Dan demikianlah Kami bangunkan mereka, agar di antara mereka saling bertanya. Salah seorang di antara mereka berkata, "Sudah berapa lama kamu berada (di sini)?" Mereka menjawab, "Kita berada (di sini) sehari atau setengah hari." Berkata (yang lain lagi), "Tuhanmu lebih mengetahui berapa lama kamu berada (di sini). Maka suruhlah salah seorang di antara kamu pergi ke kota dengan membawa uang perakmu ini, dan hendaklah dia lihat manakah makanan yang lebih baik, dan bawalah sebagian makanan itu untukmu, dan hendaklah dia berlaku lemah lembut dan jangan sekali-kali menceritakan halmu kepada siapa pun
على طُولِ الزمانِ، وثيابهم من العفَنِ على مرِّ الأيام بقُدرتنا، فكذلك بعثناهم من رقدتهم، وأيقظناهم من نومهم؛ لنُعرِّفَهم عظيم سُلطاننا، وعجيب فعلنا في
خلقنا، وليزدادُوا بصيرةً في أمرهم الذي هم عليه؛ من براءتهم من عبادة الآلهة، وإخلاصهم [العبادة لله] وحده لا شريك له، إذا تبيَّنوا طولَ مَرِّ الزمانِ عليهم، وهم بهيئتهم حين رقدوا.
وقولُه: ﴿لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ﴾. يقولُ: ليسأل بعضُهم بعضًا، ﴿قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ﴾. يقولُ عزّ ذكرُه: فتساءلوا فقال قائلٌ منهم لأصحابه: ﴿كَمْ لَبِثْتُمْ﴾؟ وذلك أنَّهم استنْكَروا مِن أنفسهم طول رقدتهم، ﴿قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾. يقولُ: فأجابه الآخرون فقالوا: ﴿لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾. ظنًّا منهم أن ذلك كذلك كان، فقال الآخرون: ﴿رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ﴾. فسلَّموا العلم إلى اللهِ.
وقوله: ﴿فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ﴾.
قال الآخرون: ﴿رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ﴾. فسلَّموا العلم إلى اللهِ.
وقوله: ﴿فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ﴾. يعنى مدينتهم التي خرجوا منها هرابًا، التي تُسمَّى أُفْسُوس، ﴿فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ﴾. ذُكر أنَّهم بعثوا من رقدتهم جِياعًا، فلذلك طلبوا الطعام.
ذكرُ مَن قال ذلك، وذكرُ السبب الذي أجلِه ذُكر أنهم بُعثوا من رقدتهم حين بُعثوا منها
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمرٌ، قال:
أخبرني إسماعيلُ بن شَرُوسٍ، أنه سمع وهب بن مُنبهٍ يقولُ: إنهم عبروا - يعنى الفتية من أصحاب الكهف - بعد ما بُنى عليهم باب الكهف زمانًا بعد زمانٍ، ثم إِنَّ راعيًا أدْرَكه المطرُ عندَ الكهف، فقال: لو فتحتُ هذا الكهف وأدخَلْتُه غنمى من المطر.
ب الكهف - بعد ما بُنى عليهم باب الكهف زمانًا بعد زمانٍ، ثم إِنَّ راعيًا أدْرَكه المطرُ عندَ الكهف، فقال: لو فتحتُ هذا الكهف وأدخَلْتُه غنمى من المطر. فلم يزَلْ يُعالجُه حتى فتح ما أُدخل فيه، ورَدَّ الله إليهم أرواحهم في أجسامهم من الغد حين أصبحوا، فبعثوا أحدهم بوَرِقٍ يشترى لهم طعامًا، فكلما أتى باب مدينتهم، رأى شيئًا يُنكرُه، حتى دخل على رجلٍ فقال: يعنى بهذه الدراهم طعامًا. فقال: ومن أين لك هذه الدراهمُ؟ قال: خرَجْتُ وأصحابٌ لى أمسِ، فآوانا الليلُ، ثم أصبحوا فأرسلونى. فقال: هذه الدراهمُ كانت على عهد الملك. فلانٍ، فأنَّى لك بها؟ فرفعه إلى الملك، وكان ملكًا صالحًا، فقال: من أين لك هذه الوَرِقُ؟ قال: خرَجْتُ أنا وأصحابٌ لى أمس، حتى أدركنا الليلُ في كهف كذا وكذا، ثم أمرونى أن أشترى لهم طعامًا. قال: وأين أصحابك؟ قال: في الكهف. قال: فانطلقوا معه حتى أَتَوْا بابَ الكهف، فقال: دعُونى أدخُلْ على أصحابى قبلكم.
وكذا، ثم أمرونى أن أشترى لهم طعامًا. قال: وأين أصحابك؟ قال: في الكهف. قال: فانطلقوا معه حتى أَتَوْا بابَ الكهف، فقال: دعُونى أدخُلْ على أصحابى قبلكم. فلما رأَوه ودنا منهم، ضُرب على أُذنه وآذانهم، فجعلوا كلما دخل رجلٌ أُرْعِب، فلم يَقْدِروا على أن يَدخُلوا إليهم، فبنوا عندهم كنيسةً،
واتَّخذوها مسجِدًا يُصلُّون فيه.
حدَّثنا الحسن بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاق، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادة، عن عكرمة، قال: كان أصحابُ الكهف أبناء ملوك الروم، رزَقهم الله الإسلام، فتعوَّذوا بدينِهم، واعتزلوا قومهم، حتى انتهَوا إلى الكهف، فضرب اللَّهُ على سُمْخانِهم فلبثوا دهرًا طويلًا، حتى هلكت أُمتُهم، وجاءت أُمةٌ مسلمةٌ، وكان ملكُهم مسلمًا، فاختلفوا في الروح والجسد؛ فقال قائلٌ: تُبعثُ الروحُ والجسدُ جميعًا.
وقال قائلٌ: تُبعثُ الروحُ، فأما الجسدُ فتأكلُه الأرضُ فلا يكون شيئًا.
ُهم مسلمًا، فاختلفوا في الروح والجسد؛ فقال قائلٌ: تُبعثُ الروحُ والجسدُ جميعًا.
وقال قائلٌ: تُبعثُ الروحُ، فأما الجسدُ فتأكلُه الأرضُ فلا يكون شيئًا. فشقَّ على ملكهم اختلافُهم، فانطلق فليس المُسُوحَ، وجلس على الرَّمادِ، ثم دعا الله تعالى فقال: أي ربِّ، قد تَرى اختلاف هؤلاء، فابعث لهم آيةٌ تُبَيِّنْ لهم. فبعث الله أصحاب الكهف، فبعثوا أحدهم يشترى لهم طعامًا، فدخل السوق، فجعل يُنكرُ الوُجوهَ، ويُعرفُ الطُّرق، ويرى الإيمان بالمدينة ظاهرًا، فانطلق وهو مُستَخْفٍ، حتى أتى رجلًا يشترى منه طعامًا، فلما نظر الرجلُ إلى الوَرِقِ أَنكرها. قال: حسِبتُ أنه قال: كأَنَّها أخفافُ الرُّبَعِ - يعنى الإبل الصِّغار - فقال له الفتى: أليس ملككم فلانٌ؟ قال: بل مَلِكُنا فلانٌ.
إلى الوَرِقِ أَنكرها. قال: حسِبتُ أنه قال: كأَنَّها أخفافُ الرُّبَعِ - يعنى الإبل الصِّغار - فقال له الفتى: أليس ملككم فلانٌ؟ قال: بل مَلِكُنا فلانٌ. فلم يزَلْ ذلك بينهما حتى رفعه إلى الملكِ، فسأله، فأخبره الفتى خبر أصحابه، فبعث الملكُ في الناس فجمعهم، فقال: إنَّكم قد اختلَفْتُم في الرُّوح والجسد، وإنَّ الله قد بعث لكم آية؛ فهذا رجلٌ من قوم فلانٍ.
يعنى ملكهم الذي مضى، فقال الفتى: انطلقوا بى إلى أصحابى. فركب الملكُ، وركب معه الناسُ، حتى انتهى إلى الكهفِ، فقال الفتى: دعونى أدخُلْ إلى أصحابى. فلمّا أبْصَرهم ضرب الله على أُذنِه وعلى آذانهم، فلما استبطئوه دخل الملك، ودخل الناس معه، فإذا أجسادٌ لا يُنكرون منها شيئًا، غير أنَّها لا أرواح فيها، فقال الملكُ: هذه آيةٌ بعثها الله لكم. قال قتادة: [وغزا ابن عباسٍ] مع حبيب بن مَسلَمةَ، فمرُّوا بالكهفِ، فإذا فيه عظامٌ، فقال رجلٌ: هذه عظامُ أصحاب الكهف.
الملكُ: هذه آيةٌ بعثها الله لكم. قال قتادة: [وغزا ابن عباسٍ] مع حبيب بن مَسلَمةَ، فمرُّوا بالكهفِ، فإذا فيه عظامٌ، فقال رجلٌ: هذه عظامُ أصحاب الكهف. فقال ابن عباسٍ: لقد ذهبت عظامُهم منذ أكثر من ثلاثمائة سنةٍ.
حدَّثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاق فيما ذكر من حديث أصحاب الكهف، قال: ثم ملك أهل تلك البلادِ رجلٌ صالحٌ، يقال له: تيذوسيسُ. فلمّا ملك بقى في ملكه ثمانيًا وستِّين سنةً، فتحزَّب الناسُ في ملكه، فكانوا أحزابًا، فمنهم من يُؤْمِنُ بالله ويعلَمُ أنَّ الساعةَ حقٌّ، ومنهم من يُكذِّبُ بها، فكبُر ذلك على الملك الصالح تيذوسيس، وبكى إلى الله وتضرَّع إليه، وحزن حزنًا شديدًا لما رأى أهل الباطل يزيدون ويظهرون على أهل الحقِّ ويقولون: لا حياة إلا الحياةُ الدُّنيا، وإنما تُبعثُ النُّفوسُ، ولا تُبعثُ الأجسادُ.
حزن حزنًا شديدًا لما رأى أهل الباطل يزيدون ويظهرون على أهل الحقِّ ويقولون: لا حياة إلا الحياةُ الدُّنيا، وإنما تُبعثُ النُّفوسُ، ولا تُبعثُ الأجسادُ. ونسُوا ما في الكتاب، فجعل تيذوسيسُ يُرسل إلى من يظُنُّ فيه خيرًا، وأنَّهم أئمةٌ في الحقِّ، فجعلوا يُكَذِّبون بالساعة، حتى كادوا أن يُحوِّلوا الناس عن الحقِّ وملة الحواريين، فلمّا رَأى ذلك الملكُ
الصالح تيذوسيسُ، دخل بيته فأغلقه عليه، ولبس مِسْحًا، وجعل تحته رمادًا، ثم جلس عليه، فدأب ذلك ليله ونهاره زمانًا يتضرع إلى الله، ويَبْكى إليه مما يرى فيه الناسَ، ثم إنَّ الرحمن الرحيم الذي يكره هلكة العبادِ، أراد أن يُظْهِرَ على الفتية أصحاب الكهف، ويبيِّن للناس شأنهم، ويجعلهم آيةً لهم، وحُجةً عليهم؛ ليعلموا أن الساعة آتيةٌ لا ريب فيها، وأن يستجيب لعبده الصالح تيذوسيسَ، ويتمَّ نعمته عليه، فلا يَنْزِعَ منه ملكه، ولا الإيمان الذي أعطاه، وأن يَعْبُدَ اللَّهَ لا يُشْرِكُ به شيئًا، وأن يَجْمَعَ مَن كان تبدَّدَ من المؤمِنين؛ فأَلْقَى اللَّهُ في نفسِ رجلٍ
منه ملكه، ولا الإيمان الذي أعطاه، وأن يَعْبُدَ اللَّهَ لا يُشْرِكُ به شيئًا، وأن يَجْمَعَ مَن كان تبدَّدَ من المؤمِنين؛ فأَلْقَى اللَّهُ في نفسِ رجلٍ من أهل ذلك البلد الذي به الكهف - وكان الجبل بنجلوس الذي فيه الكهف لذلك الرجل، وكان اسمُ ذلك الرجلِ أولياس - أن يَهْدِمَ البنيان الذي على فم الكهف. فيبني به حظيرةً لغنمه، فاستأجر عامِلَين، فجعَلا يَنزِعان تلك الحجارة، ويبنيان بها تلك الحظيرة، حتى نزعا ما على فم الكهف، حتى فتحا باب الكهف، وحجَبَهم الله من الناس بالرُّعب، فَيَزْعُمون أن أشجَعَ من يُريدُ أن ينظُرَ إليهم [غايةَ ما يُمكنه] أن يَدْخُلَ من باب الكهف، ثم يتقدَّمَ حتى يرى كلبهم دونَهم إلى بابِ الكهف نائمًا، فلما نزعا الحجارة وفتحا بابَ الكهف، أذن الله ذو القدرة والعظمة والسلطان محيى الموتى للفتية أن يجلسوا بين ظهرى الكهف، فجلسوا فرحين، مُسْفِرةً وجوههم، طيِّبةً أنفسهم، فسلم بعضُهم على بعضٍ، حتى كأَنَّما استَيْقَظوا من ساعتهم التي كانوا يستيقظون لها إذا أصبحوا من ليلتهم التي يبيتُون
، مُسْفِرةً وجوههم، طيِّبةً أنفسهم، فسلم بعضُهم على بعضٍ، حتى كأَنَّما استَيْقَظوا من ساعتهم التي كانوا يستيقظون لها إذا أصبحوا من ليلتهم التي يبيتُون فيها، ثم قاموا إلى الصلاة فصلوا كالذى كانوا يفعلون، لا يَرون ولا يُرى في وجوههم ولا أبشارهم ولا ألوانهم شيءٌ يُنكرونه، كهيئتهم حين رقدوا بعشيٍّ أمسٍ، وهم يرون أن ملِكَهم
دقينوس الجبار في طلبهم والتماسهم، فلما قضَوْا صلاتهم كما كانوا يفعلون، قالوا ليمليخا صاحب نفقتهم الذي كان يبتاعُ لهم طعامهم وشرابهم من المدينة، وجاءَهم بالخبر أن دقينوسَ يلْتَمِسُهم ويسأل عنهم: أنبئنا يا أخى، ما الذي قال الناسُ في شأننا عشيَّ أمس عند هذا الجبارِ؟ وهم يظنُّون أنَّهم رقدوا كبعض ما كانوا يَرقُدون، وقد خُيِّل إليهم أنَّهم قد ناموا كأطول ما كانوا ينامون في الليلة التي أصبحوا فيها، حتى تساءَلُوا بينهم، فقال بعضُهم لبعضٍ: كم لَبِثْتم نياما؟ قالوا: ﴿لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾. قالوا: ﴿رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ﴾.
ى تساءَلُوا بينهم، فقال بعضُهم لبعضٍ: كم لَبِثْتم نياما؟ قالوا: ﴿لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾. قالوا: ﴿رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ﴾. وكلُّ ذلك في أنفسهم يسيرٌ، فقال لهم يمليخا: افتُقدتُم والتُمِسْتُم بالمدينة، وهو يُريدُ أن يُؤْتَى بكم اليوم، فتذبحون للطواغيت، أو يقتُلكم، فما شاء الله بعد ذلك فعل. فقال لهم مكسلمينا: يا إخوتاه، اعلموا أنكم ملاقوْن، فلا تكفُروا بعد إيمانكم إذا دعاكم عدو الله، ولا تنكروا الحياة التي لا تبيدُ بعد إيمانكم بالله، والحياة من بعد الموت. ثم قالوا ليمليخا: انطلق إلى المدينة فتَسمَّع ما يقال لنا بها اليوم، وما الذي [نُذكر به] عند دقينوس، وتلطَّف، [ولا تُشعِرَنَّ بنا أحدًا]، وابتع لنا طعامًا فائتنا به، فإنه قد آن لك، وزدنا على الطعام الذي جئتنا به، فإنه كان قليلًا، فقد أصبحنا جياعًا.
، وتلطَّف، [ولا تُشعِرَنَّ بنا أحدًا]، وابتع لنا طعامًا فائتنا به، فإنه قد آن لك، وزدنا على الطعام الذي جئتنا به، فإنه كان قليلًا، فقد أصبحنا جياعًا. ففعل يمليخا كما كان يفعَلُ، ووضع ثيابه، وأخذ الثياب التي كان يتنكَّرُ فيها، وأَخَذَ وَرِقًا من نفقتهم التي كانت معهم، التي ضُرِبت بطابع دقينوس الملكِ، فانطلق يمليخا خارجًا، فلما مر بباب
الكهفِ، رَأى الحجارةَ مَنْزوعةً عن باب الكهف، فعجب منها، ثم مرَّ فلم يُبال بها، حتى أتى المدينة مستخفيًا يصُدُّ عن الطريقِ؛ تخوفًا أن يراه أحدٌ من أهلها فيعرفه، فيذهب به إلى دقينوس، ولا يَشْعُرُ العبد الصالح أن دقينوس وأهل زمانه قد هلكوا قبل ذلك بثلاثمائةٍ وتسع سنين، أو ما شاء الله من ذلك، إذ كان ما بينَ أن نامُوا إلى أَنِ اسْتَيْقظوا ثلاثمائةٍ وتسع سنين، فلما رأى يمليخا باب المدينة رفع بصره، فرأى فوق ظهر الباب علامةً تكونُ لأهل الإيمان إذا كان [أمر أهل الإيمان] ظاهرًا فىها، فلما رآها عجب وجعل ينظُرُ مستخفيًا إليها، فنظر يمينا وشمالًا، فعجب بينه وبين نفسه،
اب علامةً تكونُ لأهل الإيمان إذا كان [أمر أهل الإيمان] ظاهرًا فىها، فلما رآها عجب وجعل ينظُرُ مستخفيًا إليها، فنظر يمينا وشمالًا، فعجب بينه وبين نفسه، ثم ترك ذلك البابَ، فتحوَّل إلى باب آخر من أبوابها، فنظر فرأى مِن ذلك ما يُحيطُ بالمدينة كلِّها، ورأى على كلِّ بابٍ مثل ذلك، فجعل يُخيَّلُ إليه أن المدينة ليست بالمدينة التي كان يَعْرِفُ، ورأى ناسًا كثيرًا محدثين لم يكن يراهم قبل ذلك، فجعل يمشى ويعجَبُ، ويُخيَّلُ إليه أنَّه حَيْرانُ، ثم رجع إلى البابِ الذي أتى منه، فجعَل يَعْجَبُ بينه وبين نفسه ويقولُ: يا ليت شعرى، أمَا هذه عشية أمس فكان المسلمون يُخفون هذه العلامةَ ويَسْتَخْفُون بها، وأمّا اليوم فإنَّها ظاهرةٌ، لعلِّى حالمٌ!
