Maka Kami kabulkan (doa)nya, lalu Kami lenyapkan penyakit yang ada padanya dan Kami kembalikan keluarganya kepadanya, dan (Kami lipat gandakan jumlah mereka), sebagai suatu rahmat dari Kami, dan untuk menjadi peringatan bagi semua yang menyembah Kami
رْ أيوبَ يا محمدُ إذ نادَى رَبَّه وقد مسَّه الضرُّ والبلاءُ: ربِّ ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾.
﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فاستَجَبنا لأيوبَ دعاءَه إذ نادانا، فكَشَفنا ما كان به مِن ضُرٍّ وبلاءٍ وجَهْدٍ.
وكان الضُّرُّ الذي أصابَه، والبلاءُ الذي نزَل به، امْتِحانًا من اللهِ له واخْتِبارًا.
وكان سبَبَ ذلك كما حدَّثني محمدُ بنُ سَهْلِ بن عَسْكَرٍ البخاريُّ، قال: ثنا
إسماعيلُ بنُ عبدِ الكريمِ أبو هشامِ، قال: ثنى عبدُ الصمدِ بنُ مَعْقِلٍ، قال: سمِعتُ وهبَ بنَ منبِّهٍ يقولُ: كان بَدءُ أَمْرِ أيوبَ الصديقِ صلواتُ اللهِ عليه، أنه كان صابرًا، نِعْمَ العبدٌ، قال وهبٌ: إن لجبريلَ بينَ يديِ اللهِ مقامًا ليس لأحدٍ من الملائكةِ في القُرْبةِ من اللهِ والفضيلةِ عندَه، وإن جبريلَ هو الذي يتلَقَّى الكلامَ، فإذا ذكَر اللهُ عبدًا بخيرٍ، تلقَّاه منه جبريلُ، ثم تلقَّاه ميكائيلُ، وحَوْلَه الملائكةُ المقرَّبون حافِّينَ من حولِ العرشِ، وشاعَ ذلك في الملائكةِ
َ، فإذا ذكَر اللهُ عبدًا بخيرٍ، تلقَّاه منه جبريلُ، ثم تلقَّاه ميكائيلُ، وحَوْلَه الملائكةُ المقرَّبون حافِّينَ من حولِ العرشِ، وشاعَ ذلك في الملائكةِ المقرَّبينَ، صارتِ الصلاةُ على ذلك العبدِ من أهلِ السماواتِ، فإذا صلَّت عليه ملائكةُ السماواتِ هبطَت عليه بالصلاةِ إلى ملائكةِ الأرضِ، وكان إبليسُ لا يُحْجَبُ بشيءٍ من السماواتِ، وكان يقِفُ فيهنَّ [حيثُما أراد]، ومن هنالِك وصَل إلى آدمَ حينَ أخرَجه من الجنةِ، فلم يَزَلْ على ذلك يصعَدُ في السماواتِ حتى رفَع اللهُ عيسىَ ابن مريمَ، فَحُجبَ من أربعٍ، وكان يصعَدُ في ثلاثٍ، فلما بعَث اللهُ محمدًا ﷺ حُجِب من الثلاثِ الباقيةِ، فهو محجوبٌ هو وجميعُ جنودِه من جميعِ السماواتِ إلى يومِ القيامةِ، إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فأتْبَعه شهابٌ ثاقبٌ.
ﷺ حُجِب من الثلاثِ الباقيةِ، فهو محجوبٌ هو وجميعُ جنودِه من جميعِ السماواتِ إلى يومِ القيامةِ، إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فأتْبَعه شهابٌ ثاقبٌ. ولذلك أنكرَت الجنُّ ما كانت تعرِف حينَ قالت: ﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا﴾، إلى قولِه: ﴿شِهَابًا رَصَدًا﴾ [الجن: ٨، ٩].
قال وهبٌ: فلم يَرُعْ إبليسَ إلا تجاوبُ ملائكتِها بالصلاةِ على أيوبَ، وذلك حينَ ذكَره اللهُ وأثنَى عليه، فلما سمِع إبليسُ صلاةَ الملائكةِ أدْرَكه البغْيُ والحسَدُ، وصعِد سريعًا حتى وقَف من اللهِ مكانًا كان يقِفُه، فقال: يا إلهى، نظَرتُ في أَمْرِ عبدِك أيوبَ، فوجَدتُه عبدًا أنْعَمتَ عليه فشكَركَ، وعافَيتَه فحمِدَك، ثم لم تُجرِّبْه
بشدَّةٍ ولم تجرِّبْه ببلاءٍ، وأنا لك زَعيمٌ لئن ضربتَه بالبلاءِ ليكفُرَنَّ بك ولينسَينَّك، وليعبُدَنَّ غيرَك. قال اللهُ ﵎ له: انطلِقْ فقد سلَّطتُك على مالِه، فإنه الأمرُ الذي تزعُمُ أنه من أجلِه يشكُرُنى، ليس لك سلطانٌ على جسدِه، ولا على عقلِه.
بُدَنَّ غيرَك. قال اللهُ ﵎ له: انطلِقْ فقد سلَّطتُك على مالِه، فإنه الأمرُ الذي تزعُمُ أنه من أجلِه يشكُرُنى، ليس لك سلطانٌ على جسدِه، ولا على عقلِه. فانقَضَّ عدوُّ الله حتى وقَع على الأرضِ، ثم جمَع عفاريتَ الشياطينِ وعظماءَهم، وكان لأيوبَ البَثَنِيةُ من الشامِ كلِّها بما فيها من شرقِها وغربِها، وكان له بها ألفُ شاةٍ برُعاتِها وخمسُمائةِ فدَّانٍ يَتْبَعُها خمسُمائةِ عبدٍ، لكلِّ عبدٍ امرأةٌ وولَدٌ ومالٌ، ويحمِلُ آلةَ كلِّ فدانٍ أتانٌ، لكلِّ أتانٍ ولدٌ من اثنين وثلاثةٍ وأربعةٍ وخمسةٍ وفوقَ ذلك. فلما جمعَ إبليسُ الشياطينَ، قال لهم: ماذا عندَكم من القوَّةِ والمعرفةِ، فإنى قد سُلِّطتُ على مالِ أيوبَ، فهى المصيبةُ الفادِحةُ، والفتنةُ التي لا يصبِرُ عليها الرجالُ؟ قال عفريتٌ من الشياطينِ: أُعطيتُ من القوَّةِ ما إذا شئتُ تحوَّلتُ إعصارًا من نارٍ فأحرَقتُ كلَّ شيءٍ أتى عليه.
والفتنةُ التي لا يصبِرُ عليها الرجالُ؟ قال عفريتٌ من الشياطينِ: أُعطيتُ من القوَّةِ ما إذا شئتُ تحوَّلتُ إعصارًا من نارٍ فأحرَقتُ كلَّ شيءٍ أتى عليه. فقال له إبليسُ: فأْتِ الإبلَ ورُعاتَها، فانطلَق يؤمُّ الإبلَ، وذلك حينَ وضَعت رُءُوسَها وثبتَتْ في مراعِيها، فلم يَشعُرِ الناسُ حتى ثار من تحتِ الأرض إعصارٌ من نارٍ تُنفَخُ منها أرواحٌ السَّمومِ، لا يَدْنُو منها أحدٌ إلا احتَرقَ، فلم يزَلْ يَحْرِقُها ورُعاتَها حتى أتَى على آخرِها، فلما فرَغ منها تمثَّل إبليسُ على قعودٍ منها براعيها، ثم انطلَق يؤمُّ أيوبَ حتى وجَده قائمًا يُصلِّى، فقال: يا أيوبُ. قال: لبَّيْكَ. قال: هل تدرِى ما الذي صنَع ربُّك الذي اختَرْتَ وعَبَدْتَ ووحَّدتَ بإبلِكَ ورُعاتِها؟ قال أيوبُ: إنها مالُه أعارَنيه، وهو أَوْلى به إذا شاءَ نزَعه،
وقديمًا ما وطَّنْتُ نفسِي ومالي على الفناءِ.
رْتَ وعَبَدْتَ ووحَّدتَ بإبلِكَ ورُعاتِها؟ قال أيوبُ: إنها مالُه أعارَنيه، وهو أَوْلى به إذا شاءَ نزَعه،
وقديمًا ما وطَّنْتُ نفسِي ومالي على الفناءِ. قال إبليسُ: وإن ربَّك أرسَل عليها نارًا من السماءِ فاحتَرقَتْ ورُعاتُها حتى أتَى على آخرِ شيءٍ منها ومن رُعاتِها، فتَرَكْتُ الناسَ مَبهوتينَ وهم وُقوفٌ عليها يتعجَّبون؛ منهم من يقولُ: ما كان أيوبُ يعبُدُ شيئًا، وما كان إلا في غُرورٍ. ومنهم من يقولُ: لو كان إلهُ أيوبَ يقدِرُ على أن يصنَعَ من ذلك شيئًا لمنَع وَلِيَّه. ومنهم من يقولُ: بل هو فعَل الذي فَعَل ليُشمِتَ به عدَّوه، وليُفجِعَ به صديقَه.
ُ: لو كان إلهُ أيوبَ يقدِرُ على أن يصنَعَ من ذلك شيئًا لمنَع وَلِيَّه. ومنهم من يقولُ: بل هو فعَل الذي فَعَل ليُشمِتَ به عدَّوه، وليُفجِعَ به صديقَه. قال أيوبُ: الحمدُ للهِ حينَ أعْطاني، وحينَ نزَع منى، عُرْيَانًا خرَجتُ من بطنِ أُمِّي، وعُريانًا أعودُ في الترابِ، وعُريانًا أُحشَرُ إلى اللهِ، ليس ينبَغى لك أن تفرَحَ حينَ أعارَك اللهُ، وتجزَعَ حينَ قبَض عاريَتَه، اللهُ أولَى بك وبما أعْطاكَ، ولو علمِ اللهُ فيك أيُّها العبدُ خيرًا لنقَل رُوحَك مع ملَكِ الأرواحِ، فأجرى فيك وصرْتَ شهيدًا، ولكنه علِم منك شرًّا فأخَّرك من أجلِه، فعرَّاك اللهُ من المصيبةِ، وخلَّصَك من البلاءِ كما يُخلَّصُ الزَّوانُ من القمحِ الخَلاصِ.
ثم رجَع إبليسُ إلى أصحابِه خاسئًا ذليلًا، فقال لهم: ماذا عندَكم من القوَّةِ، فإني لم أُكلِّمْ قلبَه؟ قال عفريتٌ من عظمائِهم: عندِى من القوَّةِ ما إذا شئتُ صِحتُ صوتًا لا يسمَعُه ذو رُوحٍ إلا خرَجت مهجةُ نفسِه. قال له إبليسُ: فأتِ الغنَمَ ورُعاتَها.
؟ قال عفريتٌ من عظمائِهم: عندِى من القوَّةِ ما إذا شئتُ صِحتُ صوتًا لا يسمَعُه ذو رُوحٍ إلا خرَجت مهجةُ نفسِه. قال له إبليسُ: فأتِ الغنَمَ ورُعاتَها. فانطلَق يؤمُّ الغنمَ ورُعاتَها، حتى إذا وَسَطها صاحَ صوتًا جثَمت أمواتًا
من عندِ آخرِها ورعاؤُها. ثم خرَج إبليسُ متمثِّلًا بقَهْرمانِ الرِّعاءِ، حتى إذا جاءَ أيوبَ وجَده وهو قائمٌ يُصلِّى، فقال له القولَ الأوّلَ، ورَدَّ عليه أيوبُ الردَّ الأَوَّلَ، ثم إن إبليسَ رجَع إلى أصحابِه، فقال لهم: ماذا عندَكم من القوَّةِ، فإني لم أُكلِّمْ قلبَ أيوبَ؟ فقال عفريتٌ من عظمائِهم: عندى من القوَّةِ إذا شئتُ تحوَّلتُ رِيحًا عاصِفًا تنسِفُ كلَّ شيءٍ تأتِى عليه، حتى لا أُبْقيَ شيئًا. فقال له إبليسُ: فأتِ الفدادينَ والحرْثَ. فانطلَق يؤمُّهم، وذلك حين قَرَّبوا الفَدادينَ، وأنشَئوا في الحرْثِ، والأُتُنُ وأولادُها رُتوعٌ، فلم يَشعروا حتى هبَّت ريحٌ عاصفٌ تنسِفُ كلَّ شيءٍ من ذلك، حتى كأنه لم يكُنْ.
ين قَرَّبوا الفَدادينَ، وأنشَئوا في الحرْثِ، والأُتُنُ وأولادُها رُتوعٌ، فلم يَشعروا حتى هبَّت ريحٌ عاصفٌ تنسِفُ كلَّ شيءٍ من ذلك، حتى كأنه لم يكُنْ. ثم خرج إبليسُ متمثِّلًا بقهْرمانِ الحَرْثِ حتى جاء أيوبَ وهو قائمٌ يصلِّي، فقال له مثلَ قولِه الأوَّلِ، ورَدَّ عليه أيوبُ مثلَ ردِّه الأوَّلِ.
فلما رأى إبليسُ أنه قد أفنَى مالَه، ولم يُنْجِحْ منه، صعِد سريعًا حتى وقَف من اللهِ الموقف الذي كان يقِفُه، فقال: يا إلهى، إن أيوبَ يرَى أنك ما متَّعتَه بنفسِه وولَدِه، فأنت مُعْطِيه المالَ، فهل أنت مُسلِّطى على ولَدِه؟ فإنها الفتْنةُ المضلةُ، والمصيبةُ التي لا تقومُ لها قلوبُ الرجالِ، ولا يقوَى عليها صبرُهم. فقال اللهُ تعالى: انْطَلِق، فقد سلَّطتُك على ولدِه، ولا سلطانَ لك على قلبِه ولا جسَدِه، ولا على عَقْلِه.
ُ لها قلوبُ الرجالِ، ولا يقوَى عليها صبرُهم. فقال اللهُ تعالى: انْطَلِق، فقد سلَّطتُك على ولدِه، ولا سلطانَ لك على قلبِه ولا جسَدِه، ولا على عَقْلِه. فانقَضَّ عدوُّ اللهِ جوادًا حتى جاءَ بنى أيوبَ وهم في قَصْرِهم، فلم يَزَلْ يُزِلْزِلُ بهم حتى تداعى من قواعدِه، ثم جعَل يناطِحُ جُدُرَ بعضِها ببعضٍ، ويرمِيهم بالخشَبِ والجندَلِ، حتى إذا مَثَّل بهم كلَّ مُثلَةٍ، رفَع بهم القصْرَ، حتى إذا أقلَّه بهم فصاروا فيه مُنَكَّسين، وانطلَق إلى أيوبَ متمثِّلًا بالمعلِّمِ الذي كان يعلِّمُهم الحكمةَ، وهو جريحٌ مشدوخُ الوجهِ، يسيلُ دمُه ودِماغُه، متغيِّرًا لا يكادُ يُعرَفُ من شدَّةِ التغيُّرِ والمُثْلَةِ التي جاء متمثِّلًا فيها، فلما نظَر إليه أيوبُ هالَه، وحزِن ودَمَعت عيناه، وقال
له: يا أيوبُ، لو رأيتَ كيف أفْلَتُّ من حيثُ أفلتُّ، والذي رمانَا به من فوقِنا ومن تحتِنا! ولو رأيتَ بنيكَ كيف عُذِّبوا وكيف مُثِّل بهم!
ت عيناه، وقال
له: يا أيوبُ، لو رأيتَ كيف أفْلَتُّ من حيثُ أفلتُّ، والذي رمانَا به من فوقِنا ومن تحتِنا! ولو رأيتَ بنيكَ كيف عُذِّبوا وكيف مُثِّل بهم! وكيف قُلبوا فكانوا منكَّسين على رءوسِهم، تسيلُ دماؤُهم ودِماغُهم من أُنوفهم وأجوافِهم، وتقطُرُ من أشفارِهم! ولو رأيتَ كيف شُقَّتْ بطونهم فتناثَرَت أمعاؤُهم! ولو رأيتَ كيف قُذِفوا بالخشَبِ والجندَلِ يشدَحُ دِماغَهم! وكيف دقَّ بالخشبِ عظامَهم، وخرَق جلودَهم، وقطع عصَبَهم! ولو رأيتَ العَصَبَ عُريانًا ولو رأيتَ العظامَ مُتهَشِّمةً في الأجوافِ! ولو رأيتَ الوجوهَ مَشدوخةً! ولو رأيتَ الجُدُرَ تَناطَحُ عليهم! ولو رأيتَ ما رأيتُ لقُطِّعَ قلبُك.
عُريانًا ولو رأيتَ العظامَ مُتهَشِّمةً في الأجوافِ! ولو رأيتَ الوجوهَ مَشدوخةً! ولو رأيتَ الجُدُرَ تَناطَحُ عليهم! ولو رأيتَ ما رأيتُ لقُطِّعَ قلبُك. فلم يزَلْ يقولُ هذا ونحوَه، ولم يَزَلْ يرقِّقُه حتى رَقَّ أيوبُ فبكَى، وقبَض قبضةً من ترابٍ فوضَعها على رأسِه، فاغتنَم إبليسُ الفرصةَ منه عندَ ذلك، فصعِد سريعًا بالذي كان من جزَعِ أيوبَ مسرورًا به، ثم لم يلبَثْ أيوبُ أن فاء وأبصَرَ فاستغْفَر، وصَعِد قرناؤه من الملائكةِ بتوبةٍ منه، فبدَروا إبليسَ إلى اللهِ، فوجَدوه قد علِم بالذي رُفِع إليه من توبةِ أيوبَ، فوقَف إبليسُ خازيًا ذليلًا، فقال: يا إلهى، إنما هوَّن على أيوبَ خَطَرُ المالِ والولَدِ أنه يرَى أنك ما متَّعتَه بنفسِه، فأنت تعيدُ له المالَ والولدَ، فهل أنت مسلِّطى على جسَدِه؟ فأنا لك زعيمٌ، لئن ابتليتَه في جَسَدِهِ ليَنسينَّك، وليكْفُرَنَّ بك، وليَجْحَدنَّك نعمتَك.
