيانَ وإسرائيلَ، عن عليِّ بن بَذِيمةَ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ: ﴿وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾. قال: مُؤْتَمَنًا على ما قبلَه مِن الكتبِ.
حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، عن أبي رجاءٍ، قال: سأَلْتُ الحسنَ عن قولِه: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾. قال: مُصَدِّقًا لهذه الكتبِ وأمينًا عليها.
ا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾. قال: مُصَدِّقًا لهذه الكتبِ وأمينًا عليها. وسُئِل عنها عكرمةُ وأنا أَسْمَعُ، فقال: مُؤْتَمَنًا عليه.
وقال آخَرون: معنى المُهَيْمِنِ المُصَدِّقُ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني يونُسُ، قال: أَخْبَرَنا ابن وهبٍ قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾. قال: مُصدِّقًا عليه؛ كلُّ شيءٍ أَنْزَلَهُ اللَّهُ مِن تَوْرَاةٍ أَو إنْجيلٍ أو زَبُورٍ، فالقرآنُ مُصَدِّقٌ على ذلك، وكلُّ شيءٍ ذكَر اللَّهُ في القرآنِ، فهو مُصَدِّقٌ عليها، وعلى ما حُدِّث عنها أنه حقٌّ.
وقال آخَرون: عُنِى بقولِه: ﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾.
مُصَدِّقٌ عليها، وعلى ما حُدِّث عنها أنه حقٌّ.
وقال آخَرون: عُنِى بقولِه: ﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾. نبي اللَّهِ ﷺ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مُجاهدٍ: ﴿وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾: محمدٌ ﷺ مُؤْتَمَنٌ على القرآنِ.
حدَّثنا محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾. قال: محمدٌ ﷺ مُؤْتَمَنٌ على القرآنِ.
فتأويلُ الكلامِ على ما تأوَّله مُجاهدٌ: وأنْزَلْنا الكتابَ مُصَدِّقًا الكتبَ قبلَه إليك، مُهَيْمِنًا عليه. فيكونُ قولُه: ﴿مُصَدِّقًا﴾.
ٌ على القرآنِ.
فتأويلُ الكلامِ على ما تأوَّله مُجاهدٌ: وأنْزَلْنا الكتابَ مُصَدِّقًا الكتبَ قبلَه إليك، مُهَيْمِنًا عليه. فيكونُ قولُه: ﴿مُصَدِّقًا﴾. حالًا مِن "الكتابِ" وبعضًا منه، ويَكونُ التصديقُ مِن صفةِ "الكتابِ"، و "المهيمنُ" حالًا مِن الكافِ التي في ﴿إِلَيْكَ﴾، وهي كِنايةٌ عن ذِكْرِ اسمِ النبيِّ ﷺ، والهاءُ في قولِه: ﴿عَلَيْهِ﴾ عائدةٌ على "الكتابِ".
وهذا التأويلُ بعيدٌ مِن المفهومِ في كلامِ العربِ، بل هو خطأٌ؛ وذلك أن "المهيمنَ" عطفٌ على "المصدِّقِ"، فلا يَكونُ إلا مِن صفةِ ما كان "المُصَدِّقُ" صفةً له، ولو كان معنى الكلامِ ما رُوِى عن مُجاهِدٍ، لقيلَ: وأَنْزَلْنا إليك الكتابَ مُصَدِّقًا لما بينَ يديه مِن الكتابِ مُهَيمنًا عليه.
المُصَدِّقُ" صفةً له، ولو كان معنى الكلامِ ما رُوِى عن مُجاهِدٍ، لقيلَ: وأَنْزَلْنا إليك الكتابَ مُصَدِّقًا لما بينَ يديه مِن الكتابِ مُهَيمنًا عليه. لأنه [لم يَتَقَدَّمْ] مِن صفةِ الكافِ التي في ﴿إِلَيْكَ﴾ بعدَها شيءٌ يكونُ ﴿وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ عطفًا عليه، وإنما عُطِف به على "المصدِّقِ"؛ لأنه مِن صفةِ "الكتابِ" الذي مِن صفتِه "المصدِّقُ".
فإن ظنَّ ظانٌّ أن "المصدِّقَ" على قول مُجاهِدٍ وتأويلِه هذا مِن صفةِ الكافِ التي في ﴿إِلَيْكَ﴾، فإن قولَه: ﴿لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ﴾ يُبْطِلُ أَن يَكُونَ تأويلُ ذلك كذلك، وأن يَكونَ "المُصَدِّقُ" مِن صفة الكافِ التي في ﴿إِلَيْكَ﴾؛ لأن الهاءَ في قولِه: ﴿بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ كنايةُ اسمِ غيرِ المُخاطَبِ، وهو النبيُّ ﷺ في قولِه: ﴿إِلَيْكَ﴾ ولو كان "المصدِّقُ" مِن صفةِ الكافِ لَكان الكلامُ: وأَنْزَلْنا إليك الكتاب مُصَدَّقًا لما بينَ يديك مِن الكتابِ ومُهَيْمِنًا عليه. فيكون معنى الكلامِ حينَئذٍ يكونُ كذلك.
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ﴾.