بينه وبين نفسه ويقولُ: يا ليت شعرى، أمَا هذه عشية أمس فكان المسلمون يُخفون هذه العلامةَ ويَسْتَخْفُون بها، وأمّا اليوم فإنَّها ظاهرةٌ، لعلِّى حالمٌ! ثم يرى أنه ليس بنائمٍ، فأخَذ كساءَه فجعله على رأسه، ثم دخل المدينةَ فجعل يمشى بين ظهرَيْ سوقها، فيسْمَعُ ناسًا كثيرًا يَحْلِفون باسم عيسى ابن مريم، فزادَه فرقًا، ورأى أنه حَيْرانُ، فقام مُسنِدًا ظهره إلى جدارٍ من جُدرِ المدينة ويقولُ في نفسه: واللَّهِ ما أَدْرِى ما هذا؟ أمّا عشية أمس فليس على الأرضِ إنسانٌ يَذْكُرُ عيسى ابن مريم إلا قُتل، وأما الغداةَ فَأَسْمَعُهم وكلُّ إنسانٍ يَذْكُرُ أَمرَ عيسى لا يخافُ! ثم قال في
نفسه: لعلَّ هذه ليست بالمدينة التي أعْرِفُ، أسمع كلام أهلها، ولا أعرفُ أحدًا منهم، والله ما أعلمُ مدينةٌ قُربَ مدينتنا! فقام كالحيران لا يتوجَّهُ وجهًا، ثم لقى فتًى مِن أَهلِ المدينة، فقال له: ما اسم هذه المدينة يا فتى؟ قال: اسمُها أُفْسُوسُ.
علمُ مدينةٌ قُربَ مدينتنا! فقام كالحيران لا يتوجَّهُ وجهًا، ثم لقى فتًى مِن أَهلِ المدينة، فقال له: ما اسم هذه المدينة يا فتى؟ قال: اسمُها أُفْسُوسُ. فقال في نفسه: لعلَّ بى مسًّا، أو بى أمرًا أَذْهَب عقلى، واللَّهِ يحقُّ لى أن أُسرِعَ الخروج منها قبلَ أَن أُخْرَى فيها، أو يصيبنى شرٌّ فأهلك. هذا الذي يُحدِّثُ به يمليخا أصحابه حين يبيِّن لهم ما بهم، ثم إنه أفاق فقال: والله لو عجَّلتُ الخروج من المدينة قبل أن يُفْطَنَ بى لكان أكيس لى. فدنا من الذين يبيعُون الطعامَ، فأَخْرَج الورق التي كانت معه، فأعطاها رجلًا منهم، فقال: بعنى بهذه الوَرِقِ يا عبدَ اللَّهِ طعامًا. فأخذها الرجلُ، فنظر إلى ضَرْبِ الوَرِقِ ونقشِها، فعجب منها، ثم طرحها إلى رجلٍ من أصحابه فنظر إليها، ثم جعلوا يتطارَحُونها بينهم من رجلٍ إلى رجلٍ، ويتعجَّبُون منها، ثم جعَلُوا يَتَشاورون بينهم ويقولُ بعضُهم لبعضٍ: إنَّ هذا الرجل قد أصاب كنزًا خبيئًا في الأرضِ منذ زمانٍ ودهرٍ طويلٍ.
جلٍ إلى رجلٍ، ويتعجَّبُون منها، ثم جعَلُوا يَتَشاورون بينهم ويقولُ بعضُهم لبعضٍ: إنَّ هذا الرجل قد أصاب كنزًا خبيئًا في الأرضِ منذ زمانٍ ودهرٍ طويلٍ. فلما رآهم يَتَشاوَرُون من أجلِه فرق فَرَقًا شديدًا، وجَعَل يَرْتَعِدُ ويَظُنُّ أَنهم قد فطنوا به وعرفوه، وأنَّهم إنما يُريدون أن يَذْهَبوا به إلى ملكهم دقينوس يُسلِّمونه إليه، وجعل ناسٌ آخرون يأتونه فيتعرَّفونه، فقال لهم وهو شديدُ الفَرَقِ منهم: أفضلوا عليَّ، قد أخَذْتم وَرقى فأمسكوا، وأما طعامُكم فلا حاجة لى به. فقالوا له: من أنت يا فتى؟ وما شأنُك؟ والله لقد وَجَدْتَ كَنزًا من كُنوز الأوَّلين، وأنت تُريدُ أن تُخْفِيَه منا، انطلق معنا فأرناه، وشاركنا فيه نُخْفِ عليك ما وَجَدْتَ، فإنَّك إن لا تفعَلْ نَأْتِ بك السلطان،
فتُسلِّمْك إليه فيقْتُلْك. فلمّا سمع قولهم، عجب في نفسه فقال: قد وقعتُ في كلَّ شيءٍ كنتُ أحذَرُ منه. ثم قالوا: يا فتى، إِنَّكَ واللَّهِ ما تَسْتَطِيعُ أَن تَكْتُمَ ما وَجَدْتَ، [ولا تَظُنُّ في] نفسك أنه سيَخْفَى لك.
قعتُ في كلَّ شيءٍ كنتُ أحذَرُ منه. ثم قالوا: يا فتى، إِنَّكَ واللَّهِ ما تَسْتَطِيعُ أَن تَكْتُمَ ما وَجَدْتَ، [ولا تَظُنُّ في] نفسك أنه سيَخْفَى لك. فجعل يمليخا لا يَدْرِى ما يقول لهم وما يَرْجِعُ إليهم، وفرق حتى ما يُحِيرُ إليهم جوابًا، فلمّا رَأَوْه لا يتكلَّمُ أخَذوا كساءَه فطوَّقوه في عُنقِه، ثم جعلوا يقودُونه في سِكَكِ المدينةِ مُلَبَّبًا. حتى سمع به من فيها، فقيل: أُخِذ رجلٌ عنده كنزٌ. واجتمع عليه أهلُ المدينة صغيرهم وكبيرُهم، فجعلوا ينظرون إليه ويقولُون: والله ما هذا الفتى من أهل هذه المدينة، وما رأيناه فيها قطُّ، وما نَعْرِفُه.
ٌ. واجتمع عليه أهلُ المدينة صغيرهم وكبيرُهم، فجعلوا ينظرون إليه ويقولُون: والله ما هذا الفتى من أهل هذه المدينة، وما رأيناه فيها قطُّ، وما نَعْرِفُه. فجعل يمليخا لا يَدْرِى ما يقولُ لهم، مع ما يَسْمَعُ منهم، فلما اجتمع عليه أهلُ المدينة فرق، فسكت فلم يتكلَّم، ولو أنه قال: إنَّه من أهل المدينة، لم يُصدَّق، وكان مستيقنًا أنَّ أباه وإخوته بالمدينة، وأن حَسَبه مِن أهل المدينة من عُظماء أهلها، وأنهم سيأتونه إذا سمعوا، وقد استيقن أنَّه من عشية أمس يعرِفُ كثيرًا من أهلها، وأنَّه لا يَعْرِفُ اليومَ مِن أهلها أحدًا، فبينما هو قائمٌ كالحيران ينتظرُ متى يأتيه بعض أهله؛ أبوه أو بعض إخوته، فيخلِّصه من أيديهم، إذ اختطفوه فانطلقوا به إلى رأسى المدينة ومدبِّريها اللذين يُدبِّران أمرها، وهما رجلان صالحان، كان اسمُ أحدهما أريوس، واسمُ الآخر أسطيوس، فلما انطلق به
إذ اختطفوه فانطلقوا به إلى رأسى المدينة ومدبِّريها اللذين يُدبِّران أمرها، وهما رجلان صالحان، كان اسمُ أحدهما أريوس، واسمُ الآخر أسطيوس، فلما انطلق به
إليهما، ظنَّ يمليخا أنه يُنطَلقُ به إلى دقينوس الجبار ملكهم الذي هربوا منه، فجعل يلتفتُ يمينًا وشمالًا، وجعل الناسُ يسخرون منه كما يُسخَرُ من المجنونِ والحيران، فجعل يمليخا يبكى، ثم رفع رأسه إلى السماء وإلى الله، ثم قال: اللهمَّ إله السماوات والأرض، أولج معى رُوحًا منك اليومَ تُؤيدُنى به عند هذا الجبار. وجعَل يبكى ويقولُ في نفسه: فرَّق بينى وبين إخوتى، يا ليتهم يعلمون ما لقيتُ، وأَنِّي يُذهَبُ بى إلى دقينوس الجبار، فلو أنهم يعلمون، فيأتون، فنقومُ جميعًا بينَ يدى دقينوس، فإنا كنا تواثقنا لنكونَنَّ معًا، لا نكفر بالله ولا نشركُ به شيئًا، ولا نعبُدُ الطواغيت من دونِ اللهِ، فرَّق بينى وبينهم، فلن يرونى ولن أراهم أبدًا، وقد كنَّا تواثقنا أن لا نفترق في حياة ولا موت أبدًا، يا ليت شعرى ما هو فاعلٌ بى؟ أقاتلى هو أم لا؟
للهِ، فرَّق بينى وبينهم، فلن يرونى ولن أراهم أبدًا، وقد كنَّا تواثقنا أن لا نفترق في حياة ولا موت أبدًا، يا ليت شعرى ما هو فاعلٌ بى؟ أقاتلى هو أم لا؟ ذلك الذي يحدِّثُ به يمليخا نفسَه فيما أخبر أصحابه حين رجع إليهم.
حتى انتهى به إلى الرجلين الصالحين أريوس وأسطيوس، فلما رأى يمليخا أنه لم يُذهب به إلى دقينوس أفاق وسكن عنه البكاءُ، فأخذ أريوسُ وأسطيوسُ الورق فنظرا إليها وعجبا منها، ثم قال أحدهما: أين الكنزُ الذي وجدتَ يا فتى؟ هذا الورقُ يشهدُ عليك أنك قد وجدت كنزًا. فقال لهما يمليخا: ما وجدتُ كنزًا، ولكنَّ هذه الورق ورِقُ آبائى ونقش هذه المدينةِ وضَرْبُها، ولكن والله ما أدرى ما شأنى، وما أدرى ما أقولُ لكم. فقال له أحدُهما: من أنت؟ فقال له يمليخا: [أما ما أرى] فكنتُ أرى أنى من أهل هذه القرية. قالوا: فمن أبوك ومن يعرفك بها؟
فأنبأهم باسم أبيه، فلم يجدوا أحدًا يعرِفُه ولا أباه، فقال له أحدُهما: أنت رجلٌ كذَّابٌ لا تُنبئُنا بالحقِّ.
ذه القرية. قالوا: فمن أبوك ومن يعرفك بها؟
فأنبأهم باسم أبيه، فلم يجدوا أحدًا يعرِفُه ولا أباه، فقال له أحدُهما: أنت رجلٌ كذَّابٌ لا تُنبئُنا بالحقِّ. فلم يدر يمليخا ما يقول لهم، غير أنه نكس بصره إلى الأرض، فقال له بعضُ من حوله: هذا رجلٌ مجنونٌ. فقال بعضُهم: ليس بمجنونٍ، ولكنَّه يُحَمِّقُ نفسَه عمدًا لكي ينفلت منكم. فقال له أحدُهما، ونظر إليه نظرًا شديدًا: أتظُنُّ أنك إذ تتجانَنُ نُرسِلُك ونُصدِّقُك بأن هذا مالُ أبيك، وضربُ هذه الورق ونقشُها منذ أكثر من ثلاثمائة سنةٍ، وإنما أنت غلامٌ شابٌّ، تظنُّ أنك تأفِكُنا، ونحن شُمْطٌ كما ترى، وحولك سَراة أهل المدينة وولاة أمرها؟ إنى لأظُنُّنى سآمُرُ بك فتعذَّبُ عذابًا شديدًا، ثم أُوثِقُك حتى تعترف بهذا الكنز الذي وجدت. فلما قال ذلك قال له يمليخا: أنبئونى عن شيءٍ أسألكم عنه، فإن فعلتم صدَقْتُكم عمَّا عندى؛ أرأيتُم دقينوس الملك الذي كان في هذه المدينة عشية أمس ما فعل؟
فلما قال ذلك قال له يمليخا: أنبئونى عن شيءٍ أسألكم عنه، فإن فعلتم صدَقْتُكم عمَّا عندى؛ أرأيتُم دقينوس الملك الذي كان في هذه المدينة عشية أمس ما فعل؟ فقال له الرجلُ: ليس على وجه الأرضِ رجلٌ اسمه دقينوسُ، ولم يكن إلا ملكٌ قد هلك منذ زمانٍ ودهرٍ طويلٍ، وهلكت بعده قرونٌ كثيرةٌ. فقال له يمليخا: فوالله إنى إذًا لحيرانُ، وما هو بمصدِّقى أحدٌ من الناس بما أقولُ، والله لقد علمتُ، لقد فَرَرنا من الجبار دقينوس، وإني قد رأيته عشية أمس حين دخل مدينة أُفسوس، ولكن لا أدرى، أمدينةُ أُفسوس هذه أم لا؟ فانطلقا معى إلى الكهف الذي في جبل بنجلوس أُريكم أصحابى. فلما سمع أريوسُ ما يقول يمليخا، قال: يا قوم، لعلَّ هذه آيةٌ من آياتِ اللَّهِ جعلها الله لكم على يدى هذا الفتى، فانطلقوا بنا معه يُرنا أصحابه كما
قال.
فلما سمع أريوسُ ما يقول يمليخا، قال: يا قوم، لعلَّ هذه آيةٌ من آياتِ اللَّهِ جعلها الله لكم على يدى هذا الفتى، فانطلقوا بنا معه يُرنا أصحابه كما
قال. فانطلق معه أريوس وأسطيوسُ، وانطلق معهم أهلُ المدينة كبيرُهم وصغيرُهم، نحو أصحاب الكهف لينظُروا إليهم.
ولما رأى الفتية أصحابُ الكهف يمليخا قد احتبس عنهم بطعامهم وشرابهم عن القدر الذي كان يأتى فيه، ظنُّوا أنه قد أُخِذ فذُهب به إلى ملكهم دقينوس الذي هربوا منه، فبينما هم يظنُّون ذلك ويتخوَّفونه، إذ سمِعوا الأصوات وجَلْبَةَ الخيلِ مُصعِدَةً نحوَهم، فظنُّوا أَنَّهم رُسُلُ الجبار دقينوس بعث إليهم ليؤتى بهم، فقاموا حين سمعوا ذلك إلى الصلاةِ، وسلَّم بعضُهم على بعضٍ، وأوصى بعضُهم بعضًا، وقالوا: انطلقوا بنا نأت أخانا يمليخا، فإنَّه الآن بين يدي الجبار دقينوس ينتظرُ متى نأتيه.