فأنت تعيدُ له المالَ والولدَ، فهل أنت مسلِّطى على جسَدِه؟ فأنا لك زعيمٌ، لئن ابتليتَه في جَسَدِهِ ليَنسينَّك، وليكْفُرَنَّ بك، وليَجْحَدنَّك نعمتَك. قال اللهُ: انطلِقْ فقد سلَّطتُك على جسَدِه، ولكن ليس لك سلطانٌ على لسانِه، ولا على قلبِه، ولا على عقلِه.
فانقضَّ عدوُّ اللهِ جوادًا، فوجَد أيوبَ ساجدًا، فعجَّل قبلَ أن يرفَعَ رأسَه، فأتاه من قِبَلِ الأرضِ في موضعِ وَجْهِه، فنفَخ في مِنخَرِه نفخةً اشتَعل منها جسدُه، فترهَّل
ونبتَت به ثآليلُ مثلُ ألياتِ الغنَمِ، ووقَعت فيه حِكَةٌ لا يملِكُها، فحَكَّ بِأَظْفارِه حتى سقَطت كلُّها، ثم حَكَّ بالعظامِ، وحَكَّ بالحجارةِ الخَشِنَةِ، وبقطَعِ المُسوحِ الخِشِنَةِ، فلم يزَلْ يحُكُّه حتى نَفِد لحمُه وتقطَّع، ولما نَغِل جلدُ أيوبَ وتغيَّر وأنتَنَ، أخرَجه أهلُ القريةِ، فجعَلوه على تَلٍّ وجعَلوا له عَرِيشًا، ورفَضه خلقُ اللهِ غَيرَ امرأتِه، فكانت تختَلِفُ إليه بما يُصلِحُه ويلزَمُه، وكان ثلاثةٌ من أصحابِه اتَّبَعوه على دينِه، فلما رأَوا ما ابتلاه اللهُ به
ورفَضه خلقُ اللهِ غَيرَ امرأتِه، فكانت تختَلِفُ إليه بما يُصلِحُه ويلزَمُه، وكان ثلاثةٌ من أصحابِه اتَّبَعوه على دينِه، فلما رأَوا ما ابتلاه اللهُ به رفَضوه من غيرِ أن يترُكوا دينَه واتَّهَموه؛ يُقال لأحدِهم: بلددُ، وأليفرُ، وصافرُ. قال: فانطلَق إليه الثلاثةُ وهو في بلائِه، فبكَتوه، فلما سمِع منهم أقبَل على ربِّه، فقال أيوبٌ ﵇: ربِّ لأيِّ شيءٍ خَلَقتَنى؟ لو كنتَ إذْ كرِهْتني في الخيرِ ترَكتَنى فلم تخلُقْنى، يا لَيتني كنتُ حَيْضةً ألقَتْني أُمِّي، ويا لَيتنى مِتُّ في بطنِها فلم أعرِفْ شيئًا ولم تَعْرِفْنى، ما الذنبُ الذي أذنبتُ لم يُذنِبْه أحدٌ غيرِى، وما العمَلُ الذي عمِلتُ فصرَفتَ وجْهَك الكريمَ عنِّي، لو كنتَ أمتَّنِى فألحَقْتَنى بآبائي، فالموتُ كان أجملَ بي، فأُسوةٌ لي بالسلاطينِ الذين صُفَّتْ من دونِهم الجيوشُ يضرِبون عنهم بالسيوفِ بخلًا بهم عن الموتِ، وحرصًا على بقائِهم، أصبَحوا في القبورِ جاثِمينَ، حتى ظنُّوا أنهم سيُخلَّدون، وأُسوةٌ لى بالملوكِ الذين كَنَزوا الكنوزَ، وطَمروا
ِ بخلًا بهم عن الموتِ، وحرصًا على بقائِهم، أصبَحوا في القبورِ جاثِمينَ، حتى ظنُّوا أنهم سيُخلَّدون، وأُسوةٌ لى بالملوكِ الذين كَنَزوا الكنوزَ، وطَمروا المطاميرَ، وجمَعوا الجموعَ، وظنُّوا أنهم سيُخلَّدون، وأُسوةٌ لى بالجبارينَ الذين بنَوا المدائنَ والحصونَ، وعاشُوا فيها المِئين من السنينَ، ثم أصبَحت خرابًا مأوًى للوحوشِ ومَبْتًى للشياطينِ.
قال أليفزُ التيمانيُّ: قد أعيانا أمرُك يا أيوبُ، إن كلَّمْناكَ فما نَرْجُ للكلامِ منك موضِعًا، وإن نسْكُتْ عنك مع الذي نرَى فيك من البلاءِ، فذلك علينا، قد كنا نرَى من أعمالِك أعمالًا كنا نَرْجو لك عليها من الثوابِ غيرَ ما رَأَيْنا، فإنما يحصُدُ امرؤٌ ما زرَع، ويُجزَى بما عمِل، أشهَدُ على اللهِ الذي لا يُقدَّرُ قَدْرُ عظمَتِه، ولا يُحصَى عددُ نعَمِه، الذي يُنزِلُ الماءَ من السماءِ، فيُحيى به الميِّتَ، ويرفَعُ به الخافِضَ، ويقوِّى به الضعيفَ، الذي تَضِلُّ حكمةُ الحكماءِ عندَ حكمتِه، وعلْمُ العلماءِ عندَ علْمِه، حتى تراهم من العِيِّ في ظلمةٍ يموجونَ - أن
فَعُ به الخافِضَ، ويقوِّى به الضعيفَ، الذي تَضِلُّ حكمةُ الحكماءِ عندَ حكمتِه، وعلْمُ العلماءِ عندَ علْمِه، حتى تراهم من العِيِّ في ظلمةٍ يموجونَ - أن من رَجا معونةَ اللهِ هو القويُّ، وأن من توكَّل عليه هو المكفِيُّ، هو الذي يكسِرُ ويَجبُرُ، ويجرَحُ ويُداوِى.
قال أيوبُ لذلك سكتُّ فعضَضْتُ على لسانى، ووضَعتُ لسوءِ الخدمةِ رأسِى؛ لأنى علِمتُ أن عقوبتَه غيَّرت نورَ وجْهِى، وأن قوتَه نزَعت قوَّةً جَسَدِى، فأنا عبدُه، ما قضَى عليَّ أصابَني، ولا قوَّةَ لى إلا ما حمَل عليَّ، لو كانت عِظامي من حديدٍ، وجسَدِى من نُحاسٍ، وقلبى من حجارةٍ، لم أُطِقْ هذا الأمرَ، ولكن هو ابتلاني به، وهو يحمِلُه عنِّى، أتيْتُموني غضابًا، رَهِبتُم قبلَ أَن تُستَرْهَبوا، وبَكَيْتُم من قبلِ أن تُضْرَبوا، كيف بي لو قلتُ لكم: تَصدَّقوا عنى بأموالِكم لعلَّ الله أن يُخلِّصَنى، أو قَرِّبوا عنِّى قربانًا لعلَّ الله أن يتقبَّلَه منى ويرْضَى عنى.
ن تُضْرَبوا، كيف بي لو قلتُ لكم: تَصدَّقوا عنى بأموالِكم لعلَّ الله أن يُخلِّصَنى، أو قَرِّبوا عنِّى قربانًا لعلَّ الله أن يتقبَّلَه منى ويرْضَى عنى. إذا استيقَظْتُ تمنَّيْتُ النومَ؛ رجاءَ أن أستريحَ، فإذا نِمْتُ كادَت تجودُ نفسِي، تقطَّعتْ أصابِعِي، فإني لأرفعُ اللُّقمةَ من الطعامِ بيديَّ جميعًا، فما تبلغانِ فَمى إلا على الجهْدِ منى، تساقطَتْ لَهَواتِي، ونُخِر رأسِى، فما بين أُذُنيَّ من سِدادٍ، حتى إن إحداهما لتُرَى
من الأُخرَى، وإن دِماغى ليسيلُ من فَمِي، تساقَط [شعَرُ عيني] فكأنَّما حُرِّق بالنارِ وَجْهى، وحدَقتاى هما مُتدلِّيتان على خَدِّى، ورمَ لساني حتى [ملأ في]، فما أُدْخِلُ فيه طعامًا إلا غصَّنى، ورِمتْ شفتاى حتى غطَّت العليا أَنْفى، والسُّفْلى ذَقَنِي، تقطَّعت أمعائى في بَطنى، فإني لأُدخِلُ الطعامَ فيخرُجُ كما دخَل، ما أُحِسُّه ولا ينفَعُنى، ذهَبَتْ قوَّةُ رِجلَيَّ فكأنهما قِربَتا ماءٍ مُلئَتا لا أُطيقُ حَمَلَهما، أحمِلُ لحِافي بيديَّ وأسناني، فما أُطيقُ حمْلَه حتى يحمِلَه معى
لا ينفَعُنى، ذهَبَتْ قوَّةُ رِجلَيَّ فكأنهما قِربَتا ماءٍ مُلئَتا لا أُطيقُ حَمَلَهما، أحمِلُ لحِافي بيديَّ وأسناني، فما أُطيقُ حمْلَه حتى يحمِلَه معى غيرِى، ذهَب المالُ فصِرتُ أسألُ بكفِّي، فيُطعِمُنى من كنتُ أَعولُه اللقمةَ الواحدةَ، فيمُنُّها عليَّ، ويعيِّرُني هُلْكَ بَنيَّ وبناتي، ولو بقِى منهم أحدٌ أعانَني على بلائى ونفعني، وليس العذابُ بعذابِ الدُّنيا، إنه يزُولُ عن أهلِها ويموتُونَ عنه، ولكن طُوبَى لمن كانت له راحةٌ في الدارِ التي لا يموتُ أهلُها، ولا يتحوَّلون عن منازلِهم، السعيدُ من سعدِ هنالِك، والشقيُّ من شَقِى فيها.
قال بِلْدَدُ: كيف يقومُ لسانُك بهذا القولِ، وكيف تُفصِحُ به؟ أتقولُ: إن العدْلَ يجورُ؟ أم تقولُ: إن القويَّ يضعُفُ؟
ِ هنالِك، والشقيُّ من شَقِى فيها.
قال بِلْدَدُ: كيف يقومُ لسانُك بهذا القولِ، وكيف تُفصِحُ به؟ أتقولُ: إن العدْلَ يجورُ؟ أم تقولُ: إن القويَّ يضعُفُ؟ ابْكِ على خطيئتِكَ، وتضرَّعْ إلى رَبِّك، عسَى أن يرحَمَك ويتَجاوزَ عن ذَنْبِك، وعسى إن كنتَ بريئًا أن يجعَلَ هذا لك ذُخْرًا في آخرَتِك، وإن كان قلبُك قد قسَا فإن قولَنا لن ينفَعَك، ولَن يأخذَ فيك، هيهاتَ أن تنبُتَ الآجامُ في المفاوِزِ، وهيهاتَ أن ينبُتَ البَرْدِيُّ في الفَلَاةِ، مَن توكَّلَ على الضعيفِ كيف يَرْجُو أن يمنَعَه، ومَن جحَد الحقَّ كيف يَرْجُو أَن يُوَفَّى حقَّه؟
قال أيوبُ: إنى لأعلَمُ أن هذا هو الحقُّ، لن يَفْلُجَ العبدُ على رَبِّه، ولا يُطِيقُ أن يخاصِمَه، فأيُّ كلامٍ لى معه، وإن كان إليَّ القوَّةُ؟
ى حقَّه؟
قال أيوبُ: إنى لأعلَمُ أن هذا هو الحقُّ، لن يَفْلُجَ العبدُ على رَبِّه، ولا يُطِيقُ أن يخاصِمَه، فأيُّ كلامٍ لى معه، وإن كان إليَّ القوَّةُ؟ هو الذي سمَك السماءَ فأقامَها وحدَه، وهو الذي يكشُطُها إذا شاءَ فتَنْطَوى له، وهو الذي سطَح الأرضَ فدَحَاها وحدَه، ونصَب فيها الجبالَ الراسياتِ، ثم هو الذي يُزَلْزِلُها من أُصولِها، حتى تعودَ أسافِلُها أعالِيَها، وإن كان فيَّ الكلام، فأى كلامٍ لى معه؟ من خَلَقَ عَرْشَه العظيمَ بكلمةٍ واحدةٍ، فحَشاهُ السماواتِ والأرضَ وما فيهما من الخلْقِ، فوسَّعَه في سَعةٍ واسعةٍ، وهو الذي كلَّم البحارَ ففهِمَت قولَه، وأَمَرَها فلم تَعْدُ أَمرَه، وهو الذي يفْقَهُ الحِيتانَ والطيرَ وكلَّ دابَّةٍ، وهو الذي يكلِّمُ الموْتَى فيُحييهم قوله، ويكلِّمُ الحجارةَ فتَفْهَمُه، ويأْمُرُها فتُطِيعُه.
أَمرَه، وهو الذي يفْقَهُ الحِيتانَ والطيرَ وكلَّ دابَّةٍ، وهو الذي يكلِّمُ الموْتَى فيُحييهم قوله، ويكلِّمُ الحجارةَ فتَفْهَمُه، ويأْمُرُها فتُطِيعُه.
قال أليفزُ: عظيمٌ ما تقولُ يا أيوبُ، إن الجلودَ لتقشَعِرُّ من ذكرِ ما تقولُ، إنما أصابَك ما أصابَك بغيرِ ذنبٍ أذْنَبْتَه، مثلُ هذه الحدَّةِ وهذا القولِ أنزَلَك هذه المنزلةَ، عظُمَت خطيئتُكَ، وكثُر طُلَّابُك، وغَصَبْتَ أهلَ الأموالِ على أموالِهم، فلبِسْتَ وهم عراةٌ، وأكَلْتَ وهم جياعٌ، وحبَسْتَ عن الضعيفِ بابَك، وعن الجائعِ طعامَك، وعن المحتاجِ معروفَك، وأسْرَرتَ ذلك وأخفيتَه في بيتِك، وأظْهَرتَ أعمالًا كنا نَراك تعمَلُها، فظنَنْتُ أن الله لا يَجزِيك إلا على ما ظهَر مِنك، وظنَنْتَ أن الله لا يَطَّلِعُ على ما غيَّبْتَ في بيتِك، وكيف لا يطَّلِعُ على ذلك وهو يعلَمُ ما غيَّبَتِ الأرَضون، وما تحتَ الظلماتِ والهواءِ؟
َر مِنك، وظنَنْتَ أن الله لا يَطَّلِعُ على ما غيَّبْتَ في بيتِك، وكيف لا يطَّلِعُ على ذلك وهو يعلَمُ ما غيَّبَتِ الأرَضون، وما تحتَ الظلماتِ والهواءِ؟
قال أيوبُ ﵇: إن تكلَّمتُ لم ينفَعْنى الكلامُ، وإن سكَتُّ لم تَعذِروني، قد وقَع عليَّ كَيْدِى، وأسخَطتُ ربِّي بخطيئتِي، وأشمَتُّ أعدائى،
وأمكنْتُهم من عُنُقى، وجعَلتنى للبلاءِ غَرَضًا، وجعَلتنى للفتنةِ نُصُبًا، لم تُنْفِسْنى مع ذلك، ولكن أتبَعَنى ببلاءٍ على إثرِ بلاءٍ، ألم أكُنْ للغريبِ دارًا، وللمسكينِ قرارًا، ولليتيمِ وليًّا، وللأرملةِ قَيِّمًا؟
ِ نُصُبًا، لم تُنْفِسْنى مع ذلك، ولكن أتبَعَنى ببلاءٍ على إثرِ بلاءٍ، ألم أكُنْ للغريبِ دارًا، وللمسكينِ قرارًا، ولليتيمِ وليًّا، وللأرملةِ قَيِّمًا؟ ما رأيتُ غريبًا إلا كنتُ له دارًا مكانَ دارِه، وقرارًا مكانَ قرارِه، ولا رأيتُ مسكينًا إلا كنتُ له مالًا مكانَ مالِه، وأهلًا مكان أهلِه، وما رأيتُ يتيمًا إلا كنتُ له أَبا مكانَ أَبِيه، وما رأيتُ أَيِّمًا إلا كنتُ لها قَيِّمًا ترضَى قِيامَه، وأنا عبدٌ ذليلٌ، إن أحسَنتُ لم يكُنْ لى كلامٌ بإحسانٍ؛ لأن المَنَّ لرَبِّي وليسَ لي، وإن أَسَأْتُ فبيدِه عُقوبَتي، وقد وقَع عليَّ بلاءٌ لو سلَّطتَه على جبَلٍ ضعُف عن جملِه. فكيف يحمِلُه ضَعْفِي؟
قال أليفزُ: أَتَحاجُّ الله يا أيوبُ في أمْرِه؟ أم تريدُ أن تُناصِفَه وأنت خاطِئُ؟ أو تُبَرِّئَها وأنت غيرُ برئٍ؟ خلَق السماواتِ والأرضَ بالحقِّ، وأحصَى ما فيهما من الخلْقِ، فكيف لا يعلَمُ ما أَسْرَرْتَ؟ وكيف لا يعلَمُ ما عمِلتَ فيجزيَك به؟
ِّئَها وأنت غيرُ برئٍ؟ خلَق السماواتِ والأرضَ بالحقِّ، وأحصَى ما فيهما من الخلْقِ، فكيف لا يعلَمُ ما أَسْرَرْتَ؟ وكيف لا يعلَمُ ما عمِلتَ فيجزيَك به؟ وضَع اللهُ ملائكتَه صفوفًا حولَ عرْشِه وعلى أرجاءِ سماواتِه، ثم احتَجَب بالنورِ، فأبصارُهم عنه كليلةٌ، وقوَّتُهم عنه ضَعيفةٌ، وعزُّهم عنه ذليلٌ، وأنتَ تزعُمُ أن لو خاصَمَك، وأدْلى إلى الحكْمِ معك! وهل تراه فتُناصِفَه؟ أم هل تسمَعُه فتحاوِرَه؟ قد عرَفنا فيك قضاءَه، إنه مَن أرادَ أن يرتفِعَ وضَعه، ومَن اتَّضَعَ له رفَعه.