وهذا أمْرٌ مِن الله تعالى ذكرُه نبيِّه محمدًا ﷺ أَن يَحْكُمَ بين المُحْتَكِمين إليه مِن أهلِ الكتابِ وسائرِ أهلِ المللِ بكتابِه الذي أنْزَله إليه، وهو القرآنُ الذي خصَّه
بشَريعتِه، يقولُ له تعالى ذكرُه: احْكُمْ يا محمدُ بينَ أهلِ الكتابِ والمشركين بما أُنزِل إليك مِن كتابي وأحكامي، في كلِّ ما احتَكَموا فيه إليك مِن الحدودِ والجُرُوحِ، والقَوَدِ والنفوسِ، فارْجُم الزانيَ المُحْصَنَ، واقْتُل النفسَ القاتلةَ بالنفسِ المقتولةِ ظلمًا وافْقَأَ العينَ بالعينِ، واجْدَعِ الأنفَ بالأنفِ، فإنى أنْزَلْتُ إِليك القرآنَ مُصَدِّقًا في ذلك ما بينَ يديه مِن الكُتُبِ، ومُهَيْمِنًا عليه، رَقِيبًا يَقْضِى على ما قبلَه مِن سائرِ الكتبِ قبلَه، ولا تَتَّبِعْ أهواءَ هؤلاء اليهودِ الذين يقولون: إن أُوتِيتُم الجلدَ في الزاني المُحْصَنِ دونَ الرجْمِ، وقتلَ الوَضيعِ بالشَّريفِ إذا
رِ الكتبِ قبلَه، ولا تَتَّبِعْ أهواءَ هؤلاء اليهودِ الذين يقولون: إن أُوتِيتُم الجلدَ في الزاني المُحْصَنِ دونَ الرجْمِ، وقتلَ الوَضيعِ بالشَّريفِ إذا قتَله، وتركَ قتلِ الشريفِ بالوَضيعِ إذا قتَله فخُذُوه، وإن لم تُؤْتَؤه فاحْذَروا - عن الذي جاءَك مِن عندِ اللَّهِ مِن الحقِّ، وهو كتابُ اللَّهِ الذي أَنْزَلَه إليك. يقولُ له: اعْمَلْ بكتابى الذي أَنْزَلْتُه إليك إذا احْتَكَموا إليك فاخْتَرتَ الحكمَ عليهم، ولا تَتْرُكَنَّ العملَ بذلك اتِّباعًا منك أهواءَهم، وإيثارًا لها على الحقِّ الذي أنْزَلْتُه إليك في كتابى.
كما حدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليِّ بن أبي طلحةَ، عن ابن عباسٍ: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾. يقولُ: بحدودِ اللَّهِ، ﴿وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ﴾.
حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا هارونُ، عن عَنْبَسةَ، عن جابرٍ، عن عامرٍ، عن مَسْروقٍ أنه كان يُحلِّفُ اليهوديَّ والنصرانيَّ باللَّهِ.
َ مِنَ الْحَقِّ﴾.
حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا هارونُ، عن عَنْبَسةَ، عن جابرٍ، عن عامرٍ، عن مَسْروقٍ أنه كان يُحلِّفُ اليهوديَّ والنصرانيَّ باللَّهِ. ثم قرَأ: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾، وأَنْزَل اللَّهُ أَلَّا يُشْرِكُوا به شيئًا.
القولُ في تأويلِ قوله: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: لكلِّ قومٍ منكم جعَلْنا شِرْعةً. والشِّرْعةُ هي الشَّرِيعةُ بعينِها، تُجْمَعُ الشِّرعةُ شِراعًا، والشريعةُ شَرائعَ، ولو جُمِعَت الشرعةُ شَرائع كان صَوابًا؛ لأن معناها ومعنى الشريعةُ واحدٌ، فيَرُدُّها عندَ الجمعِ إلى لفظِ نظيرِها. وكلُّ ما شرَعْتَ فيه مِن شيءٍ فهو شَريعةٌ، ومن ذلك قيل لشَريعةِ الماءِ: شَريعةٌ. لأنه يُشْرَعُ منها إلى الماءِ، ومنه سُمِّيَت شَرائعُ الإسلامِ شَرائعَ؛ لشُروعِ أهله فيه، ومنه قيل للقومِ إذا تَساوَوْا في الشيءِ: هم شَرَعٌ سَواءٌ.
وأما المِنْهاجُ، فإن أصلَه الطريقُ البيِّنُ الواضحُ، يقالُ منه: هو طريقٌ نَهْجٌ ومَنْهجٌ.
ومنه قيل للقومِ إذا تَساوَوْا في الشيءِ: هم شَرَعٌ سَواءٌ.
وأما المِنْهاجُ، فإن أصلَه الطريقُ البيِّنُ الواضحُ، يقالُ منه: هو طريقٌ نَهْجٌ ومَنْهجٌ. بيِّنٌ، كما قال الراجزُ:
مَن يَكُ في شَكٍّ فهذا فَلْجُ
ماءٌ رَوَاءٌ وطَريقٌ نَهْجُ
ثم يُسْتَعْمَلُ في كلِّ شيءٍ كان بيِّنًا واضحًا سهلًا.
فمعنى الكلامِ: لكلِّ قومٍ منكم جعَلْنا طريقًا إلى الحقِّ يَؤُمُّه، وسبيلًا واضحًا يَعْمَلُ به.
ثم اختَلَف أهلُ التأويلِ في المعنيِّ بقولِه: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ﴾؛ فقال بعضُهم: عَنى بذلك أهلَ المللِ المختلفةِ. أيْ أن اللَّهَ جعَل لكلِّ مِلَّةٍ شريعةً ومِنْهاجًا.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يَزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿لِكُلٍّ
جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾. يقولُ: سبيلًا وسُنَّةً.
َّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أَخْبَرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عن قَتادةَ قولَه: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾. قال: الدينُ واحدٌ والشريعةُ مختلفةٌ.
حدَّثنا المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ هاشمٍ، قال: أَخْبَرَني سيفُ بن عُمَرَ، عن أبي رَوْقٍ، عن أبي أيوبَ، عن عليٍّ، قال: الإيمانُ منذُ بعَثَ اللَّهُ تعالى ذكرُه آدمَ ﷺ شهادةُ ألا إلهَ إلا اللَّهُ، والإقْرارُ بما جاء مِن عندِ اللَّهِ، لكلِّ قومٍ ما جاءَهم مِن شِرْعةٍ أو مِنْهاجٍ، فلا يَكونُ المقرُّ تاركًا، ولكنه مُطِيعٌ.
وقال آخَرون: بل عَنَى بذلك أمَّةَ محمدٍ ﷺ.
مِن عندِ اللَّهِ، لكلِّ قومٍ ما جاءَهم مِن شِرْعةٍ أو مِنْهاجٍ، فلا يَكونُ المقرُّ تاركًا، ولكنه مُطِيعٌ.
وقال آخَرون: بل عَنَى بذلك أمَّةَ محمدٍ ﷺ. وقالوا: إنما معنى الكلامِ: قد جعَلْنا الكتابَ الذي أنْزَلْناه إلى نبيِّنا محمدٍ ﷺ أيُّها الناسُ لكلِّكم؛ أي لكلِّ مَن دخَل في الإسلامِ، وأقرَّ بمحمدٍ ﷺ أنه لى نبيٌّ، شرعةً ومنهاجًا.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيْجٍ، عن مُجاهدٍ قولَه: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾. قال: سُنةً ومِنْهاجًا، السبيلَ
لكلِّكم، مِن دخَل في دينِ محمدٍ ﷺ فقد جعَل اللَّهُ له شرعةً ومنهاجًا. يقولُ: القرآنُ هو له شِرْعةٌ ومِنْهاجٌ.
وأولى القولين في ذلك عندى بالصوابِ قولُ مَن قال: معناه: لكلِّ أهلِ ملةٍ منكم أيُّها الأممُ جعَلْنا شِرعةً ومنهاجًا.
وإنما قلنا: ذلك أولى بالصواب؛ لقولِه: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾.
ِّ أهلِ ملةٍ منكم أيُّها الأممُ جعَلْنا شِرعةً ومنهاجًا.
وإنما قلنا: ذلك أولى بالصواب؛ لقولِه: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾. ولو كان عَنَى بقولِه: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ﴾ أمّةَ محمدٍ - وهم أمّةٌ واحدةٌ - لم يكنْ لقولِه: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ - وقد فعَل ذلك فجَعَلَهم أمةً واحدةً - معنًى مفهومٌ، ولكنْ معنى ذلك على ما جرَى به الخطابُ مِن اللَّهِ لنبيِّه محمدٍ ﷺ أنه ذكَر ما كتَب على بني إسرائيلَ في التوراةِ، وتقَدَّم إليهم فيها بالعملِ بما فيها، ثم ذكر أنه قفَّى بعيسى ابن مريمَ على آثارِ الأنبياءِ قبلَه، وأَنْزَل عليه الإنجيلَ، وأمَر مَن بعَثه إليه بالعملِ بما فيه، ثم ذكَر نبيَّنا محمدًا ﷺ، وأَخْبَرَه أنه أنْزَل إليه الكتابَ مُصَدِّقًا لما بينَ يديه مِن الكتابِ، وأمَرَه بالعملِ بما فيه، والحكمِ بما أنْزَل إليه فيه دونَ ما في سائرِ الكتبِ غيرِه، وأعْلَمَه أنه قد جعَل له ولأمتِه شَريعةً غيرَ شرائعِ الأنبياءِ والأممِ قبلَه الذين
بما فيه، والحكمِ بما أنْزَل إليه فيه دونَ ما في سائرِ الكتبِ غيرِه، وأعْلَمَه أنه قد جعَل له ولأمتِه شَريعةً غيرَ شرائعِ الأنبياءِ والأممِ قبلَه الذين قصَّ عليه قَصصَهم، وإن كان دينُه ودينُهم في توحيدِ اللَّهِ، والإقرارِ بما جاءَهم به مِن عندِه، والانتهاءِ إلى أمْرِه ونهيِه - واحدًا، فهم مُختلِفو الأحوالِ فيما شُرع لكلِّ واحدٍ منهم ولأمتِه فيما أُحِلَّ لهم وحُرِّم عليهم.
وبنحوِ الذي قلنا في "الشرعةِ" و "المنهاجِ" مِن التأويلِ قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابن بَشَّارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ مَهْديٍّ، قال: ثنا مِسْعَرٌ، عن أبي إسحاقَ، عن التَّميميِّ، عن ابن عباسٍ: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾. قال: سنةً وسبيلًا.
حدَّثنا هَنَّادٌ، قال: ثنا وَكيعٌ، عن سفيانَ وإسرائيلَ، عن أبي إسحاقَ، عن التَّميميِّ، عن ابن عباسٍ: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾.
َثنا هَنَّادٌ، قال: ثنا وَكيعٌ، عن سفيانَ وإسرائيلَ، عن أبي إسحاقَ، عن التَّميميِّ، عن ابن عباسٍ: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾. قال: سنةً وسبيلًا.