لك إلى الصلاةِ، وسلَّم بعضُهم على بعضٍ، وأوصى بعضُهم بعضًا، وقالوا: انطلقوا بنا نأت أخانا يمليخا، فإنَّه الآن بين يدي الجبار دقينوس ينتظرُ متى نأتيه. فبينما هم يقولون ذلك، وهم جُلوسٌ بين ظهرَى الكهف، فلم يَرَوْا إِلا أريوس وأصحابه وقوفًا على باب الكهف، وقد سبقهم يمليخا، فدخل عليهم وهو يبكى، فلما رَأَوْه يَبكى بكوا معه، ثم سألوه عن شأنه، فأخبرهم خبره، وقصَّ عليهم النبأ كلَّه، فعرَفوا عند ذلك أنَّهم كانوا نيامًا بأمرِ اللَّهِ ذلك الزمانَ كلَّه، وإنما أُوقِظُوا ليكونوا آيةً للناس، وتصديقًا للبعث، وليعلموا أنَّ الساعة آتيةٌ لا ريب فىها، ثم دخل على إثر يمليخا أريوس، فرأى تابوتًا من نُحاس مختومًا بخاتمٍ من فضةٍ، فقام بباب الكهفِ، ثم دعا رجالًا من عُظماء أهل المدينة، ففتح التابوت عندهم، فوجدوا فيه لوحين من رصاصٍ، مكتوبٌ فىهما كتابٌ، فقرأهما فوجد فىهما: إن مَكْسَلْمِينا، ومحسلمينا، ويمليخا، ومَرْطُونَس، وكشطونش، ويبورس، ويكرنوس،
عندهم، فوجدوا فيه لوحين من رصاصٍ، مكتوبٌ فىهما كتابٌ، فقرأهما فوجد فىهما: إن مَكْسَلْمِينا، ومحسلمينا، ويمليخا، ومَرْطُونَس، وكشطونش، ويبورس، ويكرنوس،
ويطبيونس قالوس، كانوا ثمانيةً هوبوا من ملكهم دقينوس الجبار؛ مخافة أن يَفْتِنَهم عن دينهم، فدخلوا هذا الكهف، فلما أُخْبِر بمكانهم أمر بالكهف فسُدَّ عليهم بالحجارة، وإنَّا كتبنا شأنهم وقصة خبرهم؛ ليعلمه من بعدهم إن عثَر عليهم. فلما قرءوه، عجبوا وحمدوا الله الذي أراهم آيةً للبعث فيهم، ثم رفعوا أصواتهم بحمد الله وتسبيحه، ثم دخلوا على الفتية الكهف، فوَجَدوهم جُلُوسًا بين ظَهْرَيه، مُشرِقةً وُجوهُهم، لم تَبْلَ ثيابُهم، فخرَّ أريوسُ وأصحابه سجودًا، وحمدوا الله الذي أراهم آيةً من آياته، ثم كلَّم بعضُهم بعضًا، وأنبأهم الفتيةُ عن الذي لقُوا من ملكهم دقينوس ذلك الجبار الذي كانوا هربوا منه، ثم إن أريوس وأصحابه بعثوا بريدًا إلى ملكهم الصالح تيذوسيس أن عَجِّلْ، لعلَّك تَنْظُرُ إلى آية من آياتِ اللَّهِ، جَعَلها الله على ملكك، وجعلها آيةً للعالمين؛
أريوس وأصحابه بعثوا بريدًا إلى ملكهم الصالح تيذوسيس أن عَجِّلْ، لعلَّك تَنْظُرُ إلى آية من آياتِ اللَّهِ، جَعَلها الله على ملكك، وجعلها آيةً للعالمين؛ لتكونَ لهم نورًا وضياءً، وتصديقًا بالبعث، فاعجَلْ على فتية بعَثَهم الله، وقد كان توفاهم منذُ أكثر من ثلاثمائة سنةٍ. فلما أتى الملك تيذوسيس الخبرُ، قام من المُسَنَّدَةِ التي كان عليها، ورجع إليه رأيُه وعقلُه، وذهب عنه همُّه، ورجع إلى الله ﷿، فقال: [أَحْمَدُك الله] ربَّ السماوات والأرض، أعبدك وأحمدُك، وأُسبِّحُ لك، تطوَّلْتَ عليَّ، ورحمتنى برحمتك، فلم تُطْفِئ النور الذي كنت جعلته لآبائى، وللعبد الصالح قسطيطينوس
الملك.
لسماوات والأرض، أعبدك وأحمدُك، وأُسبِّحُ لك، تطوَّلْتَ عليَّ، ورحمتنى برحمتك، فلم تُطْفِئ النور الذي كنت جعلته لآبائى، وللعبد الصالح قسطيطينوس
الملك. فلما نُبِّئ به أهلُ المدينةِ ركبوا إليه، وسارُوا معه حتى أَتَوْا مدينةً أُفْسُوسَ، فتلقَّاهم أهل المدينة، وسارُوا معه حتى أصعدوا نحو الكهف حتى أتوه، فلما رأى الفتية تيذوسيس فرحوا به، وخرُّوا سجودًا على وجوههم، وقام تيذوسيسُ قُدَّامَهم، ثم اعتنقهم وبكى، وهم جُلوس بين يديه على الأرضِ يُسبحون الله ويَحمَدونه، ويقولُ: والله ما أشبه بكم إلا الحواريون حين رأوُا المسيح. وقال: فرَّج الله عنكم، كأنَّكم الذين تُدْعَون فتُحْشَرُون مِن القُبورِ. فقال الفتية لتيذوسيس: إنا نُودِّعُك السلام، والسلام عليك ورحمة الله، حفظك الله، وحفظ لك مُلكَك بالسلام، ونُعيذُك باللَّهِ مِن شر الجنِّ والإنس، فآمن بعيشٍ مِن [خُلد وشيكٍ]، إن أسوأ ما سلك في بطن الإنسان أن لا يعلم شيئًا، لا كرامةً إن أُكرم بها، ولا هوانًا إن أُهين به.
هِ مِن شر الجنِّ والإنس، فآمن بعيشٍ مِن [خُلد وشيكٍ]، إن أسوأ ما سلك في بطن الإنسان أن لا يعلم شيئًا، لا كرامةً إن أُكرم بها، ولا هوانًا إن أُهين به. فبينما الملكُ قائمٌ، إذ رجعوا إلى مضاجِعِهم فنامُوا، وتوفَّى اللَّهُ أنفسهم بأمره، وقام الملك إليهم فجعل ثيابه عليهم، وأمر أن يُجْعَلَ لكلِّ رجلٍ منهم تابوتٌ من ذهبٍ، فلما أَمْسَوْا ونام، أتوه في المنام فقالوا: إنا لم نُخْلَقْ مِن ذهبٍ ولا فِضةٍ، ولكنَّا خُلِقْنا من ترابٍ وإلى التراب نصيرُ، فاترُكنا كما كنا في الكهف على التراب حتى يبعثنا الله منه. فأمر الملك حينئذٍ بتابوتٍ من ساجٍ فجعلوهم فيه،
وحجَبَهم الله حين خرجوا من عندهم بالرعب، فلم يَقْدِرُ أحدٌ منهم على أن يَدْخُلَ عليهم، وأمر الملكُ فجعَل كهفهم مسجدًا يُصَلَّى فيه، وجعل لهم عيدًا عظيمًا، وأمر أن يُؤْتَى كلَّ سنةٍ.
بالرعب، فلم يَقْدِرُ أحدٌ منهم على أن يَدْخُلَ عليهم، وأمر الملكُ فجعَل كهفهم مسجدًا يُصَلَّى فيه، وجعل لهم عيدًا عظيمًا، وأمر أن يُؤْتَى كلَّ سنةٍ. فهذا حديثُ أصحاب الكهف.
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةٌ، عن عبد العزيز بن أبى رَوَّادٍ، عن عبدِ اللَّهِ بن عُبيدِ بن عُميرٍ، قال: بعثهم اللَّهُ - يعنى الفتية أصحاب الكهف - وقد سُلِّط عليهم ملكٌ مسلمٌ - يعنى على أهل مدينتهم - وسلَّط الله على الفتية الجوع، فقال قائل منهم: ﴿كَمْ لَبِثْتُمْ﴾؟ قالُوا: ﴿لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾. قال: فردُّوا علم ذلك إلى الله، قالُوا: ﴿رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ﴾. وإذا معهم وَرِقٌ من ضرب الملك الذي كانوا في ﴿فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ﴾. أي بطعامٍ، ﴿وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا﴾.
ِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ﴾. وإذا معهم وَرِقٌ من ضرب الملك الذي كانوا في ﴿فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ﴾. أي بطعامٍ، ﴿وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا﴾. فخرج أحدهم فرأى المعالم متنكِّرةً، حتى انتهى إلى المدينة، فاستقبله الناسُ لا يَعْرِفُ منهم أحدًا ولا يعرفونه، حتى انتهى إلى صاحب طعام، فسامه بطعامه، فقال صاحبُ الطعامِ: هاتِ وَرِقَك. فأخرج إليه الوَرِقَ، فقال: من أين لك هذه الوَرِقُ؟ قال: هذه وَرِقُنا ووَرِقُ أهل بلادنا. فقال: هيهات، هذه الوَرِقُ مِن ضَرْبِ فلان بن فلانٍ، منذُ ثلاثمائة سنةٍ وتسع سنين، أنت أصبْتَ كنزًا، ولستُ بتاركك حتى أرْفعَك إلى الملكِ. [فرفعه إلى الملكِ]، وإذا الملكُ مسلمٌ وأصحابُه مُسلمون، ففرح واستبْشَر،
وأظهر لهم أمره، وأخبرهم خبر أصحابه، فبعثوا إلى اللوح في الخزانة فأتوا به، فوافق ما وصف من أمرهم، فقال المشركون: نحن أحقُّ بهم، هؤلاء أبناء آبائنا. وقال المسلمون: نحن أحقُّ بهم، هم مسلمون منا.
إلى اللوح في الخزانة فأتوا به، فوافق ما وصف من أمرهم، فقال المشركون: نحن أحقُّ بهم، هؤلاء أبناء آبائنا. وقال المسلمون: نحن أحقُّ بهم، هم مسلمون منا. فانطلقوا معه إلى الكهف، فلما أتوا باب الكهف قال: دعُونى حتى أدْخُلَ على أصحابى فأبُشِّرَهم، فإنَّهم إن رَأوْكم معى أرْعَبْتُموهم. فدخل فبشرهم، وقبض الله أرواحهم. قال: وعمَّى اللَّهُ عليهم مكانَهم فلم يهتدوا، فقال المشركون: نَبنى عليهم بُنْيانًا، فإِنَّهم أبناءُ آبائنا، ونعبُدُ الله فيه. وقال المسلمون: بل نحن أحقُّ بهم، هم منا، نَبنى عليهم مسجدًا تُصلِّى فيه، ونعبد الله فيه.
نى عليهم بُنْيانًا، فإِنَّهم أبناءُ آبائنا، ونعبُدُ الله فيه. وقال المسلمون: بل نحن أحقُّ بهم، هم منا، نَبنى عليهم مسجدًا تُصلِّى فيه، ونعبد الله فيه.
وأولَى الأقوال في ذلك بالصواب عندى قولُ من قال: إِنَّ الله تعالى بعثهم من رَقْدتهم ليتساءَلُوا بينَهم، كما بيَّنَّا قبلُ؛ لأنَّ اللَّهَ عزَّ ذكره كذلك أخبر عباده في كتابه، وإنَّ الله أعثَر عليهم القومَ الذين أعثَرهم عليهم؛ ليتحقَّقَ عندهم ببعث الله هؤلاء الفتية من رقدتهم بعدَ طُولِ مُدَّتِها [بهيئتهم يومَ رقدوا، ولم يَشِيبُوا على مرِّ الأيام والليالى عليهم، ولم يَهْرَموا على كرِّ الدُّهور] والأزمانِ فيهم - قدرتُه على بَعْثِ مَن أماته في الدنيا مِن قبره إلى موقف القيامة يوم القيامةِ؛ لأنَّ اللَّهَ عَزَّ ذكره بذلك أخبرنا، فقال: ﴿وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لَا رَيْبَ فِيهَا﴾ [الكهف:٢١].
واختلفت القرأةُ في قراءة قوله: ﴿فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ﴾؛
َّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لَا رَيْبَ فِيهَا﴾ [الكهف:٢١].
واختلفت القرأةُ في قراءة قوله: ﴿فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ﴾؛
فقرأ ذلك عامَّةُ قرأة أهل المدينة وبعضُ العراقيين: ﴿بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ﴾. بفتح الواو وكسر الراء والقافِ.
وقرأ عامَّةُ قرأة الكوفة والبصرة: (بوَرْقِكم). بسُكون الراء وكسر القاف.
وقرأه بعضُ المكِّيين بكسر الراء وإدغام القافِ في الكافِ.
وكلُّ هذه القراءاتِ متَّفقاتُ المعانى وإن اختلفت الألفاظُ منها، وهنَّ لغاتٌ معروفاتٌ من كلام العرب، غير أنَّ الأصل في ذلك فتح الواو وكسرُ الراء والقافِ؛ لأنَّه الوَرِقُ، وما عدا ذلك فإنما هو داخلٌ عليه طَلَبَ التخفيف. وفىه أيضًا لُغَةٌ أُخرى وهو "الوِرْقُ"، كما يقالُ للكَبِدِ: كِبْدٌ.
ُ الراء والقافِ؛ لأنَّه الوَرِقُ، وما عدا ذلك فإنما هو داخلٌ عليه طَلَبَ التخفيف. وفىه أيضًا لُغَةٌ أُخرى وهو "الوِرْقُ"، كما يقالُ للكَبِدِ: كِبْدٌ. فإذ كان ذلك هو الأصل، فالقراءةُ به إليَّ أعجبُ، من غير أن تكونَ الأُخريان مدفوعةً صحَّتُهما.
وقد ذَكَرْنا الرواية بأن الذي بُعث معه بالوَرِقِ إلى المدينةِ كان اسمُه يَمْلِيخا.
وقد حدَّثني عبيد الله بن محمدٍ الزُّهْرِيُّ، قال: ثنا سفيانُ، عن مقاتلٍ: ﴿فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ﴾: اسمُه يَمليخ.
وأما قوله: ﴿فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا﴾.
هْرِيُّ، قال: ثنا سفيانُ، عن مقاتلٍ: ﴿فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ﴾: اسمُه يَمليخ.
وأما قوله: ﴿فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا﴾. فإنَّ أهل التأويل اختلفوا في تأويله؛ فقال بعضُهم: معناه: فلْيَنْظُرْ أي أهل المدينة أكثرُ طعامًا.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيانُ، عن أبي حَصِينٍ، عن
عكرمة: ﴿أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا﴾ قال: أكثر.
وحدَّثنا الحسنُ، قال: أخبرنا عبدُ الرزاق، قال: أخبرنا الثوريُّ، عن أبي حَصينٍ، عن عكرمة مثلَه، إلَّا أنه قال: أَيُّهُ أكْثَرُ.
وقال آخرون: بل معناه: أيُّها أحلَّ طعامًا.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيانُ، عن أبي حصينٍ، عن سعيدٍ بن جبيرٍ: ﴿أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا﴾.
أحلَّ طعامًا.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيانُ، عن أبي حصينٍ، عن سعيدٍ بن جبيرٍ: ﴿أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا﴾. قال: أحلُّ.
حدَّثنا الحسنُ بن يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا الثوريُّ، عن أبى حصينٍ، عن سعيد بن جبيرٍ مثله.
وقال آخرون: بل معناه: أيها خيرٌ طعامًا.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادة في قوله: ﴿أَزْكَى طَعَامًا﴾. قال: خيرٌ طعامًا.
وأولَى الأقوال عندى في ذلك بالصواب قولُ مَن قال: معنى ذلك: أحلُّ وأطهَرُ. وذلك أنَّه لا معنَى في اختيار الأكثر طعامًا للشراء منه، إلا بمعنى إذا كان
أكثرُهم طعامًا كان خليقًا أن يكونَ الأفضلُ منه عندَه أوجدَ، وإذا شُرِط على المأمورِ الشراءُ من صاحبِ الأفضلِ، فقد أُمر بشراءِ الجيدِ، كان ما عندَ المشترَى ذلك منه قليلًا الجيدُ أو كثيرًا. وإنَّما وجَّه من وجَّه تأويلَ ﴿أَزْكَى﴾ إلى الأكثرِ؛ لأنَّه وجَد العربَ تقولُ: قد زَكا مالُ فلانٍ. إذا كثرُ.
لمشترَى ذلك منه قليلًا الجيدُ أو كثيرًا. وإنَّما وجَّه من وجَّه تأويلَ ﴿أَزْكَى﴾ إلى الأكثرِ؛ لأنَّه وجَد العربَ تقولُ: قد زَكا مالُ فلانٍ. إذا كثرُ. وكما قال الشاعرُ:
قَبائلُنا سَبْعٌ وأنتم ثَلاثَةٌ … ولَلسَّبْعُ أَزكَى مِن ثلاثٍ وأطيبُ
بمعنى: أكثرُ. وذلك وإن كان كذلك، فإنَّ الحلالَ الجيِّدَ، وإن قلَّ، أكثرُ من الحرامِ الخبيثِ وإن كثُر.
وقيل: ﴿فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا﴾. فأُضِيف إلى كنايةِ المدينةِ، والمرادُ بها أهلُها؛ لأنَّ تأويلَ الكلام: فلْيَنْظُرْ أيُّ أهلِها أزكَى طعامًا. لمعرفةِ السامع بالمرادِ مِن الكلام.
وقد يَحْتَمِلُ أن يكونوا عَنَوا بقولِهم: ﴿أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا﴾: أَيُّها أحلُّ؛ من أجل أنَّهم كانوا فارَقوا قومَهم وهم أهلُ أوثانٍ، فلم يَسْتَجِيزوا أكلَ ذبيحتِهم.
وقولُه: ﴿فَلْيَأْتِكُم برزْقٍ مِنْهُ﴾.
طَعَامًا﴾: أَيُّها أحلُّ؛ من أجل أنَّهم كانوا فارَقوا قومَهم وهم أهلُ أوثانٍ، فلم يَسْتَجِيزوا أكلَ ذبيحتِهم.
وقولُه: ﴿فَلْيَأْتِكُم برزْقٍ مِنْهُ﴾. يقولُ: فَلْيَأْتِكم بقوتٍ منه تَقْتاتُونه، وطعامٍ تأْكُلونه.
كما حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلَمةُ، عن عبدِ العزيزِ بن أبي رَوَّادٍ، عن عبدِ اللهِ بن عبيدِ بن عُميرٍ: ﴿فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ﴾. قال بطعامٍ.