قال أيوبُ: إن أهلَكني فمن ذا الذي يعرضُ له في عبده ويسألُه عن أمرِه؟ لا يرُدُّ غضبَه شيءٌ إلا رحمتُه، ولا ينفَعُ عبدَه إلا التضرُّعُ له، رَبِّ أقبِلْ عليَّ برحمتِك، وأَعلِمْنى ما ذَنْبى الذي أذنبتُ؟ أو لأيِّ شيءٍ صرَفتَ وَجْهَكَ الكريمَ عنى، وجَعَلْتني
لك مثلَ العدوِّ، وقد كنتَ تُكرِمُنى؟
ِّ أقبِلْ عليَّ برحمتِك، وأَعلِمْنى ما ذَنْبى الذي أذنبتُ؟ أو لأيِّ شيءٍ صرَفتَ وَجْهَكَ الكريمَ عنى، وجَعَلْتني
لك مثلَ العدوِّ، وقد كنتَ تُكرِمُنى؟ ليس يغيبُ عنك شيءٌ، تُحصِى قَطْرَ الأمطارِ، وورَقَ الأشجارِ، وذرَّ الترابِ، أصبَح جِلدِى كالثوبِ العَفِنِ، بأَيِّهِ أمسَكتُ سقَط في يدِى، فهَبْ لى قُربانًا من عندِك، وفرَجًا من بلائِي، بالقدرَةِ التي تبعَثُ مَوْتَى العبادِ، وتنشُرُ بها مَيْتَ البلادِ، ولا تُهلِكْنى بغيرِ أن تُعلِمَنى ما ذَنْبِي، ولا تُفسِدْ عمَلَ يديْكَ، وإن كنتَ غنيًّا عنِّي، ليس ينْبَغِى في حُكْمِك ظُلْمٌ، ولا في نِقْمَتِكَ عَجَلٌ، وإنما يحتاجُ إلى الظُّلْمِ الضعيفُ، وإنما يعجَلُ مَن يخافُ الفَوْتَ، ولا تُذَكِّرْني خَطَئِى وذُنوبي، اذكرْ كيفَ خَلَقتَنى من طينٍ، فجُعِلتُ مضغةً، ثم خلَقتَ المضغةَ عِظامًا، وكسَوتَ العظام لحمًا وجِلدًا، وجعَلتَ العصَبَ والعروقَ لذلك قوامًا وشدَّةً، ورَبَّيْتَنى صغيرًا، ورَزَقتني كبيرًا، ثم حفِظتُ عهدَك وفعلتُ أمرَك، فإن أخطأتُ فبيِّنْ لى،
مًا وجِلدًا، وجعَلتَ العصَبَ والعروقَ لذلك قوامًا وشدَّةً، ورَبَّيْتَنى صغيرًا، ورَزَقتني كبيرًا، ثم حفِظتُ عهدَك وفعلتُ أمرَك، فإن أخطأتُ فبيِّنْ لى، ولا تُهلِكْنى عَمًّا، وأعلِمْنى ذَنْبِي، فإن لم أُرْضِكَ فَأَنَا أَهْلٌ أن تعذِّبَنِي، وإن كنتُ من بين خلْقِك تُحصِى عليَّ عمَلِى، وأستَغْفِرُك فلا تغفِرُ لى، إن أحسَنتُ لم أرْفَعْ رأسِي، وإن أسأْتُ لم تُبلعْنِى رِيقى، ولم تُقِلْنى عَثرتي، وقد ترَى ضَعْفى تحتَك، وتضرُّعِى لك، فلِمَ خَلَقْتنى؟ أو لِمَ أَخرَجْتَنى من بطنِ أُمِّي؟ لو كنتُ كمن لم يكُنْ لكان خيرًا لي، فليسَتِ الدنيا عندِى بخطَرٍ لغضَبِك، وليس جسَدِى يقومُ بعذابِك، فارْحَمْنى وأَذِقْنى طعْمَ العافيةِ من قبلِ أن أصيرَ إلى ضِيقِ القبرِ وظُلمةِ الأرضِ وغمِّ الموتِ.
قال صافِرُ: قد تكلَّمتَ يا أيوبُ، وما يُطيقُ أحدٌ أن يحبِسَ فمَك، تزعُمُ أنك برئٌ، فهل ينفَعُك إن كنتَ بريئًا، وعليك مَن يُحصِى عمَلَك؟ وتَزْعُمُ أنك تعلَمُ أن الله يغفِرُ لك ذنوبَك، هل تعلَمُ سُمْكَ السماءِ كم بُعدُه؟
ُمُ أنك برئٌ، فهل ينفَعُك إن كنتَ بريئًا، وعليك مَن يُحصِى عمَلَك؟ وتَزْعُمُ أنك تعلَمُ أن الله يغفِرُ لك ذنوبَك، هل تعلَمُ سُمْكَ السماءِ كم بُعدُه؟ أم هل تعلَمُ عُمْقَ
الهواءِ كم بعدُه؟ أم هل تعلَمُ أيُّ الأرضِ أعْرَضُها؟ أم هل عندَك لها من مقدارٍ تُقدِّرُها به؟ أم هل تعلَمُ أيُّ البحرِ أعمَقُه؟ أم هل تعلَمُ بأيِّ شيءٍ تحبِسُه؟ فإن كنتَ تعلَمُ هذا العلمَ، وإن كنتَ لا تعلَمُه، فإن الله خلَقه وهو يُحصِيه، لو تركْتَ كثرةَ الحديثِ، وطلَبتَ إلى رَبِّكَ، رَجَوْتُ أن يرحمَك، فبذلك تستَخرجُ رحمتَه، وإن كنتَ تقيمُ على خطيئَتِك وترفَعُ إلى اللهِ يدَيْك عندَ الحاجةِ، وأنت مُصِرٌّ على ذنبِك إصرارَ الماءِ الجارِى في صَبَبٍ لا يُستطاعُ إحباسُه، فعندَ طلَبِ الحاجاتِ إلى الرحمنِ تسوَدُّ وجوهُ الأشرارِ، وتُظْلِمُ عيونُهم، وعندَ ذلك يُسَرُّ بنجاحِ حوائجِهم الذين ترَكوا الشهواتِ تزيُّنًا بذلك عند ربِّهم، وتقدَّموا في التضرُّعِ ليستَحِقُّوا بذلك الرحمةَ حين يحتاجونَ إليها، وهم الذين كابَدوا الليلَ،
وائجِهم الذين ترَكوا الشهواتِ تزيُّنًا بذلك عند ربِّهم، وتقدَّموا في التضرُّعِ ليستَحِقُّوا بذلك الرحمةَ حين يحتاجونَ إليها، وهم الذين كابَدوا الليلَ، واعتزَلوا الفُرُشَ، وانتظَروا الأسحارَ.
قال أيوبُ: أنتم قومٌ قد أعجَبتكُم أنفسُكم، وقد كنتُ فيما خَلا والرجالُ يُوَقِّرونَنى، وأنا معروفٌ حَقِّى، مُنتَصِفٌ من خَصْمِي، قاهرٌ لمن هو اليومَ يَقْهَرُني، يسألُني عن علْمِ غيبِ اللهِ لا أعلَمُه ويسألُنى، فَلَعَمْرِي، ما نُصْحُ الأَخِ لأخِيه حينَ نزَل به البلاءُ كذلك، ولكنه يَبكِي معه، وإن كنتَ جادًّا فإن عقلِي يقصُرُ عن الذي تسألُنى عنه، فسَلْ طيرَ السماءِ هل تُخبِرُك؟ وسَلْ وُحوشَ الأرضِ هل تَرْجِعُ إليك؟ وسَلْ سباعَ البَرِّيَّةِ هل تُجيبُك؟ وسَلْ حيتانَ البحر هل تَصِفُ لك كُلَّ ما عدَدتَ؟
طيرَ السماءِ هل تُخبِرُك؟ وسَلْ وُحوشَ الأرضِ هل تَرْجِعُ إليك؟ وسَلْ سباعَ البَرِّيَّةِ هل تُجيبُك؟ وسَلْ حيتانَ البحر هل تَصِفُ لك كُلَّ ما عدَدتَ؟ تَعَلَّمْ أن الله صنَع هذا بحكمتِه، وهيَّأَه بلُطْفِه.
أما يعلَمُ ابن آدمَ من الكلامِ ما سمِع بأُذُنيه، وما طعِم بفِيه، وما شَمَّ بأنفِه، وأن العلمَ الذي سألتَ عنه لا يعلَمُه إلا اللهُ الذي خلَقَه، له الحكمةُ والجبروتُ، وله
العظمةُ واللُّطفُ، وله الجلالُ والقدرةُ، إن أفسَد فمن ذا الذي يُصلِحُ؟ وإن أعجَم فمن ذا الذي يُفْصِحُ؟
ا اللهُ الذي خلَقَه، له الحكمةُ والجبروتُ، وله
العظمةُ واللُّطفُ، وله الجلالُ والقدرةُ، إن أفسَد فمن ذا الذي يُصلِحُ؟ وإن أعجَم فمن ذا الذي يُفْصِحُ؟ إن نظَر إلى البحارِ يبِسَتْ من خوفِه، وإن أَذِن لها ابتلَعت الأرضَ، فإنما يحمِلُها بقدرَتِه، هو الذي تبْهَتُ الملوكُ عندَ مُلكِه، وتَطِيشُ العلماءُ عندَ علْمِه، وتَعْيا الحكماءُ عندَ حكْمتِه، ويخسَأُ المبطِلُونُ عندَ سلطانِه، هو الذي يُذكِّرُ المنسِيَّ، ويُنسِّى المذكورَ، ويُجرِى الظلماتِ والنورَ، هذا علمِى، وخلقُه أعظَمُ من أن يُحصيَه عَقْلِى، وعظمتُه أَعظَمُ من أَن يَقْدُرَها مِثلى.
كِّرُ المنسِيَّ، ويُنسِّى المذكورَ، ويُجرِى الظلماتِ والنورَ، هذا علمِى، وخلقُه أعظَمُ من أن يُحصيَه عَقْلِى، وعظمتُه أَعظَمُ من أَن يَقْدُرَها مِثلى.
قال بلْدَدُ: إن المنافِقَ يُجزَى بما أَسَرَّ من يُفاقِه، وتَضِلُّ عنه العلانيةُ التي خادَع بها، ويُوكَلُ على الجزاءِ بها على الذي عمِلها، ويَهلِكُ ذِكرُه من الدنيا، ويُظلِمُ نورُه في الآخرةِ، ويُوحِشُ سبيلُه، وتوقِعُه في الأُحبولَةِ سريرتُه، وينقَطِعُ اسمُه من الأرضِ، فلا ذِكْرَ له فيها ولا عُمرانَ، لا يرِثُه ولدٌ مُصلِحونَ من بعدِه، ولا يبقَى له أصلٌ يُعْرَفُ به، ويَبْهَتُ من يراهُ، وتقِفُ الأشعارُ عند ذكْرِه.
قال أيوبُ: إن أكُنْ غَوِيًّا فعلَيَّ غَواى، وإن أَكُنْ بَرِيًّا فَأَيُّ مَنَعَةٍ عَندِي؛ إِن صرَختُ فمن ذا الذي يُصرِخُنى؟ وإن سكَتُّ فمَن ذا الذي يعذِرُني؟
بُ: إن أكُنْ غَوِيًّا فعلَيَّ غَواى، وإن أَكُنْ بَرِيًّا فَأَيُّ مَنَعَةٍ عَندِي؛ إِن صرَختُ فمن ذا الذي يُصرِخُنى؟ وإن سكَتُّ فمَن ذا الذي يعذِرُني؟ ذهَب رجائي وانقضَتْ أحلامي، وتنكَّرتْ لى معارفي، دعَوْتُ غلامى فلم يُجِبْني، وتضرَّعتُ لأمَتى فلم ترْحَمْنى، وقَع عليَّ البلاءُ فرفَضُونى، أنتم كنتُم أشدَّ عليَّ من مُصِيبتي، انظُروا تَبْهَتُوا من العجائبِ التي في جسدِى، أما سمِعتم بما أصابَني؟ وما شغَلكم عنى ما رأيتُم بي؟ لو كان عبدٌ يُخاصِمُ رَبَّهِ رَجُوتُ أَن أَتغَلَّبَ عندَ الحكَمِ، ولكنَّ لى رَبًّا جبارًا تعالى فوقَ سماواتِه، وألقَانى ههنا، وهُنْتُ عليه، لا هو عذَرَني
بعُذْرِى، ولا هو أَدْنانى فأُخاصِمَ عن نفسِى، يَسمَعُنى ولا أَسْمَعُه، ويرانى ولا أرَاه، وهو محيطٌ بي، ولو تجلَّى لى لذابَتْ كُليَتاى، وصعِق رُوحِي، ولو نَفَّسَنى فأتكلَّمَ بملءِ في، ونزَع الهيبةَ مِني، علِمتُ بأيِّ ذنبٍ عَذَّبني.
نُودِى فقيل: يا أيوبُ. قال: لبَّيْكَ.
ابَتْ كُليَتاى، وصعِق رُوحِي، ولو نَفَّسَنى فأتكلَّمَ بملءِ في، ونزَع الهيبةَ مِني، علِمتُ بأيِّ ذنبٍ عَذَّبني.