حدَّثنا ابن وَكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سفيانَ وإسرائيلَ وأبيه، عن أبي إسحاقَ عن التَّميميِّ، عن ابن عباسٍ مثلَه.
حدَّثنا هَنَّادٌ، قال: ثنا أبو يحيى الرازيُّ، عن أبي شَيْبَانَ، عن أبي إسحاقَ، عن يحيى بن وَثَّابٍ، قال: سأَلْتُ ابن عباسٍ عن قولِه: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾. قال: سنةً وسبيلًا.
حدَّثنا أبو كُرَيْب، قال: ثنا ابن عطيةَ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن أبي إسحاقَ، عن التميميِّ، عن ابن عباسٍ: ﴿شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾.
﴾. قال: سنةً وسبيلًا.
حدَّثنا أبو كُرَيْب، قال: ثنا ابن عطيةَ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن أبي إسحاقَ، عن التميميِّ، عن ابن عباسٍ: ﴿شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾. قال: سنةً وسبيلًا.
حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا حَكَّامٌ، عن عمرٍو، عن مُطَرِّفٍ، عن أبي إسحاقَ عن رجلٍ مِن بني تَميمٍ، عن ابن عباسٍ بمثلِه.
حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا حَكَّامٌ، عن عَنْبَسةَ، عن أبي إسحاقَ، عن التميميِّ، عن ابن عباسٍ مثلَه.
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾.
ه.
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾. يعنى: سبيلًا وسنةً.
حدَّثنا ابن وَكيعٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ هارونَ، عن سفيانَ بن حسينٍ، قال: سمِعْتُ الحسنَ يقولُ: الشرعةُ السنةُ.
حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا عبيدُ اللَّهِ بنُ موسى، عن إسرائيلَ، عن أبي يحيى القَتَّاتِ، عن مُجاهدٍ، قال: سنةً وسبيلًا.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مُجاهدٍ في قولِ اللَّهِ تعالى ذكرُه: ﴿شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾. قال: الشِّرعةُ السنةُ، ﴿وَمِنْهَاجًا﴾. قال: السبيلُ.
حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مُجاهدٍ بنحوِه.
حدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليِّ بن أبى طلحةَ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾.
نا عبدُ اللَّهِ بنُ صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليِّ بن أبى طلحةَ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾. يقولُ: سبيلًا وسنةً.
حدَّثني المثنى، قال: ثنا الحَوْضيُّ، قال: ثنا شعبةُ، قال: ثنا أبو إسحاقَ، قال: سمِعْتُ رجلًا مِن بني تَميمٍ، عن ابن عباسٍ بنحوِه.
حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا أسْباطُ، عن السدِّيِّ: ﴿شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾. يقولُ: سبيلًا وسنةً.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُرَيْجٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ، قال: السنةُ والسبيلُ.
حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾. يقولُ: سبيلًا وسنةً.
حُدِّثْتُ عن الحسينِ بن الفرجِ، قال: سمِعْتُ أبا مُعاذٍ الفضلَ بنَ خالدٍ، قال: أخْبرَني عُبيدُ بنُ سليمانَ قال: سمِعْتُ الضَّحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾. قال: سبيلًا وسنةً.
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: ولو شاء ربُّكم لجعَل شَرائعَكم واحدةً، ولم يَجْعَلْ لكلِّ أمةٍ شريعةً ومِنْهَاجًا غيرَ شَرائعِ الأممِ الأُخرِ ومِنْهَاجهم، فكنتم تكونون أمةً واحدةً، لا تَخْتَلِفُ شَرائعُكم ومَناهِجُكم، ولكنه تعالى ذكرُه يَعْلَمُ ذلك، فخالَف بينَ
شَرائعِكم ليَخْتَبِرَكم، فيَعْرِفَ المُطيعَ منكم مِن العاصي، والعاملَ بما أمَرَه في الكتابِ الذي أنْزَله إلى نبيِّه ﷺ مِن المُخالِفِ.
والابتلاءُ هو الاختِبارُ. وقد بَيَّنْتُ ذلك بشَواهدِه فيما مضَى قبلُ.
وقولُه: ﴿مَا آتَاكُمْ﴾. يعنى: فيما أنزَل عليكم مِن الكتبِ.
كما حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُرَيْجٍ: ﴿وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ﴾. قال عبدُ اللَّهِ بنُ كَثِيرٍ: لا أَعلَمُه إلا قال: ليَبْلُوَكم فيما آتاكم مِن الكتبِ.
فإن قال قائلٌ: وكيف قال: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ﴾؟
ْ﴾. قال عبدُ اللَّهِ بنُ كَثِيرٍ: لا أَعلَمُه إلا قال: ليَبْلُوَكم فيما آتاكم مِن الكتبِ.
فإن قال قائلٌ: وكيف قال: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ﴾؟ ومَن المُخاطَبُ بذلك وقد ذكَرْتَ أن المعنيَّ: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ نبيُّنا مع الأنبياءِ الذين مضَوْا قبلَه وأممِهم، و الذين قبلَ نبيِّنا ﷺ على حِدَةٍ؟
قيل: إن الخطابَ وإن كان لنبيِّنا ﷺ، فإنه قد أُرِيد به الخبرُ عن الأنبياءِ قبلَه وأممِهم، ولكنَّ العربَ مِن شأنِها إذا خاطَبَت إنسانًا وضمَّت إليه غائبًا، فأرادت الخبرَ عنه، أن تُغَلِّبَ المُخاطَبَ، فيَخْرُجَ الخبرُ عنهما على وجهِ الخطابِ، فلذلك قال تعالى ذكرُه: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾.