وقوله: ﴿وَلْيَتَلَطَّفْ﴾. يقولُ: وليترفقْ في شرائه ما يَشْتَرِى، وفي طريقِه ودخولِه المدينةَ، ﴿وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا﴾. يقولُ: ولا يُعْلِمَنَّ بكم أحدًا
من الناسِ.
وقولُه: ﴿إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ﴾. يَعنُون بذلك دقينوسَ وأصحابَه. قالوا: إنَّ دقينوسَ وأصحابَه إن يَظْهَروا عليكم فيَعْلَموا مكانَكم، يَرْجُموكم شتمًا بالقولِ.
كما حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ في قولِه: ﴿إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ﴾.
كم شتمًا بالقولِ.
كما حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ في قولِه: ﴿إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ﴾. قال: يَشْتُموكم بالقولِ، يُؤْذُوكم.
وقولُه: ﴿أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ﴾. يقولُ: أو يردُّوكم في دينِهم، فتصِيروا كفارًا بعبادةِ الأوثانِ، ﴿وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا﴾. يقولُ: ولن تُدْرِكوا الفلاحَ، وهو البقاءُ الدائمُ والخلودُ في الجنانِ، ﴿إِذًا﴾. أي: إن أنتم عُدْتم في ملتِهم، ﴿أَبَدًا﴾: أيامَ حياتِكم.
بدانهم وأشعارهم وأبشارهم، لم يفقدوا من أحوالهم وهيئاتهم شيئًا، وذلك بعد ثلاثمائة سنة وتسع سنين؛ ولهذا تساءلوا بينهم: (كَمْ لَبِثْتُمْ)؟ أي: كم رقدتم؟ (قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ) كأنه كان دخولهم إلى الكهف في أول نهار، واستيقاظهم كان في آخر نهار؛ ولهذا استدركوا فقالوا: (أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ) أي: الله أعلم بأمركم، وكأنه حصل لهم نوع تَرَدّد في كثرة نومهم، فالله أعلم، ثم عدلوا إلى الأهم في أمرهم إذ ذاك وهو احتياجهم إلى الطعام والشراب، فقالوا: (فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ) أي: فضتكم هذه.
ة نومهم، فالله أعلم، ثم عدلوا إلى الأهم في أمرهم إذ ذاك وهو احتياجهم إلى الطعام والشراب، فقالوا: (فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ) أي: فضتكم هذه. وذلك أنهم كانوا قد استصحبوا معهم دراهم من منازلهم لحاجتهم إليها، فتصدقوا منها وبقي منها؛ فلهذا قالوا: (فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ) أي: مدينتكم التي خرجتم منها والألف واللام للعهد.
(فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا) أي: أطيب طعامًا، كقوله: ﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا﴾ [النور: ٢١] وقوله ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى﴾ [الأعلى: ١٤] ومنه الزكاة التي تُطَيب المال وتطهره.
رَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا﴾ [النور: ٢١] وقوله ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى﴾ [الأعلى: ١٤] ومنه الزكاة التي تُطَيب المال وتطهره. وقيل: أكثر طعامًا، ومنه زكا الزرع إذا كثر، قال الشاعر:
قَبَاِئُلنا سَبْعٌ وَأَنْتُمْ ثَلاثَةٌ … وَللسَّبْعُ أزْكَى مِنْ ثَلاثٍ وَأطْيَبُ
والصحيح الأول؛ لأن مقصودهم إنما هو الطيب الحلال، سواء كان قليلا أو كثيرا.
وقوله (وَلْيَتَلَطَّفْ) أي: في خروجه وذهابه، وشرائه وإيابه، يقولون: وَلْيَتَخَفَّ كل ما يقدر عليه (وَلا يُشْعِرَنَّ) أي: ولا يعلمن (بِكُمْ أَحَدًا * إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ) أي: إن علموا بمكانكم، (يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ) يعنون أصحاب دقيانوس، يخافون منهم أن يطلعوا على مكانهم، فلا يزالون يعذبونهم بأنواع العذاب إلى أن يعيدوهم في ملتهم التي هم عليها أو
يموتوا، وإن واتَوهم على العود في الدين فلا فلاح لكم في الدنيا ولا في الآخرة، ولهذا قال (وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا).
قوله تعالى: ﴿فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ﴾.
في قوله هذه الآية ﴿أَزْكَى﴾ قولان للعلماء.
أحدهما: أن المراد بكونه ﴿أَزْكَى﴾ أطيب لكونه حلالًا ليس مما فيه حرام ولا شبهة.
والثاني: أن المراد بكونه أزكى أنه أكثر، كقولهم: زكا الزرع إذا كثر، وكقول الشاعر:
قبائلنا سبع وأنتم ثلاثة ... وللسبع أزكى من ثلاث وأطيب
أي: أكثر من ثلاثة.
والقول الأول هو الذي يدل له القرآن؛ لأن أكل الحلال
والعمل الصالح أمر الله به المؤمنين كما أمر المرسلين قال: ﴿يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا .. ﴾ الآية، وقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾.
ًا .. ﴾ الآية، وقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾. ويكثر في القرآن إطلاق مادة الزكاة على الطهارة كقوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (١٤)﴾ الآية، وقوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (٩)﴾، وقوله: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا﴾، وقوله: ﴿فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا (٨١)﴾، وقوله: ﴿أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ ... ﴾ الآية، إلى غير ذلك من الآيات.
فالزكاة في هذه الآيات ونحوها: يراد الطهارة من أدناس الذنوب والمعاصي، فاللائق بحال هؤلاء الفتية الأخيار المتقين أن يكون مطلبهم في مأكلهم: الحِلِّيَّة والطهارة، لا الكثرة. وقد قال بعض العلماء: إن عهدهم بالمدينة فيها مؤمنون يخفون إيمانهم، وكافرون. وأنهم يريدون الشراء من طعام المؤمنين دون الكافرين.
ّة والطهارة، لا الكثرة. وقد قال بعض العلماء: إن عهدهم بالمدينة فيها مؤمنون يخفون إيمانهم، وكافرون. وأنهم يريدون الشراء من طعام المؤمنين دون الكافرين. وأن ذلك هو مرادهم بالزكاة في قوله: ﴿أَزْكَى طَعَامًا﴾ وقيل: كان فيها أهل كتاب ومجوس. والعلم عند الله تعالى.
والوَرِق في قوله تعالى: ﴿فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ﴾: الفضة. وأخذ علماء المالكية وغيرهم من هذه الآية الكريمة مسائل من مسائل الفقه:
المسألة الأولى: جواز الوكالة وصحتها؛ لأن قولهم: ﴿فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ .. ﴾ الآية يدل على توكيلهم لهذا المبعوث لشراء الطعام. وقال بعض العلماء: لا تدل الآية على جواز التوكيل مطلقًا بل مع التقية والخوف؛ لأنهم لو خرجوا كلهم
لشراء حاجتهم لعلم بهم أعداؤهم في ظنهم فهم معذورون، فالآية تدل على توكيل المعذور دون غيره. وإلى هذا ذهب أبو حنيفة. وهو قول سحنون من أصحاب مالك في التوكيل على الخصام.
قال ابن العربي: وكأنَّ سحنون تلقَّفه من أسد بن الفرات، فحكم به أيام قضائه.
وإلى هذا ذهب أبو حنيفة. وهو قول سحنون من أصحاب مالك في التوكيل على الخصام.
قال ابن العربي: وكأنَّ سحنون تلقَّفه من أسد بن الفرات، فحكم به أيام قضائه. ولعله كان يفعل ذلك لأهل الظلم والجبروت إنصافًا منهم وإذلالًا لهم. وهو الحق، فإن الوكالة معونة ولا تكون لأهل الباطل اهـ.
وقال القرطبي: كلام ابن العربي هذا حسن؛ فأما أهل الدين والفضل فلهم أن يوكلوا وإن كانوا حاضرين أصحاء. والدليل على صحة جواز الوكالة للشاهد الصحيح: ما أخرجه الصحيحان وغيرهما عن أبي هريرة قال: كان لرجل على النبي ﷺ سن من الإبل، فجاء يتقاضاه فقال: "أعطوه" فطلبوا سِنَّهُ فلم يجدوا إلا سنًا فوقها. فقال "أعطوه" فقال: أوفيتني أوفى الله لك. قال النبي ﷺ: "إن خيركم أحسنكم قضاء" لفظ البخاري.
فدل هذا الحديث مع صحته على جواز توكيل الحاضر الصحيح البدن، فإن النبي ﷺ: أمر أصحابه أن يعطوا عنه السن التي عليه، وذلك توكيل منه لهم على ذلك، ولم يكن النبي ﷺ مريضًا ولا مسافرًا.
جواز توكيل الحاضر الصحيح البدن، فإن النبي ﷺ: أمر أصحابه أن يعطوا عنه السن التي عليه، وذلك توكيل منه لهم على ذلك، ولم يكن النبي ﷺ مريضًا ولا مسافرًا. وهذا يرد قول أبي حنيفة وسحنون في قولهما: إنه لا يجوز توكيل الحاضر الصحيح إلا برضا خصمه، وهذا الحديث خلاف قولهما اهـ كلام القرطبي.
ولا يخفى ما فيه؛ لأن أبا حنيفة وسحنونًا إنما خالفا في الوكالة على المخاصمة بغير إذن الخصم فقط، ولم يخالفا في
الوكالة في دفع الحق.
وبهذه المناسبة سنذكر إن شاء الله الأدلة من الكتاب والسنة على صحة الوكالة وجوازها، وبعض المسائل المحتاج إليها من ذلك، تنبيهًا بها على غيرها.
اعلم أولًا: أن الكتاب والسنة والإجماع كلها دل على جواز الوكالة وصحتها في الجملة؛ فمن الآيات الدالة على ذلك قوله تعالى هنا: ﴿فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا ..
ا في الجملة؛ فمن الآيات الدالة على ذلك قوله تعالى هنا: ﴿فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا .. ﴾ الآية، فإن عملهم عليها توكيل لهم على أخذها.
واستدل لذلك بعض العلماء أيضًا بقوله: ﴿اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي .. ﴾ الآية؛ فإنه توكيل لهم من يوسف على إلقائهم قميصه على وجه أبيه ليرتد بصيرًا.
واستدل بعضهم لذلك أيضًا بقوله تعالى عن يوسف: ﴿اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ﴾ الآية، فإنه توكيل على ما في خزائن الأرض.
وأما السنة: فقد دلت أحاديث كثيرة على جواز الوكالة وصحتها؛ من ذلك حديث أبي هريرة المتقدم في كلام القرطبي، الدال على التوكيل في قضاء الدين، وهو حديث متفق عليه. وأخرج الجماعة إلا البخاري من حديث أبي رافع عن النبي ﷺ نحوه.
ومنها حديث عروة بن أبي الجعد البارقي: أن النبي ﷺ -
أعطاه دينارًا ليشتري به له شاة، فاشترى له به شاتين.
إلا البخاري من حديث أبي رافع عن النبي ﷺ نحوه.
ومنها حديث عروة بن أبي الجعد البارقي: أن النبي ﷺ -
أعطاه دينارًا ليشتري به له شاة، فاشترى له به شاتين. فباع إحداهما بدينار وجاءه بدينار وشاة، فدعا بالبركة في بيعه؛ وكان لو اشترى التراب لربح فيه، رواه الإمام أحمد والبخاري وأبو داود والترمذي وابن ماجه والدارقطني، وفيه التوكيل على الشراء.
ومنها حديث جابر بن عبد الله ﵄ قال: أردت الخروج إلى خيبر، فأتيت رسول الله ﷺ فقلت: إني أردت الخروج إلى خيبر، فقال: "إذا أتيت وكيلي فخذ منه خمسة عشر وسقًا، فإن ابتغى منك آية فضع يدك على ترقوته" أخرجه أبو داود والدارقطني. وفيه التصريح منه ﷺ بأن له وكيلًا.
ومنها قوله ﷺ في الحديث الصحيح: "واغْدُ يا أنيس إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها" وهو صريح في التوكيل في إقامة الحدود.
ومنها حديث علي ﵁ قال: "أمرني رسول الله ﷺ أن أقوم على بدنه وأن أتصدق بلحومها وجلودها وأجلتها، وألا أعطي الجازر منها شيئًا، وقال: نحن نعطيه من عندنا" متفق عليه.
ث علي ﵁ قال: "أمرني رسول الله ﷺ أن أقوم على بدنه وأن أتصدق بلحومها وجلودها وأجلتها، وألا أعطي الجازر منها شيئًا، وقال: نحن نعطيه من عندنا" متفق عليه. وفيه التوكيل على القيام على البدن والتصدق بلحومها وجلودها وأجلتها، وعدم إعطاء الجازر شيئًا منها.
ومنها حديث عقبة بن عامر ﵁: أن النبي ﷺ أعطاه غنما يقسمها على أصحابه فبقى عتود، فذكره للنبي ﷺ، فقال "ضح أنت به" متفق عليه أيضًا. وفيه الوكالة في تقسيم الضحايا. والأحاديث بمثل ذلك كثيرة. وقد أخرج الشيخان في صحيحيهما طرفا كافيًا منها، ذكرنا بعضه هنا.
وقد قال ابن حجر في فتح الباري في كتاب الوكالة ما نصه: اشتمل كتاب الوكالة -يعني من صحيح البخاري- على ستة وعشرين حديثًا، المعلق منها ستة، والبقية موصولة.
د قال ابن حجر في فتح الباري في كتاب الوكالة ما نصه: اشتمل كتاب الوكالة -يعني من صحيح البخاري- على ستة وعشرين حديثًا، المعلق منها ستة، والبقية موصولة. المكرر منها فيه وفيما مضى اثنا عشر حديثًا، والبقية خالصة وافقه مسلم على تخريجها، سوى حديث عبد الرحمن بن عوف في قتل أمية بن خلف، وحديث كعب بن مالك في الشاة المذبوحة، وحديث وفد هوازن من طريقيه، وحديث أبي هريرة في حفظ زكاة رمضان، وحديث عقبة بن الحرث في قصة النعيمان، وفيه من الآثار عن الصحابة وغيرهم ستة آثار، والله أعلم. انتهى من فتح الباري. وكل تلك الأحاديث دالة على جواز الوكالة وصحتها.
وأما الإجماع فقد أجمع المسلمون على جواز الوكالة وصحتها في الجملة، قال ابن قدامة في المغني: وأجمعت الأمة على جواز الوكالة في الجملة، ولأن الحاجة داعية إلى ذلك؛ فإنه لا يمكن كلَّ أحد فعل ما يحتاج إليه، فدعت الحاجةُ إليها. انتهى منه.
ي المغني: وأجمعت الأمة على جواز الوكالة في الجملة، ولأن الحاجة داعية إلى ذلك؛ فإنه لا يمكن كلَّ أحد فعل ما يحتاج إليه، فدعت الحاجةُ إليها. انتهى منه. وهذا مما لا نزاع فيه.
فروع تتعلق بمسألة الوكالة
الفرع الأول: لا يجوز التوكيل إلا في شيء تصح النيابة فيه؛ فلا تصح في فعل محرم؛ لأن التوكيل من التعاون، والله يقول: ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ .. ﴾ الآية.
ولا تصح في عبادة محضة كالصلاة والصوم ونحوهما؛ لأن ذلك مطلوب من كل أحد بعينه، فلا ينوب فيه أحد عن أحد؛ لأن الله يقول: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦) . .﴾ الآية.
أما الحج عن الميت والمعضوب، والصوم عن الميت، فقد دلت أدلة أخر على النيابة في ذلك. وإن خالف كثير من العلماء في الصوم عن الميت؛ لأن العبرة بالدليل الصحيح من الوحي، لا بآراء العلماء إلا عند عدم النص من الوحي.
الفرع الثاني: ويجوز التوكيل في المطالبة بالحقوق وإثباتها والمحاكمة فيها، سواء كان الموكل حاضرًا أو غائبًا، صحيحًا أو مريضًا.
ا عند عدم النص من الوحي.
الفرع الثاني: ويجوز التوكيل في المطالبة بالحقوق وإثباتها والمحاكمة فيها، سواء كان الموكل حاضرًا أو غائبًا، صحيحًا أو مريضًا. وهذا قول جمهور العلماء، منهم مالك والشافعي وأحمد وابن أبي ليلى وأبو يوسف ومحمد وغيرهم. وقال أبو حنيفة: للخصم أن يمتنع من محاكمة الوكيل إذا كان الموكل حاضرًا غير معذور، لأن حضوره مجلس الحكم ومخاصمته حق لخصمه عليه، فلم يكن له نقله إلى غيره بغير رضا خصمه. وقد قدمنا في كلام القرطبي أن هذا قول سحنون أيضًا من أصحاب مالك. واحتج الجمهور بظواهر النصوص لأن الخصومة أمر لا مانع من الاستنابة فيه.
قال مقيده -عفا الله عنه-: الذي يظهر لي -والله تعالى أعلم- في مسألة التوكيل على الخصام والمحاكمة: أن الصواب فيها التفصيل.
فإن كان الموكل ممن عرف بالظلم والجبروت والادعاء بالباطل: فلا يقبل منه التوكيل لظاهر قوله تعالى: ﴿وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا (١٠٥)﴾. وإن كان معروفًا بغير ذلك فلا مانع من توكيله على الخصومة.