نُودِى فقيل: يا أيوبُ. قال: لبَّيْكَ. قال: أنا هذا قد دَنوتُ مِنك، فقُمْ فاشدُدْ إزارَك، وقُمْ مقامَ جَبَّارٍ، فإنه لا ينبَغى لى أن يُخاصِمَنى إلا جبَّارٌ مِثلى، ولا ينبَغى أن يُخاصِمَنى إلا من يجعَلُ الزِّمامَ في فَمِ الأسدِ، والسِّخالَ في فَمِ العنقاءِ، واللجامَ في فم التِّنِّينِ، ويكيلُ مكيالًا من النورِ، ويزنُ مثقالًا من الريحِ، ويَصُرُّ صُرَّةً من الشمسِ، ويرُدُّ أمسِ لغدٍ، لقد مَنَّتْك نفسُك أمرًا ما يبلُغُ بمثلِ قوَّتِك، ولو كنتَ إذ مَنَّتْك نفسُك ذلك ودَعَتْك إليه تذكَّرْتَ أيَّ مرامٍ رامَتْ بك، أرَدتَ أن تُخاصِمَنى بِغَيِّك؟ أم أرَدتَ أن تُحاجَّني بخطَئِك؟ أم أردتَ أن تُكاثِرَني بضَعْفِك؟ أين كنتَ مِنى يومَ خَلَقتُ الأرضَ فوضعتُها على أساسِها؟ هل علمتَ بأيِّ مقدارٍ قدَّرْتُها؟ أم كنتَ معى تمرُّ بأطرافِها؟ أم تعلَمُ ما بُعدُ زَواياها؟ أم علَى أيِّ شيءٍ وضَعتُ أكنافَها؟
فوضعتُها على أساسِها؟ هل علمتَ بأيِّ مقدارٍ قدَّرْتُها؟ أم كنتَ معى تمرُّ بأطرافِها؟ أم تعلَمُ ما بُعدُ زَواياها؟ أم علَى أيِّ شيءٍ وضَعتُ أكنافَها؟ أبطاعتِك حمَل الماءُ الأرضَ؟ أم بحكمتِك كانتَ الأرضُ للماءِ غطاءً؟ أين كُنتَ مِنِّي يومَ رفَعتُ السماءَ سَقفًا في الهواءِ لا بعلائِقَ ثبَتَتْ من فوقِها، ولا يحمِلُها دعائمُ من تحتِها؟ هل يبلُغُ من حكمتِك أن تُجرِى نورَها؟ أو
تُسَيِّر نجومَها، أو يختلِفَ بأمرِك ليلُها ونهارُها؟ أينَ كنتَ منى يومَ سَجَّرتُ البحارَ وأنبَعتُ الأنهارَ؟ أقدرتُك حبَستْ أمواجَ البحارِ على حدودِها؟ أم قدرتُك فتَحَتِ الأرحامَ حينَ بلَغتْ مدتَها؟ أين أنتَ منى يومَ صبَبتُ الماءَ على الترابِ، ونصَبتُ شوامِخَ الجبالِ؟ هل لك من ذِراعٍ تُطيقُ حَمْلَها؟ أم هل تدرِى كم من مثقالٍ فيها؟ أم أينَ الماءُ الذي أُنزِلُ من السماءِ؟ هل تدرِى [أمٌّ تلِدُه أو أبٌ تَوَلَّدَه]؟ أَحِكمتُك أحصَتِ القَطْرَ، وقسَمتِ الأرزاقَ؟ أم قدرتُك تُثيرُ السحابَ، وتغشِيه الماءَ؟
أُنزِلُ من السماءِ؟ هل تدرِى [أمٌّ تلِدُه أو أبٌ تَوَلَّدَه]؟ أَحِكمتُك أحصَتِ القَطْرَ، وقسَمتِ الأرزاقَ؟ أم قدرتُك تُثيرُ السحابَ، وتغشِيه الماءَ؟ هل تدرِى ما أصواتُ الرعودِ؟ أم من أيِّ شيءٍ لهبُ البروقِ؟ هل رأيتَ عُمقَ البحرِ؟ أم هل تدرِى ما بُعدُ الهواءِ؟ أم هل خزَنتَ أرواحَ الأمواتِ؟ أم هل تدرِى أينَ خزانةُ الثلجِ، أو أينَ خزائِنُ البَرَدِ؟ أم أين جبالُ البَرَدِ؟ أم هل تدرِى أينَ خِزانةُ الليلِ بالنهارِ، وأين خِزانةُ النهارِ بالليلِ؟ وأين طريقُ النورِ؟ وبأيِّ لغةٍ تتكلَّمُ الأشجارُ؟ وأين خزانةُ الريحِ؟ وكيف تحبِسُه الأغلاقُ؟ ومن جعَل العقولَ في أجوافِ الرجالِ؟ ومن شَقَّ الأسماعَ والأبصارَ؟ ومن ذلَّت الملائكةُ لملكِه؟ وقهرَ الجبارين بجبروتِه؟ وقسَم أرزاقَ الدوابِّ بحكمتِه؟ ومن قسَم للأُسدِ أرزاقَها؟ وعرَّف الطيرَ معايشَها؟ وعطَفها على أفراخِها؟
أنها عُمُدُ النُّحاسِ، هما رأسا خلَقى الذين خلَقْتُ للقتالِ، أأنت ملأتَ جلودَهما لحمًا؟ أم أنت ملأتَ رءوسَهما دِماغًا؟ أم هل لك في خلقِهما من شِرْكٍ؟ أم لك بالقوَّةِ التي عمِلَتْهما يدانِ؟ أو هل يبلُغُ من قوَّتِك أن تَحْطِمَ على أُنوفِهما؟ أو تضَعَ يدَك على رُءوسِهما؟ أو تقعُدَ لهما على طريقٍ فتحبِسَهما، أو تصُدُّهما عن قوَّتِهما؟ أين أنتَ يومَ خلَقتُ التِّنِّينَ؟ رِزقُه في البحرِ ومسكَنُه في السحابِ، عيناهُ تَوَقَّدانِ نارًا، ومِنخراه يثورانِ دُخَانًا، أُذناه مثلُ قوسِ السحابِ، يثورُ منهما لهبٌ كأنه إعصارُ العجاجِ، جَوفُه يَحْتَرِقُ، ونَفَسُه يلتهِبُ، وزبدُه [جَمرٌ أمثالُ] الصخورِ، وكأن صريفَ أسنانِه أصواتُ الصواعقِ، وكأن نظرَ عينيهِ لهبُ البرْقِ، أسرارٌ لا تدخُلُه الهمومُ، تمرُّ به الجيوشٌ وهو مُتَّكئٌ لا يُفْزِعُه شيءٌ، ليس فيه مفصَلٌ، الحديدُ عندَه مثلُ التبنِ، والنُّحاسُ عندَه مثلُ الخيوطِ، لا
رارٌ لا تدخُلُه الهمومُ، تمرُّ به الجيوشٌ وهو مُتَّكئٌ لا يُفْزِعُه شيءٌ، ليس فيه مفصَلٌ، الحديدُ عندَه مثلُ التبنِ، والنُّحاسُ عندَه مثلُ الخيوطِ، لا
يفزَعُ من النُّشَّابِ، ولا يُحِسُّ وقْعَ الصخورِ على جسدِه، ويضحَكُ من النيازِكِ، ويسيرٌ في الهواءِ كأنه عصفورٌ، ويُهلِكُ كلَّ شيءٍ يمرُّ به، ملكُ الوحوشِ، وإياه آثرتُ بالقوَّةِ على خلْقِى، هل أنت آخِذُه بأُحبولَتِك فرابطُه بلسانِه، أو واضِعٌ اللجامَ في شِدقِه؟ أنظنُّه يُوفِى بعهدِك، أو يُسبِّحُ من خوفِك؟ هل تُحصِى عُمُرَه، أم هل تدرِى أجلَه؟ أو تُفوِّتُ رزْقَه؟ أم هل تدرِى ماذا خرّبَ من الأَرضِ؟ أم ماذا يُخرِّبُ فيما بقِى من عُمُرِه؟ أتطيقُ غضبَه حينَ يغضَبُ؟ أم تأمرُه فيُطيعَك؟
ِى أجلَه؟ أو تُفوِّتُ رزْقَه؟ أم هل تدرِى ماذا خرّبَ من الأَرضِ؟ أم ماذا يُخرِّبُ فيما بقِى من عُمُرِه؟ أتطيقُ غضبَه حينَ يغضَبُ؟ أم تأمرُه فيُطيعَك؟ تبارَك اللهُ وتعالَى.
قال أيوب ﵇: قَصَرْتُ عن هذا الأمرِ الذي تعرِضُ لى، ليتَ الأرضَ انشَقَّت بي، فذهبتُ في بلائى، ولم أتكَلَّمْ بشيءٍ يُسخِطُ رَبِّي، اجتَمَع عليَّ البلاءُ، إلهى جعَلتنى لك مثلَ العدوِّ، وقد كنتَ تُكرِمُنى، وتعرِفُ نُصْحِى، وقد علمتُ أن كلَّ الذي ذكرتَ صُنْعُ يديْك، وتدبيرُ حكمتِك، وأعظمُ من هذا ما شئتَ عَمِلتَ، لا يُعجِزُك شيءٌ، ولا تخفى عنك خافيةٌ، ولا تغيبُ عنك غائبةٌ، مَنْ هذا الذي يظُنُّ أن يُسِرَّ عنك سرًّا، وأنت تعلَمُ ما يخطُرُ على القلوبِ؟
َ عَمِلتَ، لا يُعجِزُك شيءٌ، ولا تخفى عنك خافيةٌ، ولا تغيبُ عنك غائبةٌ، مَنْ هذا الذي يظُنُّ أن يُسِرَّ عنك سرًّا، وأنت تعلَمُ ما يخطُرُ على القلوبِ؟ وقد علمتُ منك في بَلائِى هذا ما لم أكُنْ أَعلَمُ، وَخِفْتُ حينَ بلوتُ أمرَك أكثرَ مما كنتُ أخافُ، إنما كنتُ أسمعُ بسَطوتِك سَمعًا، فأَمَّا الآن فهو بصَرُ العين، إنما تكلَّمتُ حينَ تكلمتُ لتعذِرَني، وسكتُّ حينَ سكتُّ لترحَمَنى، كلمةٌ زَلَّتْ فلن أعودَ، قد وضَعتُ يدى على فَمِي، وعَضَضَتُ على لساني، وألصَقتُ
بالترابِ خَدِّي، ودَسَسْتُ وَجْهِي لصغارِى، وسكتُّ كما أسكَتَنْنى خطيئَتِي، فاغفِرْ لى ما قلتُ، فلن أعودَ لشيءٍ تكرَهُهُ مِنِّى.
قال اللهُ ﵎: يا أيوبُ نفَذ فيك عِلْمى، وبحِلْمى صرَفتُ عنك غَضَبي إِذ خَطِئْتَ، فقد غَفَرتُ لك وردَدتُ عليك أهلَك ومالَك ومثلَهم معهم، فاغتَسِلْ بهذا الماءِ، فإن فيه شفاءَك، وقرِّبْ عن صحابتِك قُربانًا، واستغفِرْ لهم، فإنهم قد عَصَوْني فيك.
ُ لك وردَدتُ عليك أهلَك ومالَك ومثلَهم معهم، فاغتَسِلْ بهذا الماءِ، فإن فيه شفاءَك، وقرِّبْ عن صحابتِك قُربانًا، واستغفِرْ لهم، فإنهم قد عَصَوْني فيك.
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، قال: ثنى محمدُ بنُ إسحاقَ، عمَّن لا يَتَّهِمُ، عن وهبِ بن مُنبهٍ اليمانيِّ وغيرِه من أهلِ الكُتبِ الأوَلِ، أنه كان من حديثِ أيوبَ أنه كان رجلًا من الرومِ، وكان اللهُ قد اصطفاه ونبّأَه، وابتَلاهُ في الغِنَى بكثرةِ الولدِ والمالِ، وبسَط عليه من الدنيا، فوسَّع عليه في الرزقِ، وكانت له البَثَنيةُ من أرضِ الشامِ، أعلَاها، وأسفلُها، وسهلُها وجبَلُها، وكان له فيها من أصنافِ المالِ كلِّه؛ من الإبلِ والبقرِ والغنمِ والخيلِ والحميرِ ما لا يكونُ للرجلِ أفضَلُ منه في العِدَّةِ والكثرةِ، وكان اللهُ قد أعطاهُ أهلًا وولدًا من رجالٍ ونساءٍ، وكان بَرًّا تَقيًّا رحيمًا بالمساكين، يُطعِمُ المساكينَ، ويحمِلُ الأراملَ، ويكفُلُ الأيتامَ، ويُكرِمُ الضيفَ، ويُبلِّغُ ابنَ السبيلِ، وكان شاكِرًا لأنعُمِ اللهِ عليه، مؤدِّيًا لحقِّ
ساكين، يُطعِمُ المساكينَ، ويحمِلُ الأراملَ، ويكفُلُ الأيتامَ، ويُكرِمُ الضيفَ، ويُبلِّغُ ابنَ السبيلِ، وكان شاكِرًا لأنعُمِ اللهِ عليه، مؤدِّيًا لحقِّ اللهِ في الغنِي، قد امتَنَع من عدوِّ اللهِ إبليسَ أن يُصيبَ منه ما أصابَ من أهلِ الغِنى مِن العِزَّةِ والغَفْلَةِ، والسهوِ والتشاغُلِ عن أمرِ اللهِ بما هو فيه من الدنيا، وكان معه ثلاثةٌ قد آمنوا به
وصدَّقوه، وعرَفوا فضْلَ ما أعطاه اللهُ على مَن سِواه؛ منهم رجلٌ من أهلِ اليمنِ يقالُ له: أليفزُ. ورجلانِ مِن أهلِ بلادِه يقالُ لأحدِهما: صوفرُ. وللآخرِ: بلددُ. وكانوا من بلادِه كُهولًا، وكان لإبليسَ عدوِّ اللهِ مُنزَلٌ من السماءِ السابعةِ يقَعُ به كلَّ سنةٍ مَوقِعًا يسألُ فيه، فصعِد إلى السماءِ في ذلك اليومِ الذي كان يصعَدُ فيه، فقال اللهُ له، أو قيلَ له عن اللهِ: هل قدَرْت من أيوبَ عبدِى على شيءٍ؟
سنةٍ مَوقِعًا يسألُ فيه، فصعِد إلى السماءِ في ذلك اليومِ الذي كان يصعَدُ فيه، فقال اللهُ له، أو قيلَ له عن اللهِ: هل قدَرْت من أيوبَ عبدِى على شيءٍ؟ قال: أَيْ رَبِّ، وكيف أقدِرُ منه على شيءٍ و إنما ابتلَيْتَه بالرخاءِ والنعمَةِ والسَّعةِ والعافيةِ، وأعطيتَه الأهلَ والمالَ والولدَ والغِنى والعافيةَ في جسَدِه وأهلِه ومالِه، فما له لا يشكُرُك ويعبُدُك ويُطيعُك وقد صنَعتَ ذلك به، لو ابتليتَه بنَزْعِ ما أعْطيتَه لحالَ عما كان عليه من شُكْرِك، ولترَك عبادتَك، ولخرَج من طاعتِك إلى غيرِها. أو كما قال عدوُّ اللهِ، فقال: قد سلَّطتُك على أهلِه ومالِه.
ِ ما أعْطيتَه لحالَ عما كان عليه من شُكْرِك، ولترَك عبادتَك، ولخرَج من طاعتِك إلى غيرِها. أو كما قال عدوُّ اللهِ، فقال: قد سلَّطتُك على أهلِه ومالِه. وكان اللهُ هو أعلَمَ به، ولم يُسلِّطْه عليه إلا رحمةً؛ ليُعظِمَ له الثوابَ بالذي يُصيبُه من البلاءِ، وليجعَلَه عبرةً للصابرين، وذِكرَى للعابدين، في كُلِّ بلاءٍ نزَل بهم، ليأْتَسُوا به، وليرْجُوا من عاقبةِ الصبرِ في عَرَضِ الدنيا ثوابَ الآخرةِ، وما صنَع اللهُ بأيوبَ، فانحطَّ عدوُّ اللهِ سريعًا، فجمعَ عفاريتَ الجنِّ ومَرَدةَ الشياطينِ من جنودِه، فقال: إني قد سُلِّطتُ على أهلِ أيوبَ ومالِه، فماذا عليكم؟ فقال قائلٌ منهم: أكونُ إعصارًا فيه نارٌ، فلا أمُرُّ بشيءٍ من مالِه إلا أهلكْتُه، قال: أنت وذاك. فخرَج حتى أتى إبلَه، فأحرَقها ورُعاتَها جميعًا، ثم جاءَ عدوُّ اللهِ إلى أيوبَ في صورةِ قَيِّمِه عليها وهو في مُصلًّى، فقال: يا أيوبُ أقبلَت نارٌ حتى غَشِيت إبلَك فأحرقَتها ومن فيها غيرِى، فجئتُك أخبِرُك ذلك.
وُّ اللهِ إلى أيوبَ في صورةِ قَيِّمِه عليها وهو في مُصلًّى، فقال: يا أيوبُ أقبلَت نارٌ حتى غَشِيت إبلَك فأحرقَتها ومن فيها غيرِى، فجئتُك أخبِرُك ذلك. فعرَفه أيوبُ، فقال: الحمدُ للهِ الذي هو أعطاها، وهو أخَذها، الذي أخرَجك منها كما يُخْرَجُ الزُّؤانُ من الحبِّ
النقيِّ. ثم انصرَف عنه، فجعَل يُصيبُ ماله مالًا مالًا، حتى مرَّ على آخِرِه، كلَّما انتهى مرَّ هلاكُ مالٍ من مالِه حمِد الله وأحسَن عليه الثناءَ، ورَضِى بالقضاءِ، ووطَّن نفسَه للصبرِ على البلاءِ، حتى إذا لم يبقَ له مالٌ أتَى أهلَه وولَده وهم في قصرٍ لهم، معهم حَظِيَّاتُهم وخدّامُهم، فتمثَّل ريحًا عاصفًا، فاحتَمل القصرَ من نواحِيه، فألقاه على أهلِه ووَلَدِه، فشدَخهم تحتَه، ثم أتاه في صورةِ قَهْرمانِه عليهم، قد شُدِحْ وَجْهُه، فقال: يا أيوبُ، قد أَتَتْ ريحٌ عاصفٌ، فاحتَملَت القصرَ من نواحِيه، ثم ألقَتْه على أهلِك وولدِك فشدَخَهم غيرِى، فجئْتُك أخبِرُك ذلك.
د شُدِحْ وَجْهُه، فقال: يا أيوبُ، قد أَتَتْ ريحٌ عاصفٌ، فاحتَملَت القصرَ من نواحِيه، ثم ألقَتْه على أهلِك وولدِك فشدَخَهم غيرِى، فجئْتُك أخبِرُك ذلك. فلم يجزَعْ على شيءٍ أصابَه جزَعه على أهلِه وولَدِه، وأخَذ ترابًا فوضَعه على رأسِه، ثم قال: ليتَ أُمِّي لم تلِدْنى، ولم أكُ شيئًا. وسُرَّ بها عدوُّ اللهِ منه، فأصعَد إلى السماءِ جَذِلًا، وراجَع أيوبُ التوبةَ مما قال، فحمدِ الله، فسبَقت توبتُه عدوَّ اللهِ إلى اللهِ، فلما جاءَ وذكَر ما صنَع، قيل له: قد سبَقتْك توبتُه إلى اللهِ ومراجَعتُه. قال: أَيْ رَبِّ، فسلِّطْنى على جسَدِه. قال: قد سلَّطتُك على جسَدِه إلا على لسانِه وقلبِه ونفَسِه وسَمعِه وبَصَرِه.
َقتْك توبتُه إلى اللهِ ومراجَعتُه. قال: أَيْ رَبِّ، فسلِّطْنى على جسَدِه. قال: قد سلَّطتُك على جسَدِه إلا على لسانِه وقلبِه ونفَسِه وسَمعِه وبَصَرِه. فأقبلَ إليه عدوُّ اللهِ وهو ساجِدٌ، فنفَخ في جسَدِه نفخةً أشعَل ما بينَ قرنِه إلى قدَمِه، كحريقِ النارِ، ثم خرَج في جسدِه ثآليلُ كألياتِ الغنَمِ، فحَكَّ بأظفارِه حتى ذهَبت، ثم بالفَخَّارِ والحجارةِ حتى تساقَطَ لحمُه، فلم يبقَ منه إلا العروقُ والعصَبُ والعظامُ، عيناه تجولانِ في رأسِه للنظرِ، وقلبُه للعقلِ، ولم يخلُصْ إلى شيءٍ من حشوِ البطْنِ؛ لأنه لا بقاءَ للنفسِ إلا بها، فهو يأكُلُ ويشرَبُ على التواءٍ من حُشوتِه، فمكَث كذلك ما شاءَ اللهُ أن يمكُثَ.
فحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، عن الحسنِ بن دينارٍ، عن الحسنِ، أنه كان يقولُ: مكَث أيوبُ في ذلك البلاءِ سبعَ سنينَ وستةَ أشهرٍ ملقًى على رمادِ مكنسةٍ في جانبِ القريةِ.
ابن إسحاقَ، عن الحسنِ بن دينارٍ، عن الحسنِ، أنه كان يقولُ: مكَث أيوبُ في ذلك البلاءِ سبعَ سنينَ وستةَ أشهرٍ ملقًى على رمادِ مكنسةٍ في جانبِ القريةِ. قال وهبُ بنُ منبهٍ: ولم يبقَ من أهلِه إلا امرأةٌ واحدةٌ تقومُ عليه وتكسِبُ له، ولا يقدِرُ عدوُّ اللهِ منه على قليلٍ ولا كثيرٍ مما يريدُ.