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ
بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (٤٨)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: فبادِروا أيُّها الناسُ إلى الصالحاتِ مِن الأعمالِ والقُرَبِ إلى ربِّكم، بإدْمانِ العملِ بما في كتابِكم الذي أنزَله إلى نبيِّكم، فإنه إنما أَنْزَله امْتحانًا لكم وابتلاءً؛ ليَتَبَيَّنَ المُحْسِنُ منكم مِن المُسِئ، فيُجازِىَ جميعَكم على عملِه عندَ مَصيرِكم إليه، فإن إليه مصيرَكم جميعًا، فيُخْبرَ كلَّ فريقٍ منكم بما كان يُخالِفُ فيه الفرقَ الأُخرى، فيَفْصِلَ بينَهم بفصلِ القَضاءِ، ويُبيَن المحقَّ بمجازاتِه إياه بجَنّاتِه، مِن المسئِ، بعقابِه إياه بالنارِ، فيَتَبَيَّن حينَئذٍ كلُّ حزبٍ عِيانًا، المُحِقُّ منهم مِن المُبْطِلِ.
فإن قال قائلٌ: أَوَ لم يُنَبِّئْنا ربُّنا في الدنيا قبلَ مَرْجِعِنا إليه ما نحن فيه مُخْتَلِفون؟
ئذٍ كلُّ حزبٍ عِيانًا، المُحِقُّ منهم مِن المُبْطِلِ.
فإن قال قائلٌ: أَوَ لم يُنَبِّئْنا ربُّنا في الدنيا قبلَ مَرْجِعِنا إليه ما نحن فيه مُخْتَلِفون؟
فقيل: إنه بيَّن ذلك في الدنيا بالرسلِ والأدلةِ والحُجَجِ، دونَ الثوابِ والعقابِ عِيانًا، فمُصَدِّقٌ بذلك ومُكَذِّبٌ، وأما عند المَرْجِعِ إليه، فإنه يُنَبِّئُهم بذلك بالمُجازاةِ التي لا يشُكُّون معها في معرفةِ المُحِقِّ والمُبْطِلِ، ولا يَقْدِرون على إدْخال اللَّبْسِ معها على أنفسِهم، فكذلك خبرُه تعالى ذكرُه أنه يُنبِّئُنا عندَ المرجِعِ إليه بما كنا فيه نَخْتَلِفُ في الدنيا، وإنما معنى ذلك: إلى اللَّهِ مَرْجِعُكم جميعًا، فتَعْرِفون المُحِقَّ حينئذٍ مِن المُبطِلِ منكم.
كما حدَّثنا ابن وَكيعٍ، قال: ثنا زيدُ بنُ حُبابٍ، عن أبي سنانٍ، قال: سَمِعْتُ الضَّحاكَ يقولُ: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا﴾. قال: أمةُ محمدٍ ﷺ، البَرُّ والفاجرُ.
ْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ (٤٩) أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٥٠)﴾
لما ذكر تعالى التوراة التي أنزلها الله على موسى كليمه [﵇] ومدحها وأثنى عليها، وأمر باتباعها حيث كانت سائغة الاتباع، وذكر الإنجيل ومدحه، وأمر أهله بإقامته واتباع ما فيه، كما تقدم بيانه، شرع تعالى في ذكر القرآن العظيم، الذي أنزله على عبده ورسوله الكريم، فقال: (وَأَنزلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ) أي: بالصدق الذي لا ريب فيه أنه من عند الله، (مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ) أي: من الكتب المتقدمة المتضمنة ذكْرَه ومَدْحَه، وأنه سينزل من عند الله على عبده ورسوله محمد ﷺ، فكان نزوله كما أخبرت به، مما زادها صدقًا عند حامليها من ذوي البصائر، الذين انقادوا لأمر الله واتبعوا شرائع الله، وصدقوا رسل الله، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّدًا *
ائع الله، وصدقوا رسل الله، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّدًا * وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولا﴾ [الإسراء: ١٠٧، ١٠٨] أي: إن كان ما وعدنا الله على ألسنة الرسل المتقدمين، من مجيء محمد، ﵇، ﴿لَمَفْعُولا﴾ أي: لكائنًا لا محالة ولا بد.
وقوله: (وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ) قال سفيان الثوري وغيره، عن أبي إسحاق، عن التميمي، عن ابن عباس، أي: مؤتمنًا عليه. وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: المهيمن: الأمين، قال: القرآن أمين على كل كتاب قبله.
وروي عن عِكْرِمَة، وسعيد بن جُبَيْر، ومجاهد، ومحمد بن كعب، وعطية، والحسن، وقتادة، وعطاء الخراساني، والسُّدِّي، وابن زيد، نحو ذلك.
وقال ابن جريج: القرآن أمين على الكتب المتقدمة، فما وافقه منها فهو حق، وما خالفه منها فهو باطل.
وعن الوالبي، عن ابن عباس: (وَمُهَيْمِنًا) أي: شهيدًا.
وقال ابن جريج: القرآن أمين على الكتب المتقدمة، فما وافقه منها فهو حق، وما خالفه منها فهو باطل.