الباطل: فلا يقبل منه التوكيل لظاهر قوله تعالى: ﴿وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا (١٠٥)﴾. وإن كان معروفًا بغير ذلك فلا مانع من توكيله على الخصومة. والعلم عند الله تعالى.
الفرع الثالث: ويجوز التوكيل بجُعْل وبدون جُعْل، والدليل
على التوكيل بغير جعل: أنه ﷺ وكَّل أنيسًا في إقامة الحد على المرأة، وعروة البارقي في شراء الشاة من غير جعل. وأمثال ذلك كثير في الأحاديث التي ذكرنا غيرها.
والدليل على التوكيل بجُعْل قوله تعالى: ﴿وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا﴾ فإنه توكيل على جباية الزكاة وتفريقها بجُعْلٍ منها كما ترى.
الفرع الرابع: إذا عزل الموكل وكيله في غيبته وتصرف الوكيل بعد العزل وقبل العلم به، أو مات موكله وتصرف بعد موته وقبل العلم به، فهل يمضي تصرفه نظرًا لاعتقاده، أو لا يمضي نظرًا للواقع في نفس الأمر؛ في ذلك خلاف معروف بين أهل العلم مبني على قاعدة أصولية، وهي:
د موته وقبل العلم به، فهل يمضي تصرفه نظرًا لاعتقاده، أو لا يمضي نظرًا للواقع في نفس الأمر؛ في ذلك خلاف معروف بين أهل العلم مبني على قاعدة أصولية، وهي:
هل يستقل الحكم بمطلق وروده وإن لم يبلغ المكلف، أو لا يكون ذلك إلا بعد بلوغه للمكلف، ويبنى على الخلاف في هذه القاعدة الاختلاف في خمس وأربعين صلاة التي نسخت من الخمسين بعد فرضها ليلة الإسراء، هل يسمى ذلك نسخًا في حق الأمة لوروده، أو لا يسمى نسخًا في حقهم؛ لأنه وقع قبل بلوغ التكليف بالمنسوخ لهم. وإلى هذه المسألة أشار في مراقي السعود بقوله:
هل يستقل الحكم بالورود ... أو ببلوغه إلى الموجود
فالعزل بالموت أو العزل عرض ...
وغ التكليف بالمنسوخ لهم. وإلى هذه المسألة أشار في مراقي السعود بقوله:
هل يستقل الحكم بالورود ... أو ببلوغه إلى الموجود
فالعزل بالموت أو العزل عرض ... كذا قضاء جاهل للمفترض
ومسائل الوكالة معروفة مفصلة في كتب فروع المذاهب الأربعة، ومقصودنا ذكر أدلة ثبوتها بالكتاب والسنة والإجماع،
وذكر أمثلة من فروعها تنبيها بها على غيرها؛ لأنها باب كبير من أبواب الفقه.
المسألة الثانية: أخذ بعض علماء المالكية من هذه الآية الكريمة جواز الشَّرِكة؛ لأنهم كانوا مشتركين في الورق التي أرسلوها ليُشْتَرى لهم طعام بها.
وقال ابن العربي المالكي: لا دليل في هذه الآية على الشركة، لاحتمال أن يكون كل واحد منهم أرسل معه نصيبه منفردًا ليشتري له به طعامه منفردًا. وهذا الذي ذكره ابن العربي متجه كما ترى. وقد دلت أدلة أخرى على جواز الشركة.
ال أن يكون كل واحد منهم أرسل معه نصيبه منفردًا ليشتري له به طعامه منفردًا. وهذا الذي ذكره ابن العربي متجه كما ترى. وقد دلت أدلة أخرى على جواز الشركة. وسنذكر إن شاء الله بهذه المناسبة أدلة ذلك، وبعض مسائله المحتاج إليها، وأقوال العلماء في ذلك.
اعلم أولًا: أن الشركة جائزة في الجملة بالكتاب والسنة وإجماع المسلمين.
أما الكتاب: فقد دلت على ذلك منه آيات في الجملة، كقوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ عند من يقول: إن الخلطاء الشركاء، وقوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ الآية، وهي تدل على الاشتراك من جهتين.
وأما السنة: فقد دلت على جواز الشركة أحاديث كثيرة سنذكر هنا إن شاء الله طرفًا منها.
ءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ الآية، وهي تدل على الاشتراك من جهتين.
وأما السنة: فقد دلت على جواز الشركة أحاديث كثيرة سنذكر هنا إن شاء الله طرفًا منها. فمن ذلك ما أخرجه الشيخان عن ابن عمر ﵄، أن النبي ﷺ قال: "من أعتق شِرْكًا له في
عبد وكان له مال يبلغ ثمن العبد قوم العبد عليه قيمة عدل فأعطى شركاءه حصصهم، وإلا فقد عَتَق عليه ما عَتَق". وقد ثبت نحوه في الصحيح عن أبي هريرة عن النبي ﷺ، وفي التصريح منه ﷺ بالاشتراك في الرقيق. وقد ترجم البخاري ﵀ في صحيحه لحديث ابن عمر وأبي هريرة المذكورين بقوله: (باب الشركة في الرقيق). ومن ذلك: ما أخرجه الإمام أحمد والبخاري رحمهما الله عن أبي المنهال قال: اشتريت أنا وشريك لي شيئًا يدًا بيد ونسيئة، فجاءنا البراء بن عازب فسألناه فقال: فعلت أنا وشريكي زيد بن أرقم وسألنا النبي ﷺ عن ذلك فقال: "ما كان يدًا بيد فخذوه، وما كان نسيئة فذروه".
بيد ونسيئة، فجاءنا البراء بن عازب فسألناه فقال: فعلت أنا وشريكي زيد بن أرقم وسألنا النبي ﷺ عن ذلك فقال: "ما كان يدًا بيد فخذوه، وما كان نسيئة فذروه". وفيه إقراره ﷺ البراء وزيدًا المذكورين على ذلك الاشتراك.
وترجم البخاري ﵀ لهذا الحديث في كتاب الشركة بقوله: (باب الاشتراك في الذهب والفضة وما يكون فيه الصرف). ومن ذلك إعطاؤه ﷺ أرض خيبر لليهود ليعملوا فيها ويزرعوها، على أن لهم شطر ما يخرج من ذلك، وهو اشتراك في الغلة الخارجة منها. وقد ترجم البخاري ﵀ لهذا الحديث في كتاب الشركة بقوله: (باب مشاركة الذميين والمشركين في المزارعة). ومن ذلك ما أخرجه أحمد والبخاري عن جابر ﵁: أن النبي ﷺ قضى بالشفعة في كل ما لم يُقْسم، فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة. وترجم البخاري لهذا الحديث في كتاب الشركة بقوله: (باب الشركة في الأرضين وغيرها) ثم ساق الحديث بسند آخر. وترجم له أيضًا بقوله: (باب إذا قسم الشركاء الدور وغيرها، فليس لهم رجوع ولا شفعة).
لشركة بقوله: (باب الشركة في الأرضين وغيرها) ثم ساق الحديث بسند آخر. وترجم له أيضًا بقوله: (باب إذا قسم الشركاء الدور وغيرها، فليس لهم رجوع ولا شفعة). ومن
ذلك ما رواه أبو داود عن أبي هريرة مرفوعًا قال: إن الله يقول: "أنا ثالث الشريكين ما لم يخن أحدهما صاحبه، فإذا خانه خرجت من بينهما".
قال العلامة الشوكاني رحمه الله تعالى في نيل الأوطار في هذا الحديث: صححه الحاكم وأعله ابن القطان بالجهل بحال سعيد بن حيان، وقد ذكره ابن حبان في الثقات. وأعله أيضًا ابن القطان بالإرسال، فلم يذكر فيه أبا هريرة وقال: إنه الصواب، ولم يسنده غير أبي همام محمد بن الزبرقان وسكت أبو داود والترمذي على هذا الحديث، وأخرج نحوه أبو القاسم الأصبهاني في الترغيب والترهيب عن حكيم بن حزام. انتهى منه. ومن المعروف عن أبي داود ﵀ أنه لا يسكت عن الكلام في حديث إلا وهو يعتقد صلاحيته للاحتجاج.
اسم الأصبهاني في الترغيب والترهيب عن حكيم بن حزام. انتهى منه. ومن المعروف عن أبي داود ﵀ أنه لا يسكت عن الكلام في حديث إلا وهو يعتقد صلاحيته للاحتجاج. والسند الذي أخرجه به أبو داود الظاهر منه أنه صالح للاحتجاج، فإنه قال: حدثنا محمد بن سليمان المصيصي ثنا محمد ابن الزبرقان عن أبي حيان التيمي عن أبيه عن أبي هريرة ﵀ رفعه قال: إن الله يقول: "أنا ثالث الشريكين" إلى آخر الحديث.
فالطبقة الأولى من هذا الإسناد هي: محمد بن سليمان، وهو أبو جعفر العلاف الكوفي. ثم المصيصي لقبه لُوَيْن بالتصغير، وهو ثقة.
والطبقة الثانية منه: محمد بن الزبرقان أبو همام الأهوازي، وهو من رجال الصحيحين، وقال في التقريب: صدوق ربما وهم.
والطبقة الثالثة منه هي: أبو حيان التيمي، وهو يحيى بن
سعيد بن حيان الكوفيِّ، وهو ثقة.
والطَّبقة الرابعة منه هي: أبوه سعيد بن حيان المذكور الذي قدمنا في كلام الشوكاني أن ابن القطان أعل هذا الحديث بأنه مجهول، ورد ذلك بأن ابن حبان قد ذكره في الثقات. وقال ابن حجر في التقريب: إنَّه وثقه العجلي أيضًا.
نا في كلام الشوكاني أن ابن القطان أعل هذا الحديث بأنه مجهول، ورد ذلك بأن ابن حبان قد ذكره في الثقات. وقال ابن حجر في التقريب: إنَّه وثقه العجلي أيضًا.
والطَّبقة الخامسة منه: أبو هريرة رفعه.
فهذا إسناد صالح كما ترى. وإعلال الحديث بأنه روي موقوفًا من جهة أخرى، يقال فيه: إن الرَّفع زيادة وزيادة العدول مقبولة كما تقرر في الأصول وعلوم الحديث. ويؤيده كونه جاء من طريق أخرى عن حكيم بن حزام كما ذكرناه في كلام الشوكاني آنفًا.
ومن ذلك حديث السَّائب بن أبي السَّائب أنَّه قال للنبي ﷺ: كنت شريكي في الجاهلية فكنت خير شريك، لا تداريني ولا تماريني أخرجه أبو داود وابن ماجَهْ. ولفظه: كنت شريكي ونعم الشريك. كنت لا تداري ولا تماري وأخرجه أيضًا النَّسائيّ والحاكم وصححه. وفيه إقرار النَّبيّ ﷺ له على كونه كان شريكًا له.
ماجَهْ. ولفظه: كنت شريكي ونعم الشريك. كنت لا تداري ولا تماري وأخرجه أيضًا النَّسائيّ والحاكم وصححه. وفيه إقرار النَّبيّ ﷺ له على كونه كان شريكًا له. والأحاديث الدّالة على الشركة كثيرة جدًا.
وقد قال ابن حجر في فتح الباري في آخر كتاب الشركة ما نصه: اشتمل كتاب الشركة (يعني من صحيح البُخاريّ) من الأحاديث المرفوعة على سبعة وعشرين حديثًا، المعلق منها واحد، والبقية موصولة، المكرر منها فيه وفيما مضى ثلاثة عشر حديثًا،
والخالص أربعة عشر، وافقه مسلم على تخريجها سوى حديث النُّعمان "مثل القائم على حدود الله"، وحديثي عبد الله بن هشام، وحديثي عبد الله بن عمر، وحديث عبد الله بن الزُّبير في قصته، وحديث ابن عباس الأخير. وفيه من الآثار أثر واحد. والله أعلم انتهى كلام ابن حجر.
ه بن هشام، وحديثي عبد الله بن عمر، وحديث عبد الله بن الزُّبير في قصته، وحديث ابن عباس الأخير. وفيه من الآثار أثر واحد. والله أعلم انتهى كلام ابن حجر. وبهذا تعلم كثرة الأحاديث الدّالة على الشركة في الجملة.
وأمَّا الإجماع فقد أجمع جميع علماء المسلمين على جواز أنواع من أنواع الشركات، وإنَّما الخلاف بينهم في بعض أنواعها.
أعلم أولًا: أن الشركة قسمان: شركة أملاك، وشركة عقود.
فشركة الأملاك: أن يملك عينًا اثنان أو أكثر بإرث، أو شراء، أو هبة ونحو ذلك. وهي المعروفة عند المالكيّة بالشركة الأعمية.
وشركة العقود: تنقسم إلى شركة مفاوضة، وشركة عنان، وشركة وجوه، وشركة أبدان، وشركة مضاربة.
أو هبة ونحو ذلك. وهي المعروفة عند المالكيّة بالشركة الأعمية.
وشركة العقود: تنقسم إلى شركة مفاوضة، وشركة عنان، وشركة وجوه، وشركة أبدان، وشركة مضاربة. وقد تتداخل هذه الأنواع فيجتمع بعضها مع بعض.
أما شركة الأملاك فقد جاء القرآن الكريم بها في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ﴾ ولا خلاف فيها بين العلماء.
وأما أنواع شركة العقود فسنذكر إن شاء الله هنا معانيها، وكلام العلماء فيها، وأمثلة للجائز منها تنبيهًا بها على غيرها، وما ورد من الأدلة في ذلك.
أعلم: أن شركة المفاوضة مشتقة من التفويض؛ لأنَّ كل واحد منهما يفوض أمر التصرف في مال الشركة إلى الآخر؛ ومن هذا قوله تعالى عن مؤمن آل فرعون: ﴿وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ .. ﴾ الآية.
وقيل: أصلها من المساواة؛ لاستواء الشريكين فيها في التصرف والضمان. وعلى هذا فهي من الفوضى بمعنى التساوي. ومنه قوله الأفوه الأودي:
لا يصلح النَّاس فوضى لا سراة لهم ... ولا سراة إذا جهالهم سادوا
إذا تولى سراة النَّاس أمرهم ...
ا فهي من الفوضى بمعنى التساوي. ومنه قوله الأفوه الأودي:
لا يصلح النَّاس فوضى لا سراة لهم ... ولا سراة إذا جهالهم سادوا
إذا تولى سراة النَّاس أمرهم ... نما على ذاك أمر القوم وازدادوا
فقوله: "لا يصلح النَّاس فوضى" أي: لا تصلح أمورهم في حال كونهم فوضى، أي متساوين لا أشراف لهم يأمرونهم وينهونهم. والقول الأوَّل هو الصواب. هذا هو أصلها في اللُّغة.
وأمَّا شركة العنان: فقد اختلف في أصل اشتقاقها اللغوي؛ فقيل: أصلها من عنّ الأمر يعن -بالكسر والضم- عنَّا وعنونًا إذا عرض؛ ومنه قوله امرئ القيس:
فعَنَّ لنا سِرْبٌ كأنَّ نِعاجَه ... عَذَارى دوارٍ في مُلاءٍ مُذَيَّل
قال ابن منظور في اللسان: وشِرْكُ العنان وشِرْكَةُ العنان: شَرِكَة في شيء خاص دون سائر أموالهما؛ كأنه عنَّ لهما شيء فاشترياه واشتركا فيه. واستشهد لذلك بقوله النابغة الجعدي:
فشاركنا قريشًا في تُقاها ... وفي أحسابها شِرْك العنان
بما ولدت نساءُ بني هلال ...
ّ لهما شيء فاشترياه واشتركا فيه. واستشهد لذلك بقوله النابغة الجعدي:
فشاركنا قريشًا في تُقاها ... وفي أحسابها شِرْك العنان
بما ولدت نساءُ بني هلال ... وما ولدَتْ نساء بني أبان
وبهذا تعلم: أن شركة العنان معروفة في كلام العرب، وأن قوله ابن القاسم من أصحاب مالك: إنَّه لا يعرف شركة العنان عن مالك، وأنَّه لم يَر أحدًا من أهل الحجاز يعرفها، وإنَّما يروى عن مالك والشَّافعيّ من أنَّهما لم يطلقا هذا الاسم على هذه الشركة، وأنهما قالا: هي كلمة تطرق بها أهل الكوفة ليمكنهم التَّمييز بين الشركة العامة والخاصة من غير أن يكون مستعملًا في كلام العرب = كلُّ ذلك فيه نظر لما عرفت أن كان ثابتًا عنهم.
قال مقيده -عفا الله عنه وغفر له-:
اعلم أن مراد النابغة في بيتيه المذكورين: *بما ولدت نساء بني هلال* ابن عامر بن صعصعة، أن منهم لبابة الكبرى، ولبابة الصغرى، وهما أختان، ابنتا الحارث بن حزن بن بجير بن الهُزَم بن رُوَيبة بن عبد الله بن هلال، وهما أختا ميمونة بنت الحارث زوج النَّبيّ ﷺ.
الكبرى، ولبابة الصغرى، وهما أختان، ابنتا الحارث بن حزن بن بجير بن الهُزَم بن رُوَيبة بن عبد الله بن هلال، وهما أختا ميمونة بنت الحارث زوج النَّبيّ ﷺ.
أما لبابة الكبرى: فهي زوج العباس بن عبد المطلب ﵁، وهي أم أبنائه: عبد الله، وعبيد الله، والفضل، وبه كانت تكنى، وفيها يقول الراجز:
ما ولدت نجيبة من فحل ... كستة من بطن أم الفضل
وأمَّا لبابة الصغرى: فهي أم خالد بن الوليد ﵁، وعمتهما صفية بنت حزن هي أم أبي سفيان بن حرب، وهذا مراده *بما ولدت نساء بني هلال*.