فلما طالَ البلاءُ عليه وعليها، وسئِمها الناسُ، وكانت تكسِبُ عليه ما تُطعِمُه وتَسقِيه. قال وَهْبُ بنُ منبهٍ: فحُدِّثتُ أنها التَمَست له يومًا من الأيامِ ما تُطعِمُه، فما وجَدَت شيئًا حتى جزَّت قَرْنًا من رأسِها فباعَته برغيفٍ.
وتَسقِيه. قال وَهْبُ بنُ منبهٍ: فحُدِّثتُ أنها التَمَست له يومًا من الأيامِ ما تُطعِمُه، فما وجَدَت شيئًا حتى جزَّت قَرْنًا من رأسِها فباعَته برغيفٍ. فأتَته به فعشَّتْه إياه، فلبِث في ذلك البلاءِ تلك السنينَ، حتى إن كان المارُّ ليمُرُّ فيقولُ: لو كان لهذا عندَ اللهِ خيرٌ لأراحَه مما هو فيه.
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، قال: فحدَّثني محمدُ بنُ إسحاقَ، قال: وكان وهبُ بنُ منبهٍ يقولُ: لَبِث في ذلك البلاءِ ثلاثَ سنينَ لم يَزِدْ يومًا واحدًا، فلما غلَبه أيوبُ فلم يستَطِعْ منه شيئًا، [اعترض امرأتَه] في هيئةٍ ليست كهيئةِ بني آدمَ في العِظَمِ والجسْمِ والطولِ، على مركبٍ ليس من مراكبِ الناسِ، له عِظَمٌ وبهاءٌ وجمالٌ ليس لها، فقال لها: أنت صاحبةُ أيوبَ هذا الرجل المبتلَى؟ قالت: نعَم. قال: هل تعرِفينَني؟ قالت: لا.
مركبٍ ليس من مراكبِ الناسِ، له عِظَمٌ وبهاءٌ وجمالٌ ليس لها، فقال لها: أنت صاحبةُ أيوبَ هذا الرجل المبتلَى؟ قالت: نعَم. قال: هل تعرِفينَني؟ قالت: لا. قال: فأنا إلَهُ الأرضِ، وأنا الذي صنعتُ بصاحبِك ما صنَعتُ، وذلك أنه عبد إلَهَ السماءِ وترَكنى فأغضَبَنى، ولو سجَد لي سجدةً واحدةً ردَدتُ عليه وعليكِ كلَّ ما كان لكُما من مالٍ، وولَدٍ، فإنه عِندى. ثم أراها إياهم فيما ترَى ببطنِ الوادى الذي لَقيها فيه. قال: وقد سمِعتُ أنه إنما قال: لو أن صاحِبَك أكَل طعامًا ولم يُسَمِّ عليه، لعُوفى مما به من البلاءِ. واللهُ أعلَمُ. وأرادَ عدوُّ اللهِ أن يأتيَه من قِبَلِها، فرجَعت إلى أيوبَ فأخبرَته بما قال لها وما أَراها، قال: أقد أتاكِ عدوُّ اللهِ ليفتِنَكِ عن دِينكِ؟
ُ أعلَمُ. وأرادَ عدوُّ اللهِ أن يأتيَه من قِبَلِها، فرجَعت إلى أيوبَ فأخبرَته بما قال لها وما أَراها، قال: أقد أتاكِ عدوُّ اللهِ ليفتِنَكِ عن دِينكِ؟ ثم أقسَم إنِ اللهُ عافاه ليضرِبَنَّها مائةَ ضربةٍ.
فلما طالَ عليه البلاءُ، جاءه أولئك النفَرُ الذين كانوا معه قد آمنوا به وصدَّقوه،
معهم فتًى حديثُ السنِّ، قد كان آمن به وصدَّقه، فجلَسُوا إلى أيوبَ ونظَروا إلى ما به من البلاءِ، فأعظَموا ذلك وفَظِعوا به، وبلَغ من أيوبَ صلواتُ اللهِ عليه مجهودُه، وذلك حينَ أرادَ اللهُ أن يُفرِّجَ عنه ما به، فلما رأى أيوبُ ما أعظَموا مما أصابَه، قال: أي رَبِّ، لأيِّ شيءٍ خَلَقتَنى؟ ولو كنتَ إذ قضَيْتَ عليَّ البلاءَ ترَكتَنى فلم تخلُقْنى، ليتَنى كنتُ دَمًا ألقَتْنى أُمِّى. ثم ذكَر نحوَ حديثِ ابن عسْكَرٍ، عن إسماعيلَ بن عبدِ الكريمِ، إلى: وكابَدُوا الليلَ، واعتزَلوا الفُرُشَ، وانتظَروا الأسحارَ. ثم زاد فيه: أولئك الآمنون الذين لا يَخافُون، ولا يهتمُّون ولا يحزَنون، فأين عاقبةُ أمرِك يا أيوبُ من عواقبِهم؟
اعتزَلوا الفُرُشَ، وانتظَروا الأسحارَ. ثم زاد فيه: أولئك الآمنون الذين لا يَخافُون، ولا يهتمُّون ولا يحزَنون، فأين عاقبةُ أمرِك يا أيوبُ من عواقبِهم؟ قال فتًى حضَرهم، وسمِع قولَهم، ولم يفطِنوا له، ولم يأبَهوا لمجلِسِه، وإنما قيَّضَه اللهُ لهم؛ لما كان من جَوْرِهم في المنطِقِ وشطَطِهم، فأرادَ اللهُ أن يُصغِرَ به إليهم أنفسَهم، وأن يُسَفِّهَ بصَغَرِه لهم أحلامَهم، فلما تكلَّم تمادَى في الكلامِ فلم يزدَدْ إلا حُكْمًا، وكان القومُ من شأنِهم الاستماعُ والخشوعُ إذا وُعِظوا أو ذُكِّروا، فقال: إنكم تكلَّمتُم قَبْلى أيها الكهولُ، وكُنتُم أحقَّ بالكلامِ وأَوْلى به منى؛ لحقِّ أسنانِكم، ولأنكم قد جرَّبْتُم قَبْلى، ورأيتُم وعلِمتم ما لم أعلَمْ، وعرَفتُم ما لم أعرِفْ، ومع ذلك قد ترَكتُم من القولِ أحسَنَ من الذي قلتُم، ومن الرأيِ أصوبَ من الذي رأيتُم، ومن الأمرِ أجملَ من الذي أتيتُم، ومن الموعظةِ أحكَمَ من الذي وصَفتُم، وقد كان لأيوبَ عليكم من الحقِّ والذِّمامِ أفضلُ من الذي وصَفتم، فهل تدرونَ أيها
ومن الأمرِ أجملَ من الذي أتيتُم، ومن الموعظةِ أحكَمَ من الذي وصَفتُم، وقد كان لأيوبَ عليكم من الحقِّ والذِّمامِ أفضلُ من الذي وصَفتم، فهل تدرونَ أيها الكهولُ حقَّ من انتقَصْتم؟ وحُرمةَ مَن انتهَكْتم؟ ومَن الرجلُ الذي عِبْتُم واتَّهَمْتم؟ ألم تعلَموا أيها الكهولُ أن أيوبَ نبيُّ اللهِ
وخِيرتُه وصِفوتُه من أهلِ الأرضِ يومَكم هذا؟ اختارَه اللهُ لوحيِه، واصطفاه لنفسِه، وائْتَمنه على نبوَّتِه، ثم لم تعلَموا ولم يُطلِعْكم اللهُ على أنه سخِط شيئًا من أمرِه مذ آتاه ما آتاه إلى يومِكم هذا، ولا على أنه نزَع منه شيئًا من الكرامةِ التي أكرَمه بها مذ آتاه ما آتاه إلى يومكم هذا، ولا أن أيوبَ غَيَّر الحقَّ في طولِ ما صحِبتُموه إلى يومِكم هذا، فإن كان البلاءُ هو الذي أزْرَى به عندَكم، ووضَعه في أنفسِكم، فقد علِمتم أن الله يَبتَلِى النبيِّين والصدِّيقين والشهداءَ والصالحين، ثم ليس بلاؤُه لأولئِك بدليلِ سخْطِه عليهم، ولا لهوانِه لهم، ولكنها كرامةٌ وخِيَرَةٌ لهم، ولو كان أيوبُ ليس من اللهِ بهذه المنزلةِ،
الشهداءَ والصالحين، ثم ليس بلاؤُه لأولئِك بدليلِ سخْطِه عليهم، ولا لهوانِه لهم، ولكنها كرامةٌ وخِيَرَةٌ لهم، ولو كان أيوبُ ليس من اللهِ بهذه المنزلةِ، ولا في النبوَّةِ ولا في الأَثرةِ ولا في الفضيلةِ ولا في الكرامةِ، إلا أنه أخٌ آخَيْتُموه على وَجْهِ الصحابةِ، لكان، [وهو] لا يجمُلُ بالحكيمِ أن يعذِلَ أخاه عندَ البلاءِ، ولا يُعيِّرَه بالمصيبةِ بما لا يعلَمُ وهو مكروبٌ حزينٌ، ولكن يرحَمُه ويبكِي معه، ويستغفِرُ له، ويحزَنُ لحزنِه، ويدُلُّه على مراشِدِ أمرِه، وليس بحكيمٍ ولا رشيدٍ من جهِل هذا، فاللهَ الله أيها الكهولُ في أنفسِكم.
قال: ثم أقبَل على أيوبَ ﵇ فقال، وقد كان في عَظمةِ اللهِ وجَلالِه، وذكْرِ الموتِ: ما يقطَعُ لسانَك، ويكسِرُ قلبَك، ويُنسيك حُجَجَك، ألم تعلَمْ يا أيوبُ أن للهِ عبادًا أسكتَتْهم خَشْيتُه من غيرِ عِيٍّ ولا بَكَمٍ؟
لِه، وذكْرِ الموتِ: ما يقطَعُ لسانَك، ويكسِرُ قلبَك، ويُنسيك حُجَجَك، ألم تعلَمْ يا أيوبُ أن للهِ عبادًا أسكتَتْهم خَشْيتُه من غيرِ عِيٍّ ولا بَكَمٍ؟ وإنهم لهم الفصحاءُ النُّطَقاءُ النبلاءُ الألبّاءُ العالمون باللهِ وبآياتِه، ولكنهم إذا ذكرُوا عظمةَ اللهِ انقطَعت ألسنتُهم، واقْشَعرَّت جلودُهم، وانكسرَت قلوبُهم، وطاشَت عقولُهم، إعظامًا للهِ، وإعزازًا وإجلالًا، فإذا استَفاقوا من ذلك استَبَقُوا إلى اللهِ بالأعمالِ
الزاكيةِ، يَعُدُّونَ أنفسَهم مع الظالمين والخاطئين، وإنهم لأنزاهٌ برآءُ، مع المقصِّرِين والمفرِّطين، وإنهم لأكياسٌ أقوياءٌ، ولكنهم لا يستكثِرون للهِ الكثيرَ، ولا يَرضَوْن للهِ بالقليلِ، ولا يُدِلُّون عليه بالأعمالِ، فهم مُروَّعون مُفزَّعون مغتَمُّون، خاشِعون وجِلون، مستكِينون معترِفون، متى ما رأيتَهم يا أيوبُ.
يَرضَوْن للهِ بالقليلِ، ولا يُدِلُّون عليه بالأعمالِ، فهم مُروَّعون مُفزَّعون مغتَمُّون، خاشِعون وجِلون، مستكِينون معترِفون، متى ما رأيتَهم يا أيوبُ.
قال أيوبُ: إن الله يزرَعُ الحكمةَ بالرحمةِ في قلبِ الصغيرِ والكبيرِ، فمتى نبتَت في القلبِ يُظهِرُها اللهُ على اللسانِ، وليست تكونُ الحكمةُ من قِبَل السنِّ ولا الشبيبةِ، [ولا] طولِ التجرِبةِ، وإذا جعَل اللهُ العبدَ حكيمًا في الصِّبَا لم تَسْقُطْ منزلتُه عندَ الحكماءِ، وهم يَرَون عليه من اللهِ نورَ الكرامةِ، ولكنكم قد أعجبَتْكُم أنفسُكم، وظنَنْتم أنكم عُوفِيتم بإحسانِكم، فهنالِك بغَيتم وتعزَّرْتم، ولو نظَرتم فيما بينَكم وبينَ رَبِّكم، ثم صدَقتم أنفسَكم، لوجَدتم لكم عيوبًا ستَرها اللهُ بالعافيةِ التي ألبَسكم، ولكني قد أصبَحتُ اليومَ وليس لى رأيٌ ولا كلامٌ معكم، قد كنتُ فيما خَلا مسموعًا كلامِي، معروفًا حقِّى، مُنتصِفًا من خَصْمِي، قاهرًا لمن هو اليومَ يقهَرُني، مَهيبًا مكانى، والرجالُ مع ذلك يُنصِتون لى ويوقِّرونى، فأصبَحتُ اليومَ قد انقَطَع
معروفًا حقِّى، مُنتصِفًا من خَصْمِي، قاهرًا لمن هو اليومَ يقهَرُني، مَهيبًا مكانى، والرجالُ مع ذلك يُنصِتون لى ويوقِّرونى، فأصبَحتُ اليومَ قد انقَطَع رَجائى، ورُفِع حَذَرِى، ومَلَّنى أهلِى، وعَفَّنى أرحامِي، وتنكَّرَت لى معارِفي، ورغِب عنِّى صَديقي، وقطَعنى أصحابي، وكفَرني أهلُ بيتي، وجُحِدَتْ حُقوقي، ونُسِيت صنائِعى، أصرُخُ فلا يُصْرِخونَنى، وأعتذِرُ فلا يُعذِرونني، وإن قضاءَه هو الذي أذلَّنى، وأقمأَنى، وأخسأَنى، وإن سُلطانَه الذي أسقَمنى،
وأنحَل جِسْمى، ولو أن رَبى نزَع الهيبةَ التي في صَدرِى، وأطلَق لِساني حتى أتكلَّمَ بملءِ فَمِي، ثم كان ينبَغي للعبدِ أن يُحاجَّ عن نفسِه، لرجَوتُ أن يُعافيَني عندَ ذلك مما بي، ولكنه ألقاني وتعالى عنى، فهو يَرانى ولا أَراه، ويسمَعُنى ولا أسمَعُه، لا نظَر إليَّ فرحِمني، ولا دَنا منى ولا أدناني فأُدْلِيَ بعْذرِى، وأتكلَّمَ ببراءَتي، وأُخاصِمَ عن نفسِي.
فهو يَرانى ولا أَراه، ويسمَعُنى ولا أسمَعُه، لا نظَر إليَّ فرحِمني، ولا دَنا منى ولا أدناني فأُدْلِيَ بعْذرِى، وأتكلَّمَ ببراءَتي، وأُخاصِمَ عن نفسِي.
لمّا قال ذلك أيوبُ وأصحابُه عندَه، أظَلَّه غمامٌ حتى ظَنَّ أَصحابُه أنه عذابٌ، ثم نُودِيَ منه: يا أيوبُ، إن الله يقولُ: ها أنذا ذا قد دَنوتُ منك، ولم أَزَلْ منك قريبًا، فقُمْ فَأَدْلِ بعُذرِك الذي زَعَمتَ، وتكلَّمْ ببراءتِك، وخاصِمْ عن نفسِك، واشدُدْ إزارَك. ثم ذكَر نحوَ حديثِ ابن عسكرٍ، عن إسماعيلَ، إلى آخرِه، وزاد فيه: ورَحمتى سبَقت غضَبي، فاركُضْ برِجلِك هذا مغتَسَلٌ باردٌ وشرابٌ فيه شفاؤُك، وقد وهَبتُ لك أهلَك ومثلَهم معهم، ومالَك ومثلَه معه. وزعَموا: ومثلَه معه لتكونَ لمن خلفَك آيةً، ولتكونَ عبرةً لأهلِ البلاءِ، وعزاءً للصابرين.
شفاؤُك، وقد وهَبتُ لك أهلَك ومثلَهم معهم، ومالَك ومثلَه معه. وزعَموا: ومثلَه معه لتكونَ لمن خلفَك آيةً، ولتكونَ عبرةً لأهلِ البلاءِ، وعزاءً للصابرين. فركَض برِجْلِه، فانفجَرتْ له عَيْنٌ، فدخَل فيها فاغتَسل، فأذهَب اللهُ عنه كلَّ ما كان به من البلاءِ، ثم خرَج فجلَس، وأقبلَت امرأتُه تلتِمسُه في مضجَعِه، فلم تجِدْه، فقامَتْ كالوالهةِ متلدِّدةً، ثم قالت: يا عبدَ اللهِ، هل لك عِلمٌ بالرجلِ المبتَلى الذي كان ههنا؟ قال: لا. ثم تبَسَّم، فعرَفته بمضحَكِه، فاعتنقَتْه.
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن محمدِ بن إسحاقَ، عن بعضِ أهلِ العلمِ، عن وهبِ بن منبهٍ، قال: فحدَّثتُ عبدَ اللهِ بنَ عباسٍ حديثَه، واعتنِاقَها إياه، فقال عبد الله: فوالذى نفسُ عبدِ اللهِ بيدِه، ما فارَقَتْه من عِناقِه حتى مرَّ بهما
كلُّ مالٍ لهما وولدٍ.