وعن الوالبي، عن ابن عباس: (وَمُهَيْمِنًا) أي: شهيدًا. وكذا قال مجاهد، وقتادة، والسُّدِّي.
وقال العَوْفِي عن ابن عباس: (وَمُهَيْمِنًا) أي: حاكمًا على ما قبله من الكتب.
وهذه الأقوال كلها متقاربة المعنى، فإن اسم "المهيمن" يتضمن هذا كله، فهو أمين وشاهد وحاكم على كل كتاب قبله، جعل الله هذا الكتاب العظيم، الذي أنزله آخر الكتب وخاتمها، أشملها وأعظمها وأحكمها حيث جمع فيه محاسن ما قبله، وزاده من الكمالات ما ليس في غيره؛ فلهذا جعله شاهدًا وأمينًا وحاكمًا عليها كلها.
آخر الكتب وخاتمها، أشملها وأعظمها وأحكمها حيث جمع فيه محاسن ما قبله، وزاده من الكمالات ما ليس في غيره؛ فلهذا جعله شاهدًا وأمينًا وحاكمًا عليها كلها. وتكفل تعالى بحفظه بنفسه الكريمة، فقال [تعالى] ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩].
فأما ما حكاه ابن أبي حاتم، عن عكرمة، وسعيد بن جبير، وعطاء الخراساني، وابن أبي نَجيح عن مجاهد؛ أنهم قالوا في قوله: (وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ) يعني: محمدًا ﷺ أمين على القرآن، فإنه صحيح في المعنى، ولكن في تفسير هذا بهذا نظر، وفي تنزيله عليه من حيث العربية أيضًا نظر. وبالجملة فالصحيح الأول، قال أبو جعفر بن جرير، بعد حكايته له عن مجاهد: وهذا التأويل بعيد من المفهوم في كلام العرب، بل هو خطأ، وذلك أن "المهيمن" عطف على "المصدق"، فلا يكون إلا من صفة ما كان "المصدق" صفة له. قال: ولو كان كما قال مجاهد لقال: "وأنزلنا إليك الكتاب مُصدقا لما بين يديه من الكتاب مهيمنا عليه".
لمصدق"، فلا يكون إلا من صفة ما كان "المصدق" صفة له. قال: ولو كان كما قال مجاهد لقال: "وأنزلنا إليك الكتاب مُصدقا لما بين يديه من الكتاب مهيمنا عليه". يعني من غير عطف.
وقوله: (فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزلَ اللَّهُ) أي: فاحكم يا محمد بين الناس: عَرَبهم وعجمهم، أُميهم وكتابيهم (بِمَا أَنزلَ اللَّهُ) إليك في هذا الكتاب العظيم، وبما قرره لك من حكم من كان قبلك من الأنبياء ولم ينسخه في شرعك. هكذا وجهه ابن جرير بمعناه.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن عمار، حدثنا سعيد بن سليمان، حدثنا عباد بن العوام، عن سفيان بن حسين، عن الحكم، عن مجاهد، عن ابن عباس قال: كان النبي ﷺ مخيرًا، إن شاء حكم بينهم، وإن شاء أعرض عنهم.
سعيد بن سليمان، حدثنا عباد بن العوام، عن سفيان بن حسين، عن الحكم، عن مجاهد، عن ابن عباس قال: كان النبي ﷺ مخيرًا، إن شاء حكم بينهم، وإن شاء أعرض عنهم. فردهم إلى أحكامهم، فنزلت: (وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ) فأمر رسول الله ﷺ أن يحكم بينهم بما في كتابنا.
وقوله: (وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ) أي: آراءهم التي اصطلحوا عليها، وتركوا بسببها ما أنزل الله على رسوله؛ ولهذا قال: (وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ) أي: لا تنصرف عن الحق الذي أمرك الله به إلى أهواء هؤلاء من الجهلة الأشقياء.
وقوله: (لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا) قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا أبو خالد الأحمر، عن يوسف بن أبي إسحاق، عن أبيه، عن التميمي، عن ابن عباس: (لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً) قال: سبيلا.
وحدثنا أبو سعيد، حدثنا وَكِيع، عن سفيان، عن أبي إسحاق، عن التميمي، عن ابن عباس: (وَمِنْهَاجًا) قال: وسنة.
ٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً) قال: سبيلا.
وحدثنا أبو سعيد، حدثنا وَكِيع، عن سفيان، عن أبي إسحاق، عن التميمي، عن ابن عباس: (وَمِنْهَاجًا) قال: وسنة. وكذا روى العَوْفِيّ، عن ابن عباس: (شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا) سبيلا وسنة.
وكذا رُوي عن مجاهد وعكرمة، والحسن البصري، وقتادة، والضحاك، والسُّدِّي، وأبي إسحاق السبيعي؛ أنهم قالوا في قوله: (شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا) أي: سبيلا وسنة.
وعن ابن عباس ومجاهد أيضًا وعطاء الخراساني عكسه: (شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا) أي: سنة وسبيلا والأول أنسب، فإن الشرعة وهي الشريعة أيضا، هي ما يبتدأ فيه إلى الشيء ومنه يقال: "شرع في كذا" أي: ابتدأ فيه. وكذا الشريعة وهي ما يشرع منها إلى الماء.