وأمَّا نساء بني أبان: فإنَّه يعني أن أبا العاص، والعاص، وأبا العيص، والعيص أبناء أميَّة بن عبد شمس، أمهم آمنة بنت أبان بن كليب بن ربيعة ابن عامر بن صعصعة. فهذه الأرحام المختلطة بين العامريين وبين قريش هي مراد النابغة بمشاركتهم لهم في الحسب والتقى - شرك العنان.
وقيل: إن شركة العنان أصلها من عنان الفرس؛ كما يأتي إيضاحه إن شاء الله.
لعامريين وبين قريش هي مراد النابغة بمشاركتهم لهم في الحسب والتقى - شرك العنان.
وقيل: إن شركة العنان أصلها من عنان الفرس؛ كما يأتي إيضاحه إن شاء الله. وهو المشهور عند العلماء.
وقيل: هي من المعاناة بمعنى المعارضة، يقال: عاننته إذا عارضته بمثل ماله أو فعاله، فكل واحد من الشريكين يعارض الآخر بماله وفعاله. وهي بكسر العين على الصَّحيح خلافًا لمن زعم فتحها، ويروى عن عياض وغيره وادعاء أن أصلها من عنان السماء بعيد جدًا كما ترى.
وأمَّا شركة الوجوه: فأصلها من الوجاهة؛ لأنَّ الوجيه تتبع ذمته بالدين، وإذا باع شيئًا باعه بأكثر مما يبيع به الخامل.
وأمَّا شركة الأبدان: فأصلها اللغوي واضح؛ لأنهما يشتركان بعمل أبدانهما، ولذا تسمى شركة العمل، إذ ليس الاشتراك فيها بالمال، وإنَّما هو بعمل البدن.
وأمَّا شركة المضاربة وهي القراض: فأصلها من الضرب في الأرض؛ لأنَّ التاجر يسافر في طلب الربح.
لعمل، إذ ليس الاشتراك فيها بالمال، وإنَّما هو بعمل البدن.
وأمَّا شركة المضاربة وهي القراض: فأصلها من الضرب في الأرض؛ لأنَّ التاجر يسافر في طلب الربح. والسفر يكنى عنه بالضرب في الأرض، كما في قوله تعالى: ﴿وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ الآية، وقوله: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ
أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ ... ﴾ الآية.
فإذا عرفت معاني أنواع الشركة في اللُّغة، فسنذكر لك إن شاء الله تعالى هنا معانيها المرادة بها في الاصطلاح عند الأئمة الأربعة وأصحابهم، وأحكامها؛ لأنهم مختلفون في المراد بها اصطلاحًا، وفي بعض أحكامها.
أما مذهب مالك في أنواع الشركة وأحكامها فهذا تفصيله:
اعلم أن شركة المفاوضة جائزة عند مالك وأصحابه.
هم مختلفون في المراد بها اصطلاحًا، وفي بعض أحكامها.
أما مذهب مالك في أنواع الشركة وأحكامها فهذا تفصيله:
اعلم أن شركة المفاوضة جائزة عند مالك وأصحابه. والمراد بشركة المفاوضة عندهم هو أن يطلق كل واحد منهما التصرف لصاحبه في المال الذي اشتركا فيه غيبة وحضورًا، وبيعًا وشراءًا، وضمانًا وتوكيلًا، وكفالة وقراضًا، فما فعل أحدهما من ذلك لزم صاحبه إذا كان عائدًا على شركتهما.
ولا يكونان شريكين إلَّا فيما يعقدان عليه الشركة من أموالهما، دون ما ينفرد به كل واحد منهما من ماله.
دهما من ذلك لزم صاحبه إذا كان عائدًا على شركتهما.
ولا يكونان شريكين إلَّا فيما يعقدان عليه الشركة من أموالهما، دون ما ينفرد به كل واحد منهما من ماله. وسواء اشتركا في كل ما يملكانه أو في بعض أموالهما، وتكون يد كل منهما كيد صاحبه، وتصرفه كتصرفه ما لم يتبرع بشيء ليس في مصلحة الشركة.
وسواء كانت المفاوضة بينهما في جميع أنواع المتاجر أو في نوع واحد منها، كرقيق يتفاوضان في التجارة فيه فقط، ولكل واحد منهما أن يبيع بالدين ويشتري به ويلزم ذلك صاحبه وهذا هو الصواب؛ خلافًا لخليل في مختصره في الشراء بالدين.
وقد أشار خليل في مختصره إلى جواز شركة المفاوضة في مذهب مالك مع تعريفها، وما يستلزمه عقدها من الأحكام بالنسبة
إلى الشركين بقوله: "ثم إن أطلقا التصرف وإن بنوع فمفاوضة.
مختصره إلى جواز شركة المفاوضة في مذهب مالك مع تعريفها، وما يستلزمه عقدها من الأحكام بالنسبة
إلى الشركين بقوله: "ثم إن أطلقا التصرف وإن بنوع فمفاوضة. ولا يفسدها انفراد أحدهما بشيء، وله أن يتبرع إن استألفَ به أو خفَّ كإعارة آلة ودَفْع كِسْرة، ويُبْضع ويقارض ويودع لعُذْر وإلا ضمن، ويشارك في معيَّن ويقيل ويولِّي ويقبل المعيبَ وإن أبي الآخر، ويقر بدينٍ لمن لا يتهم عليه، ويبيع بالدين لا الشراء به؛ ككتابة وعتقٍ على مال، وإذنٌ لعبد في تجارة أو مفاوضة".
وقد قدمنا أن الشراء بالدين كالبيع به؛ فللشريك فعله بغير إذن شريكه على الصَّحيح من مذهب مالك خلافًا لخليل. وأمَّا الكتابة والعتق على المال وما عطف عليه؛ فلا يجوز شيء منه إلَّا بإذن الشريك.
واعلم: أن شركة المفاوضة هذه في مذهب مالك لا تتضمن شيئًا من أنواع الغرر التي حرمت من أجلها شركة المفاوضة عند الشَّافعية ومن وافقهم؛ لأنَّ ما استفاده أحد الشريكين المتفاوضين من طريق أخرى كالهبة والإرث، واكتساب مباح؛ كاصطياد واحتطاب ونحو ذلك لا يكون شيء منه لشريكه.
ّافعية ومن وافقهم؛ لأنَّ ما استفاده أحد الشريكين المتفاوضين من طريق أخرى كالهبة والإرث، واكتساب مباح؛ كاصطياد واحتطاب ونحو ذلك لا يكون شيء منه لشريكه. كما أن ما لزمه غرمه خارجًا عن الشركة كأرش جناية، وثمن مغصوب ونحو ذلك، لا شيء منه على شريكه، بل يقتصر كل ما بينهما على ما كان متعلقًا بمال الشركة، فكل منهما وكيل عن صاحبه، وكفيل عليه في جميع ما يتعلق بمال الشركة، وهكذا اقتضاء العقد الذي تعاقدا عليه. فلا موجب للمنع ولا غرر في هذه الشركة عند المالكية؛ لأنهم لا يجعلون المتفاوضين شريكين في كل ما اكتسبا جميعًا حتَّى يحصل الغرر بذلك، ولا متضامنين في كل ما جنيا حتَّى يحصل الغرر
بذلك؛ بل هو عقد على أن كل واحد منهما نائب عن الآخر في كل التصرفات في مال الشركة، وضامن عليه في كل ما يتعلق بالشركة. وهذا لا مانع منه كما ترى، وبه تعلم أن اختلاف المالكية والشافعية في شركة المفاوضة خلاف في حال، لا في حقيقة.
وأمَّا شركة العنان: فهي جائزة عند الأئمة الأربعة؛ مع اختلافهم في تفسيرها.
علم أن اختلاف المالكية والشافعية في شركة المفاوضة خلاف في حال، لا في حقيقة.
وأمَّا شركة العنان: فهي جائزة عند الأئمة الأربعة؛ مع اختلافهم في تفسيرها. وفي معناها في مذهب مالك قولان، وهي جائزة على كلا القولين: الأوَّل وهو المشهور: أنَّها هي الشركة التي يشترط كل واحد من الشريكين فيها على صاحبه ألا يتصرف في مال الشركة إلَّا بحضرته وموافقته، وعلى هذا درج خليل في مختصره بقوله: "وإن اشترطا نفي الاستبداد فعنان"، وهي على هذا القول من عنان الفرس؛ لأنَّ عنان كل واحد من الشريكين بيد الآخر فلا يستطيع الاستقلال دونه بعمل، كالفرس التي يأخذ راكبها بعنانها، فإنَّها لا تستطيع الذهاب إلى جهة بغير رضاه.
والقول الثَّاني عند المالكيّة: أن شركة العنان هي الاشتراك في شيء خاص. وبهذا جزم ابن رشد ونقله عنه المواق في شرح قول خليل: "وإن اشترطا نفي الاستبداد" إلخ.
ول الثَّاني عند المالكيّة: أن شركة العنان هي الاشتراك في شيء خاص. وبهذا جزم ابن رشد ونقله عنه المواق في شرح قول خليل: "وإن اشترطا نفي الاستبداد" إلخ. وهذا المعنى الأخير أقرب للمعروف في اللُّغة كما قدمنا عن ابن منظور في اللسان.
وأمَّا شركة الوجوه: فلها عند العلماء معان:
الأوَّل منها: هو أن يشترك الوجيهان عند النَّاس بلا مال ولا صنعة؛ بل ليشتري كل واحد منهما بمؤجل في ذمته لهما معًا. فإذا باعا كان الربح الفاضل عن الأثمان بينهما.
وهذا النوع من شركة الوجوه هو المعروف عند المالكيّة
بشركة الذمم، وهو فاسد عند المالكيّة والشافعية، خلافًا للحنفية والحنابلة. ووجه فساده ظاهر؛ لما فيه من الغرر، لاحتمال أن يخسر هذا ويربح هذا كالعكس. وإلى فساد هذا النوع من الشركة أشار ابن عاصم المالكي في تحفته بقوله:
وفسخها إن وقعت على الذمم ...
فيه من الغرر، لاحتمال أن يخسر هذا ويربح هذا كالعكس. وإلى فساد هذا النوع من الشركة أشار ابن عاصم المالكي في تحفته بقوله:
وفسخها إن وقعت على الذمم ... ويقسمان الربح حكم ملتزم
المعنى الثَّاني من معانيها: أن يبيع وجيه مال خاملٍ بزيادة ربح، على أن يكون له بعض الربح الذي حصل في البيع بسبب وجاهته؛ لأنَّ الخامل لو كان هو البائع لما حصل ذلك الربح. وهذا النوع أيضًا فاسد؛ لأنَّه عوض جاه، كما قاله غير واحد من أهل العلم.
والمعنى الثالث: أن يتفق وجيه وخامل على أن يشتري الوجيه في الذمة ويبيع الخامل ويكون الربح بينهما. وهذا النوع أيضًا فاسد عند المالكيّة والشافعية، لما ذكرنا من الغرر سابقًا.
وأمَّا شركة الأبدان عند المالكية؛ فهو جائز بشروط، وهي: أن يكون عمل الشريكين متحدًا كخياطين. أو متلازمًا كأن يغزل أحدهما وينسج الآخر؛ لأنَّ النسج لابد له من الغزل، وأن يتساويا في العمل جودة ورداءة وبطأ وسرعة، أو يتقاربا في ذلك، وأن يحصل التعاون بينهما.
ا كأن يغزل أحدهما وينسج الآخر؛ لأنَّ النسج لابد له من الغزل، وأن يتساويا في العمل جودة ورداءة وبطأ وسرعة، أو يتقاربا في ذلك، وأن يحصل التعاون بينهما. وإلى جواز هذا النوع من الشركة بشروطه أشار خليل في مختصره بقوله: "وجازت بالعمل إن اتحد أو تلازم وتساويا فيه أو تقاربا وحصل التعاون، وإن بمكانين. وفي جواز إخراجِ كلّ آلةً واستئجارِه من الآخر، أو لابد من ملك أو كراء تأويلان، كطبيبين اشتركا في الدواء، وصائدين في البازين. وهل
وإن افترقا، رُوِيَت عليهما، وحافرَيْن بكَرِكَازٍ ومعدنٍ، ولم يستحق وارثه بقيته وأقطعه الإمام، وقيد بما لم يبد، ولزمه ما يقبله صاحبه، وإن تفاصلا وألغِيَ مرض كيومين .." إلخ.
وبهذا نعلم أن شركة الأبدان جائزة عند المالكيّة في جميع أنواع العمل؛ من صناعات بأنواعها، وطب واكتساب مباح، كالاصطياد والاحتشاش والاحتطاب، وغير ذلك بالشروط المذكورة. وقال ابن عاصم في تحفته:
شركة بمال أو بعمل ...
العمل؛ من صناعات بأنواعها، وطب واكتساب مباح، كالاصطياد والاحتشاش والاحتطاب، وغير ذلك بالشروط المذكورة. وقال ابن عاصم في تحفته:
شركة بمال أو بعمل ... أو بهما تجوز لا لأجل
وبقي نوع معروف عند المالكيّة من أنواع الشركة يسمى في الاصطلاح بـ"شركة الجبر" وكثير من العلماء يخالفهم في هذا النوع الذي هو "شركة الجبر".
وشركة الجبر: هي أن يشتري شخص سلعة بسوقها المعهود لها، ليتجر بها بحضرة بعض تجار جنس تلك السلعة الذين يتجرون فيها، ولم يتكلم أولئك التجار الحاضرون. فإن لهم إن أرادوا الاشتراك في تلك السلعة مع ذلك المشتري أو يجبروه على ذلك، ويكونون شركاؤه في تلك السلعة شاء أو أبي.
وشركتهم هذه معه جبرًا عليه، هي "شركة الجبر" المذكورة. فإن كان اشتراها ليقتنيها لا ليتجر بها، أو اشتراها ليسافر بها إلى محل آخر ولو للتجارة بها فيه = فلا جبر لهم عليه. وأشار خليل في مختصره إلى "شركة الجبر" بقوله: "وأُجْبِر عليها إن اشترى شيئًا بسوقه لا لِكَسَفَرٍ أو قُنية، وغيره حاضر لم يتكلم من تُجَّارِه.
لهم عليه. وأشار خليل في مختصره إلى "شركة الجبر" بقوله: "وأُجْبِر عليها إن اشترى شيئًا بسوقه لا لِكَسَفَرٍ أو قُنية، وغيره حاضر لم يتكلم من تُجَّارِه. وهل
في الزُّقاق لا كبيته قولان".
وأمَّا شركة المضاربة: فهي القراض، وهو أن يدفع شخص إلى آخر مالًا ليتجر به على جزء من ربحه يتفقان عليه. وهذا النوع جائز بالإجماع إذا استوفى الشروط، كما سيأتي إن شاء الله دليله.
وأما أنواع الشركة في مذهب الشَّافعي ﵀ فهي أربعة، ثلاثة منها باطلة في مذهبه، والرابع صحيح.
وأمَّا الثلاثة الباطلة: فالأول منها "شركة الأبدان" كشركة الحمالين، وسائر المحترفين؛ كالخياطين، والنجارين، والدلالين، ونحو ذلك، ليكون بينهما كسبهما متساويًا أو متفاوتًا مع اتفاق الصنعة أو اختلافها.
فاتفاق الصنعة كشركة خياطين، واختلافها كشركة خياط ونجار ونحو ذلك.
لين، ونحو ذلك، ليكون بينهما كسبهما متساويًا أو متفاوتًا مع اتفاق الصنعة أو اختلافها.
فاتفاق الصنعة كشركة خياطين، واختلافها كشركة خياط ونجار ونحو ذلك. كل ذلك باطل في مذهب الشَّافعي، ولا تصح عنده الشركة إلَّا بالمال فقط لا بالعمل.
ووجه بطلان شركة الأبدان عند الشَّافعية: هو أنَّها شركة لا مال فيها، وأن فيها غررًا؛ لأنَّ كل واحد منهما لا يدري أيكتسب صاحبه شيئًا أم لا، ولأن كل واحد منهما متميز ببدنه ومنافعه فيختص بفوائده، كما لو اشتركا في ماشيتهما وهي متميزة على أن يكون النسل والدر بينهما، وقياسًا على الاحتطاب والاصطياد. هكذا توجيه الشَّافعية للمنع في هذا النوع من الشركة.
وقد علمت فيما مر شروط جواز هذا النوع عند المالكيّة، إذ بتوفر الشروط المذكورة ينتفي الغرر.
والثَّاني من الأنواع الباطلة عند الشَّافعية: هو شركة المفاوضة، وهي عندهم أن يشتركا على أن يكون بينهما جميع كسبهما بأموالهما وأبدانهما، وعليهما جميع ما يعرض لكل واحد منهما من غرم، سواء كان بغصب أو إتلاف أو بيع فاسد أو غير ذلك.
يشتركا على أن يكون بينهما جميع كسبهما بأموالهما وأبدانهما، وعليهما جميع ما يعرض لكل واحد منهما من غرم، سواء كان بغصب أو إتلاف أو بيع فاسد أو غير ذلك. ولا شك أن هذا النوع مشتمل على أنواع من الغرر فبطلانه واضح، وهو ممنوع عند المالكيّة، ولا يجيزون هذا ولا يعنونه بـ"شركة المفاوضة" كما قدمنا.