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: وقد سمعتُ بعضَ من يذكُرُ الحديثَ عنه أنه دَعاها حينَ سألتْ عنه، فقال لها: وهل تعرفينَه إذا رأيتِه؟
ثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: وقد سمعتُ بعضَ من يذكُرُ الحديثَ عنه أنه دَعاها حينَ سألتْ عنه، فقال لها: وهل تعرفينَه إذا رأيتِه؟ قالت: نعم، وما لي لا أعرِفُه؟ فتبسَّم، ثم قال: ها أنا هو، وقد فرج اللهُ عني ما كنتُ فيه. فعندَ ذلك اعتنقَتْه.
قال وهبٌ: فأوحَى اللهُ إليه في قسَمِه ليضرِبَنَّها في الذي كلَّمته أن: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ﴾ [ص: ٤٤]. أي: قد بَرَرَتَ يمينَك. يقولُ اللهُ تعالى: ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾. يقولُ اللهُ: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [ص: ٤٣].
حدَّثنا يحيى بنُ طلحةَ اليربوعيُّ، قال: ثنا فُضَيلُ بنُ عياضٍ، عن هشامٍ، عن الحسنِ، قال: لقد مكَث أيوبُ مطروحًا على كُناسةٍ سبعَ سنينَ وأشهرًا ما يسأَلُ الله أن يكشِفَ ما به.
يربوعيُّ، قال: ثنا فُضَيلُ بنُ عياضٍ، عن هشامٍ، عن الحسنِ، قال: لقد مكَث أيوبُ مطروحًا على كُناسةٍ سبعَ سنينَ وأشهرًا ما يسأَلُ الله أن يكشِفَ ما به. قال: وما على وَجْهِ الأرضِ خلقٌ أكرَمُ على اللهِ من أيوبَ، فيزعُمون أن بعض الناس قال: لو كان لرَبِّ هذا فيه حاجةٌ ما صنَع به هذا. فعندَ ذلك دَعا.
حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابن عُليةَ، عن يونسَ، عن الحسنِ، قال: بَقِى أيوبُ على كُناسةٍ لبنى إسرائيلَ سبَع سنينَ وأشهرًا تختلِفُ فيه الدوابُّ.
حدَّثني محمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا يحيى بنُ معينٍ، قال: ثنا ابن عُيينةَ، عن عمرٍو، عن وهبِ بن منبهٍ، قال: لم يكُنْ بأيوبَ الأكَلَةُ، إنما كان يخرُجُ به مثلُ ثَدْيِ النساءِ ثم ينقُفُه.
ا يحيى بنُ معينٍ، قال: ثنا ابن عُيينةَ، عن عمرٍو، عن وهبِ بن منبهٍ، قال: لم يكُنْ بأيوبَ الأكَلَةُ، إنما كان يخرُجُ به مثلُ ثَدْيِ النساءِ ثم ينقُفُه.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا مخلدُ بن حسينٍ، عن هشامٍ، عن الحسنِ، وحجاجٌ، عن مباركٍ، عن الحسنِ - زاد أحدُهما على الآخرِ - قال: إن أيوبَ آتاه اللهُ مالًا، وأوسَع عليه، وله من النساءِ والبقرِ والغنَمِ والإبلِ، وإن عدوَّ اللهِ إبليسَ قيل له: هل تقدِرُ أن تفتِنَ أيوبَ؟ قال: رَبِّ إن أيوبَ أصبَح في دُنيا من مالٍ وولَدٍ، ولا يستطيعُ ألا يشكُرَك، ولكن سلِّطْنى على مالِه وولَدِه، فستَرى كيف يُطيعُنى ويَعصِيك. قال: فسلَّطَه على مالِه وولَدِه. قال: فكان يأتى بالماشيةِ من مالِه من الغنمِ فيحرِقُها بالنيرانِ، ثم يأتى أيوبَ وهو يُصلِّى متشبِّهًا براعِي الغنمِ، فيقولُ: يا أيوبُ، تُصلِّى لربِّك! ما ترَك اللهُ لك من ماشيتِك شيئًا من الغنمِ إلا أحرَقها بالنيرانِ، وكنتُ ناحيةً فجئتُ لأخبِرَك.
ِهًا براعِي الغنمِ، فيقولُ: يا أيوبُ، تُصلِّى لربِّك! ما ترَك اللهُ لك من ماشيتِك شيئًا من الغنمِ إلا أحرَقها بالنيرانِ، وكنتُ ناحيةً فجئتُ لأخبِرَك. قال: فيقولُ أيوبُ: اللهمَّ أنت أعطيتَ، وأنتَ أخذتَ، مهما تُبْقِ نفسِي أَحْمَدْك على حُسْنِ بلائِك. فلا يقْدِرُ منه على شيءٍ مما يريدُ، ثم يأتى ماشيتَه من البقرِ فيحرِقُها بالنيرانِ، ثم يأتى أيوبَ فيقولُ له ذلك، ويرُدُّ عليه أيوبُ مثلَ ذلك. قال: وكذلك فعَل بالإبلِ حتى ما ترَك له ماشيةً، حتى هدَم البيتَ على ولَدِه، فقال: يا أيوبُ أرسَل اللهُ على ولَدِك من هدَم عليهم البيوتَ، حتى هلَكوا. فيقول أيوبُ مثلَ ذلك، وقال: رَبِّ هذا حينَ أحسنتَ إليَّ الإحسانَ كلَّه، قد كنتُ قبلَ اليومِ يشغَلُنى حُبُّ المالِ بالنهارِ، ويشغَلُنى حُبُّ الولَدِ بالليلِ شفقةً عليهم، فالآن
أُفْرِغْ سمْعِى لك وبصَرى، وليلى ونهارِى، بالذكْرِ والحمدِ، والتقديسِ والتهليلِ. فينصرفُ عدوُّ اللهِ من عندِه لم يُصِبْ منه شيئًا مما يريدُ.
قال: ثم إن الله ﵎ قال: كيف رأيتَ أيوبَ؟
ى ونهارِى، بالذكْرِ والحمدِ، والتقديسِ والتهليلِ. فينصرفُ عدوُّ اللهِ من عندِه لم يُصِبْ منه شيئًا مما يريدُ.
قال: ثم إن الله ﵎ قال: كيف رأيتَ أيوبَ؟ قال إبليسُ: أيوبُ قد علم أنك سترُدُّ عليه مالَه وولده، ولكن سلِّطنى على جسَدِه، فإن أصابَه الضرُّ فيه أطاعَنى وعَصاك. قال: فسُلِّط على جسَدِه، فأتاه فنفَخ فيه نفخةً قَرِح من لَدُن قرنِه إلى قدَمِه. قال: فأصابَه البلاءُ بعدَ البلاءِ، حتى حُمِل فوُضِعَ على مَزْبَلَةِ كُناسةٍ لبنى إسرائيلَ، فلم يبقَ له مالٌ ولا ولَدٌ ولا صديقٌ ولا أحدٌ يَقرَبُه غيرُ زوجَتِه، صبَرت معه، تَصَدَّقُ و تأتيه بطعامٍ، وتحمَدُ الله معه إذا حمِد، وأيوبُ على ذلك لا يفتُرُ من ذكرِ اللهِ والتحميدِ والثناءِ على اللهِ، والصبرِ على ما ابتلاهُ اللهُ.
قال الحسنُ: فصرَخ إبليسُ عدوُّ اللهِ صرخةً جمَع فيها جنودَه من أقطارِ الأرضِ جزَعًا من صبرِ أيوبَ، فاجتَمَعوا إليه وقالوا له: اجْتَمَعْنا، ما حَزَبَك؟ ما أعياكَ؟
فصرَخ إبليسُ عدوُّ اللهِ صرخةً جمَع فيها جنودَه من أقطارِ الأرضِ جزَعًا من صبرِ أيوبَ، فاجتَمَعوا إليه وقالوا له: اجْتَمَعْنا، ما حَزَبَك؟ ما أعياكَ؟ قال: أعيانى هذا العبدُ الذي سألتُ رَبِّي أن يُسلِّطَنى على مالِه وولَدِه، فلم أدَعْ له مالًا ولا ولَدًا، فلم يزدَدْ بذلك إلا صبرًا وثناءً على اللهِ وتحميدًا له، ثم سُلِّطتُ على جَسَدِه فترَكتُه قُرْحةً ملقاةً على كُناسةِ بنى إسرائيلَ، لا يقرَبُه إلا امرأتُه، فقد افتضَحْتُ برَبِّي، فاستعَنْتُ بكم، فأَعينونى عليه. قال: فقالوا له: أين مكرُك؟ أين عِلمُك الذي أهلَكْتَ به من مضَى؟ قال: بطَل ذلك كلُّه في أيوبَ، فأشيروا عليَّ. قالوا:
نُشيرُ عليك، أرأيتَ آدمَ حينَ أخرَجْتَه من الجنةِ، من أينَ أتيتَه؟ قال: من قِبَلِ امرأتِه. قالوا: فشأنُك بأيوبَ من قبَلِ امرأتِه، فإنه لا يستطيعُ أن يَعصِيَها، وليس أحدٌ يقرَبُه غيرُها. قال: أصبْتُم. فانطلَق حتى أتى امرأتَه وهى تَصَدَّقُ، فتمثَّل لها في صورةِ رجلٍ، فقال: أينَ بعلُكِ يا أمةَ اللهِ؟
يَعصِيَها، وليس أحدٌ يقرَبُه غيرُها. قال: أصبْتُم. فانطلَق حتى أتى امرأتَه وهى تَصَدَّقُ، فتمثَّل لها في صورةِ رجلٍ، فقال: أينَ بعلُكِ يا أمةَ اللهِ؟ قالت: ها هو ذاك يحُكُّ قروحَه، وتتردَّدُ الدوابُّ في جسَدِه. فلما سمِعها طمِع أن تكونَ كلمةَ جزَعٍ، فوقَع في صَدْرِها، فوسْوَسَ إليها، فذكَّرها ما كانت فيه من النِّعَمِ والمالِ والدوابِّ، وذكَّرها جمالَ أيوبَ وشبابَه، وما هو فيه من الضرِّ، وأن ذلك لا ينقَطِعُ عنهم أبدًا. قال الحسنُ: فصرَخت. فلما صرَخت علِم أن قد صرَخت وجَزِعَتْ، أتاها بسَخْلةٍ، فقال: ليذبَحَ هذا إليَّ أيوبُ ويبرأُ. قال: فجاءت تصرُخُ: يا أيوبُ، يا أيوبُ، حتى متى يعذِّبُكَ رَبُّك؟ ألا يرحَمُك؟ أينَ الماشيةُ؟ أين المالُ؟ أين الولدُ؟ أين الصديقُ؟ أين لونُك الحسَنُ؟ قد تغيَّر وصارَ مثلَ الرمادِ، أين جسمُك الحسَنُ الذي قد بلى وتردَّدَ فيه الدوابُّ؟ اذبَحْ هذه السَّخْلَةَ واسترِحْ.
؟ أين الصديقُ؟ أين لونُك الحسَنُ؟ قد تغيَّر وصارَ مثلَ الرمادِ، أين جسمُك الحسَنُ الذي قد بلى وتردَّدَ فيه الدوابُّ؟ اذبَحْ هذه السَّخْلَةَ واسترِحْ. قال أيوبُ: أتاكِ عدوُّ اللهِ فنفَخ فيكِ، فوجَد فيكِ رِفْقًا وأَجَبتِه، ويلَكِ، أرأيتِ ما تبكين عليه مما تذكُرِين مما كنا فيه من المالِ والولَدِ والصحةِ والشبابِ، من أعطانيه؟ قالت: اللهُ. قال: فكم متَّعَنا به؟ قالت: ثمانين سنةً. قال: فمُذْ كم ابتَلانا اللهُ بهذا البلاءِ الذي ابتَلانا به؟ قالت: منذُ سبعِ سنين وأشهرٍ. قال: ويلَكِ! واللهِ ما عدَلتِ ولا أنصَفتِ رَبَّك، ألا صبَرتِ حتى نكونَ في هذا البلاءِ الذي ابتلانا رَبُّنَا به ثمانين سنةً كما كُنا في الرخاءِ ثمانين سنةً؟ واللهِ لئن شفانى اللهُ لأجْلِدنَّكِ مائةَ جلدةٍ، هِيهِ، أمرتِيني أن أذْبَح لغيرِ اللهِ، طعامُك وشرابُك الذي تأتينى به عليَّ حرامٌ، وأن أذُوقَ ما تأتينى به بعدُ، إذ قلتِ لى هذا فاغرُبى عَنِّي، فلا أراكِ.
ِ، أمرتِيني أن أذْبَح لغيرِ اللهِ، طعامُك وشرابُك الذي تأتينى به عليَّ حرامٌ، وأن أذُوقَ ما تأتينى به بعدُ، إذ قلتِ لى هذا فاغرُبى عَنِّي، فلا أراكِ. فطردَها فذهَبت، فقال الشيطانُ: هذا قد وطَّن نفسَه ثمانين سنةً على هذا البلاءِ الذي هو فيه، فباء بالغلَبةِ ورفَضه. ونظَر أيوبُ إلى امرأتِه
قد طرَدها، وليس عندَه طعامٌ ولا شرابٌ ولا صَديقٌ. قال الحسنُ: ومرَّ به رجلانِ وهو على تلك الحالِ، ولا واللهِ ما على ظهْرِ الأرضِ يومئذٍ أكرَمُ على اللهِ من أيوبَ، فقال أحدُ الرجلين لصاحبِه: لو كان للهِ في هذا حاجةٌ ما بلَغ به هذا. فلم يسمَعْ أيوبُ شيئًا كان أشدَّ عليه من هذه الكلمةِ.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن جريرِ بن حازمٍ، عن عبدِ اللهِ بن عُبيدِ بن عُميرٍ، قال: كان لأيوبَ أخوانِ، فقامت من بعيدٍ لا يقدِرانِ أن يدنوَا منه من ريحِه، فقال أحدُهما لصاحبِه: لو كان اللهُ علِم في أيوبَ خيرًا ما ابتَلاه بما أرَى.
ال: كان لأيوبَ أخوانِ، فقامت من بعيدٍ لا يقدِرانِ أن يدنوَا منه من ريحِه، فقال أحدُهما لصاحبِه: لو كان اللهُ علِم في أيوبَ خيرًا ما ابتَلاه بما أرَى. قال: فما جزِع أيوبُ من شيءٍ أصابه جزَعَه من كلمةِ الرجل، فقال أيوبُ: اللهمَّ إن كنتَ تعلَمُ أنى لم أبِتْ ليلةً شبعانَ قطُّ وأنا أعلَمُ مكانَ جائعٍ فصَدِّقْنى، فصُدِّق وهما يسمعانِ، ثم قال: اللهمَّ إن كنتَ تعلَمُ أني لم أتخِذْ قميصَين قطُّ وأنا أعلَمُ مكان عادٍ فَصَدِّقْنى. فصُدِّق وهما يسمعانِ. قال: ثم خَرَّ ساجدًا.
فحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: فحدَّثني مخلدُ بنُ الحسينِ، عن هشامٍ، عن الحسنِ، قال: فقال: ربِّ ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ﴾. ثم ردَّ ذلك إلى رَبِّه فقال: ﴿وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن جريرٍ، عن عبدِ اللهِ بن عبيدِ بن عميرٍ، قال: فقيل له: ارفَعْ رأسَك فقد استُجِيب لك.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن مباركٍ، عن الحسنِ.
عن عبدِ اللهِ بن عبيدِ بن عميرٍ، قال: فقيل له: ارفَعْ رأسَك فقد استُجِيب لك.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن مباركٍ، عن الحسنِ. ومخلدٌ، عن هشامٍ، عن الحسنِ، دخَل حديثُ أحدِهما في الآخرِ، قالا: فقيل له: ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ﴾ [ص: ٤٢]. فركَض برجلِه فنبعَت عينٌ، فاغتسَل منها، فلم يبقَ عليه من دائِه شيءٌ ظاهرٌ إلا سقَط، فأذهَب اللهُ كلَّ ألمٍ وكلَّ سَقَمٍ، وعاد إليه شبابُه وجمالُه أحسنَ ما كان وأفضلَ ما كان، ثم ضرَب برجلِه، فنبَعت عينٌ أُخرى فشرِب منها، فلم يبقَ في جوفِه داءٌ إلا خرَج، فقام صحيحًا، وكُسِى حُلةً. قال: فجعَل يتلفَّتُ ولا يَرَى شيئًا مما كان له من أهلٍ ومالٍ إلا وقد أضعَفه اللهُ له، حتى واللهِ ذُكِر لنا أن الماءَ الذي اغتسَل به تطايرَ على صدرِه جرادًا من ذهَبٍ. قال: فجعَل يضمُّه بيده، فأوحَى اللهُ إليه: يا أيوبُ ألم أُغنِك؟ قال: بلَى، ولكنها بركَتُك، فمن يشبَعُ منها!