ا والأول أنسب، فإن الشرعة وهي الشريعة أيضا، هي ما يبتدأ فيه إلى الشيء ومنه يقال: "شرع في كذا" أي: ابتدأ فيه. وكذا الشريعة وهي ما يشرع منها إلى الماء. أما "المنهاج": فهو الطريق الواضح السهل، والسنن: الطرائق، فتفسير قوله: (شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا) بالسبيل والسنة أظهر في المناسبة من العكس، والله أعلم.
ثم هذا إخبار عن الأمم المختلفة الأديان، باعتبار ما بعث الله به رسله الكرام من الشرائع المختلفة في الأحكام، المتفقة في التوحيد، كما ثبت في صحيح البخاري، عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: "نحن معاشر الأنبياء إخوة لعلات، ديننا واحد" يعني بذلك التوحيد، الذي بعث الله به كل رسول أرسله، وضمنه كل كتاب أنزله، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٢٥] وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ الآية [النحل: ٣٦]، وأما الشرائع فمختلفة في الأوامر
ى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ الآية [النحل: ٣٦]، وأما الشرائع فمختلفة في الأوامر والنواهي، فقد يكون الشيء في هذه الشريعة حراما ثم يحل في الشريعة الأخرى، وبالعكس، وخفيفًا فيزاد في الشدة في هذه دون هذه. وذلك لما له تعالى في ذلك من الحكمة البالغة، والحجة الدامغة.
قال سعيد بن أبي عَرُوبَة، عن قتادة: قوله: (لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا) يقول: سبيلا وسنة، والسنن مختلفة: هي في التوراة شريعة، وفي الإنجيل شريعة، وفي الفرقان شريعة، يحل الله فيها ما يشاء، ويحرم ما يشاء، ليعلم من يطيعه ممن يعصيه، والدين الذي لا يقبل الله غيره: التوحيد والإخلاص لله، الذي جاءت به الرسل.
وقيل: المخاطب بهذا هذه الأمة، ومعناه: (لِكُلٍّ جَعَلْنَا) القرآن (مِنْكُمْ) أيتها الأمة (شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا) أي: هو لكم كلكم، تقتدون به.
به الرسل.
وقيل: المخاطب بهذا هذه الأمة، ومعناه: (لِكُلٍّ جَعَلْنَا) القرآن (مِنْكُمْ) أيتها الأمة (شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا) أي: هو لكم كلكم، تقتدون به. وحُذف الضمير المنصوب في قوله: (لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ) أي: جعلناه، يعني القرآن، (شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا) أي: سبيلا إلى المقاصد الصحيحة، وسنة أي: طريقًا ومسلكًا واضحًا بينًا.
هذا مضمون ما حكاه ابن جرير عن مجاهد، ﵀، والصحيح القول الأول، ويدل على ذلك قوله تعالى: (وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً) فلو كان هذا خطابًا لهذه الأمة لما صح أن يقول: (وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً) وهم أمة واحدة، ولكن هذا خطاب لجميع الأمم، وإخبار عن قدرته تعالى العظيمة التي لو شاء لجمع الناس كلهم على دين واحد وشريعة واحدة، لا ينسخ شيء منها.
َةً) وهم أمة واحدة، ولكن هذا خطاب لجميع الأمم، وإخبار عن قدرته تعالى العظيمة التي لو شاء لجمع الناس كلهم على دين واحد وشريعة واحدة، لا ينسخ شيء منها. ولكنه تعالى شرع لكل رسول شرْعة على حدَة، ثم نسخها أو بعضها برسالة الآخر الذي بعده حتى نسخ الجميع بما بعث به عبده ورسوله محمدًا ﷺ الذي ابتعثه إلى أهل الأرض قاطبة، وجعله خاتم الأنبياء كلهم؛ ولهذا قال تعالى: (وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ) أي: أنه تعالى شرع الشرائع مختلفة، ليختبر عباده فيما شرع لهم، ويثيبهم أو يعاقبهم على طاعته ومعصيته بما فعلوه أو عزموا عليه من ذلك كله.
وقال عبد الله بن كثير: (فِي مَا آتَاكُمْ) يعني: من الكتاب.
ثم إنه تعالى ندبهم إلى المسارعة إلى الخيرات والمبادرة إليها، فقال: (فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ) وهي طاعة الله واتباع شرعه، الذي جعله ناسخًا لما قبله، والتصديق بكتابه القرآن الذي هو آخر كتاب أنزله.
لمبادرة إليها، فقال: (فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ) وهي طاعة الله واتباع شرعه، الذي جعله ناسخًا لما قبله، والتصديق بكتابه القرآن الذي هو آخر كتاب أنزله.
ثم قال تعالى: (إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا) أي: معادكم أيها الناس ومصيركم إليه يوم القيامة (فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ) أي: فيخبركم بما اختلفتم فيه من الحق، فيجزي الصادقين بصدقهم، ويعذب الكافرين الجاحدين المكذبين بالحق، العادلين عنه إلى غيره بلا دليل ولا برهان، بل هم معاندون للبراهين القاطعة، والحجج البالغة، والأدلة الدامغة.
وقال الضحاك: (فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ) يعني: أمة محمد ﷺ.
غيره بلا دليل ولا برهان، بل هم معاندون للبراهين القاطعة، والحجج البالغة، والأدلة الدامغة.
وقال الضحاك: (فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ) يعني: أمة محمد ﷺ. والأظهر الأول.
وقوله: (وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ) تأكيد لما تقدم من الأمر بذلك، والنهي عن خلافه.