وقد قال الشَّافعي ﵀ في هذا النوع: إن لم تكن شركة المفاوضة باطلة، فلا باطل أعرفه في الدُّنيا. يشير إلى كثرة الغرر والجهالات فيها؛ لاحتمال أن يكسب كل واحد منهما كسبًا دون الآخر، وأن تلزم كل واحد منهما غرامات دون الآخر، فالغرر ظاهر في هذا النوع جدًا.
والثالث من الأنواع الباطلة عند الشَّافعية: هو "شركة الوجوه" وهي عندهم أن يشترك الوجيهان ليبتاع كل واحد منهما بمؤجل في ذمته لهما معًا فإذا باعا كان الفاضل من الأثمان بينهما. وهذا النوع هو المعروف عند المالكيّة بـ"شركة الذمم".
ترك الوجيهان ليبتاع كل واحد منهما بمؤجل في ذمته لهما معًا فإذا باعا كان الفاضل من الأثمان بينهما. وهذا النوع هو المعروف عند المالكيّة بـ"شركة الذمم". ووجه فساده ظاهر، لما فيه من الغرر؛ لأنَّ كلًا منهما يشتري في ذمته ويجعل كل منهما للآخر نصيبًا من ربح ما اشترى في ذمته، مقابل نصيب من ربح ما اشترى الآخر في ذمته. والغرر في مثل هذا ظاهر جدًا.
وبقية أنواع "شركة الوجوه" ذكرناه في الكلام عليها في مذهب مالك، وكلها ممنوعة في مذهب مالك ومذهب الشَّافعي، ولذا اكتفينا بما قدمنا عن الكلام على بقية أنواعها في مذهب الشَّافعي.
أما النوع الرابع من أنواع الشركة الذي هو صحيح عند الشَّافعية: فهو "شركة العنان" وهي: أن يشتركا في مال لهما ليتجرا فيه. ويشترط فيها عندهم صيغة تدل على الإذن في التصرف في مال الشركة، فلو اقتصرا على لفظ "اشتركنا" لم يكف على الأصح عندهم.
ويشترط في الشريكين أهلية التوكيل والتوكل، وهذا الشرط مجمع عليه.
ى الإذن في التصرف في مال الشركة، فلو اقتصرا على لفظ "اشتركنا" لم يكف على الأصح عندهم.
ويشترط في الشريكين أهلية التوكيل والتوكل، وهذا الشرط مجمع عليه. وتصح "شركة العنان" عند الشَّافعية في المثليات مطلقًا دون المقومات، وقيل: تختص بالنقد المضروب.
ويشترط عندهم فيها خلط المالين؛ بحيث لا يتميز أحدهما من الآخر. والحيلة عندهم في الشركة في العروض: هي أن يبيع كل واحد بعض عرضه ببعض عرض الآخر ويأذن له في التصرف، ولا يشترط عندهم تساوي المالين. والربح والخسران على قدر المالين، سواء تساويا في العمل أو تفاوتا.
ع كل واحد بعض عرضه ببعض عرض الآخر ويأذن له في التصرف، ولا يشترط عندهم تساوي المالين. والربح والخسران على قدر المالين، سواء تساويا في العمل أو تفاوتا. وإن شرطا خلاف ذلك فسد العقد، ويرجع كل واحد منهما على الآخر بأجرة عمله في ماله.
عقد الشركة المذكورة يسلط كل واحد منهما على التصرف في مال الشركة بلا ضرر، فلا يبيع بنسيئة، ولا بغبن فاحش، ولا يبضعه بغير إذن شريكه، ولكل منهما فسخها متى شاء.
وأمَّا تفصيل أنواع الشركة في مذهب الإمام أبي حنيفة ﵀، فهو أن الشركة تنقسم إلى ضربين:
شركة ملك، وشركة عقد.
فشركة الملك واضحة؛ كأن يملكان شيئًا بإرث أو هبة ونحو
ذلك كما تقدم. وشركة العقد عندهم تنقسم إلى ثلاثة أقسام:
شركة بالمال، وشركة بالأعمال، وشركة بالوجوه.
ركة الملك واضحة؛ كأن يملكان شيئًا بإرث أو هبة ونحو
ذلك كما تقدم. وشركة العقد عندهم تنقسم إلى ثلاثة أقسام:
شركة بالمال، وشركة بالأعمال، وشركة بالوجوه. وكل قسم من هذه الأقسام الثلاثة عندهم ينقسم قسمين: مفاوضة، وعنان؛ فالمجموع ستة أقسام.
أما شركة المفاوضة عندهم: فهي جائزة إن توفرت شروطها، وهي عندهم الشركة التي تتضمن وكالة كل من الشريكين للآخر، وكفالة كل منهما الآخر، ولابد فيها من مساواة الشريكين في المال والدِّين والتصرف.
فبتضمنها الوكالة يصح تصرَّف كل منهما في نصيب الآخر.
وبتضمنها الكفالة يطلب كل منهما بما لزم الآخر.
وبمساواتهما في المال يمتنع أن يستبد أحدهما بشيء تصح الشركة فيه دون الآخر.
صرَّف كل منهما في نصيب الآخر.
وبتضمنها الكفالة يطلب كل منهما بما لزم الآخر.
وبمساواتهما في المال يمتنع أن يستبد أحدهما بشيء تصح الشركة فيه دون الآخر. ولذا لو ورث بعد العقد شيئًا تصح الشركة فيه كالنقد بطلت المفاوضة، ورجعت الشركة شركة عنان.
وبتضمنها المساواة في الدِّين تمتنع بين مسلم وكافر.
وبتضمنها المساواة في التصرف تمتنع بين بالغ وصبي، وبين حر وعبد، وكل ما اشتراه واحد من شريكي المفاوضة فهو بينهما؛ إلَّا طعام أهله وكسوتهم، وكل دين لزم أحدهما بتجارة وغصب وكفالة لزم الآخر.
ولا تصح عندهم شركة مفاوضة أو عنان بغير النقدين والتبر والفلوس النافقه. والحيلة في الشركة في العروض عندهم، هي ما
قدمناه عن الشَّافعية، فهم متفقون في ذلك.
وأمَّا شركة العنان فهي جائزة عند الحنفية. وقد قدمنا الإجماع على جوازها على كل المعاني التي تراد بها عند العلماء.
وشركة العنان عند الحنفية: هي الشركة التي تتضمن الوكالة وحدها، ولم تتضمن الكفالة.
د قدمنا الإجماع على جوازها على كل المعاني التي تراد بها عند العلماء.
وشركة العنان عند الحنفية: هي الشركة التي تتضمن الوكالة وحدها، ولم تتضمن الكفالة. وهي: أن يشتركا في نوع بز أو طعام أو في عموم التجارة، ولم يذكر الكفالة.
ويعلم من هذا: أن كل ما اشتراه أحدهما كان بينهما، ولا يلزم أحدهما ما لزم الآخر من الغرامات، وتصح عندهم شركة العنان المذكورة مع التساوي في المال دون الربح وعكسه إذا كانت زيادة الربح لأكثرهما عملًا؛ لأنَّ زيادة الربح في مقابلة زيادة العمل وفاقًا للحنابلة. وعند غيرهم لابد أن يكون الربح بحسب المال. ولو اشترى أحد الشريكين "شركة العنان" بثمن فليس لمن باعه مطالبة شريكه الآخر؛ لأنها لا تتضمن الكفالة بل يطالب الشريك الذي اشترى منه فقط، ولكن الشريك يرجع على شريكه بحصته. ولا يشترط في هذه الشركة عندهم خلط المالين، فلو اشترى أحدهما مسألة وهلك مال الآخر كان المشتري بينهما، ويرجع على شريكه بحصته منه.
وتبطل هذه الشركة عندهم بهلاك المالين أو أحدهما قبل الشراء.
الين، فلو اشترى أحدهما مسألة وهلك مال الآخر كان المشتري بينهما، ويرجع على شريكه بحصته منه.
وتبطل هذه الشركة عندهم بهلاك المالين أو أحدهما قبل الشراء. وتفسد عندهم باشتراط دراهم مسماة من الربح لأحدهما. ويجوز عندهم لكل من شريكي المفاوضة والعنان: أن يبضع ويستأجر، ويودع ويضارب ويوكل. ويد كل منهما في مال الشركة يد أمانة، كالوديعة والعارية.
وأمَّا شركة الأعمال ففيها تفصيل عند الحنفية. فإن كان العمل من الصناعات ونحوها جازت عندهم شركة الأعمال، ولا يشترطون اتحاد العمل أو تلازمه؛ خلافًا للمالكية كما تقدم. فيجوز عند الحنفية أن يشترك خياطان مثلًا، أو خياط وصباغ على أن يتقبلا الأعمال، ويكون الكسب بينهما، وكل عمل يتقبله أحدهما يلزمهما؛ وإذا عمل أحدهما دون الآخر فما حصل من عمله فهو بينهما.
مثلًا، أو خياط وصباغ على أن يتقبلا الأعمال، ويكون الكسب بينهما، وكل عمل يتقبله أحدهما يلزمهما؛ وإذا عمل أحدهما دون الآخر فما حصل من عمله فهو بينهما. وإنَّما استحق فيه الذي لم يعمل لأنَّه ضمنه بتقبل صاحبه له، فاستحق نصيبه منه بالضمان.
وهذا النوع الذي أجازه الحنفية لا يخفى أنَّه لا يخلو من غرر في الجملة عند اختلاف صنعة الشريكين؛ لاحتمال أن يحصل أحدهما أكثر مما حصله الآخر. فالشروط التي أجاز بها المالكيّة "شركة الأعمال" أحوط وأبعد من الغرر كما ترى.
وأمَّا إن كانت الأعمال من جنس اكتساب المباحات فلا تصح فيها الشركة عند الحنفية؛ كالاحتطاب والاحتشاش، والاصطياد واجتناء الثمار من الجبال والبراري، خلافًا للمالكية والحنابلة.
ووجه منعه عند الحنفية: أن من اكتسب مباحًا كحطب أو حشيش أو صيد ملكه ملكًا مستقلًا؛ فلا وجه لكون جزء منه لشريك آخر؛ لأنَّه لا يصح التوكيل فيه ومن أجازه قال: إن كل واحد منهما جعل للآخر نصيبًا من ذلك المباح الذي يكتسبه في مقابل النصيب الذي يكتسبه الآخر.
نه لشريك آخر؛ لأنَّه لا يصح التوكيل فيه ومن أجازه قال: إن كل واحد منهما جعل للآخر نصيبًا من ذلك المباح الذي يكتسبه في مقابل النصيب الذي يكتسبه الآخر. والمالكية القائلون بجواز هذا يشترطون اتحاد العمل أو تقاربه، فلا غرر في ذلك، ولا موجب للمنع. وفي اشتراط ذلك عند الحنابلة خلاف كما سيأتي إن شاء الله.
وأمَّا "شركة الوجوه" التي قدمنا أنَّها هي المعروفة عند المالكيّة "بشركة الذمم" وقدمنا منعها عند المالكيّة والشافعية؛ فهي جائزة عند الحنفية، سواء كانت مفاوضة أو عنانًا. وقد علمت مما تقدم أن المفاوضة عندهم تتضمن الوكالة والكفالة. وأن العنان تتضمن الوكالة فقط، وإن اشترط الشريكان في "شركة الوجوه" مناصفة المشتري أو مثالثته؛ فالربح كذلك عندهم. وبطل عندهم شرط الفضل؛ لأنَّ الربح عندهم لا يستحق إلَّا بالعمل؛ كالمضارب. أو بالمال كرب المال. أو بالضمان كالأستاذ الذي يتقبل العمل من النَّاس ويلقيه على التلميذ بأقل مما أخذ، فيطيب له الفضل بالضمان؛ هكذا يقولون.
كالمضارب. أو بالمال كرب المال. أو بالضمان كالأستاذ الذي يتقبل العمل من النَّاس ويلقيه على التلميذ بأقل مما أخذ، فيطيب له الفضل بالضمان؛ هكذا يقولون. ولا يخفى ما في "شركة الوجوه" من الغرر.
وأعلم أن الربح في الشركة الفاسدة على حسب المال إن كانت شركة مال ، وعلى حسب العمل إن كانت شركة عمل، وهذا واضح، وتبطل الشركة بموت أحدهما.
وأمَّا تفصيل أنواع الشركة في مذهب الإمام أحمد ﵀؛ فهي أيضًا قسمان: شركة أملاك، وشركة عقود.
وشركة العقود عند الحنابلة خمسة أنواع: شركة العنان، والأبدان، والوجوه، والمضاربة، والمفاوضة.
أما شركة الأبدان فهي جائزة عندهم، سواء كان العمل من الصناعات أو اكتساب المباحات. أما مع اتحاد العمل فهي جائزة عندهم بلا خلاف. وأمَّا مع اختلاف العمل فقال أبو الخطَّاب: لا تجوز وفاقًا للمالكية. وقال القاضي: تجوز وفاقًا للحنفية في
وإن اشتركا على أن يتقبل أحدهما العمل ويعمله الثَّاني والأجرة بينهما صحت الشركة عند الحنابلة والحنفية خلافًا لزفر.
وقال القاضي: تجوز وفاقًا للحنفية في
وإن اشتركا على أن يتقبل أحدهما العمل ويعمله الثَّاني والأجرة بينهما صحت الشركة عند الحنابلة والحنفية خلافًا لزفر. والربح في شركة الأبدان على ما اتفقوا عليه عند الحنابلة.
وأمَّا شركة الوجوه التي قدمنا أنَّها هي المعروفة بشركة الذمم عند المالكيّة فهي جائزة أيضًا في مذهب الإمام أحمد وفاقًا لأبي حنيفة، وخلافًا لمالك والشافعيُّ.
وأمَّا شركة العنان فهي جائزة أيضًا عند الإمام أحمد. وقد قدمنا الإجماع على جوازها. وهي عندهم: أن يشترك رجلان بماليهما على أن يعملا فيهما بأبدانهما والربح بينهما.
العنان فهي جائزة أيضًا عند الإمام أحمد. وقد قدمنا الإجماع على جوازها. وهي عندهم: أن يشترك رجلان بماليهما على أن يعملا فيهما بأبدانهما والربح بينهما. وهذه الشركة إنَّما تجوز عندهم بالدنانير والدراهم، ولا تجوز بالعروض.
وأمَّا شركة المفاوضة: فهي عند الحنابلة قسمان: أحدهما جائز، والآخر ممنوع.
وأمَّا الجائز منهما فهو: أن يشتركا في جميع أنواع الشركة؛ كأن يجمعا بين شركة العنان والوجوه والأبدان فيصح ذلك؛ لأنَّ كل نوع منها يصح على انفراده فصح مع غيره.
وأمَّا النوع الممنوع عندهم منها فهو: أن يدخلا بينهما في الشركة الاشتراك فيما يحصل لكل واحد منهما من ميراث أو يجده من ركاز أو لقطة. ويلزم كل واحد منهما ما لزم الآخر من أرش جناية وضمان غصب، وقيمة متلف، وغرامة ضمان، وكفالة. وفساد هذا النوع ظاهر لما فيه من الغرر كما ترى.
وأمَّا شركة المضاربة -وهي القراض-: فهي جائزة عند
الجميع.
ة وضمان غصب، وقيمة متلف، وغرامة ضمان، وكفالة. وفساد هذا النوع ظاهر لما فيه من الغرر كما ترى.
وأمَّا شركة المضاربة -وهي القراض-: فهي جائزة عند
الجميع. وقد قدمنا أنَّها هي: أن يدفع شخص لآخر مالًا يتجر فيه على أن يكون الربح بينهما بنسبة يتفقان عليها، وكون الربح في المضاربة بحسب ما اتفقا عليه لا خلاف فيه بين العلماء، سواء كان النصف أو أقل أو أكثر لرب المال أو للعامل.
وأمَّا شركة العنان عند الشَّافعية والحنابلة والحنفية والمالكية، وشركة المفاوضة عند المالكيّة: فاختلف في نسبة الربح، فذهب مالك والشَّافعيّ إلى أنَّه لابد من كون الربح والخسران بحسب المالين، وذهب أبو حنيفة وأحمد إلى أن الربح بينهما على ما اتفقا عليه، فلهما أن يتساويا في الربح مع تفاضل المالين.
وحجة القول الأوَّل: أن الربح تبع للمال، فيلزم أن يكون بحسبه. وحجة القول الأخير أن العمل مما يستحق به الربح، وقد يكون أحدهما أبصر بالتجارة وأقوى على العمل من الآخر، فتزاد حصته لزيادة عمله.
هذا خلاصة مذاهب الأئمة الأربعة في أنواع الشركة.
ل مما يستحق به الربح، وقد يكون أحدهما أبصر بالتجارة وأقوى على العمل من الآخر، فتزاد حصته لزيادة عمله.
هذا خلاصة مذاهب الأئمة الأربعة في أنواع الشركة. وقد علمت أنهم أجمعوا على جواز شركة العنان، وشركة المضاربة، وشركة الأملاك. واختلفوا فيما سوى ذلك. فأجاز الحنفية والحنابلة شركة الوجوه، ومنعها المالكية والشافعية.
وأجاز المالكية والحنفية والحنابلة شركة الأبدان إلَّا في اكتساب المباحات فقط فلم يجزه الحنفية. ومنع الشَّافعية شركة الأبدان مطلقًا.
وأجاز المالكية شركة المفاوضة، وصوروها بصورة العنان
عند الشَّافعية والحنابلة.