تسَل به تطايرَ على صدرِه جرادًا من ذهَبٍ. قال: فجعَل يضمُّه بيده، فأوحَى اللهُ إليه: يا أيوبُ ألم أُغنِك؟ قال: بلَى، ولكنها بركَتُك، فمن يشبَعُ منها! قال: فخرَج حتى جلَس على مكانٍ مُشرِفٍ، ثم إن امرأتَه قالت: أرأيتِ إن كان طردَنى إلى مَن أكِلُه؟ أَدَعُه يموتُ جوعًا أو يَضيعُ فتأكُلُه السِّباعُ؟ لأرجِعنَّ إليه. فرجَعتْ، فلا كُناسةَ ترَى، ولا من تلك الحال التي كانت، وإذا الأمورُ قد تغيَّرتْ، فجعَلت تطوفُ حيث كانت الكُناسةُ وتَبْكِي، وذلك بعينِ أيوبَ. قال: وهابَتْ صاحِبَ الحُلَّةِ أن تأتيَه فتسألَه عنه، فأرسَل إليها أيوبُ فدعاها، فقال: ما تُريدين يا أَمَةَ اللهِ؟ فبكَتْ وقالت: أردتُ ذلك المبتَلَى الذي كان مَنْبوذًا على الكُناسةِ، لا أدرِى أضاعَ أم ما فعَل؟ قال لها أيوبُ: ما كان منك؟ فبكَت وقالت: بَعْلى، فهل رأيتَه؟ وهى تبكِي، إنه قد كان ههنا. قال: وهل تعرِفينَه إذا رأَيتِه؟ قالت: وهل يَخْفَى على أحدٍ رآه؟
ل لها أيوبُ: ما كان منك؟ فبكَت وقالت: بَعْلى، فهل رأيتَه؟ وهى تبكِي، إنه قد كان ههنا. قال: وهل تعرِفينَه إذا رأَيتِه؟ قالت: وهل يَخْفَى على أحدٍ رآه؟ ثم جعَلت تنظُر إليه وهى تهابُه، ثم قالت: أما إنه كان أشبَهَ خلْقِ اللهِ بك إذ كان صحيحًا. قال: فإنى أنا أيوبُ الذي أمرتِينى أن أذبَح للشيطانِ، وإنى أطعْتُ الله وعَصيتُ الشيطانَ، فدعوتُ الله فردَّ عليَّ
ما تَرَين. قال الحسنُ: ثم إن الله رحِمها بصبرِها معه على البلاءِ، أن أمره تخفيفًا عنها أن يأخُذَ جماعةً من الشجَرِ فيضرِبَها ضربةً واحدةً تخفيفًا عنها بصبرِها معه.
ل الحسنُ: ثم إن الله رحِمها بصبرِها معه على البلاءِ، أن أمره تخفيفًا عنها أن يأخُذَ جماعةً من الشجَرِ فيضرِبَها ضربةً واحدةً تخفيفًا عنها بصبرِها معه.
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ﴾ إلى آخرِ الآيتين: فإنه لما مسَّه الشيطانُ بنصْبٍ وعذابٍ، أنساهُ اللهُ الدعاءَ؛ أن يدعُوَه فيكشِفَ ما به من ضُرٍّ، غيرَ أنه كان يذكُرُ الله كثيرًا، ولا يزيدُه البلاءُ في اللهِ إلا رغبةً وحُسْنَ إيمانٍ، فلمَّا انتهى الأجلُ، وقضَى اللهُ أنه كاشِفٌ ما به من ضُرٍّ، أذِن له في الدعاء، ويسَّره له، وكان قبلَ ذلك يقولُ ﵎: لا ينبَغى لعبدِي أيوبَ أن يدعوَنى ثم لا أستجيبَ له.
جلُ، وقضَى اللهُ أنه كاشِفٌ ما به من ضُرٍّ، أذِن له في الدعاء، ويسَّره له، وكان قبلَ ذلك يقولُ ﵎: لا ينبَغى لعبدِي أيوبَ أن يدعوَنى ثم لا أستجيبَ له. فلمَّا دَعا استجابَ له، وأبدَله بكلِّ شيءٍ ذهَب له ضِعفَين؛ رَدَّ إليه أهلَه ومثلَهم معهم، وأثنى عليه فقال: ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾.
واختلَف أهلُ التأويلِ في "الأهْلِ" الذين ذكَر اللهُ في قولِه: ﴿وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ﴾. أهُم أهلُه الذين أُوتيهم في الدنيا؟ أم ذلك وَعْدٌ وعَده اللهُ أيوبَ أن يفعلَ به في الآخرةِ؟ فقال بعضُهم: إنما أتى اللهُ أيوبَ في الدنيا مثلَ أهلِه الذين هلَكوا، فإنهم لم يُرَدّوا عليه في الدنيا، وإنما وعَد اللهُ أيوبَ أن يؤتيَه إيَّاهم في الآخرةِ.
حدَّثني أبو السائبِ سلْمُ بنُ جُنادةَ، قال: ثنا ابن إدريسَ، عن ليثٍ، قال: أرسل مجاهدٌ رجلًا، يقالُ له: قاسمٌ، إلى عكرمةَ يسألُه عن قولِ اللهِ لأيوبَ:
﴿وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ﴾.
ابن إدريسَ، عن ليثٍ، قال: أرسل مجاهدٌ رجلًا، يقالُ له: قاسمٌ، إلى عكرمةَ يسألُه عن قولِ اللهِ لأيوبَ:
﴿وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ﴾. فقال: قيلَ له: إن أهلَك لك في الآخرةِ، فإن شئْتَ عجَّلناهم لك في الدنيا، وإن شئتَ كانوا لك في الآخرةِ، وآتيناكَ مثلَهم في الدنيا. فقال: يكونون لى في الآخرةِ. وأُوتِى مثلهم في الدنيا. قال: فرجَع إلى مجاهدٍ، فقال: أصابَ.
وقال آخرون: بل رَدَّهم إليه بأعيانِهم، وأعطاه مثلَهم معَهم.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا حكَّامُ بنُ سلْمٍ، عن أبي سنانٍ، عن ثابتٍ، عن الضحاكِ، عن ابن مسعودٍ: ﴿وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ﴾.
ذلك
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا حكَّامُ بنُ سلْمٍ، عن أبي سنانٍ، عن ثابتٍ، عن الضحاكِ، عن ابن مسعودٍ: ﴿وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ﴾. قال: أهلَه بأعيانِهم.
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: لما دَعا أيوبُ استجابَ له، وأبدَله بكلِّ شيءٍ ذهَب له ضِعفين، رَدَّ إليه أهلَه ومثلَهم معَهم.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ﴾. قال: أحياهُم بأعيانِهم، ورَدَّ إليه مثلَهم.
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ﴾. قال: قيلَ له: إن شئتَ أحْيَيْناهم لك، وإن شِئْتَ كانوا لك في الآخرةِ، وتُعْطَى مثلَهم في الدنيا. فاخْتارَ أن يكونوا له في الآخرةِ ومثلَهم في الدنيا.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدُ، عن قتادةَ: ﴿وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ﴾.
رَ أن يكونوا له في الآخرةِ ومثلَهم في الدنيا.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدُ، عن قتادةَ: ﴿وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ﴾. قال الحسنُ وقتادةُ: أحْيا اللهُ أهلَه بأعيانِهم، وزاده إليهم مثلَهم.
وقال آخرون: بل آتاه المثلَ من نسلِ ماله الذي ردَّه عليه وأهلِه، فأما الأهلُ والمالُ فإنه ردَّهما عليه بأعيانِهما.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن رجلٍ، عن الحسنِ: ﴿وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ﴾. قال: مِن نسلِهم.
وقولُه: ﴿رَحْمَةً﴾. نُصِبَت بمعنى: فعَلْنا ذلك بهم رحمةً منَّا له.
وقولُه: ﴿وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ﴾.
سنِ: ﴿وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ﴾. قال: مِن نسلِهم.
وقولُه: ﴿رَحْمَةً﴾. نُصِبَت بمعنى: فعَلْنا ذلك بهم رحمةً منَّا له.
وقولُه: ﴿وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ﴾. يقولُ: وتذكرةً للعابدين ربَّهم فعَلْنا ذلك به، ليَعْتَبِروا به، ويَعْلَموا أن الله قد يَبْتَلِى أولياءَه ومَن أحَبَّ مِن عبادِه في الدنيا بضُروبٍ مِن البلاءِ، في نفسِه وأهلِه ومالِه، من غيرِ هَوانٍ به عليه، ولكن اختبارًا منه
له، ليَبْلُغَ بصبرِه عليه، واحتسابِه إياه، وحسنِ يقينِه - منزلتَه التي أعدَّها له ﵎ مِن الكرامةِ عندَه.
وقد حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن أبي معشرٍ، عن محمدِ بن كعبٍ القُرَظِيِّ في قولِه: ﴿رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ﴾. [وقولِه: ﴿رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾] [ص: ٤٣]. قال: أيُّما مؤمنٍ أصابَه بلاءٌ، فذكَر ما أصاب أيوبَ، فَلْيَقُلْ: قد أصاب مَن هو خيرٌ منا؛ نبيًّا مِن الأنبياءِ.
﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (٨٣) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ (٨٤)﴾.
يذكر تعالى عن أيوب، ﵇، ما كان أصابه من البلاء، في ماله وولده وجسده، وذلك أنه كان له من الدواب والأنعام والحرث شيء كثير، وأولاد كثيرة، ومنازل مرضية. فابتلي في ذلك كله، وذهب عن آخره، ثم ابتلي في جسده -يقال: بالجذام في سائر بدنه، ولم يبق منه سليم سوى قلبه ولسانه، يذكر بهما الله ﷿، حتى عافه الجليس، وأفردَ في ناحية من البلد، ولم يبق من الناس أحد يحنو عليه سوى زوجته، كانت تقوم بأمره، ويقال: إنها احتاجت فصارت تخدم الناس من أجله، وقد قال النبي ﷺ: "أشد الناس بلاء الأنبياء، ثم الصالحون، ثم الأمثل فالأمثل" وفي الحديث الآخر: "يبتلى الرجل على قدر دينه، فإن كان في دينه صلابة زيد في بلائه".
وقد كان نبي الله أيوب، ﵇، غاية في الصبر، وبه يضرب المثل في ذلك.
مثل" وفي الحديث الآخر: "يبتلى الرجل على قدر دينه، فإن كان في دينه صلابة زيد في بلائه".
وقد كان نبي الله أيوب، ﵇، غاية في الصبر، وبه يضرب المثل في ذلك.
وقال يزيد بن ميسرة: لما ابتلى الله أيوب، ﵇، بذهاب الأهل والمال والولد، ولم له يبق شيء، أحسن الذكر، ثم قال: أحمدك رب الأرباب، الذي أحسنت إلي، أعطيتني المال والولد، فلم يبق من قلبي شعبة، إلا قد دخله ذلك، فأخذت ذلك كله مني، وفرَّغت قلبي، ليس يحول بيني وبينك شيء، لو يعلم عدوي إبليس بالذي صنعت، حسدني. قال: فلقي إبليس من ذلك منكرًا.
قال: وقال أيوب، ﵇: يا رب، إنك أعطيتني المال والولد، فلم يقم على بابي أحد يشكوني لظلم ظلمته، وأنت تعلم ذلك. وأنه كان يوطأ لي الفراش فأتركها وأقول لنفسي:
يا نفس، إنك لم تخلقي لوطء الفرش، ما تركت ذلك إلا ابتغاء وجهك.
بابي أحد يشكوني لظلم ظلمته، وأنت تعلم ذلك. وأنه كان يوطأ لي الفراش فأتركها وأقول لنفسي:
يا نفس، إنك لم تخلقي لوطء الفرش، ما تركت ذلك إلا ابتغاء وجهك. رواه ابن أبي حاتم.
وقد ذكر عن وهب بن منبه في خبره قصة طويلة، ساقها ابن جرير وابن أبي حاتم بالسند عنه، وذكرها غير واحد من متأخري المفسرين، وفيها غرابة تركناها لحال الطول.
وقد روى أنه مكث في البلاء مدة طويلة، ثم اختلفوا في السبب المهيج له على هذا الدعاء، فقال الحسن وقتادة، ابتلي أيوب، ﵇، سبع سنين وأشهرًا، ملقى على كُنَاسَة بني إسرائيل، تختلف الدواب في جسده ففرج الله عنه، وعَظَمَّ له الأجر، وأحسن عليه الثناء.
وقال وهب بن منبه: مكث في البلاء ثلاث سنين، لا يزيد ولا ينقص.
وقال السدي: تساقط لحم أيوب حتى لم يبق إلا العصب والعظام، فكانت امرأته تقوم عليه وتأتيه بالزاد يكون فيه، فقالت له امرأته لما طال وجعه: يا أيوب، لو دعوت ربك يفرج عنك؟ فقال: قد عشت سبعين سنة صحيحًا، فهل قليل لله أن أصبر له سبعين سنة؟
تأتيه بالزاد يكون فيه، فقالت له امرأته لما طال وجعه: يا أيوب، لو دعوت ربك يفرج عنك؟ فقال: قد عشت سبعين سنة صحيحًا، فهل قليل لله أن أصبر له سبعين سنة؟ فجَزَعت من ذلك فخرجت، فكانت تعمل للناس بأجر وتأتيه بما تصيب فتطعمه، وإن إبليس انطلق إلى رجلين من فلسطين كانا صديقين له وأخوين، فأتاهما فقال: أخوكما أيوب أصابه من البلاء كذا وكذا، فأتياه وزوراه واحملا معكما من خمر أرضكما، فإنه إن شرب منه بَرَأ. فأتياه، فلما نظرا إليه بكيا، فقال: من أنتما؟ فقالا: نحن فلان وفلان! فرحَّب بهما وقال: مرحبًا بمن لا يجفوني عند البلاء، فقالا يا أيوب، لعلك كنت تُسر شيئًا وتظهر غيره، فلذلك ابتلاك الله؟ فرفع رأسه إلى السماء ثم قال: هو يعلم، ما أسررت شيئًا أظهرت غيره. ولكن ربي ابتلاني لينظر أأصبر أم أجزع، فقالا له: يا أيوب، اشرب من خمرنا فإنك إن شربت منه بَرَأت. قال: فغضب وقال جاءكما الخبيث فأمركما بهذا؟ كلامكما وطعامكما وشرابكما عليّ حرام.
بر أم أجزع، فقالا له: يا أيوب، اشرب من خمرنا فإنك إن شربت منه بَرَأت. قال: فغضب وقال جاءكما الخبيث فأمركما بهذا؟ كلامكما وطعامكما وشرابكما عليّ حرام. فقاما من عنده، وخرجت امرأته تعمل للناس فخبزت لأهل بيت لهم صبي، فجعلت لهم قرصًا، وكان ابنهم نائمًا، فكرهوا أن يوقظوه، فوهبوه لها.
فأتت به إلى أيوب، فأنكره وقال: ما كنت تأتيني بهذا، فما بالك اليوم؟ فأخبرته الخبر. قال: فلعل الصبي قد استيقظ، فطلب القرص فلم يجده فهو يبكي على أهله. [فانطلقي به إليه. فأقبلت حتى بلغت درجة القوم، فنطحتها شاة لهم، فقالت: تعس أيوب الخطاء! فلما صعدت وجدت الصبي قد استيقظ وهو يطلب القرص، ويبكي على أهله]، لا يقبل منهم شيئًا غيره، فقالت: رحم الله أيوب فدفعت القرص إليه ورجعت. ثم إن إبليس أتاها في صورة طبيب، فقال لها: إن زوجك قد طال سُقمه، فإن أراد أن يبرأ فليأخذ ذبابًا فليذبحه باسم صنم بني فلان فإنه يبرأ ويتوب بعد ذلك. فقالت ذلك لأيوب، فقال: قد أتاك الخبيث. لله عليّ إن برأت أن أجلدك مائة جلدة.
أن يبرأ فليأخذ ذبابًا فليذبحه باسم صنم بني فلان فإنه يبرأ ويتوب بعد ذلك. فقالت ذلك لأيوب، فقال: قد أتاك الخبيث. لله عليّ إن برأت أن أجلدك مائة جلدة. فخرجت تسعى عليه، فحظر عنها الرزق، فجعلت لا تأتي أهل بيت فيريدونها، فلما اشتد عليها ذلك وخافت على أيوب
الجوع حلقت من شعرها قرنًا فباعته من صبية من بنات الأشراف، فأعطوها طعامًا طيبًا كثيرًا فأتت به أيوب، فلما رآه أنكره وقال: من أين لك هذا؟ قالت: عملت لأناس فأطعموني. فأكل منه، فلما كان الغد خرجت فطلبت أن تعمل فلم تجد فحلقت أيضًا قرنًا فباعته من تلك الجارية، فأعطوها من ذلك الطعام، فأتت به أيوب، فقال: والله لا أطعمه حتى أعلم من أين هو؟
لغد خرجت فطلبت أن تعمل فلم تجد فحلقت أيضًا قرنًا فباعته من تلك الجارية، فأعطوها من ذلك الطعام، فأتت به أيوب، فقال: والله لا أطعمه حتى أعلم من أين هو؟ فوضعت خمارها، فلما رأى رأسها محلوقًا جزع جزعًا شديدًا، فعند ذلك دعا ربه ﷿: (أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ).
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا حماد، حدثنا أبو عمران الجوني، عن نَوْف البِكَالي؛ أن الشيطان الذي عرج في أيوب كان يقال له: "سوط"، قال: وكانت امرأة أيوب تقول: "ادع الله فيشفيك"، فجعل لا يدعو، حتى مر به نفر من بني إسرائيل، فقال بعضهم لبعض: ما أصابه ما أصابه إلا بذنب عظيم أصابه، فعند ذلك قال: "رب إني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين".
وحدثنا أبي، حدثنا أبو سلمة، حدثنا جرير بن حازم، عن عبد الله بن عبيد بن عمير قال: كان لأيوب، ﵇، أخوان فجاءا يومًا، فلم يستطيعا أن يدنوا منه، من ريحه، فقاما من بعيد، فقال أحدهما للآخر: لو كان الله علم من أيوب خيرًا ما ابتلاه بهذا؟
: كان لأيوب، ﵇، أخوان فجاءا يومًا، فلم يستطيعا أن يدنوا منه، من ريحه، فقاما من بعيد، فقال أحدهما للآخر: لو كان الله علم من أيوب خيرًا ما ابتلاه بهذا؟ فجزع أيوب من قولهما جَزعا لم يجزع من شيء قط، فقال: اللهم، إن كنت تعلم أني لم أبت ليلة قط شبعان وأنا أعلم مكان جائع، فصدقني. فصدق من السماء وهما يسمعان. ثم قال: اللهم، إن كنت تعلم أني لم يكن لي قميصان قط، وأنا أعلم مكان عار، فَصَدقني فصدق من السماء وهما يسمعان. اللهم بعزتك ثم خر ساجدًا، ثم قال اللهم بعزتك لا أرفع رأسي أبدًا حتى تكشف عني.