ثم قال [تعالى] (وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنزلَ اللَّهُ إِلَيْكَ) أي: احذر أعداءك اليهود أن يدلسوا عليك الحق فيما يُنْهُونه إليك من الأمور، فلا تغتر بهم، فإنهم كَذبة كَفَرة خونة. (فَإِنْ تَوَلَّوْا) أي: عما تحكم به بينهم من الحق، وخالفوا شرع الله (فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ) أي: فاعلم أن ذلك كائن عن قَدر الله وحكمته فيهم أن يصرفهم عن الهدى لما عليهم من الذنوب السالفة التي اقتضت إضلالهم ونكالهم.
َهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ) أي: فاعلم أن ذلك كائن عن قَدر الله وحكمته فيهم أن يصرفهم عن الهدى لما عليهم من الذنوب السالفة التي اقتضت إضلالهم ونكالهم. (وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ) أي: أكثر الناس خارجون عن طاعة ربهم، مخالفون للحق ناؤون عنه، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [يوسف: ١٠٣]. وقال تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الآية] [الأنعام: ١١٦].
وقال محمد بن إسحاق: حدثني محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت، حدثني سعيد بن جبير أو عكرمة، عن ابن عباس قال: قال كعب بن أسد، وابن صلوبا، وعبد الله بن صوريا، وشاس
بن قيس، بعضهم لبعض: اذهبوا بنا إلى محمد، لعلنا نفتنه عن دينه! فأتوه، فقالوا: يا محمد، إنك قد عرفت أنا أحبار يهود وأشرافهم وساداتهم، وإنا إن اتبعناك اتبعنا يهود ولم يخالفونا، وإن بيننا وبين قومنا خصومة فنحاكمهم إليك، فتقضي لنا عليهم، ونؤمن لك، ونصدقك!
أحبار يهود وأشرافهم وساداتهم، وإنا إن اتبعناك اتبعنا يهود ولم يخالفونا، وإن بيننا وبين قومنا خصومة فنحاكمهم إليك، فتقضي لنا عليهم، ونؤمن لك، ونصدقك! فأبى ذلك رسول الله ﷺ، فأنزل الله، ﷿، فيهم: (وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنزلَ اللَّهُ إِلَيْكَ) إلى قوله: (لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ) رواه ابن جرير، وابن أبي حاتم.
وقوله: (أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ) ينكر تعالى على من خرج عن حكم الله المُحْكَم المشتمل على كل خير، الناهي عن كل شر وعدل إلى ما سواه من الآراء والأهواء والاصطلاحات، التي وضعها الرجال بلا مستند من شريعة الله، كما كان أهل الجاهلية يحكمون به من الضلالات والجهالات، مما يضعونها بآرائهم وأهوائهم، وكما يحكم به التتار من السياسات الملكية المأخوذة عن ملكهم جنكزخان، الذي وضع لهم اليَساق وهو عبارة عن كتاب مجموع من أحكام قد اقتبسها عن
رائهم وأهوائهم، وكما يحكم به التتار من السياسات الملكية المأخوذة عن ملكهم جنكزخان، الذي وضع لهم اليَساق وهو عبارة عن كتاب مجموع من أحكام قد اقتبسها عن شرائع شتى، من اليهودية والنصرانية والملة الإسلامية، وفيها كثير من الأحكام أخذها من مجرد نظره وهواه، فصارت في بنيه شرعًا متبعًا، يقدمونها على الحكم بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ. ومن فعل ذلك منهم فهو كافر يجب قتاله، حتى يرجع إلى حكم الله ورسوله [ﷺ] فلا يحكم سواه في قليل ولا كثير، قال الله تعالى: (أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ) أي: يبتغون ويريدون، وعن حكم الله يعدلون.
ى حكم الله ورسوله [ﷺ] فلا يحكم سواه في قليل ولا كثير، قال الله تعالى: (أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ) أي: يبتغون ويريدون، وعن حكم الله يعدلون. (وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ) أي: ومن أعدل من الله في حكمه لمن عَقل عن الله شرعه، وآمن به وأيقن وعلم أنه تعالى أحكم الحاكمين، وأرحم بخلقه من الوالدة بولدها، فإنه تعالى هو العالم بكل شيء، القادر على كل شيء، العادل في كل شيء.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا هلال بن فياض، حدثنا أبو عبيدة الناجي قال: سمعت الحسن يقول: من حكم بغير حكم الله، فحكم الجاهلية [هو]
وأخبرنا يونس بن عبد الأعلى قراءة، حدثنا سفيان بن عيينة، عن ابن أبي نَجِيح قال: كان طاوس إذا سأله رجل: أفضِّل بين ولدي في النحْل؟
، فحكم الجاهلية [هو]
وأخبرنا يونس بن عبد الأعلى قراءة، حدثنا سفيان بن عيينة، عن ابن أبي نَجِيح قال: كان طاوس إذا سأله رجل: أفضِّل بين ولدي في النحْل؟ قرأ: (أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ [وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ])
وقال الحافظ أبو القاسم الطبراني: حدثنا أحمد بن عبد الوهاب بن نَجْدة الخوطي، حدثنا أبو اليمان الحكم بن نافع، أخبرنا شعيب بن أبي حمزة، عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي حسين، عن نافع بن جبير، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: "أبغض الناس إلى الله، ﷿ ومبتغ في الإسلام سنة الجاهلية، وطالب دم امرئ بغير حق ليُرِيق دمه". وروى البخاري، عن أبي اليمان بإسناده نحوه.