وأجاز الحنفية شركة المفاوضة، وصوروها بغير ما صورها به المالكيّة، وأجاز الحنابلة نوعًا من أنواع المفاوضة وصوروه بصورة مخالفة لتصوير غيرهم لها؛ ومنع الشَّافعية المفاوضة كما منعوا شركة الأبدان والوجوه. وصوروا المفاوضة بصورة أخرى كما تقدم.
والشافعية إنَّما يجيزون الشركة بالمثلي مطلقًا نقدًا أو غيره، لا بالمقومات.
والحنفية لا يجيزونها إلَّا بالنقدين والتبر والفلوس النافقة.
أخرى كما تقدم.
والشافعية إنَّما يجيزون الشركة بالمثلي مطلقًا نقدًا أو غيره، لا بالمقومات.
والحنفية لا يجيزونها إلَّا بالنقدين والتبر والفلوس النافقة. والحنابلة لا يجيزونها إلَّا بالدنانير والدراهم كما تقدَّم جميع ذلك.
وقد بينا كيفية الحيلة في الاشتراك بالعروض عند الشَّافعية والحنفية، وعند المالكيّة تجوز بدنانير من كل واحد منهما، وبدراهم من كل واحد منهما، وبدنانير ودراهم من كل واحد منهما، وبنقد من أحدهما وعرض من الآخر، وبعرض من كل واحد منهما سواء اتفقا أو اختلفا، وقيل: إن اتفقا لا إن اختلفا، إلَّا أن العروض تقوَّم. وأمَّا خلط المالين فلابد منه عند الشَّافعي ﵀ حتَّى لا يتميز أحدهما عن الآخر كما تقدم. ويكفي في مذهب مالك أن يكون المالان في حوز واحد، ولو كان كل واحد من المالين في صرته لم يختلط بالآخر. ولا يشترط خلط المالين عند الحنفية كما تقدم.
تقدم. ويكفي في مذهب مالك أن يكون المالان في حوز واحد، ولو كان كل واحد من المالين في صرته لم يختلط بالآخر. ولا يشترط خلط المالين عند الحنفية كما تقدم. وكذلك لا يشترط خلط المالين عند الحنابلة.
فتحصَّل أنَّه لم يشترط خلط المالين إلَّا الشَّافعية؛ وأن المالكيّة
إنَّما يشترطون كون المالين في محل واحد؛ كحانوت أو صندوق، وإن كان كل واحد منهما متميزًا عن الآخر.
فإذا عرفت ملخص كلام العلماء في أنواع الشركة، فسنذكر ما تيسر من أدلتها. أما النوع الذي تسميه المالكيّة "مفاوضة" ويعبر عنه الشَّافعية والحنابلة بـ"شركة العنان"؛ فقد يستدل له بحديث البراء بن عازب الذي قدمنا عن البُخاريّ والإمام أحمد، فإنَّه يدل على الاشتراك في التجارة والبيع والشراء؛ لأنَّ المقصود بالاشتراك التعاون على العمل المذكور، فينوب كل واحد من الشريكين عن الآخر. ويدل لذلك أيضًا حديث أبي هريرة يرفعه قال: إن الله يقول: "أنا ثالث الشريكين .. " الحديث المتقدم.
لى العمل المذكور، فينوب كل واحد من الشريكين عن الآخر. ويدل لذلك أيضًا حديث أبي هريرة يرفعه قال: إن الله يقول: "أنا ثالث الشريكين .. " الحديث المتقدم. وقد بينا كلام العلماء فيه، وبينا أنَّه صالح للاحتجاج، وهو ظاهر في أنَّهما يعملان معًا في مال الشركة بدليل قوله: "ما لم يخن أحدهما صاحبه .. " الحديث. ويدل لذلك أيضًا حديث السائب بن أبي السائب المتقدم في أنَّه كان شريك النَّبيّ ﷺ كما تقدم، وهو اشتراك في التجارة والبيع والشراء.
وأمَّا شركة الأبدان فيحتج لها بما رواه أبو عبيدة عن أبيه عبد الله بن مسعود ﵁ قال: اشتركت أنا وعمار وسعد فيما نُصِيب يوم بدر قال: فجاء سعد بأسيرين ولم أجيء أنا وعمار بشيء؛ رواه أبو داود والنَّسائيُّ وابن ماجَهْ، وقال المجد في "منتقى الأخبار" بعد أن ساقه: وهو حجة في شركة الأبدان وتملك المباحات. وأُعِلَّ هذا الحديث بأن أبا عبيدة لم يسمع من أبيه عبد الله المذكور فالحديث مرسل.
"منتقى الأخبار" بعد أن ساقه: وهو حجة في شركة الأبدان وتملك المباحات. وأُعِلَّ هذا الحديث بأن أبا عبيدة لم يسمع من أبيه عبد الله المذكور فالحديث مرسل. وقد قدمنا مرارًا أن الأئمة الثلاثة
يحتجون بالمرسل خلافًا للمحدثين.
وأمَّا المضاربة فلم يثبت فيها حديث صحيحٌ مرفوع، ولكن الصّحابة أجمعوا عليها لشيوعها وانتشارها فيهم من غير نكير. وقد مضى على ذلك عمل المسلمين من لدن الصّحابة إلى الآن من غير نكير. قال ابن حزم في مراتب الإجماع: كل أبواب الفقه فلها أصل من الكتاب والسنة، حاشا القراض فما وجدنا له أصلًا فيهما ألبتة، ولكنه إجماع صحيح مجرد. والذي يقطع به أنَّه كان في عصر النَّبيّ ﷺ فعلم به وأقره، ولولا ذلك لما جاز. اهـ منه بواسطة نقل الشوكاني في نيل الأوطار.
واعلم أن اختلاف الأئمة الذي قدمنا في أنواع الشركة المذكورة راجع إلى الاختلاف في تحقيق المناط، فبعضهم يقول: هذه الصورة يوجد فيها الغرر، وهو مناط المنع فهي ممنوعة، فيقول الآخر: لا غرر في هذه الصورة يوجب المنع، فمناط المنع ليس موجودًا فيها.
مناط، فبعضهم يقول: هذه الصورة يوجد فيها الغرر، وهو مناط المنع فهي ممنوعة، فيقول الآخر: لا غرر في هذه الصورة يوجب المنع، فمناط المنع ليس موجودًا فيها. والعلم عند الله تعالى.
المسألة الثالثة: أخذ بعض علماء المالكيّة وغيرهم من هذه الآية الكريمة التي نحن بصددها أيضًا: جواز خلط الرفقاء طعامهم وأكل بعضهم مع بعض، وإن كان بعضهم أكثر أكلًا من الآخر؛ لأنَّ أصحاب الكهف بعثوا ورقهم ليشترى لهم بها طعام يأكلونه جميعًا. وقد قدمنا في كلام ابن العربي أنَّه تحتمل انفراد ورق كل واحد منهم وطعامه؛ فلا تدل الآية على خلطهم طعامهم. كما قدمنا عنه: أنَّه لا تدل على الاشتراك للاحتمال المذكور، وله وجه كما ترى.
وقال ابن العربي: ولا معول في هذه المسألة إلَّا على
حديثين، أحدهما: أن ابن عمر مر بقوم يأكلون تمرًا فقال: نهى رسول الله ﷺ عن الاقتران إلَّا أن يستأذن الرجل أخاه. والثَّاني: حديث أبي عبيدة في جيش الخبط.
حديثين، أحدهما: أن ابن عمر مر بقوم يأكلون تمرًا فقال: نهى رسول الله ﷺ عن الاقتران إلَّا أن يستأذن الرجل أخاه. والثَّاني: حديث أبي عبيدة في جيش الخبط. وهذا دون الأوَّل في الظهور؛ لأنَّه يحتمل أن يكون أبو عبيدة يعطيهم كفافًا من ذلك القوت ولا يجمعهم اهـ كلام ابن العربي المالكي رحمه الله تعالى.
قال مقيده -عفا الله عنه-: هذا النوع من الاشتراك وهو خلط الرفقة طعامهم واشتراكهم في الأكل فيه: هو المعروف بـ"النهد" بكسر النون وفتحها، ولجوازه أدلة من الكتاب والسنة.
أما دليل ذلك من الكتاب: فقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾ فإنَّها تدل على خلط طعام اليتيم مع طعام وصيه وأكلهما جميعًا، وقوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا﴾ ومن صور أكلهم جميعًا أن يكون الطَّعام بينهم فيأكلون جميعًا.
وأمَّا السنة: فقد دلت على ذلك أحاديث صحيحة.
احٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا﴾ ومن صور أكلهم جميعًا أن يكون الطَّعام بينهم فيأكلون جميعًا.
وأمَّا السنة: فقد دلت على ذلك أحاديث صحيحة. منها حديث جابر بن عبد الله ﵄ قال: "بعث رسول الله ﷺ بعثًا إلى الساحل، فأمر عليهم أبا عبيدة بن الجراح، وهم ثلثمائة نفر، وأنا فيهم. فخرجنا حتَّى إذا كُنَّا ببعض الطَّريق فنى الزاد، فأمر أبو عبيدة بأزواد ذلك الجيش، فجمع ذلك كله، فكان مزودي تمر، فكان يقوتنا كل يوم قليلًا حتَّى فني، فلم يكن يصيبنا إلَّا تمرة تمرة. فقلت: وما تغني تمرة؟ فقال لقد وجدنا فقدها حين فنيت. ثم انتهينا إلى البحر فإذا حوت .. " الحديث.
يوم قليلًا حتَّى فني، فلم يكن يصيبنا إلَّا تمرة تمرة. فقلت: وما تغني تمرة؟ فقال لقد وجدنا فقدها حين فنيت. ثم انتهينا إلى البحر فإذا حوت .. " الحديث. وهذا الحديث ثابت في الصَّحيح، واللفظ الذي سقناه به لفظ البُخاريّ في كتاب "الشركة".
وفيه جَمْع أبي عبيدة بقية أزواد القوم وخلطها في مزودي تمر، ولم ينكر عليه ﷺ بعد قدومهم إليه.
ومنها حديث سلمة ابن الأكوع ﵁ قال: خفت أزواد القوم وأملقوا، فأتوا النَّبيّ ﷺ في نحر إبلهم، فأذن لهم فلقيهم عمر فأخبروه فقال: ما بقاؤكم بعد إبلكم، فدخل على النَّبيّ ﷺ فقال: يا رسول الله، ما بقاؤهم بعد إبلهم؟
ا، فأتوا النَّبيّ ﷺ في نحر إبلهم، فأذن لهم فلقيهم عمر فأخبروه فقال: ما بقاؤكم بعد إبلكم، فدخل على النَّبيّ ﷺ فقال: يا رسول الله، ما بقاؤهم بعد إبلهم؟ فقال رسول الله ﷺ: "ناد في النَّاس فيأتون بفضل أزوادهم" فبسط لذلك نطع وجعلوه على النطع، فقام رسول الله ﷺ فدعا وبرك عليه، ثم دعاهم بأوعيتهم فاحتثى النَّاس حتَّى فرغوا، ثم قال رسول الله ﷺ: "أشهد أن لا إله إلَّا الله وأني رسول الله" هذا الحديث ثابت في الصَّحيح، واللفظ الذي سقناه به للبخاري أيضًا في كتاب "الشركة" وفيه: خلط طعامهم بعضه مع بعض.
ومنها حديث ابن عمر ﵄ قال: نهى النَّبيّ ﷺ أن يقرن الرجل بين التمرتين جميعًا حتَّى يستأذن أصحابه. في رواية في الصَّحيح: أن النَّبيّ ﷺ نهى عن الإقران إلَّا أن يستأذن الرجل منكم أخاه. كل هذا ثابت في الصَّحيح واللفظ للبخاري ﵀ في كتاب "الشركة". وإذن صاحبه له يدل على اشتراكهما في التمر كما ترى. وهذا الذي ذكرنا جوازه من خلط الرفقاء طعامهم وأكلهم منه جميعًا.
ح واللفظ للبخاري ﵀ في كتاب "الشركة". وإذن صاحبه له يدل على اشتراكهما في التمر كما ترى. وهذا الذي ذكرنا جوازه من خلط الرفقاء طعامهم وأكلهم منه جميعًا. هو مراد البُخاريّ ﵀ بلفظ "النهد" في قوله "كتاب الشركة، الشركة في الطَّعام والنهد -إلى قوله- لم يَر المسلمون في النهد بأسًا أن يأكل هذا بعضًا وهذا بعضًا" إلخ.
فروع تتعلق بمسألة الشركة
الأوَّل: إن دفع شخص دابته لآخر ليعمل عليها وما يرزق الله بينهما نصفين أو أثلاثًا أو كيفما شرطًا؛ ففي صحة ذلك خلاف بين العلماء، فقال بعضهم: يصح ذلك. وهو مذهب الإمام أحمد، ونقل نحوه عن الأوزاعي. وقال بعضهم: لا يصح ذلك، وما حصل فهو للعامل وعليه أجرة مثل الدابة. وهذا هو مذهب مالك. قال ابن قدامة في "المغني": وكره ذلك الحسن والنخعي. وقال الشَّافعي وأبو ثور وابن المنذر وأصحاب الرأي: لا يصح، والربح كله لرب الدابة، وللعامل أجرة مثله.
هذا حاصل كلام أهل العلم في هذه المسألة.
والنخعي. وقال الشَّافعي وأبو ثور وابن المنذر وأصحاب الرأي: لا يصح، والربح كله لرب الدابة، وللعامل أجرة مثله.
هذا حاصل كلام أهل العلم في هذه المسألة. وأقوى الأقوال دليلًا عندي فيها: مذهب من أجاز ذلك، كالإمام أحمد، بدليل حديث رويفع بن ثابت قال: إن كان أحدنا في زمن رسول الله ﷺ ليأخذ نضو أخيه على أن له النصف مما يغنم ولنا النصف، وإن كان أحدنا ليطير له النصل والريش وللآخر القدح. هذا الحديث أخرجه أحمد وأبو داود والنَّسائيُّ. قال الشوكاني في "نيل الأوطار": إسناد أبي داود فيه شيبان بن أميَّة القتباني وهو مجهول، وبقية رجاله ثقات. وقد أخرجه النَّسائيّ من غير طريق هذا المجهول بإسناد رجاله كلهم ثقات، والحديث دليل صريح على جواز دفع الرجل إلى الآخر راحلته في الجهاد على أن تكون الغنيمة بينهما. وهو عمل على الدابة على أنّ ما يرزق الله بينهما كما ترى. والتفريق بين العمل في الجهاد وبين غيره لا يظهر.
راحلته في الجهاد على أن تكون الغنيمة بينهما. وهو عمل على الدابة على أنّ ما يرزق الله بينهما كما ترى. والتفريق بين العمل في الجهاد وبين غيره لا يظهر. والعلم عند الله تعالى.
الفرع الثَّاني: أن يشترك ثلاثة: من أحدهم دابة، ومن آخر
راوية، ومن الثالث العمل: على أن ما رزق الله تعالى فهو بينهم، فهل يجوز هذا؟ اختلف في ذلك. فمن العلماء من قال لا يجوز هذا. وهو مذهب مالك، وهو ظاهر قول الشَّافعي؛ وممن قال بذلك: القاضي من الحنابلة وأجازه بعض الحنابلة. وقال ابن قدامة في "المغني": إنَّه صحيح في قياس قول أحمد ﵀.
الفرع الثالث: أن يشترك أربعة: من أحدهم دكان، ومن آخر رحى، ومن آخر بغل، ومن الرابع العمل، على أن يطحنوا بذلك، فما رزق الله تعالى فهو بينهم، فهل يصح ذلك أو لا. اختلف فيه، فقيل: يصح ذلك وهو مذهب الإمام أحمد. وخالف فيه القاضي من الحنابلة وفاقًا للقائلين بمنع ذلك كالمالكية. قال ابن قدامة: ومَنْعه هو ظاهر قول الشَّافعي؛ لأنَّ هذا لا يجوز أن يكون مشاركة ولا مضاربة.
فيه القاضي من الحنابلة وفاقًا للقائلين بمنع ذلك كالمالكية. قال ابن قدامة: ومَنْعه هو ظاهر قول الشَّافعي؛ لأنَّ هذا لا يجوز أن يكون مشاركة ولا مضاربة. فلو كان صاحب الرحى، وصاحب الدابة، وصاحب الحانوت اتفقوا على أن يعملوا جميعًا وكان كراء الحانوت والرحى والدابة متساويًا، وعمل أربابها متساويًا فهو جائز عند المالكيّة. وهذه المسألة هي التي أشار إليها خليل في مختصره بقوله عاطفًا على ما لا يجوز: "وذي رحًى، وذي بيت، وذي دابة ليعملوا إن لم يتساو الكراء وتساووا في الغلة وترادوا الأكرية. وإن اشْتُرط عمل رب الدابة فالغلة له وعليه كراؤهما".
ولا يخفى أن "الشركة" باب كبير من أبواب الفقه، وأن مسائلها مبينة باستقصاء في كتب فروع الأئمة الأربعة ﵃. وقصدنا هنا أن نبين جوازها بالكتاب والسنة والإجماع. ونذكر أقسامها ومعانيها اللغوية والاصطلاحية، واختلاف العلماء
فيها. وبيان أقوالهم، وذكر بعض فروعها تنبيهًا بها على غيرها، وقد أتينا على جميع ذلك. والحمد لله رب العالمين.
•