لي قميصان قط، وأنا أعلم مكان عار، فَصَدقني فصدق من السماء وهما يسمعان. اللهم بعزتك ثم خر ساجدًا، ثم قال اللهم بعزتك لا أرفع رأسي أبدًا حتى تكشف عني. فما رفع رأسه حتى كشف عنه.
وقد رواه ابن أبي حاتم من وجه آخر مرفوعًا بنحو هذا فقال: أخبرنا يونس بن عبد الأعلى، أخبرنا ابن وهب أخبرني نافع بن يزيد، عن عُقَيل، عن الزهري، عن أنس بن مالك، أن رسول الله ﷺ قال: "إن نبي الله أيوب لبث به بلاؤه ثماني عشرة سنة، فرفضه القريب والبعيد، إلا رجلين من إخوانه، كانا من أخص إخوانه، كانا يغدوان إليه ويروحان، فقال أحدهما لصاحبه: تَعَلَّم -والله-لقد أذنب أيوب ذنبًا ما أذنبه أحد من العالمين. فقال له صاحبه: وما ذاك؟ قال: منذ ثماني عشرة سنة لم يرحمه الله فيكشف ما به. فلما راحا إليه لم يصبر الرجل حتى ذكر ذلك له، فقال أيوب، ﵇: ما أدري ما تقول، غير أن الله ﷿ يعلم أني كنت أمر على الرجلين يتنازعان فيذكران الله، فأرجع إلى بيتي فأكفر عنهما، كراهة أن يذكرا الله إلا في حق.
يوب، ﵇: ما أدري ما تقول، غير أن الله ﷿ يعلم أني كنت أمر على الرجلين يتنازعان فيذكران الله، فأرجع إلى بيتي فأكفر عنهما، كراهة أن يذكرا الله إلا في حق. قال: وكان يخرج في حاجته، فإذا قضاها أمسكت امرأته بيده حتى يبلغ، فلما كان ذات يوم أبطأت عليه، فأوحى إلى
أيوب في مكانه: أن ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ﴾.
رفع هذا الحديث غريب جدًا.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا حماد، أخبرنا علي بن زيد، عن يوسف بن مِهْران، عن ابن عباس، قال: وألبسه الله حلة من الجنة، فتنحى أيوب فجلس في ناحية، وجاءت امرأته، فلم تعرفه، فقالت: يا عبد الله، أين ذهب المبتلى الذي كان هاهنا؟ لعل الكلاب ذهبت به أو الذئاب، فجعلت تكلمه ساعة، فقال: ويحك! أنا أيوب! قالت: أتسخر مني يا عبد الله؟ فقال: ويحك!
الله، أين ذهب المبتلى الذي كان هاهنا؟ لعل الكلاب ذهبت به أو الذئاب، فجعلت تكلمه ساعة، فقال: ويحك! أنا أيوب! قالت: أتسخر مني يا عبد الله؟ فقال: ويحك! أنا أيوب، قد رد الله علي جسدي.
وبه قال ابن عباس: ورد عليه ماله وولده عيانا، ومثلهم معهم.
وقال وهب بن منبه: أوحى الله إلى أيوب: قد رددت عليك أهلك ومالك ومثلهم معهم، فاغتسل بهذا الماء، فإن فيه شفاءك، وقرب عن صاحبتك قربانًا، واستغفر لهم، فإنهم قد عصوني فيك. رواه ابن أبي حاتم.
[وقال] أيضًا: حدثنا أبو زُرْعَة، حدثنا عمرو بن مرزوق، حدثنا همام، عن قتادة، عن النضر بن أنس، عن بَشير بن نَهِيك، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "لما عافى الله أيوب، أمطر عليه جرادًا من ذهب، فجعل يأخذ بيده ويجعله في ثوبه". قال: "فقيل له: يا أيوب، أما تشبع؟ قال: يا رب، ومن يشبع من رحمتك".
أصله في الصحيحين، وسيأتي في موضع آخر.
وقوله: (وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ) قد تقدم عن ابن عباس أنه قال: ردوا عليه بأعيانهم. وكذا رواه العوفي، عن ابن عباس أيضًا.
موضع آخر.
وقوله: (وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ) قد تقدم عن ابن عباس أنه قال: ردوا عليه بأعيانهم. وكذا رواه العوفي، عن ابن عباس أيضًا. وروي مثله عن ابن مسعود ومجاهد، وبه قال الحسن وقتادة.
وقد زعم بعضهم أن اسم زوجته رحمة، فإن كان أخذ ذلك من سياق الآية فقد أبعد النَّجْعَة، وإن كان أخذه من نقل أهل الكتاب، وصح ذلك عنهم، فهو مما لا يصدق ولا يكذب. وقد سماها ابن عساكر في تاريخه -رحمه الله تعالى-قال: ويقال: اسمها ليا ابنة مِنَشَّا بن يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، قال: ويقال: ليا بنت يعقوب، ﵇، زوجة أيوب كانت معه بأرض البَثَنيَّة.
وقال مجاهد: قيل له: يا أيوب، إن أهلك لك في الجنة، فإن شئت أتيناك بهم، وإن شئت
تركناهم لك في الجنة، وعوضناك مثلهم. قال: لا بل اتركهم لي في الجنة. فتُركوا له في الجنة وعوض مثلهم في الدنيا.
وقال حماد بن زيد، عن أبي عمران الجَوْني، عن نَوف البِكَالي قال: أوتي أجرهم في الآخرة، وأعطي مثلهم في الدنيا.
تُركوا له في الجنة وعوض مثلهم في الدنيا.
وقال حماد بن زيد، عن أبي عمران الجَوْني، عن نَوف البِكَالي قال: أوتي أجرهم في الآخرة، وأعطي مثلهم في الدنيا. قال: فحدثت به مُطَرَّفا، فقال: ما عرفت وجهها قبل اليوم.
وهكذا روي عن قتادة، والسدي، وغير واحد من السلف، والله أعلم.
وقوله: (رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا) أي: فعلنا به ذلك رحمة من الله به، (وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ) أي: وجعلناه في ذلك قدوة، لئلا يظن أهل البلاء إنما فعلنا بهم ذلك لهوانهم علينا، وليتأسوا به في الصبر على مقدورات الله وابتلائه لعباده بما يشاء، وله الحكمة البالغة في ذلك.
قوله تعالى: ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (٨٣) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَينَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ (٨٤)﴾.
الظاهر أن قوله: ﴿وَأَيُّوبَ﴾ منصوب بـ"اذكر" مقدرًا، ويدل على ذلك قوله تعالى في "ص": ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ (٤١)﴾.
وقد أمر جل وعلا في هاتين الآيتين الكريمتين نبيه ﷺ: أن يذكر أيوب حين نادى ربه قائلًا: ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (٨٣)﴾ وأن ربه استجاب له فكشف عنه جميع ما به من الضر، وأنه آتاه أهله، وآتاه مثلهم معهم رحمة منه جل وعلا به، وتذكيرًا للعابدين، أي الذين يعبدون الله لأنهم هم المنتفعون بالذكرى.
فكشف عنه جميع ما به من الضر، وأنه آتاه أهله، وآتاه مثلهم معهم رحمة منه جل وعلا به، وتذكيرًا للعابدين، أي الذين يعبدون الله لأنهم هم المنتفعون بالذكرى.
وهذا المعنى الذي ذكره هنا ذكره أيضًا في سورة "ص" في قوله: ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ (٤١)﴾ إلى قوله: ﴿لِأُولِي الْأَلْبَابِ (٤٣)﴾ والضر الذي مس أيوب، ونادى ربه ليكشفه عنه كان بلاء أصابه في بدنه وأهله وماله. ولما أراد الله إذهاب الضر عنه أمره أن يركض برجله ففعل، فنبعت له عين ماء فاغتسل منها فزال كل ما بظاهر بدنه من الضر، وشرب منها فزال كل ما بباطنه؛ كما أشار تعالى إلى ذلك في قوله: ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا
مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ (٤٢)﴾.
ل كل ما بظاهر بدنه من الضر، وشرب منها فزال كل ما بباطنه؛ كما أشار تعالى إلى ذلك في قوله: ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا
مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ (٤٢)﴾.
وما ذكره في "الأنبياء": من أنه آتاه أهله ومثلهم معهم رحمة منه وذكرى لمن يعبده؛ بينه في "ص" في قوله: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ (٤٣)﴾، وقوله في "الأنبياء": ﴿وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ (٨٤)﴾ مع قوله في "ص": ﴿وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ (٤٣)﴾ فيه الدلالة الواضحة على أن أصحاب العقول السليمة من شوائب الاختلال، هم الذين يعبدون الله وحده ويطيعونه.
في "ص": ﴿وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ (٤٣)﴾ فيه الدلالة الواضحة على أن أصحاب العقول السليمة من شوائب الاختلال، هم الذين يعبدون الله وحده ويطيعونه. وهذا يؤيد قول من قال من أهل العلم، إن من أوصى بشيء من ماله لأعقل الناس؛ أن تلك الوصية تُصْرف لأتقى الناس وأشدهم طاعة لله تعالى؛ لأنهم هم أولو الألباب؛ أي العقول الصحيحة السالمة من الاختلال.
تنبيه
في هذه الآيات المذكورة سؤال معروف، وهو أن يقال: إن قول أيوب المذكور في "الأنبياء" في قوله: ﴿إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ﴾ وفي "ص" في قوله: ﴿إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ (٤١)﴾ يدل على أنه ضجر من المرض فشكا منه؛ مع أن قوله تعالى عنه: ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ (٤٤)﴾ يدل على كمال صبره؟
(٤١)﴾ يدل على أنه ضجر من المرض فشكا منه؛ مع أن قوله تعالى عنه: ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ (٤٤)﴾ يدل على كمال صبره؟.
والجواب: أن ما صدر من أيوب دعاء وإظهار فقر وحاجة إلى ربه، لا شكوى ولا جزع.
قال أبو عبد الله القرطبي ﵀ في تفسير هذه الآية
الكريمة: ولم يكن قوله: ﴿مَسَّنِيَ الضُّرُّ﴾ جزعًا؛ لأن الله تعالى قال: ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا﴾ بل كان ذلك دعاء منه. والجزع في الشكوى إلى الخلق لا إلى الله تعالى، والدعاء لا ينافي الرضا. قال الثعلبي: سمعت أستاذنا أبا القاسم بن حبيب يقول: حضرت مجلسًا غاصًا بالفقهاء والأدباء في دار السلطان؛ فسئلت عن هذه الآية الكريمة بعد اجتماعهم على أن قول أيوب كان شكاية وقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا﴾ فقلت: ليس هذا شكاية، وإنما كان دعاء؛ بيانه ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ﴾ والإجابة تتعقب الدعاء لا الاشتكاء. فاستحسنوه وارتضوه. وسئل الجنيد عن هذه الآية الكريمة فقال: عَرَّفه فاقة السؤال ليمنَّ عليه بكرم النوال.
بْنَا لَهُ﴾ والإجابة تتعقب الدعاء لا الاشتكاء. فاستحسنوه وارتضوه. وسئل الجنيد عن هذه الآية الكريمة فقال: عَرَّفه فاقة السؤال ليمنَّ عليه بكرم النوال. انتهى منه.
ودعاء أيوب المذكور ذكره الله في سورة "الأنبياء" من غير أن يسند مس الضر أيوب إلى الشيطان في قوله: ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (٨٣)﴾ وذكره في سورة "ص" وأسند ذلك إلى الشيطان في قوله: ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ (٤١)﴾ والنصب على جميع القراءات معناه: التعب والمشقة، والعذاب: الألم.
وأسند ذلك إلى الشيطان في قوله: ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ (٤١)﴾ والنصب على جميع القراءات معناه: التعب والمشقة، والعذاب: الألم. وفي نسبة ما أصابه من المشقة والألم إلى الشيطان في آية "ص" هذه إشكال قوي معروف؛ لأن الله ذكر في آيات من كتابه: أن الشيطان ليس له سلطان على مثل أيوب من الأنبياء الكرام؛ كقوله: ﴿إِنَّهُ لَيسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٩٩) إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ (١٠٠)﴾، وقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيهِمْ مِنْ سُلْطَانٍ﴾ الآية، وقوله تعالى عنه مقررًا له: ﴿وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إلا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي﴾، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيسَ لَكَ عَلَيهِمْ سُلْطَانٌ إلا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوينَ (٤٢)﴾.
وللعلماء عن هذا الإشكال أجوبة؛ منها ما ذكره الزمخشري قال:
ى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيسَ لَكَ عَلَيهِمْ سُلْطَانٌ إلا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوينَ (٤٢)﴾.
وللعلماء عن هذا الإشكال أجوبة؛ منها ما ذكره الزمخشري قال:
فإن قلت: لم نسبه إلى الشيطان، ولا يجوز أن يسلطه على أنبيائه ليقضي من إتعابهم وتعذيبهم وطره، ولو قدر على ذلك لم يدع صالحًا إلا وقد نكبه وأهلكه، وقد تكرر في القرآن أنه لا سلطان له إلا الوسوسة فحسب؟.
قلت: لما كانت وسوسته إليه، وطاعته له فيما وسوس سببًا فيما مسه الله به من النصب والعذاب نَسَبَه إليه، وقد راعى الأدب في ذلك حيث لم ينسبه إلى الله في دعائه، مع أنه فاعله ولا يقدر عليه إلا هو. وقيل: أراد ما كان يوسوس به إليه في مرضه من تعظيم ما نزل به من البلاء، ويغريه على الكراهة والجزع، فالتجأ إلى الله تعالى في أن يكفيه ذلك بكشف البلاء، أو بالتوفيق في دفعه ورده بالصبر الجميل.
وروي أنه كان يعوده ثلاثة من المؤمنين؛ فارتد أحدهم فسأل عنه، فقيل: ألقى إليه الشيطان أن الله لا يبتلي الأنبياء الصالحين. وذكر في سبب بلائه: أن رجلًا استغاثه على ظالم فلم يغثه.
من المؤمنين؛ فارتد أحدهم فسأل عنه، فقيل: ألقى إليه الشيطان أن الله لا يبتلي الأنبياء الصالحين. وذكر في سبب بلائه: أن رجلًا استغاثه على ظالم فلم يغثه. وقيل: كانت مواشيه في ناحية ملك كافر فداهنه ولم يغزه. وقيل: أعجب بكثرة ماله. انتهى منه.
ومنها ما ذكره جماعة من المفسرين: أن الله سلط الشيطان على ماله وأهله ابتلاء لأيوب؛ فأهلك الشيطان ماله وولده، ثم سلطه على بدنه ابتلاء له فنفخ في جسده نفخة أشتعل منها، فصار في جسده ثآليل، فحكها بأظافره حتى دميت، ثم بالفخار حتى
تساقط لحمه، وعصم الله قلبه ولسانه. (وغالب ذلك من الإسرائيليات) وتسليطه للابتلاء على جسده وماله وأهله ممكن، وهو أقرب من تسليطه عليه بحمله على أن يفعل ما لا ينبغي؛ كمداهنة الملك المذكور، وعدم إغاثة الملهوف، إلى غير ذلك من الأشياء التي يذكرها المفسرون.
ممكن، وهو أقرب من تسليطه عليه بحمله على أن يفعل ما لا ينبغي؛ كمداهنة الملك المذكور، وعدم إغاثة الملهوف، إلى غير ذلك من الأشياء التي يذكرها المفسرون. وقد ذكروا هنا قصة طويلة تتضمن البلاء الذي وقع فيه، وقدر مدته (وكل ذلك من الإسرائيليات) وقد ذكرنا هنا قليلًا.
وغاية ما دل عليه القرآن: أن الله ابتلى نبيه أيوب عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، وأنه ناداه فاستجاب له وكشف عنه كل ضر، ووهبه أهله ومثلهم معهم، وأن أيوب نسب ذلك في "ص" إلى الشيطان. ويمكن أن يكون سلطه الله على جسده وماله وأهله؛ ابتلاء ليظهر صبره الجميل، وتكون له العاقبة الحميدة في الدنيا والآخرة، ويرجع له كل ما أصيب فيه، والعلم عند الله تعالى. وهذا لا ينافي أن الشيطان لا سلطان له على مثل أيوب؛ لأن التسليط على الأهل والمال والجسد من جنس الأسباب التي تنشأ عنها الأعراض البشرية كالمرض، وذلك يقع للأنبياء؛ فإنهم يصيبهم المرض، وموت الأهل، وهلاك المال لأسباب متنوعة. ولا مانع من أن يكون جملة تلك الأسباب تسليط الشيطان على ذلك للابتلاء.
ض، وذلك يقع للأنبياء؛ فإنهم يصيبهم المرض، وموت الأهل، وهلاك المال لأسباب متنوعة. ولا مانع من أن يكون جملة تلك الأسباب تسليط الشيطان على ذلك للابتلاء. وقد أوضحنا جواز وقوع الأمراض والتأثيرات البشرية على الأنبياء في سورة "طه"، وقول الله لنبيه أيوب في سورة "ص": ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ﴾ الآية، قال المفسرون فيه: إنه حلف في مرضه ليضربن زوجه مائة سوط، فأمره الله أن يأخذ ضغثًا فيضربها به ليخرج من يمينه، والضغث: الحزمة الصغيرة من حشيش أو ريحان
أو نحو ذلك. والمعنى: أنه يأخذ حزمة فيها مائة عود فيضربها بها ضربة واحدة، فيخرج بذلك من يمينه. وقد قدمنا في سورة "الكهف" الاستدلال بآية ﴿وَلَا تَحْنَثْ﴾ على أن الاستثناء المتأخر لا يفيد؛ إذ لو كان يفيد لقال الله لأيوب: قل إن شاء الله؛ ليكون ذلك استثناء في يمينك.
•